كتاب الوضوء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مريض لم يجد لذة النساء يلمس امرأته ولم يجد له لذة أترى عليه وضوءا
مسألة وسئل عن مريض دنف لم يجد لذة النساء ولا انبساطا، أراد أن يجرب نفسه، فوضع يده على ذراع امرأته ينظر هل يحرك ذلك منه شيئا ولم يجد له لذة، أترى عليه وضوءا؟ قال: نعم، قد وجدها في قلبه حين وضعها لذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا ظاهر ما في المدونة أن اللمس مع القصد إلى اللذة يوجب الوضوء، وإن لم يلتذ، ووجه ذلك اتباع ظاهر القرآن في قوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] لم يشرط وجود لذة.
وقوله: قد وجدها في قلبه حين وضعها لذلك؛ لا معنى له؛ لأن اللذة إذا لم تكن كائنة عن اللمس وموجودة به، فلا اعتبار بها إلا على ما ذهب إليه ابن بكير من أن وجود اللذة مع التذكار دون لمس يوجب الوضوء، ويحتمل أن يكون أراد بقوله: قد وجدها بقلبه، أي قد أرادها وقصدها حين وضعها؛ فتستقيم الرواية على هذا التأويل.
وأما إن وجد اللذة بلمسه فلا اختلاف في المذهب أن الوضوء عليه واجب سواء قصدها أو لم يقصدها.
وأما إن لم يجدها بلمسه ولا قصدها به، فلا وضوء عليه باتفاق، وبالله التوفيق.
المتيمم يصيب رجله بول
ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب إلى أجل قال ابن القاسم من قول مالك في المتيمم يصيب رجله بول: إنه يمسحه بالتراب، قال ابن القاسم: ويعيد الصلاة في الوقت، مثل الرجل يصلي في الثوب الدنس، ولا يجد غيره؛ أنه يعيد في الوقت إن وجد الماء، ومثل المسافر يكون متوضئا ثم يصيب رجله رجيع
أو بول، ولا يجد ماء يغسله به أنه يمسحه بالتراب ثم يصلي، يريد أنه يعيد في الوقت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن مسح قدمه بالتراب لا يرفع حكم النجاسة عنه، وإن أزال عينها عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه، خلافا لأبي حنيفة وغيره في قوله: إن كل ما أزال العين رفع الحكم.
والوقت في هذا للظهر والعصر إلى الغروب، وللمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر، وللصبح إلى طلوع الشمس، قاله ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن المواز، وله فيه في المصلي بثوب نجس ناسيا أن الوقت في ذلك للظهر والعصر الاصفرار، وللصبح إلى الإسفار، فكأنه ذهب إلى التفرقة بين المسألتين.
ويحتمل أن يكون اختلافا من القول، فتأتي في المسألة ثلاثة أقوال على ما ذكرنا في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، ومعنى هذا في بول بني آدم الذي يتفق على نجاسته، وتنفك منه الطرق ولو أصاب رجله في مشيه بول الدواب، لم يجب عليه إعادة إذا مسحه وصله به على أحد قولي مالك في المدونة وغيرها.
ولو أصاب رجله بول بني آدم وهو غير متوضئ، وليس معه من الماء إلا قدر ما يتوضأ به لغسله وتيمم على ما حكاه ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك في المسافر يتوضأ، ويمسح على خفيه فتصيبهما نجاسة ولا ماء معه أنه يخلعهما ويتيمم، قال: لأنه قد أرخص في الصلاة بالتيمم ولم يرخص في الصلاة بالنجاسة، وفي ذلك نظر، فتدبره، وبالله التوفيق.
يسقى النحل العسل الذي وقعت فيه ميتة
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق قال: وقال مالك: لا بأس أن يسقى النحل العسل الذي وقعت فيه ميتة، قال ابن القاسم: ولا بأس أن يسقى البقر الإناث والغنم
الماء الذي وقعت فيه الميتة.
قيل لسحنون: فهل تكون أبوال الأنعام إذا شربت من ماء غير طاهر طاهرة؟ فقال: لا وهي نجس، وقال ابن نافع: لا يسقى بالماء النجس كل ما يؤكل لحمه، ولا يسقى به البقل إلا أن يغلى بعد ذلك بماء ليس بنجس.
قال محمد بن رشد: قول مالك: لا بأس أن يسقى النحل العسل الذي وقعت فيه ميتة، هو مثل ما في المدونة، يريد ويكون العسل طاهرا، وكذلك لبن الماشية التي تسقى الماء النجس، طاهر عند ابن القاسم بدليل تخصيصه الإناث في هذه الرواية بخلاف أبوالها، وسحنون يقول: إن ألبانها نجسة كأبوالها، وأشهب يرى ألبانها وأبوالها طاهرة.
وقول ابن القاسم في تفرقته بين البول واللبن هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب.
وأما قول ابن نافع: لا يسقى بالماء النجس كل ما يؤكل لحمه، فيحتمل أن يكون كره ذلك من أجل الاختلاف في نجاسة ألبانها، فقد كره ذلك أيضا مالك في رواية ابن وهب عنه لهذه العلة، والله أعلم؛ إذ لا بأس بأكل لحومها، وإن شربت ماء نجسا، فقد قال ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الضحايا في الجدي يرضع الخنزيرة: أحب إلي أن لا يذبح حتى يذهب ما في بطنه، ولو ذبح مكانه لم أر به بأسا.
ويحتمل أن يكون ابن نافع كره ذلك مخافة أن يذبحه من لا يعلم قبل أن يذهب ما في جوفه من ذلك الماء النجس على ما استحب ابن القاسم من أن لا يذبح الجدي إذا رضع الخنزيرة حتى يذهب ما في جوفه من أجل نجاسته، وما يلزمه من غسله والتوقي منه.
وأما قول ابن نافع: إن البقل لا يسقى بالماء النجس إلا أن يغلى بعد ذلك بماء ليس بنجس؛ فلا وجه له، إذ لو نجس بسقيه بالماء النجس لكانت ذاته نجسة، ولما طهر بتغليته بعد ذلك بماء طاهر، وبالله التوفيق.
مسألة: جس امرأته للذة ثم نسي فصلى ولم يتوضأ
مسألة قال ابن القاسم: من جس امرأته للذة، ثم نسي فصلى ولم يتوضأ؛ أنه يعيد في الوقت وبعد الوقت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الملامسة عند مالك وجميع أصحابه في قول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] ما دون الجماع، فإذا جس الرجل امرأته فالتذ؛ فقد انتقض وضوؤه عند مالك وجميع أصحابه، وإن لم يلتذ بذلك فعلى قولين، وقد مضى ذلك في رسم "أوصى"، وبالله التوفيق.
الرجل يستنجي بحجر واحد ثم يتوضأ فينسى أن يستنجي بالماء فيصلي ولم يذكر
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار وسئل عن الرجل يستنجي بحجر واحد، ثم يتوضأ فينسى أن يستنجي بالماء فيصلي ولم يذكر، فقال: إن كان أنقى فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يتوضأ بعد وضوئه ثم يخرج منه ريح فينتقض وضوؤه
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يتوضأ بعد وضوئه، ثم يخرج منه ريح فينتقض وضوؤه، هل ترى عليه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء؟ فقال: أحب إلي أن يغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، ولما سأله هاهنا عن غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، فقال: أحب إلي أن يغسل يده قبل أن
يدخلها في الإناء، دل على أن الاختيار عنده في الوضوء أن يدخل يده الواحدة في الإناء فيفرغ بها على الأخرى ويتوضأ، ولا يدخل يديه جميعا في الإناء، فيغرف بهما لوجهه ولسائر أعضاء وضوئه مثل ظاهر قوله في أول رسم "نَقَدَهَا نَقْدَها" من هذا السماع خلاف اختيار مالك، وقد بينا ذلك هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل ينسى شيئا من وضوئه فيذكر ذلك بحضرة الماء ولم يجف وضوؤه
مسألة قال مالك: إذا نسي الرجل شيئا من وضوئه، فذكر ذلك بحضرة الماء ولم يجف وضوؤه، غسل ذلك الشيء بعينه وأعاد ما بعده، وإذا ذكر ذلك، وقد تطاول ذلك أو جف وضوؤه غسل ذلك بعينه، واستأنف ما صلى إن كان ما نسي من الوضوء من وضوء الكتاب الذي ذكر الله في كتابه.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا ذكر ذلك بحضرة الوضوء غسل ذلك الشيء بعينه وأعاد ما بعده، ولم يفرق ما بين أن يكون نسي من مسنون الوضوء أو مفروضه، يدل على أن ترتيب المفروض مع المسنون عنده سنة، كترتيب المفروض مع المفروض، خلاف قول مالك في موطاه؛ لأنه قال فيه فيمن غسل وجهه قبل أن يمضمض: إنه يمضمض ولا يعيد غسل وجهه، فجعل ترتيب المفروض مع المسنون مستحبا.
وقوله في آخر المسألة: إن كان ما نسي من الوضوء من وضوء الكتاب الذي ذكره الله في كتابه، إنما يعود على قوله، واستأنف ما صلى؛ لأنه إن كان الذي نسي من مسنون الوضوء فذكر بعد أن صلى لم يكن عليه إعادة ما صلى، وإنما يفعل ما نسي لما يستقبل، وما في الموطأ أظهر، فقد قال بعض العلماء: إنما قدمت المضمضة والاستنشاق والاستنثار في أول الوضوء على غسل الوجه وسائره، لما يتضمن ذلك من اختبار طهارة الماء؛ لأنه يخبر طعمه بالمضمضة، وريحه بالاستنشاق، فإذا كان تقديم المضمضة على غسل الوجه لهذه العلة، ولم يكن ذلك عبادة
لغير علة وجب إذا غسل وجهه قبل أن يمضمض، ألا يكون عليه أن يعيد غسل وجهه بعد المضمضة؛ لارتفاع العلة كما قال مالك في موطاه، والله أعلم، وبه التوفيق.
