كتاب الجامع الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
زهد طلق بن حبيب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليما
كتاب الجامع الخامس ومن كتاب طلق بن حبيب حكاية عنه قال مالك: بلغني أن طلق بن حبيب، جلس إليه رجل ومعه الناس فدعا فذكر، فلما أراد أن يقوم قال: إنكم لن تستبقوا من أنفسكم باقيا، وإنكم لم تلوذوا من الدنيا بمنيع، وإن مجلسكم هذا آخر مجلس تجلسون من الدنيا، وكذلك الدنيا حتى تنقضي المجالس.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه جلس للناس يعظهم ويذكرهم، فكان من آخر قوله لهم حين أراد أن يقوم: إنكم لن تستبقوا من أنفسكم باقيا، وإنكم لم تلوذوا من الدنيا بمنيع يريد أنهم أتعبوا أنفسهم في طلب الدنيا، واستنفذوا جهدهم في ذلك ولم يحصلوا منها على طائل.
وأما قوله: وإن مجلسكم هذا آخر مجلس تجلسون من الدنيا، فالمعنى في ذلك عندي والله أعلم أنه كره لنفسه جلوسهم إليه ليعظهم ويذكرهم، وعزم ألا يعود إلى ذلك، فقال لهم: إن هذا المجلس آخر مجلس تجلسون فيه إلي، وكذلك أمور الدنيا كلها إلى انقراض وتمام، وبالله التوفيق.
الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس بجعل في أموالهم
في الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس بجعل
في أموالهم قال مالك: كان زياد بن عبيد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس في المناهل ويجعل لهم في أموالهم جعلا فنهيته عن ذلك وقلت: إنما هذا على السلطان يرزقهم، فقيل له: فإن أمير المؤمنين جعل لمن ولي عليهم شركا معهم فيما اشتروا، قال: ما أشرت به ولا أمرته بذلك، ثم قال: إن هناك أمورا يخاف منها ما يخاف، وفسر فيها تفسيرا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الواجب أن يجعل للشرط المتصرفين بين أيدي القضاة في أمور الأحكام رزق من بيت المال؛ لأن ذلك من المنافع التي تعم الناس، فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب، إلا أن يلد المطلوب ويختفي ويغيب تعنتا بالطالب فيكون الجعل في إحضاره عليه.
وأما أن يجعل لمن ولي على أهل السوق شركا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين، وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد لما له فيه من النصيب، وقال هاهنا: فإن أمير المؤمنين، وقال في كتاب السلطان: فإن صاحب السوق وهو الصحيح والله أعلم.
التحدث عن بني إسرائيل
في التحدث عن بني إسرائيل وسئل مالك عما ذكر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ، قال: لم أسمع به من ثبت، فأما ما كان من كلام حسن فلا بأس.
قال محمد بن رشد: ذكر الطحاوي هذا الحديث عن عبد الله بن
عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ، وقال: إن معنى قوله: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أي ولا حرج في ترك الحديث عنهم، فأباح أن يتحدث عنهم؛ إرادة أن يعلموا ما كان فيهم من العجائب؛ لأن الأنبياء كانت تسوسهم كلما مات نبي قام نبي ليتعظوا بذلك، ورفع الحرج عنهم في ترك التحدث بخلاف التحدث عنهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخذ الميثاق عليهم في التبليغ عنه، فقال: «بلغوا عني ولو آية» ، وتأويله خلاف تأويل مالك له في هذه الرواية؛ لأن الظاهر من قوله أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أباح التحدث عنهم بما يذكر أنه كان فيهم من العجائب وإن لم يأت ذلك بنقل العدل من العدل إذا كان من الكلام الذي لا يدفعه العقل؛ إذ ليس تحته حكم فيلزم التثبت في رواته وبالله التوفيق.
ترك قبول العطاء
في ترك قبول العطاء قال مالك: لما قدم ربيعة بن أبي عبد الرحمن على أبي العباس أمر له بجارية فأبى أن يقبلها، فأعطاه خمسة آلاف درهم يشتري بها جارية حين أبى أن يقبلها، فأبى أن يقبلها ورأيت ابن القاسم يعجبه فعل ربيعة ويستحسنه.
قال محمد بن رشد: لما أبى أن يقبل الجارية تأول عليه أنه إنما أبى من قبولها مخافة ألا تكون خلصت لبيت المال بوجه صحيح، فأمر له
بالدراهم التي لا تتعين، فأبى من قبولها أيضا.
واستحب ذلك ابن القاسم.
من فعله؛ لأن العباس لم يكن من أئمة العدل الذي مجباه حلال والمجبى إذا كان يشوبه حلال وحرام فأكثر أهل العلم يكرهون الأخذ منه، ومن أهل العلم من يكره الأخذ من المجبى الحلال إذا لم يعدل في قسمه، وأما إذا عدل في قسمه فلا بأس بالأخذ منه وتركه أفضل؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا، قالوا: ولا منك يا رسول الله، قال: ولا مني» ؛ لأن من ترك حقه فيه، ولم يأخذه فقد أثر به غيره ممن يعطاه على نفسه، فله أجر ذلك، وبالله التوفيق.
ما لا يجب فيه الحد من التعريض
في ما لا يجب فيه الحد من التعريض وحدثني أن مروان بن الحكم جلد رجلا الحد قال لرجل: إن أمك لتحب الظلم فجلده الحد، قال ابن القاسم: قال مالك: ليس عليه العمل.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير مالك عليه العمل؛ إذ ليس عنده بتعريض بين لاحتمال أن يريد أنها تحب الظُّلَم لئلا يبدو قبح صورتها أو سماجة هيئتها وما أشبه ذلك من المعاني التي لا يراد بها الزنى، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحدود في القذف وبالله التوفيق.
النبيذ الذي يعمل في السقاية
في النبيذ الذي يعمل في السقاية وقال لمالك رجل من الحجبة: إنه يقال: إن النبيذ الذي
يعمل في السقاية من السنة، فقال: لا والله، يريد ما هو من السنة، فقيل له: إنه قد كان على عهد أبي بكر وعمر، وقال: ما كان على عهدهما، ولو ذكرت لكلمت أمير المؤمنين حين قدم علينا فيه، يقول: ليقطعه، وكرهه كراهية شديدة.
قال محمد بن رشد: قد أنكر مالك أن يكون ذلك من السنة وأقسم على ذلك أن يكون على عهد أبي بكر وعمر، فكفى بقوله في ذلك حجة، واتباع رأيه في ذلك صواب ورشاد؛ لأن الرشد في إتباع السنة والأمر الماضي، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، ومالك يكره للرجل شرب النبيذ وإن كان حلالا؛ مخافة الذريعة، ولئلا يعرض بنفسه سوء الظن، فكيف بعمله في السقاية، وبالله التوفيق.
حكاية عن زيد بن أسلم
قال مالك: واستعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم، وكان معدنا لا يزال يصاب فيه الناس من قبل الجن، فلما وليهم شكوا ذلك إليه، فأمرهم بالأذان وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا وارتفع ذلك عنهم، فهم عليه حتى اليوم، وأعجبني ذلك من مشورة زيد بن أسلم.
قال محمد بن رشد: إنما أمرهم زيد بن أسلم بذلك لما جاء في الحديث من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع النداء، فإذا قضى النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر» .. الحديث، فهو منه اهتداء حسن لما يذهب به ضرر
الجن عن أهل ذلك المعدن، ولذلك أعجب مالكا ذلك من مشورته به وبالله التوفيق.
ما يحذر من تغير الزمان
فيما يحذر من تغير الزمان قال مالك: بلغني أنه يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغرق.
قال محمد بن رشد: هذا هو الزمان الذي لا يؤمر فيه بمعروف ولا ينهى فيه عن منكر الذي أنذر به النبي عليه السلام والله أعلم، روي عن أنس بن مالك، قال: «قيل يا رسول الله: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم» ، وبالله التوفيق.
فتح خيبر
في افتتاح خيبر
قال مالك: حدثني ابن شهاب، أن خيبر كان بعضها عنوة وفيها أربعون ألف عذق، وبعضها صلحا، والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، وقد كتب أمير المؤمنين أن تقسم مع صدقات النبي عليه السلام، فهم يقسمونها في الأغنياء والفقراء، فقيل له: أفترى ذلك؟ قال: لا، ولكن أرى أن يؤثر بها الفقراء.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم نذر سنة وفي ذكر غزوة
خيبر في رسم البز، وفي غيره من المواضع القول في افتتاح خيبر فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تخيير عمرأزواج النبي عليه السلام بين الإقطاع أو الإنفاق
في تخيير عمر أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
بين الإقطاع أو الإنفاق قال مالك: خير عمر بن الخطاب نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يجري عليهن نفقتهن أو يقطع لكل واحدة منهن قطيعا من الأرض، فكانت عائشة وحفصة قد اختارتا أن يقطع لهما فقطع لهما عمر بن الخطاب بذلك في الغابة.
قال محمد بن رشد: إنما خير عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما خيرهن فيه؛ لأن النفقة كانت لهن واجبة بعد موت النبي عليه السلام فيما أفاء الله عليه من بني النضير، وفدك، وسهمه بخيبر بقوله عز وجل: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: 6] . كما كانت تجب لهن في حياته من أجل أنهن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - محبوسات عليه ليكن أزواجه في الجنة، محرمات على غيره، يبين ذلك قوله عليه السلام: «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عائلي فهو صدقة» ، فكان أبو بكر الصديق بعد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يلي ما أفاء الله على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك بما كان يليه هو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حياته، فكان ينفق منه على عياله ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح، وفي
هذه الولاية تخاصم إليه علي والعباس ليليها كل واحد منهما بما كان يليها به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،، ثم سار عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد أبي بكر في ذلك بسيرة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأبي بكر، غير أنه خير أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما تخترنه من إقطاع الأرض أو إجراء الإنفاق وقد مضى هذا في رسم جامع البيوع من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.
الاستعاذة من الجار السوء
في الاستعاذة من الجار السوء قال مالك: وكان يقال اللهم إني أعوذ بك من جار سوء في دار إقامة.
قال محمد بن رشد: المحنة بالجار السوء عظيمة، وقد روي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الدار ترد من سوء الجوار فالاستعاذة بالله منه واجبة.
غلظة مروان بن الحكم في الحد
في غلظة مروان بن الحكم في الحد وسئل مالك عن الذي جلده مروان الحد حين قال للرجل: أمك تحب الظلم أترى فيه الحد؟ قال: لا أرى ذلك عليه، ولقد كان مروان ينتزع ثنية الرجل؛ يقبل المرأة فينزع ثنيته لذلك.
قال محمد بن رشد: أما حد القذف في التعريض بقول الرجل للرجل: إن أمك لتحب الظلم فله وجه، وإن كان مالك لا يرى ذلك ولا يأخذ به على ما تقدم من قوله قبل هذا في هذا الرسم، وأما نزع ثنية الرجل إذا قبل المرأة فلا وجه له بوجه، وقد أنكره مالك عليه، وبالله التوفيق.
دعاء الرجل بالموت
في دعاء الرجل بالموت قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز دعا رجلا فقال:
ادع لي بالموت، فقال الرجل: وأنت فادع لي به، فقال عمر للرجل: لِم لَم تدع لي بالموت وأنت مخلى؟ فقال: إني أحب ذلك، قال: فدعوا فمات عمر ولم يمت الرجل، وبقي فكان الرجل يقول بعد ذلك: إن عمر بن عبد العزيز كان صادقا يريد الموت، وإني لم أكن صادقا.
قال سحنون قال ابن القاسم: قال لي مالك: والرجل رجل من أهل الشام كان له فضل، قال مالك: إني لأقول إن عمر بن الخطاب كان يحب ما يحب الناس من البقاء في الدنيا والمال والنساء، ولكنه خاف العجز فلذلك دعا الله اللهم اقبضني إليك غير مفرط ولا عاجز.
قال محمد بن رشد: ما قاله مالك في قول عمر بن الخطاب اللهم اقبضني إليك غير مفرط ولا عاجز من أنه إنما دعا بذلك مخافة الغير في الدين مثلُه يقال في دعاء عمر بن عبد العزيز على نفسه بالموت: إنه إنما دعا بذلك لما كان امتحن به من أمر الخلافة فخشي على نفسه التقصير فيما يتعين عليه في أمرها فيقع في الحرج، فإنما فر من الإثم بطول الحياة، ولا يجوز لأحد أن يدعو لنفسه بالموت من أجل ضر نزل به، فقد جاء النهي في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، روي عنه أنه قال: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» وبالله تعالى التوفيق.
[الأسير في قول الله عز وجل وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]
في الأسير في قول الله عز وجل
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]
هل هو مسلم أو مشرك؟ وسئل مالك عن قول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] الأسير هل مسلم أو مشرك؟ قال: بل مشرك، وقد كان ببدر أسارى فأنزلت فيهم هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] وكانوا مشركين وقد افتدوا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين قاموا ولم يذهبوا.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في المراد بالأسير في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] فقيل: الأسير هو الحربي من أهل دار الحرب يؤخذ قهرا بالغلبة، والمسلم يحبس في حق، فأثنى الله تبارك وتعالى على الأبرار الذين يطعمون الطعام على حبهم إياه هؤلاء الأصناف، وقيل: المراد الأسير الحربي الكافر يؤسر، وقيل: المراد به المسجون من أهل القبلة، والأظهر أن يحمل على كل أسير كان من أهل الإسلام، أو من أهل الكفر، وبالله التوفيق.
المقصورة في الجامع
في المقصورة في الجامع قال مالك: أول من جعل مقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، قال فجعل مقصورة من طين وجعل فيها تشبيكا.
قال محمد بن رشد: وجه قوله الإعلام بأن المقصورة محدثة لم
تكن على عهد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا على عهد الخلفاء بعده، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم، وقد قيل: إن معاوية بن أبي سفيان هو أول من اتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على نفسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، فاتخاذها في الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانا وتعلق أحيانا فالصف الأول هو الخارج عنها اللاحق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصف الأول هو اللاحق بجدار القبلة داخلها، روى ذلك عن مالك.
وقوله: وجعل فيها تشبيكا يريد تخريما يرى منه ركوع الناس وسجودهم للاقتداء بهم، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
الطلوع على منبر النبي عليه السلام بخفين
في الطلوع على منبر النبي
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - بخفين قال مالك: استشارني بعض ولاة المدينة أن يطلع منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخفين ونهيته عن ذلك، ولم أر أن يطلعه بخفين، فقيل له: فالكعبة؟ فقال: إن بعض هؤلاء الحجبيين ممن قدم علينا يذكر أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نهى أن يطلع أحد الكعبة بنعلين، فقيل له: فالرجل يجعلهما في حجرته؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من كراهيته أن يطلع أحد منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بخفين أو نعلين للإمام أو غير الإمام، وأن يدخل أحد البيت بنعلين أو خفين؛ إكراما لهما وترفيعا وتعظيما، إذ من الحق أن ينزها عن أن يوطأ بالخفاف والنعال المتخذة لصيانة القدمين عن المشي بهما
في الطرق والمحاج وإن كانت طاهرة، ولم ير ابن القاسم بأسا في المدونة أن يدخل بهما في الحجر، وكره ذلك أشهب في المجموعة؛ لأن الحجر من البيت، قال: وكراهيتي لذلك في البيت أشد وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، وبالله التوفيق.
عدة من قتل وأسر من المشركين يوم بدر
في عدة من قتل وأسر من
المشركين يوم بدر قال مالك: بلغني أن قتلى بدر كانوا شبيها بمن أسر منهم، كان من قتل منهم بضعة وأربعين، ومن أسر كذلك بضعة وأربعين، وكان فداؤهم مختلفا لم يكن شيئا واحدا كان بعضهم في ذلك أكثر من بعض.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن القتلى كانوا سبعين، والأسرى سبعين، وقد قال ابن عبد البر في كتاب الدرر له: لا يختلفون أن القتلى يومئذ سبعون والأسرى سبعون في الجملة، وقد يختلفون في تفضيل ذلك، وقد سمى أهل السير الأسرى منهم والقتلى ومن قتل كل واحد منهم وإن كانوا يختلفون في بعضهم، وبالله التوفيق.
ما روي عن حذيفة في قتل عثمان رضي الله عنه
فيما روي عن حذيفة في قتل عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال وحدثنا مالك: وقال معاوية من يحفظ حديث حذيفة؟ فقال عبد الرحمن بن غنم، فقال: كيف كان يقول؟ قال: اللهم إني لم أشارك غادرا في غدرته، وإني أعوذ بك من صباح السوء، قال مالك: أراه يعني الموت، فقال معاوية: كذب قد أعان على قتل عثمان، فقال ابن الأسود: دعوه فهو أعلم بما يتكلم به، قال له معاوية: وأنت قد أشركت في دمه، قال: أما أنا فنهيته عما قيل
فيه، فأنت أسلمته حين احتاج إليك، قال: فثنى معاوية برجله فدخل.
قال محمد بن رشد: حذيفة بن اليمان من فضلاء الصحابة يعرف فيهم بصاحب سر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان عمر ابن الخطاب يسأله عن المنافقين وينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، وخيره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الهجرة والنصرة فاختار النصرة، فليس ممن يتهم في أنه أعان على قتل عثمان، ولا يتهم في ذلك أحد أيضا من المهاجرين ولا الأنصار، روي عن الحسن أنه قيل له: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا كانوا أعلاجا من أهل مصر، ولولا أنه منعهم من الدفاع عنه والقتال دونه لفعلوا، روي عن محمد ابن سيرين أنه قال: انطلق الحسن والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان بن الحكم كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال
عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فخرج ابن عمر والحسن والحسين، وقاك ابن الزبير ومروان: ونحن نعزم على أنفسنا ألا نبرح ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وروي عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: لو أن أحدا ارفض لما فعل بابن عفان كان محقوقا وهو كما قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإنه كان حدثا عظيما لم يجر في الإسلام مثله.
وإنما منع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من الدفاع عنه والقتال دونه لعهد كان عنده في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، روي «عن عائشة قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادع لي بعض أصحابي، فقلت: أبو بكر؟ فقال: لا، فقلت: عمر؟ قال: لا، فقلت ابن عمك علي؟ قال: لا، فقلت له عثمان بن عفان؟ قال: نعم، فلما جاء قال لي بيده، فتنحيت فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر، قيل له: ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عهد إلي عهدا وأنا صابر نفسي عليه» وبالله التوفيق.
شرب الفلونية والترياق للمحرم
في شرب الفلونية والترياق للمحرم وسئل مالك عن شرب الفلونية والترياق للمحرم وفيها الزعفران، قال: لا بأس به، والذي فيه من الزعفران ليس له قدر، لا يرى، وما أرى به بأسا، قال مالك حين ذكر شرب
الترياق للمحرم: أشد من هذا عندي ما يصيب الناس في إحرامهم من طيب البيت وخلوقه، كأنه يرى أن لهم في ذلك سعة وأنه أمر لا يستطاع، يقول: فكيف يصنعون؟ قال محمد بن رشد: إنما جاز للمحرم شرب الفلونية والترياق؛ لأن الذي فيهما من الزعفران يسير لا قدر له ولا يظهر فيهما فلم ير له حكما لما كان مستهلكا فيهما، كما أن لبن المرأة عنده إذا خلط بالطعام وعصد به حتى صار هو الغالب عليه لم يقع به حرمة، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة وغيرها من أن المحرم لا يأكل الطعام الذي فيه الزعفران إلا أن يكون قد مسته النار، قال ابن حبيب فتعلك بالطعام حتى صار لا يصبغ اليد ولا الشفة لهذه العلة ولمعنى آخر أيضا وهو أن الفلولنية والترياق إنما يشربان لضرورة التداوي، فليس بمنزلة الطعام الذي يؤكل من غير ضرورة، يدل على هذا التعليل تقييد مالك ذلك بما يصيب الناس في إحرامهم من طيب الكعبة وخلوقها؛ لأنهم مضطرون إلى ذلك فأشبه ضرورة التداوي، وبالله التوفيق.
تحديد عمر الحرم وموضع المقام من البيت
في تحديد عمر الحرم وموضع المقام
من البيت
قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب هو الذي حد علم الحرم وأنه حين أراد أن يحده أرسل إلى ناس كانوا يدعون في الجاهلية أهل معرفة بذلك الموضع، فسألهم عن ذلك فحددوها ووضعوا أنصابها.
قال مالك: كان المقام ملتصقا بالبيت، وكان الطواف من ورائه، وإنما ألصق لمكان السيل خيف عليه منه فقدم، فلما ولي عمر ابن الخطاب أخرجه إلى هذا الموضع، وهو موضعه الذي كان
فيه في الجاهلية، وأنه وجد خيوطا كان قد قيس بها موضعه حين هدم فقاسه بها حتى رده إلى موضعه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا في رسم اغتسل ومثله في المدونة بمعناه، وفيه الفضيلة لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما تهمم به من ذلك وصنعه، وبالله التوفيق.
ما يختار للراعف من البناء أو القطع
فيما يختار للراعف من
البناء أو القطع قال: وقد كان بعض أهل العلم يقول: لأن أتكلم وأبتدِي أحب إلي من ألا أتكلم وأبني، قال: فكيف يعمل؟ لا يتكلم في وضوئه وينصت في ذلك كله!!! ورأيه أن يتكلم ويبتدي.
قال محمد بن رشد: ليس البناء في الرعاف بواجب، وإنما هو من قبل الجائز، وقد اختلف في المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع، وهو قول بعض أهل العلم في هذه الرواية: لأن أتكلم وأبتدى أحب إلي من ألا أتكلم وأبني، وهو القياس، فإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة.
واختار مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - البناء على الاتباع للسلف بأن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله في أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وهو قوله في هذه الرواية: إنه لا يتكلم في وضوئه وينصت في ذلك كله.
وقوله في آخر الكلام: ورأيه أن يتكلم ويبتدئ هو من قول مالك حكاية عما اختاره بعض أهل العلم على ما حكي عنه، وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء، وهو قوله: إن الإمام إذا رعف فاستخلف بالكلام جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته بالكلام بعد
الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف، والصواب ما في المدونة أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع له جائز في قول، ومستحب في قول، فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو ما يستحب له؟ وبالله التوفيق.
[تفسير قول الله عز وجل وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ]
في تفسير قول الله عز وجل ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: 17]
وقول أم سليم للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
يوم حنين وسئل عن قول الله تعالى وتبارك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] ، قال في حصب رسول الله المشركين يوم حنين.
قال مالك: «وقالت له أم سليم ذلك اليوم من يا رسول الله يضرب رقاب هؤلاء المنهزمين؟ وهي قابضة بعنان بغلته، قال: أويأتي الله عز وجل يا أم سليم بخير من ذلك» قال مالك وكانت عائشة مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الخندق.
قال محمد بن رشد: قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] إن ذلك في حصب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المشركين يوم حنين صحيح لا اختلاف فيه من أهل العلم بالتفسير، ولم ينف الله عنه عز وجل الرمي جملة وإن كان الله عز وجل هو الفاعل له الخالق لكل شيء، قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] ؛ لأن للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيه الكسب الذي يثاب عليه ويسمى
به راميا حقيقة لا مجازا، وإنما الذي نفي عنه جملة الانتفاع الذي كان عن الرمي فانهزم به المشركون، وذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما واجهه العدو يومئذ صاح بهم صيحة وأخذ حصى أو ترابا ورمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق منهم أحد إلا دخلت الحصاة والتراب في عينيه، فلم يملكوا أنفسهم ورجعوا على أعقابهم، ونادى مناديه يا آل المهاجرين يا آل الأنصار، فما تكامل المسلمون بالرجوع إليه إلا وأسرى المشركين بين يديه.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأم سليم: «أويأتي الله بخير من ذلك يا أم سليم» إذ قالت له ما قالت يريد ما فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الدعاء إلى الله عز وجل بإنجاز ما وعده به من النصر، وكذلك فعل، رفع يديه إلى الله عز وجل يدعو يقول «اللهم أسألك ما وعدتني» ونادى أصحابه وقبض قبضة من الحصى فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها، وقال: «شاهت الوجوه» وأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الآن حمي الوطيس» فهزم الله أعداءه من كل ناحية، حصبهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نسائهم وذراريهم وشاءهم وإبلهم، وفي ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] الآية، وقال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25] الآية، إلى قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 26] .
وفيما ذكره شهود النساء الغزوات ليخدمن الغزاة ويسقين الماء ويداوين الجرحى، ولا لسهم لهن من الغنيمة ولا للصبيان ولا للعبيد، واختلف أهل العلم هل يرضخ لهم من الغنيمة على غير وجه قسم، فلم ير ذلك
مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وذهب ابن حبيب إلى أن ذلك مما يستحب للإمام أن يفعله، وهذا على الاختلاف هل للإمام أن ينفل من جملة الغنيمة وقد مضى الكلام على هذا في ذكر غزوة حنين من رسم البز، وبالله تعالى التوفيق.
أول من استقضي
في أول من استقضي قال مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور المسلمين غيرهم حتى كان بعد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم من قوله قبل هذا في رسم سئل عن تأخير صلاة العشاء في الحرس، من أن أول من استقضى معاوية يريد والله أعلم أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه؛ لاشتغاله بما سوى ذلك من أمور المسلمين كبعث البعوث وسد الثغور وفرض العطاء وقسم الفيء وما أشبه ذلك، فقد ولى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على ما ذكر قضاء البصرة أبا مريم الحنفي، ثم عزله وولى كعب بن سور اللقطي، فلم يزل قاضيا حتى قتل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وولى شريحا قضاء الكوفة، يدل على صحة تأويلنا هذا في هذه الرواية، قوله فيها: " وما كان ينظر في أمور المسلمين غيرهم، إذ لا يصح أن ينظروا هم بأنفسهم في أمور المسلمين إلا في مواضعهم التي هم فيها إلا فيما بعد من البلاد "، والذي مضى من قوله في رسم تأخير العشاء المذكور، ويأتي في رسم المحرم ما يرد هذا التأويل ويدفعه، وبالله التوفيق.
بركة اسم النبي عليه السلام
في بركة اسم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا رزقوا، ورزق خيرا.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بكثرة التجربة له، وأن يكون عندهم في ذلك أثر مروي وبالله تعالى التوفيق.
وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه
في وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: من كان له رزق في شيء فليلزمه.
قال محمد بن رشد: ما حض عمر على هذا والله أعلم إلا وقد خشي على من هيأ الله تعالى له رزقا في شيء فلم يعرف حق الله تعالى فيما هيأ له منه فتركه إلى غيره ألا يخار له في ذلك، وما خشيه عمر ينبغي لكل مسلم أن يخشاه، فإنه كان ينطق بالحكمة، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله ضرب بالحق على قلب عمر ولسانه» ، فكان يرى الرأي بقلبه ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق فيه، وبالله تعالى التوفيق.
[تفسير قول الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ]
في تفسير قول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] قال مالك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة، فلما أنزل صرف القبلة أنزل الله تعالى في هذا:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] للصلاة التي كانوا يصلونها تلقاء بيت المقدس.
قال محمد بن رشد: إنما سمى الله عز وجل الصلاة إلى بيت المقدس إيمانا على ما قاله مالك في هذه الآية وغيره من أهل العلم وهو قول أكثر أهل التأويل والتفسير وذلك أنه مات على القبلة قبل أن تحول إلى الكعبة رجال وقتل آخرون فقال المسلمون: ليت شعرنا هل يقبل الله منهم ومنا صلاتنا إلى بيت المقدس أم لا؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] : أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا من أجل أنها كانت مقارنة للإيمان، ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فسميت الصلاة باسم الأصل الذي يثبت لها الحكم بأنها طاعة إلا به وهو الإيمان، إذ لو تجردت من الإيمان لم تكن طاعة ولا حصل عليها مثوبة، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس بأنفس الطاعات من الأقوال والأفعال؛ إذ لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان لها، فلا يصح على التحقيق أن يقال: إنها غير الإيمان؛ إذ لا تصح مفارقتها له ولا أنها الإيمان إذ الإيمان إنما هو التصديق الحاصل في القلب لا نفس الأقوال والأفعال كالصفة القديمة لا يصح أن يقال فيها: إنها هي الموصوف، ولا أنها غيره، وبالله تعالى التوفيق.
وجه الإطعام في الوليمة
في وجه الإطعام في الوليمة
قال مالك كان ربيعة يقول: إنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون.
قال محمد بن رشد: يريد أن هذا هو المعنى الذي من أجله أمر
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالوليمة وحض عليها بقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» وما أشبه ذلك من الآثار.
وقوله صحيح يؤيده ما «روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نكاح فلان يا رسول الله، فقال: "كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر يسمع دف أو يرى دخان» ، وبالله التوفيق.
ما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم مكة
فيما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم
مكة بالنرد والكتاب بالعربية وسئل مالك هل بلغك أن النبي عليه السلام قال: «ذروا الحبشة ما تركوكم؟» قال: أما عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فلا، ولكن قد سمعته يقال، وقال مالك: أول من جاء بالنرد والكتاب بالعربية إلى أهل مكة رجل من أهل الحيرة.
قال محمد بن رشد ليس في هذا معنى يشكل فيحتاج إلى التكلم عليه، وبالله التوفيق.
كثرة المنافقين في الناس
في كثرة المنافقين في الناس قال مالك: بلغني أن الحسن البصري كان يقول: لو ذهب المنافقون لاستوحشت الطرق.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا والله أعلم أنه أراد لو ذهب المراءون بإظهار الإيمان واعتقاد الكفر؛ لأن الغالب في الناس الرياء، وأما اعتقاد الكفر فليس بغالب في الناس، بل هو الأقل منهم، وإنما أراد الحسن بقوله هذا التحذير من الرياء والله أعلم.
[قول الله تعالى وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ]
في تفسير قول الله تعالى
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: 31]
وسئل عن تفسير هذه الآية: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: 31] قال: ما أبينها لأهل القدر، أخبر بما هو كائن من أمره حتى يموت.
قال محمد بن رشد: قوله ما أبينها لأهل القدر معناه ما أبينها لهم لو وفقوا في الاهتداء بها.
وما أبينها لنا في الرد عليهم؛ لأن من جعله الله مباركا حتى يموت، فقد قدر عليه بأعمال السعادة حتى يموت، ومن جعله شقيا فقد قدر عليه بأعمال أهل الشقاء حتى يموت عليها.
فالخير والشر بقضاء الله وإرادته، وقدره على العبد لا خروج له عما قدره الله عليه من ذلك وأراده، وهو مأمور بالخير ومنهي عن الشر، وإن كان الله قد قدره عليه فهو يعاقبه على ما له فيه من الكسب بمخالفة أمر الله فيما اكتسبه من الإثم.
فالله عز وجل مريد لكل ما يكون من عبده من طاعة أو معصية تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؛ فيلحقه العجز والنقص وذلك بين في الحجة من قول عمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.
محبة الناس لمن اتقى الله
في محبة الناس لمن اتقى الله وحدثني مالك عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: اتق الله ابن آدم يحبك الناس وإن كرهوا، ولم يسمعه مالك منه.
قال محمد بن رشد: إنما قال هذا زيد بن أسلم والله أعلم لأن من اتقى الله أحبه الله؛ لأن محبة الله لعبده إنما معناه إرادته لإدخاله جنته وتنعيمه منها، قال الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] ، ومن أحبه الله وضع له القبول في الأرض [على ما جاء في الحديث من «أن الله إذا أحب العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول في الأرض» ] ، ومعنى قوله: وإن كرهوا أنهم مغلوبون على محبته بما ألقى الله في نفوسهم منها، وبالله التوفيق.
حشف الثمر لعمر
في حشف الثمر لعمر قال: وحدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يحشف له الصاع من الثمر فيأكله كله، فقيل له: ما يحشف له؟ قال: يأكله بحشفه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا قبل هذا في أول رسم البز فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
من يختار مجالسته
فيمن يختار مجالسته وقال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن حسين:
إنك تجالس أقواما كأنه يعاقبه فيهم: يقول أهل دناءة، قال: فقال له علي بن حسين: إني أجالس من أنتفع به في ديني، وكان نافع رجلا يجد في نفسه، وكان علي رجلا له فضل في الدين.
قال محمد بن رشد: معنى قوله أهل دناءة: أهل دناءة في الحسب، فكان علي بن حسين لتواضعه يجالسهم وإن كانوا أهل دناءة في الحسب لعلو مرتبتهم في الدين، وقد قال عمر بن الخطاب: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها، فعليك بذات الدين» ، وبالله التوفيق.
ترك التنعم مدة الشدة
في ترك التنعم مدة الشدة وقال مالك: إن عمر بن الخطاب تألى ألا يأكل السمن حتى يحيى الناس من أول ما يحيون، فأكل الزيت فلم يلائمه، فأمر أن يطبخ له الزيت، فلما رأت ذلك امرأته عاتكة اشترت فرق سمن بستين درهما فقربته إليه، فقال: ما هذا؟ قالت: اشتريته بمالي، فقال لا آكله حتى يحيى الناس، قال: فكان عمر يقرقر بطنه وهو على المنبر حتى يسمع، فيقول: ما لك غيره حتى يحيى الناس.
قال محمد بن رشد: فعل عمر هذا لشدة إشفاقه على المسلمين وذلك نهاية منه في الخير والدين، وبالله تعالى التوفيق.
محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر
في محبة الرجل أن يرى في شيء
من أعمال البر قال مالك: ولقد رأيت رجلا من أهل مصر وهو يسأل ربيعة عن ذلك ويقول: إني لأحب أن أرى رائحا إلى المسجد، فكأنه أنكر ذلك من قوله ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال البر، فقلت له: ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر؟ قال: ما زال الصالحون يهجرون، وإن صلاة الرجل في بيته من النافلة أفضل منها في جماعة الناس وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته لا يبالي فما أحسنه إن أحب، والسر أفضل من ذلك، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] وفي الحديث «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» .
قال محمد بن رشد: قوله وهو يسأل ربيعة عن ذلك يريد عن المسألة التي سأل عنها، فساق سؤال السائل لربيعة وما أجابه به؛ حجة لقوله فيها من أن السر في الصدقة أفضل حسب ما وقع من ذلك في هذا الرسم من كتاب الصدقات والهبات.
وكراهية ربيعة للرجل أن يحب أن يرى في شيء من أعمال البر خلاف قول لمالك في سماع أشهب بعد هذا وفي رسم العقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة أنه لا بأس بذلك إذا كان أوله لله، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه مما لا يستطاع التخليص منه، والدليل على إجازة ذلك إن شاء الله
ما «روي عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله: إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعة، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد؟ من أهل الجنة، فقال: يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» وهذا نص في موضع الخلاف.
وأما قوله في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ما زال الصالحون يهجرون وإن صلاة الرجل في بيته النافلة أفضل منها في جماعة الناس، وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته حتى لا يبالي بما أحسبه أن أحب، فالمعنى في ذلك أنه في النهار قد يشتغل باله في صلاته في بيته ببنيه وأهله فيكون باله في المسجد أفرغها، فإذا هجر قبل الظهر إلى المسجد ليصلي فيه متفرغ البال ليرى مكانه فيه فيحمد بذلك، ويثنى عليه من أجله فهو حسن كما قال، ولذلك كان الصالحون يفعلونه، وأما بالليل ففي البيت أفضل؛ لأنه لفعله أستر وباله فيه فارغ لهدوء أهله وبنيه بالنوم، وبالله التوفيق.
اعتماد الرجل في الصلاة على رجليه جميعا
في اعتماد الرجل في الصلاة على
رجليه جميعا وسمعت مالكا يقول: أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره قد كان مسمتا، فقيل له: أفعيب ذلك؟ قال: قد عيب ذلك عليه، وهو مكروه من الفعل.
قال محمد بن رشد: قال سحنون الرجل المسمت هو عباد بن كثير، ويروى مشيئا أي يشاء الثناء عليه، فجائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما ولا يعتمد على إحداهما دون الأخرى؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن
النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام، وكان من محدثات الأمور.
وأما الاعتماد على اليدين عند القيام من الجلسة الوسطى فمرة استحبه مالك وكره تركه، ومرة استحسنه وخفف تركه، ومرة خير فيه، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة
حكاية عن أبي هريرة في إتيانه
الوليمة قال مالك: بلغني أن أبا هريرة دعي إلى وليمة وعليه ثياب دون فأتى ليدخل فمنع ولم يؤذن له، فذهب فلبس ثيابا جيادا ثم جاء فأدخل، فلما وضع الثريد وضع كميه عليه، فقيل له: ما هذا يا أبا هريرة؟ فقال: إنما هي التي أدخلت، وأما أنا فلم أدخل قد رددت إذ لم تكن علي، ثم بكى وقال: ذهب نبيي ولم ينل من هذا شيئا وبقيتم تهديون بعده.
قال محمد بن رشد: هذه الوليمة التي رد فيها أبو هريرة ممن لم يميزه من حجاب باب الوليمة إذ ظنه فقيرا لما كان عليه من الثياب الدون، وأدخله بعد ذلك من رآه من حجابها في صفة الأغنياء بالثياب الحسان، هي التي قال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شر الطعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله» ،
ويروى بئس الطعام يريد أنه بئس الطعام لمطعمه؛ إذ رغب عما له فيه الحظ من ألا يحضر لطعامه إلا.
الأغنياء دون الفقراء، فالبأس في ذلك عليه لا على من دعاه إليه؛ لقوله في الحديث نفسه: ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
وبكى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شفقة من تغير الأحوال على قرب العهد بالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ورغبة الناس عما ندبوا إليه في ولائمهم من عملها على السنة وترك الرياء فيها والسمعة، وبالله التوفيق.
ما جاء في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا لنزول القرآن بالحجاب
في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا
لنزول القرآن بالحجاب قال مالك: كان النساء يخرجن في زمن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فكلمه عمر بن الخطاب، قال له: يا رسول الله لا ينبغي لنسائك أن يخرجن هكذا، فقالت امرأة منهن: قد تكلف عمر في كل شيء حتى في هذا، قال: فأنزل الله القرآن لقول عمر ابن الخطاب فضرب الحجاب.
قال محمد بن رشد: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي بقلبه، ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق، فنزل القرآن بموافقته في الحجاب، وفي تحريم الخمر: وفي أسرى بدر، وفي مقام إبراهيم، وبالله التوفيق.
التبرك بأمر النبي عليه السلام
في التبرك بأمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر رئي وهو على ناقته
وهو في مكان وهو يديرها، فقال رجل: إن هذا ليس بصحيح فسئل عن ذلك، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان على ناقته دارت هكذا، فأردت أن تطأ ناقتي على الموضع الذي وطئت عليه راحلة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال محمد بن رشد: هذه نهاية من عبد الله بن عمر في التبرك بأمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذ لم يدر بناقته في ذلك المكان بقصد منه إلى ذلك فيكون امتثال فعله فيه واجبا أو مستحبا، فإنما فعله عبد الله بن عمر متبركا بذلك، فقد كان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يتبع فعل النبي عليه السلام حتى ليخاف على عقله منه، وبالله التوفيق.
فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب
في فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب قال مالك: بلغني أن ابن عباس سئل عن رجل كثير الصيام كثير الصلاة وهو يقارف الذنوب، ورجل قليل ذلك منه وهو سالم، فقال ابن عباس: ما أعدل بالسلامة شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه لا يدري هل تفي في الموازنة حسناته بسيئاته؛ لأن ما عصى الله به وإن صغر فهو عظيم، فمن قلت سيئاته وحسناته أقرب إلى السلامة ممن كثرت سيئاته وحسناته؛ إذ لا يدري قدر الثواب في حسناته، ولا هل تقبلت منه أم لا؟ ولا قدر الإثم في سيئاته لا سيما إن تعلق في ذلك حق لمخلوق، وبالله التوفيق.
حكاية عن عمر بن عبد العزيز
قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز خرج مع سليمان بن عبد الملك في حج في حر شديد، فخرج سليمان إلى الطائف
ومعه عمر فأصابهما في الطريق مطر ورعد وصواعق، قال: فشد سليمان على وسط راحلته، أو القربوس وطأطأ عليه بصدره، فلما تجلى ذلك قال لعمر: هذا الملك لا ما نحن فيه، فقال عمر له: هذا في رحمته فكيف في غضبه.
قال محمد بن رشد: إنما قال عمر بن عبد العزيز هذا في رحمته؛ لأن المطر رحمة من الله لعباده، قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم: 48] إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: 50] . وقال عز وجل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22] وقد «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تحبلت السماء تغير وجهه وأقبل وأدبر ودخل وخرج، فإذا أمطرت سري عنه، قالت عائشة: فسألته فقال: لعله كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] » الآية، وبالله التوفيق.
ما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك
فيما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال مالك: كان زياد مولى ابن عباس يمر بي وأنا جالس، فربما أفزعني حسه خلفي، فيضع يده بين كتفي فيقول: عليك بالجد، فإن كان ما يقول أصحابك هؤلاء من الرخص حقا لم
يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد يريد ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا عندي أنه حضه على أن يأخذ لنفسه في خاصته بأشد ما قيل بالاجتهاد في أحكام الدين التي لا نص فيها وإن كان يرى باجتهاده ما قاله أصحابه في ذلك من التخفيف فيها؛ إذ لو لم ير باجتهاده إلا الأشد لما وسعه مخالفة ما رآه في ذلك باجتهاده إلى اجتهاد غيره، فللمجتهد الذي كملت له آلات الاجتهاد في خاصته أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أشد منه، وذلك مما يستحب له على ما حض عليه زياد لمالك في هذه الحكاية.
وليس له أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أخف منه.
وأما فيما يفتى به غيره فليس له أن يتعدى فيه ما رآه باجتهاده إلى اجتهاد غيره، كان أخف مما رآه هو باجتهاده أو أشد منه، وليس له أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من قد نظر واجتهد، وإن خاف فوات الحادثة، وهو قول أكثر البغداديين وجماعة أصحاب الشافعي، والأشبه بمذهب مالك.
وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يجوز للعالم تقليد عالم وبه قال أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وذهب ابن نصر من أصحابنا، وابن شريح من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد عالم إلا إذا خاف فوات الحادثة.
وقال محمد بن الحسن: له أن يقلد من هو أعلم منه ولا يجوز له أن يقلد من هو مثله.
واختلف في المستفتي من العوام، فقيل له: أن يقلد من شاء من
العلماء المجتهدين، فله على هذا القول أن يسألهم ويأخذ بقول أيهم شاء، وإذا ألزم نفسه قول أحدهم فليس له أن ينتقل عنه إلى قول غيره إلا أن يكون أشد من القول الذي التزم، وقيل ليس له: أن يقلد إلا أعلمهم وأفضلهم، فإن استووا في الفضل قلد أعلمهم، فإن استووا في العلم قلد أفضلهم، وإن استووا في الوجهين قلد أيهم شاء، وبالله التوفيق.
رد زياد على الناس ما فضل عنده مما أعانوه به في فكاك رقبته
في رد زياد على الناس ما فضل عنده
مما أعانوه به في فكاك رقبته قال مالك: كان زياد قد أعانه الناس في فكاك رقبته وأسرع الناس في ذلك، وفضل مما قوطع عليه مال كثير فرده إلى من أعطاه بالحصص وكتبهم زياد عند نفسه فلم يزل يدعو لهم حتى مات.
قال محمد بن رشد: ما فعله زياد من رده على الذين أعانوه في فكاك رقبته ما فضل عنده من ذلك بعد أداء ما قوطع عليه بالحصص صحيح من فعله؛ لأنهم أعانوه بما أعانوه به ليفك رقبته به من الرق، فليس له مما أعانوه به إلا ذلك، ولو لم يكن فيما أعانوه به وفاء بما عليه من الكتابة كان جميع ذلك مردودا على الذين أعانوه إلا أن يجعلوه من ذلك في حل، ولو أعانوه بما أعانوه به ليستعين به في أداء كتابته ليس على وجه أن يفكوه بها من الرق ولكن على وجه الصدقة عليه لكان له من ذلك ما فضل عن أداء كتابته أو قطاعته، ولكان لسيده جميع ذلك إن عجز عن أداء كتابته، قاله في المدونة، وهذا على القول بأن المكاتب يكون بالعجز منتزع المال.
وعلى القول بأنه لا يكون بالعجز منتزع المال يكون جميع ما أعين به في كتابته له إن عجز عن الكتابة إلا أن ينتزعه منه السيد، وبالله التوفيق.
سيرة عمر بن عبد العزيز في ركباته ومع قاضيه
في سيرة عمر بن عبد العزيز
في ركباته ومع قاضيه قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كانت له ركبتان في الجمعة، فكانت إحدى ركبتيه لا يركب معه فيها أحد إلا من بلغ الأربعين سنة، والأخرى يركب معه أخلاط الناس، وكان عمر إذا أراد الحج والعمرة خرج معه قاضيه حتى إذا بلغ الشجرة رده، وأجازه بمائة دينار وحلته التي عليه.
قال محمد بن رشد: إنما كان يختص في إحدى ركبتيه بمن بلغ الأربعين سنة؛ لأن الأربعين سنة هي سن الاستواء التي قال الله عز وجل فيها: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾ [القصص: 14] أي تناهى شبابه وتم خلقه واستحكم عقله ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: 14] بدليل قوله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15] فأراد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يختص في ركبته الواحدة بهم أن يتمكن مما يريده من تفقد أحوالهم؛ وليتمكنوا هم أيضا مما يريدونه من طلب حوائجهم، وكان إذا خرج إلى الحج والعمرة يخرج معه قاضيه إلى الموضع الذي ذكره ليوصيه في مشيه معه إليه بما يصنع بعده، ثم يرده ويجيزه بما كان يجيزه به لتبسط به نفسه، ويقوى بذلك على التفرغ للإمرة، وبالله التوفيق.
تعريف البضع والأشد
في البضع والأشد قال مالك: بلغني أن البضع ما بين ثلاث سنين إلى تسع
سنين، وقد طرح يوسف في الجب وهو غلام، والأشد الحلم.
قال محمد بن رشد: ما قاله مالك ما بين ثلاث سنين إلى تسع سنين فيما بلغه، يريد والله أعلم فيما بلغه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في تفسير قوله عز وجل: ﴿الم﴾ [الروم: 1] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: 2] ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 3] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 4] وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تغلب الروم فارس؛ لأنهم أهل كتاب كلهم، وكان المشركون يحبون أن تغلب فارس الروم؛ لأنهم أهل أوثان كلهم، وكانت فارس قد غلبت الروم، فلما أنزل الله عز وجل: ﴿الم﴾ [الروم: 1] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: 2] قال أبو بكر الصديق للمشركين: إن الروم ستغلب فارس وراهنهم في ذلك على ست سنين، وذلك قبل أن يحرم الخطار، فأخبر أبو بكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما راهن عليه المشركين من أن الروم ستغلب فارس إلى ست سنين، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ألا احتطت فيه فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع» ، وقد قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: البضع ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الخليل بن أحمد: هو ما بين الثلاث إلى العشرة، والصحيح ما في الحديث من أنه ما بين الثلاث إلى التسع.
وأما قوله بأن يوسف طرح في الجب وهو غلام فهو نص ما في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ [يوسف: 19] .
وأما الأشد فمعناه الشدة والقوة في البدن، وقد اختلف في حده، فقيل الحلم وهو الذي ذهب إليه مالك؛ لأنه الحد الذي تكتب له فيه الحسنات وعليه السيئات، وقيل العشرون عاما، وكان ابن عباس يقول الأشد ثلاث
وثلاثون، والاستواء الأربعون، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون، وبالله التوفيق.
ما روي عن يوسف عليه السلام
في ما روي عن يوسف - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال مالك: بلغني أن يوسف النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: ما انتقمت لنفسي من شيء أتى إليها، فذلك اليوم زادي من الدنيا أي أجر اليوم الذي ألقاه فيه إخوته في الجب هو زاده إلى الآخرة؛ إذ لم ينتقم لنفسه منهم فيما فعلوه به من ذلك.
ومعنى قوله: وإن عملي قد لحق بعمل آبائي فألحقوا قبري بقبورهم.
قال محمد بن رشد: معنى قوله والله أعلم، فذلك اليوم زادي من الدنيا، أي أجر اليوم الذي ألقاه فيه إخوته في الجب هو زاده إلى الآخرة إذ لم ينتقم لنفسه منهم فيما فعلوه به من ذلك، ومعنى قوله والله أعلم: وإن عملي قد لحق بعمل آبائي يريد النبوءة التي لحق بهم فيها، وبالله التوفيق.
فلي الرجل رأس أمه
في فلي الرجل رأس أمه قال مالك: بلغني أن بعض من مضى كان يفلي رأس أمه فقيل له: ما ترى فيه؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا بأس بذلك؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] ، فإذا جاز للرجل أن يرى شعر أمه جاز له أن يفلي رأسها برا بها، وممن روي ذلك عنه
محمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن حسين ومروان العجلي وطلق بن حبيب، وكان الشعبي والضحاك وطاوس يكرهون أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وذات محرمه، والصواب إجازة ذلك على ما قاله مالك وسائر فقهاء الأمصار، وقد أجازوا للرجل أن يغسل ذوات محارمه إذا لم يكن عنده نساء يغسلنها، وفليه رأس أمه وهي حية أخف من غسلها وهي ميتة، وبالله التوفيق.
قتل محمد بن أبي بكر الصديق
في قتل محمد بن أبي بكر الصديق قال مالك: بلغني أن عبد الرحمن بن أبي بكر قدم مصر فكلم عمرو بن العاص في أمر محمد بن أبي بكر أن يدخل في أمره ألا يقتل، فقال عمرو: ما كنت أنهى ولا آمر، وأبى أن يدخل في أمره.
قال محمد بن رشد: ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة له، أن علي بن أبي طالب ولى محمد بن أبي بكر مصر فسار إليه عمرو بن العاص فاقتتلوا فهزم محمد فدخل في خربة فيها حمار ميت، فدخل في جوفه، فأحرق في جوف الحمار بعد، وقيل: أُتي به عمرو بن العاص فقتله صبرا، وروي عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ قال: لا، فأمر به فقتل، وهذا الذي ذكره أبوه عمر هو نص ما ذكره خليفة بن خياط في تاريخه، فإن صح ما ذكره مالك من أن عمرو بن العاص قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: إذ سأله أن يدخل في أمره ألا يقتل: ما كنت أنهى ولا آمر، وإنما أمر به فقتل على ما ذكر عمرو بن دينار فلم يقتله برأيه والله أعلم، وإنما قتله بأمر معاوية له بذلك من أجل أنه حقق عليه والله أعلم ما نسب إليه من المشاركة في دم عثمان من نسبه، فقد قيل: إنه دخل عليه فيمن دخل فأخذ بلحيته وأشار بعينه على من كان معه فقتلوه، وقد نفى ذلك عنه جماعة ممن حضر الدار منهم
كعب مولى صفية بنت حيي، قال لما دخل على عثمان كلمه بكلام فخرج عنه، ولم يند من دمه بشيء، فقتله رجل من أهل مصر، يقال له جبلة بن الأهيم، وهو الصحيح والله أعلم؛ لأنه كانت له عبادة وفضل واجتهاد في الخير، وكان علي بن أبي طالب يثني عليه ويفضله، وكان في حجره إذ تزوج أمه أسماء، وكان على رجالته يوم الجمل، وشهد معه صفين، وبالله التوفيق.
غزو النساء
في غزو النساء قال مالك: كان النساء يخرجن مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوه يسقين الماء، ويداوين الجرحى.
قال محمد بن رشد: لا خلاف في جواز خروج النساء في الغزو مع الجيش المأمون ليخدمن الغزاة، ولا سهم لهن من الغنيمة، واختلف هل يحبين منها دون قسم؟ فلم ير ذلك مالك، واستحبه ابن حبيب، وقد مضى الكلام على هذا قبل هذا في هذا الرسم، وبالله التوفيق.
ما جاء عن ابن عمر من أنه كان يؤثر
فيما جاء عن ابن عمر من أنه كان يؤثر السائل بما حضر ولا يرده خائبا قال مالك: بلغني أن ابن عمر أهدي إليه في بعض المناهل حوت عظيم فوضع بين يديه، فجاءه سائل فقال له: تعالى خذه، فأخذه السائل فجعله في ثوبه، ثم خرج به على ظهره، طفق ولده يتبعونه بأبصارهم، فلما رأى ذلك ابن عمر منهم قال لهم: إنكم ستشبعون من غيره، قال مالك: بلغني أن ابن عمر مرض فاشتهى عنبا، فأتته امرأته بعنقود فجاء سائل فأعطاه إياه، ثم إنهم اتبعوا
السائل فاشتروه منه، ثم أتوا به، فأتاه السائل الثانية فأعطاه إياه أو أكل منه وأعطاه.
قال محمد بن رشد: في هذا من الفضل لعبد الله بن عمر ما لا يخفى؛ لأنه آثر السائل على نفسه وبنيه بما كان عنده ولم يشح عليه بذلك، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] وقد اتبعه رجل في الطواف حول البيت فرآه يكثر من قوله: اللهم قني شح نفسي، فلما فرغ قال له الرجل: رأيتك تطوف فتقول: اللهم قني شح نفسي، قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] ، ولا شك في أن الله قد أجاب دعاءه في ذلك بدليل ما روي من أنه حج ستين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبس ألف فرس واعتمر ألف عمرة، وكان لا ينام من الليل إلا قليلا، وبالله التوفيق.
ما جاء مما يدل على أن الاسم هو المسمى
فيما جاء مما يدل على أن الاسم هو المسمى قال مالك: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انظروا كيف صرف الله عني أذى قريش وسبها يشتمون مذمما وأنا محمد» قال مالك: ختم الله به الأنبياء وختم به الكتاب وختم بمسجده هذه المساجد ". قال محمد بن رشد: في هذا الحديث دليل واضح على ما ذهب إليه أكثر أهل السنة من أن الاسم هو المسمى حقيقة؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أخبر أن الله صرف عنه أذى قريش وسبها، إذ سبوا مذمما الذي هو ليس باسم له، ولم يسبوا محمدا الذي هو اسم له، فلو كان الاسم غير المسمى
لما لحقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسبهم إذا سبوا مذمما أو محمدا؛ إذ لا يلحق أحدا أذى بسب غيره.
وفي هذا بين أهل الحق اختلاف.
قد ذهب أبو الحسن الأشعري - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بعض كتبه إلى أن الاسم ليس هو المسمى.
وللقاضي أبي بكر الباقلاني في ذلك تفصيل في أسماء الله عز وجل، قال: ما كان منها يعود إلى نفسه كشيء وموجود وقديم وذات وواحد وغير لما غايره، وخلاف لما خالفه، أو إلى صفة من صفاته: ذاته كعالم، وقادر، ومريد، وسميع، وبصير، فهي هو الله عز وجل وما كان يعود منها إلى صفة فعل: كخالق، ورازق، ويحيي ويميت، وما أشبه ذلك فهو غيره؛ لأنه قد كان تعالى موجودا متقدما عليها ومع عدمها.
والصحيح أن الاسم هو المسمى جملة من غير تفصيل، قال الله عز وجل: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: 40] فأخبر أنهم يعبدون أسماءهم وإنما عبدوا الأشخاص لا الكلام، والقول الذي هو تسميته، فدل ذلك دليلا ظاهرا على أن الأسماء التي ذكرها هي المسميات، وقال عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: 2] ، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78] ومعناه سبح ربك الذي خلق فسوى، وتبارك ربك ذو الجلال والإكرام، فأسماء الأشياء ذواتها، والذوات أيضا أسماء، والأسماء هي المسميات وعين المسميات، فمن لم يلح له الفرق بين الاسم والتسمية وقال: إن الاسم هو التسمية قال: إنه هو