كتاب المغازي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يضرهم إذا أتوا بالبراءة منه.
بل يؤجرون على ما يذكرونه من فعل الواجب عليهم فيه، ولا خفاء في أن من وجب لله عليه شيء، فسُئل: هل عمله أم لم يعمله؟ فوجد قد عمله، أفضل ممن لم يجب عليه، ولا سئل عنه؛ لأنه يؤجر على ما عمل من الواجب، كما يؤجر على ما عمل من التطور.
وإنما توقف على المفاضلة بين الفقر والغنى من لم يفصل أحدهما على صاحبه، والله أعلم.
من أجل أن لكل طائفة منها معنى تؤجرُ عليه دون الأخرى، والأجور في ذلك على قدر النيات في ذلك المعنى، ولا يعلم قدرها إلا المجازي عليها، فوجب الوقوف عن ذلك؛ لاحتمال أن يؤجر الفقير على معنى واحد، لقوة نيته فيه أكثر مما يؤجر الغني على معان كثيرة، لضعف نيته فيها.
وهذا صحيح مع التعيين، فلا يصح أن يقال: إن أَجر فلان في غناه لكثرة ما يفعل منه من الخير - أكثر من أجر فلان في فقره ورضاه بما قسم الله له من ذلك، ولأن أجره في فقره ورضاه بما قسم الله له منه أكثر من أجر فلان في غناه على ما يفعل منه من الخير.
وأما في الجملة فالغنى أفضل من الفقر لما بيناه من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وأما من فضل الكفاف على الفقر والغنى، فلا وجه له في النظر والله أعلم.
وأما الفقير الذي لا يقدر أن يقومَ بما يحتاج إليه حتى يسأل، فالغني أفضل منه قولاً واحداً، والله أعلم؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السًّفْلَى»؛ لأن اليد السفلى هي السائلة، والعليا النافقة، وقد استعاذ النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من الفقر المُنسى، كما استعاذ من الغني المطغي.
وباللَّه التوفيق.
ما يتشرف به الرجل من مناقب سلفه
حكاية عن عمر بن عبد العزيز فيما يتشرف به الرجل من مناقب سلفه وسمعت مالكاً يذكر: أن عمر بن عبد العزيز قام إليه رجلٌ فذكر
مناقب أبيه، فقال: شهد بدراً والعقبة وما أشبه ذلك، ثم قام إليه رجل آخر من أهل الشام، فقال: إن أباه شهد الزاوية، وكان مع الحجاج بن يوسف، فقال عمر: كم من شيء يفرح به صاحبه، وهو عليه وَبالٌ يوم القيامة، ثم قال عمر: تلك المكارم لا قعبان من لبن... شيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا قال محمد بن رشد: هذا كما قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن الرجل إنما يتشرف بمناقب أبيه على الحقيقة، ويجب أن يفرح بها إذا كانت مما يُقربه إلى الله تعالى؛ لأنه يرجو أن يلحقه الله بدرجته لِتقر به عينه، بدليل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]، وبالله التوفيق.
تحفظ الرجل بدينه
في تحفظ الرجل بدينه وسمعته يذكر: أن رجلاً من الحكماء قال: ما كنتَ لاعباً لا بدَّ أن تلعب به، فلا تلعب بدينك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يسامح أحداً في شيء من دينه إن لم يكن عليه في مسامحته فيه إثم، وإن سامحه في ماله أو فيما هو... وذلك أن يصبح الرجل صائماً متطوعاً فيريده رجل من الفقراء في صنيع يصنعه، فقد قال مطرف: إنه إن حلف عليه بالطلاق والعتق ليفطرن فأعنته، ولا يفطر وإن حلف هو فليكفر، ولا يفطر، وإن عزم عليه أبواه أو أحدهما في الفطر فليطعهما وإن لم يحلفا عليه، إذا كان ذلك رِقَّةً منهما عليه لاستدامة صومه.
وقد مضى الكلام على هذه
المسألة في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب الصيام.
وبالله التوفيق.
الارتزاق من الصدقات
في الارتزاق من الصدقات قال مالك: كان أرزاق عمال المدينة من الصدقات، وكان أبو بكر بن محمد يذكر إنما هي غفلة، وفرض له رزقه سبعة وثمانين ديناراً وثلث دينار من فَدَك.
قال محمد بن رشد: قوله: كان أرزاق عمال أهل المدينة من الصدقات، معناه، والله أعلم: أن الأموال من الصدقات وغيرها كانت مختلطة.
فإذا ارتّزق منها وهي مختلطة كان بعض رزقه من الصدقات إذا لم يخرج في غيرها من وجوه الصدقة عوض ما أعطي منها، واستجازة ذلك غفلة؛ كما قال أبو بكر بن محمد، إذ لا يتحقق السلامة من ذلك، ويحتمل أن يكون إنما كانوا يرزقون من الصدقات، وبتأويل أنهم كانوا أمهر عمالًا ينظرون في جميع الأمور من الصدقات وغيرها، وأما لو لم يكن لهم نظر عليها ولا عمل فيها لما جاز أن يرزقوا منها؛ لأن الصدقات إِنما هي لمن فرضها الله لهم في كتابه بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، لا يجوز أن يخرج عنهم إلى غيرهم.
والأمراء والكتَّاب والعُمال وجُباة الأموال إنما يُرزقون من بيت المال.
وبالله التوفيق.
كراهية طول الكمين
في كراهية طول الكمين قال ابن القاسم: بلغني أن عمر بن الخطاب قطع كُم رجل إلى قدر أصابعه بشفرة، ثم أعطاه فضل ذلك، وقال له: خذ هذا فاجعله في حاجتك.
قال الإِمام القاضي: إنما فعل عمر بن الخطاب هذا؛ لأنه رأى
أن الزيِادة في طول الكمين على قدر الأصابع مما لا يحتاج إليه، فرآه من السرَف، وخشي أن يدخل عليه منه عجب، وفي مثل هذا قالت عائشة: ما أخَافُ عَلَى الرًجُل إلاَّ مِنْ أَطْرَافِهِ؛ إذْ مَر عليها سعدُ بن معاذ وَعَلَيْهِ دِرْع مقلصة مشمرة الكمين، على ما مضى في أول السماع.
وقد تكلمنا على ذلك هنالك.
والله الموفق.
ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من شظف العيش
فيما كان عليه أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من شظف العيش وحدثني ابن القاسم عن مالك عن عمر بن الخطاب، قال وهو بمكة: لقد رأتني وما لِيَ من طعام غير أن خالاتٍ لي كنَّ يحفنَّ حفنة حفنة من زبيب.
قال محمد بن رشد: هذا من معنى ما تقدم القول فيه قبل هذا، فلا معنى لِإعادته، وبالله التوفيق.
طول الرداء
في كراهية طول الرداء
قال مالك: بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز على اليمن، وأنه ارتدى ببُردة، وكانت طويلة فانجرت من خلفه، فقيل له: ارفع ارفع، فرفع فانجرت بين يديه.
