البيان والتحصيلصفحات 69-108
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 69-108
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

غيره، ألا ترى أن المرأة ذات الزوج والسفيه لو قتلا عبدا لأحد لكانت قيمته في أموالهما، ولو قتل العبد عبدا لأحد لكانت جنايته في رقبته وماله، فعبده إذا مثل به أحرى أن يعتق عليه، ولا يلزم هذا في المديان، لأنه لو جنى على أحد بقتل عبده لم يكن المجني عليه أحق بجنايته من الغرماء، والقياس إذا لم يتهم في تمثيله به لجر ولائه أن يحاص الغرماء بقيمته، فيعتق منه بقدر ذلك.
وقوله في الرواية في الذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت: لا يعتق عليه بعد الموت - بين صحيح، لأن عتقه عليه بالمثلة عقوبة له، فلو أعتق عليه بعد الموت لكانت الورثة هم المعاقبون بفعله، وأما المريض إذا مثل بعبده فيعتق عليه في ثلثه إن مات من مرضه، لأن الثلث له حيا وميتا، وإن صح فمن رأس ماله كما قال، ولا اختلاف في هذا أحفظه، وبالله التوفيق.

مسألة: النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصراني

مسألة قيل لسحنون: ما تقول في النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصراني؟ فقال: كان أشهب يقول يعتق عليه ما مثل من رقيقه كفارا كانوا أو مسلمين، وكان ابن القاسم يأبى ذلك ويقول لا يعتق على النصراني ما مثل من عبيده النصارى، لأن النصراني لو أعتقه ثم باعه لم أعرض له، قال أصبغ: قال ابن القاسم: ولو مثل النصراني بعبده بعد أن أسلم لعتق عليه.
قال محمد بن رشد: واتفقا جميعا ابن القاسم وأشهب في الحربي المعاهد ينزل بأمان فيمثل بعبده أنه لا يعتق عليه، وهو قول مالك في رسم العتق من سماع أشهب، ويأتي على ما حكى ابن حبيب عن أصحاب مالك أنه يعتق بالمثلة على كل واحد منهما، وقول ابن القاسم أنه لا يعتق على واحد منهما هو الأظهر، لأن العتق بالمثلة إنما هي عقوبة لحرمة المسلم، فوجب أن لا يعتق عليه بالمثلة إلا أن يمثل به بعد إسلامه سواء كان ذميا أو معاهدا كما قال ابن القاسم.

ولو مثل المسلم بعبده النصراني لعتق عليه لأنه حكم بين مسلم ونصراني، فيحكم فيه بحكم الإسلام، ووجه قول أشهب أنه حمل الحديث بالعتق على من مثل بعبده على العموم في المسلمين والكفار من أهل الذمة، وبالله التوفيق.

مسألة: الذي يمثل بامرأته

مسألة قال سحنون: كان مالك يقول في الذي يمثل بامرأته: إنها تطلق عليه، بمنزلة بيعه لها، لأنه ليس بمأمون على غيرها.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الذي يمثل بامرأته إنها تطلق عليه يريد طلقة بائنة، كذلك روى زياد بن جعفر عنه في المدنية، وقال ابن القاسم فيها: ما سمعت بهذا قط، وأرى أن لا يفرق بينهما ويكون بينهما القصاص والقود، إلا أن يرى السلطان للتفرقة بينهما وجها، قال عيسى مثل أن يخافه عليها، والذي أقول به في هذا أنه ليس باختلاف من القول، وإنما معناه أنه لا يفرق بينهما بالمثلة إلا أن تطلب هي الفرقة وتدعي أنها تخافه على نفسها فيفرق بينهما بطلقة بائنة.
وأما بيعه لها فقول مالك إنما تطلق عليه يريد أيضا بطلقة واحدة بائنة على ما في سماع عيسى من كتاب الحدود وفي كتاب الاستبراء من كتاب أسن، على ما وقع في سماع عبد المالك من كتاب طلاق السنة، وهو قول ابن نافع فيه: إنها طلقة بائنة، وقد روى محمد بن عبد الحكم عن مالك أنها تطلق عليه بالبتة.
قال محمد: وأنا أقول: لا يقع عليه طلاق، ويؤدب على فعله، وترد إليه زوجته، وهو قول ابن وهب في سماع عبد الملك من كتاب طلاق السنة ومثله ما في أول سماع ابن القاسم منه في الذي يزوج امرأته، إذ لا فرق في المعنى بين أن يزوجها أو يبيعها، وفي المجموعة أنها تحرم عليه بالبتات إذا زوجها بنى بها الزوج أو لم يبن بها، فهي ثلاثة أقوال أظهرها أنها طلقة واحدة بائنة، وبالله التوفيق.

: أوصى لأمة له وهو مريض

ومن كتاب المكاتب قال: وسألته: عن رجل أوصى لأمة له وهو مريض، فقال إن مت قبل سبعة أشهر أو نحو ذلك ففلانة حرة إلا أن تحدث حدثا من زنا يعرف، فمات قبل السبعة وولدت الجارية بعد موته قبل ستة أشهر فسئلت ممن هذا الولد؟ فقالت: من فاحشة، ثم ادعت بعد أنه من سيدها وأتت بشهيدي عدل يشهدان أنه كان مقرا بوطئها، قال يلحق به الولد وتلحق الأمة بالأحرار من رأس المال، ولا يضرها إقرارها الذي أقرت به أن ولدها من فاحشة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، وقد تكلم عليها ابن دحون بكلام صحيح، فقال: ولو لم ترجع عن إقرارها بالزنا للحق الولد بالسيد وحدت وكانت حرة لأن إقرارها بالزنا لا ينفي الولد عن والده وهو يشهد عليه بإقراره بالوطء، وإقرارها أيضا لا يوجب ملكها لأن إلحاق الولد بالأب يوجب أنها أم ولد، فهي حرة وإن حدت على إقرارها بالزنا، ولا تحد حتى تتمادى على الإقرار، ولا يجوز لها استرقاق نفسها، ولا معنى لقوله قبل ستة أشهر إذا أتت به لما يلحق به الأنساب وثبت إقراره بالوطء لحق به وإن ادعت أنه من زنا حدث ولم يضر ذلك الولد وهي حرة، والله الموفق.

مسألة: تحلف بالحرية لتفعلن كذا فتريد ترك ذلك

مسألة قال: وسألته: عن المرأة تحلف بالحرية لتفعلن كذا، فتريد ترك ذلك لتحنث نفسها، فينكر ذلك زوجها عليها ويرد يمينها.
قال: حالها في الحنث الواقع عليها والذي تحنث به نفسها وابتداء عتاقتها سواء ما رد الزوج فهو مردود إذا جاوزت قيمة رقيقها ثلث مالها.

قلت: أرأيت ما يحنثها به الزوج مما لو شاء تركها فيه على بر؟ مثل أن تقول رقيقي أحرار إن وطئتني الليلة وأياما تذكرها، أو تقول رقيقي أحرار إن ضربت أمتي هذه الليلة أو نحو ذلك مما يخاف به تعدي زوجها عليها أو على رقيقها أو تكون هي المتعدية في يمينها مثل أن تقول إن وطئتني أبدا أو ضربتني أبدا وقد وجب عليها الأدب مرارا لما ارتكبت.
قال محمد بن رشد: أما يمينها على نفسها بعتق رقيقها وهم أكثر من ثلث مالها ألا تفعل شيئا أو أن تفعله إلى أجل تسميه فلزوجها أن يرد يمينها قبل أن تحنث [أو بعد أن تحنث فإن رد يمينها قبل أن تحنث] ، اكْتَفَى بذلك ولم يكن عليه أن يرد فعلها بعد الحنث، وإن سكت على يمينها ولم ينكره كان له أن يرده إذا حنث ولم يضره سكوته على يمينها، قاله في الرسم الذي بعد هذا.
وأما إذا حلفت عليه فحنثها هو فسكت في الرواية عن الجواب على ذلك، وقال ابن دحون فيها قياسها أنه إن حنثها كان له رد يمينها ورفع العتق عنها، وإن كان هو حنثها لأنه قد كان له أن يرد يمينها قبل أن يحنثها فلا يلزمها حنث بعد رده ليمينها، وليس قوله في ذلك بصحيح، والذي يوجبه النظر في ذلك أنه إن حنثها فيما له أن يحنثها فيه مما تكون متعدية عليه في اليمين به مثل أن تحلف بعتق رقيقها أن لا يطأها أو ألا يكلم فلانا أو ألا يضرب عبده في شيء استوجب الأدب عليه فله أن يحنثها ويرد يمينها بالعتق فلا يعتقون عليها،

وأما إن حنث فيما ليس له أن يحنثها فيه مما لا تكون متعدية عليه في اليمين به مثل أن تحلف بحرية رقيقها أن لا يضرب أمتها أو ألا يضربها إذ لم تصنع شيئا استوجب عليه الضرب فتعدى وضربها أو ضرب أمتها فإنها تحنث ويلزمها العتق ولا يكون له أن يرده لأنه مختار لتحنيثها في غير شيء يجب له، وإلى هذا نحا ابن أبي زيد، فإنه قال في النوادر عقب هذه المسألة: لم يذكر لها جوابا، ويتبين لي في الوطء أن له رد العتق إن وطئها، وأما ضرب الأمة فلا رد له، فمعنى قوله في الوطء الذي يكون في الحلف عليه متعدية عليه، وأما لو حلف أن لا يطأها هذه الليلة لعذر لها في ذلك من مرض أو نحوه فحنثها ووطئها لم يكن له أن يرد العتق، ومعنى قوله في ضرب الأمة الضرب الذي يكون متعديا فيه على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

مسألة: يحلف بعتق عبد له سماه فيكاتبه أو يدبره أو يوصي له

مسألة وسألته على الرجل يحلف بعتق عبد له سماه فيكاتبه أو يدبره أو يوصي له بعتقه إلى أجل.
فقال: أما الوصية له بالعتاقة وتدبيره في الصحة والمرض فلا يوجب عليه حنثا، لأنه يرجع في الوصية إن شاء فيبطل ما جعل له فيها، والتدبير لا يعتق العبد فيه إلا بعد الموت والدين يلحقه أحيانا فيبطل تدبيره فلا أرى التدبير يوجب عليه حنثا، قال: وأما إن كاتبه فإنه ينتظر به أداؤه وعجزه فإن أدى ما عليه عتق بالكتابة وحنث سيده في سائر رقيقه، وإن عجز فرق فلا حنث عليه.
قلت: ولم لا نراه حانثا إذا دبره إن سلم من البيع في دين يكون على سيده إذا وسعه ثلث ماله وكان مال سيده مأمونا حتى لا يشك أن الحرية وجبت له ساعة مات سيده، أما ترى حينئذ أن

الحنث وقع على سيده في الرقيق بموته لأنه قد كان عقد له عقدا في الصحة لا يستطيع الرجوع فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، ولا فرق في القياس والنظر بين الكتابة وبين التدبير والوصية إلا في كون حنثه في التدبير والوصية بعد الموت، فالقياس على قوله في الكتابة أن ينظر إذا مات في العبد الذي أوصى بعتقه أو دبره، وقد كان حلف ألا يعتقه فعتق عبدا له آخر فإن خرج من الثلث وقد بقيت منه بقية أعتقت فيما بقي منه العبد الذي حلف بعتقه أن لا يعتق هذا العبد الذي أوصى بعتقه أو دبره فيه، لأن حنثه فيه بعتقه إنما يحصل بعد الموت، فوجب أن يكون من الثلث، واعتراضه عليه بقوله.
قلت: ولم لا تراه حانثا إذا دبره إن سلم من البيع إلى آخر قوله اعتراض صحيح لازم له، ولذلك سكت عن الجواب، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد الذي سماه أحدهما حر

مسألة قال: وسألته: عن الأخوين يرثان العبد فيشهد أحدهما أن أباه أعتقه في وصيته منهم عبد أو نصه باسمه ويشهد أخوه أن أباه أوصى بعتق عبد من عبيده نصه الأب فأنسيت اسمه، فما أدري أي عبد هو.
قال: أما العبد الذي نصه أحد الأخوين فهو حر إن وسعه الثلث لأن أحدهما قطع له الشهادة وشكك الآخر فيه نفسه فلا ينبغي لواحد منهما أن يسترقه ولا شيئا منه.
قلت: أفيحكم عليهما بذلك حكما لازما لهما؟ فقال: لا، ولكني آمرهما بذلك وأورعهما عن استرقاقه، لأن الشهادة لم تتم للعبد إذ لم يشهد له إلا واحد.

قلت: ثم يصنعان ببقية العبيد ماذا؟ فقال: يقتسمانهم فما صار للذي أبت فيها الشهادة حل له استرقاقهم، وما صار للشك في وصية أبيه أمرناه أن يحتاط على نفسه بالبراءة من جميعهم، ولا يسترق منهم أحدا، وذلك أنه لا يدري أيهم أعتق لأنه لو ثبتت الشهادة كان المشهود له عتيقا كله إن كان يسعه ثلث مال الموصي.
قلت: فإن كانا عبدين كيف الأمر فيهما ولا مال للميت غيرهما؟ فقال: أرى لهما أن يعتقا من الذي بت أحد الأخوين له الشهادة مبلغ ثلث مال الميت، فإن كان ذلك قدر قيمة ثلثي العبد فذلك له.
ويرق لهما ثلثه، سدس لكل واحد، ثم يقتسمان الباقي، فيطيب للقاطع الشهادة نصفه بما انقطع عنه من الشك في عمله، ويقال للشاك: احتط على نفسك، فإنا لا ندري لعل الوصية كانت إلى هذا؟ فانظر إلى مبلغ ثلث الميت من قيمة العبد فَابْرَأْ مما كان ينوبك من ذلك، فإن كان مبلغ الثلث قدر ثلثي العبد فقد كان يعتق منه ذلك ويرق ثلثه لو ثبت أن الوصية كانت له، فلا يبقى بيد الشاك إلا سدسه، وهو نصف ما كان يبقى بعد إنفاذ الوصية منه، فيعتق ثلثه ويرق للشاك سدسه، ويطيب للمستيقن نصفه، فعلى هذا الحساب يحمل ما أشبه هذا من أمور أهل الشك في الوصايا من الورثة احتياطا عليهم ونظرا لهم، ولا يلزمون ذلك حكما عليهم، ولكن يؤمرون به احتياطا لهم.
قال محمد بن رشد: قوله في الأخوين اللذين شهد أحدهما على أبيه أنه أوصى بعتق عبد من عبيده سماه والثلث يحمله، وقال الآخر: لا أدري

هل هو هذا العبد أو غيره من عبيده لأني نسيته: إن العبد الذي سماه أحدهما حر لأن الواحد قطع له الشهادة، والآخر شك فيه، إلا أنه لا يحكم بذلك عليهما ويورعا عن استرقاقه لا يصح عندي على أصولهم، لأن أحدهما يقطع بوجوب حريته، والآخر يقول لا أدري هل هو هذا العبد أو غيره من العبيد، فالواجب أن يقال للشاك في أي عبد هو الذي أوصى أبوه بعتقه: أنت لا تشك في أن الحرية واجبة لأحدهم فإما أن تحتاط لنفسك فتعتق حظك من كل واحد منهم لاحتمال أن يكون هو الموصى له بالعتق، وإما أن يتقلد أن الوصية كانت لفلان منهم، وإما أعتقنا عليك حظك من كل واحد منهم إذ لا نمكنك من أن تملك حظك من جميعهم وأنت مقر لأحدهم بالحرية، فإن أعتق حظه من العبد الذي سماه أخوه حكم بحرية جميعهم، وكذلك إن أبى أن يعتق حظه من كل واحد منهم لحكم بحرية جميع العبد الذي سمى أخوه، لأنه إذا أعتق حظ أخيه منه بأحد الوجهين وجب عتق جميعه، لأنه مقر أن نصيبه حر بالوصية، وإما أن يتقلد الشاك أن الوصية كانت لغير الذي سمى أخوه فأعتق نصيبه منه، فلا يعتق على الذي سمى العبد نصيبه منه، للضرر الداخل في ذلك على أخيه وإنما يؤمر أن يجعل ثمنه في عتق أن يبيع العبد كله أو وجد لحظه منه ثمنا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وعلى ما مضى في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى وفي غير ما موضع من هذا الكتاب إلا أن يملك العبد كله أو يملك شيئا زائدا منه إلى نصيبه فيه فيعتق عليه جميع ما ملك منه، فإذا أعتق العبد الذي سماه أحدهما بالوصية فقوله في بقية العبيد إنهما يقتسمانهم فما صار للذي أبت فيه الشهادة حل له استرقاقهم إلى آخر قوله في المسألة فهو صحيح بين وهذا الاعتراض الذي ذكرناه في هذه المسألة يدخل في المسألة الأخرى، إذا كانا عبدين ولم يكن للميت مال غيرهما، فتدبر ذلك تجده صحيحا، وقد ذكرها ابن المواز عن ابن القاسم على نحو ما وقعت هاهنا، فقال: إنه يعتق ثلثا العبد إن لم يدع غيرهما وقيمتهما سواء، ولا يعتق من الآخر شيء، ويقال للشاك: اجعل نصيبك

من ثمن الآخر يريد إن بيع في رقبة يعتقها.
قال محمد: وإنما أعتق ابن القاسم ثلثي المعتق حين لم ينكر الأخ قول أخيه فيه وأمر الشاك أن يجعل ما يأخذ من ثمن الآخر في رقبة لشكه، قال في كتاب آخر عن أشهب مثل ما ذكرها هنا إلا أنه قال يتقاومان الباقي، فإن صار للذي نص العبد الآخر لم يعتق عليه من هذا شيء، وإن صار للشاك لم يأمره أن يملك نصيبه، إذ قد يكون فيه العتق ويقضى بذلك عليه وثلثه رقيق ما لم يرجع قبل أن يقضي عليه فيقول ذكره أنه الذي قال أخي.
وقول أشهب إنهما يتقاوماه معناه إن أراد ذلك، إذ لا يجبر على المقاومة من أباها من الشريكين.
وأما قوله إنه يقضي عليه بعتق حظه من العبد إن صار له في المقاومة ما لم يرجع قبل أن يقضي عليه بذلك فهو خلاف مذهب ابن القاسم في أنه لا يقضي عليه بالعتق في الشك، وبالله التوفيق.

مسألة: ما أعتقت المرأة من عبيدها إذا فرقت العتاقة في أزمان شتى

مسألة قال: وسألته: عن امرأة ليس لها مال إلا ثلاثة أرؤس فأعتقت اليوم رأسا، ثم بعد زمان رأسا، ثم بعد ذلك أيضا الثالث، والقيم مختلفة.
فقال: ينظر إلى قيمة الأول، فإن كان قدر ثلث جميع قيمتهم فأدنى فعتاقته جائزة، ثم انظر إلى ما بين عتاقته وعتاقة الثاني فإن كان زمانا قريبا يعرف بقربه أنها مضرة في عتقها الثاني فالعتاقة الثانية مردودة، وإن تباعد ما بين ذلك جدا حتى لا يتهم في الضرر نظرت إلى قيمة الثاني فإن كانت ثلث جميع قيمته وقيمة الثالث فأدنى، أجزت عتاقته أيضا، وأما الثالث فلا عتاقة له على حال من الأحوال، لأنها أعتقته ولا مال لها غيره.

قال: وإن كانت قيمة الأول أكثر من ثلث جميع قيم الثلاثة الأرؤس لم يجز عتقه، ثم إن كانت قيمة الثاني أكثر من ثلث جميع قيم الثلاثة لم يجر عتقه أيضا، وإن كانت قيمة الثاني بعد أن تبطل عتاقة الأول أقل من ثلث جميع قيم الثلاثة أو الثلث فقط جازت عتاقته، فعلى هذا النحو يكون ما أعتقت المرأة من عبيدها إذا فرقت العتاقة في أزمان شتى.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية القرب الذي يجوز فيه الأول إن كان الثلث فأقل، ويبطل الثاني من البعد الذي يعتق فيه الأول إن كان الثلث فأقل والثاني إن كان ثلث قيمته وقيمة الثلث، فأقل، والقرب في ذلك اليوم واليومان على ما قاله في رسم حمل صبيا من سماع عيسى إلى الشهر والشهرين على ما قاله ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن أصبغ، لأن ذلك يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وقال ابن حبيب إذا لم يكن بين ذلك إلا اليوم واليومان ونحوهما فهو بمنزلة إذا كان في فور واحد يريد الأول وإن كان أقل من الثلث إذا كان مع الثاني أكثر من الثلث، وأما البعد فهو الستة أشهر فأكثر على ما حكاه ابن حبيب، وقد قيل: العام لأنه حد في غير ما مسألة، وقد قيل: إنها إذا تصدقت بثلث مالها فلا ينفذ لها عطية في باقيه قرب ذلك أو بعد، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.

يقول أول عبد أبتاعه فهو حر

ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر قال يحيى: وسألت عبد الرحمن بن القاسم عن الرجل يقول أول عبد أبتاعه، فهو حر، فيبتاع رقيقا في صفقة واحدة، أيكون حانثا في جميعهم؟

فقال: نعم، وإنما مثل ذلك عندي الرجل يقول أول عبد أبتاعه فهو حر فيبتاع شقصا من عبد أنه يقوم عليه ما بقي من العبد فإذا ابتاع عبيدا في صفقة واحدة كان الحنث عليهم في جميعهم أوجب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب عن ابن الماجشون في الميراث أنهم يعتقون عليه جميعا، وإذا قاله في الميراث الذي لم يدخله على نفسه فأحرى أن يقوله في الشراء الذي أدخله على نفسه، وقد قيل إنه يعتق أحدهم بالسهم، وقيل يختار واحدا فيعتقه، والقولان لابن القاسم في أول سماع سحنون في الذي يقول من يشري بكذا فهو حر، فيأتيه ثلاثة من عبيده في مرة، إذ لا فرق بين المسألتين على ما نذكره هناك من أحد التأويلين إن شاء الله تعالى.
وجه القول بأنهم يعتقون جميعا هو أنهم لما ملكهم معا ولم يتقدم أحدهم في الملك على صاحبه كان كل واحد منهم في حكم المتقدم إذ قد علم أنه ذلم يتقدم سواه منهم عليه، وهو في الشراء أيضا لما اشتراهم معا فقد قصد إلى عتق جميعهم.
ووجه القول بأنه يختار واحدا منهم فيعتقه هو أنه لم يعتق إلا عبدا واحدا فلا يلزمه أكثر مما ألزمه نفسه ولما كان كل واحد منهم في حكم الأول وهو لم يعتق إلا واحدا كان له أن يختار من شاء منهم.
وأما القول بالقرعة فوجهه أنه لما لم يكن لواحد منهم مزية في العتق على صاحبه كانت القرعة وجه العدل فيما بينهم، وله أن يقرع بينهم إن شاء على القول بأنه يختار واحدا منهم وليس له أن يختار على القول بأنه يقرع بينهم، وبالله التوفيق.

مسألة: اشترى عبدا فاستحق من يده

مسألة قال: وسألته: عن الرجل يقول للرجل أعتق غلامك فلانا ولك مائة دينار فيأخذها ويعتق غلامه ذلك، ثم يأتي رجل يستحق ذلك الغلام عبدا، أو يستحق ذلك العبد بحرية بعد من أصله.
قال: إذا استحق عبدا رجع صاحب المائة على المعتق بها فأغرمه إياها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو ما لا إشكال فيه، لأنه قد انكشف أنه أخذ مال الرجل باطلا إذا أعتق بأخذه إياه ما لا يجوز له عتقه، إما لأنه حر من أصله وإما لأنه ملك لغيره، وذلك كمن اشترى عبدا فاستحق من يده فله أن يرجع بالثمن على بائعه منه، وبالله التوفيق.

مسألة: تكون ابنته أمة فيريد سيدها بيعها

مسألة وسألته: عن الرجل تكون ابنته أمة فيريد سيدها بيعها فلما خاف أبوها تغربها عن بلده أتى رجلا، فقال له: اشتر ابنتي وأنا أعينك في ثمنها بمائة دينار، فيشتريها بالثمن الكثير ويستعين بالمائة أو عسى أن لا يشتريها إلا بتلك المائة أو نحوها أيجوز لمشتريها أخذ المائة من أب الأمة؟ وكيف إن أخذها بشرط أن يحبسها أو يتخذها أو بغير شرط؟ قال: أما إذا أعانه بالمائة على شرط الحبس أو الاتخاذ فإن فرجها يحرم عليه بذلك، ويلزمه رد المائة دينار، لأنه أعطاها إياه على ما لا يحل له، فإن أعطاها على غير شرط ولا عدة يفسد عليه مسيسها فلا بأس أن يأخذها منه، فإذا كان ذلك من الأب على وجه

العون للمشتري والصلة له لما رأى من ضعفه عن اشترائها فهو له ولا يلزمه ردها.
قلت له: فإن عجل بيعها، فقال الأب: إنما أعينك بالمائة لما رجوت من حبسك إياها قال ينظر في أمره: فإن كان يرى أنه إنما يعين مثله مثل المشتري لهذا الوجه فهو كالشرط يرد المائة على الأب ويجتنب المسيس حتى يردها، وإن كان مثل الأب إنما يعين مثل المشتري على وجه الصلة والمعروف حلت له أمته، وحل له حبس المائة وباع إذا شاء وحبس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة تبين ما وقع في المدونة من قوله في الرجل يعطي الرجل المال يشتري به ابنه أو ابنته يعينه به فيفعل الرجل! إنه لا يعتق المشتري منها على واحد منهما، وهما رقيق للمشتري.
وقوله في الرواية إذا عجل بيعها إنه ينظر فيما قال الأب من أنه إنما أعانه بالمائة لما رجاه من حبسها، فإن تبين إنما أعانه بالمائة لهذا الوجه كان ذلك كالشرط ولزمه رد المائة، وإن تبين أنه إنما أعانه بها على وجه الصلة له لا لهذا الوجه كانت المائة له، وفعل بالجارية ما شاء من بيع أو حبس، صحيح ولم يبين إذا لم يتبين الأمر في ذلك على ما هو محمول؟ والذي أراه في ذلك أنه إذا عجل بيعها من غير سبب لبيعه إياها فالأب يصدق فيما ادعاه من نيته مع يمينه على ذلك، ويسترجع مائته، والله الموفق.

مسألة: تحلف امرأته بالحرية لتفعلن شيئا

مسألة قال: وسألته: عن الرجل تحلف امرأته بالحرية لتفعلن شيئا أو لا تفعل شيئا تذكره فتخاف حنثها ويريد أن يرد يمينها لكي لا يعتق عليها رقيقها لما جاوزت يمينها من ثلث مالها، فقلت متى ترى أن

تشهد على رده عليها أحين تحلف أم حتى تحنث؟ قال: بل حتى تحنث، وذلك أن التي تقول كل شيء لها حر إن فعلت كذا وكذا فهي على بر ما لم تفعله، فما عليه إن سكت ما كانت على بر، والتي تقول إن أفعل كذا وكذا فكل شيء لها حر لعلها أن لا تحنث إلا بالموت ويكون حنثها كالوصية، فهذا لا يجوز له رد يمينها فيه إلا أن تكون قالت إن لم أفعل كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا فكل شيء لها حر، فهذه لعلها أن تفعل الذي حلفت عليه قبل محل الأجل فتبر، ففي كل ذلك لا أرى عليه في سكوته شيئا حتى يجب الحنث، فإذا وجب الحنث لزمه الإنكار وجاز له أن يفعل فيبطل بذلك عتاقة رقيقها إن كانت قيمتهم أكثر من ثلث مالها.
قلت: أرأيت التي تقول إن لم أفعل كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا فرقيقي أحرار فعجل الزوج برد يمينها، وقال: اشهدوا أنها إن حنثت فلا حرية لرقيقها، ثم حنثت عند الأجل فسكت الزوج اكتفاء بالشهادة الأولى أيجزيه ذلك أم لا؟ قال: إذا رد عليها قبل أن تحنث ثم حنثت فلم يرد عليها فذلك يجزيه ولا شيء عليها، وذلك أن الرد الأول يرد عليها عتقها ولا أرى عليه أن يرد عليها مرة أخرى.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة أبين وأكمل من التي تقدمت في رسم المكاتب فهي تبينها، وقد مضى الكلام على ما فيها من الزيادة على هذه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطى على أن يعتقه

مسألة وسألته: عن الرجل يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطَى على أن يعتقه.
فقال: إن أعطاه إياه على أن يوصي بعتق نصفه فأوصى له بذلك ومات الموصي عتق ذلك النصف ولم يدخل في ثلث الميت ولم يلحقه دين الميت، وذلك أنه إنما أعطيه على العتق شرطا ويرق النصف الباقي لسيده المعطي.
قال: وإن أعطاه إياه على أن يبتله في مرضه فقبل وبتله عتق ذلك النصف من غير ثلثه ولم يلحقه دين وعتق النصف الباقي عليه في ثلثه وقوم للسيد المعطَى فأُعطي قيمة النصف الباقي من ثلث الميت وعجل ذلك النصف الذي قوم في ثلث الميت، وإن كان عليه دين يحيط بماله لم يقوم عليه ذلك النصف، وعتق النصف الذي أعطَى.
قال: وإن أعطيه في صحته على أن يعتق ذلك النصف فقبل وأعتقه جاز عتق ذلك النصف عليه، وقوم عليه النصف الباقي فعتق العبد كله، فإن لم يكن له مال أعتق منه النصف الذي أعطي ويبلغ ماله من النصف الباقي وإن لم يكن له شيء البتة لم يعتق من العبد إلا النصف الذي أعطَى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه إذا أعطى نصف العبد في المرض على أن يعتقه بتلا في مرضه أو على أن يوصي له بالعتق لا يدخل ذلك النصف في ثلثه إذا لم يملكه قبل أن يعتقه، لأنه إنما ملك إياه بشرط العتق.

فإن أعطيه على أن يوصيَ له بالعتاقة فأوصى له بها أعتق إن مات من مرضه قارعا من رأس ماله، وإن صح من مرضه كان له ملكا ولم يصح له الرجوع فيما أوصى به من عتقه إذ لم يملك إياه إلا بشرط الوصية له بالعتق، فهو يعتق متى مات من رأس ماله، فله حكم الوصية في أنه لا يعتق إلا بعد موت الموصَى الذي أعطي إياه، وله حكم المعتق إلى أجل، لأنه يعتقه بموته من رأس ماله.
فهذه المسألة من نوادر المسائل لأنه يعتق عليه ذلك النصف بعد موته من رأس ماله، وكذا لو وهب لرجل عبد على أن يوصى له بالعتق لكان هذا حكمه.
وأما إذا أعطاه نصف عبده على أن يبتل عتقه في مرضه فذلك النصف الذي بتل في مرضه على الشرط حر على كل حال، لا يلحقه دين على ما قال، وقال إنه يقوم عليه النصف الذي للمعطي في ثلثه، وفي ذلك اختلاف قيل إنه لا يقوم عليه في ثلثه إلا بعد الموت، وهو المنصوص عليه في المدونة، وقيل إنه يعجل تقويمه عليه في مرضه ولا يبتل له العتق حتى يموت، فإن مات من مرضه ذلك جعلت تلك القيمة في ثلثه، وإن صح عتق من رأس ماله، وسواء كان له مال مأمون أو لم يكن، وقد قيل إنما يكون هذا إذا لم يكن له مال مأمون، وأما إن كان له مال مأمون فيعجل تقويمه في مرضه، وتنفذ الحرية له، فهذه التفرقة قول ثالث في المسألة وفيها قول رابع، وهو أنه لا يقوم عليه حظ شريكه عاش أو مات، قاله ابن الماجشون، وبالله التوفيق.
تم الكتاب الثالث من العتق والحمد لله.

: كتاب العتق الرابع

: يقول من يبشرني بغلام يولد لي فهو حر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه كتاب العتق الرابع من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول من يبشرني بغلام يولد لي فهو حر فيأتيه ثلاثة من عبيده في مرة قال أحب ما فيه أن يقرع بينهم ويخرج واحدا حرا، ثم رجع فقال يختار واحدا بعينه، فإن مات ولم يختر اختاره الورثة وعتق من رأس المال، قال ابن القاسم: وكل ما كان قبل هذا فهو باطل.
قال محمد بن رشد: قيل إنهم يعتقون كلهم قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز وهو قوله الذي تقدم له في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى في الذي يقول أول عبد أملكه فهو حر فيشتري رقيقا في صفقة واحدة إنهم يعتقون جميعا، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، وهذا إذا جعلت (من) بمعنى (الذي) ورفعت (يبشرني) ، فأما إن جعلت (من) للشرط وجزمت (يبشرني) فلا مخالف في أنهم يعتقون كلهم، لأن كل واحد قد بشره إذ جاءوا معا، و (من) في الشرط تقتضي العموم.
وقوله على القول بأنه يختار أنه إن لم يختر حتى مات اختار الورثة وعتق من رأس المال هو على أحد أقواله في الذي يقول أحد عبيدي حر فلا يعلم بذلك إلا عند موته، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم باع شاة من سماع

عيسى، ولو أراد أن يقرع بينهم على القول بأنه يختار كان ذلك له، ولو أراد أن يختار على القول بأنه يسهم بينهم لم يكن له ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: يختار واحدا من العبيد في العتق

مسألة قلت: فلو أن رجلا قال وهو مريض وسمى ثلاثة رجال غيب: أول من يقدم منهم فهو وصي فقدموا كلهم فقال ينبغي للسلطان أن يختار واحدا عدلا.
قال محمد بن رشد: هذا على قياس قوله الذي رجع إليه في المسألة التي قبلها إنه يختار واحدا من العبيد في العتق.
ويأتي على قياس القول بأنهم يعتقون كلهم أنهم يكونون أوصياء كلهم، ولا يبعد أن يقرع بينهم إذا استوت أحوالهم ولم يظهر أن بعضهم أولى بالإيصاء من بعض، على قياس القول بالقرعة بين العبيد في العتق، وبالله التوفيق.

مسألة: قول لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر حتى أموت فأنت حر

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر حتى أموت فأنت حر، قال: أراه حرا في الثلث.
قلت له: أفله أن يبيعه؟ قال: ما أحب ذلك، وإن رهقه دين؟ قال محمد بن رشد: قوله أراه حرا في الثلث معناه إن جاءه بالدينار كل شهر حتى يموت، لأنه إنما جعل له العتق بعد موته على هذا الشرط، واستحب أن لا يبيعه إلا أن يرهقه دين من ناحية الوفاء بالعهد إذ لم ير ذلك واجبا عليه كالتدبير من أجل الشرط الذي شهد عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لجاريته إذا حملت فأنت حرة

مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يقول لجاريته إذا حملت فأنت حرة، قال: إن كانت حاملا فهي حرة، وإن لم يتبين أوقفت وحيل بينه وبينها وأوقف خراجها، فإن تبين حملها عتقت وكان كل ما أوقف من خراجها لها وإن حاضت ولم تكن حبلى فإن شاء أن يبيعها باعها.
قال محمد بن رشد: أوجب ابن القاسم في هذه الرواية على القائل لجاريته إذا حملت فأنت حرة الحنث إن كانت حاملا يوم قال لها ذلك، والوجه في ذلك أنها حامل أبدا فيما تبقى من حملها، كالذي يحلف أن لا يسكن الدار وهو ساكن فيها أنه يحنث في التمادي في السكنى، فقال: إنها تعتق إن كانت يومئذ حاملا، ويوقف خراجها إن لم يتبين حملها، فإن تبين حملها أعتقت ودفع إليها ما وقف من خراجها، وإن حاضت فتبين أنه ليس لها حمل باعها إن شاء، فإن لم يبعها ووطئها وقف خراجها أيضا لاحتمال أن تكون قد حملت من هذا الوطء، فإن حاضت أخذ خراجها، وكذلك يفعل، يوقف خراجها كلما وطئها فإن حاضت أخذ كلما وقف من خراجها، وإن لم تحض وتبين بها حمل أعتقت ودفع إليها ما وقف من خراجها، وهو مذهبه في المدونة، وخلاف قول سحنون فيما حكى عنه ابن عبدوس من أن من قال لزوجته وهي حامل: إذا حملت فأنت طالق، إنها لا تطلق بهذا الحمل إلا بحمل يؤتنف، وقد مضى من قول ابن القاسم في رسم أسلم من سماع عيسى ما ظاهره مثل قول سحنون، والكلام عليه هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يقطع يد غلامه فيموت السيد ولم يحكم عليه فيه

مسألة قال ابن القاسم في الذي يقطع يد غلامه فيموت السيد ولم يحكم عليه فيه: إنه لا يعتق على ورثته، وإن رفع أمره إلى السلطان

قبل أن يموت السيد عتق عليه إلا أن يكون على السيد دين يحيط بماله.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت السيد لا يعتق على ورثته، هو مثل ما تقدم في رسم يشتري الدور والمزارع، ولا اختلاف فيه على المشهور من أنه لا يكون حرا بنفس المثلة، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم الكبش من سماع يحيى.
وأما إن رفع أمره إلى السلطان قبل أن يموت السيد فقوله إنه يعتق عليه إلا أن يكون على السيد دين يحيط بماله بين إن كان ذلك في مرضه إذ لا يعتق عليه في المرض بالمثلة إلا من ثلثه، وأما إن كان ذلك في صحته فالقياس أن يحاص الغرماء بقيمته إن كانت المثلة عليه قبل ديونهم فيعتق منه بقدر ذلك، لأن ذلك حق قد وجب له قبل ديونهم، وكذلك إن كانت المثلة عليه بعد ديونهم إذا لم يتهم على أنه إنما مثل به ليعتق عليه فيكون له ولاؤه ولا يأخذه الغرماء وقد مضى ما بين هذا في رسم الكبش من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

مسألة: يكون للرجل وللعبد مال فيقول له السيد أنت حر ولي نصف مالك

مسألة وسألت أشهب: عن العبد يكون للرجل وللعبد مال فيقول له السيد أنت حر ولي نصف مالك، أو يقول له نصفك حر ولي نصف مالك، فإن العتق جائز وله ما اشترط من المال، لأنه كان يجوز أخذه، قيل لأشهب: فإن كان عبدا بين ابنين أعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، واشترط ماله فإن العتق جائز ويقوم عليه وليس له في المال شيء؛ لأنه لم يكن له أخذ شيء منه.
قلت لأشهب: فإن أعتق مصيبته منه واشترط نصف ماله؟

قال: عتقه جائز وليس له من المال شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله، لأن العبد إذا كان جميعه له فله أن يستثني ماله أجمع أو ما شاء منه إذا أعتقه أو أعتق شقصا منه، لأن له أن ينزعه منه كله أو ما شاء منه دون أن يعتقه، فإن كان إنما أعتق منه بعضه فيعتق عليه جميعه ويكون له ما استثنى من ماله.
وأما إذا كان العبد بينه وبين آخر فلا يجوز له إذا أعتق نصيبه منه أن يستثني ماله ولا شيئا منه موسرا كان يقوم عليه أو معسرا لا يقوم عليه لعسره، إذ ليس لأحد الشريكين أن يأخذ في العبد من ماله شيئا دون إذن شريكه، ويقوم عليه إن كان موسرا ويكون المال للعبد، وإن كان معدما بقي نصفه رقيقا، وأقر جميع مال العبد بيده.
ولو أعتق أحد الشريكين في العبد حظه منه على أن يكون له ماله كله أو بقدر حصته منه بإذن شريكه لجاز ذلك موسرا كان أو معسرا، فإن كان موسرا قوم عليه وكان له ما استثنى من ماله أو جميعه إن كان استثنى جميعه وإن كان معسرا بقي نصفه رقيقا وأقر ما بقي من ماله إن كان المعتق لنصيبه لم يستثن جميعه، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لجاريته إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فتلد قبل السنة

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يقول لجاريته: إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فتلد قبل السنة وتأتي بالمائة، هل يعتق ولدها؟ قال: لا يعتق ولدها، وكذلك قال مالك، وليس له أن يبيعها حتى تنقضي السنة وتؤجل فلا تأتي بشيء، وكذلك إذا أعتقها في وصية وهي حامل بعد موته فولدت قبل موت السيد، قال مالك: لا

يعتق ولدها ورواها يحيى من كتاب الصبرة وزاد فيها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الولد لا يعتق بعتقها خلاف نص قوله في المدونة، فعلى هذه الرواية في أن ولدها لا يدخل معها لا يلزم ورثته ذلك بعد موته، وعلى ما في المدونة من أن ولدها يدخلون معها يلزم ورثته ذلك بعد موته، فقوله في هذه الرواية خلاف ما تقدم في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وخلاف ما يأتي في سماع عبد الملك من أن ذلك يلزمهم، وقد مضى في رسم الصبرة من سماع [يحيى] تحصيل القول في هذه المسألة والكلام عليها مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله

مسألة قال: وسئل ابن القاسم: عن المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله أو النصراني فيموت فلا يقسم ماله حتى أسلم ولده أو بعضهم كيف يقتسمون؟ أقسم الإسلام أو الشرك؟ قال: قسم الشرك، وإنما ذلك في المجوس الذين ليسوا بأهل ذمة، فإن أسلم أولاد أولئك قبل أن يقتسموا الميراث قسم على قسم الشرك، ثم قال: ألا ترى إلى الحديث «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ؟ إنما ذلك في المجوس من أهل الذمة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإنما ذلك في المجوس - إشارة منه إلى الحديث الذي جاء «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام» ، يقول: إنما الحديث في المجوس الذين لا ذمة لهم هم الذين تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وأما المجوس الذين لهم ذمة فتقسم

مواريثهم وإن أسلموا قبل قسمتها على دينهم كاليهود والنصارى من أهل الذمة، وذلك خلاف مذهبه في المدونة في أن الحديث إنما هو في المجوس كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وروى أشهب عن مالك وهو قول ابن نافع وغيره من كبار أهل المذهب أن الحديث على عمومه في المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريث جميعهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، قيل إذا أسلموا كلهم، وأما إن أسلم بعضهم فيقسم بينهم على قسم دينهم، وقد وقف مالك في رواية أشهب عنه إذا أسلم بعضهم فقال لا أدري، وقيل: سواء أسلموا كلهم أو بعضهم يقسم بينهم على قسم الإسلام، وهو قول عمر بن عبد العزيز في المدونة على ما جاء عنه من أن ناسا مسلمين ونصارى جاءوه من أهل الشام في ميراث بينهم فقسم بينهم على فرائض الإسلام.
ولكلا القولين وجه، فوجه القول الأول: أن حق من لم يسلم منهم لا ينتقل بإسلام من أسلم منهم، ووجه القول الثاني: اتباع ظاهر قوله في الحديث أدركها الإسلام إذ لم يفرق فيه بين أن يسلموا كلهم أو بعضهم، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، تتفرع إلى ستة على ما بيناه، وبالله التوفيق.

مسألة: وصية من أنفذت مقاتله

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يشق جوفه أو أمعاؤه أو يذبح فهو فيما هو فيه حتى يموت بعض ولده أتورثه؟ قال: نعم، إلا المذبوح فإنه لا يورث، وأما الذي يشق جوفه فعمر بن الخطاب في ذلك حجة.
قلت: فإن قتله رجل في تلك الحال، أيقتل به؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: أما المذبوح فلا اختلاف في أنه لا يورث ممن

مات ولا يقتل من أجهز عليه، وأما الذي تنفذ مقاتله ففرق في هذه الرواية بين توريثه ممن مات والقصاص ممن قتله، وقد قيل إنه يقتل به من قتله وهو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه في كتاب الديات، والقياس أن لا يفرق بين القصاص والميراث فيورث ممن مات على قياس رواية أبي زيد، ولا يورث ممن مات على قياس قوله في هذه الرواية إنه لا يقتل به من قتله، وهو قول أشهب إنه لا يقتل به إلا الأول، فهي قولان وتفرقة، ويدخل هذا الاختلاف أيضا في البهيمة تنفذ مقاتلها وحياتها باقية هل تصح تذكيتها أم لا؟ والمنصوص أن التذكية فيها لا تصح وهو الأظهر، ولا اختلاف في إجازة وصية من أنفذت مقاتله لما ثبت من فعل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بحضرة جماعة الصحابة، وبالله التوفيق.

مسألة: أعتق ابن أمته من رجل عربي هل يثبت له ولاؤه

مسألة وسئل ابن كنانة: عن رجل أعتق ابن أمته من رجل عربي، هل يثبت له ولاؤه؟ فقال: لا، ولكن يصير إلى نسب أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي أعتقه، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن كنانة هذا أن من أعتق ابن أمته من رجل عربي لا يكون له ولاؤه ولا يرثه هو ولا أحد ممن يرث الولاء عنه من قرابته، ويكون ميراثه إن مات ولا وارث له يعرف قعدده من أبيه لجماعة المسلمين، وهو ظاهر ما وقع في كتاب العيوب من المدونة في الذي ابتاع أمة فإذا نسبها من العرب فأراد أن يردها من أجل أن العرب يجرون ولاءها، ولا يكون ولاؤها لولده، ولذلك قال يحيى بن عمر، واحتج بمسألة مالك في المدونة، وإلى هذا ذهب ابن أبي زيد أيضا، لأني رأيت له قد قال في قول ابن كنانة هذا في العربي خاصة، وقد قال بعض الأندلسيين فيما حكى عنه عبد الحق: جميع أصحاب مالك يجمعون أن الولاء لمن أعتق ما لم يكن المعتق من العرب فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه إلا أشهب، فقال: ولاؤه لمن

أعتقه، وقول أشهب هو الصحيح الذي لا يصح القول بخلافه، لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الولاء لمن أعتق» ولم يفرق بين عجمي ولا عربي، ويحتمل أن يتأول قول ابن كنانة فيرد بالتأويل إلى قول أشهب، لأن الولاء لا يورث به إلا بعد انقطاع النسب فيكون معنى قوله إن الولاء لا يورث به في العربي إلا بعد انقطاع النسب فيكون معنى قوله إن الولاء لا يورث به في العربي إلا بعد انقطاع النسب، وكذلك مسألة المدونة هي محتملة مثل هذا التأويل، وبالله التوفيق.

: اجتمعوا أو اختلفوا على عتق واحد

من سماع محمد بن خالد من عبد الرحمن بن القاسم قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الذي يقول عبدي حر إن فعلت كذا وكذا وله أعبد فيحنث فيما حلف فيه، فيقال له: من أردت من رقيقك؟ فيقول: ما أردت عبدا بعينه فيحلف على ذلك، ثم يقال له أعتق من شئت من رقيقك فيموت من قبل أن يفعل.
قال ابن القاسم: أرى أن يكون لورثته مثل ما كان له، ويعتقون من أحبوا، هذا أحب القول إلي في ذلك.
قال سحنون: بلغني عن مالك أنه قال: يعتق ثلثهم بالسهام إن كانوا ثلاثة، وإن كانوا أربعة عتق ربعهم على هذا الحساب، وأنا آخذ بقول ابن القاسم إذا اجتمعوا على عتق واحد، وإن اختلفوا أخذت بقول مالك.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد إذا أعتق عبدا له بغير إذن سيده

مسألة قال: وسألت ابن القاسم على المولى عليه يحلف بيمين وهو مولى عليه فلا يحنث فيها وهي عتاقة حتى يبلغ حال الرضا فيحنث بها، أيلزمه اليمين؟ قال: لا، وهو قول مالك.
قلت لابن القاسم: فالنصراني والصبي والعبد كذلك؟ قال: نعم إلا أن العبد أشدهم، وذلك أن العبد إذا أعتق عبدا له بغير إذن سيده فلم يعلم بعتقه حتى عتق هو، مضى عتق العبد عليه وكان ولاؤه له، قال ابن القاسم: والمولى عليه إن كان قد أعتق عبدا له بغير علم وليه فلم يعلم بذلك الولي حتى ولي المولى عليه ماله فإنه يرجع في عبده إن شاء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم العتق من سماع أشهب فلا معنى لإعادته.

مسألة: المولى عليه يستلحق أخا له أيلزمه في ماله

مسألة قلت لابن القاسم: فالمولى عليه يستلحق أخا له، أيلزمه في ماله كما يلزم غيره؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن نسبه لا يلحق بأبيه باستلحاقه إياه، فإنما هو مقر له بمال، وإقراره لا يجوز، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حامل

مسألة قال: وسألته: عن العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حامل، فقال مالك: الولد للسيد.
قلت لابن القاسم: فإن العبد بعد أن أعتق وتبعه ماله أعتق الجارية وهي حامل؟ فقال ابن القاسم: لا يتم عتقها حتى تضع ما في بطنها.
قلت لابن القاسم: هل تباع عليه في الدين بعد أن أعتق إذا كان عتقه إياها في الحين الذي أعتق فيه جائز، فقال: لا، وإنما ذلك بمنزلة الرجل يعتق عبده إلى أجل ثم يقوم عليه الغرماء بعد ذلك، فلا يباع لهم في دينهم إذا كان يوم أعتقه جائز القضاء.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يعتق ولد أمة حامل إن الولد للسيد هو مثل ما في كتاب طلاق السنة من المدونة، وإنما قال ذلك؛ لأن ولد العبد من أمته بمنزلته، فوجب أن يكون ما في بطنها رقيقا لسيده وإن تبعته الجارية في الحرية؛ لأنها ماله، ولا تكون له بهذا الحمل أم ولد، كما لا تكون له أم ولد بما ولدته له في حال العبودية إلا أن يملك ذلك الحمل، فتكون به أم ولد على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ لأنه عتق عليه بملكه إياه، ولا تكون له أم ولد على مذهب أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك؛ لأن الرق قد مسه في بطن أمه وأما ما ولدته في حال العبودية فلا تكون له به أم ولد باتفاق في المذهب خلافا لأهل العراق.
واختلف قول مالك فيما ولدته أمة المدبر أو المكاتب في حال التدبير أو الكتابة، هل تكون به أم ولد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: الفرق بين المدبر والمكاتب.

وأما قوله إن عتقها لا يتم إن أعتقها حتى تضع ما في بطنها فمثله في المدونة، والوجه في ذلك أنه لا يصح أن تكون حرة وما في بطنها رقيق للسيد، فوجب أن يوقف حتى تضع، وتكون أحكامها أحكام أمة حتى تضع كالمعتقة إلى أجل، واختلف إن أخلفها الحمل أو ماتت قبل أن تضع، فقيل: إن أحكامها أحكام حرة من يوم أعتقها العبد المعتق، وهو قول سحنون على القول بأنه لا يحكم للحمل حتى يوضع في غير ما وجه من اللعان والنفقة ووجوب الحرية للأمة يتوقف عنها سيدها وهي حامل إذ قد قيل إنه لا يلاعن على الحمل حتى يوضع، ولا يحكم بالنفقة للحامل المطلقة المبتوتة حتى يوضع الحمل، ولا تجب الخدمة للأمة يتوفى عنها سيدها وهى حامل حتى تضع لاحتمال أن ينفش الحمل في ذلك كله، والمشهور أنه يحكم للحمل بظهوره في هذا كله، فعلى هذا تكون أحكام هذه الأمة أحكام أمة على كل حال كالمعتقة إلى أجل وإن أخلفها الحمل أو مات قبل أن تضع.
وقوله إنها لا تباع في الدين بعد أن أعتق إذا كان عتقه إياها في الحين الذي أعتق فيه جائزا يريد إذا لم يكن عليه دين يوم أعتق صحيح؛ لأنه إن كان عليه دين يوم أعتق فلا بد من أن تباع فيه، إذ لا يجوز عتق المديان إلا أنها لا تباع حتى تضع ما في بطنها فيأخذ السيد الولد على ما قاله في المعتق إلى أجل، سواء أنه إن كان يوم أعتقه جائز القضاء، يريد لا دين عليه لم يعتق، وإن كان عليه دين يوم أعتق بيع، وبالله التوفيق.

مسألة: يترك أولادا ولدوا في إسلامه وأولادا في نصرانيته

مسألة قال محمد بن خالد: قال ابن القاسم في الرجل يتوفى ويترك أولادا ولدوا في إسلامه وأولادا صغارا ولدوا في نصرانيته: إن ماله يوقف حين يبلغ ولده النصارى، فإن أسلموا ورثوا، وإن لم يسلموا كان الميراث للمسلمين من وُلده.

قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف نص قوله في النكاح الثالث من المدونة، أن النصراني إذا أسلم وله ولد صغار بنو خمس سنين أو ست أو نحو ذلك مما لم يعقلوا دينهم النصرانية فهم مسلمون ولهم الميراث.
قال سحنون: وكذلك يقول أكثر الرواة إنهم مسلمون بإسلام أبيهم، وقد حكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن من أبى الإسلام من الصغار يوم أسلم أبوهم يجبرون على الإسلام بالضرب والسجن، ولا يبلغ بهم القتل بعد البلوغ، وهو مثل ظاهر قوله في هذه الرواية، ومثل ما حكى في المدونة من أنه كتب إلى مالك من بلد آخر وهو قاعد عنده في رجل أسلم وله ولد صغار فأقرهم أبوهم حتى بلغوا اثني عشر سنة أو شبه ذلك فأبوا أن يسلموا، أترى أن يجبروا على الإسلام، فكتب إليهم مالك أن لا يجبرهم، والمشهور عن مالك المنصوص عليه في المدونة وغيرها أنهم مسلمون بإسلام أبيهم إذا كانوا صغارا لم يعقلوا دينهم يوم أسلم، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون، وقالا: إنه قول مالك وجميع أصحابه بالمدينة، وهو أصح القولين، يشهد بصحته ظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه» ولنا في التكلم على هذا الحديث مسألة مستغرقة لجميع معانيها في الوقوف عليها بيان صحة الاستدلال به على صحة هذا القول.
والأم في هذا بخلاف الأب، وقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أنهما قالا له وقد روى وجاءت به الآثار: أن إسلام الأم إسلام للولد الصغار.
فيتحمل في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أن الولد الصغار مسلمون بإسلام من أسلم من الأبوين، والثاني: أنهم لا يكونون مسلمين بإسلام من أسلم منهما،

والثالث: أنهم يكونون مسلمين بإسلام الأب منهما دون الأم، ويحتمل أن يريد ابن القاسم بالولد الصغار في هذه الرواية الذين لم يبلغوا الحلم وقد عقلوا دينهم، فيكون قوله فيها على هذا التأويل مثل قوله وروايته عن مالك في المدونة في الذي أسلم وله بنون حزاورة، أن المال يوقف إلى أن يبلغوا الحلم، فإن أسلموا ورثوه، وإن لم يسلموا لم يكن لهم فيه حق، ولا اختلاف بينهم إذا كانوا حزاورة قد عقلوا دينهم يوم أسلم أبوهم لا يكون إسلامهم في إسلامه، وإذا لم يكن إسلامهم في إسلامه فالصحيح ما ذهب إليه ابن الماجشون وحكاه عن مالك مطرف وابن الماجشون وجماعة أصحابهم بالمدينة، من أنه لا ميراث لهم، وإن قالوا نحن على الإسلام، لأنهم كمن دخل الإسلام بعد موت أبيه، واختلف إذا أسلموا قبل البلوغ وهم حزاورة قبل أبيهم أو دونه هل يعد إسلامهم قبل البلوغ إسلاما يقتلوا عليه إن رجعوا عنه بعد البلوغ وثبت لهم به جميع أحكام الإسلام أم لا؟ فذهب سحنون إلى أنه لا يعد إسلامهم قبل البلوغ إسلاما يقتلون عليه ولا يتوارثون به ولا توطأ به الأمة المجوسية، وهو ظاهر ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، لأنه قال فيه إنهم يجبرون على الإسلام، ولم يقل إنهم يقتلون عليه، وفي كتاب النكاح الثالث منها دليل على أنهم يقتلون إن رجعوا عن الإسلام بعد البلوغ إلا أنه قال في المسألة إنه لا يفرق بينه وبين امرأته المجوسية بهذا الإسلام، إلا أن يثبت عليه حتى يبلغ، فهو يضعف الدليل على قتله إن رجع بعد البلوغ، ومن قوله في المدونة أنه يطأ به الأمة المجوسية، فهو اضطراب من قوله فيها، والأصح أنه إسلام يحكم له بحكمه في جميع الأشياء ويقتل عليه إن رجع عنه بعد البلوغ بدليل إجماعهم على أنه يصلي عليه بهذا الإسلام ويباع به العبد على سيده.
قال سحنون وتقع به الفرقة بين الزوجين إذا كانت هي التي أسلمت، كما يباع به العبد على سيده، بخلاف إذا كان هو الذي أسلم وزوجته مجوسية، واعترض ابن عبدوس ذلك من قوله، فقال: كيف تقع الفرقة بإسلامها

ولا تقع بإسلامه في صغرهما، وكذلك قال أبو إسحاق التونسي: ليس بينهما فرق، وما الفرق بينهما إلا بين، وهذا أن للإسلام حرمة وإن كان قبل البلوغ فعليه إذا أسلمت ضرر في البقاء في عصمته كافر ولا ضرر عليه هو إذا أسلم في البقاء على عصمة كافرة، وكذلك يقول سحنون: إن الارتداد قبل البلوغ لا يعتبر به يرث ويورث بوراثة الإسلام، كما لا يعتبر إسلامه عنده قبل البلوغ ويورث بوراثة الكفر وبالله التوفيق.

: قال لغلامه متى ما جئتني بمائة دينار فأنت حر فأراد بيعه

من سماع عبد الملك وسؤاله ابن القاسم قال عبد الملك بن الحسن: وسئل ابن القاسم وأنا أسمع عن رجل قال لغلامه: متى ما جئتني بمائة دينار فأنت حر، فأراد بيعه قال: فليس ذلك له حتى يرفع أمره إلى السلطان فيلوم له أو يعجزه فيصير رقيقا له، فقال له: فإن مات السيد قبل أن يأتي العبد بالمائة التي جعل له على نفسه هل يلزم ورثته ما كان يلزم أباهم أو يكون رقيقا لهم؟ فقال: بل يلزمهم مثل ذلك حتى يرفعوا أمرهم إلى السلطان فيتلوم له أو يعجزه، والورثة في هذا بمنزلة أبيهم.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن ذلك يلزم ورثة السيد كما يلزم السيد خلاف ما تقدم من قوله في رسم الصبرة من سماع يحيى في أن الولد لا يدخلون مع الأمة في ذلك إن كاتب الأمة لأنه إن حكم لهذا القول بحكم الكتابة لزم ذلك الورثة ودخل في ذلك الولد وهو مذهبه في هذه الرواية، وإن لم يحكم له بحكم الكتابة لم يلزم ذلك الورثة ولا دخل فيه الولد، وقد مضى القول على ذلك مستوفى في رسم الصبرة المذكور من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: ليس للرجل أن يرجع فيما دبر

مسألة وسئل وأنا أسمع عن رجل كان له مدبر فحضره الموت فقال: أقرعوا بين فلان وفلان، يريد المدبر وآخر من عبيده، قال: يقرع بينهما كما قال، فإن وقع على المدبر لم يكن للآخر عتق، وإن لم يقع على المدبر ووقع على الآخر فحملهما جميعا الثلث عتقا جميعا، وإن لم يحملهما الثلث بدئ بالمدبر ثم عتق من الآخر الذي وقع عليه السهم ما بقي من الثلث، وأخبرني محمد بن خالد عن عبد الملك بن عبد العزيز مثله سواء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ ليس للرجل أن يرجع فيما دبر، فإن وقع السهم على المدبر خرج الآخر عن الوصية، وإن وقع على الآخر بدئ المدبر في الثلث، ثم أعتق هو في بقية الثلث أو ما حمل باقي الثلث منه، فإن لم يكن في الثلث فضل عن قيمة المدبر لم يكن للآخر عتق ولا احتيج في ذلك إلى قرعة، والمسألة متكررة في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الوصايا، وقد مضى في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من هذا الكتاب إذا قال أعتقوا أحدهما ولم يقل أقرعوا بينهما، وأن الحكم في ذلك أن يقرع بينهما على نصف قيمتهما حسبما مضى بيانه، فلا معنى لإعادته.

مسألة: وصية للعبد بالكتابة

مسألة قال: وسئل عن رجل يقول لعبده: أخدم ورثتي سنة ثم لك سنة أخرى تأتي فيها بوضيف ثم أنت حر، فأتى بالوضيف بعد السنة بشهر أو نصف شهر أو أكثر من ذلك، فقال: يعتق.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأنها وصية للعبد بالكتابة على هذا الوجه، فإن حملها الثلث تمت له الوصية وعتق إذا خدم السنة وجاء بالوضيف، وإن أتى به قبل تمام السنة الثانية ولو أتى به في السنة الأولى لعتق بتمامها، لأن الأجل إنما مرفقه للعبد كالمكاتب إذا عجل كتابته قبل الأجل، ولو انقضت السنة الثانية ولم يأت بالوضيف لتلوم له في الإتيان به كما يتلوم للمكاتب في كتابته إذا حلت، فإن لم يأت به وعجزه السلطان كان رقيقا للورثة، وبالله التوفيق.

مسألة: يوصي عند موته فيقول لغلامي فلان شهر من كل سنة

مسألة وسئل وأنا أسمع عن الرجل يوصي عند موته فيقول: لغلامي فلان شهر من كل سنة، فقال: يعتق منه جزء من اثني عشر جزءا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأنه جعله شريكا للورثة في نفسه بذلك القدر، فوجب أن يكون منه ذلك القدر حرا كما لو نص على حريته، والله الموفق.

مسألة: العبد يكون معروفا بالإباق فيرسم سيده في جبهته عبد فلان

مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن العبد يكون معروفا بالإباق فيرسم سيده في جبهته عبد فلان، هل ترى هذا مثلة؟ قال: نعم، هي مثلة وأرى أن يعتق عليه.
قلت: فلو رسمه بمداد وإبرة كما يفعل الناس في أيديهم وأجسادهم؟ قال: يعتق عليه.
قال: وسألت عنها أشهب فقال: لا يعتق عليه.
قال محمد بن رشد: إنما قال ابن وهب إنه يعتق عليه إتباعا لظاهر

قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «من مثل بعبده أو أحرقه بالنار فهو حر» إذ عم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يخص مثلة من مثلة، وهذه مثلة، وإنما قال أشهب: إنه لا يعتق عليه؛ لأن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج بسبب، وهو ما فعله زنباع بعبده سندر من جبه وجذع أذنيه وأنفه، إذ وجده يقبل جارية له، فقصر الحديث على سببه، وهي المثلة بقطع عضو من الأعضاء، وقد اختلف في اللفظ العام المستقل بنفسه الوارد على سبب هل يقصر على سببه أو يحمل على عمومه، فاختلافهما في هذه المسألة راجع إلى هذا الأصل، وقول أشهب في هذه المسألة أظهر، لأن الأصل أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بيقين، ولا يقين في هذه المثلة للاحتمال في الحديث، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول اشهدوا أن أم ولدي قد أعتقت رقيقها وهي تجحد

مسألة وسئل: عن الرجل يقول اشهدوا أن أم ولدي قد أعتقت رقيقها أو قد حنثت فيهم بالعتق وهي تجحد، قال: إن كان السيد صحيحا فذلك عندي انتزاع، وهم أحرار، وإن كان مريضا لم يقبل منه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ لا وجه للإشهاد على فعلها إلا إرادة إلزامها ذلك، وإذا ألزمها ذلك فقد انتزعهم منها وأعتقهم، فوجب أن ينفذ ذلك عليها في الحال الذي يجوز له فيه انتزاع مالها، وبالله التوفيق.

: يعتق الأسفل إذا ملك سيده الأعلى

من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ بن الفرج: سمعت ابن القاسم يقول: لو أن رجلا له عبد ولعبده عبد فغضب الرجل على عبده فوهبه لعبده نفسه جاز، وإن كانت جارية وطئها العبد الموهوب له، ولو كانت لرجل جارية وللجارية عبد فوهبها لعبدها جاز، ووطئها العبد إن شاء.
قال محمد بن رشد: في الثمانية لأبي زيد عن ابن الماجشون أنه يعتق الأسفل إذا ملك سيده الأعلى، ووجه قوله: إنه إنما ملك سيده كان له أن ينتزع نفسه منه، إذ للسيد انتزاع مال عبده، وإذا ملك نفسه بالانتزاع كان حرا، وابن القاسم لا يرى لواحد منهما عتقا، وقوله أظهر، إذ لا يستقيم ملك العبد لسيده، فيكون كل واحد منهما مالكا لصاحبه، فهبته له لا تصح إلا بعد أن ينتزعه منه، فيصيران جميعا له.
وقوله: وإن كانت جارية وطئها العبد الموهوب هو قوله بعد ذلك بعينه، ولو كانت لرجل جارية وللجارية عبد فوهبها لعبدها جاز، ووطئها العبد إن شاء، فلا وجه لتكريره، فلو قال: ولو كان لرجل عبد، وللعبد جارية فوهبه لها لحرمت عليه لكان وجه الكلام لتبيين أنها تحرم عليه إذا وهب لها، كما تحل إذا وهبت له، وإنما تحل له إذا وهبت له إن كانت هبة صحيحة يشبه إن وهب مثلها لمثله على ما قاله في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، وفي رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب منه، وبالله التوفيق.

: قال لغلامه اعمل على هذه الدابة فإن ماتت فأنت حر

ومن كتاب الوصايا قال: وسئل ابن القاسم عن رجل قال لغلامه: اعمل على

هذه الدابة، فإن ماتت فأنت حر، فمات السيد قبل الدابة، قال: فهو كما قال، وليس يعتق إلا إلى موت الدابة، فإن ماتت الدابة قبل موت السيد فهو حر، من الثلث، فإنما هو بمنزلة رجل قال: اخدم فلانا ما عشت أنا، فإن مات فلان قبلي فأنت حر، فإن مت قبل فلان فأنت حر إلى موته، فإن مات السيد قبل فهو حر من الثلث.
قال أصبغ يبين ما قال: وما ناظر فليس ذلك له بنظير ولا حجة، والنظير صواب في ذاته، لأن ذلك استثناء وقيد بعضه ببعض، فله ثنياه التي عليها وضع، وأن الأول أعتق إلى آجال مهمة، كالذي يقول أنت حر إلى موت فلان أو عن دبر فلان بخدمتك لفلان، أو بغير خدمته، فهو أجل أعتقه إليه لا يرجع فيه، وهو من رأس المال، والإنسان والدابة في ذلك سواء، وهو من رأس المال إن مات السيد قبل ذلك أو بعد الدابة قبل أو بعد، قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: وللورثة أن يبيعوا الدابة بموضع لا يغيب علمها.
قيل: أرأيت إن قتل العبد الدابة خطأ أو عمدا؟ قال: إن قتل العبد الدابة خطأ عجل له العتق، وإن كان عمدا لم يعجل.، وخدم إلى قدر ما تعمر إليه الدابة، وكذلك إن بيعت وغاب عليها، وقاله أصبغ.
وسئل سحنون عن رجل قال لغلامه: أنت حر بعد موت حماري، فعمل الغلام على الحمار وحمل عليه فوق طاقته وعنف عليه حتى مات الحمار قال: نعم، قيل له: فلو لم يحمل عليه فوق طاقته ولكنه قتله قتلا، فقال: أرأيت لو أن أم ولد قتلت سيدها؟ فقلت له: عمدا قتلته؟ قال: نعم، فقلت له: تقتل به؟ قال: نعم، قال: فإن سامحها أولياء القتيل، فقيل له تعتق وليس ما جنت بالذي

يحل عنها ما عقد لها من العتق القوي، وليست كالمدبرة تقتل سيدها، قال: فكذلك الذي سألت عنه من قاتل الحمار يعتق مكانه لأنه معتق إلى أجل ليس له بيعه ولا يلحقه الدين فليس كالمدبر، ألا ترى أن المدبر إنما يعتق من الثلث ويلحقه الدين ويتسلط عليه الغرماء بعد الموت.
قيل له: فهل على هذا العبد قيمة الحمار، إذا أعتق؟ فقال: أما أنا فلا أرى عليه شيئا، وأما على مذهب ابن القاسم قد أخبرتك أن المدبر والمعتق إلى أجل إذا جنى أحدهما على السيد أن السيد يختدمه، وفي رواية ابن أبي زيد المصري، قال ابن القاسم في رجل قال لغلامه أنت حر بعد موت دابتي قال: فليس له إلى بيع الغلام سبيل؛ لأنه مرتهن بيمين، قيل له: فإن هلك سيد العبد؟ قال: يكون العبد موقوفا حتى تموت الدابة، ولا سبيل للورثة إلى بيعه، قيل له: أفيبيع الورثة الدابة إن شاءوا؟ قال: نعم، بموضع يعرف فيه هلاك الدابة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في الذي يقول لغلامه اعمل على هذه الدابة، فإذا ماتت فأنت حر، إنه يكون حرا من الثلث إن مات السيد قبل الدابة مخالف للأصول؛ لأنه معتق إلى أجل هو آت على كل حال، ولا اختلاف في أن المعتق إلى أجل حر من رأس المال وجبت له الحرية بانقضاء الأجل قبل موت السيد أو بعد موته، وكذلك المسألة التي نظرها بها، وهو قول الرجل لغلامه اخدم فلانا ما عشت أنا، فإن مات فلان قبلي فأنت حر، وإن مت قبل فلان فأنت حر إلى موته، قوله فيها أيضا إنه حر من الثلث إن مات السيد قبل فلان مخالف للأصول، والصواب أنه حر من رأس المال على كل حال مات السيد قبل فلان أو بعده؛ لأنه معتق إلى موت فلان، وقول أصبغ

والنظير صواب في ذاته ليس بصواب، إذ لا فرق بين المسألتين، لأنه إذا قال اخدم فلانا ما عشت أنا، فإن مات فلان قبلي فأنت حر، وإن مت قبل فلان فأنت حر إلى موته، فهو في المعنى كما قال له: أنت حر إذا مات فلان، وله خدمتك حياتي، فإذا كان هذا هو المعنى المفهوم من اللفظ فالحكم له دون اللفظ.
وقول ابن القاسم: إذا قتل العبد الدابة التي جعل حرا بعد موتها: إنه لا يعجل له العتق ويخدم إلى قدر ما تعمر إليه الدابة هو الصواب، وقول سحنون: إنه يعجل له العتق بعيد، وقياسه ذلك على أم الولد تقتل سيدها ليس بصحيح، لأن أم الولد إنما فيها من الرق ما لسيدها فيها من الاستمتاع، وهو يبطل لقتلها إياه كما يبطل بموته، إذ يستحيل أن يستمتع بها بعد موته أو قبله، فإذا بطل بقتلها إياه وجبت حريتها، والخدمة التي له في العبد إلى موت الدابة ليس للعبد أن يبطلها على السيد فيستعجل حريته بقتله إياها، فوجب أن يستوفيها بعد قتله للدابة إلى القدر التي تعمر إليه، إذ ليس بمستحيل، وكذلك يجب لو أعتق رجل عبده إلى موت رجل فقتل العبد ذلك الرجل أن لا يعتق إلا إلى حد تعميره، ومسألة المدبر يقتل سيده هي التي تشبه هذه المسألة، مسألة أم الولد، لأن المدبر لما أراد أن يتعجل العتق من ثلث سيده بقتله إياه حرم ذلك، وهذا إذا أراد أن يتعجل العتق بقتله للدابة، فوجب أن يحرم ذلك كما يحرم قاتل العمد الميراث لما أراد من استعجاله إياه قبل وجوبه له، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: الصواب ما قال سحنون: إنه إذا قتله متعمدا أن يعتق ويختدمه السيد أو ورثته بقدر الجناية عند ابن القاسم، ولا يعمر الحمار ويخدم العبد قدر ما بقي من عمره؛ لأنه لما قال له: أنت حر إلى موت حماري، فمعناه إلى موته بأجله الذي قدره الله له، فالله جل ذكره قد سبب موت الحمار بتعدي العبد عليه، فقد مات الحمار بأجله، فالعبد يعتق والجناية تلزمه عند ابن القاسم، وعلى قول سحنون وأشهب: لا شيء عليه في الجناية، وليس قول ابن دحون بشيء، لأن الدابة وإن ماتت بأجلها إذا قتلها فقد تعدى بقتله إياها فوجب أن لا يبطل

بذلك حق سيده، باختدامه إياه إلى حين موتها، كما لا يبطل حق من أخدم عبدا حياته بقتل من قتله متعمدا من أجل أنه مات بأجله، إذ ليس ذلك بعلة، ولو صح أن يكون ذلك علة لما وجب القصاص على من قتل عمدا، ولا لزم من قتل عبد رجل شيء، ولكان لقاتل العمد ميراث من قتل عمدا.
وقول ابن دحون أيضا ويختدمه السيد أو ورثته بقدر الجناية ليس بصحيح، إذ لو وجب أن يعتق على مذهب ابن القاسم لما كان له ولا لورثته أن يختدموه بقدر الجناية كما قال، لأن الذي عليه قيمة الدابة فلا يجوز أن يختدم بها، إذ لا يختدم الحر في الدين، وإنما يؤخذ من ماله أو يتبع به دينا في ذمته إن لم يكن له مال، ولو قتل الدابة أجنبي عمدا أو خطأ لعتق العبد مكانه، قال ذلك في كتاب ابن المواز، ولا اختلاف في ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى فقال إن مت فغلامي حر

مسألة وقال في رجل أوصى فقال: إن مت فغلامي حر، وإن صححت فغلامي فلان لغلام له آخر حر، فمات فأقام أحدهما شاهدين أنه مات وهو صحيح، وقد صح وأقام الآخر شهودا أنه هلك من مرضه، فأرى أن يعتق من كل عبد منهما نصفه، لأن العتق قد ثبت لواحد منهما، ونحن لا ندري من هو منهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، إلا أن يكون بعض الشهداء أعدل فيقضي للذي هو أعدل شهودا، قال أصبغ: بل أرى الشهادة شهادة الصحة، وأراه أولا وهو المثبت له الوصية إذا قطعوا الشهادة بصحته، فهذا علم يغلب على علم الآخرين، كما لو شهد عليه في مرضه بوصية فاجتمعوا على الوصية له، وإن اختلفوا في الشهادة، فقال بعضهم صحيح العقل، وقال الآخر غامر العقل، فهم أولى؛ لأنهم علموا ما لم يعلم الآخرون.

قال محمد بن رشد: قول أصبغ في هذه المسألة: إن شهادة الصحة أعمل أظهر من قول ابن القاسم، لأنها علمت من صحته ما جهلته الأخرى، ومثل قول أصبغ لابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات في التي مرضت فأوصت في مرضها، فشهد شهود أنها كانت صحيحة العقل وشهد آخرون أنها كانت موسوسة، لأنه إذا قال في تلك: إن شهادة الصحة أعمل فأحرى أن يقول ذلك في هذه، وإذا قال في هذه أن ينظر إلى أعدل البينتين فأحرى أن يقول ذلك في تلك، وقد ساوى أصبغ بينهما في هذه الرواية.
فيتحصل في مجموع المسألتين ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ينظر فيهما جميعا إلى أعدل البينتين، والثاني: أن شهادة الصحة أعمل فيهما جميعا، والثالث: أن شهادة الصحة أعمل في اختلافهم هل صح من مرضه أو لم يصح، وأنه ينظر إلى أعدل البينتين في اختلافهم هل كان في حين الوصية صحيح العقل أو غامر العقل، وفي كل مسألة من هاتين المسألتين قولان، ويتخرج في اختلافهم في حين الوصية هل كان صحيح العقل أو غامر العقل قول ثالث، وهو أن شهادة المرض أعمل، ولا يقال ذلك في اختلافهم هل صح من مرضه أم لا؟ فهذا وجه القول.
في هذه المسألة، وقد مضى ذلك في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، وبالله تعالى التوفيق.

مسألة: الولاء يجب للمعتق

مسألة قال أصبغ: سئل ابن وهب عن أختين اشترتا أباهما فعتق عليهما وهما من حرة كانت أمهما حرة، فتوفيت إحداهما فورثها أبوها، ثم توفي الأب قال: ترث الثانية النصف بالرحم والولادة، وترث نصف النصف الباقي بالولاء ويبقى الربع.
فلها النصف نصف هذا الربع الباقي؛ لأن أباها جر ولاء ولده إليها، لأنه حين عتق جر ولاء ولده بعضهم لبعض، وكان مولاهما جميعا بجر ولاء هذه إلى هذه، فصار لها ها هنا سبعة أثمان الميراث.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصرانيمسألة: الذي يمثل بامرأته: أوصى لأمة له وهو مريضمسألة: تحلف بالحرية لتفعلن كذا فتريد ترك ذلكمسألة: يحلف بعتق عبد له سماه فيكاتبه أو يدبره أو يوصي لهمسألة: العبد الذي سماه أحدهما حرمسألة: ما أعتقت المرأة من عبيدها إذا فرقت العتاقة في أزمان شتىيقول أول عبد أبتاعه فهو حرمسألة: اشترى عبدا فاستحق من يدهمسألة: تكون ابنته أمة فيريد سيدها بيعهامسألة: تحلف امرأته بالحرية لتفعلن شيئامسألة: يعطي الرجل من قرابته نصف عبده في مرض المعطى على أن يعتقه: كتاب العتق الرابع: يقول من يبشرني بغلام يولد لي فهو حرمسألة: يختار واحدا من العبيد في العتقمسألة: قول لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر حتى أموت فأنت حرمسألة: يقول لجاريته إذا حملت فأنت حرةمسألة: يقطع يد غلامه فيموت السيد ولم يحكم عليه فيهمسألة: يكون للرجل وللعبد مال فيقول له السيد أنت حر ولي نصف مالكمسألة: يقول لجاريته إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فتلد قبل السنةمسألة: المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم مالهمسألة: وصية من أنفذت مقاتلهمسألة: أعتق ابن أمته من رجل عربي هل يثبت له ولاؤه: اجتمعوا أو اختلفوا على عتق واحدمسألة: العبد إذا أعتق عبدا له بغير إذن سيدهمسألة: المولى عليه يستلحق أخا له أيلزمه في مالهمسألة: العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حاملمسألة: يترك أولادا ولدوا في إسلامه وأولادا في نصرانيته: قال لغلامه متى ما جئتني بمائة دينار فأنت حر فأراد بيعهمسألة: ليس للرجل أن يرجع فيما دبرمسألة: وصية للعبد بالكتابةمسألة: يوصي عند موته فيقول لغلامي فلان شهر من كل سنةمسألة: العبد يكون معروفا بالإباق فيرسم سيده في جبهته عبد فلانمسألة: يقول اشهدوا أن أم ولدي قد أعتقت رقيقها وهي تجحد: يعتق الأسفل إذا ملك سيده الأعلى: قال لغلامه اعمل على هذه الدابة فإن ماتت فأنت حرمسألة: أوصى فقال إن مت فغلامي حرمسألة: الولاء يجب للمعتق
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل