كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في البلد الذي لا تجوز فيه الناقصة، وهي تجري فيه عددا بغير وزن على أن ينفقها، ويبين بنقصانها ولا يغش بها، فلم ير سحنون قطعه إياها على هذا الوجه جرحة، إذا كان لا يغش بها غيره، ورأى ابن القاسم في رواية أصبغ ذلك جرحة، وإن جهل أن ذلك لا يجوز له؛ لأن المكروه في ذلك بيِّن، لا يصدق أحد في أنه جهله، ورأى ابن القاسم، في كتاب ابن المواز أنها جرحة إلا أن يعذر بجهل، وهذا أعدل الأقوال، وأما إن قطعها وردها ناقصة، وغش بها، فلا إشكال، ولا اختلاف في أن ذلك جرحة، تسقط عدالته وشهادته، وأما إن قطعها وهي مقطوعة أو غير مقطوعة، إلا أنها لا تجوز بأعيانها، وإنما يتبايع بها بالميزان، فلا إشكال ولا اختلاف في أن ذلك ليس بجرحة، وإن كان عالما بمكروه ذلك، ويحتمل أن يكون تكلم سحنون على قطع الدنانير المقطوعة، أو التي ليست بمقطوعة، وهي تجري بالميزان، وتكلم ابن القاسم في رواية أصبغ عنه على قطع الدنانير التي تجوز بأعيانها وردها ناقصة ليغش بها، وتكلم فيما حكى عنه ابن المواز على أنه فعل ذلك، وبين بنقصانها، ولم يغش بها، فلا يكون في شيء من ذلك اختلاف، وقد مضى تحصيل القول فيما يجوز من قطع الدنانير والدراهم، مما لا يجوز في قول أصبغ من سماع ابن القاسم وغيره، من كتاب الصرف، فمن أحب الوقوف على الشفاء من ذلك تأمله في تلك المواضع، وسيأتي في آخر رسم القضاء المحض، من سماع أصبغ، القول في تحليف الرجل أباه هل هو جرحة أم لا؟ وبالله التوفيق.
مسألة: هل يمكن القاضي المشهود عليه من التجريح في كل الشهود
مسألة قيل لسحنون: أرأيت التجريح هل يمكن القاضي المشهود عليه من التجريح في كل الشهود إذا طعن الخصم في ذلك، أو طلب إليه أن يمكنه من التجريح، هل يمكنه في الرجل البائن
الفضل المبرز في العدالة؟ قال: نعم، يمكنه من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: المرء يجرح أخوه بأنه عدو
مسألة قال سحنون: إذا جاءت الجرحة في الإخوة والعم الأدنى ذي الرأي والشرف والتجمل؛ فإنه لا يجرح أخ من جرح أخاه ولا عمه الذي هذه حالهما؛ لما يدافع من عيب من هو وجهه ولسانه، ومن جرحته له سبة، وعيب عليه، وهذا كله يرجع من الموالي أنه كان يدفع ذلك عن نفسه، قال: وأما سوى هؤلاء فجرحته وشهادته وعدالته له جائزة، قلت: أفيجرح المرء عن ابن أخيه وعن ابن عمه؟ قال: نعم، هذا... ولا يشتم أحد بابن عمه أنه غير عدل، ولا يدخل منه حشمة ولا عيب إلا ما هو بعيد، لا ترد من أجله شهادته ولا تقوى به تهمته، وسئل عن المرء يجرح أخوه بأنه عدو، هل يجرح أخ المجروح من جرح أخاه؟ قال: نعم، لا عيب في العداوة، ولا حشمة وصير جرحة بالعداوة قليل، ألا ترى أن شهادته في أعظم من الجرحة بالعداوة نفعا وخطرا جائزة، وهو أن يشهد له بالمال العظيم، ويخرجه عنه من
شهد عليه بالمال العظيم ذلك جائز منه، لا اختلاف فيه عند أحد من علمائنا.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: إن هذا الشاهد يجرح من جرح أخاه بعداوة صحيح على القول بأنه يعدله، وأما على القول بأنه لا يعدله، فلا يجرح من جرح أخاه بعداوة ولا بإسفاه، وقد قيل: إنه يجرح من جرحه بعداوة أو بإسفاه على القول بأنه يعدله، وهو ينحو إلى قول من يجيز شهادته له فيما عدا الأقوال مما تقع فيه الظنة بالعصبية والحمية من القتل والحدود، فقول سحنون هذا في تفرقته بين أن يجرح من جرحه بعداوة أو بإسفاه قول ثالث في المسألة، فلا يجوز على مذهبه لمن جرح أخوه بفسق، أن يجرح من جرحه بفسق ولا بعداوة، ويجوز لمن جرح أخوه بعداوة أن يجرح من جرح أخاه بفسق وبعداوة، ولا اختلاف في أن للرجل أن يجرح من جرح عمه بعداوة؛ إذ لا اختلاف في أنه يعدله، وإنما يختلف في تجريح من جرحه بإسفاه على قولين، فإنما يتحصل الثلاثة الأقوال في تجريح الرجل من جرح أخاه، ورأيت لابن دحون أنه قال: معنى قول سحنون إذا جرح عمك وأخوك بفسق، فلا يجوز لك أن تجرح من جرحه بفسق، ويجوز لك أن تجرحه بعداوة، وإن جرح عمك أو أخوك بعداوة، جاز لك أن تجرح من جرحه بفسق أو عداوة، وهو بعيد غير صحيح في المعنى، فتدبره.
وقد مضى في أول رسم، من سماع ابن القاسم، تحصيل القول فيما تجوز فيه شهادة الأخ لأخيه مما لا تجوز، والأصل في هذا الاختلاف كله قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه» والظنين المتهم، فاختلافهم إنما يعود إلى ما يغلب على ظن كل واحد منهم في أنه متهم في المعنى الذي شهد فيه أو غير متهم فيه؛ إذ هو الذي تعبد
الحاكم كما أنه تعبد في أن يقبل شهادة الشاهد، إذا غلب على ظنه عدالته، ويردها إذا غلب على ظنه أنه غير عدل، أو لم يكن له به علم؛ إذ لا طريق له إلى العلم بذلك والقطع عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهد عليه فيقيم المشهود عليه البينة أنه عدو له مهاجر له
مسألة وسئل سحنون عن الرجل يشهد عليه الرجل، فيقيم المشهود عليه البينة أنه عدو له مُهَاجِر له، هل تسقط عنه شهادته؟ فقال: إن كان عدوا له أصل عداوتهما في أمر الدنيا في الأموال والمواريث والتجارات، ونحو ذلك من أمر الدنيا، فإن شهادته عنه ساقطة، وإن كانت عداوة الشاهد للمشهود عليه إنما هي غضب لله لجرمه وخونه وفسقه، وجرأته على الله، لا لغير ذلك، فأرى شهادته غير ساقطة.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا صحيح مفسر لجميع الروايات؛ لأن العداوة إن كانت غضبا لله، فهي واجبة، ولا تسقط شهادة الشاهد بما هو مأمور به، وواجب عليه، وإنما تسقط بما هو منهي عنه، ومحظور عليه، من الهجران الذي هو محرم في الشريعة؛ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، ولهذا المعنى لم تسقط شهادة القاضي على من أقام عليه حدا، أو ضربه في أمر يوجب عليه الضرب، على ما مضى في أول رسم الصبرة، من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
مسألة: بين الرجل وبين آخر خصومة شهادة أحدهما على صاحبه
مسألة قال لسحنون: قال ابن وهب: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال: إن كان بين الرجل وبين آخر خصومة، لم تبلغ تلك الخصومة أن كانت بينهما فيها مشاتمة، فإن شهادة أحدهما على صاحبه جائزة، وإن كان بينهما عداوة معلومة لم تجز شهادته عليه، وإن كانت بينهما عداوة ثم اصطلحا بعد ذلك؛ جازت شهادته عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع أشهب، وفي رسم باع شاة، من سماع عيسى، وتأتي في نوازل أصبغ فنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله.
مسألة: شهادة المنجم
مسألة وسئل سحنون عن شهادة المنجم الذي يدعي أنه يعرف القضاء، هل تجوز شهادته؟ قال: هذه جرحة بينة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يعرف القضاء؛ معناه أنه يدعي أنه يعرف من ناحية النظر في النجوم ما قضى الله به وقدّره قبل أن يكون، والقول بهذا ضلال ليس بكفر، فهي جرحة بينة على ما قال، وقد مضى القول على هذا المعنى مستوفى في رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع ابن القاسم، من كتاب السلطان، فمن أحب الوقوف عليه، والشفاء من معرفته، تأمله هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة تارك الجمعة
مسألة قال سحنون عن ابن وهب في تارك الجمعة بقرية يجمع فيها من غير مرض ولا علة، قال: لا أرى أن تقبل شهادته، قال
سحنون: إذا تركها ثلاثا متواليا؛ للحديث الذي جاء، قال أصبغ: قال ابن القاسم في الذي يترك الجمعة، يرى أن ترد شهادته، إلا أن يعرف له عذر، ويساءل عن ذلك ويكشف، فإن علم له عذر من وجع أو أمر أو اختفاء من دين، أو ما أشبه ذلك؛ فأرى ألا ترد شهادته، وإن كان على غير ذلك رأيت أن ترد شهادته إلا أن يكون ممن لا يتهم على الدين ولا على الجمعة لبروزه في الصلاح وعلمه، فهو أعلم بنفسه، قال أصبغ: والمرة الواحدة في ذلك إذا تركها من غير عذر تهاونا بها ترد شهادته، ولا ينتظر به ثلاثا؛ لأن ترك هذه الفريضة ثلاثا وأقل وأكثر سواء، هي فريضة مفروضة مفترض إتيانها كفريضة الصلاة لوقتها، فلو ترك الصلاة لوقتها متعمدا مرة واحدة لم ينتظر به أن يفعل ثلاثا، وكان بمنزلة التارك أصلا للأبد؛ لأنه عاص لله في قليل فعله دون كثيره، ومتعد لحدوده، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 14].
