البيان والتحصيلصفحات 383-423
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 383-423
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في الدريهمات اليسيرة قدر نصف شهر، وفي الكبير من المال أربعة أشهر، وفي الوسط منه شهران، وبالله التوفيق.

مسألة: يقر لامرأته بالدين تكون قد أسلفته إياه فيما بينها وبينه ويقول قد قضيتك إياه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقر لامرأته بالدين تكون قد أسلفته إياه فيما بينها وبينه ويقول: قد قضيتك إياه، قال مالك: الدين عندي مثل المهر إن لم تكن له بينة غرم، وهو مخالف عندي لما يشتري لها ويبيع لها ويقتضي لها إنما ذلك وكالة، فالرجل توكله امرأته ويدفع إليها ولا يشهد فيما باع لها ولا فيما ابتاع لها ولا فيما اقتضى لها، فليس في هذا إلا يمينه بعد، وهو مخالف عندي لما أقر به من السلف، وأرى إن لم يأت ببينة أن عليه غرم ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله وهو مخالف عندي لما يشتري لها ويبيع لها ويقتضي لها إنما ذلك وكالة تدل على أنه يحكم له بحكم الوكيل فيما باع واشترى لامرأته وإن لم تثبت وكالته للعرف الجاري من تصرف الرجال لأزواجهم في أمورهن.
وقد اختلف في الوكيل يدعي أنه دفع إلى موكله ما قبض له من غرمائه أو ما باع به متاعه على أربعة أقوال: أحدها أن القول قوله مع يمينه جملة من غير تفصيل، وهو قوله في هذه الرواية وفي سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات وفي المدونة، والثاني أنه إن كان لقرب ذلك بالأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض منه شيئا وعلى الوكيل إقامة البينة، وإن تباعد الأمر مثل الشهر ونحوه فالقول قول الوكيل مع يمينه يحلف ويبرأ، وإن طال الأمر جدا لم يكن على الوكيل ولا على الزوج يمين، وهو قول مطرف عن مالك، والثالث أنه إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جدا صدق دون يمين، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم، والرابع تفرقة أصبغ بين

الوكيل على الشيء بعينه وبين الوكيل المفوض إليه، فالوكيل على الشيء بعينه غارم حتى يقيم البينة على الدفع وإن طال الأمر، والوكيل المفوض إليه يصدق في القرب مع يمينه وفي البعد دون يمين، فإن مات الوكيل أو الزوج بحدثان ما جرى ذلك على أيديهما كان ذلك في أموالهما إذا عرف القبض وجهل الدفع، وإن كان موتهما بغير حدثان ذلك وما يكون في مثله المخرج والقضاء والدفع فلا شيء في أموالهما وإن لم يعرف الدفع ولم يذكر، ولا خلاف عندي في هذا الوجه، وأما السلف والمهر فلا يصدق فيه على الدفع في قرب ولا بعد، وبالله التوفيق.

###: أحق بزيته إذا عرف أنه هو بعينه وإن خلطه مع غيره

ومن كتاب باع غلاما وقال مالك في روايا زيت باعها صاحبها خمس روايا ثم إن صاحبها صبها في جرار ثم صب معها جرتين أخريين اشتراهما وقد اقتضى نصف ثمن الخمس روايا ثم فلس المشتري وقد باع بعض ذلك أو لم يبع، قال: إذا عرف ذلك أخذه إن وجده بعينه إن لم يبع منه شيئا إذا أبى الغرماء أن يدفعوا إليه حقه، وإن باع منه شيئا وقد اقتضى رد نصف ثمن ما وجد مما اقتضى على حساب الروايا إذا لم يصبها وقد باع بعضها وبقي بعضها وقد وصفناه في موضع آخر.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما مضى في رسم قطع الشجرة وعلى ما في كتاب المأذون له في التجارة من المدونة أنه أحق بزيته إذا عرف أنه هو بعينه وإن خلطه مع غيره.
وقوله وإن باع منه شيئا وقد اقتضى رد نصف ثمن ما وجد مما اقتضى على حساب الروايا إذا لم يصبها وقد باع بعضها وبقي بعضها كلام فيه التباس ومراده به أن ما باع من الروايا مفضوض على الخمس روايا وعلى الجرتين اللتين صبهما معها، فإن كان باع منها جرتين وفيها راويتان وبقيت الخمس روايا عنده حتى فلس وقد اقتضى البائع نصف ثمن الخمس روايا كان

البائع أحق بخمسة أسباع الخمس روايا بعد أن يرد من الثمن [الذي قبض] نصف خمسة أسباعه ويحاص الغرماء بنصف ثمن السبعين الفائتين بالبيع، وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجل دين بغير بينة

مسألة وسئل عن رجل كان له على رجل دين بغير بينة، ثم إن الذي عليه الدين وقع له حق على الذي يسأله ولا بينة بينهما، فهلك الذي عليه الدين ولا دين لأحد عليه غيره، فأراد أن يكتم الدين الذي عليه بدينه الذي له حين عرف أن دينه لا يؤدى وحين لم تكن له بينة وحين عرف أنه إن أقر بما عنده أخذ منه، قال مالك: ما أرى أن يكتم ورثته ذلك، ولكن يخبرهم صدق ذلك ويلحقه من ذلك ما لحقه أو يغرم ما غرم.
فقلت له: يا أبا عبد الله أيحتسب الذي له ويؤدي؟ قال: نعم، وأخبرني عنه سعد بن عبد الله المعافري في الجحد مثل ذلك إلا أن يجحد من جحده ولم أحضره أنا.
قال محمد بن رشد: لم يجز له في هذه الرواية أن يكتم ما عليه ويقتطعه في الدين الذي له وإن لم يكن لأحد عليه دين سواه، وهو معنى ما في كتاب الوديعة من المدونة، وفي ذلك اختلاف كثير، قيل: إن ذلك لا يجوز، وهو قوله في هذه الرواية وفي المدونة، وقيل: إن ذلك له جائز، وهو قول أشهب وابن وهب، وقيل: إنه له مكروه، وقيل: إنه له مستحب، وقيل: إن ذلك جائز إن لم يكن عليه دين، ولا يجوز له إن كان عليه دين

إلا أن يأخذ مقدار ما يصير له في المحاصة، وقيل: إنه يجوز له أن يأخذ مما دفع إليه بغير أمانة ولا يجوز له أن يأخذ مما دفع إليه بأمانة، وقد مضى في سماع أصبغ من كتاب النذور القول على هذا المعنى أيضا، فقف عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها

مسألة وسئل عن رجل قال: ما كان لي على قرابتي من حق فهو لهم عند الموت فهلك وكان له عند رجل منهم قراض، قال: أراه له فيما يحضرني والذي أرى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، وكان الأظهر ألا يكون له القراض إذا كان قائما بيده لأنه في أمانته فهو له عنده، ولا يقال إنه له عليه إلا إذا كان قد استهلكه فثبت له في ذمته، ووجه ما ذهب إليه أنه وإن كان له عنده فعليه أن يؤديه إليه لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] فإذا وهبه ماله عليه من الحق في صرفه إليه وجب أن يكون له، وبالله التوفيق.

مسألة: مات وعليه دين يحيط بماله

مسألة وقال مالك: من مات وعليه دين يحيط بماله فإن الكفن مبدأ على الدين، قال: ومن كان له رهن في يد رجل ثم مات ولا مال له غير ذلك الرهن فلا يكفن منه، والمرتهن أحق به من الكفن.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، وقد تكررت في هذا الرسم بعينه من هذا السماع في كتاب الجنائز، ومضى القول عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: هلك وترك مالا ليس فيه وفاء من دينه

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن رجل هلك وترك مالا ليس فيه وفاء من دينه فقال ابن له: أنا آخذ هذا المال وأضمن دين أبي، قال مالك: إن كان يضمن دين أبيه وما كان فيه من فضل رده إلى الورثة فلا بأس به إن شاء الله، وإن كان نقصانا كان عليه فلا بأس به، وإن كان يأخذه على أن يكون له الفضل بما ضمن من النقصان فلا خير قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا فلا وجه لإعادته، وتكررت أيضا بالمعنى في رسم يسلف في المتاع، وبالله التوفيق.