النفساء التي تمرض فلا تستطيع الغسل
ومن كتاب العشور قال وقال مالك في النفساء التي تمرض فلا تستطيع الغسل: إنها تتيمم، والتيمم لها جائز، قال: ولا بأس أن يرفع إليها التراب في طبق وهي على سرير.
قال: وقال ابن القاسم في الرجل يكون على محمله بموضع ليس فيه ماء، وهو يحتاج إلى التيمم، ويريد أن يتنفل على محمله، فقال: يسأل من يناوله ترابا فيتيمم على محمله، كذلك بلغني عن مالك، وقال عيسى: وكذلك قال لي ابن وهب.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما ذهب إليه ابن بكير من أنه لا يجزئ شيء من ذلك؛ لأن العبارة إنما هي في القصد إلى الصعيد، وهو وجه الأرض، وقول مالك هو الظاهر، والدليل على صحته ما روي: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها لي طهورا» ولم يخص وجه الأرض من غيره.
وما روي أيضا من: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "تيمم جدارا» ، وذلك من فعله خلاف ما ذهب إليه ابن بكير، وهذا من قول مالك على أصل مذهبه في أن الجنب يتيمم خلاف مذهب عمر بن الخطاب، وما كان يقول ابن مسعود ثم رجع عنه، وقوله أيضا على أحد قوليه في أن الحاضر من أهل التيمم، وبالله التوفيق.
الجب من ماء السماء تقع فيه الدابة فتموت فيه وقد انتفخت أو انشقت
ومن كتاب النسمة وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء، تقع فيه الدابة فتموت فيه وقد انتفخت أو انشقت، والماء كثير لم يتغير منه شيء إلا ما كان منه قريبا منها، فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة، هل يتوضأ به ويشرب منه؟ قال: إذا أخرجت الميتة من ذلك الماء، فلينزع منه حتى يذهب دسم الميتة وودكها، والرائحة واللون إن كان له لون، إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب ذلك الماء إذا فعل ذلك به.
قال ابن القاسم: لا خير فيه، ولم أسمع مالكا أرخص فيه قط، وبالله التوفيق.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب هو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه في أن الماء قل أو كثر لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يتغير من ذلك أحد أوصافه على ما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في بئر بضاعة، وقد روى ابن وهب، وابن أبي أوس، عن مالك في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة، فيتغير لونه ووزنه، ثم يصيب الماء بعد ذلك أنه لا بأس به.
وقد قال ابن القاسم في رسم "العتق " بعد هذا: إن للجنب أن يغتسل في الماء الدائم دون أن يغسل ما به من الأذى إذا كان الماء يحمل ذلك.
وتفرقته بين حلول النجاسة في الماء الدائم أو موت الدابة فيه إذا حمل ذلك الماء، ولم يتغير منه استحسان ليس بقياس، والله أعلم.
وقد مضى في رسم "الوضوء والجهاد" الوجه الذي به تفترق المسألتان فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
وطئ وجاوز الختان فلم ينزل فاغتسل ثم خرج الماء الدافق
ومن كتاب أوله يدبر ماله في التجارة وسألته عمن وطئ وجاوز الختان، فلم ينزل فاغتسل ثم خرج الماء الدافق، قال: يتوضأ ولا غسل عليه.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن عليه الغسل، فلقوله: إنه لا غسل عليه وجهان: أحدهما: أن هذا الماء قد اغتسل له؛ لأنه لم يظهر الآن إلا وقد كان فصل عن موضعه بالجماع، وصار إلى قناة الذكر؛ لأن الماء لا يخرج هكذا سلسا دون لذة قد حركته قبل من موضعه، والثاني: أن هذا ماء خرج على غير العادة، إذ لم تقترن به لذة، فأشبه من ضرب بسيف، فأمنى أو خرج من دبره دود عليه أذى، فقد قيل: إنه لا غسل ولا وضوء فيما خرج من السبيلين من المعتادات، إلا أن يخرج على العادة، ولقوله: إن عليه الغسل؛ وجه واحد، وهو أن تعتبر اللذة المتقدمة في هذا الماء فتضاف إليه، ويصير جنبا بخروجه، فيجب عليه الغسل، وليس عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه إنما صار جنبا بخروج الماء، والوطء قد اغتسل له، فهو فيما بين الغسلين طاهر، وقد قيل: إنه يعيد الصلاة، وله وجه على بعد، وهو ما يخشى من أن يكون فصل الماء من موضعه، وصار إلى قناة الذكر بعد أن اغتسل لمجاوزة الختان، فصار بذلك جنبا فصلى، ثم خرج بعد الذي كان فصل قبل، وبالله التوفيق.
تذكر فتحركت لذته ثم مكث بعد ذلك حتى طال وصلى ثم خرج منه الماء الدافق
مسألة قلت: أرأيت من تذكر فحرك اللذة منه، ثم مكث بعد ذلك حتى طال وصلى، ثم خرج منه الماء الدافق بعد ذلك، أعليه غسل؟ أو هل يعيد الصلاة؟ فقال: أحسن ذلك أن يغتسل.
قال: قلت: أذلك أحب إليك؟ قال: ما ذلك بالقوي، ثم رجع فقال: بل يغتسل.
قال محمد بن رشد: في هذه المسألة أيضا قولان: أحدهما: أنه لا غسل عليه، والثاني: أن عليه الغسل.
فإذا قلت: إن عليه الغسل، فهل يعيد الصلاة أم لا؟ في ذلك أيضا قولان.
فوجه القول أنه لا غسل عليه أنه ماء خرج بغير لذة على غير العادة، ووجه القول أن عليه الغسل وإعادة الصلاة، وهو قول أصبغ، أن الماء لم يظهر الآن إلا وقد كان فصل عن موضعه حين اللذة، وصار في قناة الذكر فكان جنبا من حينئذ.
ووجه القول: إن عليه الغسل ولا إعادة عليه للصلاة، وهو قول ابن المواز، أنه إنما صار جنبا بخروج الماء؛ لأنه خرج بلذة، وإن كانت قد تقدمت فاعتبرت حين خروج الماء.
مسألة: جدار المرحاض يكون نديا يلصق به الرجل بثوبه
مسألة وسألته عن جدار المرحاض يكون نديا يلصق به الرجل بثوبه، قال: أما إن كان نديا شبيها بالغبار فليرشه ولا شيء عليه، وإن كان بللا أو شبيها به فليغسله، وبالله التوفيق.
قال محمد بن رشد: إذا كان شبيها بالغبار، فلا يوقن بتعلقه بثوبه.
فلذلك قال: إنه يجزيه نضحه؛ لأن النضح طهر لما شك في نجاسته من الثياب، هذا أمر قد تقرر في المذهب على ما مضى القول عليه في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، وإذا كان بللا أو شبيها به، فلا إشكال في وجوب غسله لتعلقه بثوبه، وبالله التوفيق.
الحامل ترى قبل نفاسها باليوم واليومين ماء أبيض ليس بصفرة ولا كدرة فيستمر بها
ومن كتاب الجواب وسئل عن الحامل ترى قبل نفاسها باليوم واليومين ماء أبيض ليس بصفرة ولا كدرة فيستمر بها، هل عليها غسل؟ وهل تترك الصلاة؟ قال ابن القاسم: لا غسل عليها، ولا تترك الصلاة، ولتمض على حالها كما كانت قبل أن ترى شيئا، وليس ذلك بشيء، وإنما
هو بمنزلة البول يتوضأ منه فقط، وأول الحمل وأوسطه وآخره في ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: الأظهر في هذا أنه لا يجب فيه وضوء، وهو ظاهر ما في آخر رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب في كتاب الصلاة؛ لأنه ليس من المعتادات، وما خرج من السبيلين من غير المعتادات لا وضوء فيه عند مالك وجميع أصحابه، حاشا محمد بن عبد الحكم؛ فإنه أوجب فيه الوضوء، وخرج في ذلك عن المذهب.
إذا خطرت اليد على الذكر من غير تعمد
ومن كتاب القطعان قال ابن وهب: إذا خطرت اليد على الذكر من غير تعمد، فليس فيه عليه وضوء، قال: ومالك يقول: فيه الوضوء.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في رواية ابن وهب عنه بإيجاب الوضوء في مس الذكر على غير تعمد هو ظاهر ما مضى في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، وخلاف رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون بعد هذا أنه لا وضوء عليه إلا أن يمسه عامدا.
وقد مضى تحصيل قول مالك في هذه المسألة في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم، فتأمله هناك، وبالله التوفيق.
الذي يستنجي بالماء ويؤخر وضوءه
ومن كتاب أوله باع شاة واستثني جلدها وسئل عن الذي يستنجي بالماء ويؤخر وضوءه، قال: لا بأس بذلك، ولو خرج منه ريح بعد الاستنجاء وقبل أن يتوضأ لم يكن عليه إذا توضأ أن يستنجي مرة أخرى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ومثله في المدونة؛ لأن الاستنجاء إنما هو لما يتعلق بالمخرج من الأذى، والريح لا يتعلق منه بالمخرج أذى فلا استنجاء فيه، وبالله التوفيق.
اغتسال الجنب في الماء الراكد
ومن كتاب العتق قال: وقال مالك في اغتسال الجنب في الماء الراكد، وقد غسل الأذى عنه، قال: قد نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الراكد، وجاء به الحديث، ولم يأت في الحديث أنه إذا غسل الأذى عنه جاز له الاغتسال فيه، وقد أدرت مالكا في الاغتسال فيه غير مرة، ورددت عليه كل ذلك، يقول: لا يغتسل الجنب في الماء الراكد وليحتل.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسا إن كان قد غسل ما به من الأذى أن يغتسل، وإن كان الماء كثيرا يحمل ما وقع فيه، فلا أرى به بأسا، غسل ما به من الأذى أو لم يغسله.
قال محمد بن رشد: حمل مالك النهي على أنه عبادة لغير علة، فلم يجز الاغتسال في الماء الدائم على حال، وحمله ابن القاسم على أنه لعلة انتجاس الماء، فإذا ارتفعت العلة عنده زال الحكم بزوال العلة، وهذا الاختلاف قائم من المدونة، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم "البز" منه، ومضى الكلام عليه أيضا، وبالله التوفيق.
رجل ترك الاستنشاق والمضمضة عامدا أو ناسيا
ومن كتاب المكاتب من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم قال يحيى: قال ابن القاسم في رجل ترك الاستنشاق والمضمضة عامدا أو ناسيا، فقال: أما الناسي فلا شيء عليه، وأما العامد فأحب إلي أن يعيد ما كان صلى في الوقت، ولا أرى ذلك واجبا عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: أما الناسي فلا شيء عليه، يريد أنه
لا شيء عليه في صلاته، ويفعل ذلك لما يستقبل، ولا يعيد الوضوء من أوله، وهذا ما لا خلاف فيه، وأما العامد فقال: إنه يعيد الصلاة في الوقت استحبابا، وقال ابن حبيب: صلاته تامة لا إعادة عليه لها.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: أنه يعيد أبدا بالقياس على من ترك سنة من سنن الصلاة عامدا كالجهر فيما يسر فيه، وقد قيل: إنه يستغفر الله، ولا شيء عليه، وهو قول أصبغ، وكذلك قال في هذه المسألة: إنه يستغفر الله، ولا شيء عليه على أصله، فيمن أسر فيما يجهر فيه عامدا، وقيل: إنه يعيد في الوقت، وعلى قياس هذا يأتي قول ابن القاسم في هذه المسألة، وقيل: إنه يعيد أبدا، وهو المشهور في المذهب، المعلوم من قول ابن القاسم، فليلزم على قياس هذا القول أن يعيد في هذه المسألة أيضا أبدا، ولم يتكلم في هذه الرواية، هل يستأنف الوضوء من أوله، أو يمضمض ويستنشق لما يستقبل، ولا يعيد الوضوء من أوله، وذلك يجري على اختلافهم في ترتيب المفروض مع المسنون، هل هو سنة أو استحباب؟ فمن رآه سنة فيقول: إنه يبتدئ في الوضوء من أوله، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وعلى مذهب مالك في الموطأ أنه استحباب يفعل ذلك لما يستقبل، ولا يبتدئ الوضوء من أوله، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: لبن الحمارة يصيب ثوب الرجل
مسألة وسئل يحيى بن يحيى، عن لبن الحمارة يصيب ثوب الرجل، فقال: يعيد الصلاة في الوقت في بعض الروايات، قال أبو صالح: وبعد الوقت على معنى أنه لا يوكل لحمها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الألبان تبع للحوم في الطهارة والنجاسة، فما كان من الحيوان لا يؤكل لحمه سوى بني آدم المخصوصة لحومهم بالطهارة، فألبانهم نجسة قياسا على لبن الخنزير، وما كان منها يؤكل لحومها فألبانهم طاهرة قياسا على لبن الأنعام، وأما قول أبي صالح: يعيد بعد الوقت، فمعناه إذا صلى به عامدا على القول بأن من صلى بنجاسة
عامدا يعيد أبدا.
وقد قال محمد بن بشير، عن مالك في لبن الحمارة: إنه لا بأس به، فيحتمل أن يريد أنه لا إعادة على من صلى به في ثوبه أو بدنه، أو أنه لا بأس بالتداوي به لمن احتاج إليه؛ مراعاة للاختلاف في أكل الحمر؛ فقد روي ذلك عن عباس وعائشة.
وهذا نحو ما تقدم من قول سحنون في رسم "أوصى" من سماع عيسى، ومن كتاب الصلاة، أنه لا إعادة على من صلى ببول الفارة؛ لما روي من أن عائشة سئلت عن أكل الفأرة فتلت قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145] الآية، فكيف بلبن الحمارة؟ فلا تخرج على هذا التأويل هذه الرواية عن مالك عن القياس الذي ذكرناه، من أن الألبان تابعة للحوم، وبالله التوفيق.
يتيمم وعليه خفاه ثم نزعهما
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وسئل ابن القاسم عمن يتيمم وعليه خفاه ثم نزعهما، قال: لا ينتقض تيممه وهو على حاله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الرجلين تسقطان في التيمم، فلا يسقط تيمم من تيمم للوضوء وعليه خفاه بنزع خفيه، كما لا ينتقض تيمم من تيمم للجنابة وعليه ثيابه بنزع ثيابه.
مسألة: الرجل يمس ذكره ثم يصلي ولا يتوضأ
مسألة قال سحنون: واختلف قول ابن القاسم في الرجل يمس ذكره ثم يصلي ولا يتوضأ، فمرة قال: لا يعيد الصلاة في الوقت ولا غيره، ومرة قال: يعيد الصلاة في الوقت.
قال سحنون: وسمعت ابن القاسم
سئل غير مرة عن الذي يمس ذكره ثم يصلي ولا يتوضأ، أيجب عليه لذلك إعادة الصلاة؟ فقال ابن القاسم: لا إعادة عليه للصلاة في الوقت ولا غيره، ويعيد الوضوء.
قال سحنون: وقد قال لنا ابن القاسم أيضا في ذلك: إنه إن صلى ولم يتوضأ أعاد الصلاة في الوقت، ولقد قال لي غير مرة: إن إعادة الوضوء عندي ضعيف.
قال سحنون: وأخبرني ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يعيد وضوءه إلا أن يمسه عامدا.
قيل: فإن مسه عامدا على غلالة خفيفة؟ قال: لا يعيد وضوءه.
قيل له بقول ابن القاسم تأخذ أو بقول ابن وهب؟ قال: بقول ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: رواية سحنون هذه عن ابن القاسم ترجع إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء بحال؛ لأن الإعادة في الوقت استحباب كرواية أشهب عن مالك في كتاب الصلاة خلاف ظاهر روايته عن في رسم "الوضوء والجهاد" من هذا الكتاب أنه ينقضه بكل حال، ورواية ابن وهب في الفرق بين أن يمسه عامدا أو غير عامد قول ثالث، وإلى هذا ذهب ابن حبيب فقال: إن مسه عامدا أعاد أبدا، وإن مسه ناسيا أعاد في الوقت.
وقد مضى في رسم " اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم القول في هذه المسألة ووجه حصول الاختلاف فيها، وبالله التوفيق.
رجلين يجدان من الماء في السفر مقدار ما يتوضأ به واحد منهما فيتشاحان عليه
مسألة وقال في رجلين يجدان من الماء في السفر مقدار ما يتوضأ به واحد منهما فيتشاحان عليه، قال: يتقاومانه.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح؛ لأن التقاوم شراء، فإذا كان على الرجل الواجد للثمن أن يبتاع الماء لوضوئه بأكثر من قيمته ما لم يرفع عليه في الثمن كما قال في المدونة وغيرها، وجب على كل واحد منهما أن يقاوم
صاحبه في هذا الماء الذي قد صار بينهما بوجودهما إياه معا إذا احتاج إليه لوضوئه، فإن أسلمه أحدهما لصاحبه بغير مقاومة أو تركه له في المقاومة قبل أن يبلغ عليه القدر الذي لا يلزمه أن يشتريه به وتيمم وصلى، وجب عليه أن يعيد الصلاة أبدا، إذ لم يكن من أهل التيمم لقدرته على اشتراء الماء بما يلزمه شراء به.
ولو كانا معدمين لكان لهما أن يقتسماه بينهما، أو يبيعانه فيقتسمان ثمنه ويتيممان لصلاتهما، وإن كانا متيممين لم ينتقض تيممهما إلا أن يحبا أن يتساهما عليه، فمن صار له بالسهم منهما توضأ به وانتقض تيممه إن كان متيمما، وكان عليه قيمة حظ صاحبه منه دينا، فيكون ذلك لهما.
ولو كان أحدهما موسرا، والآخر معدما لكان للموسر أن يتوضأ به ويؤدي لشريكه قيمة نصيبه منه إلا أن يحتاج إلى حظه منه، فيكون أحق به ويقسم بينهما.
هذا وجه قول ابن القاسم به مرة في هذه المسألة، وقوله فيها معارض لقول سحنون في آخر نوازله في الرجل يكون معه من الماء قدر ما يتوضأ به واحد فيهبه لرجلين أو ثلاثة، وهم متيممون فيسلموه لأحدهم أنه لا ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده؛ لأن الماء قد وجب لهم بالهبة، وصاروا فيه شركاء، كما وجب الماء في هذه المسألة للرجلين بوجوده، وصارا فيه شريكين، فوجب أن ينتقض تيمم جميعهم إن لم يتقاوموه.
وذهب ابن لبابة إلى أن المقاومة لا تلزم عند ابن القاسم اللذين وجدا الماء إلا أن يتشاحا، وأنهما إن تركاها وأسلم أحدهما الماء لصاحبه جاز للذي أسلم منهما الماء لصاحبه أن يتيمم، وإن كان متيمما لم ينتقض تيممه، بدليل قول سحنون في هذه المسألة التي ذكرناها، وذلك بعيد لا يصح عندي، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: الرجل يتوضأ فيمسح على الجبائر وهي في مواضع الوضوء فتسقط الجبائر
مسألة وقال في الرجل يتوضأ فيمسح على الجبائر وهي في مواضع الوضوء، ثم يدخل في الصلاة فتسقط الجبائر، قال: يقطع ما هو فيه ويعيد الجبائر، ثم يمسح عليها، ثم يبتدئ الصلاة.
وكذلك لو تيمم
ومسح على الجبائر، فلما صلى ركعة أو ركعتين سقطت الجبائر، قال: يعيدها ويمسح عليها، ويبتدئ الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المسح على الجبيرة ناب عن غسل ذلك الموضع أو المسح عليه في الوضوء أو التيمم، فإذا سقطت في الصلاة انتقضت طهارة ذلك الموضع، فلم يصح له التمادي على صلاته، إذ لا تصح الصلاة إلا بطهارة كاملة، ولم يجز له أيضا أن يرجع إلى صلاته، ويبني على ما مضى منها بعد أن يعيد الجبائر، ويمسح عليها، كما لا يجوز البناء في الحدث بخلاف الرعاف، وهذا ما لا أعلم فيه في المذهب اختلافا.
وإنما يصح له أن يعيد الجبائر، ويمسح عليها إذا فعل ذلك بالقرب، فإن لم يفعل ذلك حتى طال الأمر استأنف الوضوء أو التيمم من أوله، وبالله التوفيق.
مسألة: حد الوجه في الوضوء
مسألة قلت لسحنون: ما حد الوجه عندك الذي إذا قصر منه المتوضئ وجبت عليه الإعادة؟ فقال لي دور الوجه كله، فقلت فاللحى الأسفل من ذلك والذقن؟ قال: نعم، فأخبرته بقول من يقول: إن الوجه بياض الوجه وليس اللحى الأسفل من الوجه، وكذلك هو من المرأة، وحجته أن مالكا قال في اللحى الأسفل موضحة، فقال لي: أخطأ من يقول هذا، وقد قال مالك: إن الأنف ليس من الوجه ولا موضحة فيه، وإنما هو عظم منفرد، ولو أن متوضئا ترك غسل أنفه وصلى وجبت عليه الإعادة، ولكان ناقصا من وضوئه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فاللحى الأسفل والأعلى في وجوب الغسل في الوضوء سواء، وكذلك الذقن، وليس عليه أن يغسل ما تحته، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا.
وإنما اختلف من حد الوجه في البياض الذي بين الأذن والعارض، فقيل: إنه من الوجه يغسله المتوضئ، وقيل: إنه ليس من الوجه، فلا يجب غسله على المتوضئ، وقيل: يغسله الأمرد ولا يغسله الملتحي، وهذا أضعف الأقاويل، وقيل: إن غسله سنة من سنن الوضوء، وبالله التوفيق.
مسألة: اللحية من الوجه
مسألة قلت: فقول مالك: إن اللحية من الوجه، وأرى أن يمر الماء عليها، أرأيت لو أن رجلا غسل وجهه ولم يمر الماء على لحيته، أكان عليه شيء؟ فقال لي: نعم، ذلك واجب عليه بمنزلة مسح رأسه، ومن قصر عن ذلك كانت عليه الإعادة وإن صلى.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه ليس عليه أن يغسل من لحيته إلا ما اتصل منها بوجهه، وليس عليه أن يغسل ما طال منها واسترسل، وإنه ليس عليه أيضا أن يمسح في وضوئه ما طال من شعره، وزاد على قدر رأسه، وهو ظاهر ما في سماع موسى بن معاوية، عن ابن القاسم، عن مالك.
ومن حجة من ذهب إلى أن اللحية ليست بوجه، وأن شعر الرأس ليس برأس، ألا ترى من طالت لحيته لا يقال: طال وجهه، وإنما يقال: طالت لحيته، وكذلك شعر الرأس، وإنما أوجب الله تعالى غسل الوجه ومسح الرأس لا سوى ذلك.
والقول الأول أظهر وأشهر، وهو المعلوم من مذهب مالك وأصحابه في المدونة وغيرها.
والدليل على صحته من طريق النظر والقياس أن شعر الرأس واللحية لما نبت في الرأس واللحية وجب أن يحكم له بحكمهما، وإن خرج عن قدرهما، كما أن ما نبت من الشجر في الحرم وجب أن يحكم له بحكم الحرم في أن لا يجوز قطعه، وإن طال حتى خرج من الحرم إلى الحل، وبالله التوفيق.
الزيت تقع فيه الفارة هل يجوز أن ينتفع به
مسألة وسئل سحنون عن الزيت تقع فيه الفارة، هل يجوز أن ينتفع به؟ قال: لا بأس، أن يستصبح به إذا تحفظ منه، وأن يدهن به مثل الحبل والعجلة.
قيل له: فهل يجوز أن يعمل به صابونا يغسل به ثوبه، ولا يعمله للبيع إلا لغسل ثوبه؟ قال: نعم، إذا طهر ثوبه بماء طاهر.
قال محمد بن رشد: إجازة سحنون الانتفاع بالزيت النجس هو قول مالك في رسم "البز" من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وفي غيره من المواضع، وقول جميع أصحابه حاشا ابن الماجشون، فإنه لا يجيز الانتفاع به في وجه من وجوه المنافع، ودليله أن حكمه حكم الميتة لنجاسته.
وقد روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أن لا يستمتع من الميتة بإهاب ولا عصب» والأول هو الصحيح؛ لأن الحديث يعارضه ما هو أصح منه، وهو حديث ابن عباس في الموطأ: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بشاة ميتة كان أعطاها مولى لميمونة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: ألا انتفعتم بجلدها، فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنما حرم أكلها» ، وفي قوله: ولا يعمله للبيع دليل على أنه لا يجيز عمله للبيع، وإن بين عند البيع، وهو المنصوص من قول مالك وأصحابه حاشا ابن وهب، وقد وقع من تعليل قول مالك في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" من سماع ابن القاسم، من كتاب الصلاة، ومن هذا الكتاب في بعض الروايات، ومن سماع أشهب من كتاب الضحايا ما يدل على
إجازة عمله للبيع إذا بين بذلك عند البيع مثل قول ابن وهب، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.
أرأيت الرجل يكون في السفر ولا يجد الماء فيصيبه المطر هل يتوضأ به
من نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد قلت لسحنون: أرأيت الرجل يكون في السفر ولا يجد الماء فيصيبه المطر، هل يجوز له أن ينصب يديه للمطر ويتوضأ به؟ فقال لي: نعم، فقلت له: وإن كان جنبا هل يجوز له أن يتجرد ويتطهر بالمطر؟ قال: نعم، فقلت: فإن لم يكن المطر غزيرا؟ فقال لي: إذا وقع عليه من المطر ما يبل به جلده فعليه أن يتجرد ويتطهر.
قال محمد بن رشد: أما إذا نصب يديه للمطر، فحصل فيهما من ماء المطر ما يكون بنقله إلى وجهه وسائر أعضائه المغسولة غاسلا لها، ومن بلله ما يمسح به رأسه فيكون ماسحا له، فلا اختلاف في صحة وضوئه، وذهب ابن حبيب إلى أنه لا يجوز له أن يمسح بيديه على رأسه بما أصابه من الرش فقط، وكذلك على مذهبه لا يجزيه أن يغسل ذراعيه ورجليه بما أصابهما من المطر دون أن ينقل إليهما الماء بيديه من المطر، وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليل قول سحنون في هذه الرواية.
وذلك كله جائز على مذهب ابن القاسم، رواه عيسى عنه فيما حكى الفضل.
وذلك أيضا قائم في المدونة في الذي توضأ وأبقى رجليه فخاض نهرا فغسلهما فيه أن ذلك يجزيه إذا نوى به الوضوء، وإن كان لم ينقل إليهما الماء بيده.
ومثله في سماع موسى بن معاوية، ومحمد بن خالد من هذا الكتاب، وقد أجمعوا أن الجنب إذا انغمس في النهر، وتدلك فيه للغسل أن ذلك يجزيه، وإن كان لم ينقل الماء بيديه إليه، ولا صبه عليه، وذلك يدل على ما اختلفوا فيه من الوضوء، وأما قوله إذا وقع عليه من المطر ما يبل به جلده، فعليه أن يتجرد ويتطهر، فمعناه إذا وقع عليه في أول وهلة من المطر ما يبل به جلده، فعليه أن يتجرد ويتطهر؛ لأنه إذا مكث للمطر تضاعف عليه البلل، وكثر الماء على جسمه فأمكنه به التدلك، والاغتسال
لا يكون إلا بإفاضة الماء.
ألا ترى إلى قوله في الحديث: «ثم اغتسل وأفاض عليه الماء» وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل تلبسه امرأته الثوب أو تنزع خفيه فيلتذ بذلك أو تلتذ به المرأة
مسألة قيل له: أرأيت الرجل تلبسه امرأته الثوب، أو تنزع خفيه، أو تفلي رأسه، أو تدهنه فيلتذ بذلك، أو تلتذ به المرأة؟ فقال: أما الفلي والادهان فأرى أن يتوضأ من التذ منهما واشتهى ذلك، وأما التلبيس ونزع الخف وما أشبه ذلك فلا أرى فيه وضوءا على واحد منهما، وإن التذ بذلك واشتهى، وقد يكلمها فيلتذ بذلك، وتلتذ المرأة، فلا أرى عليهما في ذلك وضوءا، وهذا مثل مسألتك في نزع الخفين والتلبيس.
قال محمد بن رشد: قوله في الفلي والادهان: إن من التذ منهما بذلك واشتهى وجب عليه الوضوء صحيح؛ لأن المعنى في إيجاب الوضوء من الملامسة هو وجود اللذة بها، فإذا وجدت اللذة بها فقد وجب الوضوء بوجودها، وإن لم يقصد باللمس إليها، وهذا ما لا اختلاف فيه في المذهب.
وقوله في نزع الخف والتلبيس: إنه لا وضوء فيه وإن وقعت اللذة به نحو رواية علي بن زياد، عن مالك في الجسة من فوق ثوب كثيف، أنه لا وضوء فيها، وقد مضى الكلام على هذا المعنى في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: لم يجد ما يتوضأ به إلا بسؤر النصراني أيتوضأ به
مسألة قيل لسحنون: أرأيت إن لم يجد ما يتوضأ به إلا بسؤر
النصراني، أيتوضأ به؟ قال: بل يتيمم، وهو عندي بمنزلة الدجاجة المخلاة على القذر، أو الكلب يأكل القذر والنجاسة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوعبا في أول سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، فلا فائدة في تكراره، وبالله التوفيق.
مسألة: الوضوء بالنخالة والغسل بها
مسألة وسئل سحنون عن الوضوء بالنخالة والغسل بها، قال: لا يجوز.
قيل له: فهل يغسل الرجل رأسه بالبيض؟ فقال: لا.
قيل له: فبالملح؟ فقال: لا يغسل بشيء مما يؤكل.
قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه المسألة لا يجوز، يريد بذلك لا يجوز جوازا مطلقا دون كراهية، لا أن ذلك حرام لا يحل، وقد مضى القول على هذه المسألة في آخر رسم "البز" من سماع ابن القاسم، وتكررت أيضا في رسم "النذور والجنائز"، ورسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، والحمد لله.
مسألة: رجل تيمم فلبس خفيه ثم صلى ثم وجد الماء
مسألة وسئل أصبغ عن رجل تيمم، فلبس خفيه، ثم صلى، ثم وجد الماء، قال: يمسح على خفيه ولا يخلعهما؛ لأنه أدخل رجليه في خفيه وهما طاهرتان بطهر التيمم، فإن تيمم وصلى ثم لبس خفيه فوجد الماء خلع خفيه، وغسل رجليه، ولا يجزئه المسح عليهما؛ لأنه لما صلى انتقض تيممه، ولو أنه لم يلبس خفيه لم يجزه أيضا أن يصلي بذلك التيمم صلاة أخرى، فهذا يدلك على أنه أدخل رجليه
وهما غير طاهرتين، ولا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة.
قال سحنون: لا يمسح عليهما، لبسهما قبل الصلاة أو بعد الصلاة.
قال محمد بن رشد: أما على مذهب من يرى أن التيمم يرفع الحدث، وهو قول سعيد بن المسيب وابن شهاب، فالمسح جائز لبسهما قبل الصلاة أو بعد الصلاة؛ لأن التيمم عنده بدل من الوضوء، وأما على مذهب من يرى أن التيمم لا يستباح به إلا صلاة الفريضة، وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، فلا يجوز المسح عليهما لبسهما قبل الصلاة أو بعد الصلاة؛ لأن التيمم عنده استباحة للصلاة خوف ذهاب الوقت، فلا مدخل في ذلك للمسح على الخفين.
وأما على قول مالك الذي يرى أن التيمم لا يرفع الحدث إلا أنه يستباح به جميع ما يمنع منه الحدث من الفريضة والنافلة ومس المصحف وسجدة التلاوة، فالأظهر على مذهبه إجازة المسح على الخفين إن لبسهما قبل الصلاة كما قال أصبغ، وهو ظاهر ما في المدونة، خلاف قول سحنون؛ لأن الصحيح أن التيمم على مذهبه بدل من الوضوء، وإن كان لا يستباح به إلا صلاة واحدة؛ لأن ذلك كان الأصل فيه، وفي الوضوء بظاهر قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الآية، فخرج من ذلك الوضوء بصلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على الأصل، فلم يقس على الوضوء، إذ لا يقوى البدل قوة المبدل منه، وهذا بين لمن تأمله ووقف على معناه، وبالله التوفيق.
مسألة: مسافر بينه وبين الماء ميلان هل يعدل عن طريقه إلى الماء
مسألة وسئل سحنون عن مسافر بينه وبين الماء ميلان، هل يعدل عن طريقه إلى الماء؟ فقال: أهو في خوف؟ فقال السائل: لا، ولكنه يشق عليه، قال: أما الميلان فأراه كثيرا، وليس عليه أن يعدل عن طريقه.
قيل له: فلو خرج عن قريته إلى قرية بعيدة منه، إلا أنه ليس
تقصر في مثله الصلاة، فحضرته الصلاة، هل عليه أن يعدل عن الطريق الميلين إلى الماء؟ فقال: لا، وأرى ذلك والسفر واحدا، هذا مما يشق عليه أن يعدل عن طريقه ميلين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الميلين كثير، فليس عليه أن يعدل عن طريقه ميلين، وقد مضى في رسم أوله "الشريكين يكون لهما مال" من سماع ابن القاسم في الميل والنصف ميل مع الأمن أن عليه أن يعدل إليه إلى ذلك، وذلك للراكب أو للراجل القادر، يبين ذلك ما وقع في رسم "البز" من السماع المذكور، وبالله التوفيق.
مسألة: يخرج المؤذن خارجا من المسجد يقيم الصلاة ليسمع من حوله
مسألة قال سحنون: قال ابن القاسم: لا بأس أن يخرج المؤذن خارجا من المسجد يقيم الصلاة؛ ليسمع من حوله وقربه من الناس، وقعت هذه المسألة في بعض الروايات.
قال محمد بن رشد: وجه هذا أن الإقامة لما كانت إشعارا للصلاة، جاز أن يتوخى ذلك بما ذكر، والله أعلم.
مسألة: الركوب بالمهاميز
مسألة وسئل عن الركوب بالمهاميز، فقال: لا بأس بذلك، وأراه خفيفا.
قال محمد بن رشد: وهذا خفيف كما قال؛ لأن الدواب لا تملك إلا بذلك، ولا يتأتى فيها ما أذن الله به من ركوبها وتسخيرها إلا به في أغلب الأحوال.
مسألة: سافر الرجل بمهاميز هل يجوز له أن يمسح على خفيه ولا ينزع المهاميز
مسألة قيل له: فإذا سافر الرجل بمهاميز، هل يجوز له أن يمسح على خفيه ولا ينزع المهاميز؟ فقال: لا بأس بذلك، وأراه خفيفا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما ذكر؛ لأن المسح شأنه التخفيف، ألا ترى أنه ليس عليه أن يتبع غصون الخفين، وقد يكون ذلك أكثر مما يستره شراك المهاميز، وقد كان بعض العلماء يمسح ظهور الخفين، ولا يمسح بطونهما، ففي هذا دليل، وبالله التوفيق.
مسألة: قوما مسافرين وجدوا ماء فبدرهم إليه رجل فأخذه فتوضأ به
مسألة قلت: أرأيت لو أن قوما مسافرين وجدوا ماء فبدرهم إليه رجل، فأخذه فتوضأ به، ولم يكن في الماء إلا ما يتوضأ به رجل واحد، هل ينتقض تيمم هؤلاء الآخرين؟ فقال لي: لا؛ لأنه لم يجب لهم فيه حق، وهو لمن أخذه كالصيد.
قيل: فلو أنهم حين وجدوا ذلك الماء قالوا: ليس فيه ما يكفينا فخذه يا فلان فأخذه، فقال: أرى أن تيمم هؤلاء قد انتقض.
قال محمد بن رشد: قوله إذا بدرهم إليه رجل فأخذه فتوضأ به: إن تيممهم لا ينتقض؛ لأنه لم يجب لهم فيه حق، إنما ذلك إذا بدرهم إليه قبل أن يصلوا إليه؛ لأنهم لا يستحقونه إلا بالوصول إليه دون غيرهم لا برؤيته على بعد إذا وصل إليه غيرهم قبلهم، وكذلك لو غافصهم فيه أحد بفور وصولهم إليه قبل أن يمكنهم أن يتقاوموه فيما بينهم، لوجب ألا ينتقض تيممهم أيضا إذا غلبوا عليه قبل أن يمكنهم الوضوء به.
وأما لو تراخوا في تقاومه بينهم حتى بدر إليه رجل فأخذه، لوجب أن ينتقض تيممهم بمنزلة إذا دفعوه لرجل باختيارهم وتركوا ما يلزمهم من أن يتقاوموه فيما بينهم، أو قالوا لرجل قبل أن
يصلوا إليه: اذهب يا فلان فخذه، وتركوا ما يلزمهم من التدافع عليه حتى يحكم به بينهم كالصيد فيتقاوموه.
وقول سحنون في هذه المسألة مثل ما مضى في سماع سحنون، وقد تكلمنا على مسألة سماع سحنون قبل هذا مما بين معنى هذه المسألة، ولسحنون في المجموعة في هذه المسألة أنه لا ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده، خلاف ما هاهنا، مثل ما له في آخر النوازل، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل معه ماء قال لرجلين قد تيمما قد وهبته لأحدكما ولم يسم واحدا
مسألة قيل: فلو أن رجلا معه ماء قال لرجلين قد تيمما قد وهبته لأحدكما ولم يسم واحدا، فقال: قد وجب لأحدهما وهو مجهول لا يعرف، وليس لهما رد هذه العطية؛ لأنها من البر، فإن أسلمه أحدهما لصاحبه فقد انتقض تيممه.
وكذلك لو قاله لثلاثة أو لأربعة هو لأحدكم فأسلموه لواحد منهم انتقض تيممه.
قيل له: فإن أعطى ذلك لجماعة جيش أو لقوم كثير فأعطوه واحدا؟ فقال: أما إذا كثروا، فأرى تيممهم تاما ولا ينتقض.
قيل: فإن قال لثلاثة: هذا الماء لكم، فقال: ليس مثل الأول؛ لأن هذا قد وجب لكل واحد نصيبه بلا شك، وليس في نصيبه ما يكفيه لوضوئه، فإذا هو أعطى نصيبه لم ينتقض تيممه.
قال محمد بن رشد: تأويل ابن لبابة على سحنون في هذه المسألة: أنه إن قال: قد وهبت هذا الماء لأحدكم، فسواء كانوا ثلاثة أو اثنين أو عشرة آلاف ينتقض تيممهم كلهم، وإن قال: قد وهبت هذا الماء لكم
فلا ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده، كانوا اثنين أو عشرة آلاف، والظاهر من قوله خلاف ذلك أنه إن كان عددهم كثيرا، فسواء قال: هذا الماء لكم، أو قال: هو لأحدكم، لا ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه الماء وحده، وإن كان عددهم يسيرا كالرجلين والثلاثة ونحو ذلك فقال: هذا الماء لأحدكم انتقض تيممهم إن أسلموه لواحد منهم.
وإن قال: هذا الماء لكم لم ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده.
فأما قوله: إذا كان عددهم كثيرا فسواء قال: هذا الماء لكم، أو قال: هو لأحدكم، لا ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده؛ فصحيح.
وأما قوله إذا كان عددهم يسيرا كالرجلين والثلاثة ونحو ذلك فقال: هذا الماء لأحدكم: إنه ينتقض تيممهم إن أسلموه لواحد منهم، فيريد أنه ينتقض تيمم من أسلمه منهم إلى صاحبه كما ينتقض تيمم من أسلم إليه.
ووجه ذلك أن كل واحد منهم يخشى أن يكون هو صاحب الماء الموهوب له في غيب الأمر، فوجب أن ينتقض تيممهم جميعا على كل حال.
وأما قوله: إن قال: هذا الماء لكم لم ينتقض إلا تيمم الذي أسلم إليه وحده، فهو خلاف قوله في المسألة التي قبلها، وخلاف المسألة التي مضت في سماعه لابن القاسم، ومعترض من قوله: إذ لم يوجب المقاومة عليهم؛ لكونهم فيه شركاء بالهبة، والله أعلم، وبه التوفيق.
: الرجل الطويل الشعر يمسح رأسه هل يجزيه أن يمسح أعلاه بالماء
ومن سماع موسى الصمادحي من ابن القاسم قال: سئل عبد الرحمن بن القاسم عن الرجل الطويل الشعر يمسح رأسه، هل يجزيه أن يمسح أعلاه بالماء ولا يمر يديه على جميع الشعر إلى أطراف الشعر؟ وكذلك المرأة أيضا؟ وكيف به إن اغتسل من جنابة وشعره مضفور، هل يجزيه أن يصب الماء على رأسه ويحرك شعره وأصوله؟ والمرأة كذلك؟ فقال ابن القاسم: قال مالك: يمسح رأسه فيمر يديه على مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يعيدها من
تحت شعره إلى مقدمها والمرأة مثله.
وإن كان مضفور الرأس، فاغتسل من الجنابة، فإنه يضغثه بيديه إذا اغتسل، والمرأة مثله.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك في هذه الرواية أن الرجل والمرأة ليس عليهما أن يمسحا على الشعر إلى أطرافه، وإنما عليهما أن يمسحا منه قدر رؤوسهما لا أكثر.
وقد مضى القول على هذا في سماع سحنون، فتدبره، وبالله التوفيق.
مسألة: الذي يمسح خفيه أو على رأسه ببعض أصابعه
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يمسح خفيه ببعض أصابعه، أو يمسح على رأسه ببعض أصابعه دون الكف ويصلي، هل يجزيه ذلك، ولا يمسح ثانية؟ فقال ابن القاسم: إذا عم بذلك الرأس وإن مسحه بإصبع واحد أجزأه، وكذلك الخفاف.
قال محمد بن رشد: يريد أن ذلك يجزيه إن فعله، ولا يؤمر بذلك ابتداء؛ لأن السنة في مسح الرأس على ما جاء في حديث عبد الله بن زيد قوله: «ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه فذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حيث رجع إلى المكان الذي بدأ منه» .
مسألة: الرجل لا يجد ما يكفيه من الماء للوضوء فغسل رجليه قبل ولبس خفيه
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل ليس معه من الماء إلا قدر ما يكفيه لوضوئه، فجهل فغسل رجليه قبل ولبس خفيه، ثم توضأ بقية وضوئه، أيجزيه ذلك؟ وكيف الأمر إن كان غسل رجليه ولبس خفيه ونام ولم يتوضأ بقية وضوئه، ثم استيقظ أيجزئه أن يمسح على
خفيه أم ينزعهما ويغسل رجليه؟ قال: قال مالك: أحب إلي أن يعيد غسل رجليه بعد وضوئه، وإن لم يفعل لا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وجه تخفيف مالك المسح على الخفين في هذه المسألة مبني على أن الترتيب في الوضوء غير واجب، وهو مذهبه في المدونة، وعلى أنه كلما غسل المتوضئ عضوا من أعضاء الوضوء ارتفع الحدث عنه بتمام غسله قبل تمام الوضوء على ظاهر حديث أبي عبد الله الصنابحي، وقد تقدم القول على هذا المعنى في رسم "نقَدها نقْدها" من سماع عيسى، وهذا على ما ذهب إليه ابن لبابة وغيره من أن المعنى في قول مالك: أحب إلي أن يعيد غسل رجليه بعد وضوئه، أي أحب إلي إذا توضأ بعد أن نام أن يغسل رجليه ولا يمسح على خفيه، وأن معنى قوله: وإن لم يفعل لم أر عليه شيئا، أي فإن لم يغسل ومسح لم أر عليه شيئا، والأظهر أنه إنما أجاب على حكم التنكيس، وسكت عن حكم المسح إذا توضأ ثانية بعد أن أحدث، فقال: أحب إلي أن يعيد غسل رجليه في آخر وضوئه، ويلغي غسلهما أولا، وإن لم يفعل ذلك لم يكن عليه شيء على أصله في أن الترتيب غير واجب في الوضوء على ما ذكرناه من مذهبه في المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: المسافر يكون معه النبيذ ولا يوجد الماء أيتوضأ بالنبيذ أم يتيمم
مسألة وسئل ابن القاسم عن المسافر يكون معه النبيذ، ولا يوجد الماء، أيتوضأ بالنبيذ أم يتيمم؟ قال ابن القاسم: قال لي مالك: لا يجزئ الوضوء بالنبيذ على حال من الأحوال، وإن لم يكن معه ماء تيمم، ولا يجزئ النبيذ من غسل جنابة ولا وضوء، ولا يغسل به شيئا، وإن كان مما يحل شربه.
قال موسى: وحدثني وكيع، عن
سفيان الثوري عن رجل، عن الحسن البصري أنه قال: لا يتوضأ بالنبيذ ولا باللبن.
قال محمد بن رشد: إنما وقع هذا السؤال عن الوضوء بالنبيذ؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود: «أنه كان مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الجن، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتاج إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلا النبيذ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وفي حديث آخر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سأله ليلة الجن، أمعك يا ابن مسعود ماء؟ فقال: معي نبيذ في إداواتي فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اصبب علي.
فتوضأ به، وقال: شراب وطهور» ، وهو حديث لا يثبته العلم بالحديث.
ومما يضعفه أنه روي عن عبد الله بن مسعود من رواية علقمة: أنه قال: لم أكن مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه.
وروي عن علقمة أيضا أنه قال: «سألت ابن مسعود هل كان مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الجن أحد؟ فقال: لم يصحبه منا أحد، ولكن فقدناه ذات ليلة استطير أم اغتيل، فتفرقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم نقول: استطير أم اغتيل، فقال: إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن، فأرانا آثارهم» ، وتعلق به أبو حنيفة وبعض أصحابه على ضعفه، فقالوا: إن من لم يجد في السفر إلا نبيذ التمر توضأ به، وهم مع تعلقهم بالحديث قد تركوه، إذ لم يجيزوا الوضوء بنبيذ في المصر، ولا فيما حكمه حكم المصر، ولم يكن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسافرا ولا خارجا عن حكم مكة؛ لأنه إنما خرج يريدهم وهو يتم الصلاة، ولو ثبت بهذا الأثر الوضوء بنبيذ التمر لجاز الوضوء به في السفر والحضر، ومع وجود الماء وعدمه، فلما أجمعوا أن ذلك لا يجوز خرج نبيذ
التمر عن حكم المياه، ولم يجز الوضوء به على حال من الأحوال، وأما الوضوء باللبن أو بالخل أو بما عدا نبيذ التمر من الأنبذة، فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك لا يجوز، وإنما ذكر ما روي عن الحسن البصري من أن الوضوء لا يجوز بالنبيذ ولا باللبن حجة على من يجيز من أهل العراق الوضوء بالنبيذ؛ لأنه إمام من أئمتهم، وبالله التوفيق.
مسألة: يتيمم للنافلة يبتدئ ذلك في وقت صلاة أو قبل دخول وقت صلاة مفروضة
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يتيمم للنافلة يبتدئ ذلك في وقت صلاة أو قبل دخول وقت صلاة مفروضة، هل يجوز ذلك له؟ فقال ابن القاسم: إذا تيمم للنافلة، ثم صلى مكانه أجزأه، وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة، وإن أخر الصلاة بعد التيمم يجزه ذلك التيمم.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح على مذهب مالك؛ لأنه يستباح عنده بالتيمم جميع ما يمنع.
منه الحدث، بشرط عدم الماء مع طلبه أو طلب القدرة على استعماله، فإذا أراد الرجل أن يصلي نافلة وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، فطلب الماء فلم يجده، أو طلب من نفسه قدرة على استعمال الماء فلم يجدها، أجاز له أن يتيمم ويصلي ما شاء من النوافل إذا اتصلت؛ لأنها باتصالها في حكم النافلة الواحدة.
فإن أخر الصلاة بعد التيمم أو جلس بعد أن صلى نافلة واشتغل ثم أراد أن يصلي نافلة أخرى وجب عليه أن يعيد التيمم، لوجوب تكرار ما هو شرط في صحة التيمم من طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله.
وهذا كله بين، والحمد لله، وبالله التوفيق.
مسألة: يجد ماء قد تغير ريحه ولا يرى فيه جيفة ولا ميتة هل يتوضأ منه
مسألة وسئل ابن القاسم، عن الرجل يجد الماء في حوض قد تغير ريحه، ولا يرى فيه جيفة ولا ميتة، هل يتوضأ منه؟ أو يكون قد نظر إلى حمار أو بغل، أو ما لا يؤكل لحمه من الدواب والسباع يشرب منه وهو ينظر، هل يتوضأ منه؟ فقال ابن القاسم: إذا لم ير فيه ميتة أو شيئا علم أن فساد الماء جاء منه، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو معنى ما في المدونة؛ لأن المياه محمولة على الطهارة؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] ، وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11] ، فإذا وجد الرجل في الصحراء ماء في غدير أو حوض قد تغير ريحه، فهو محمول على أنه إنما تغير من ركوده وسكونه في موضعه، ما لم يوقن أنه تغير من نجاسة حلت فيه.
ولا ينجس ذلك الماء بشرب الدواب والسباع منه، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شرابا وطهورا» ، وذلك بخلاف البئر في المدن ينتن ماؤها فيحمل على أنه إنما أنتن من نجاسة لما يتخلل الدور من مجاري النجاسات على ما مضى في آخر سماع أشهب، وقد مضى الكلام عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: يرد الحياض وفيها الماء وهو عريان ليس عليه ثوب إلا ثوب نجس
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يرد الحياض، وفيها الماء، وهو عريان ليس عليه ثوب إلا ثوب نجس، وليس عليه ما يأخذ به الماء،
ويده قذرة، كيف يصل إلى الماء؟ وهل له أن يتيمم ولا يدخل يده في الحوض ويصلي؟ أم لا يتيمم، ويدخل يده في الحوض فيتوضأ ويغتسل؟ قال ابن القاسم: أرى أن يحتال بما قدر عليه حتى يأخذ من الماء ما يغسل به يده، إما بفيه أو بثوب إن كان معه أو بما يقدر عليه، وإن لم يقدر على حيلة، فإني لا أدري ما أقول فيها إلا أن يكون ماء كثيرا معينا، فلا بأس أن يغتسل به.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة صحيحة؛ لأن معنى قوله: ويده قذرة، أي قذرة من نجاسة، فإذا كانت يده نجسة لم يجز له أن يدخلها في الماء الذي يغتسل فيه قبل أن يغسلها؛ لأنه ينجس على نفسه الماء بذلك، إلا أن يكون ماء كثيرا معينا يحمل ذلك المقدار من النجاسة، ولا بد له أن يحتال في غسل يده قبل أن يدخلها في الماء كما قال: إما بفيه أو بثوب طاهر إن كان معه، أو ما أشبه ذلك.
وإن كان الماء إذا أخذه بفيه ينضاف بما يخالطه من ريقه، فلا تطهر بذلك يده ولا يرتفع عنها حكم النجاسة على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فإن عينها يزول به من يده، وإن بقي حكمها عليه في أنه لا يجوز له أن يصلي حتى يغسل يده بماء ليس بمضاف.
وإذا أزال عين النجاسة من يده بذلك، لم ينجس الماء الذي أدخلها فيه، وهذا ما لا خلاف فيه.
ولو لم يعلم بيده نجاسة لجاز له أن يدخلها في الماء إذا لم يمكنه صب الماء على يده، ولا يكن عليه أن يحتال لغسلها قبل على ما قال في آخر سماع أشهب، خلاف ظاهر قول أبي هريرة في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، فإن علم بطهارة يده أدخلها فيه ولم يكن عليه أن يحتال لغسلها بما ذكره من أخذ الماء بفيه أو بثوب.
وإن علم بنجاستها لكان عليه أن يحتال لذلك بما ذكره، وإن لم يعلم بها نجاسة ولا تيقن بطهارتها كان عليه أن يحتال لغسلها بما ذكره على ظاهر قول أبي هريرة، ولم يكن ذلك عليه على ما في آخر سماع أشهب، وقد مضى القول فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: الجنب يصيبه المطر فيقف فيه وينزع ثيابه فيغتسل مما يصيبه من المطر
مسألة وسئل ابن القاسم عن الجنب يصيبه المطر، فيقف فيه وينزع ثيابه، فيغتسل مما يصيبه من المطر هل يجزيه؟ فقال ابن القاسم: إذا تدلك وأعم بذلك جسده أجزأه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الغسل يجزيه إذا وقف للمطر فوقع عليه منه قدر ما يتأتى له به الغسل، فاغتسل به وتدلك، وعم جميع جسده، وقد مضى القول في هذا المعنى وما يتعلق به مبينا في أول نوازل سحنون، وبالله التوفيق.
مسألة: النصراني يتوضأ وضوء الصلاة ثم يسلم هل يجزيه وضوؤه
مسألة وسئل ابن القاسم عن النصراني يتوضأ وضوء الصلاة، ويصيب وضوء السنة ثم يسلم، هل يجزيه وضوؤه الذي كان توضأ وهو كافر؟ وهل يكون عليه أن يغتسل إذا أسلم ولا يجزيه وضوؤه؟ وكيف به إن كان اغتسل قبل أن يسلم، ثم أسلم بعد، هل يجزيه غسله في الكفر؟ فقال مالك: لا يجزئه إلا أن ينوي بغسله الإسلام، فيغتسل وهو يريد أن يسلم، فإن ذلك يجزيه، وإذا اغتسل وأصاب السنة في الغسل، فإن ذلك لا يجزيه إذا لم ينو به الإسلام، ولا يجزيه الوضوء وإن كان نوى به؛ لأن النصراني إذا أسلم لم يجزه إلا الغسل.
قال محمد بن رشد: الغسل والوضوء عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه لا يجزيان إلا بنية، والكافر لا تصح منه نية، فإن اغتسل قبل أن يعتنق الإسلام بقلبه ويظهره بلسانه لم يجزه الغسل عند مالك، وقوله في هذه الرواية: إن الغسل لا يجزيه إلا أن ينوي به الإسلام، يغتسل وهو يريد أن يسلم،
معناه إلا أن ينوي به الإسلام وهو يعتقده بقلبه قبل أن يظهره بلسانه؛ لأنه إذا اعتقده بقلبه فهو مسلم عند الله حقيقة، إلا أنا لا نحكم له بحكم الإسلام حتى يظهره إلينا بلسانه، ويستهل به على نفسه.
فقوله: وهو يريد أن يسلم، معناه: وهو يريد أن يظهره بلسانه، ويستهل على نفسه بالإسلام الذي اعتقده بقلبه، لتجري عليه في الدنيا أحكامه.
ولو اخترمته المنية قبل أن يلفظ بكلمة التوحيد بعد أن اعتقدها، لكان عند الله مؤمنا، ألا ترى أن الأبكم الذي لا يتكلم يصح إيمانه؛ لأنه من أفعال القلوب، وإنما يجب على الكافر الغسل إذا أسلم إذا كان قد جامع في حال كفره أو أجنب، قاله ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الصلاة، وهو مفسر لجميع الروايات، فإذا اغتسل نوى باغتساله الجنابة، فإن لم ينو الجنابة، واغتسل للإسلام أجزأه؛ لأنه أراد الطهر من كل ما كان فيه، وقد روى ابن وهب، عن مالك: أنه لا غسل على من أسلم، وهو بعيد في النظر؛ لأنه لو لم يكن عليه الغسل للجنابة التي كانت منه في حال الكفر لوجب أن لا يكون عليه الوضوء للحدث الذي كان منه في حال الكفر، ولكان له إذا أسلم أن يصلي بغير وضوء، إلا أن يحدث بعد إسلامه، وهذا ما لا يقوله أحد.
مسألة: الرجل إذا أسلم وهو نصراني هل عليه غسل ثيابه
مسألة قال زياد بن عبد الرحمن في الرجل إذا أسلم وهو نصراني: إنه لا يغسل من ثيابه إلا ما يعلم فيها نجاسة.
قال محمد بن رشد: وفي رسم "الصلاة" من سماع أشهب، من كتاب الصلاة: أنه لا يصلي فيها حتى يغسلها، يريد وإن لم يعلم فيها نجاسة، من أجل عرقه الذي لا تنفك منه ثيابه، خلاف قول زياد إذ لم يلتفت إلى ذلك في ظاهر قوله، فالاختلاف في هذا راجع إلى الاختلاف في نجاسة عرقه.
وقد مضى القول في ذلك في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب.
مسألة: الإناء تقع فيه قطرة بول الصبي أو دابة أو فارة أو خفاش
مسألة وسئل ابن القاسم عن الإناء تقع فيه قطرة بول الصبي أو دابة أو فارة أو خفاش، أو خرو دجاج أو بول بعير أو ثور أو بردون، أو قطرة من دم أو بول هر، أو لعاب كلب، أو لعاب فرس، أو حمار، أو بغل، أو يصب الماء من الجرة، فتخرج من الماء روثة حمار أو بغل أو بردون، فقال ابن القاسم: إذا كان الماء كثيرا مثل الجرار، فوقعت فيه قطرة من دم أو بول صبي أو دابة، كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه، فإن ذلك لا يفسده، وإن كان إناء قدر ما يتوضأ به فإن ذلك يفسده، وما أصاب الماء الذي يكون في الإناء من لعاب كلب أو دابة أو فرس أو حمار فإن ذلك لا يفسده، قال: وروث الدابة مثل بولها إذا كان الماء كثيرا، فوقع منه الشيء القليل أو الكثير، أو يقع في الزير، فإن ذلك لا يفسده إلا أن يكون ماء قليلا قدر ما يتوضأ به.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية مبنية على رواية المصريين عن مالك: أن الماء اليسير تفسده النجاسة اليسيرة وإن لم تغيره، وحد فيها أن اليسير الذي تفسده القطرة من الدم والبول، وإن لم تغيره هو مقدار ما يتوضأ به، وإن كان فوق ذلك كالجرار والزير لم يفسده ما وقع فيه من نجاسة قليلة أو كثيرة، يريد إلا أن يتغير من ذلك.
والمعلوم من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن ما كان من الماء مثل الجرار أو الزير، وإن كان لا يفسد بالقطرة من الدم أو البول يفسد بما هو أكثر من ذلك، وإن لم يتغير منه، بخلاف الماء الكثير كالبير والجب والماجل، ذلك لا يفسده بما حل فيه من النجاسات قلت أو كثرت، إلا أن يتغير من ذلك، فقد قال في المدونة في الجنب يغتسل في القصرية، ولم يغسل ما به من الأذى: إن ذلك يفسد الماء، فيأتي في حد الماء
اليسير الذي تفسده النجاسة اليسيرة، وإن لم تغيره على هذا قولان.
وفرق ابن القاسم أيضا بين حلول النجاسة في الماء الكثير، وبين موت الدابة فيه على ما مضى في رسم "النسمة" ومساواة ابن القاسم في هذه الرواية بين ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه من الدواب في أن القطرة منه تفسد الماء اليسير ليس على أصل المذهب، إذ لم يختلف قول مالك في أن أبوال الأنعام، وأرواثها طاهرة، وكذلك كل ما يؤكل لحمه في المشهور عنه، وهو مذهبه في المدونة، فإنما راعى ابن القاسم في هذه الرواية مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن أبوال جميع الحيوان، وأرواثها نجسة كانت تؤكل لحومها أولا تؤكل؟ وأن اليسير من ذلك ينجس الماء وإن كثر، وقوله في لعاب الكلب والدابة والفرس والحمار: إنه لا يفسد الماء، هو على ما في المدونة من أنه لا بأس بأسآرها، وقد قال مالك في الكلب يوكل صيده، فكيف يكره لعابه؟
مسألة: الجب من ماء السماء تقع فيه الفارة أو الحية وما أشبه ذلك
مسألة وسئل ابن القاسم عن الجب من ماء السماء، تقع فيه الفارة أو الحية، وما أشبه ذلك مما لا يعيش في الماء من دواب الأرض، أو يقع فيه الروث فيوجد فيه الروث طافيا على الماء رطبا أو يابسا، فقال مالك: لا خير فيه.
قال ابن القاسم: أما الروث يقع في الجب فيوجد طافيا على الماء، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: تسهيل ابن القاسم في الروث يوجد في الجب طافيا على الماء، هو الصحيح على أصل المذهب في أن النجاسة لا تفسد الماء الكثير، إلا أن تغير أحد أوصافه، ومساواة مالك بين ذلك وبين موت الفارة أو الحية فيه في أنه لا خير في ذلك، ينحو إلى مذهب أهل العراق في أن
الماء الكثير تنجسه النجاسة اليسيرة، وقد روى علي بن زياد، عن مالك في المجموعة نحوه، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: وقع في الجب أو البئر من النجس ثم يعجن به العجين أو يطبخ به قدر
مسألة وسئل ابن القاسم عما وقع في الجب أو البئر من النجس، ثم يعجن به العجين، أو يطبخ به قدر، أو يصنع به شيء من الطعام، ثم يعلم به، أيؤكل ذلك الطعام؟ فقال ابن القاسم: أما ما عجن به من الطعام فلا يؤكل، وأما ما طبخ به من اللحم، فإنه يغسل ويؤكل اللحم.
قال موسى: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن عباس، عن القدر يطبخ بماء أصابه نجس، فقال: يهرق المرق، ويغسل اللحم ويؤكل، قال: فهذا الحديث قوة لابن القاسم.
قال محمد بن رشد: هذه رواية حائلة خارجة عن أصل المذهب؛ لأنه حكم للماء الكثير بحكم النجس بحلول النجاسة فيه، فقال: إن ما عجن بذلك الماء من الخبز لا يؤكل، وهم لم يقولوا ذلك إلا في موت الدابة فيه، لا في حلول النجاسة، ثم ناقض بقوله: إن ما طبخ من اللحم بذلك الماء يغسل ويؤكل، خلاف ما في رسم "النذور والجنائز" من سماع أشهب، وخلاف ما في سماع يحيى من كتاب الصيد في مسألة البيض يسلق، فيوجد في إحداهن فرخ.
وغسل اللحم لا يصح إذا طبخ بماء نجس؛ لمخالطة النجاسة لجميع أجزائه ومداخلته إياها، وإنما يصح غسله إذا سقطت فيه النجاسة بعد طبخه، وهو الذي روي عن ابن عباس فيما رأيت، فأرى هذه الرواية عنه غلطا، والله أعلم.
روي عن علي بن مسهر أنه قال: كنا عند أبي حنيفة، فأتاه عبد الله بن المبارك فقال له: ما تقول في رجل كان يطبخ قدرا، فوقع فيه طائر فمات؟ فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما تقولون فيها؟ فرووا له عن ابن عباس أنه قال: يهرق المرق، ويؤكل اللحم بعد غسله، فقال أبو حنيفة: هكذا نقول، إلا أن
فيه شريطة إن كان وقع فيها في حال غليانها، ألقي اللحم وأريق المرق، وإن كان قد وقع فيها في حال سكونها غسل اللحم وأكل، ولم يوكل المرق، فقال ابن المبارك: من أين قلت هذا؟ قال: لأنه إذا وقع فيها في حال غليانها، فقد وصل من اللحم إلى حيث يصل منه الخل والماء، وإذا وقع في حال سكونها ولم يمكث لم يداخل اللحم، وإذا نضج اللحم لم يقبل ولم يدخله من ذلك شيء، فقال ابن المبارك: رزير، يعني الذهب بالفارسية، وعقد بيده ثلاثين، كأنه نسب كلام أبي حنيفة إلى الذهب.
قال محمد بن رشد: وكلام أبي حنيفة في هذه المسألة هو عين الفقه، فقد روي: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الفارة تموت في السمن: «إن كان جامدا فكلوه، وإن كان مائعا فلا تقربوه» ، فاللحم بمنزلة الجامد من السمن إذا وقعت فيه النجاسة بعد طبخه، يؤكل بعد أن يغسل مما تعلق به من المرق والنجس، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يعلم الرجل الوضوء بالماء هل يجزيه ذلك من وضوئه للصلاة
مسألة وسئل عن الرجل يعلم الرجل الوضوء بالماء، هل يجزيه ذلك من وضوئه للصلاة؟ أو يعلمه التيمم في موضع لا يجد فيه ماء، وقد دخل وقت ذلك الصلاة، هل يجزيه ذلك التيمم؟ فقال ابن القاسم: يجزيه الوضوء إذا نوى به للصلاة، والتيمم مثله إذا نوى به الصلاة، قال موسى بن معاوية: فإن لم ينوه لم يجزه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الوضوء والتيمم لا يجزئان إلا بنية، فإذا توضأ أو تيمم لما لا يتوضأ له، ولا يتيمم فرضا ولا نفلا لم يصل بذلك الوضوء ولا بذلك التيمم، إلا أن ينوي به طهر الصلاة، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم "يتخذ الخرقة لفرجه" من سماع ابن القاسم.
مسألة: يتوضأ للصلاة ثم يرتد عن الإسلام ثم يستتاب فيراجع الإسلام
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يتوضأ للصلاة، ثم يرتد عن الإسلام، ثم يستتاب فيراجع الإسلام، هل عليه أن يتوضأ للصلاة أم يجزيه الوضوء الأول؟ فقال ابن القاسم: أحب إلي أن يتوضأ.
قال محمد بن رشد: وقال يحيى بن عمر، بل واجب عليه أن يتوضأ؛ لأن الكفر أحبط عمله.
وهذا الاختلاف جار على اختلافهم في الأعمال، هل تحبط بنفس الكفر بظاهر قول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] أو لا تحبط إلا بشرط الوفاة على الكفر؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] ، والقولان قائمان من المدونة.
فمن قال بدليل الخطاب لم ير أن تحبط الأعمال بنفس الكفر، ومن لم يقل به رأى أنها تحبط به، ولهذا تفسير، وذلك أن قول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] ، ظاهره أن الأعمال تحبط بنفس الشرك، وفي قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217] دليل على أن من ارتد ولم يمت كافرا لم يحبط عمله، ولا كان مخلدا في النار.
فأما كونه غير مخلد في النار فالإجماع على ذلك يغني عن الدليل فيه، وأما كون عمله غير محبط بالارتداد فيعارضه ظاهر قوله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] ، فمن لم يقل بدليل الخطاب من هذه الآية حمل قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] على ظاهره، فقال: إن الأعمال تحبط بنفس الارتداد، وهو قول ابن القاسم وروايته
عن مالك في كتاب النكاح الثالث من المدونة في الذي يحج حجة الإسلام، ثم يرتد، ثم يراجع الإسلام أن الحج الذي حج قبل ارتداده لا يجزيه، وكذلك قال على قياس هذا: إن ما ضيع من الفرائض قبل ارتداده لا يلزمه قضاؤه، بدليل قوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] . ومن قال بدليل الخطاب من هذه الآية، أن من ارتد ولم يمت على الكفر لم يحبط عمله، فسر به قوله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] لمعارضته له في الظاهر، فقال: معناه لئن أشركت ووافيت على الكفر ليحبطن عملك، وهو قوله في هذه الرواية؛ لأنه استحب له إذا توضأ ثم ارتد ثم راجح الإسلام، أن يعيد الوضوء، ولم ير ذلك عليه، والقول الأول أظهر أن يحمل قوله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] على ظاهره، بأنه يحبط بنفس الكفر وإن راجع الإسلام، وما في الرواية الثانية من إن مات وهو كافر حبط عمله، وخلد في النار زيادة بيان على ما في الآية الأولى، وبالله التوفيق.
مسألة: الذي يتوضأ وينسى غسل رجليه فيمر بنهر ويدخل فيه ويخوضه
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يتوضأ وينسى غسل رجليه، فيمر بنهر ويدخل فيه ويخوضه، هل يجزيه من غسل رجليه؟ قال: قال مالك: إذا دلك إحدى رجليه بالأخرى أجزاه.
قال ابن القاسم: وإذا دلك إحدى رجليه بالأخرى، وكان يستطيع ذلك فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: ولا بد له من تجديد النية؛ لأنه لما نسي غسل رجليه وفارق وضوءه على أنه قد أكمله ارتفضت النية المتقدمة فيلزمه تجديدها، وكذلك قال في المدونة في الذي توضأ وأبقى رجليه، فخاض نهرا وغسلهما فيه: إن ذلك لا يجزيه إلا بنية؛ لأن معنى ذلك أنه أبقى رجليه ظنا منه أنه قد أكمل وضوءه.
ولو أبقاهما قاصدا ليغسلهما في النهر لم يحتج في ذلك إلى تجديد النية وأجزاه غسلهما في النهر دون تجديد نية إن كان النهر