والذي قيل فيمن ترك الجمعة ثلاثا طبع الله على قلبه، إنما هو في الإثم والنفاق، وينتظر به الثالثة للتوبة، فإن فعل وإلا طبع الله على قلبه، وليس ذلك في الترك له هملا، ولا في الإبطال لشهادته، لا، بل يطرح ويوقف ويعاقب إن شاء الله، وقد بلغني عن بعض الأمراء ممن مضى من أئمة الدين، أنه كان يأمر إذا فرغ من الجمعة أن من وجد لم يشهد الجمعة ربط في عمود وعوقب، وأراه عمر بن عبد العزيز، قال أصبغ: لا، بل لا أشك فيه أنه عمر بن عبد العزيز، وقد قال تعالى:
﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] عزيمة، وأمر مأمورا به، موجب ليس فيه ترفيه لبعض ببعض.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: إن شهادة التارك للجمعة بقرية يجمع فيه أهل الجمعة، لا ترد إلا أن يفعل ذلك ثلاثا متوالية أظهر مما ذهب إليه أصبغ، من أنها ترد بالمرة الواحدة، ومعنى ما ذهب إليه سحنون إنما هو إذا لم يعلم له في ذلك عذر، ولم يكن معروفا بالفضل والصلاح على ما قاله ابن القاسم؛ لأن من لم يعلم بالصلاح والفضل إذا ترك الجمعة ثلاثا متواليا لا يصدق فيما يدعيه من العذر، بخلاف من علم بالصلاح والفضل، فليس قول ابن القاسم وسحنون بمخالف؛ لقول ابن وهب، والله أعلم.
وإنما قلنا: إن قول سحنون أظهر من قول أصبغ من أجل أن المسلم لا يسلم من مواقعة الذنوب، فإذا ثبت هذا وجب ألا يجرح الشاهد العدل بما دون الكبائر من الذنوب التي يقال فيها: إنها صغائر، بإضافتها إلى الكبائر، إلا أن يكثر منها، فيعلم أنه متهاون بها، وغير متوق منها؛ لأن من كانت هذه صفته فهو خارج عن حد العدالة؛ ولما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر ولا علة؛ طبع الله على قلبه بطابع النفاق» دل على أن ما دون الثلاث بخلاف ذلك في عظم الإثم، وشرط الوعيد، فوجب أن يلحق ذلك بالصغائر، ولا ترد شهادة من ترك الجمعة مرة واحدة اشتغالا بما سواه من أمور دنياه حتى يفعل ذلك ثلاثا متواليات، فيتبين بذلك أنه متهاون بدينه
غير متوق فيه، وكذلك القول في تارك صلاة واحدة من الصلوات حتى يخرج وقتها من غير عذر، لا يجب أن ترد بذلك شهادته حتى يكثر ذلك من فعله، واحتجاج أصبغ لرد شهادته بذلك، بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14] غير صحيح؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو لمن عصى الله ورسوله بترك الإيمان، وتعدي حدود الإسلام؛ لأن الخلود في النار، إنما هو من صفات الكفار، وبالله التوفيق.
مسألة: هل يجوز للشهود أن يشهدوا لرجل بحق ويجرحوا له الذين شهدوا عليه
مسألة قيل لسحنون: أرأيت الشهود هل يجيز لهم أن يشهدوا لرجل بحق، ويجرحوا له الذين شهدوا عليه في ذلك الحق؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه؛ لأن ذلك معنيان، فجائز أن يشهدوا له بهما جميعا كما يجوز أن يشهدوا له بحقين مختلفين، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة تارك الحج القادر عليه
مسألة وسئل سحنون عن الرجل يكون قويا على الحج كثير المال لا يحج، هل يكون ذلك جرحة يطرح بها علمه؟ فقال: إن كان قويا على الحج لا يعذر بقلة مال، ولا بضعف بدن، وتطاول زمانه، ووفره متصل، ولم يحج، فلا أرى شهادته جائزة، قيل له: فإنه يعرف، وهو ابن عشرين سنة كثير المال، قوي البدن، لم يزل وفره متصلا
حتى بلغ ستين سنة لم يحج.
فقال: إذا تطاول أمره هكذا، أو ما أشبه هذا، فإني أرى شهادته غير جائزة كما أعلمتك، قيل له: أفلا يعذر بالأندلس وبعد الشقة والبحر الذي بينهم وبين الحج؟ فقال: لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]، وهذا إذا كان في موضع يبعد عن الحج، أفلا يرتحل عنها إلى موضع لا يكون بينه وبين الحج بحر، فلا أرى له عذرا، وإن كان بالأندلس.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الحج من أحد دعائم الإسلام الخمس، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا»، فإذا ترك الرجل الحج حتى طال زمانه الستين سنة ونحوها، وهو قادر عليه بوفور ماله وصحة بدنه مع السبيل الآمنة، وجب أن ترد بذلك شهادته، وإنما شرط الطول في ذلك مع القدرة لاختلاف أهل العلم في الحج هل هو على الفور أم في التراخي، فلا يكون من أخر الحج وهو قادر عليه قد أتى كبيرة؛ إذ من أهل العلم من يقول: إن ذلك جائز له، لا إثم عليه فيه، ولا حرج إلا أن يؤخره تأخيرا كبيرا يغلب على الظن فواته به، والذي أقول به: إن ذلك لا يكون إلا بعد بلوغ حد التعمير، وهو سبعون سنة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «معترك أمتي ما بين الستين إلى السبعين» فمن ترك الحج بعد السبعين، وهو قادر عليه، فهو عندي
آثم بإجماع مجرح ساقط الشهادة، وإن لم يقم لنا دليل أنه آثم فيما دون السبعين، فإذن أسقط سحنون شهادته فيما قاربها من الستين من أجل أن من شرط الشهادة أن يكون مرضيا بما يظهر من أفعاله؛ لقول الله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، ومن أخر الحج تأخيرا كبيرا من غير عذر، فليس بمرضي في ظاهر أمره، وإن لم يكن آثما عند ربه بما له في ذلك من السعة باختلاف أهل العلم، وفي المدنية لابن دينار، وابن القاسم من رواية عيسى عنه أن الشيخ الكبير الذي لم يحج وهو موسر، شهادته جائزة؛ لأنه عسى أن يكون له علة، ويقول: أحج بعد اليوم، وهذا صحيح إذا ادعى أن له علة، وأما إن أقر أنه لا علة له، ولم يحج، وهو شيخ كبير، قد تجاوز حد التعمير؛ فشهادته ساقطة على كل حال؛ لأن للواجب على التراخي حالا يتعين فيها الأداء، وهي الحال التي يغلب فيها على ظن المكلف فوات الفعل بالتأخير، وهو بلوغ حد التعمير في مسألتنا هذه، وقوله في أهل الأندلس: إنه لا عذر لهم في ترك الحج بسبب البحر؛ لقدرتهم على الانتقال إلى موضع لا يكون بينهم وبين الحج بحر؛ معناه أنهم إن كانوا من أهل الأندلس بموضع يتعذر الجواز منه، فإنهم يقدرون على الانتقال منه إلى موضع لا يتعذر الجواز منه، فإنما تكلم والله أعلم على ما وصف له من تعذر الجواز في البحر في موضع دون موضع، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الذي لا يؤدي زكاة ما له
مسألة وسئل سحنون عن الذي لا يؤدي زكاة ما له، هل يكون ذلك جرحة يطرح بها علمه؟ فقال: نعم، لا شك فيه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا شك فيه؛ لأن الله قد قرن
الصلاة بالزكاة في غير ما آية من كتابه، وقال أبو بكر الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فمن لم يؤد زكاة ماله فهو فاسد ساقط الإمامة والشهادة.
وهذا إذا أقر على نفسه أنه لا يؤدي زكاة ماله، وأما إذا لم يقر على نفسه بذلك فشهادته جائزة؛ لأن ذلك من السرائر، وعسى إن لم يؤدها ظاهرا خوفا من السلطان أن يؤديها سرا، وهو نص قول ابن دينار، وابن القاسم من رواية عيسى عنه في المدنية، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد عند القاضي في حق والشاهد غير عدل
مسألة وسئل سحنون عن رجل شهد عند القاضي في حق، والشاهد غير عدل، هل يجوز لي أن أجرحه وأنا أعلم أنه شهد علي، وأنا شاهد على ذلك الحق، وأنا أعلم أنه غير عدل؟ فقال: لا يجوز لك أن تجرحه، فكيف يجوز لك أن تجرحه، وأنت ترى حقا قد وقف على الهلاك، إن جرح الشاهد هلك المال، وفي هذا آثار.
قال محمد بن رشد: هذا ما مضى في سماع سحنون، وهو أصح مما تقدم في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، وفي أول رسم من سماع عيسى، وقد مضى القول على ذلك، فلا معنى لإعادته، وقال سحنون: إذا أخبر الشاهد بالدين رجلان أو رجل وامرأتان أنه قضاه، فلا يشهد، ووقف إذا لم يخبره إلا رجل واحد، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة من ضرب في الحد
مسألة ابن وهب، عن معاوية بن صالح: أن العلاء بن الحارث حدثه عن مكحول أنه قال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز شهادة ستة: مضروب في حد، ومجرب عليه شهادة زور، والخائن، والخائنة، والقانع، وذو الغمر» والغمر الغل.