قال: هكذا الشيء يجعل بغير قدره.
قال محمد بن رشد: إنما قيل له: ارفع؛ لما انجرت خلفه، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى مَنْ جَرَّ إزَارَه بَطَراً»، فطول الرداء مكروه، مخافة أن يغفل عنه فيجره من خلفه.
وقد
جاء النهي عن ذلك لمن فعله بَطراً، فالتوقي من ذلك على كل حال من الأمر الذي ينبغي.
وبالله التوفيق.
[تفسير وَقُدُورٍ راسِيَاتٍ]
في تفسير ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13]
وسئل مالك: عن تفسير ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13]، قال: لا تحمل ولا تحرك.
بدليل قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 32]، قال مالك: يريد أثبتها.
وسئل مالك: عن تفسير ﴿كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: 13]، قال: كالجوبة من الأرض فيما أرى.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للقدورِ الَرّاسِيَاتِ التي لا تحمل ولا تحرك بدليل قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 32] أثبتها تفسير صحيح نحو تفسير السدي؛ لأنه قال فيِ ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13]: معناه ثابتات في الأرض، عظام تنقر من الجبال بأثافيها، فلا تحول عن أماكنها.
وقال مجاهد في تفسير قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: 13] معناه: وصحاف كالحياض، وهو نحو تفسير مالك في هذه الرواية، وقوله عز وجل في أول الآية: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13]، يعملون له ما يشاء من مساجد.
وقيل: من مساجد وقصور.
وقوله: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13] يُرِيدُ تصاوير من نحاس ولم تكن الصور يومئذ.
وروي: أن سليمان أمر الشيطان ببناء بيت المقدس، فقالوا له: زوبعة الشيطان وله عين في جزيرة في البحر يردها كل سبعة أيام، فأتوها فنزحوها، ثم صبوا فيها خمراً فجاء لورده، فلما أبصر الخمر قال في كلام له: ما عليك، إنك إذا شربك صاحبك تظهرين عليه عذره في أساجيع له لا أذوقك اليوم، فذهب ثم رجع لظمأٍ آخر، فلما رآها قال كما قال أول مرة ثم ذهب ولم يشرب حتى جاء لظمأٍ لإِحدى وعشرين ليلة، فقال: ما علمت أنك لتذهبن الهم في سجع له، فشرب منها فسكر، فجاءوا إليه فأروهُ خاتم
شجرة فانطلق معهم إلى سليمان، فأمرهم بالبناء، فقال زوبعة: دلوني على بيض الهدهد، فدل على عشه، فأكب عليه جمجمته، يعني زجاجة، فجاء الهدهد فجعل لا يصل إليها، فانطلقت، فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت، فوضعه عليه فقط الزجاجة نصفين، ثم ذهب ليأخذه، فأزعج بالماس إلى سليمان، فجعلوا يستعرضون الجبال، كأنما يخطون في نواحيها في نواحي الجبال في الطين، قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، أيَ: توحيداً.
وقال بعضهم: لما نزلت لم يزل إنسان منهم قائماً يصلي.
قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] أي: أقل الناس المؤمن.
[رقية البثرة الصَّغيرة مخافة أن تعظم]
في رقية البثرة الصَّغيرة
مخافة أن تعظم قال مالك: بلغني أن عائشة كانت ترى البثرة الصغيرة في بدنها فتلح عليها بتعويذ، فيقال لها: إنها صغيرة، فتقول: إن اللَّه يعظم ما يشاء من صغير، ويصغر ما يشاء من كبير.
قال محمد بن رشد: فعل عائشة هذا مطابق لما تواترت به الآثار عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. من ذَلِكَ «حَدِيثْ عُثْمَان ابْنِ أبي الْعَاص أنه أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبِهِ وَجَعٌ قَدْ كَادَ أَن يُهْلِكَهُ، فَقَالَ لَه رَسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مًرّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعَزّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِه مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ".
قَالَ: فَقُلْتُ ذلك، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزلْ آمُرُ بها أهلي وغيرهم».
وحديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم: «كَانَ إذَا اشْتَكَى يقْرأُ بِالْمُعَوِّذَاتِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَتْ: فَلًمّا اشْتَدَ وَجَعُهُ كُنْت أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَلَيهِ بِيَمِينِه، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا».
ولا يكون التعويذ والرقية في المرض، إلا بكتاب الله على ما جاء في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. واختلف في رقية أهل الكتاب، فأجاز ذلك الشافعي إذا كانت بكتاب الله؛ لحديث يحيى بن سعيد عن عمر عن عائشة: أن أبا بكر الصديق دخل عليها يوماً وهي تشتكىِ، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله.
وكره ذلك مالك؛ إذ لا يدري أَهَلْ ترقى بكتاب الله أو بغير ذلك مما يضاهي السحر؟ وقوله من طريق النظر أظهر، والله أعلم.
وقد مضى في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة - القول في تعليق التمائم على المريض وعلى الصحيح؛ مخافة المرض مستوفى، فلا وجه لإعادته، والله أعلم.
صفة نعل النبي عليه السلام
في صفة نعل النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
وسئل مالك: عن نعل النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التي رآها كيف حدُّوها؟ قال: رأيتها إلى التدوير ما هي وتخصيرها في مؤخرها وهي مخصرة ومعقبة من خلفها، قلت: كان لها زمامان.
قال: ذلك الذي أظن، قال: وكانت عند آل ربيعة المخزوميين من قبل أم كلثوم أمهم.
وسمعت مالكاً يذكر: أن عند آل عمر بن الخطاب فراش من شعر وجرس، وكان ذلك الفراش لحفصة، قلت له: ما قصة الجرس؟ قال: لا أدري إلا أنه بلغني كذلك.
قال محمد بن رشد: ليس في هذه الحكاية ما يشكل، فتكلم عليه حامي الحرمين الذي سئل عن قصته، فقال: لا أدري والأجراس كانت تعلق في أعناق الِإبل لتعرف مواضعها بأصواتها إن شدت أو ضلَت.
وتأول مالك: أنهم إنما كانوا يعلقونها عليها من أجل العين، وبوَّب على ذلك في موطئه " باب في نزع المعاليق والجرس "، وأدخل عليه ما حدَّثه عبدُ اللَّه بن أبي بَكْر عن عبَّاد بن تميم «أن أَبَا بَشيرِ الأنصارِي أَخبرَهُ: أَنه كَانَ مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض غَزَواته، قَالَ: فَأَرْسَل رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولاً، قَالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي بَكرِ: حسبت أَنَّهُ قَالَ، وَالنَّاسُ في مَقِيلِهِم: "لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدةٌ مِنْ وَتَرِ أَو قِلاَدةُ إلَّا قُطِعَتْ».
فرأَى مالك الأجراس دَاخلة في عموم ما أَمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقطعه من أعناق الِإبل، وتأول أن ذلك إنما كانوا يفعلونه من أجل العين، وتابعه على تأويله جماعة من أهل العلم، فلم يجيزوا أَن يعلق على الصحيح من بني آدم ولا من البهائم شيء من العلائق خوف نزول العين.
وقد مضى الكلام مستوفى على هذا المعنى في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة.
ومعنى السؤال في هذه الحكاية عن قصة الجرس، إنما هو لِمَ كانوا يحبسونه ويرفعونه، وقد جاء النهي في استعماله فلم يجبه على سؤاله.
والجواب فيه أن استعماله وإن كان لا يجوز ففي حبسه منفعة، وهو أنه يذكر به العهد القديم، ويتراحم من أجله على من قد مات من السلف الكريم.
والله أعلم.
مناقب مصعب بن عمير
خبر في منقبة مصعب بن عمير قال مالك: إن مصعب بن عمير كانت عليه جبة من صوف مرقوعة بفروة، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه إلى المدينة يدعو الناس إلى الِإسلام، ويعلمهم القرآن وأنه حين قتل كانت تّلك الجبة عليه.
قال محمد بن رشد: مصعب هذا القرشي العبدري من بني عبد الدار بن قصي كان من جلة الصحابة وفضلائهم، بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، كان يُدعى القارئ.
وقيل: إنه أول من دخل المدينة من المهاجرين، وأول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ثم قدم بعده المدينة عمرو بن أم كلثوم، ثم عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود، وبلال، ثم أَتى عمر ابن الخطاب في عشرين راكباً، ثم هاجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقدم المدينة، وكان مصعب بنُ عمير هذا فتَى مكة شباباً وجمالاً، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكره فيقول: «مَا رَأَيْت بِمًكّةَ أَحْسَنَ لِمَّةً وَلَا أَرَقَّ حُلّةً وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِن مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْر،» فَبَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو إلَى الإسْلَام فِي دار ابْن الأرْقَم، فَأسْلَمَ، وَكَتَمَ إسْلاَمَهُ خَوْفاً مِن أمِّهِ وَقَوْمِهِ وَكان يَخْتَلِفُ إلَى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِرّاً فَبَصرَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ يُصَلِّي فَأَخْبَرَ بِهِ قَوْمَهُ وَأُمَّهُ، فَأَخَذُوه فَحَبَسًوهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوساً عِنْدَهُم حَتَّى خَرَجَ مُهَاجِراً وَاسْتُشْهِد يَوْمَ أُحُدِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا نَمِرَةٌ، كَانُوا إذَا غَطُّوا بِهَا رَأسَهُ خَرَجَت رِجْلاَهُ، وَإذَا غَطُّوا بِهَا رِجْلَيْهِ، خَرَجَ رَأسُهُ، وَهِى الْجُبّة الْمَرْقُوعَةُ بِالْفَرْوَةِ.
عَلَى مَا قَالَه فِي هَذِه الْحِكَايَةِ، وَاللَّه أعلم.
فَأَمَرَهُمّ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّم أَن يغَطُّوا بهَا رَأسَه وَيَجْعَلْوا عَلَى رِجْلَيه من الِإذْخِرِ.
وبالله التوفيق.
الصيام قبل الاستسقاء
في الصيام قبل الاستسقاء وسئل مالك: عن الصيام قبل الاستسقاء مما يعمل به، فقال: ما سمعت إنكاراً على من عمله.
قال الإمام القاضي: الصيام قبل الاستسقاء مما لم يأت به أثر عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا عن الخلفاء الراشدين المهديين بعده، وإذا هو أمر أحدثه بعض الأمراء استحسنه كثير من العلماء، فعله موسى بن نصير بإفريقية، حين رجع من الأندلس فاستحسنه الخزامي وغيره من علماء المدينة.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب فقال: استحب للِإمام أن يأمر الناس قبل بروزه للمصلى بهم أن يصبحوا صياماً يومهم ذلك.
ولو أمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، آخرها اليوم الذي فيه يبرزون - كان أحب إلي.
والمعلوم من مذهب مالك إنكارُ هذه الأمور المحدثات كلها، من ذلك أنه كره في سماع ابن القاسم القراءة في المسجد والاجتماع يوم عرفة بعد العصر في المساجد للدعاء والدعاء عند خاتمة القرآن.
فيحتمل ما في هذه الرواية من قوله: ما سمعت إنكاراً على مَن عمله، أن يكون انتهى كلامه -أي: مالك - إلى قوله: ما سمعت، أي: ما سمعت أن ذلك يفعل، ويكون إنكاراً على من عمله من قول ابن القاسم.
أخبر أن مالكاً أراد بقوله: ما سمعت الِإنكار على، فيكون ذلك مطابقاً لمذهب ابن القاسم، ويحتمل أن يكون الكلام كله من قول مالك فيقتضي جواز ذلك عنده إذ قد نفى أن يكون سمع الإِنكار على من عمله.
والأول من التأويلين أولى.
واللَّه أعلم.
وقد مضى هذا كله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب
الصيام؛ لتكرَّر المسألة هناك.
وبالله التوفيق.
[اتخاذ الِإبل من مال الله ليحج بها الناس]
في اتخاذ الِإبل من مال الله ليحج بها الناس قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب اتخذ إبلًا من مال الله يعطيها الناس، يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه.
قال محمد بن رشد: هذا من النظر الصحيح في مال اللَّه؛ لأن أولى ما صرف فيه مال اللَّه ما يستعان به على أداء فرائض اللَّه، فينبغي للأئمة أن يأنسوا في ذلك بفعله.
فقد قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنواجذِ» وقد مضى هذا كله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب الحج لتكرر الحكاية عن عمر بن الخطاب فيه، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ما جاء عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في زينب زوجته]
ما جاء عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في زينب زوجته قال مالك: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنسائه: «أوَّلُكُنَّ يَلْحَقُنِي أطْوَلُكُنّ بَاعاً»، قال: فكن يتطاولن حتى ينظرن أيهن أطول؟ حتى هلكت زينب، وكانت امرأة صناعاً، عظيمة الصدقة، فلما ماتت عرفن أن رسول اللَّه أراد بذلك الصدقة، وأنها قالت: إِني أرى عمر بن الخطاب سيبعث إلي بكفني وكانت قد
أعدت لها كَفَناً، فإن بعث إلي بشيء فتصدقوا به.
قال: وكان عمر أول من جعل عليها هذا النعش الذي جعل على النساء سترها به.
قال الِإمام القاضي: ويروى أنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أطْوَلُكُن يَداً أسْرَعُكنً لَحَاقاً بِي» والمعنى في ذلك سواء؛ لأنه أراد طول اليد والباع بالصدقة، وذلك من الاستعارات البليغة الحسنة، وفيه فضل الصدقة وعلَم من أعلام النبوءة؛ لأنه أخبر بمن يموت بعده أولاً من نسائه، فكان كما قال، ولم يصرح باسمها لما كان عليه من الخلق الكريمة، مخافة أن يعلمها بما تشفق منه وتكرهه؛ لأن المؤمن يكره الموت لشدته، ويخاف تعجيله، ويود تأخيره رجاءَ الازدياد من الأعمال الصالحات.
وقد «قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأخوين اللذين تأخرت حياة أحدهما، فذكرت فضيلة الأول عند رسول اللَّه، فقال: "أَلَمْ يَكُنِ الآخَرُ مُسْلِمَاً؟ فَقَالوا: بَلَى كَان لَا بَأسَ بِهِ.
قَالَ: فَمَا يُدْرِيكم مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلاَته؟ إِنَّمَا مَثَلُ الصّلاَةِ كَمثَل نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ يَقْتَحِمُ فِيه أحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مًرّاتٍ، فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِن دَرَنِهِ، فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلاَتُه».
وقد روي عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحب لقاء اللَه أحب اللَه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه ". قال شريح: فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حديثاً إن كان ذلك فقد هلكنا، قالت: وما ذلك؟ قلت: " من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَه لقاءه»، فبينتَ عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن ذلك إنما هو عند المعاينة وحضور الموت، وحين لا تقبل توبة التائب، إن لم يتب قبل ذلك.
وزينب هذه بنت جحش تزوجها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة خمس من الهجرة، وقيل: في سنة ثلاث،
وكانت قبله تحت زيد بن حارثة الذي كان تبَنَاهُ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]... الآية، وذلك أن المنافقين تكلموا في ذلك لما تَزوجها، فقالوا: تزوجِ حليلة ابنه، وقد كان ينهى عن ذلكـ فأنزل الله هذه الآية، أنزل قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]
الآية، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5].
فدعي من يومئذ زيد بن حارثة، وكان يدعى زيد بن محمد، وكانت زينب تفخر على نساء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بأن اللَّه زوجه إياها، تقول: إِن آباءَكن أنكحوكن، واللَه أنكحني من فوق سبع سماوات.
وتوفيت سنة عشرين من خلافة عمر.
وهي السنة التي افتتحت فيها مصر.
وقيل: توفيت في سنة أحد وعشرين، وهي السنة التي افتتحت فيها الإسكندرية، واللَّه أعلم.
[الاختيار للذبائِح]
في الاختيار للذبائِح قال مالك: ولقد أخبرني شيخ من بني عبد الأشهل، قال: أدركت الناس يختارون لذبائحهم.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الصيد والذبائح ساقها فيه على أن الاختيار للمرأة إذا اضطرت إلى ذكاة ذبيحة وعندها نصراني أن تذكيها ولا تكلها إلى النصراني.
ووجه اختيار أهل الفضل للذبائح صحيح؛ لأن الفاسق وإن كانت تؤكل ذبيحته، لكن لا ينبغي أن يؤتمن ابتداء على الذبح، مخافة أن يقصر فيما يلزمه فيه، فيكتم ذلك، ولا يعلم به.
وذلك مأمون من أهل الفضل.
وقد مضى في الرسم المذكور من الكتاب المذكور بيان القول فيمن تجوز ذبيحته ومن لا تجوز ومن تكره.
الشكر على الطعام والشراب
فيما يلزم من الشكر على الطعام والشراب قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب أتى قُباء فاستسقى فسُقي عسلًا، فقال: من يأخذه يشكر عليه، فقال رجل: أنا، فأعطاه إياه.
قال الِإمام القاضي: معنى قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من يأخذه يشكر عليه - أي: من يأخذه يشكر الله تعالى على النعمة به حق شكره.
وقد «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه في الطعام الذي صنعه لهم أبو الهيثم بن التَيِّهان والماء الذي استعذبه لهم: " لَتُسْألُنّ عَن نَعِيم هذا الْيَوْم»، أي: هل أديتم الواجب عليكم من الشكر للَّه تعالى، وباللَّه التوفيق.
[إجابة عبد اللَّه بن الأرقم عن النبي عليه السلام]
في إجابة عبد اللَّه بن الأرقم عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
قال مالك: بلغني «أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إليه كتاب، فقال: " مَنْ يُجِيبُ عَنِّي؟ " فقال ابن الأرقم: أنا.
فأجاب عنه، فأتى به النبي فأعجبه وأنفذه» فكان عمر يعجبه ذلك، ويقول: أصاب ما أراد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلم يزل في قلبه، حتى لما ولي استعمله على بيت المال.
فقال عمر: ما رأيت أحداً أخشَى للَّه منه، حاشَى رسول اللَّه.
قال الإِمام القاضي: عبد اللَّه بن الأرقم هذا القرشي الزهري أسلم
عام الفتح، وكتب للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ثم لأبي بكر، واستكتبَه أيضا عمر، واستعمله على بيت المال وعُثمان بعده أيضاً سنين حتى استعفاه من ذلك فأعفاه.
وروي أنه أعطاه ثلاثمائة درهم، فأبى أن يأخذها.
وقال: إنما عملت للًه، وإنما أجري على اللَّه.
وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عُثمان أجاز عبد الله بن الأرقم، وكان له على بيت المال بثلاثين ألفاً، فأبى أن يقبلها.
وروي: أنه بلغ من أمانته عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطبعه ويختمه من غير أن يقرأه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأمانته عنده.
[أشد البَلاءِ مَا هو]
في أشد البَلاءِ مَا هو؟ قال مالك: كان يقال: من أشد البلاء الِإملاء في المعاصي.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178] فلا شيء أشدُ على العبد من الازدياد في الِإثم الموجب لسخط الرب؛ لأن العبد إذا ابتلي في ماله أو جسمه، إِن رضي بقدر اللَّه وصبر واحتسب - أُجِرَ، وإن سخط ولم يصبر ولا احتسب ثم مع ذهاب ماله وفقدان صحته، لم يتكرر عليه الِإثم كما يتكرر على من أملي له في المعاصي، وباللَّه التوفيق.
[إقادة الِإمام من نفسه]
في إقادة الِإمام من نفسه قال مالك: بلغني أن أبا بكر لما تولى أمر الناس ضرب رجلًا ثم ندم، فقال: ما لي وما لهذا؟ لأردنها عليه، فلما سمعت عائشة أرسلت إلى عمر، فجاءَه، فقال: ما لَكَ؟ قال: قد ضربتُ رجلًا وقد واللَّه أعلم؛ لأن اللَّه قال فيها: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]،
كنت مُعافى من هذا أن أضرب أحداً أو أشتمه.
فقال له عمر: كذلك الإمام.
قال: ومَا المَخرج؟ قال: تأتي الرجل فتسأله أن يجعلك في حل، فأتاه فأحله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه ضربه أدباً بالاجتهاد في غير حد، فخشي أن يكون قد أخطأ في الاجتهاد، فتجاوز في الضرب، وضربه فيما كان يجب التجاوز فيه، وترك الأدب بالضرب.
وهذا على طريق التواضع والورع والخوف للَّه والتنحي من المتشابه، لا على سبيل الوجوب؛ لأن للإمام أن يؤدب الجناة بالضرب، كما يؤدب الرجل عبده وأمته، وكما يؤدب الرجل زوجته بالضرب، فلا يكون عليه في ذلك حرج، لقوله عز وجل: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] فالِإمام مأجور على اجتهاده وإن أخطأ فيه.
قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِن اجْتهَدَ الْحَاكِمْ فَأخطَأ، فَلَهُ أجْرٌ، وَإِن أجْتَهَدَ فَأصابَ فَلَهُ أجْرَانِ».
وباللَّه التوفيق.
[اختلاف قدر الِإطعام باختلاف البلدان]
في اختلاف قدر الِإطعام باختلاف البلدان سمعت مالكاً يقول: إن أنس بن مالك كانت له مكيلةٌ بالعراق، فأطعم عشرة، ثم جاء هاهنا، يريد المدينة، فكال بها فأطعم عشرين.
قال محمد بن رشد: يريد أنه أطعم بالمدينة عشرين مسكيناً من
المكيلة التي كان يطعم منها بالعراق عشرة مساكين، وذلك في كفارة اليمين.
وذلك يختلف باختلاف عيش أهل البلد، وذلك حجة لقول مالك في المدونة.
وأما عندنا هاهنا فليكفر بِمدِّ النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الأيمان باللَّه.
وأما أهل البلدان فإن لهم عيشاً غير عيشنا، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم، ولا ينظر في البلدان إلى مد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيجعله مثل ما جعلته في المدينة.
تفسير السبع المثاني
في السبع المثاني قال: وسمعت مالكاً يقول: السبع المثاني أُم القرآن.
قال محمد بن رشد: قول مالك في السبع المثاني هي أم القرآن هو قول جمهور العلماء.
وروي عن ابن عباس في قول اللَّه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: 87]، قال: فاتحة الكتاب.
قيل لها ذلك لأنها تُثَنَّى في كل ركعة.
وقد قيل في فاتحة الكتاب: إنها السبعُ المثاني والقرآن العظيم.
وذلك مروي عن ابن عباس، وبيِّنٌ من حديث أبَي بن كعب في الموطأ: «أن رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ لَحِقَهُ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ عَلَى يَده، يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "إِنِّي لأرْجُو أن لَا تخْرُجَ من الْمَسْجِد حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً، مَا أنْزَلَ الله في التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيل مِثْلَهَا"، فَجَعَلْتً أبْطِئُ فِي الْمَشي، رَجَاءَ ذَلِكَ، ثُمَّ قلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، السّورةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي، قَالَ: كَيْفَ تَقْرَأ إِذَا افْتَتَحْتَ؟ قَالَ: بِقَرَاءةِ "الْحَمْدُ لِلّهِ" حَتَّى أتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هِيَ هذِهِ السُّورَةُ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي" وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمُ.» على ما جاء في حديث أبي قال: المعنى في ذلك، أنها تعدل القرآن في الثواب، كما تقول قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ ثلث القرآن في الثواب.
وقد مضى الكلام في معنى ذلك مجرداً في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من كتاب الصلاة من سماع ابن القاسم.
وقيل لها سبعٌ، لأنها سبع آيات، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] آية.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3] آية.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] آية.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] آية.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] آية.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] آية.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] آية.
ومن جعل بِاسْم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم آية من الحمد، وأوجب قراءتها في الصلاة.
وهو مذهب الشافعي لم يعد الَذِينَ أنْعَمت عَلَيْهِم.
وباللَّه التوفيق.
إقامة قبلة مسجد النبي عليه السلام
في إقامة قبلة مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال مالك: سمعت أن جبريل هو الذي أقام لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبلة المسجد مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مسجد المدينة.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: إنه أقام له قبلة المسجد، أي أعلمه بحقيقة، سمت القبلة، وأراه إياها وذلك واللَّه أعلم حين حولت القبلة إلى الكعبة.
وذلك أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام بالمدينة ستة عشر شهراً يصلي إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة إلى المسجد الحرام، قبل بدر بشهرين.
قال عز وجل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ [البقرة: 144] إلى
قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. فتحول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصلاته إلى الكعبة، وأقام له جبريل قبلة مسجده، وأراه السمت إليها، فقِبلتُه قُبالة الميزَاب، على ما قاله في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة.
ولم يختلف في أن صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ كانت إلى بيت المقدس، حتى حولت القبلة وإنما اختلف في صلاته بمكة قبل قدومه المدينة، فروي أنها كانت إلى الكعبة، وروي أنها كانت إلى بيت المقدس، وأنه كان يصلي إلى بيت المقدس، الكعبة بين يديه وباللَّه التوفيق.
ضرب الرجل امرأته
في كراهية ضرب الرجل امرأته قال مالك: قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أُحب أن أَرى الرجل ثامراً فريض عصبه رقبته على امرأته يقاتلها».
قال الإمام القاضي: هي قوله يقتبها أي يكثر منازعتها وضربها وهذا من قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطابق لما أنزل الله في كتابه العزيز من قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] لأن من أكثر من ضرب امرأته لم يعاشرها بالمعروف كما قال الله عزَّ وجلَّ.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خطبة بعرفة: «فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإِنَّكُم أَخَذْتمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمِ عَلَيْهَنّ أَلَاّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُنَّ أَحَداً تَكْرَهُونَ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنّ ضَرْباَ غَيْرَ مُبْرِّحٍ وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ».
[: تفسير إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْل والحضِّ على مداومة العمل]
في تفسير: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْل والحضِّ على مداومة العمل وسُئل مالك عن تفسير: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: 6] قال: هي قيام الليل، وهي بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا: قد نشأ فلان.
قال: وحدَّثنا مالك قال أبو هريرة: الغُدُوُّ وَالرَّوَاحُ وَشَيْء مِن الدُّلَج وَالْقَصْدَ تَبْلُغُوا.
فقيل له وما المدلج إلى الصلاة؟ يعني صلاة الصبح.
قال محمد بن رشد: قول مالك في ناشئة الليل قيام الليل، مروي عن ابن عباس روي عنه أنَّه قال: نَاشِئَةُ اللَّيْل هِيَ مَا وَرَاءَ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، وَأنه قال: الصَّلَاةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ نَاشِئَةُ اللَيْل.
وروي مثله عن قتادة.
وقال مجاهد: ساعة تسجد من الليل فهي ناشئة، وسكت مالك عن تفسير بقية الآية فقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: 6].
تُقرأ على وجهين: وطْئاً وَوِطَاء.
فقيل معناه: أَثبت في القلب، وقيل معناه: أَشد في تواطئ القلب.
وقيل معناه فراغ القلب.
وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: 6] معناه وأَصوب قيلًا.
وأَصدق في التلاوة.
وأَجدر أَلَّا يلبس عليك الشَيطان تلاوتك.
قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: 7] أي فراغاً طويلًا لحوائجك.
قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: 8] وقول أبي هريرة: الْغُدُوُّ وَالرَّواحُ وَشَيْء مِنَ الدُّلَج وَالْقَصْدَ تَبْلُغُوا ادأبُوا على هذه الأعمال، وهي صلاة الصبح، وصلاة الضحى والرواح إلى سائر الصلوات في الجماعات، تبلغوا بها وإن قلت إلى ما تريدون من مرضات ربكم، يقول ولا تحملوا على أنفسكم بكثرة العمل فتقطعون عنه.
يشهد بصحة قوله قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَمل حَتَى تَمَلُّوا أكْلُفُوا مِنَ الْعَمَل مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ» وكان أحبّ
العمل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الذي يدوم عليه ما حبه، وقال: «إِنَّ المُنبِت لَا أرضاً قَطَعَ، وَلَا ظَهْراً أَبْقَى» والله أعلم.
رفع اليدين في الدعاء
في رفع اليدين في الدعاء قال مالك: رأَيت عامر بن عبد الله بن الزبير يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو فقيل له: أَترى بذلك بأساً؟ قال لا أرى بذلك بأساً.
قال الإمام القاضي: إجازة مالك في هذه الرواية لرفع اليدين في الدعاء عند خاتمة الصلاة نحو قوله في المدونة لأنه أَجاز فيها رفع اليدين في الدعاء، في مواضع الدعاء، كالاستسقاء، وعرفة، والمشعر الحرام، لأن ختمة الصلاة موضع للدعاء.
واختلف قوله في المدونة في المقامين عند الجمرتين، فرآه في كتاب الصلاة من مواضع الدعاء ترفع الأيدي فيهما ولم يره في كتاب الحج الأول من مواضع الدعاء التي ترفع الأيدي فيها.
وسئل في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة عن رفع اليدين في الدعاء، فقال: ما يعجبني فظاهره خلاف لما في هذه الرواية ولما في المدونة وقد يحتمل أن يتأول ذلك على أنه إنَّما أراد الدعاء في غير مواضع الدعاء، ولذلك قال: إِنَّه لا يعجبه رفع اليدين في ذلك.
وقد مضى الكلام على هذه المسألة في رسم المحرم المذكور من كتاب الصلاة وفي رسم شك في طوافه منه وبالله التوفيق.
[ترك الاهتمام بهَمَّ سَنَةٍ عَلَى يَوْمٍ]
في ترك الاهتمام بما يأتي قال مالك: قال عيسى ابن مريم: لَا تَحْمِلُوا هَمَّ سَنَةٍ عَلَى يَوْمٍ حَسْبُ كُلِّ يَوْم بِمَا فِيهِ.
قال الإمام القاضي: وصية عيسى ابن مريم بما أوصى من هذا حكمة، إذ لا يدري المهتم بما يحتاج إليه في السنة، هل يعيش إلى تمام السنة أم لا؟ فاهتمامه بما يخاف من الموت قبل السنة آكَدُ عليه من الاهتمام بما يحتاج إِليه في السنة وبالله التوفيق.
[أي المواضع أَفضل من مسجد النبي عليه السلام للصلاة]
في أي المواضع أَفضل من مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - للصلاة؟ وسُئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيّ المواضع أَحبُّ إليك؟ قال: أَمَّا النافلة، فمُصلَّى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وأَما الفريضة، فالتقدم إلى أول الصف أَحب إلي.
قال محمد بن رشد: استحب مالك صلاة النافلة في مصلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - للتبرك بموضع صلاته، ورأَى للصلاة في ذلك الموضع فضلاً على سائر المسجد.
ومن الدليل على ذلك، «أَنَّ عُتبان بنَ مَالكِ، قَالَ لِرَسُول اللهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يا رَسولَ اللَّه.
إِنهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَالْمَطَرُ، وَأَنَا رَجَلٌ ضَرِير البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيتي مَكَاناً أَتَخِذُهُ مُصًلّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: " أَيْنَ تُحِبًّ أَنْ أصَلِّيَ؟ " فَأَشَارَ لَهُ إِلَى مَكَان مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» فإذا كان ذلك الموضع من بيته بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه صلاة واحدة أَفضل من سائر بيته، وجب أن يكون الموضع الذي يواظب على الصلاة فيه من مسجده أفضل من سائر المسجد بكثير وإنما قال: إنَّه يتقدم في الفريضة إلى أَول الصف، يريد إلى أَول
الصفوف، وهو الصف الأول، لأن فضل الصف الأول معلوم بالنص من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فهو أولى مما علم فضله بالدليل ومُصلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من مسجده هو العمودُ المخلق قاله ابن القاسم في رسم نذر سنه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وبالله التوفيق.
ما يلزم في التثبت في مسائل الاجتهاد
فيما يلزم في التثبت في مسائل الاجتهاد وتقديم اجتهاد أهل المدينة
قال مالك: وبلغني أن ابن مسعود كان يُسأل عن المسألة فيفكر فيها شهراً ثم قام فقال: اللَّهم إن كان صواباً فمن عندك، وإن كان خطأً فمن عند ابن مسعود يسأل عن الشيء بالعراق، فيقوم فيه، ثم يقدم المدينة، فيسأل، ثم يجد الأمر على غير ما قال، فإِذا رجع لم يحط رحلته، ولم يدخل بيته حتى يرجع إلى ذلك الرجل فيخبره بذلك.
قال محمد بن رشد: المسألة التي فَكّر فيها شهراً ثم أَجاب فيها، فقال ما قال، هي مسألة الرجل يموت عن زوجته قبل الدخول وقبل أَن يفرض لها هل لها مع الميراث صداق أم لا؟ وهي مسألة اختلف فيها الصحابة ومن بعدهم فروي «أن ابن مسعود سُئل عنها فقال: ما سًئلت منذ فارقت النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن شيء أَشد علي من هذه المسألة.
سألوا غيري، فَترددُوا فِيها شهراً وقالوا: من نسأل؟ أنتم جلة أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذه البلد، فقال: سأقول فيها رأْيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني والشَّيطان.
أرى لها مهر امرأة من نسائها لا وكْس ولا شطط.
ولها الميراث، وعليها العدة.
فقال معقل بن سنان وفي بعض الآثار معقل بن يسار وفي بعضها أيضاً فقام ناس من أشجع، فقالوا: نشهد أَن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قضى فيها مثل الذي قضيتَ في امرأة منا يقال لها: يرْوع بنت واشق، قال فرأيت ابن مسعود لم يفرح بشيء مثل ما فرح يومئذٍ».
وقال عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، لا صداق لها.
ولها الميراث على ما وقع في الموطأ من أَن ابنة لعُبيد اللَّهِ بْنِ عمر، كَانَتْ تَحْتَ ابْن لِعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، فمَاتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يُسَم لَهَا صَدَاقاً فَابْتَغَتْ أمُّهَا صَدَاقَهَا وَهِيَ بِنْتُ زَيْدٍ بنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ، وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ، لَمْ تُمْسِكْهُ، وَلَم نَظْلِمْهَا فَأبَتْ أمها أنْ تَقْبَلَ ذلكَ، فَجَعَلُوا بَيْنَهُم زَيْدَ بْنَ ثَابِتَ فَقَضَى أنْ لَا صَدَاقَ لَهَا، وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
فأخذ مالك والليث بن سعد والأوزاعي بمذهب ابن عمر.