###: أوصى في مرضه أن لفلان عليه أربعين دينارا

ومن كتاب تأخير صلاة العشاء وسئل عن رجل أوصى في مرضه أن لفلان عليه أربعين دينارا، وأوصى مع ذلك أنه مصدق فيما قال، قال: فادعى الرجل أن له عليه خمسين دينارا، قال: أرى أن يحلف ويأخذ خمسين دينارا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن يحلف ويأخذ خمسين يريد يحلف على تحقيق دعواه في الخمسين دينارا، وقال ابن دحون: إنما ألزمه اليمين لأن كل من اقتضى دينا من مال ميت أو مفلس فلا بد له من أن يحلف ولا تنفعه بينته إلا أن يسقط ذلك عنه الورثة أو الغرماء، ولو طرأ غريم غائب كان له أن يحلف من لم يحلف ويحلف هو أيضا، وليس قول ابن دحون بصحيح لأن هذه اليمين لا بد منها، ولا اختلاف فيها، وأما اليمين على تحقيق دعواه في الخمسين دينارا ففيها اختلاف وقع في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا في الرجل يوصي لرجال بديون لهم عليه فيقول: قد كنت أداين فلانا وفلانا فما ادعوه قبلي فهم فيه مصدقون

إن ذلك يكون لهم بلا يمين يستحلفون بها على ما ادعوا فيحلف على هذه الرواية إن له عليه خمسين دينارا، وإنه ما قبضها ولا أسقطها عنه، وإنها لباقية له إلى حين يمينه، ويحلف على ما في رسم البز من كتاب الوصايا إنه ما قبض الخمسين دينارا التي صدقه المتوفى فيها ولا أسقطها عنه، وإنها لباقية له قبله إلى حين يمينه.
والاختلاف المذكور في تحقيق دعواه في الخمسين جار على اختلافهم في لحوق يمين التهمة لأن الورثة تتهمه في أن يدعي أكثر من ماله ولا تحقق عليه الدعوى بذلك ولو حققت عليه الدعوى بذلك مثل أن يقول له: قد أقررت عندنا أنه لم يكن لك عليه إلا كذا وكذا للزمته اليمين قولا واحدا، ولم يسقط عنه الميت اليمين وإنما أوصى أنه مصدق فيما يدعيه ولم يقل بيمين ولا بغير يمين، ولو قال: إنه مصدق دون يمين لما سقطت اليمين عنه بإسقاطه إياها عنه على ما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الشركة ومن كتاب الوصايا حسبما سنبينه هناك إن شاء الله، وسيأتي في رسم أسلم من سماع عيسى ورسم الوصايا الصغير من سماع أصبغ مسائل من هذا المعنى في التصديق في الدعوى نتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله، وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الشهادات في التصديق في الشهادة وبينا هناك الفرق بين التصديق في الدعوى وبين التصديق في الشهادة، وبالله التوفيق.

مسألة: يجبر على أخذها عند الموت والفلس

مسألة وسئل عن رجل ابتاع طعاما إلى أجل من رجل فمات الذي عليه الحق فقيل للذي له الحق: خذ حقك، قال ذلك له الورثة، قال: لا حتى يحل حقي، قال: أرى أن يجبر عند موته على أخذه، وذلك أن مال الميت يباع، ولعله ألا يكون فيه وفاء، فأرى أن يجبر على ذلك، قال ابن القاسم في العروض: يجبر على أخذها عند الموت والفلس.

قال القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها لأن الدين يحل على المتوفى بموته، ومن حق من عليه دين أن يؤديه عن نفسه، والله الموفق.

###: يوصي لرجل بدين فيطلب فلا يوجد ولا يعرف

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك عن الذي يوصي لرجل بدين فيطلب فلا يوجد ولا يعرف، قال: يتصدق به عنه، قال مالك: ويقول: اللهم هذا عن فلان.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: ولا يعرف أي لا يعرف موضعه؛ لأنه إذا لم يعرف فلا يصح أن يوجد، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم حلف ليرفعن أمرا، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: الشهادة على خط المقركالشهادة على إقراره

مسألة وسئل عن رجل أوصى عند موته أن ينظر في كتبه فما كان له من حق قبض، وما كان عليه قضي، فلما مات أخرجت كتبه الذكور الحق فإذا في ذكر حق منها ذكر حق فلان على فلان بأربعة عشر دينارا، وفيه شهود، وأسفل منه بخط يد صاحب الحق الميت: قبضت منه ثمانية دنانير مما في كتابي هذا، أعليه أن يحلف ويبرأ من الثمانية دنانير؟ قال مالك: ما أرى عليه من يمين، ولكن يؤخذ منه ما بقي بعد الثمانية بغير يمين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الشهادة على خط المقر كالشهادة على إقراره؛ سواء عند من يجيز الشهادة في ذلك على

الخط، والشهادة في ذلك جائزة على المشهور في المذهب لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت إلا ما يروى عن محمد بن عبد الحكم من أنه قال: لا تجوز الشهادة على الخط مجملا ولم يخص موضعا من موضع، وستأتي هذه المسألة في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى، وقد مضى من تحصيل القول في الشهادة على الخط في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات ما فيه شفاء، وبالله التوفيق.

###: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر

ومن كتاب مساجد القبائل وسئل عن عبد كان تاجرا وأنه باع متاعا من التجار وكتب عليهم ذكورات حق وأنهم ادعوا أنهم قد دفعوا إلى سيده بعض ما كان له عليهم، قال: أرأيت سيده أكان يقتضي شيئا؟ قال: نعم قد كان السيد يقتضي، وقد كان العبد يقتضي، قال: أما إذا كان يقتضي فإني أرى أن يحلف السيد فيما ادعي عليه ويحلف العبد فيما ادعي عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله [أنه] إذا كانا جميعا يقتضيان لزمت كل واحد منهما اليمين فيما ادعي عليه لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» ولو كان السيد لا يقتضي لم يجب عليه اليمين في دعوى الاقتضاء على القول بأن اليمين لا تلحق بمجرد الدعوى دون خلطة، وهو مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وكافة

أصحابه، وقد مضى القول في ذلك مستوفى في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.

مسألة: الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يديلها تحتهم فيفلس

مسألة وسئل عن الكَرِيّ تكون له الإبل يحمل عليها وهو يديلها تحتهم فيفلس وتحت أحدهم بعير منها، أتراه أحق به من سائرهم؟ قال: نعم أرى ذلك، قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
قلت لسحنون: هل يكون أصحاب الكراء المضمون وغيرهم سواء وكل واحد من أصحاب الحمولة أولى بما في يده من غيره؟ قال: نعم.
قلت: فلو أن الجمال احتاج فأراد أن يتسلف من بعض أهل الحمولة على أن يرهنه ما في يده من الإبل أيجوز ذلك وتراه رهنا مقبوضا محوزا؟ قال: نعم، ألا ترى أنه لو فلس الجمال كان كل واحد من هؤلاء أحق بما تحته من غيره من الغرماء ومن أصحاب الأحمال؟ قلت لسحنون وأصحاب الأحمال: أولى بما تحت أحمالهم من الإبل كما يكونون في المحامل؟ قال: نعم.
قلت: فإن أراد الجمال أن ينقل تلك الإبل ويديلها بينهم وأبى ذلك أصحاب الأحمال؟ قال: لا يكون ذلك للجمال إلا عن رضى من أصحاب الحمولة، وهذا في الكراء وغيره سواء.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة معروفة لسحنون أجاز أن يرهنه

ما تحته وهو في منافع الراهن، وهو بعيد، وكذلك أجاز أن يرهنه جملا تحت غيره يكون قبض راكبه له قبضا للمرتهن، وهو أبعد؛ لأنه كان في قبض غيره ولم يحدث له قبض مستأنف للرهن؛ ولأنه في منافع الراهن وفي أجرة غيره فهو بعيد من حكم الرهن وأصله، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في آخر سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.

###: البيع على تعجيل الحق

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل عن رجل كان لقوم عليه دين ولرجل منهم أربعة عشر دينارا ونصف، فأراد الخروج إلى موضع، فأراد قضاء دينه، فقضاه أربعة عشر دينار ونصفًا دراهم، قال: لا خير فيه، هذا مكروه أن يعطى في نصف دراهم قبل محل الأجل، ولكن يعطيه في ذلك عرضا، قيل: فيعطيه دينارا ويأخذ منه نصفا فضة؟ قال: أعجب إلي أن يأخذ في ذلك عرضا، كأنه خففه لقلة النصف، قال ابن القاسم: ولا بأس به.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز إذا كان له عليه أربعة عشر دينارا ونصف دينار مؤجلة أن يأخذ منه قبل محل الأجل أربعة عشر دينارا وصرف نصف دينار لأنه لا يجوز له أن يأخذ دراهم عن ذهب لم يحل أجلها؛ لأنه يدخله صرف إلى أجل، وأجاز أن يأخذ منه أربعة عشر دينارا وعرضا بالنصف دينار، وفي ذلك نظر لأنه عجل له الأربعة عشر دينارا على أن باع منه العرض بنصف دينار، والبيع على تعجيل الحق لا يجوز؛ لأنه يدخله: "ضع وتعجل"، ألا ترى أنهما يتهمان على أن يعجل له الأربعة عشر دينارا على أن يأخذ منه بالنصف دينار عرضا لا يساوي إلا ربع دينار فيكون قد عجل له حقه على أن يحط عنه منه ربع دينار، ولم يجز أن يأخذ منه خمسة عشر دينار ويدفع إليه بالنصف الزائد على حقه فضة لأنه صارفه في النصف دينار على أن يعجل له الأربعة عشر دينارا ونصف التي كانت له

عليه، وذلك لا يجوز؛ لأنه يخاف أن يكون زاده في صرف نصف المثقال لموضع التعجيل فيدخله: ضع وتعجل، وقد يدخله أيضا: ذهب نقدا بفضة نقدا، وذَهَب إلى أجل؛ لأنه أعطاه خمسة عشر مثقالا نقدا على دراهم معجلة وعن ذهب مؤجل، وخفف إذا أخذ منه خمسة عشر دينارا أن يدفع إليه بالنصف دينار الزائد على حقه عرضا وإن كان يدخله: ضع وتعجل؛ لأنه يخاف أن يكون أعطاه في النصف دينارٍ عرضا قيمته أكثر من نصف دينار على أن يعجل له حقه إلا أنه استخف ذلك ليسارته، ولم ير ابن القاسم به بأسا، وقد كرهه مرة، وقع اختلاف قوله في ذلك في سماع أبي زيد من كتاب الصرف، وقد مضى القول على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.