قال محمد بن رشد: ليس في قوله في هذا الحديث: «لا تجوز شهادة ستة» دليل على أنه تجوز شهادة غيرهم، والمعنى في ذلك أنه خرج على سؤال سائل سأل عن هذه الستة فقال: إنه لا تجوز شهادتهم، فسماهم ولم يحصرهم بعدد، وعددهم الراوي، وأخبر بعدد من سمع منه أنه لا تجوز شهادته، وإنما لم تجز شهادة من ضرب في الحد، وإن كانت الحدود كفارات لأهلها على ما جاء في الصحيح من الآثار؛ لأن الحد إنما يرفع الإثم، ويبقى عليه حكم الفسق، فإن تاب وظهرت توبته قبلت شهادته باتفاق، إلا أن يكون حدا في قذف، فقد قيل: إن شهادته لا تجوز وإن تاب؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4]، وهو مذهب أهل العراق، والصحيح أنها جائزة إذا تاب، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، وصفة توبته عند مالك أن يظهر صلاح حاله أو الزيادة في صلاحها، وعند غيره أن يكذب نفسه، ويقر عليها أنه شهد بالزور، وأما من جربت عليه شهادة زور، فلا تجوز شهادته، وإن تاب، وقيل: إنها تجوز إن تاب، وقيل: إن ذلك ليس باختلاف من القول، والمعنى في ذلك أنه إن أتى تائبا، فأخبر أنه شهد بزور قبلت توبته، وإن عثر عليه أنه شهد بزور لم تقبل توبته، وإن
تاب، وهو الصحيح إن شاء الله، وأما الخائن والخائنة فلا اختلاف في أن شهادتهما غير جائزة؛ لأن الخيانة فسق تبطل به الشهادة، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] الآية.
وقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من علامات المنافق: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر» الحديث، فمن خان أمانته لن تقبل شهادته، وأما القانع فهو السائل، وشهادته لا تجوز إذا كان يتكفف الناس، ويسأل في عامتهم، إلا الشيء اليسير، وأما إذا لم يسأل في العامة، وإنما سأل سؤالا خاصا، فقد مضى من القول فيه في رسم الأقضية، من سماع يحيى ما فيه كفاية، وأما ذو الغمر فهو العدو، ولا اختلاف في أن شهادته لا تجوز على عدوه إذا كانت عداوته لغير الله على ما مضى فوق هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة ذي الظنة والحنة
مسألة ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن الحكم بن مسلم السالمي، عن الأعرج، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه: «قضى ألا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة».
قال محمد بن رشد: ذو الظنة هو ذو التهمة، والمتهم في شهادته لا
تجوز باتفاق، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، ولا جار إلى نفسه» والحنة هي العداوة.
وقد مضى القول فيها، وفي بعض الروايات الحنة من الحقوق، وهو تصحيف، والله أعلم.
مسألة: الموقوف على الحد هل تقبل شهادته
مسألة ابن وهب، عن يحيى بن أبي أيوب، عن المثنى بن الصباح، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا موقوف على حد».
قال الإمام القاضي: الموقوف على الحد هو الذي ثبت عليه ما يوجب أن يحد من أجله من زنا أو قذف أو شرب خمر أو ما أشبه ذلك، ولا اختلاف في أن شهادته لا تجوز، وإن تاب؛ لأن توبته لا تسقط عنه الحد، فإذا حد قبلت شهادته إن تاب، وقد مضى هذا قبل هذا، وقد مضى القول في الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، والله الموفق.
مسألة: شهادة الأخ لأخيه في النكاح
مسألة وقال سحنون: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في النكاح، إذا
كانت الشهادة على أشراف قوم هم أشرف منهم؛ لأنه يتهم إنما يريد أن يشرف نفسه بتزويج أخيه إليهم، فهو متهم في هذه الشهادة.
قال الإمام القاضي: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى، في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: خاصم في أرض فأتى بالبينة على صاحبه فشهد له شاهد شهادة عليه فيها مضرة
مسألة وسئل عن رجل خاصم في أرض أو دار، فأتى بالبينة على صاحبه، فشهد له شاهد شهادة عليه فيها مضرة، وعلى رجل آخر غائب عنهم في البلد، أو غير البلد الذي اختصما فيه، وليس بين الغائب والحاضر الذي شهدت عليه البينة شرك بمورث في الأمر الذي شهدوا فيه، فأتى الغائب فأخبره الحاكم بما شهدت عليه البينة، فيقول الغائب: لم أحضر شهادتهم، فمن البينة التي شهدت له علي، وأنا في البلدان غائب عنهم، أردهم حتى يشهدوا بحضرتي، فإن لي في ردهم منفعة، قال: إذا كان المشهود عليه حاضرا في القرية التي فيها المنازعة أو قريبا منها، فإنه يؤمر بإحضاره لتشهد البينة عليه، وأما الغائب البعيد الغيبة، فلا أرى ذلك، فإن قصد الحاكم في أن يأمر بإحضار الحاضر أو القريب الغيبة، ثم أتى الخصم فسأل إعادة البينة، فإني أرى أن يعيدها إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر على ذلك لمغيب البينة، فقد فات ذلك، وصارت حاله إلى حال الغائب البعيد الغيبة، فليدفع شهادتهم بما يقدر عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المشهود عليه إن كان حاضرا في القرية التي فيها المنازعة أو قريبا منها، فإنه يؤمر بإحضاره لتشهد البينة عليه استحسان، والقياس ما في كتاب الأقضية من المدونة: أن البينة لا تعاد،
ويعلمه الإمام بهم، وهذا إذا كان المشهود عليه مشهور العين، وأما إذا لم يكن مشهور العين، فلا بد من إعادة الشهادة على عينه إذا أنكر في القريب والبعيد، وهو قول ابن الماجشون وغيره: إن المشهود عليه إذا كان مشهور العين لم يحتج إلى الشهادة على عينه، وبالله التوفيق.
مسألة: النكاح أيجوز للرجل أن يشهد عليه بالسماع
مسألة وسئل عن النكاح أيجوز للرجل أن يشهد عليه بالسماع كما يشهد على الموت؟ قال: أما جل أصحابنا، فإنهم يقولون في النكاح إذا اشتهر الخبر في النكاح أن فلانا تزوج فلانة، وسمع الدفاف، وكثر به القول أن فلانا تزوج فلانة، فإنه يجوز للرجل أن يشهد أن فلانة هي امرأة فلان، وكذلك في الموت يسمع النياحة، ويشهد الجنازة أو لا يشهد، إلا أنه يكثر به القول من الناس: إنا شهدنا جنازة فلان، فالشهادة فيه جائزة أن فلانا مات، وإن لم يحضر الموت، وكذلك النسب يسمع الرجل الناس يقولون فلانا هو ابن فلان، ويكثر بذلك القول أنه يشهد على نسبه، وكذلك القاضي يتولى القضاء ولا يحضره حين ولي إلا بما سمع من الناس، ورآه يقضي بين الناس، فإنه يشهد أنه كان قاضيا، فهذه الأربعة وجوه تجوز فيها الشهادة على السماع.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن هذه الأربعة الأشياء تجوز الشهادة فيها على القطع من جهة السماع إذا انتشر ذلك، واستفاض وكثر به القول حتى وقع العلم به للشاهد من جهة السماع، وكذلك ما عدا هذه الأربعة الأشياء؛ لأن الأخبار المتواترة يقع العلم بها ضرورة فيما طريقه العلم، وغلبة الظن فيما طريقه غلبة الظن، كالتعديل والترشيد وشبه ذلك.
وفي قوله: أما جل أصحابنا إلى آخر قوله دليل على أن منهم من لا يقول بذلك، ولا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف بينهم هل تجوز في هذه الأربعة
الأشياء، وفيما سواها الشهادة على السماع دون القطع بأن يقولوا: سمعنا سماعا فاشيا من أهل العدل وغيرهم كذا وكذا، ويحكم بذلك، أو لا يجوز ولا يحكم به، فالذي عناه سحنون والله أعلم بقوله في هذه الرواية أما جل أصحابنا، فإنهم يقولون: إن الشهادة في هذه الأربعة الأشياء تجوز على القطع من ناحية السماع، ولا تجوز على السماع دون القطع؛ إذ من شأنها أن تستفيض حتى تصح الشهادة فيها على القطع، وإن غير الجل يجيزون فيها أعني في هذه الأربعة الأشياء شهادة السماع بدون القطع، كما يجيزون ذلك في غيرها، وقد قيل: السماع دون القطع لا يجوز إلا في هذه الأربعة أشياء، فيتحصل فيما تجوز فيه الشهادة على السماع دون القطع أربعة أقوال؛ أحدها: أن الشهادة على السماع دون القطع لا تجوز لا في هذه الأربعة الأشياء، ولا فيما سواها، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنه قال في المدونة: إن شهادة السماع لا يثبت بها النسب ولا الولاء ويقضي له بالمال دون ثبات النسب والولاء، وكذلك لم يرها عامة في الحبس إلا مع القطع على المعرفة بأنها تحترم بحرمة الأحباس، ولا في الشراء المتقادم إلا مع الحيازة.
والثاني: أنها تجوز في هذه الأربعة أشياء وفيما سواها، وهو دليل ما حكاه ابن حبيب في الواضحة من إجازة الشهادة على السماع في الملك دون الحيازة، وما تأولناه على سحنون فيما حكاه عن غير الجل من أصحاب مالك.
والثالث: أن شهادة السماع تجوز فيما عدا هذه الأربعة أشياء، ولا تجوز في هذه الأربعة أشياء، وهو الذي تأولناه من حكاية سحنون عن جل أصحاب مالك في هذه الرواية.
والرابع: أن شهادة السماع تجوز في هذه الأربعة أشياء، ولا تجوز فيما عداها عكس القول الثالث.
وقد مضى في آخر رسم الأقضية، من سماع يحيى الاختلاف في إجازة شهادة السماع في النكاح، وسيأتي في سماع أصبغ القول في إجازتها في الضرر بين الزوجين، وبالله التوفيق.
مسألة: يلزم الشاهد أن يأتي لأداء شهادته
مسألة قيل لسحنون: أرأيت الشاهدين يأتيهما صاحب الشهادة أن
يشهدا له فيقولا له: الهبوط إلى الحاضرة يشق علينا، إلا أن تنفق علينا وتعطينا دواب نهبط عليها؟ قال: أما إذا كان مثل الساحل منا، فأرى للقاضي أن يكتب إلى رجل يشهد عنده الشهود، ويكتب شهادتهم، ولا يعني الشهود إليه بالقدوم، قال: ولا ترى هذه ولاية للمشهود عنده؟ قال: لا يستغني القاضي عن مثل هذا، قيل له: وكم بعد الساحل من هاهنا؟ فقال: ستون ميلا، فقال له: فإن كان الشهود على بريد أو بريدين فقال: إذا كان الشهود يجدون الدواب والنفقة، فلا أرى لصاحب الحق أن يعطيهم دواب ولا نفقة، فإن فعلوا فشهادتهم ساقطة؛ لأنهم قد ارتشوا على شهادتهم، قيل له: فلو كانوا لا يجدون النفقة ولا الدواب؟ فقال: لا أرى بأسا أن يكري لهم دواب، وينفق عليهم.
قال الإمام القاضي: الأصل في هذه المسألة قول الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]؛ لأن معناه عند أهل العلم فيما قرب دون ما بعد، وهذا مما يخصص فيه عموم القرآن بالإجماع، فإذا كان الشاهد بحيث يلزمه الإتيان لأداء شهادته، فواجب عليه أن يركب دابته، ويأكل طعامه، فإن لم يفعل وركب دابة المشهود له، وأكل طعامه سقطت شهادته؛ لأنه قد ارتشى عليها؛ إذ قد أخذ من المشهود له ما يلزمه القيام به من ماله، وخفف ذلك ابن حبيب إذا كان ذلك قريبا وكان أمرا خفيفا، وينبغي أن يحمل على التفسير لقول سحنون، فالقريب الذي يلزم الشاهد أن يأتي لأداء شهادته ينقسم على هذا التأويل قسمين: قريب جدا تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب، فهذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له، وإن كانت له دابة، ولا أكل طعامه، وغير قريب جدا تكثر فيه النفقة ومؤنة الركوب فهذا تبطل فيه شهادة الشاهد إن ركب دابة المشهود له، وله دابة أو أكل طعامه عند سحنون، وقد قيل: إنها لا تبطل شهادته بذلك، وهو ظاهر قول ابن
حبيب في الواضحة عن مطرف وأصبغ في الشاهد يشهد في الأرض النابتة، فيحتاج إلى تعينها بالحيازة لها، أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له، ويأكل طعامه، وهو الأظهر؛ إذ ليس ما يصير إلى الشاهد من هذا مالا يتموله.
فإن قيل: إنه يوفر بأكل مال المشهود له نفقته على نفسه، قيل له: هذا يسير، لا يتهم الشاهد في مثله، وأما إن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلا، فلا تبطل شهادته إن أنفق عليه المشهود له، أو اكترى له دابة؛ إذ لم يسقط بذلك عن نفسه ما هو واجب عليه أن يفعله، وقد قيل: إنه تبطل شهادته بذلك إذا كان مبرزا في العدالة، وهو قول ابن كنانة.
وأما إذا كان الشاهد من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان لأداء شهادته، وليس للقاضي من يشهد عنده بموضعه الذي هو به، فلا يضره أكل طعام المشهود له، وإن كان له مال ولا ركوب دابته، وإن كانت له دابة، وكذلك إذا احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره أن ينفق عليه المشهود له ما أقام منتظرا له إذا لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف، وقد قيل: إن شهادتهم تبطل بذلك؛ لأنهم يوفرون على أنفسهم النفقة، وهو الأظهر، فانظر على هذا أبدا إذا أنفق المشهود على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه، فلا يجوز ذلك إلا فيما يركب الشاهد إذا لم تكن له دابة، ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف في أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له، إذا لم تكن له دابة، وشق عليه المشي جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد، ولا موسر ولا معسر، وإنما يفترق ذلك حسبما ذكرناه في النفقة، وفي الركوب إذا كانت له دابة، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة المختفي
مسألة وسئل سحنون عن شهادة المختفي فقال: أخبرنا ابن وهب، عن أشهل بن حاتم: أن شريحا والشعبي كانا لا يجيزان شهادة المختفي الذي يدخل بيت رجل.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم باع شاة، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: يتجر في البادية فهلك فيها وكان معه غلام له فادعى الغلام أن سيده قد دبره
مسألة قال سحنون: عن ابن القاسم، عن مالك، عن رجل كان يتجر في البادية فهلك فيها، وكان معه غلام له، فادعى الغلام أن سيده قد دبره فأقام شهودا من أهل شهادته على ذلك، فقال مالك: إذا كانوا عدولا جازت شهادتهم له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم القبلة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ترك عبدا فشهد أحد ولديه بعتق نصف العبد وشهد الآخر بعتقه كله
مسألة وقال في رجلين هلك أبوهما، وترك عبدا، فشهد أحدهما أن أباه أعتق نصفه، وشهد الآخر أنه أعتق كله، فقال: قد اجتمعا على النصف، فهو حر، ويعتق على الذي أقر بالجميع ما يصير له من حصته منه؛ لأنه لا يكون ذلك ضررا على صاحبه؛ لأنه قد أفسد أولا، وليس يزيد ما أعتق منه أيضا فسادا، بل هو حينئذ يزيد خيرا فيعتق من العبد ثلاثة أرباعه، ويكون الربع رقا للذي شهد بعتق نصفه، ولا يعتق عليه؛ لأنه لم يحدث هو عتقا إنما أحدثه أبوه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: كتاب الشهادات الرابع
مسألة: شهدا لرجل بألف درهم قال أحدهما حل له الحق وقال الآخر بل إلى سنة
قيل لسحنون: أرأيت إن شهد شاهدان لرجل بألف درهم، وقال أحدهما: قد حل له الحق، وقال الآخر: بل إلى سنة؟ فقال: إن شاء صاحب الحق أن يحلف مع شاهده الذي شهد له بحلولها، ويحق حقه فعل، وإن شاء كانت له إلى سنة، ولا يمين عليه، وليس هذا مثل الأول أن يقول المطلوب، فأنا أحلف مع الشاهد الذي يشهد علي بأنها إلى سنة، ويكون شاهدا لي بذلك؛ لأنه إنما شهد على الآخر، ولا يحلف في ذلك مع الشاهد الواحد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الشاهدين اجتمعا على أن الحق كان إلى سنة، فقال أحدهما: قد انقضت، وقال الآخر: لم تنقض بعد، فوجب أن يحلف الطالب مع شاهده الذي شهد له أنها قد انقضت؛ لأنه هو المدعي لانقضائها، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى، فلما أقام شاهدا على دعواه، كان من حقه أن يحلف مع شاهده، ولم يكن للمطلوب أن يحلف مع شاهده إلا أن ينكل الطالب عن اليمين، فيحلف هو ويكون المال إلى الأجل، ولو اختلف الشاهدان في الأجل، فقال أحدهما: كان إلى ستة أشهر فقد حل، وقال الآخر: كان إلى سنة، فلم يحل؛ لوجب أن يحلف المطلوب مع شاهده الذي شهد له بأن الحق كان
إلى سنة؛ لأن شاهده زاد في شهادته على ما شهد به، شاهد الطالب بدليل أنه لو أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه؛ لوجب أن تكون بينة المطلوب أعمل؛ لأنها زادت، وهذا على المشهور من قول ابن القاسم في أن البينتين إذا اختلفتا في القلة والكثرة كانت البينة التي زادت أعمل، وقد قيل: إن ذلك تكاذب، وينظر إلى الأعدل منهما، وقد فرق بين أن تكون الزيادة في اللفظ، مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة، والثانية بمائة وخمسين، أو في المعنى، واللفظ مختلف، مثل أن تشهد إحداهما بمائة، والثانية بتسعين.
وقوله: وليس هذا مثل الأول يريد مسألة جرت بينهما في المجلس لم تذكر، وهي المسألة التي بعد هذه، أو ما كان في معناها، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد له أحدهما بألف وشهد الآخر بخمسمائة
مسألة قلت: أرأيت إن شهد شاهدان لرجل بألف درهم، وشهد أحدهما أنه قضى الطالب منهما خمسمائة درهم، وأنكر الطالب القبض؟ فقال: لا أرى الطالب يستحق بشهادتهما الألف؛ لأن أحدهما أدخل عليه في شهادته ما نقصت خمسمائة، فكأنه في هذا الموضع إنما شهد له أحدهما بألف، وشهد الآخر بخمسمائة، فإن شاء الطالب أخذ الخمسمائة بلا يمين فذلك له، وإن أحب أن يحلف ويستحق ألفا بالشاهد الذي شهد له بالألف، فإذا حلف استحقها إلا أن يحلف المطلوب مع الشاهد له بالقضاء منها خمسمائة أنه قضاه خمسمائة، فإن حلف لم يجب للطالب إلا خمسمائة، قال: وإن أبى المطلوب أن يحلف لم يكن على الطالب يمين؛ لأنه قد حلفه مرة على الذي يريد المطلوب أن يحلفه عليه الآن.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة؛ إذ لا يخلو الأمر فيها من وجهين؛ أحدهما: أن يكون المطلوب مكذبا للشاهدين جميعا، منكرا لجميع
الحق.
والثاني: أن يكون مصدقا للشاهدين جميعا، مدعيا ما شهد له به أحدهما، من أنه قبض الطالب منه خمسمائة، فإن كان مكذبا للشاهدين جميعا، منكرا لجميع ذلك، كان وجه الحكم في ذلك أن يوقف الطالب، فإن كذب الشاهد الذي شهد بأن المطلوب قضاه خمسمائة، وقال: إنه شهد بزور، بطلت شهادته له بإقراره أنه شهد بزور، ولم يكن له أن يأخذ الخمسمائة حتى يحلف عليها مع الشاهد الآخر، وإن قال: إنه شبه عليه، ولم يتعمد الزور لم تبطل شهادته له، وأخذ الخمسمائة بلا يمين؛ لاجتماع الشاهدين له عليها، وإن شاء أخذ الألف بيمينه مع الشاهد الذي شهد له بها، ولم يكن للمطلوب أن يحلف مع الشاهد الذي شهد له بالقضاء؛ لأنه مكذب له، وإن صدقه وقال: إنه شهد بحق، أخذ الخمسمائة بلا يمين، ولم يكن له إلا ذلك.
وإن كان المطلوب مصدقا للشاهدين جميعا، مدعيا لما شهد له أحدهما من أنه قضى الطالب منها خمسمائة، كان وجه الحكم في ذلك أن يحلف مع شاهده الذي شهد له أنه قضاه خمسمائة، ويبرأ منها، ويؤدي إلى الطالب الخمسمائة الباقية، فإن نكل عن اليمين حلف الطالب أنه ما قضاه شيئا، وأخذ جميع الألف، فالمعنى في المسألة أنه أجاب فيها أولا على أن المطلوب مكذب للشاهدين جميعا، منكر لجميع الحق، وعلى أن الطالب يدعي الألف، وينكر الاقتضاء الذي شهد به أحد الشاهدين، ولا يدعي عليه تعمد الشهادة بالزور، فلذلك قال: إن الطالب مخير بين أن يأخذ الخمسمائة بلا يمين، أو الألف مع اليمين.
وقوله بعد ذلك: إلا أن يحلف المطلوب مع الشاهد له بالقضاء أنه قضاه خمسمائة إلى آخر قوله، معناه إن رجع بعد يمين الطالب على الألف إلى الإقرار بأصل الحق، وادعى ما شهد له أحد الشاهدين من القضاء؛ لأنه حينئذ يكون له ما ذكره من أن يحلف مع الشاهد له بالقضاء أنه قضاه خمسمائة، فإن حلف بطلت عنه، ولم يجب للطالب إلا خمسمائة، وإن نكل عن اليمين غرم الألف دون أن يحلف الطالب، وقد تقدمت يمينه، فهذا معنى المسألة عندي؛ إذ لو كان أولا مقرا
بأصل الحق، مدعيا لقضاء الخمسمائة لما مكن الطالب من أن يحلف على الألف، ويستحقها إلا بعد أن ينكل المطلوب عن اليمين مع الشاهد الذي يشهد له بقضاء الخمسمائة، ولو كان أحدا متماديا على إنكاره أولا لأصل الحق وتكذيب الشاهدين؛ لما مكن من اليمين مع الشاهد بأنه قضاه خمسمائة لتكذيبه إياه، وهذا كله بين، والحمد لله.
مسألة: هل تجوز شهادة بعضهم لبعض فيما تقاضى من الكراء
مسألة قيل لسحنون: أرأيت قوما تكاروا سفينة، وقدموا الكراء إلى صاحب المركب، فعطب المركب قبل البلاغ، فأرادوا الرجوع على صاحب المركب، فأنكرهم أنه ما تقاضى منهم شيئا، هل تجوز شهادة بعضهم لبعض فيما تقاضى من الكراء؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: أجاز شهادة بعضهم لبعض على صاحب المركب، وإن كان كل واحد منهم قد شهد لمن شهد له، وفي ذلك اختلاف: قيل: إن شهادة بعضهم لبعض جائزة، وإن كانت في مجلس واحد، وهو ظاهر قول سحنون هذا، وقيل: إنها لا تجوز، وإن كانت في مجالس شتى؛ إذ ليس موضع ضرورة، وكانوا يجدون من يشهد من سواهم إذا أرادوا أن ينقدوا الكراء، وإلى هذا رجع سحنون فيما حكى محمد عنه، وقيل: إنها إن كانت في مجلس واحد لم تجز، وإن كانت في مجالس شتى جازت، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وسواء تكاروا السفينة على أن لكل واحد موضعا بعينه، سماه منها بما سمى له من الكراء أو تكاروها منه جملة واحدة على الاشتراك فيها، والإشاعة إلا أن يشترط عليهم أن بعضهم حملاء عن بعض بما ينوبه من الكراء، فإن اشترط ذلك عليهم لم تجز شهادة بعضهم لبعض، فيما نقد من الكراء؛ لأنه يشهد لنفسه، ولا
اختلاف في هذا؛ إذ ليس بموضع ضرورة، وقد مضى ذكر الاختلاف فيه في موضع الضرورة، في رسم الصبرة، من سماع يحيى، فتأمل ذلك هناك تجده فيه مستوفى، وبالله التوفيق.
مسألة: قال قتلني فلان فجاء المدعى عليه بالبينة أنه كان يوم ضرب ببلدة نائية
مسألة وسئل عمن شهد له بدم على رجل أصابه عمدا، فجاء المشهود عليه بقوم يشهدون أن القاتل كان معهم يريد يوم قتل القتيل ببلدة نائية غير موضعه الذي قتل فيه، قال: وهذا مما وصفت لك في المسألة فوق هذا إذا حق الحق لأهله؛ فلا مخرج من شهادة الشهود إلا بجرحة، وقال أصبغ مثله، قيل: فرجل، قال: قتلني فلان فجاء المدعى عليه بالبينة أنه كان يوم ضرب هذا معهم ببلدة نائية غير موضعه الذي ضرب فيه، قال: يبرئه ذلك ويخرجه؛ لأنه خرج من حد الشهادة، وصار في حد الدعوى إلا أنها دعوى إن لم ترد حلف معها الولاة وقتلوه.
قال محمد بن رشد: أما الذي شهد له بدم عمد، فجاء المشهود عليه بشهود يشهدون أنه كان ذلك اليوم ببلد كذا ناء عن الموضع الذي قتل فيه، فالمشهور في المذهب ما قاله سحنون من أن الشهادة عامة على المشهود عليه بالدم لا يبطلها عنه شهادة من شهد أنه كان ذلك اليوم في غير ذلك البلد، وقد ذهب إسماعيل وغيره إلى أن الشهادة بذلك ساقطة، وهو قول محمد بن عبد الحكم، قال في آداب القضاة: الذي كنت أسمع فيما كنا نتناظر فيه مع أصحابنا أن شاهدين لو شهدا على رجل أنه أقر عندهم بعرفات يوم عرفات من هذا العام بمائة دينار لفلان، وشهد آخران أنه كان عندهم بمصر في ذلك اليوم بعينه، أن شهادة الذين شهدوا عليه بالمائة أحق وأولى، وقالوا: لأن هذين شهدا بحق، ولم يشهد الآخران بحق،
ولست أعرف لهذا معنى، والذي أرى إن كان الشاهدان اللذان شهدا أنه كان بمصر في ذلك الوقت أعدل، ألا يكون له شيء، ألا ترى أن رجلين لو شهدا على رجل بحق أقر به عندهما في سنة مائتين، وشهد شهود عدول أعدل منهما أنه مات قبل ذلك بشهر أنها جرحة، ولو كانت في العدالة سواء لطرحتها، وكذلك لو شهدا أنه ولد بعد المائتين، ولكلا الوجهين وجه وحظ من النظر، وستأتي هذه المسألة في نوازل أصبغ، فنتكلم عليها إذا انتهينا إليها، إن شاء الله، وأما التدمية والشبهة التي توجب القسامة، فلا اختلاف في سقوطها بالشهادة للمدعى عليه، أو المتهم بالدم أنه كان في ذلك اليوم في غير ذلك البلد، وسيأتي هذا المعنى في سماع يحيى، من كتاب الديات، وبالله التوفيق.
مسألة: شهدا على معرفة خط رجلين في كتاب
مسألة قيل: أرأيت رجلين شهدا على معرفة خط رجلين في كتاب؟ فقال: هي جائزة؛ لأنهما قد شهدا على كل واحد، قيل له: فهل يشهدان أيضا على وكالة في ذلك الحق لمن يخاصم به، وعلى وراثة يأخذها من له ذلك الكتاب الذي شهدا فيه على معرفة كتاب الرجلين؟ فقال: نعم؛ لأنهما في كل هذا شاهدان مبتديان ماضيان، لا ينالهما بشهادتهما شيء؛ لأنهما قد بلغا... تمام الشهادة وأفضل ما تؤخذ به الحقوق، ولأنهما اثنان، وبالاثنين تؤخذ الحقوق، وتمضي لأهلها.
قلت: فهل يعذلان شاهدا شهد في ذلك، ويشهدان هما على شهادة شاهد معه في ذلك الكتاب؟ قال: نعم، هما في ذلك على مثل حالهما في المسألة التي قبلها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، لا إشكال فيها؛ لأنهما شاهدان، فإذا جاز أن يشهدا للرجل في حقوق مختلفة كان أحرى أن تجوز شهادتهما في الحق الواحد في وجوه مختلفة، وبالله التوفيق، وليس ما أجازه من شهادة الرجلين على شهادة الشاهد، وتعديلهما للشاهد الآخر في ذلك الحق بخلاف لما قاله ابن القاسم في رسم شهد، من سماع عيسى، في الشاهدين يشهدان لرجل بحق، فيعدل أحدهما صاحبه؛ لأن الأمر يئول في ذلك إلى الحكم بشهادة المزكي وحده، وبالله التوفيق.
مسألة: يعرف خطه في الكتاب لا يشك في ذلك أيشهد بما فيه
مسألة قلت: أرأيت الرجل يعرف خطه في الكتاب لا يشك في ذلك، ولا يذكر كل ما فيه؟ فقال: اختلف أصحابنا فيه، والذي أقول به أنه إذا لم ير في الكتاب محوا، ولا لحقا، ولا شيئا يستنكره، ورأى الكتاب خطا واحدا، فأرى له أن يشهد بما فيه، وأن يقول: أشهد بما فيه، وهذا أمر لا يجد الناس منه بدا، ولا يستطيع أحد أن يذكر جميع ما في الكتاب، قيل له: ولو أنه لم يذكر من الكتاب شيئا، إلا أنه يعرف خط الشهادة أنه خط بيده، ولا يشك في ذلك.
فقال: هذا أمر لا يجد الناس منه بدا، ومن يستطيع أن يحفظ كل ما في الكتاب؟ وأراه واسعا، وقد أخبرتك باختلاف أصحابنا في هذه المسألة، فاعمل فيها برأيك، وقد أخبرتك أنه إن لم ير في الكتاب شيئا يستنكر، ورآه خطا واحدا أنه يقوم به، قيل له: فلو أنه عرف أنه كتب الكتاب كله، أو عرف خطه في الكتاب
كله، وفيه شهادته، ولم ير شيئا يستنكره، ولم يذكر منه شيئا؟ فقال: أرى أن يشهد بها، ولو أنه أعلم القاضي بذلك لرأيت للقاضي أن يجيز شهادته إذا عرف أن الكتاب كله خط يده، قال سحنون: وجميع أصحابنا يقولون: إن شهادته جائزة، إذا ذكر أنه هو خط الكتاب، وكتب شهادته بيده، ولم ير فيه محوا، ولا يشكون أنها جائزة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مجودا مشروحا مبينا في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.
مسألة: أتى بكتاب فيه شهادته ولا يذكر هو شيئا من ذلك
مسألة قال سحنون: قال ابن وهب، عن مالك إذا أتى الرجل بكتاب فيه شهادته، فعرف خطه بيده، ولا يذكر شهادته، ولا شيئا منها فيقول بعض الشهود الذي في الكتاب معه، نشهد أنه كتاب يدك، وأنك كتبت معنا، ولا يذكر هو شيئا من ذلك؟ قال: إن كان يستيقن أنه كتابه، وخط يده فعلم ذلك وتيقنه، فليشهد عليه، وإن كان إنما يعلم ذلك بخبر غيره، وقولهم له فلا أرى أن يشهد على ذلك، وإن ارتاب الرجل حين رأى كتابا يشبه كتابه، فيقول: عسى أن يكون إياه، وخاف أن يكون يشبه كتابه، فلا أرى أن يشهد على ذلك، وليخبر بعلمه بالغا ما بلغ، ولا أرى أن يجيز السلطان ذلك إلا أن يشهد الرجل أنه كتابه وشهادته.
قال محمد بن رشد: وهذه مسألة أيضا قد مضى القول في معانيها، في رسم الشجرة المذكور، فلا معنى لإعادته.
مسألة: يشهد إذا استيقن أنه خط يده وإن لم يثبت عدة المال
مسألة وقال ابن وهب عن مالك: إنه قال: من عرف خط يده في شهادة ذكر حق، ولم يثبت عدة المال إن استيقن أنه خط يده، وكان لا يثبت عدة المال فليشهد عليه، وينبغي للقاضي القضاء به إذا شهد عنده أنه خط يده، ولم يشهد عنده على عدة المال.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يشهد إذا استيقن أنه خط يده، وإن لم يثبت عدة المال خلاف ما في سماع أبي زيد من أنه لا يشهد، وإن استيقن أن الخط خطه، وذكر أن فلانا أشهده في أمر دار حتى يذكر شهادته، ويثبتها حرفا بحرف، وهذا الاختلاف إنما هو إذا وضع الرجل شهادته على معرفته في عقد استرعاء، وأشهد آخر على نفسه بمال أو بشهادة فيها مال، أو حق فيها سوى المال، يقيد شهادته بخط يده بما أشهد عليه، واستحفظ إياه، فلما دعي إلى أداء الشهادة عرف خط يده واستيقنه، ولم يذكر الشهادة لنسيانه لها بعد ذكره إياها، فوجه القول بأنه يشهد تيقنه صحة الشهادة لمعرفته بخط يده، وأنه لم يضع شهادته في الوقت الذي وضعها فيه، إلا وهو عالم بها، ووجه القول بأنه لا يشهد بها أنه غير ذاكر لها في وقت أدائه إياها، وأما ما أشهد عليه الشاهد من العقود بالمبايعات والإقرارات، فليس على الشاهد أن يقرأها، ولا يحفظ ما فيها، وحسبه أن يتصفح منها عقد الإشهاد، فيجوز له أن يؤدي شهادته على ما أشهد عليه، وإن لم يعرف ما في الكتاب ولا عدد المال إذا عرف أعيان المشهدين له على أنفسهم.
قال ابن دحون: فإن عرف الشاهد عين المشهود عليه، ولم يعرف عين المشهود له، فلا يشهد إلا أن يبين، وأما إذا لم يعرفهما جميعا فلا يشهد.
قلت: وكذلك إذا عرف المشهود له، ولم يعرف المشهود عليه، لا يشهد ألبتة، وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي بذكر حق قد مات شهوده ويأتي بشاهدين عدلين على الكتاب
مسألة وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول في الرجل يأتي
بذكر حق قد مات شهوده، ويأتي بشاهدين عدلين يشهدان على كتاب كاتب ذكر الحق، قال: تجوز شهادتهما على كتاب الكاتب، إذا كان عدلا مع يمين صاحب الحق، فإن لم يحلف حلف الذي عليه الحق، فإن نكل عن اليمين غرم، فقيل لمالك: أفرأيت إن مات صاحب الحق وقام ورثته بذلك الكتاب مع شهادة الرجلين على كتاب الكاتب؟ قال مالك: يحلفون بالله ما علموا أن صاحبهم قبض من هذا الذكر الحق شيئا مع شهادة الرجلين، ويقضى لهم بذلك الحق، ومع هذا آثار في موطأ ابن وهب.
قال الإمام القاضي: قوله: إنه يحلف مع شهادة الشاهدين على كتاب كاتب ذكر الحق معناه إذا كتب شهادته فيه، فلا مزية في هذا الكاتب ذكر الحق على غيره ممن كتب شهادته فيه إذا شهد على خط، وأما قوله: إن الورثة يحلفون مع شهادة الرجلين على كتاب الكاتب بالله ما علموا أن صاحبهم قبض من هذا الذكر الحق شيئا، فقد مضى من القول فيه في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، ما لا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الزيادة في صفة الدراهم كالصفة في عددها
مسألة قلت: أرأيت إن شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم فقال أحدهما: هي بيض، وقال الآخر: هي سود، وللسود فضل في الصرف على البيض؟ قال: إذا ادعى الطالب السود قلت له: احلف مع شاهدك، وهي لك، فإن أبى أن يحلف ردت اليمين على المطلوب، فقضيت للطالب بالبيض، وذلك لأن البيض أدناهما في الصرف.
قال محمد بن رشد: بنى سحنون جوابه في هذه المسألة على أن الزيادة في صفة الدراهم كالصفة في عددها، فجعل شهادة أحدهما أنها بيض، والآخر أنها سود، كشهادة أحدهما: أنها ألف، والآخر أنها ألف وخمسمائة إن
ادعى الطالب الأكثر في العدد، أو الأفضل في الصفة، أخذه مع يمينه لانفراد أحد شاهديه به، وإن نكل عن اليمين حلف المطلوب أنه ما له عليه إلا الأدنى في الصفة، أو الأقل في العدد، وإن كان منكرا للجميع حلف أنه ما له عليه شيء، وكان للطالب في الوجهين الأقل في العدد أو الأدنى في الصفة؛ لاجتماع الشاهدين على ذلك، وإن نكل المطلوب عن اليمين استحق الطالب عليه الأكثر في العدد، أو الأفضل في الصفة، وإن ادعى الطالب الأقل في العدد، أو الأدنى في الصفة أخذه بلا يمين لاجتماع الشاهدين جميعا عليه، ومساواة سحنون في هذه المسألة بين الزيادة في العدد والزيادة في الصفة، هي على أصل ابن القاسم وروايته عن مالك في السلم الثاني من المدونة، أن القول قول المسلم إليه إذا اتفقا على النوع، واختلفا في الصفة كما إذا اختلفا في العدد، والأظهر في القياس والنظر أن تكون شهادة أحدهما: أنها بيض، والآخر أنها سود كشهادة أحدهما له ببغل، والثاني بحمار، أو كشهادة أحدهما له بدنانير، والثاني بدراهم، فإن كان المطلوب منكرا حلف الطالب مع أي شاهديه شاء، واستحق ما حلف عليه، فإن نكل حلف المطلوب، ولم يكن للطالب شيء؛ لأنه نفى نفسه عن البيض بدعواه السود، وإن كان مقرا بما شهد به عليه أحدهما، فادعى الطالب ما شهد به الشاهد الآخر حلف مع شهادته واستحقه، فإن ادعى الحقين جميعا والشاهدان يقولان: إنه حق واحد بطلت شهادتهما له لتكذيبه إياهما، وحلف المطلوب وبرئ، وبالله التوفيق.
مسألة: شهدا بألف درهم قال أحدهما وزنها خمسة دوانق وقال الآخر بل هي كيل
مسألة قلت: أرأيت لو شهدا بألف درهم فقال أحدهما: وزنها خمسة دوانق، وقال الآخر: بل هي كيل؟ فقال: يحلف الطالب مع شاهده ويأخذها كيلا، فإن نكل عن اليمين رددتها على المطلوب، فإن حلف قضيت للطالب بها على أن وزن كل درهم خمسة دوانق.
قال: ومثل ذلك الشاهدان يشهدان لعبد أنه أعتق، فقال
أحدهما: أعتقه إلى سنة، وقال الآخر: بل عتقه بتلا، فقال: يعتق إلى سنة لأدنى ما شهد به، وقد قال مالك في العتق مثل هذا.
قيل له: فإن ادعى المالين؟ فقال: إن كان الشاهدان وقفا على أنهما شهدا على مال واحد، فليس ذلك له، ويحلف مع الذي شهد له بأجود المالين، وإن أبى أن يحلف ورد اليمين على المطلوب حلف المطلوب أنه ليس له عليه أجود المالين، وإن شاء حلف أنه ليس له عليه من المالين شيء، وكان للطالب أدنى المالين ولا يمين عليه، وإن كانا لم يوقفا وقفا على شهادتهما إن قدر على إيقافهما، فإن شهدا وزعما أنه مال واحد كان كما وصفت لك، وإن زعما أنه شهد كل واحد منهما على حدة لم يستحق بشهادتهما شيئا من المال إلا بيمينه، فإن شاء حلف على المالين واستحقهما جميعا، وإن شاء حلف على أحدهما واستحقه، ورد اليمين على المدعى عليه في المال الآخر، فهذا وما أشبهه هكذا.
قال: ولكن لو شهد لرجل شاهدان؛ فقال أحدهما: أشهد لفلان على فلان ببغل، وقال الآخر: أشهد أن له عليه حنطة زعما جميعا أنها شهادة واحدة أبطلت شهادتهما، إن زعم رب الحق أنهما حقان مختلفان، قال: وإن زعم أن أحدهما محق، أحلفته مع شاهده المحق، وأعطيته ما ادعى مما يشهدان له به، وذلك ما اجتمع له عليه الشاهدان، قال: وإن شهد له ثلاثة فشهد له منهم شاهدان، بأن له عليه بغل، وشهد الآخر بأن له عليه عشرة أرادب حنطة، وزعموا جميعا أنها شهادة واحدة، فإن ادعى الطالب جميع ذلك بطلت شهادتهم جميعا؛ لأنه أكذبهم جميعا في شهادتهم، وإن
ادعى ما شهد له به الرجلان أخذه بلا يمين، وإن ادعى ما شهد له به الشاهد الواحد حلف مع شاهده، واستحق حقه إلا أن يقول الذي شهد بالحق عليه إن الحق هو الذي شهد عليه الشاهدان، فلا يكون له عليه إلا ما شهدا به، وتبطل شهادة الشاهدين؛ لأن الشاهدين صارا مكذبين لشهادة الشاهد الذي شهد له، فإن أبى أن يأخذ ذلك فسأل المطلوب أن يكرهه على أخذ ما شهد به الشاهدان كان ذلك له، وإن لم يكرهه على أخذ ما يجحده فيما شهد به الشاهدان كان ذلك له، وإن لم يكرهه على ذلك لم يجبرهما على شيء، وتركهما على حالهما، قال: ومتى رجع الطالب فيما كان ترك من ذلك، كان له أخذه، ولم أر عليه يمينا فيما يجحده فيما شهد له به الشاهد، وشهادة الشاهدين عليه بإكذابه في شهادته، وذلك أنهما صارا مجرحين له، ألا ترى لو أن رجلا جاء شاهدا على رجل بحق فجرحه المشهود عليه، بطلت شهادته، ولم ألزمه شيئا بشهادته، إلا أن يأتي بشاهد سوى شاهده بخلطة لا يعرف لها منتهى، وليس شهادة الشاهدين عليه توجب اليمين فيما أنكر لأنهما شهدا على شاهد أنه يشهد بباطل، وقد انقطعت الخلطة التي شهد شاهدهما بها، وشهد على انقطاعها، ألا ترى لو شهد رجلان لرجل بمائة دينار، فقضى عليه بها قاض، ثم جاء المدعي من الغد يدعي مالا آخر، لم أحلف له حتى يأتي بالبينة على خلطة، لا يقطع منها شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله في الشاهدين يشهدان بألف درهم فيقول أحدهما: وزنها خمسة دوانق، ويقول الآخر: بل هي كيل إن الطالب يحلف مع شاهده، ويأخذها كيلا، فإن نكل عن اليمين ردت على المطلوب، فإن
حلف قضي للطالب بها على أن وزن كل درهم خمسة دوانق صحيح، لا اختلاف فيه إن كانت الدراهم لا تجوز بأعيانها، وإنما تجوز بالوزن؛ لأن اختلافهما إنما يعود إلى الزيادة في الوزن والعدد لا في الصفة، فللطالب أن يأخذ الأدنى بغير يمين، أو يأخذ الأكثر بيمينه، وإذا أخذ الأدنى حلف المطلوب على الزيادة، وله رد اليمين على الطالب، ووقع في بعض الروايات: فإن نكل قضيت للطالب بها على أن وزن كل درهم خمسة دوانق، وهو غلط لا وجه له.
وأما إن كانت الدراهم تجوز بأعيانها، وتجري عددا دون وزن، فيدخل فيها من الاختلاف بالمعنى ما دخل في المسألة التي قبلها، ويحلف الطالب إن أنكر المطلوب مع أي شاهديه شاء، فإن نكل حلف المطلوب، ولم يكن للطالب شيء؛ لأنه أقر بدعواه التي هي كيل؛ أنه لا شيء عليه من النواقص.
وأما قوله في الشاهدين يشهدان للعبد بالعتق، فيقول أحدهما: أعتقه بتلا، ويقول الآخر: أعتقه إلى سنة، أنه يعتق إلى سنة، فهو صحيح؛ لأنهما قد اجتمعا على أنه حر إلى سنة، وانفرد أحدهما بالشهادة على تعجيل العتق، فوجب أن يعتق إلى سنة على ما اجتمعت عليه شهادة الشاهدين بعد يمين السيد أنه ما أعتقه إن أنكر العتق، أو أنه ما عجل عتقه إن أقر أنه أعتقه إلى سنة، فإن نكل عن اليمين عجل عليه العتق، وقيل: إنه يحبس حتى يحلف، ولم يكن للعبد أن يحلف مع الشاهد الذي شهد بتعجيل العتق؛ إذ لا يستحق العبد باليمين مع الشاهد.
وقوله: إنه إن ادعى المالين والشاهدان يقولان: إنه مال واحد إن ذلك ليس له، ويحلف مع الذي شهد له بأجود المالين، يريد أن له أن يحلف معه إن شاء، فيستحق ما شهد له به، وإن شاء أن يأخذ أدنى المالين، فيكون ذلك له دون يمين.
وقوله في الذي شهد له أحدهما ببغل، والآخر بحنطة، وزعم أن أحدهما محق أنه يحلف مع المحق منهما، ويأخذ ما ادعى مما شهد له به صحيح بين، وأما قوله: وذلك ما اجتمع له عليه الشاهدان، فمعناه وذلك أنه لم يجتمع له عليه الشاهدان على أن ما نافية لا موجبة؛ إذ لم يجتمع له على ذلك الشاهدان، ولو اجتمعا له على ذلك لم يجب عليه يمين.
وقوله في الذي يشهد له ثلاثة شهود؛ اثنان منهم ببغل، والثالث بحنطة، وزعموا أنها شهادة واحدة أن
الطالب إن ادعى الذي شهد به الشاهد الواحد حلف مع شاهده، واستحق حقه لا يصح على مذهب ابن القاسم؛ لأن الشاهدين يسقطان شهادة الشاهد الواحد كما يسقطان شهادة الشاهدين لو كانا أربعة، فشهد اثنان منهم ببغل واثنان بحنطة، وزعموا أنها شهادة واحدة، وإنما يأتي قول سحنون في هذه المسألة على قول مطرف وابن الماجشون في أن شهادتهما جميعا جائزة، فيقضى للطالب بالبغل والحنطة، وأما الشاهد الواحد فلا تسقط بشهادته شهادة الشاهدين إذا خالفهما في الشهادة، ولا شهادة الشاهد الواحد إذا خالفه في الشهادة، وإنما تبطل بتكذيب الطالب إياهم بدعواهم أنهما حقان، وهم يزعمون أنه حق واحد.
وأما قوله: ولم أر عليه يمينا فيما يجحده فيما شهد له به الشاهد؛ لسقوط شهادته، فقد مضى القول على ذلك، وذكر الاختلاف فيه في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
وأما قوله: إلا أن يأتي بشاهد سوى شاهده بخلطة، لا يعرف لها منتهى إلى آخر قوله، فقد مضى القول عليه مستوفى في رسم الصبرة، من سماع يحيى، وفي كتاب في سماع أصبغ منه، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد له العدل عند القاضي أن هذا المتاع جعله فلان عندي رهنا على أن أبيعه
مسألة قلت لسحنون: أرأيت الرجل يجعل المتاع على يديه رهنا على أنه إن لم يقض الراهن الدين إلى الأجل باع عليه الرهن هذا الأمين الذي جعل الرهن على يديه، فلما حل الأجل لم يكن لصاحب الحق شاهد على الدين، وعلى الرهن إلا العدل الذي جعل الرهن على يديه، فشهد له العدل عند القاضي أن هذا المتاع جعله فلان عندي رهنا على أن أبيعه، وأقضي ثمنه فلانا غريمه، هل تجوز شهادته؟ قال: أرى شهادته جائزة، ويحلف صاحب الحق مع شاهده إذا شهد بها العدل عند القاضي قبل أن يبيع المتاع، فإن شهد بها بعدما باع المتاع لم تجز شهادته؛ لأنه يريد طرح الضمان عن نفسه، ويشهد لنفسه أنه لم يتعد فيما صنع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى، لا وجه للقول فيها، والله الموفق.
مسألة: شهد له شهود بأنه حاز رهنا وآخرون بأنه لم يحزه
مسألة قيل له: فرجل شهد له شهود بأنه حاز رهنا، وشهد له آخرون بأنه لم يحزه، قال: شهادة من شهد له بالحوز هي المأخوذ بها، ولا يخرج حق أحد من يديه بأن يشهد عليه بأنه ليس بيده، وشهادة من أحقه ماضية، إلا أن يخرج من الشهود من لا مخرج له من شهادته إلا بجرحة.
قال محمد بن رشد: الجواب في هذه المسألة صحيح؛ لأن المعنى فيها أن المرتهن للرهن قبل قيام الغرماء على الراهن قام بعد قيامهم عليه، والرهن بيده، فادعى أنه حازه حين ارتهنه قبل قيام الغرماء على الراهن، وشهد له بذلك شهود، وشهد آخرون له أنه لم يحزه إلا بعد قيام الغرماء عليه، فوجب أن تكون شهادة من شهد بالحوز القديم أعمل؛ لأنها علمت من الحوز ما جهل الشهود الآخرون منه.
وقوله: ولا يخرج حق أحد من يديه بأن يشهد عليه أنه ليس بيديه معناه بأن يشهد عليه، بأنه ليس بيده باحتياز صحيح؛ لأن الشهود لم يشهدوا أنه ليس بيديه، وإنما شهدوا أنه لم يحزه قبل قيام الغرماء على الراهن، ولو ادعى المرتهن أن الرهن بيده، وأقام بينة على أن قد حازه قبل قيام الغرماء على الراهن، فقال الغرماء: ليس الرهن بيده، وأقاموا بينة على أنه لم يحز الرهن لوجب أيضا أن تكون بينة المرتهن أعمل؛ لأنها شهدت له بالحيازة، فهي محمولة على أنها بيده، من حينئذ حتى يثبت رجوعها إلى يد الراهن، وقد اختلف إذا ألفي الرهن بعد قيام الغرماء بيد المرتهن، فادعى أنه احتازه قبل قيام الغرماء وكذبه الغرماء على قولين قائمين
من كتاب الهبة والصدقة من المدونة، وهذا كله مبني على القول بأن رهن من أحاط الدين بماله جائز، ما لم يقم عليه الغرماء، وبالله التوفيق.
مسألة: الولاء يثبت بالإقرار
مسألة وسئل سحنون عن رجل مات فأقام رجل البينة أنه مولاه أعتقه، فيعطى ميراثه، ثم يأتي رجل آخر فيقيم البينة أنه مولاه وأنه أعتقه، ولم توقت البينة في شهادتهما وقتا، وكيف إن شهدت بينة الأول على إقراره بالولاء، فأخذ ميراثه، ثم جاء آخر فأقام البينة أنه مولاه أعتقه؟ قال: إذا أتى كل واحد منهما بالبينة مثل بينة صاحبه، كان الميراث بينهما نصفين، ولو أتى أحدهما ببينة على إقراره بالولاء، وأتى الآخر ببينة على أنه أعتقه كانت البينة التي شهدت بالعتق أولى بالميراث من البينة التي شهدت على إقراره.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا أتى كل واحد منهما بالبينة مثل بينة صاحبه كان الميراث بينهما نصفين، هو مثل ما لابن القاسم في كتاب الولاء والمواريث من المدونة، وقد قيل: إن الميراث لا يخرج من يد الأول الذي أعطاه إلى غيره، إلا أن يأتي ببينة هل أعدل من ببينة الأول، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وأما إن أتى كل واحد منهما ببينة مثل بينة صاحبه في العدالة قبل أن يدفع المال إلى أحدهما، فلا اختلاف في أن الميراث يكون بينهما نصفين، إلا أن يكون المولى مقرا بالولاء لأحدهما، فيكون أحق بالميراث إلا أن تكون بينة الآخر أعدل، ولو أتى كل واحد منهما ببينة على إقراره بالولاء؛ لكان الميراث لأعدلها بينة، فإن استوتا في العدالة كان الميراث بينهما نصفين، وهذا إذا لم يعلم لمن أقر له منهما أولا، فإن علم كان الأول أولى، وفي ذلك اختلاف، وكذلك إذا أقر بولاء ثم
أقر بنسب كان الولاء أولى من النسب؛ لأن الولاء يثبت بالإقرار، ولا يثبت النسب بالإقرار، وفي ذلك اختلاف: قد قيل: إن النسب أولى، وهو ظاهر قول أصبغ في العتبية، وهو يدل من مذهبه أن الولاء يثبت بالإقرار، وإذا أقر بابن عم ثم أقر بأخ كان الأخ أحق، وقد قيل: إن ابن العم أحق لأنه المقر له أولا، وكذلك إن أقر بأخ، ثم أقر بعد ذلك بأخ فقيل: إن المقر له الآخر يدخل مع الأول، وقد قيل: إن الأول أحق؛ لأنه المقر له أولا، فيتحصل في إقراره بالولاء لرجل، وبالنسب لآخر ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الولاء أولى من النسب تقدم أو تأخر، وهذا على القول بأن الولاء يثبت بالإقرار.
الثاني: أن النسب أولى من الإقرار تقدم أو تأخر.
وقيل: المتقدم أولى من المتأخر كان النسب أو الإقرار، وبالله التوفيق.
مسألة: قال من شهد علي منهما فهو ابن الزانية
مسألة قال سحنون: وسئل المغيرة عن رجل كان له على رجل حق فتقاضاه، فأنكر المدعى عليه الحق وجحد، فقال الطالب: إن لي عليك البينة فلان وفلان، فقال: من شهد علي منهما فهو ابن الزانية، فقام الرجلان فشهدا عليه، قال مالك: عليه الحد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه يحصل قاذفا لهما بشهادتهما عليه، ولا يحل لهما أن يكتما شهادتهما إذا دعيا إلى القيام بها؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وبالله التوفيق.
مسألة: يقول أشهد أن أبي إذ كان قاضيا قضى لفلان بكذا وكذا
مسألة قلت: أرأيت الرجل يقول: أشهد أن أبي إذ كان قاضيا قضى لفلان بكذا وكذا، هل تجوز شهادته على قضاء أبيه؟ قال: نعم.
قال الإمام القاضي: قد قيل: إنها لا تجوز، وقد مضى القول فيها، وفيما هو في معناها من شهادته عنده أو معه أو على شهادته في نوازل سحنون، من كتاب الأقضية، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ليدفعن إليه حقه في وقت معين فشهدوا أنه قضاه قبله
مسألة وسئل عن رجل حلف لرجل ليدفعن إليه حقه لوقت سماه، ثم جاء بعد الوقت برجل وامرأتين، فشهدوا أنه قضاه قبل الوقت؟ قال: يسقط عنه الحق، ولا يخرجه من الحنث الواجب الماضي لا يخرج منه بشهادة النساء ولا اليمين، قيل: فإن جاء بذلك قبل الوقت؟ قال: يسقط ذلك عنه من قبل أنه إذا حلف مع شاهده أو كانت امرأتان مع شاهد قبل وقت الحنث سقط الحق قبل وقت الحنث، فحل الأجل، وليس عليه شيء يقضيه، وإنما خرج عن اليمين بإسقاط الحاكم عنه الحق، ليس أن شاهدا وامرأتين ولا شاهدا ويمينا أسقط عنه الطلاق أو وقع عليه به.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب الأيمان بالطلاق، فلا معنى لإعادة القول فيه، وهي متكررة في غير ما موضع منه، وبالله التوفيق.
مسألة: تدخل على نفسها رجالا تشهدهم على نفسها بغير إذن زوجها وزوجها غائب
مسألة قال سحنون: للمرأة ذات الزوج أن تدخل على نفسها رجالا تشهدهم على نفسها بغير إذن زوجها، وزوجها غائب، ولا تمنع من ذلك؛ لأنه لو كان زوجها حاضرا، فأرادت أن تدخل على نفسها شهداء لم تمنع من ذلك، إلا أنه لا يدخل عليها الشهداء في مغيب زوجها إلا ومعها ذو محرم منها.