وهو قول ابن شهاب ومذهب أهل الحجاز.
وأَخذ أَبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي بما روي عن ابن مسعود، وجاء عن النبي عليه السلام في يروع بنت واشق.
واختلف قول الشافعي في ذلك، فروي عنه مثل قول مالك، وروي عنه مثل قول أَبي حنيفة، وذكر المزني عنه أَنَه قال: إِن ثبت حديث يروع، فلا حجة لأحد معَ السنة، وإن لم يثبت فلا مهر لها.
ولها الميراث.
وقال مسروق لا يكون ميراثاً حتى يكون مهراً يريد والله أَعلم وجوب المهر لوجوب الميراث.
وقد تعلق من ذهب إلى أَن الحق عند الله فيما لا نص فيه من مسائل الاجتهاد.
وقد يصيبه المجتهد وقد يخطئه بقول ابن مسعود: هذا إن يكن صواباً فمن الله، وإن
يكن خطأً فمن ابن مسعود ولا تعلق له في ذلك، لاحتمال أن يريد إصابة النص إن كان في النازلة نص لم يعلم به، كحديث يروع بنت واشق في نازلتِه.
والصواب أَن كل مجتهد مصيب عند الله تعالى.
وقد بينا هذه المسألة بياناً شافياً في كتاب الأقضية من مختصر كتاب الطحاوي في شرح مشكل الحديث والشيء الذي سُئِل عنه بالعراق فقال فيه: ثم قدم المدينة فوجد الأمر بخلاف ما قال، فلما رجع لم يحط رحلته ولا دخل بيته، حتى أتى الرجل، فأَخبره بذلك، هو أَنه سئل عن نكاح الأم بعد الابنة إن لم تمس الابنة، فأَرخص في ذلك فلما قدم المدينة سأَل عن ذلك فأُخبر أن الأمر بخلاف ما قال، وأَن الشرط إنَّما هو في الربائب، لا في أُمهات النساء، فرجع الكوفة، فلم يدخل منزله حتى أتى الرجل الذي رخص له في ذلك، فأمره أن يفارق امرأَته على ما وقع من ذلك في الموطأ وقد روي إجازة ذلك عن علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت.
وقال به من شذَّ من العلماء.
وله وجهان من التأويل: أَحدهما أن يجعل قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] عائد على الربائب وعلى أُمهات النساء، بإِضمار أَعني إذ لا يجوز في العربية أَن يكون اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ.
نعت لأمهات الربائب، وبنات الأمهات، لأن بنات الأمهات مخفوض بالإِضافة، وأُمهات الربائب مخفوض بمن، ولا يجوز أَن ينعت بنعت واحد، ما عمل فيه عاملان.
والوجه الثاني أن يجعل قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] شرط لاتصال الكلام، فيبيح نكاح الأم إذا لم يدخل بالبنت، ويبيح نكاح الربيبة إذا لم يدخل بالأم، فالقياس عليها.
وبدليل قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] إذ لا تكون الربيبة في حجره حتى يدخل بأُمها، لأن من ذهب إلى هذا يجعل قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] كلاماً متصلًا
تاماً، فيصح رد قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] إِلَى أول الكلام وهو قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] أَوْ إِلَيهما جميعاً بإِضمار أَعني على ما ذكرناه.
والذي قال به عامة العلماء وفقهاء الأمصار: مالك، والشافعي، وأَبو حنيفة، إِن الأم مبهمة لا شرط فيها، وإن الشرط إِنَّما هو في الربائب، فلا يحل نكاح الأم إذا تزوج البنت، وإن لم يدخل بها هو الصحيح، لِأنَّ الظاهر أن الكلام يتم في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] ويحسن الوقف عليه ثم يبتدأُ بقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] الآية.
[ما ذكر من خلاء مسجد النبيّ عليه السلام]
في ما ذكر من خلاء مسجد النبيّ عليه السلام
قال مالك: بلغني أَن سعيد بن المسيب قال: خلاء بيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثة أيام، لم يجمع فيه من حين كان: يوم قُتل عثمان، ويوم الحَرة، ويوم آخر قال مالك: أُنسيته.
قال محمد بن رشد: أما قتل عثمان رضي الله عنه وما وقع يوم قتله ممَّا أدى إلى الاشتغال عن إِقامة الصلاة في المسجد على العادة، فهو معروف، وأمَّا يوم الحَرة فإنه كان في خلافة يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين من الهجرة وذلك أَن أهل المدينة خلعوا طاعة يزيد بن معاوية، وكان القائم بذلك عبد الله بن حنظلة.
وكان قد وفده أمير المدينة عثمان بن محمد إلى يزيد بن معاوية فيمن وفد إليه مع بنين ثمانية، فأعطاه مائة أَلف، وأعطى كل واحد من بنيه عشرة ألف درهم، سِوى كسوتهم وحملانهم، فلما قدم المدينة أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ فقال: أَتيتكم من عند رجل والله لو.
لم أَجد إلاَّ بنيَّ هؤلاء، لجاهدته بهم، قالوا: سمعنا أَنَّه أجازك وأكرمك وأعطاك، فقال: قد فعل، ولكني ما قبلت ذلك منه، إِلّاَ أن أتقوَى به عليه، وحض الناس فبايعوه، ودعوا إلى الرضى والشورى، وأَمَّرُوا على قريش عبد الله بن مطيع العدوي وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة الغسيل وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، وأَخرجوا أمير المدينة ومن كان بها من بني أُمية، فبلع ذلك ابن عباس وهو بالطائف، فقال: أميران؟، هلك القوم.
وكتب مروان إلى يزيد بالذي كان من أمر القوم، فأَمر بقُبة فضربت له خارجاً من قصره، وقطع البعوث على أَهل الشام، وولَّى عليهم مسلم بن عقبة، وبعث أَهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين أهل الشام، فصبوا فيها زقاً من قطران، وغوروه، فأرسل الله عليهم ماء السماء، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة، فخرج إليهم أَهل المدينة بجموع كثيرة، وبهيئةٍ لم يُر مثلها فلمَّا رآهم أَهل الشام، هابوهم وكرهوا قتالهم فأمر مسلم بسريره، فوضع بين الصَّفين، ثم أَمر مناديه: قاتلوا عني ودعوا، فشدَّ الناس في قتالهم، وانهزم أهل المدينة وعبد الله بن حنظلة متسانداً إِلى بعض بنيه يغط نوماً، فنبَّهه ابنه، فلما فتح عينه، ورأى ما صًنع، أَمر أكبر بنيه، فتقدم حتى قتل، فلم يزل يقدمهم واحداً بعد واحد حتى أَتى القتل على جميعهم، فكسر هو جفن سيفه، وقاتل حتى قتل.
ودخل مسلم بن عقبة المدينة، ودعا الناس إلى البيعة على أَنهم خَوَلٌ ليزيد ابن معاوية، يحكم في أَهليهم ودمائهم وأموالهم ما شاء، حتى أَتى يزيد بن عبد الله بن زمعة أَسيراً، وكان صديقاً ليزيد بن معاوية وصفيّاً له فقال: بايع على أَنك خَوَلٌ لأمير المؤمنين، يحكم في دمك وأَهلك ومالك، فقال أُبايعك على أني ابن عم أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأَهلي، فقال: اضربوا عنقه، فوثب مروان فضمه إليه، فقال: يبايعك على ما أَحببت، فقال: والله ولا أقيلها إِيَّاه أبداً وقال: إن تنحا وإلّاَ فاقتلوهما جميعا.
فتركه مروان وضربت عنق ابن زمعة.
وقتل معقل بن سنان الأشجعي صبرا
ومحمد بن أَبي حذيفة العدوي صبراً ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي صبراً.
وانتهى عدد من مثل ذلك اليوم من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل، وستة رجال.
هذا كله على ما ذكره بعض المؤرخين والله أعلم بصحة ذلك.
فهذه المحنة هي التي أوجبت ذلك اليوم خلاء مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من التجميع كاليوم الذي قتل فيه عثمان.
والله أسأله العصمة والغفران برحمته.
وقد وقع في رسم مرض بعد هذا من قول ابن القاسم: إِنَّه سمع مالكاً يقول: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل كلهم قد جمعوا القران.
قال ابن القاسم: شككت أنه قال: كان فيهم أربعة أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
واليوم الثالث الذي ذكر مالك أَنَّه أنسيه.
قال محمد بن عبد الحكم هو يوم خرج بها أَبو حمزة الخارجي وكان خروجه فيما ذكروا في خلافة مروان آخر خلفاء بني أُمية الذي خلفه أَبو العباس السفاح من بني العباس في سنة ثلاثين ومائة قال خليفة ابن خياط في تاريخه: سار أَبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومائة.
يريد المدينة، واستخلف على مكة إبراهيم بن الصباح الحميري، وجعل على مقدمته بلج بن عقبة السعدي، وخرج أهل المدينة فالتقوا بقُديدٍ يوم الخميس لتسعة خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة، وبلج في ثلاثين ألف فارس، فقالوا لهم: طريقنا تأتي هؤلاء الذين بغوا علينا، وجاروا في الحكم، ولا تجعلوا أخذنا بكم، فإنَّا لا ندري قتالكم، فأبوا وقاتلوهم،، فانهزم أَهل المدينة، وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين: اتبع هؤلاء القوم، وأجهز على جريحهم، فإن لكل زمن حكماً والأثخان في هؤلاء أمثل.
قال: ما أرى ذلك، وما أَرى أَن أُخالف من مضى قبل.
ومضى أَبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة ثلاثين ومائة.
ففي يوم دخوله إياها والله أعلم خلا مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أن يجمع فيه وأصيب من قريش يومئذٍ ثلاثمائة رجل، ومن آل الزيبر، اثنا عشر رجلَاَ، فما سمع الناس بواكي أَوجع
للقلوب من بواكي قديد، ما بقي بالمدينة أَهل بيت إلَّا وفيهم بكاء.
وقالت نائحة تبكيهم:
ما للزَّمَانِ وَمَاليه... أفْنى قُديدٌ رِجالِيهْ
فَلأَبْكِينَّ سرِيرةً... وَلأبُكِينَّ عَلَانِيَهْ
تشميت العاطس
في تشميت العاطس
وسُئل مالك عن العاطس إذا لم يحمد الله أَو لم يسمعه أَيَشمته؟ قال: لا يشمته حتى يسمعه يحمد الله.
قيل له: فإنه ربما كانت الحلقة كثيرة الأهل فأَسمع القوم يشمتونه؟ قال: إِذا سمعت الذين يلونه يشمَتون فشمته.
قال الإمام القاضي: إِنما قال: إنه لا يشمته حتى يسمعه يحمد الله لما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أنه قال: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُم فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلّهِ ". وإذا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَلْيَقًلْ لَه، يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم».
وروي عنه أنه قال: «إذا عَطَسَ أحَدُكُم فليحْمِدْ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ يَرْحَمُكَ اللهُ وَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ».
وقال مالك: إن شاء قال العاطس في الرد على من شمته: يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالَكم.
وهو قول الشافعي أي ذلك قال فحسن، وقال أصحاب أبي حنيفة يقول: يغفر الله لنا ولكم، ولا يقول يهديكم الله ويصلح بالكم.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يهديكم اللهُ ويصلح بالكم.
وهذا شيء قالته الخوارج لأنهم لا يستغفرون
للناس.
والصحيح ما ذهب إليه مالك من أنه يرد عليه بما شاء من ذلك إذ قد جاء عن النبي الأمران معاً.
وقد اختار الطحاوي وعبد الوهاب وغيره، يهديكم الله ويصلح بالكم على قوله: يغفر الله لنا ولكم.
لأن المغفرة لا تكون إلا من ذنب، والهداية قد تعري من الذنوب.
والذي أقول به: إن قوله: يغفر الله لي ولكم أولى إذ لا يسلم أحد من مواقعة الذنوب، وصاحب الذنب محتاج إلى الغفران، لأنه إِن هدي فيما يستقبل ولم يغفر له ما تقدم من ذنوبه، بقيت التَبَاعات عليه فيها، وإن جمعهما جميعاً.
فقال: يغفر الله لنا ولكم، ويهديكم ويصلح بالكم كان أحسن وأولى إلا في الذمي إذا عطس، ويحمد الله فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال له: يهديك الله ويصلح بالك، لأن اليهودي والنصراني لا تغفر له السيئات، حتى يؤمن.
ومما يدل على هذا ما رُوي: مِنْ «أن الْيهودَ كَانُوا يَتَعَاطَسونَ عِنْدَ النَّبيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَاءَ أنْ يَقُولَ: يَرْحَمُكُم اللهُ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم.» واختلف في تشميت العاطس فقيل: هو واجب على كل من سمعه كرد السلام، وقيل هو ندب وإرشاد وليس بواجب.
ولا اختلاف في أنه لا يجب تشميت العاطس إذا لم يحمد الله.
وإنما أمر العاطس أن يحمد الله لما في العطاس من المنفعة ما لم يكن مضنوكاً على ما دل عليه قوله في الحديث: «إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثمَّ إِن عَطسَ فَشَمِّتْه، ثَمّ إن عَطِسَ فَشَمِّتْهُ ثم إِنْ عَطَسَ فَقل: إنك مضْنُوكٌ.
وقال عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي بَكْر: لاَ أدرِي أبَعْدَ الثّالِثَةِ أو الرابِعَةِ.» ويقال: تشميت، وتسميت، وقال الخليل تسميت العاطس لغة في تشميته.
وقال ثعلب: التشميت معناه: أبعد الله عنك الشماتة، وجنبك ما يشمت به عليك.
وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن وبالله التوفيق لا إلهَ إلا هو رب العرش العظيم.