###: خالط رجلا بمال فكان لأحدهما قبل صاحبه فضل

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد وسئل مالك: عن رجل خالط رجلا بمال فكان لأحدهما قبل صاحبه فضل، ثم إن الذي غاب بفضل غاب وذهب ولا يعرفه صاحبه بنسب ولا دار إلا الاسم، قال مالك: يتصدق به عنه ويقول حين يتصدق: اللهم هذا عن فلان لمكان الذي له عندي، فإن جاء بعد ذلك دفع إليه حقه.
قال محمد بن رشد: قوله يتصدق به عنه، معناه: إن شاء، إذ لا يلزمه ذلك مخافة أن يأتي فيلزمه غرمه؛ إذ هو ثابت في ذمته لا يبرأ منه إلا برده لربه أو بأن يرفع ذلك إلى الإمام ويدفعه إليه فيوقفه الإمام له.
وقوله: ويقول حين يتصدق به عنه: اللهم هذا عن فلان، معناه: أنه يقول ذلك في نفسه؛ لأن النية تكفيه في ذلك، وليس عليه أن يحرك بها لسانه.
وقوله: إنه إن جاء بعد ذلك دفع إليه حقه صحيح لا يدخل فيه الاختلاف الحاصل بين أهل العلم فيمن تصدق باللقطة بعد التعريف هل يضمنها لصاحبها أم لا؛ لأنها ليست في ذمته بخلاف هذا، وقد جاء في الحديث «أن شأنه بها»، وبالله التوفيق.

###: الذكر حق يكتب ويكتب فيه ومن جاء بذكر الحق اقتضاه فيأتي به غير صاحبه

ومن كتاب سن رسول الله وقال مالك في الذكر حق يكتب ويكتب فيه: ومن جاء بذكر الحق اقتضاه فيأتي به غير صاحبه، قال: لا أرى أن يدفع إليه شيئا إلا بوكالة؛ لأني لا أدري بما وصل ذلك الكتاب إليه، لعله وجده وقد سقط من صاحبه أو ما أشبه ذلك فلا أرى أن يعطى إلا بوكالة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما يأتي في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، وهي مسألة صحيحة لا اختلاف فيها للمعنى الذي ذكره في الرواية وبينه فيها بإشهاد صاحب الحق أن من جاء بذكر الحق اقتضاه غير عامل بخلاف إشهاده للذي عليه الحق أنه إن جاء به فقد برئ، وقد مضى القول على ذلك في أول رسم من السماع، وبالله التوفيق.

مسألة: جحد رجلا حقا له فأراد صاحب الحق أن يستحلفه

مسألة وسئل: عن رجل جحد رجلا حقا له فأراد صاحب الحق أن يستحلفه: ما أسلفتك شيئا، وقال الآخر: أحلف لك: ما لك عليّ شيء، قال: أرى أن يحلف: ما لك عندي شيء، وما الذي ادعيت عليّ إلا باطلا، فإن أبى أن يحلف حلف صاحب الحق واستحق حقه، وقال هذا مُوَرِّكٌ، قال أصبغ: حضرت ابن القاسم وقد

حكم أن يحلف ما أسلفه شيئا.
قال محمد بن رشد: قول مالك إنه يحلف: ما له عنده شيء وما الذي ادعى عليه إلا باطلا هو في المعنى مثل ما في المدونة في الشهادات منها، ومثل ما حكى أصبغ أنه حضر ابن القاسم وقد حكم بأن يحلف: ما أسلفه شيئا؛ لأن حلفه: ما الذي ادعى عليه إلا باطلا يستغرق كل دعوى ويكفي من كل لفظ، وقد قيل: إنه يقبل منه أن يحلف: ما له عنده حق، وقع الاختلاف في ذلك في آخر سماع أصبغ من كتاب النذور، وفي غيره من المواضع، والأظهر أنه لا يقبل منه إلا أن يحلف: ما أسلفه شيئا؛ لأن الطالب يقول بمفهوم قوله: إنه يريد أنه قضاني، وهو لو صرح بأنه قضاني لكان القول قولي إني ما قبضت منه شيئا، فيريد أن يأتي بكلام يتحيل فيه أن يكون القول قوله في القضاء، وهو قوله: ما لك عندي شيء، وما أشبه ذلك من الألفاظ.
والأصل عندي في هذا الاختلاف اختلافهم في اليمين هل هي على نية الحالف أو على نية المحلوف له، فمن رأى اليمين على نية الحالف قبل من الحالف أن يحلف: ما له قبله حق؛ لأنه يقدر إن استحلفه ما أسلفه [شيئا] أن ينوي أنه ما أسلفه شيئا هو عليه باق له، فلا يكون كاذبا في يمينه كما لو حلف ما له قبله حق، فلما كان يقدر على هذا لم يكن لإيجاب اليمين عليه أنه ما أسلفه شيئا كبير فائدة، ومن رأى اليمين على نية المحلوف له لم يقبل من الحالف إلا أن يحلف ما أسلفه شيئا؛ لأنه إن حلف على ذلك، وقد كان أسلفه فقضاه كان آثما كاذبا، فلزم ذلك لينكل عن اليمين فيكون القول قول الطالب، وبالله التوفيق.

###: يستدين فيزرع وقد استأجر فيه أجراء ثم يعجز فيه فيستدين ثم يفلس

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية الثاني قال سحنون: قال لي أشهب: سئل مالك: عن الذي يستدين

فيزرع وقد استأجر فيه أجراء ثم يعجز فيه فيستدين ثم يفلس، قال: يبدأ صاحب الدين الآخر فالآخر، وإنما يكون ذلك إذا فلس ولم يكن له شيء يحيي به الزرع فاستدان في عمله وحياته، فالآخر يبدأ وهو خير للذي قبله أحياه له ولم يدعه يموت، فإن فضل فضل أخذه وإلا فلا شيء له؛ لأنه كان يموت ويذهب، وكذلك إن كان الأجراء قبل أوجروا فإنه يبدأ الآخر.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه استدان دينا فزرع به زرعا واستأجر في عمل الزرع أجراء بدين فعمل الأجراء ما استأجرهم عليه ثم عجز عن بقية عمل الزرع فاستدان دينا آخر فاستأجر به أجراء على بقية عمل الزرع فيبدأ الدين الآخر على الدين الأول وعلى إجارة الأجراء، فإن فضل فضل عن الدين الآخر بدئ فيه الأجراء على الدين الأول، وهي مسألة صحيحة على معنى ما في الرهون من المدونة في الزرع يرتهن فيخشى عليه الهلاك فيأخذ الراهن من رجل آخر مَالًا فينفقه فيه - أن الآخر يكون أحق بالزرع، فإن فضل فضل كان للمرتهن الأول.
وعلى قياس القول [الأول] فإن أجير السقي أحق بالزرع من الغرماء، وقد اختلف في ذلك فقيل: إنه أحق في الموت والفلس، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز وقول ابن الماجشون وأصبغ في الواضحة، وقيل: إنه أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعا، وهو قول المخزومي، وقيل: إنه أحق في التفليس دون الموت، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، والقياس قول المخزومي؛ لأنه لم يبع منه الزرع فيكون أحق به، وإنما باع منه منافع قد استهلكت، ولكلا القولين الآخرين وجه من النظر، وذلك أن الزرع لما كان ناميا بسقي الأجير صار كالبائع له ويده عليه إلا أنه في أرض المستأجر المفلس، فمن غلب كون يده عليه رآه أحق به في الموت والفلس، كمن باع سلعته ففلس المبتاع قبل قبضها، ومن غلب كونه

في أرض المستأجر رآه أحق به في الفلس دون الموت، كمن باع سلعة ففلس المبتاع بعد قبضها، وهي قائمة بيده، وكذلك اختلف أيضا في رب الأرض إذا فلس المكتري هل يكون أحق بالزرع أم لا على هذه الثلاثة الأقوال؛ لأن المعنى فيها جميعا سواء.
واختلف على القول بأن كل واحد منهما أحق إذا اجتمعا، فقيل: إنهما يتحاصان، وقيل: يبدأ رب الأرض، وقيل: يبدأ الأجير، فإن كان الزرع مرهونا كان المرتهن أحق من الغرماء بما فضل عن رب الأرض وأجير السقي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، فعلى هذا إذا اكترى الرجل أرضا فزرع فيها زرعا فخشي عليه الهلاك فاستأجر على سقيه، ثم عجز عنه أيضا فاستأجر على سقيه وإحيائه آخرين، ثم رهنه فإنه يبدأ الساقي الآخر على الأول، والأول على المرتهن، والمرتهن على سائر الغرماء، ورب الأرض على ما ذكرناه فيه من الاختلاف يحاص الأجراء الأولين في قول، ويكون أحق منهم في قول، ويكونون أحق منه في قول، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
ومعنى قوله: وكذلك إن كان الأجراء قبل أوجروا، فإنه يبدأ الآخر، يريد: أن الأجير في الزرع وإن كان الحكم فيه أن يكون أولى بالزرع من الغرماء فلا يكون في هذه المسألة أولى من الغرماء الآخرين بل يبدأ الغرماء الآخرون عليه؛ لأن الزرع إنما حيي بأموالهم إذا كان صاحبه قد عجز عنه، فكما يبدأ الغريم على الغريم من أجل أن الزرع إنما حيى بالدين المتأخر، فكذلك يبدأ على الأجير من أجل ذلك، وقد وقع في كتاب ابن المواز لمالك: أن الأول من الأجراء يبدأ على الثاني، وهو بعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: يحلف مع شاهده إنه عجوة

مسألة وسئل مالك: عمن أتى على امرأة بذكر حق بعد موتها فيه كذا وكذا صاعا من تمر عجوة فمحا الموضع الذي فيه

العجوة في السطر ولم يأت على الذكر حق بشهادة إلا كاتب الصحيفة يشهد أنه يعرف كل ما في الكتاب إلا تسمية العجوة إنه ليس كتابه، وقد محي، ولا أدري أعجوة هو أم لا؟ قال ابن القاسم: قال مالك: أما أنتم فلستم تحلفون إنه غير عجوة فأرى أن يحلف مع شاهده إنه عجوة، وإن هذا الحق له، ثم يعطاه.
قال محمد بن رشد: قوله أما أنتم فلستم تحلفون إنه غير عجوة، معناه: أما أنتم فإذا لم تحلفوا إنه غير عجوة فأرى أن يحلف مع شاهده إنه عجوة؛ لأن القول قولهم إنه غير عجوة؛ لأنه لما ثبت له شاهد بالعدة وأنها تمر، قيل له: احلف مع شاهدك على صحة ما شهد به، ثم يقال للورثة: احلفوا على أي صنف من التمر تقرون به، فإن حلفوا على صنف ما أخذه، ولم يكن له غيره، وإن لم يحلفوا، قيل له: احلف على أي صنف تدعيه وخذ، فتكون يمينه يمينا واحدة على الصنف، وعلى أن شاهده شهد بحق، وعلى أنه لم يقبض ذلك، وبالله التوفيق.

###: جاء بسفينة له اشترى من رجال ولم يدفع إليهم من الثمن شيئا حتى فلس

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك: عن رجل جاء بسفينة له، فاشترى من هذا قمحا فصبه فيها، ثم اشترى من هذا قمحا فصبه فيها حتى اشترى من رجال فصبه في السفينة كله ولم يدفع إليهم من الثمن شيئا حتى فلس، أتراهم أحق بقموحهم من الغرماء؟ قال: نعم، إن علم ذلك اقتسموه بينهم بالمكيلة على الحصص.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على معنى ما في المأذون له من المدونة وعلى ما مضى في رسم باع غلاما وغيره من سماع

ابن القاسم، ولو نقص الكيل وكان من نقصان المركب كان بينهم على الحصص، ولم يكن على المفلس شيء بخلاف إذا نقص ببيع أو تلف أو استهلاك فإنهم يكونون أسوة الغرماء بما ناب ما نقص من الثمن، ولو زاد القمح من نداوة البحر كانت الزيادة بينهم على قدر ما لكل واحد منهم، وبالله التوفيق.

مسألة: يكتب في ذكرحق ومن قام بذكر الحق اقتضاه به ثم يجيء به رجل

مسألة وسئل: فقيل له: قلت في الذي يكتب في ذكر حق، ومن قام بذكر الحق اقتضاه به ثم يجيء به رجل أنه لا يقتضي ما فيه إلا بوكالة يقيمها، فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، وقد تقدمت والعلة فيها في رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

###: يشتري سلعة بدين على أن يقضيه من عطائه إذا خرج فلم يخرج

ومن كتاب الأقضية وسئل: عن الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة، أنأخذ ذلك من ماله؟ قال: لا أرى ذلك.

قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في آخر السماع، والمعنى فيها أنه حكم للعطاء بحكم الدين الثابث في الذمة في أن مصيبته ممن اشتراه إن مات الذي عليه الدين أو فلس، ومعنى ذلك في العطاء المأمون، فإذا تعين على هذا في العطاء بأن يشتري سلعة بدين على أن يقضيه من عطائه إذا خرج فلم يخرج بطل حقه، وإن خرج بعضه حل عليه من الدين بحساب ما خرج منه على ما يأتي في آخر السماع.
وكذلك لو اشترى العطاء فلم يخرج لم يكن له على هذا القول شيء، وقد قيل: إنه إذا تعين في عطائه أو باعه كان ذكر العطاء كالأجل وتعلق ذلك بذمته إن لم يخرج العطاء أو مات قبل خروجه، وهو اختيار محمد بن المواز وقول مالك في رواية أشهب عنه في الواضحة، وهذا القول يأتي على قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في الذي يشتري السلعة بدنانير له غائبة - أنه ضامن لها إن تلفت وإن لم يشترط الضمان، ويأتي على قياس قول ابن القاسم في هذه المسألة ألا يجوز التعيين في العطاء إلا بشرط الحلف.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع لا يجوز إلا بشرط الضمان لمن لم يخرج العطاء، والثاني: أنه جائز والحكم يوجب الضمان، والثالث: أنه جائز ولا يلزمه الضمان، وأما العطاء الذي ليس بمأمون فلا يتعين فيه حق من ابتاعه أو تعين فيه باتفاق، ويختلف هل يجوز ذلك بغير شرط الحلف أم لا على قولين، ويحتمل أن يلفق بين الروايات بأن تحمل هذه الرواية على العطاء المأمون، وما في الواضحة واختيار ابن المواز على العطاء الذي ليس بمأمون، فلا يكون في المسألة اختلاف إلا في جواز البيع ابتداء بغير شرط الخلف في العطاء الذي ليس بمأمون.
وبالله التوفيق.

مسألة: بايعه بشرط ألا يقاصه

مسألة وسئل: عمن كان له على رجل مال فلقيه ومعه سلعة يبيعها

فأراد شراءها منه، فقال له البائع: إني أخاف أن تقاصني بثمنها وأنا إنما أريد أن أبيعها لحاجة كذا وكذا، قال: فإني لا أقاصك بثمنها، فاشتراها منه على ذلك، ثم أراد مقاصته بثمنها وللناس عليه ديون سوى دينه كثرة إلا أنه لم يفلس، أترى أن يقاصه؟ قال: نعم، أرى ذلك له إن ألح على ذلك.
قيل له: إنه قد اشترى على أن لا يقاصه وعلم أنه إنما يبيعها لأمر سوى أمره فاشتراها على ذلك، فقال: أرى ذلك له، وهو يقول: إنما اشتريت منك لأقاصك ولأستوفي حقي من تحت يدي، فإني أرى ذلك، فروجع فيها، فقال: قد أنباتك بالذي قبلي.
قال الإمام القاضي: قد اختلف وجوب الحكم بالمقاصة، فقيل: إنه لا يحكم بها، وهي رواية زياد عن مالك، وظاهر مسألة كتاب الصرف من المدونة، والمشهور أنه يحكم بها.
واختلف على هذا القول إذا بايعه بشرط ألا يقاصه على ثلاثة أقوال: أحدها هذا: أن الشرط غير عامل، والثاني: أنه عامل، والثالث: أن البيع فاسد إذا كان الدين حالا؛ لأنه إذا اشترط ترك المقاصة، فكأنه شرط أن يؤخره بالدين فيدخله البيع والسلف.
فإذا قلنا: إن البيع جائز والشرط عامل فيلزمه أن يؤخره قدر ما يرى؛ لأن قوله: لا أقاصك، بمنزلة قوله: أؤخرك، إذ لا يكون له أن يترك مقاصته ثم يطالبه برده إليه في الحين، كالذي يسلف الرجل سلفا حالا ثم يطالبه بأدائه في الوقت.
وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب النذور، وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجل دين فقضاه إياه فأقام شهرا ثم جاءه يتقاضاه

مسألة وسئل: عن رجل كان له على رجل دين فقضاه إياه وأشهد على ذلك شاهدين، فأقام شهرا ثم جاءه يتقاضاه

الدين، فقال له: قد قضيتك وأشهدت عليك بذلك فلانا وفلانا، فقال: ما قضيتنيه، فقال له: أتحلف وأعطيكه؟ فقال له: نعم أحلف، فحلف فقضا إياه.
فلما حلف أراد أن يأتي عليه بالشاهدين، أترى ذلك له عليه بعد يمينه ورضاه بها؟ قال: نعم، فليأت بهما.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب ابن المواز من رواية ابن عبد الحكم عن مالك، وفي الثمانية من قول مطرف وابن الماجشون.
وزاد ابن الماجشون: أنه أثم حين ألجأه إلى اليمين بالباطل وبينته حاضرة يعلمها.
وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون خلاف قولهما في الثمانية مثل ما في المدونة: أنه لا قيام له إذا استحلفه وهو عالم ببينته تاركا لها.
وجه هذا القول: أنه قد رضي بيمين صاحبه وإسقاط بينته فيلزمه ما رضي به؟ ووجه القول الآخر: أنه يقول لم أرض بيمينه وإسقاط بينتي، وإنما قلت له، وأنا أظن به أنه لا يجترئ على اليمين بالباطل، ولو علمت أنه يجترئ على اليمين لما مكنته منها، فلا يدخل هذا الاختلاف في الصلح.
وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم أخذ يشرب خمرا، وبالله التوفيق.

مسألة: النساج يفلس فيخرج الغزل فيقول هذا لفلان

مسألة وسئل: عن النساج يفلس أو الصائغ، فيخرج النساج الغزل فيقول هذا لفلان، أو يخرج الصائغ السبيكة فيقول هذه لفلان، فقال: لا، إلا أن يأتي صاحب الحلي بشبهة بشاهد.
قيل: إنما أعطاه حليا فجاءه بسبيكة فقال هذه لفلان وهذه لفلان، فقال: ليس هو في ذلك بمصدق، يقال له أفسدت أمانتك، ولعلك أن تكون تخص صديقك أو تواتي هذا ليرد عليك، فلا أرى ذلك له عليه.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، ومضى القول فيها أيضا مستوفى في رسم الشجرة تطعم بطنين من سماع ابن القاسم من كتابه تضمين الصناع، وبالله التوفيق.

###: أعطى الابن الغرماء ما نض من مال الميت وصالحهم في الباقي

ومن كتاب البيوع وسئل: عمن توفي وترك عليه مائتي دينار دينا وستين دينارا، وترك من العين مائتي دينار بيع فيها متاعه وما كان له، فقال ابن الميت: أنا أدفع إليكم ما نض وأتحمل لكم بنصف ما بقي وتحللوا أبي من نصفه.
فقال: ما يعجبني هذا ولا أحبه، وإنما يجوز هذا بأن يقر مال أبيه بيده ويتحمل بدينه كله، يكبر الصغير وينمو ويصلح ما في يده، ولا يكون ما فضل له ولكن يكون للورثة معه، فهذا الذي يصلح ويجوز.
فأما أن ينض المال ويبيع المتاع ويصير عينا فيدفعه إليهم ويصالحهم فيما فضل على أن يتحمل لهم بالنصف ويوضع عن أبيه النصف فلا يعجبني هذا.
قلت: أرأيت إن أسلم له كل شيء وتحمل به، ثم جاء بعد هذا الدين دين آخر، فقال الغريم الذي طرأ: أنا أغرمك أيضا قد تحملت عن أبيك، وقال هو: إنما تحملت بهذا الدين الذي قد علمت.
فقال: أرى ذلك لازما له أن يغرم لهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أنه إذا أعطى الابن الغرماء ما نض من مال الميت وصالحهم في الباقي على أن يتحمل لهم بنصفه ويضعوا عن أبيه النصف لم يجز.
ووجه الكراهة في ذلك أنه إن جاء غريم آخر لم يعلم به كان له أن يدخل على الغرماء فيما قبضوه فيحاصهم

في ذلك بجميع دينه إذ لم يضعوا عن الميت منه شيئا، ولا يكون لهم أن يضربوا معه بجميع دينهم إذ قد وضعوا عن الميت نصف ما كان بقي من حقوقهم، فيكون من حجتهم حينئذ أن يقولوا: لو علمنا أنه يطرأ علينا من يدخل معنا فيما صار إلينا ويحاصنا فيه بجميع دينه لم نرض أن نحط عن الميت شيئا لما في ذلك من انتقاص حقوقنا، فكان في هذا قولا وحجة، فإذا لم تلزمهم الوضيعة لم يلزم الابن الضمان وانتقض الصلح.
ويجوز أن يضمن الابن جميع دين أبيه أو نصفه أو ثلاثة أرباعه على أن يقر المال بيده عرضا كان أو عينا، وعلى أن يدفعه إليهم أيضا إذا لم يشترط عليهم وضيعة شيء مما بقي من حقوقهم للعلة التي ذكرناها من طرو غريم لم يعلم به، فلا دليل في قوله: وإنما يجوز هذا بأن يقر مال أبيه بيده ويتحمل بدينه كله فيكبر الصغير وينمو ويصلح ما في يده، على أنه لا يجوز أن يتحمل بالبعض، ولا على أنه لا يجوز إذا دفع إليهم ما اجتمع في تركة الميت أن يتحمل بالباقي في كله أو بما شاء منه إذا لم يشترط عليهم وضيعة شيء من حقوقهم.
وقد مضى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم وجه جواز دفع مال الميت إلى ابنه بشرط ضمان ديون غرمائه فلا معنى لإعادته.
وإذا دفع إليه مال أبيه على أن يضمن للغرماء حقوقهم فطرأ غريم لم يعلم به لزمه ضمان دينه، ولو اشترط ألا يضمن دين من طرأ لم يجز إذا كان الضمان على أن أسلم إليه مال الميت، ولو لم يسلم إليه مال الميت ودفع إلى الغرماء لكان له أن يضمن لهم أو لمن شاء منهم دون من يطرأ؛ لأنه متطوع بالضمان، وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجل دين حال فقال له عجل لي سبعين دينارا ولك تأخير غيره

مسألة وسئل: عمن كان له على رجل دين حال، فقال له: عجل لي

سبعين دينارا ولك تأخير غيره إلى خمسة أشهر، فجاءه فكتب عليه وأخذ السبعين، ثم قال: إني أراك أحب إليك لو وضعت عنك وعجلتني، فقال: إي والله ولكن لم أطمع بذلك، فقال: فأنا أفعل فانقدني مالي.
قال مالك: بعدما وجب ذلك وكتبه لا يصلح ذلك، فإن كان ذلك عند المراوضة قبل وجوب ذلك فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان بعد وجوبه ووقوعه فلا خير فيه، ولكن أي شيء أعطاه في تلك الذهب؟ فقيل: طعام، فقال: لو أخذ منه ثيابا أو دواب ولا يضع له بعضا ويأخذ بعضا يتعجله وإن كان ثمن ذلك الثياب والدواب أقل مما اشتراها به، ولا يأخذ منه طعاما ولا إداما وإن كانت حالة.
قيل: له أرأيت إن أخذ من صنف طعامه أقل منه؟ فقال: لا يأخذه، يدخلون في الأمور حتى يغيروها عن حالها التي كانت عليها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أنه إذا أخذه ببعض ما كان له عليه من الدنانير فلا يجوز له بعد ثبوت التأخير أن يضع عنه منه على أن يعجل له، ويجوز له إن كانت الدنانير التي أخره بها من ثمن الطعام أن يأخذ منه بها قبل محل الأجل ثيابا أو دواب قيمتها أقل مما كان له عليه، ولا يجوز له أن يأخذ منه طعاما مخالفا للطعام الذي باعه ولا أفضل ولا أكثر عددا.
واختلف: هل يجوز له أن يأخذ أقل من كيل طعامه أو أدنى في الصفة، فلم يجز ذلك في هذه الرواية، وأجازه في غيرها، وبالله التوفيق.

مسألة: ادعى على الرجل مائة دينار فصالحه منها على خمسين إلى أجل

مسألة وسئل: عن رجل له على رجل عشرة دنانير فجحده إياها فأتى عليه بشاهد واحد، فقيل له: احلف مع شاهدك وخذ حقك، فكره اليمين وخلا بغريمه، فقال له: إني قد علمت أنك لم يدعك

أن تجحدني إلا العشرة فاطرح عني اليمين وأنا أكتبها عليك إلى سنة، فقال: ما هذا بحسن، أرأيت لو قال أعطيك قرضا؟ قال محمد بن رشد: قول مالك هذا إنه لا يجوز له أن يطرح عنه اليمين على أن يؤخره بالعشرة دنانير هو على أصله في المدونة، بدليل قوله في كتاب الصلح منها: إن الرجل إذا ادعى على الرجل مائة دينار فصالحه منها على خمسين إلى أجل إن ذلك جائز إذا كان مقرا؛ لأن العلة في أن ذلك لا يجوز عنده إذا كان منكرا إسقاط اليمين عنه على أن يؤخره، إذ من حق المدعي عليه أن ينكل عن اليمين فيردها على المدعي فيكون إنما أخره ليسقط عنه اليمين، خلاف قول ابن القاسم إن ذلك جائز وإن كان منكرا.
وقوله أظهر؛ لأن الأيمان إنما هي شرع تعبد الناس بالحكم بها في الظاهر وهي غير واجبة في الباطن، إذ لو كشف لنا عن حقيقة الأمر لم تكن ثم أيمان، فالمدعي يعلم إذا كان محقا أنه لا يمين عليه وأن تحليف المدعى عليه إياه بصرف اليمين عليه ظلم له، فلم يسقط عن نفسه بالتأخير شيئا واجبا عليه.
فالذي أقول به في هذه المسألة: إن تأخير الحق عنه على أن يسقط عنه اليمين جائز إن كان المدعى عليه يعلم وجوب الحق عليه، وغير جائز إن كان يشك في ذلك؛ لأن من حقه أن يحلفه إذا كان يشك فيما يدعيه قبله، ولا يحل له ذلك إذا علم أن الحق قبله.
ووقع في سماع أشهب من كتاب الحمالة والحوالة مسألة، قال فيها بعض الشيوخ: إنها معارضة لرواية أشهب هذه، وهي أنه سئل: عمن كانت له على رجل مائة درهم فسأله أن ينظره ويتحمل له بها حميل، فقال: لا بأس بذلك.
ولا تعارض عندي بين المسألتين؛ لأن المعنى فيهما مختلف.
ووجه جواز تأخيره لحقه على أن يتحمل له به حميل: هو أنه لو شاء أخذ منه حقه معجلا، فإذا أخره به على أن يتحمل له به حميل فهو بمنزلة ما لو أسلفه إياه ابتداء على أن يأخذ منه به حميلا.
ولو كان معسرا إن قام عليه لم يجد عنده إلا بعض حقه لما جاز أن يؤخره بالجميع على أن يعطيه به حميلا، والله الموفق.

###: يوصي فيقول لي عند فلان كذا وكذا

ومن كتاب الوصايا وسمعته يسأل عن الرجل يوصي فيقول لي عند فلان كذا وكذا، فقال: يحلف المدعى عليه، وإن أبى أن يحلف غرم.
قيل له: أيحلف من غير مخالطة؟ قال: ليس في هذا مخالطة ولا شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المدعى عليه يحلف من غير مخالطة صحيح؛ لأن الورثة لا يعلمون من يشهد لهم بالخلطة.
وهذه المسألة هي إحدى المسائل الخمس التي يجب اليمين فيها دون خلطة، وقد مضى القول فيها في سماع أصبغ من كتاب الأقضية.
وسواء ادعى الورثة معرفة الدين قبله أو قالوا لا ندري إلا ما ادعاه موروثتا.
وأما قوله: وإن أبى أن يحلف أغرم، فمعناه: بعد أيمان الورثة إن ادعوا معرفة الدين قبله، وبالله التوفيق.

###: بيع الورثة للتركة إذا لم يعلموا بالدين

ومن البيوع الأول وسئل مالك: عمن توفي وترك مالا قيمته ألفا دينار وترك مائتي دينار دينا عليه، وقام بعض الورثة فباع بعض الأموال لنفسه وقال فيما بقي وفاء لما عليه من الدين، قال: لا يجوز ذلك البيع ويفسخ، ولا ميراث لأحد حتى يقضى الدين، ولعل تلك الأموال ستهلك، فأرى هذا البيع مردودا لقول الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] ولعل تلك الأموال ستهلك قبل أن تباع ويقضى الدين، وما يقال إنه يبلغ ألف دينار لا يباع إلا بمائة.
قلت: أرأيت إن استقام ذلك وجاء الأمر على العافية أيجوز ذلك البيع؟ فقال: لا أرى ذلك يجوز وأرى أن يرد.
قال محمد بن رشد: رواية أشهب هذه أن البيع لا يجوز ويفسخ

وإن كان بإذن جميع الورثة من أجل الدين لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، خلاف ما مضى في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم من أن مصالحة الورثة المرأة قبل تأدية الدين جائزة، وخلاف ما في كتاب المديان من المدونة في أن بيع الورثة للتركة إذا لم يعلموا بالدين جائزة.
فالبيع والقسمة في شيء من التركة قبل تأدية الدين على رواية أشهب هذه مفسوخ لمطابقة النهي له بمخالفة أمر الله فيه لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] لا خيار للغرماء في إجازته، وذلك جائز على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إذا وفوا الدين من أموالهم أو من بقية التركة.
وعلى هذا يأتي قول مالك في الذي يحلف بعتق رقيقه ليقضين غريمه إلى شهر فيمنع من بيع رقيقه حتى يقضي أنه إن باع منهم وقضى الحق من ثمنهم قبل الأجل لسلم من الحنث، واضطرب قول ابن القاسم في انتقاض القسمة إذا كانوا قد قسموا جميع التركة ثم طرأ دين فأبوا أن يخرجوه من أموالهم، وفي هذا تفصيل قد ذكرته في غير هذا الكتاب، وهو كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لفلان عشرة دنانيرمن مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر

مسألة وسئل: عمن أوصى لرجل بمائة درهم أعطوه إياها وخذوا منها خمسة دنانير لي عليه، فقال الموصى له: ما له علي شيء، فأطرق فيها، ثم قال: ما أراه أعطاه المائة درهم إلا على هذا، فلينظر فإذا كان في المائة درهم فضل عن الخمسة دنانير أعطيه الموصى له في رأيي، وإن كانت الخمسة دنانير أكثر من المائة درهم أحلف فيما فضل في رأيي، فإن لم يحلف غرمها.
قيل له: يحلف وإن لم تكن بينهما مخالطة؟ فقال: وإن لم تكن بينهما، مخالطة، ليست المخالطة هنا شيئا.
ومن سماع عيسى

بن دينار في كتاب بع ولا نقصان عليك قال: وقال مالك في الذي يقول عند الموت لفلان عندي عشرة دنانير ولي عنده خمسة دنانير فأنكر الذي أقر له بالعشرة أن تكون عليه الخمسة، قال: يأخذ العشرة وعلى الورثة البينة في الخمسة أنها عليه.
قيل: فلو قال لفلان عشرة دنانير من مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر؟ قال: لا يكون له إلا الخمسة؛ لأنه لم يوص إلا بالخمسة حين قال ولي عليه خمسة، قال: وقال مالك كذلك.
قال محمد بن رشد: الفرق بين أن يوصي له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة وبين أن يقر له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة بين لا إشكال فيه.
وقد مضى القول في إيجاب اليمين عليه دون خلطة فيما أوصى أن له عنده وفي نكوله عن اليمين في رسم الوصايا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه

ومن كتاب أوله مساجد القبائل قال أشهب: سألت مالكا: عن الرجل يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه، فقال: لا يشتري من العبد إلا أن يكون عبدا يشتري ويبيع، فإن كان عبدا لا يشتري ولا يبيع فلا يشتري منه إلا بإذن أهله ولا يصدقه بقوله قد أذن لي أهلي حتى يسألهم عن ذلك أو يرده عليه ولا يشتريه، وربما باع العبد ثيابه فليرده عليه ولا يشتريه وعسى بأهله أن يكونوا عبيدا.
قال محمد بن رشد: في سماع أشهب من كتاب الضحايا أنه يصدق العبد الفصيح الذي مثله يؤتمن فيما ادعى من أن ذلك له وأنه أذن

له في البيع، فيحتمل أن تفسر بذلك رواية أشهب هذه، فإن حملت على ظاهرها فذلك على التورع لا على ما يلزم ويجوز بدليل ما روي من أن عبد الله بن عمر مر في بعض أسفاره على راع يرعى على رأس جبل فاشترى منه شاة ضحى بها ولم يسأله عن شيء، وبالله التوفيق.

###: اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح فقال إنما أردت أن أولجها إليها

ومن كتاب الوصايا الصغير قال أشهب: وسمعته يسأل عمن اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح، فقال: إنما أردت أن أولجها إليها أتراها تلزمه؟ قال: نعم تلزمه، أقر لها وهو مريض وينكرها وهو صحيح.
وسئل عنها سحنون فقال مثله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الإقرار في المرض يلزمه إذا صح، ولا اختلاف في هذا ولا كلام، وإنما الكلام إذا أقر أحد الزوجين في مرضه ثم مات من مرضه ذلك قبل أن يصح منه، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: أقرت بقبض المهر وأقر الزوج بأنه لم يدفعه فطلبت المرأة مهرها

مسألة قيل لسحنون: فلو أن امرأة قالت في مرضها إني قبضت مهري من زوجي، ثم إن زوجها مرض، فقال: إني لم أدفع إلى امرأتي مهرها فمات الزوج وبقيت المرأة.
وكيف إن لم يمت الزوج وقامت المرأة تطلب مهرها وتزعم أن قولها في مرضها كان محاباة له، وتقول: قد أقر لي زوجي ولم يستحل ما قلت، وقال الزوج: بل كان الكلام الذي تكلمت به في مرضي محاباة لك، فكل واحد منهما يكذب صاحبه.
قال سحنون: يلزمها إذا صحت، فإن مات الزوج وأراد ورثته أن يلزموها ذلك كان ذلك

لهم، وإن تمادى بالزوجة المرض حتى مات الزوج ثم ماتت بعده فالإقرار يلزمها.
قال محمد بن رشد: إذا أقرت المرأة في مرضها أنها قد قبضت مهرها من زوجها ثم مرض هو فأقر أنه لم يدفع إليها مهرها، ثم قامت المرأة تطلب مهرها، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون طالبة له وهي مريضة لم تصح بعد من مرضها؛ والثاني: أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها؛ والثالث: أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها.
وكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تقوم عليه وهو مريض لم يصح بعد من مرضه.
والثاني: أن تقوم على ورثته بعد أن مات من مرضه، والثالث: أن تقوم عليه بعد صحته.
فأما الوجه الأول: وهو أن تقوم عليه وهي مريضة فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان قد مات من مرضه لم يكن لها شيء.
وأما الوجه الثاني: وهو أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد مات لم يكن لها شيء، وإن كان قد صح من مرضه كان لها صداقها.
وأما الوجه الثالث: وهو أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان هو قد مات من مرضه ذلك نظرت فإن كانت ماتت قبله كان لها صداقها، وإن مات قبلها فقيل: إن الإقرار يلزمها ولا يكون لها شيء، وهو قول سحنون في هذه الرواية وروي مثله عن مالك، وقيل: إن الإقرار لا يلزمها ويكون لها صداقها، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وبالله التوفيق.

###: والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من زرع يتيمه

ومن كتاب الوصايا والحج والزكاة وسمعته يسأل عن والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من

زرع يتيمه أو غير ذلك، فقال: أرجو ألا يكون بذلك بأس يرجو بركة ذلك لليتيم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح، ومعناه: في اليسير الذي جرت العادة بالمسامحة فيه.
والأصل في جواز ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] فإذا جاز للوصي أن يأكل بالمعروف من مال يتيمه كان أحرى أن تجوز له به الصدقة عن اليتيم لما يرجوه له في ذلك من الأجر والثواب، وبالله التوفيق.

مسألة: المولى عليه يدان ثم يموت

مسألة وسمعته سئل: عن المولى عليه يدان ثم يموت، فقال: لا يقضى دينه ولا يكون في ماله، وهو في موته مثله في حياته، إلا أن يوصي به بثلثه فذلك له إذا أمره به وقد بلغ الوصية.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن الدين يكون في ثلثه إذا أقر به في مرضه أو في صحته، ولم يختلف أنه إن أوصى به في ثلثه جاز ولزم ذلك على جهة الوصية إلا ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ أن ذلك جائز ما لم يكثر، والصحيح أنه لا يكون في ثلثه إلا أن يوصي بذلك، فإن أوصى به كان ذلك في ثلثه قل أو كثر، وبالله التوفيق.

مسألة: السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته

مسألة وسمعته يسأل فقيل له: إن ابني تزوج امرأة ولم يوامرني وهو يريد الذهاب معها ويتركني وأنا شيخ كبير لا أقدر على نزع الشوكة من رجلي حتى تنزع عني، فقال: إن كان ابنك قد بلغ وهو

يلي نفسه وليس بسفيه ولا ضعيف العقل فذلك جائز، وإن كان لا يلي نفسه وهو سفيه مأخوذ على يديه فليس ذلك له، فقال الرجل: أله أن يخرج عني ويدعني؟ فقال: نعم ذلك له إن كان غير سفيه وهو رجل يسافر ويخرج إلى العراق، فإذا كان قد بلغ ولم يكن سفيها ولا مأخوذا على يديه فذلك له، وإن كان سفيها أو ضعيفا يخاف عليه فليس له ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن المالك لأمر نفسه له أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه أن يمنعه من ذلك، وأما السفيه الذي لا يملك ماله ويخشى منه أبوه أو وليه السفه في ذاته والفجور بانفراده فله أن يضمه إلى نفسه ويمنعه من السفر والمغيب عنه.
واختلف في السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته، فقيل: إن للوالي أن يضمه إليه ويمنعه من الذهاب والسفر حيث شاء، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقيل: ليس ذلك له، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح من المدونة إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء على ما تأوله عليه ابن أبي زيد من قوله، يريد بنفسه لا بماله، وبالله التوفيق.

###: أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه

ومن كتاب الأقضية الأول وسئل مالك: عن رجل أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه، فلما تقاضاه إياها قال دفعتها إلى الصراف حسبته لك وكيلا.
فقال: ما شأنه وشأن الصراف، ذلك عليه.
قيل: أترى أن يحلف له الصراف إن جحده؟ فقال: ذلك يختلف، إن كان متهما رأيت أن يحلف هذه شبهة، وإن لم يكن متهما لم أر أن يحلف.
قال سحنون: وقال ابن نافع: ويحلف له الصراف على كل حال.

قال الإمام القاضي: قول ابن نافع هو الصحيح في النظر الجاري على الأصول.
وأما تفرقة مالك بين المتهم في ذلك فهو استحسان على غير حقيقة القياس، وإنما يرجع الأمر في ذلك إلى اعتبار الخلطة، فإذا قلت إنها قد حصلت بينه وبين الصراف بقبض الدراهم عنده وجبت له عليه اليمين وهو قول ابن نافع، وإن قلت: إنها ليست بخلطة فلا يحلف في وجه القياس كان متهما أو لم يكن، وبالله التوفيق.

مسألة: تصدق بمال له وقام الغرماء عليه فلم يجدوا غير ذلك الذي تصدق به

مسألة وسئل: عن رجل تصدق بمال له أو أعتق عبدا له ثم مكث حينا ثم إن الغرماء قاموا عليه فلم يجدوا له شيئا غير ذلك الذي تصدق به أو العبد الذي أعتق، كيف يفعل به؟ قال مالك: أما الصدقة فإن جاء الغرماء بالبينة أنه تصدق بها يوم تصدق وهو لا وفاء عنده فيما يرون ردت الصدقة ولم تجز وإلا جازت، وأما العبد فلا يرد عتقه؛ لأن شهادته قد جازت وتمت حرمته وصار حرا جرت عليه الحدود وله.
قال ابن القاسم في الصدقة: إذا لم يعلموا بالصدقة وأقاموا البينة على أنه لم يكن له وفاء يوم تصدق به ردوا منها قدر حقوقهم وكان ما بقي لمن تصدق به عليه، وإن علموا كانت الصدقة جائزة لمن تصدق بها عليه ولم يرد منها شيئا.
قال محمد بن رشد: الذي يعرف من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن العبد يرد عتقه أيضا إذا أعتقه وهو مستغرق الذمة بغير علم الغرماء كالصدقة سواء، ورواية أشهب هذه أن العتق لا يرد لحرمته وجواز شهادته استحسان، ومعناه: إذا طالت المدة، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز إن العتق لا يرد علم الغرماء به أو لم يعلموا إذا طال ذلك وولد له الأولاد.
والوجه في ذلك: أن المدة إذا طالت احتمل أن يكون الغريم قد أفاد فيها مالا ثم ذهب ولم يعرف، فلم ير أن يرد العتق الذي قد تمت حرمته إلا بيقين، وهو أن يقوم الغرماء بعقب العتق.
وقد تأول أن قول ابن

القاسم ليس بخلاف لهذه الرواية، ومعناه: إذا قام الغرماء بعقب العتق، ومعنى هذه الرواية إذا قاموا بعد المدة الطويلة، فتتفق الروايتان على هذا التأويل.
والأظهر أنه اختلاف من القول إذا طالت المدة، فوجه القول في أن العتق يرد أنه عتق عداء، إذ لا يجوز لمن عليه دين أن يتلف ماله بالعتق كما لا يجوز أن يتلفه بالصدقة، فوجب أن يرد العتق كما ترد الصدقة.
ووجه القول بأنه لا يرد أن دين الغرماء إنما هو في ذمة السيد لا في عين العبد، إذ لو تلف العبد لم يبطل الدين، فوجب أن ينفذ العتق لحرمته، إذ لا يبطل الدين بعتقه؛ لأنه باق في الذمة، وبالله التوفيق.

مسألة: رهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل

مسألة وسئل مالك: عن رجل باع سلعة بدين من رجل إلى أجل، فرهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل والسلعة قائمة عند مرتهنها.
قال مالك: بائعها بالخيار إن شاء افْتَكَّهَا من مرتهنها بما رهنت عنده ويحاص الغرماء بما افتداها به كان ذلك له، وإن أحب أن يسلمها ويحاص الغرماء بثمنها كان ذلك له.
فإن افتداها من المرتهن كان الغرماء بالخيار، إن شاءوا دفعوها إليه، وإن شاءوا أعطوه ثمنها؛ فإن أعطوه ثمنها وتركها حاص في جميع ذلك بما افتداها به، ولا يحاص بثمنها إلا في إسلامها للمرتهن وتركها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها.
وقد قيل: إنه لا يضرب بما افتك به الرهن كافتكاك رقبة العبد الجاني إذا كان قد باعه وجنى وفلس المشتري قبل أن يفتكه، وهو بعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: يشتري بالدين في عطائه فيكتب ذلك في ديوانه فيخرج له نصف العطاء

مسألة وسئل: عن الرجل يشتري من الرجل بالدين في عطائه أو

إلى أول عطاء يخرج له، فيكتب ذلك في ديوانه، فيخرج له نصف العطاء، أيحل حقه كله عليه؟ قال: إن أمثل ذلك عندي لو أخذ منه ما خرج من عطائه فقط.
وسئل: عن الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة، أيؤخذ ذلك من ماله؟ قال: لا أرى ذلك.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية من هذا السماع، فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد.

###: كتاب المديان والتفليس الثاني

مسألة: يحبس في الدين ولا مال له

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، قال: ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور، وإنما يسأل القاضي عنه أهل الخبرة به والمعرفة، فإن لم يجد له مالا أحلفه وخلى سبيله.
قال القاضي: قوله وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، معناه: ولا مال له في ظاهر أمره، إذ لو عرف أنه لا مال له لم يجب سجنه لقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. وقوله: إنه ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، ومعناه: أنه ليس ذلك عليه حتى لا يجزئه دونه، إذ له أن يجتزئ في ذلك بأن يسأل عنه أهل الخبرة والمعرفة.
وإذا لم يكن ذلك عليه فليس له أن يفعله ويترك السؤال عنه، وإن فعل ذلك مضى.
وهذا في المجهول الحال الذي لا يتهم

بتغييب ماله فيحبس حبس تلوم واختبار.
وأما من حبس للتهمة بأنه غيب ماله فلا يجوز للقاضي أن يكتفي بالسؤال عنه دون أن يكلفه البينة على عدمه.
وصفة الشهادة على العدم أن يقول الشاهد إنه يعرفه فقيرا عديما لا يعلم له مالا ظاهرا ولا باطنا.
واختلف إن شهد أنه فقير عديم لا مال له ظاهرا ولا باطنا، فقيل: إنها شهادة لا تجوز؛ لأنها تحمل على ظاهرها من البتات.
وقيل: إنها جائزة؛ لأنها تحمل على العلم.
وأما إن نص في شهادته على البت والقطع فلا تجوز شهادته قولا واحدا.
فقوله في هذه الرواية: والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور صحيح لا اختلاف فيه إن كان نص في شهادته على البت والقطع، وإن كان لم ينص على ذلك فيها وإنما قال إنه لا مال له ولم يزد على ذلك فهو أعدل، على أحد القولين.
وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الشهادات التكلم على هذا المعنى في نظير هذه المسألة، فتأمل ذلك وقابله بقولي هاهنا فإن بعضه مبين لبعض، وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجلين دين فأخذ أحدهما فحبسه في حقه

مسألة وسئل: عن رجل له على رجلين دين كتب عليهما وأيهما شاء أخذ بحقه، فأخذ أحدهما فحبسه في حقه، فأراد المحبوس أن يحبس الذي أبى صاحب الحق أن يحبسه.
قال ذلك له إذا كان له مال أو يخاف أن يكون قد خبأ مالا، فذلك له يعمل به مثل ما يعمل صاحب الدين بالذي عليه الحق.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه ضامن لنصف الحق عنه، فإذا سجن فيه كان له هو أن يسجن الذي ضمن عنه لما يجب له من الرجوع عليه فيما سجن فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجلين حق فسأله رجل عن حقه فقال ما لي عليهما شيء

مسألة وعن رجل له على رجلين حق وأيهما شاء أخذ بحقه، فسأله رجل عن حقه، فقال: ما لي عليهما شيء، ثم ادعى كل واحد منهما أنه قد دفع إليه ذلك الحق، وأقر صاحب الحق أنه قد قبضه من أحدهما، فقال: أراه شاهدا للذي زعم أنه دفع إليه؛ لأنه لم تبق لصاحب الحق تهمة يجر بها إلى نفسه شيئا، فأراها شهادة قاطعة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه شاهد لأحدهما على الآخر بما لا منفعة له فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود

مسألة وسئل: عن رجل ادعى على رجل مائة دينار وأقر بها الذي ادعيت قبله وأنه قد أوصلها إليه، فأقام شهيدين يشهدان أنه أقر أنه أوصل إليه خمسين دينارا وأقام عليه شهيدين آخرين أنه أوصله خمسين دينارا، وقال الذي له الحق: إنما هي خمسون دينارا ولكني أشهدت له شهودا بعد شهود، أفتراها مائة أم خمسين؟ قال: أراها خمسين؛ لأن الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود، فأراها خمسين إلا أن يكون كتب له براءتين، فإن هذا مما يستدل أنه أمران مختلفان وإلا فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله أراها خمسين، يريد مع يمين الذي له الحق أنها خمسون واحدة.
وفي رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب

الشهادات خلاف هذا أن القول قول الذي عليه الحق.
وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك

مسألة وعن رجل ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك ولا كانت بيني وبينك خلطة قط، ثم ادعى بعد ذلك المدعى عليه قبل المدعي بحق وأتى عليه ببينة، هل تنفعه بينته وهو قد أنكر خلطته، فقال: لا أرى أن تنفعه بينته ولا تجوز شهادتهم إلا أن تكون بعد ذلك خلطة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة جارية على أصل مختلف فيه في المذهب قائم من المدونة من كتاب اللعان وغيره.
وقوله في آخر المسألة: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة - لفظ وقع على غير تحصيل، إذ لا تعتبر الخلطة مع قيام البينة.
فإذا أقام البينة بحق له عليه من معاملة قديمة قبل إنكاره أن تكون بينه وبينه خلطة لم ينتفع بها، وإن أقام البينة بحق له عليه من معاملة حديثة بعد إنكاره أن يكون بينه وبينه خلطة قضي له بها وإن لم يكن بينهما بعد ذلك خلطة.
وإن قالت البينة لا تدري هل كانت المعاملة قبل الإقرار أو بعده فالقول قول الطالب مع يمينه أنها بعد الإقرار.
وإنما تعتبر الخلطة مع مجرد الدعوى.
فقوله: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة إنما يصح إن ادعى قبله دعوى لم يقم عليها بينة من معاملة حديثة بعد أن أنكر خلطته؛ لأنه إن كانت بينهما بعد ذلك خلطة لحقته اليمين، وإن لم تكن بينهما خلطة لم تلحقه، وبالله التوفيق.

###: أكراه الدار بستة دنانير فنقده ثلاثة وبقي عليه ثلاثة ففلس المكتري

ومن كتاب استأذن سيده وسألته: عن الذي يكتري الدار سنة بستة دنانير فينقده ثلاثة

دنانير ويبقى عليه] ثلاثة، فلما سكن ستة أشهر فلس المكتري.
قال: يخير صاحب الدار، فإن شاء ترك الدار لتمام السنة وحاص الغرماء بثلاثة دنانير في مال المفلس، فإن أبى إلا أن يأخذ داره رد نصف الثلاثة التي قبض وقبض داره وحاص الغرماء بما زاد في مال المفلس؛ لأن الثلاثة التي قبض كانت كراء لما سكن ولما بقي، فلما كانت كراء لما سكن ولما بقي، قيل له: رد ما كان كراء لما بقي من السنة وتأخذ دارك وتحاص الغرماء بنصف كراء ما سكن؛ لأنه قد صار لك عديما بذلك، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه دينارا ونصفا تمام كراء الستة الأشهر التي بقيت ويأخذوا الدار إلى السنة فيكون ذلك لهم إذا أعطوه دينارا ونصفا؛ لأنه لو أخذ داره كان عليه أن يرد عليهم دينارا ونصفا، فإذا أقروا ذلك في يده وأعطوه دينارا ونصفا فذلك تمام ثلاثة دنانير كراء الستة أشهر التي بقيت، فيكونون أولى بالدار ويحاص بدينار ونصف صاحب الدار في مال المفلس، وذلك تمام ستة دنانير.
وكذلك أيضا العمل في البز وفي جميع الأشياء إذا اشترى رجل عدلين ففلس المشتري فلم يوجد عنده إلا عدلا واحدا وقد قبض البائع نصف الثمن كان العمل فيه على ما فسرت لك في كراء الدور وفي كل شيء كذلك العمل فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على مذهب ابن القاسم

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: يقر لامرأته بالدين تكون قد أسلفته إياه فيما بينها وبينه ويقول قد قضيتك إياهمسألة: له على رجل دين بغير بينةمسألة: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلهامسألة: مات وعليه دين يحيط بمالهمسألة: يجبر على أخذها عند الموت والفلسمسألة: الشهادة على خط المقركالشهادة على إقرارهمسألة: الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يديلها تحتهم فيفلسمسألة: جحد رجلا حقا له فأراد صاحب الحق أن يستحلفهمسألة: يحلف مع شاهده إنه عجوةمسألة: يكتب في ذكرحق ومن قام بذكر الحق اقتضاه به ثم يجيء به رجلمسألة: بايعه بشرط ألا يقاصهمسألة: له على رجل دين فقضاه إياه فأقام شهرا ثم جاءه يتقاضاهمسألة: النساج يفلس فيخرج الغزل فيقول هذا لفلانمسألة: له على رجل دين حال فقال له عجل لي سبعين دينارا ولك تأخير غيرهمسألة: ادعى على الرجل مائة دينار فصالحه منها على خمسين إلى أجلمسألة: قال لفلان عشرة دنانيرمن مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكرمسألة: أقرت بقبض المهر وأقر الزوج بأنه لم يدفعه فطلبت المرأة مهرهامسألة: المولى عليه يدان ثم يموتمسألة: السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاتهمسألة: تصدق بمال له وقام الغرماء عليه فلم يجدوا غير ذلك الذي تصدق بهمسألة: رهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجلمسألة: يشتري بالدين في عطائه فيكتب ذلك في ديوانه فيخرج له نصف العطاءمسألة: يحبس في الدين ولا مال لهمسألة: له على رجلين دين فأخذ أحدهما فحبسه في حقهمسألة: له على رجلين حق فسأله رجل عن حقه فقال ما لي عليهما شيءمسألة: الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهودمسألة: ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل