البيان والتحصيلصفحات 72-111
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المغازي

صفحات 72-111
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن القاسم: وشذ قوله في هذه الحكاية: أمر أحله الله فاتبعوه، معناه: أمر أحله الله فأحلوه؛ لأن ما أحله الله فهو حلال، يجوز أكله، ولا يجب.
وقوله فيها: عفو عفا الله عنه فدعوه، يدل بحمله على ظاهره، أن المسكوت عنه محظور لا يباح أكله، وإلى هذا ذهب مالك في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان؛ لأنه قال فيه في المد الذي يأكله الناس: أنه ينبغي للِإمام أن ينهى الناس عما يضر بهم في دينهم ودنياهم، واحتج للمنع من جواز أكله بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] ، أما الطين من الطيبات ولم يحمله مالك في هذه الرواية على ظاهره، بل رأى المعنى في قوله: فدعوه اختياراً لا إيجاباً، بدليل قوله فيها: قد رفع اللَّه فيه الحرج عنهم بعفوه عنه؛ لئلا يحرم عليهم إن سألوه عنه فيسوؤهم ذلك، فقول مالك في هذه الرواية: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
ووجه القول الأول من طريق النظر: أنه قد ثبت أن الأشياء مِلكُ مالك، والأصل لا يستباح مِلْك أحدٍ إلا بإذنه، ووجه الثاني وأن خلق اللَّه تعالى له دليل على الِإباحة، إذ لا يجوز أن يخلقه عبثاً لغير وجه منفعة.

امتيار القمح من بلد إلى بلد

في امتيار القمح من بلد إلى بلد قال مالك: بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز على

أيْلَة كتب إليه: إن قومي يمتارون القمح منها يمتارونه إلى غيرها، وإنه بلغني أن أَمير المؤمنين منع طعاماً أن ينقل.
فكتب إليه عمر: ما ظننت أن أحداً أبَه لهذا، وإن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا، فخل بين الناس وبين البيع والابتياِع.
قال مالك: كان مِن العيب الذي يُعاب به من مضى ويرونه ظلماَ عظيماً منعُ التجر.
قال محمد بن رشد: المعنى عندي والله أَعلم فيما كتب به عامل أيلة إلى عمر بن عبد العزيز أن الناس كانوا يمتارون القمح من أيلة إلى غيرها ليبيعوه بها فهمَّ أن يمنعهم من ذلك لما بلغه أنه منع طعاماً أن ينقل وإنما كان منع والله أعلم مِن نقله للاحتكار، فكتب إليه: ما ظننت أن أحداً أبه لهذا، أي: ما ظننت أن أحداً هم بالمنع من مثل هذا فلا تمنع منه، وخل بين الناس وبينه، فإن الله قد أَحل البيع وحرم الربا، فنقل الطعام من بلد إلى بلد للبيع جائز، وإن أضر ذلك بسعر البلد الذي ينقل منه كان بأن تعلية الأسعار بالبلد الذي ينقل منه ترخيصاً في البلد الذي ينقل إليه.
والمسلمون في جميع البلد أُسوة، ليس بعضهم أحق بالرفق من بعض.
وأما نقل الطعام من بلد إلى بلد للاحتكار، ففيه خلاف وتفصيل، قد مضى القول فيه في رسم يسلم من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، فلا معنى لإِعادته هنا.
وقول مالك: كان من العيب الذي يعاب به من مضى ويرونه ظلماً عظيماً منع التجر، معناه: شراءُ الطعام للحكرة؛ لأن الحكرة قد أتت آثار في التشديد فيها، فحملها بعض من مضى على عمومها في جميع الطعام، وفي كل الأزمان، ولم ير ذلك مالك.

وقد مضى تحصيل القول فيما يجوز من الاحتكار مما لا يجوز منه في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع فأغنى ذلك عن إعادته.

[التسليم لأمر الله والرضا بقدَره]

في التسليم لأمر الله والرضا بقدَره وسمعت مالكاً: يذكر أن القاسم بن محمد وقف بعرفة ومعه عمر بن الحسين فافتقد عبد الرحمن، فقال القاسم: يا عمر، التمس أخاكَ، فالتمسه فلم يجده، فقال القاسم: قضاء الله خير للمؤمنين.
قال محمد بن رشد: في هذا الرضا بقضاء الله والتسليم له، والِإيمان بالقدر خيره وشره من عقود الِإيمان، فقال عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتًّى الْعَجْزِ وَالْكَيْس، أَوِ الْكَيْس وَالْعَجْزِ» ، فالتكذيب به كفر وضلال، وقد مضى القول في هذا في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين، فلا وجه لِإعادته.

لباس الرجل الثوب المصبوغ

في لباس الرجل الثوب المصبوغ قال مالك: رأيت ابن المنكدر يلبس الثوبين المصبوغين

الموردين المتينين بالزعفران، ولقد رأيت في رأسه الغالية، ورأيت ابن هرمز يلبس الثوبين بالزعفران، ورأيت عامر بن عبد الله، وربيعة بن عبد الرحمن وهشام بن عُرْوة يفرقون شعورهم، وكانت لهم شعور، وكانت لهشام جمة إلى كتفيه.
قال مالك: إن كان ابن عمر ليتبع أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حتى إن كان يخاف على عقله.
قال محمد بن رشد: اختلف السلف الماضي في لباس المزعفر والمعصفر من الثياب، لما رُوي: من «أنّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أن يَتَزَعْفَرَ الرَجُلُ» وأنه «نَهَى عَنِ المُعَصْفَرِ» . ولما جاء «عن عبد الله بن عمر، وقال: رَآني رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيَّ ثَوْب مُعَصْفَرٌ، فَقَالَ: "ألْقِهَا فَإنَّهَا ثِيَابُ الْكُفّارِ» . «وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ، أنَّهُ قَال: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلاَ أَقُولُ نَهَاكُم عَنْ لِبَاسَ الْمُعَصْفَرِ» . ولم ير أكثرهم في ذلك بأساً.
منهم عبد الله بن عمر والبراء بن عازب وطلحة بن عبيد اللَّه ومحمد بن علي وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبو وائل شقيق بن سلمة وزر بن بن حبيش وعلي بن حُسين ونافع بن جبير بن مطعم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم.
وقال مالك في الموطأ في الملاحق المعصفرة في البيوت للرجل وفي الأفنية: لا أعلم من ذلك شيئاً حراماً، وغير ذلك من اللباس أحب إلي.
وما حكاه مالك عن عامر بن عبيد الله وربيعة وهشام من أنهم كانت لهم شعور، هو المستحسن عند عامة العلماء، لما في ذلك من الاقتداء بما كان عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فقد روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه كان يَسْدُلُ شَعَره، وكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُم، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُؤُوسَهم، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْل الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثًمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَأَسه.
وروي أَن شَعرَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ دونَ الْجُمَّةِ وَفَوْقَ الْوَفْرَة» وروي «عن أنس أنه قِيلَ لَه: كَيْفَ كَانَ شَعَر رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: كَانَ شَعراً رَجِلاً لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلاَ بِالسَّبِطِ، بَيْن أُذُنِهِ وَعَاتِقِه» . وروي عن أنس أيضاً أنه قال: «كَانَ شَعَرُ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه» . وروي عن أنس أيضاً أنه قال: «كَانَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، شَعَرُهُ إلى شَحْمَةِ أُذُنِهِ» . ومن أهل العلم من ذهب إلى أن إحفاء الشعر أحسن من اتخاذه؛ لما روي «عن وائل بن حجر قال: أَتَيْنَا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولِي شَعَرٌ طَوِيلٌ فَقَالَ: ذبَابٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِينِي فَذَهَبْتُ فحززته، ثم أَتَيْتُ النَّبَيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: ما عَنَيْتُك، ولَكِنْ هَذَا أَحْسَنُ» . قالَ: وما جعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحسن كان لا شيء أحسن منه.
ومعقولٌ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد صار بعض هذا القول إلى هذا الأحسن وترك ما كان عليه قبل ذلك؛ إذ هو أولى بالمحاسن كلها من دون الناس، وليس حديث وائل بن حجر في هذه بحجة بينة، لاحتمال أن يكون شعره قد طال طولاً كثيراً خرج به عن الحد المستحسن، ولهذا قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ جاءه وقد حزه: " هَذَا أَحْسَنُ "، ولعله لم يحزه كله وأبقى منه لِمَّةً أو وفرة.
ومن الصحابة من كانت له لمة، ومنهم من كانت له وفرة، ومنهم من حلق، فالأمر في ذلك واسع، وما تظاهرت به الآثار من أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له شعر طويل أحسن، ففيه الأسوة الحسنة، وقد كان ابن عمر على ما حكاه عنه مالك هاهنا يتبع أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حتى إن كان ليخاف على عقله وقد رُئي يدور بناقته في مَوْضِعٍ رَأَى نَاقَةَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد دارت به فيه، فقيل له في ذلك، فقال: أحببتُ أن تطأ ناقتي المواضع التي وطئتها ناقة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[تفسير قول الله وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا]

في تفسير قول الله ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وسئل مالك: عن قول الله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] ما تفسيره؟ أن يدعى قبل أَن يَشهد، أو يكون قد أشهد، فقال: إنما ذلك بعدما أشهدوا، وأما قبل أن يشهدوا فأرجو أَن يكون في سعة، إذا كان ثَم من يشهد، وليس كل أمر يجب على الرجل أن يشهد عليه من الأمور أُمور لا يجب على الرجل أن يشهد فيها.
قال محمد بن رشد: قول مالك: قول الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] . معناه: إذا دعي لأدَاء الشهادة بعدما أشهد، وأما إذا دعي ليشهد فهو في سعة إذا كان ثم من يشهد - صحيح، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه واجب على كل من دعي إلى الشهادة أن يجيب دُعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ، لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] ، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهداً إِلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة، وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد، ولا يدخل تحت قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] إلا من هو شاهد.
وهذه المسألة قد مضى القول عليها في أول نوازل سحنون من كتاب الشهادات وتمامه في رسم شهد على شهادة ميت من سماع عيسى منه.
وقوله: وليس كل أمر يجب للرجل أن يشهد عليه - صحيح؛ لأن مَن دعي أن يشهد على أمر مكروه فيكره له أن يشهد عليه فقد

روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي النعمان بن بشير بن سعد؛ إذ أشهده على أنه نَحل ابنه النُّعمان غلاماً له، لَمَّا أَخبرهُ بأنه خصَّ ابنه بنحلة الغلام، دون سائر ولده: «أَشْهِدْ غَيْرِي فَإنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ، ومن دعي إلى أن يشهد على حرام فلا يحل له أن يشهد عليه، ومن دعي إلى أن يشهد على أمر جائز أو مستحب أو واجب، فالإجابة عليه فرض من فروض الكفاية، وبالله التوفيق.

تقوى الله

في تقوى الله قال: وسمعت مالكاً يذكر أنَّ رجلاً أمر رجلَاَ بتقوى الله، ثم قال له: إنما هو لحمُك ودمُك.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه؛ لأنه إن اتقى الله سلم من عذاب الله وإن لم يتقه خاف على نفسه وبدنه في الآخرة عقاب الله، وبالله التوفيق.

ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

فيما كان عليه أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: بلغني أن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا ينزعون الدلاء في سقي النخل على ثمره، ثمرة كل دلو.
قال محمد بن رشد: في هذا بيان ما كان عليه أصحاب رسول

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من التقليل من الدنيا وامتهانهم فيها بإجارة أنفسهم للخدمة والعمل، فذلك جائز لا عيب فيه، ولا غضاضة على من فعله، فقد قالت ابنة شعيب لأبيها في موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26] . وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ نَبِيِّ إلاَ وَقَدْ رَعَى غَنَماً.
قِيلَ لَهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَهِ؟ قَالَ: وَأَنَا» . واستئجار الرجل الرجلَ على سقي النخل كلُ دلو بدرهم إذا لم يواجبه على عدد معلوم، يشبه كراء الدار مشاهرة، له أن يترك متى شاء، ولرب النخل أَن يمنعه من التمادي على السقي إذا شاء ما لم ينقده، فإن نقده عدداً من الثمر لزمهما جميعاً بمنزلة إذا واجبه على عدد معلوم.
وبالله التوفيق.

الإغلاظ على أهل الجور من الأمراء بالقول

في الإغلاظ على أهل الجور من الأمراء بالقول وذكر مالك: أن الحجاج قال لعبد الله بن عمر في كلام قاله له عبد الله بن عمر إلا يكون ضرب عنقه، فقال له عبد الله: إذن لسقرك الله به في جهنم على رأسك.
قال محمد بن رشد: قول عبد الله بن عمر للحجاج فيما كان هم به من قتل عبد الله بن عمر: إذن لسقرك الله به في جهنم على رأسك - يدل على ما هو معلوم من مذهب عبد الله بن عمر أن القاتل لا توبة له وأن الوعيد لاحق به؛ لأنه أخبر أنه لو فعل لسقره الله به في جهنم على رأسه، ولم يستثن توبةً ولا غيرها.
وقد روي أنه سُئل عن القاتل عمداً هل له من توبة؟

قال: ليستكثر من شرب الماء البارد.
يريد: أنه لا توبة له، وهو مذهب ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت.
روي أن سائلاً سأل ابن عمر وابن عباس وأبا هريِرة عمن قتل مؤمناً متعمد، أَهل له من توبة؟ فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه؟ هل يستطيع أن يبتغي نَفَقاً في الأرض أو سُلًماً فِي السمَاءِ؟ وإلى هذا ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأنه روي عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب، ويؤيد هذا المذهب ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كُلُّ ذَنْبِ عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُوَ عَنْه إلَّا مَنْ مَاتَ كَافِراً أَوْ قَتَلَ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً» وذلكَ والله أعلم لأن القتل يجتمع فيه حق لله تعالى وحق للمقتول المظلوم.
ومن شروط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التباعات عليهم.
وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا بإذن يدرك المقتول قبل موته، فيعفو عنه ويحلله من قتله إياه طيبةً بذلك نفسه.
وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة، توبته مقبولة، فممن رُوي ذلك عنه: ابن عباس، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب ومجاهد وغيرهم، ولكلا القولين وجه من النظر باختلاف أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فقلما تجدهم يختلفون، إلا فيما تتعارض فيه الحجج وتتكافأ فيه الأدلة، فينبغي لمن لم يواقع هذا الذنب العظيم أن ينتهي عنه ويستعيذ بالله منه مخافة ألا يصح له منه متاب، فيحق عليه سوء العذاب ويناله شديد العقاب.
ولمن أوقعه أن يتوب إلى الله ويستغفره، ولا ييأس من رحمة الله، ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87] . وكان ابن شهاب إذا سئل: هل للقاتل توبة يتعرف منه

هل قتل أم لا؟ ويطاوله في ذلك، فإن تبين له منه أنه لم يقتل، قال: لا توبة له، وإن تبين له منه أنه قتل، قال: له توبة، وهو من حسن الفتوى.
ومن توبة القاتل أن يعرض نفسه على أولياء المقتول فإن أقادوا منه وإلا بذل لهم الدية، وصام شهرين متتابعين، أو أعتق رقبة إن كان واحداً أو أكثر من الاستغفار، ويستحب له أن يلازم الجهاد، ويبذل نفسه لله، وهذا كله مروي عن مالك، وفيه دليل على الرجاء عنده في قبول التوبة.
واختلف أيضاً في القاتل إذا أُقيد منه هل يكون القصاص كفارة أم لا؟ على قولين وقد مضى في كتاب المقدمات القول في أحكام القاتل في الآخرة وفي الدار الدنيا مستوفى، وبالله التوفيق.

الحاكم لا يلزمه القعود للحكم إلا في ساعات من النهار

في أن الحاكم لا يلزمه القعود للحكم إلا في ساعات من النهار قال مالك: سألني صاحب السوق في شغله بأمر الناس وقضائه بينهم، فكأنه رآه من أشغال أهل المدينة بعمله، فقال: إني ما أكاد أن أفرغ، قال مالك: ما ذلك عليك، اقعد للناس في ساعات من النهار، وإني أخاف عليك أن تكثر فتخطئ، ولم يرَ ذلك عليه، أن يتعب نفسه للناس نهاره إلا ساعة واحدة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو ممَّا لا اختلاف فيه، إذ لا يلزمه الحمل على نفسه بموالاة الجلوس، وربما كان ذلك سبباً إلى أَن يكل ذهنه فيُخطئ في حكمه، فالحسن أن يجم نفسه في ساعات من النهار، فإن ذلك ممَّا يعينه على ما هو بسبيله، وله أَن يخرج إلى ضيعته يستريح بذلك المرة بعد المرة، ويقيم فيها اليوم واليومين على ما قاله ابن القاسم في رسم الجامع من سماع أَصبغ من كتاب تضمين الصناع، وبالله التوفيق.

التحليل من المظالم

في التحليل من المظالم وسُئل مالك: عن قول ابن المسيب في فعله: إِنَّه كان يقول: لا أحلل أحداً، فقال: ذلك يختلف، فقلت: يسلف الرجل الذهب فيهلك، ولا وفاء له.
قال: أرى أن يحلله، فإِنَّه أفضلِ عندي فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] وليس كل ما قال أحد وإن كان له فضل يتبع على ما قال.
قيل له: فالرجل يظلم الرجل، قال: لا أرى ذلك، هو مخالف عندي للأول، يقول الله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ﴾ [الشورى: 42] ويقولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] فلا أرى أن يجعل في حل من ظلم.
قال محمد بن رشد: اختلف في التحليل من التباعات والظلامَات على ثلاثة أَقوال: أَحدها: إِن ترك التحليل منها أَولَى وهو مذهب سعيد بن المسيب هذا.
والثاني: إِن التحليل منها أفضل.
والثالث: تفرقة مالك بين التباعات والظلامات، فوجه القول الأول أَن التباعات والظلامات يستوفيها صاحبها يوم القيامة من حسنات من وجبت له عليه، على ما جاء من أن الناس يقتصُّ بعضهم لبعض يوم القيامة بالحسنات والسيئات وهو في ذلك الوقت مفتقر إلى زيادة حسناته، ونقصان سيئاته، بما له من التباعات والظلامات التي حلَّل منها، وهو لا يدري هل يوازي أجره في التحليل

ما يجب له من الحسنات في الظلامات والتباعات، ويزيد عليها أو ينقص منها، فكان الحظ ألَّا يحلل منها.
ووجه القول الثاني: أن التحلل إحسان للمحلل عظيم، وفضل يسديه إليه جسيم، ينبغي عليه المكافأة من الله عزَّ وجلّ، وهو تعالى أَكرم من أن يُكافئه بأقل مما وهب، فإنَّه عزَّ وجلّ يقول: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17] فهذا القول أظهر والله أعلم.
ووجه تفرقة مالك في هذا بين الظلامات والتباعات ما استدلَّ به قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42] فرأَى ترك تحليل المظالم للظالم عقاباً له، هو عليه محمود، لما في ذلك من الِإخافة له، والردع بذلك عن أن يعود إلى مثله، وأما في الدنيا فالعفو والصفح عن الظالم أولى من الانتصار منه بأخذ الحق منه في بدنه أو ما له لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] ولا يعارض هذا قوله عَزَّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] ؛ لأن المدحة من الله تعالى، وإن كانت متوجهة بهذه الآية لمن انتصر من بغي عليه بالحق الواجب، ولم يتعد في انتصاره منه وكان مُثاباً على ذلكَ، لما فيه من الردع والزجر، فهو في العفو والصفح أَعظم ثواباً، بدليل قوله بعد ذلك: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] . وقيل:

إِنَّ الآية نزلت في الباغي المشرك، وينبغي أن يكون معنى الآية في الانتصار ممَّا فيه حد لله، لا يجوز العفو عنه.
والله أعلم.

[أَمر الرجل بالمعروف من يعلم أَنَّه لا يطيعه]

في أَمر الرجل بالمعروف من يعلم أَنَّه لا يطيعه وسئل مالك: عن الرجل يأمر الرجل بالمعروف، وهو يعلم أَنَّه لا يطيعه، وهو ممَّن لا يخاف، مثل الجار والأخ، قال: لا أرى به بأساً، ولا يشبه ذلك إذا رفق به، فإِنَّ الله ربما نفع بذلك.
يقول الله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] . قال مالك: بلغني أن رجلَاَ من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقع بالشام، وأنه انهمر في الخمر فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إليه: ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: 1 - 2] إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 3] ، قال: فتركَ ذلك الرجل الخمر فتاب ونزع عنها.
قال محمد بن رشد: قوله لا أرى به بأساً، معناه: جائز له أن يفعله.
وإن ظنَّ أنَّه لا يطيعه، إذ لعلَّه سيطيعه فينفع الله بذلك، لا سيّما إذا رفق به، إذ لا يشبه الرفق في ذلك ترك الرفق فيما يرجوه من أن ينتفع بقوله.
واستدلَّ على استحباب الرفق في ذلك بقول عمر، مع الذي بلغه عنه أنه انهمر في الخمر من أصحاب النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذ وعظه بما كتب له من كتاب الله، ولم يُغلظ عليه بالقول.
وفي قوله: لا بأس أن يأمره بالمعروف وإن علم أنه لا يطيعه نص منه على أَنَّه لا يلزمه ذلك، وهو صحيح؛ لأنَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة شرائط: شرطان

في الجواز، أحدُهما: أن يكون ممَّن يعرف المعروف من المنكر، إذ لا يأمن إذا كان جاهلا بذلك أن يأمر بمنكر أو ينهَى عن معروف.
والثاني: أن يأمن، أن يغلب على ظنّه أن نهيه عمَّا نهى عنه من المنكر، لا يؤدي إلى منكر أعظم منه، مثل أن ينهى عن شرب الخمر، فيؤدّي إلى قتل نفس، وشرط ثالث في الوجوب بعد حصول شرطي الجواز، وهو أن يعلم أَو يغلب على ظنه أَن أمره بالمعروف مؤثر في فعله، وداع إليه، وأن نهيه عن المنكر مُزيلٌ له أَو لبعضه، فإذا علم ذلك أو غلب على ظنه، وجب عليه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه، لم يجب ذلك عليه، وكان في سعة من تركه.
وهذا هو معنى قول مالك في هذه الرواية: لا أرى به بأساً حسبما بيناه.
وقد مضى في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب السلطان تمام القول مستوفى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبالله التوفيق.

[تقبيل العبد أو المولى ليد مولاهُ أو سيّده]

في تقبيل العبد أو المولى ليد مولاهُ أو سيّده وسُئل مالكٌ: عن الرجل يقدم من السفر فيتناوَل غلامه ومولاه يده فيقبلها.
قال: ترك ذِلك أحب إِليّ، وذكر له حديث سالم "شيخ يقبل شيخاً" فأَنكره إنكاراَ شديداً، قال: فَإِيَّاكم مثل هذه الأحاديث أن تهلكوا فيها.
قال محمد بن رشد: إنَّما كره مالك أن يقبل يد الرجل مولاه أو غلامه في سلامه عليه عند قدومه من سفر أو شبهه، وإن كان له عليه حق صار به دونه في الكفاءة والمرتبة والحرمة، فقال: ترك ذلك أَحبّ إليّ من أجل أنه قد يكون أكرم منه عند الله إن كان أَتْقَى منه لله بنص قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] إذ قد جمعته وإيَّاه حرمة الِإسلام،

فصار بذلك وليّاً له، وأخاً فيه.
قال عزَّ وجلّ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] . والنّبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كان أحق أن تكون التحية له بتقبيل يديه، إذ هو سيد الخلق أجمعين، ورسول رب العالمين، الشافع يوم القيامة فيِ المُذنِبِين، لو كان ذلك ممَّا يُستحق في الشرع، فإذا لم تكن التحية له إلاَّ بما شرعه الله من السلام، وجب أن يستوي في ذلك الفاضل والمفضول، والعبد وسيده، والمولَى ومولاه.
وِإنَّما ينبغي أن يفعل ذلك المولى بمولاه، والعبد بسيده، فلا ينهاه إذا لم يكن مسلماً.
فقد روي عن صفوان بن عسال المرادي، قال: «قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... لا تقل نبيّ، إنَّه لو سمعه كان له أربعة أعين، فأَتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألاه عن تسع آيات بيّنات، فقال لهم: "لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حًرّمَ اللَّهُ إِلّا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَىٍ السُّلْطَانِ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تأكلُوا الرِّبا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُم خَاصَّة الْيَهُودِ أن لَا تَعْدُوا يَوْمَ السَّبْتِ".
فَقَامُوا فَقبَّلُوا يَدَهُ.
وفي بعض الأحاديث: فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَا: نَشْهَد أَنكَ نَبِيُّ اللَّهِ وَإِنَّا نَخَافُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» . قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح.
وأَما حديث سالم الذي أَنكره إذ ذكر له، فهو ما روي أن عبد الله بن عمر كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر، قَبَّلَ سَالِماً، وَقَالَ: شَيْخٌ يُقَبِّلُ شَيْخاً.
وإنَّما ذكر له والله أَعلم، لما جرى من ذلك القبلة، لا على سبيل الحجة في جواز تقبيل العبد والمولى يد سيده أو مولاه لافتراق المعنى في ذلك؛ لأن تقبيل العبد أو المولَى يد سيده أو مولاه على سبيل التعظيم،

وتقبيل الرجل لابنه الكبير وما أشبهه من ذوات المحارم من النساء، على سبيل المحبة والمودة والحَنان والرحمة، كتقبيل الطفل الصغير، فذلك بخلاف تقبيل الرجل يد سيده ومولاه، وِإنَما أَراد عبد الله بن عمر بقوله: "شيخ يقبل شيخاً" الِإعلام بأن ذلك جائز على هذا الوجه، لا على وجه مكروه.
وقد جاء ذلك عن النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. روي عن عائشة من روايةِ محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عنها قالَ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامِ إِلَيْهِ رَسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُريَاناً يَجُر ثَوْبَهُ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرياناَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» . وَقَالَ فيه الترمذي: إِنَّه حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الزهري من غير هذا الوجه.
وجاء أيضاً «عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنهُ اعْتَنَقَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ» . فيجب أن يُتَأَوَّل ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تقبيله لزيد بن حارثة، وما روي عن عبد الله بن عمر من تقبيله لابنه سالم، أنَها إِنَّما كانت فيما بين العينين أَو الرأس، أو الخدين، لا في الفم.
ولما كان الأظهر في القبلة إِذا أطلقت أنها في الفم، أنكر مالك حديث سالم في تقبيل عبد الله بن عمر إِيَّاه، وقوله: "شيخ يقبل شيخاً"، وقال: "إِيَّاكم أَن تهلكوا في مثل هذه الأحاديث"، فنهى أَن يُتحدث بها، تحذيراً منه أَن يحملها الجاهلُ على ظاهرها فيستبيح بها أَن يقبل الرجل وليهُ أو قريبه أَو صديقه أَو ولده الكبير في فمه، فيتراقى ذلك في الناس إلى ما لا يصلح، وهذا من نحو ما مضى في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين، لا يروي لنا أَحد هذه الأحاديث: «إنَّ اللَّه خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورتِهِ» أَو نحو هذا من الأحاديث، وأعظم أن يتحدث بها أَحد أو يرويها لِما يخشى من أَن يحملها الجاهل على ظاهرها من تشبيه الله بخلقه

فيهلك بذلك، ومالك يكره للرجال المعانقة والقبلة فيما بين العينين، ويرى ما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك خاصاً له.
روي عن علي بن يونس المدني قال: كنت جالِساً عند مالك، فإِذا سفيان بن عُيينة بالباب يستأذن، فقال مالك: رجل صاحب سنة، أدخلوهُ، فدخل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال مالك: وعليكم السلام يا أَبا محمد ورحمة الله وبركاته، فصافحه مالك، وقال: يا أَبا محمد لولَا أنها بدعة لعانقناك، فقال سفيان بن عيينة: عانق خيرٌ منك ومنا النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قال مالك: جعفر، قال: نعم، قال: ذلك حديث خاص يا أبا محمد، ليس بعامٍّ.
قال سفيان: ما يعم جعفر يعمنا إذا كنا صالحين، وما يخصه يخصنا، أَفَتَأذن لي أَن أُحدث في مجلسك؟ قال: نعم، يا أَبا محمد.
قال: حدَّثني عبد الله بن طاوس عن أَبيه، عن عبد الله بن عباس قال: «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بن أبي طالبِ من الحبشة، اعتَنَقَهُ النبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبلَ بين عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: " جَعْفَر أَشْبَهُ النَّاس بِي خَلْقاً وَخُلُقَاً يَا جَعْفَرُ مَا أَعْجَبَ مَا رَأَيْتَ بِأَرْض الْحَبَشَةِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذَا سَوْدَاءُ عَلَى رَأسِهَا مِكتَلٌ فِيهِ بُرٌّ فَصَدَمَهَا رَجَلٌ عَلَى دَابَّتِهِ فَوَقَعَ مِكْتَلُهَا وَانْتَشَرَ بًرُّهَا فَأَقْبَلَتْ لِتَجْمَعَهُ مِنَ التُّرَابِ، وَهِيَ تَقُولُ: وَيْل لِلظالِم من دَيَّانِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيْلٌ لِلظَّالِم مِنَ الْمَظْلوم يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ للَظّالِم إِذَا وُضِعَ الْكُرْسِيُّ لِلْفَصْل يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقالَ النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا يُقَدسُ اللَهُ أُمَّة لَا يَأْخَذُ ضَعِيفُهَا مِنْ قَوِيِّهَا حَقَّهُ غَير متمتع ".» ثمَّ قَالَ سُفْيَانُ: قَدِمْتُ لِأصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأُبَشِّرَكَ بِرُؤْيَا رَأَيْتُهَا، ثمَّ قَالَ مَالِكٌ: قَامَتْ بِشَارَتُكَ خَيْرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ سُفْيَانُ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْشَقَّ فَأقْبَلَ النَّاسُ يَهرعون من كُلِّ جِانبٍ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَردّ بِأَحْسَنِ رَدٍّ، قالَ

سُفيَانُ: فَأُتِيَ بِكَ واللَّهِ أعْرِفُكَ فِي مَنَامِي كَمَا أعْرِفُكَ فِي يَقَظَتِي، فَسًلّمْتَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْكَ السلاَمَ، ثُمَّ رَمَى في حَجْرِكَ بِخَاتَمٍِ، ثُمّ نَزَعَهُ مِنْ أصْبُعِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فيمَا أعْطَاكَ.
فَبكى مالك بُكَاءً شديداَ.
قال سفيان: السلام عليكم.
قال: خارج الساعة؟ قال: نعم، فودَّعه مالك وخرج.
وأمَّا القُبلة للرجل في الفم من الرجل، فلا رخصة فيها بوجه ولا على حال إن شاء اللَه.

[ضحك النبيّ عليه السلام سُروراً بما أعطى الله أمته]

في ضحك النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُروراً بما أعطى الله أمته قال مالك: «وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَهِ تَبسَّمَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مَا يضحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: " لِهَذَا المُؤمِنِ يُصِيبُهُ مَا يُحِبُّ فَيُشْكَرُ اللَّهَ فَيَكُونُ خَيْراً لَهُ» . قال محمد بن رشد: يشهد بصحة هذا الحديث قول الله عزَّ وجلّ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: 128] ... الآية، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَن أختَبِئَ دَعْوتِي شَفاعَةً لأِمَّتِي» . والله الموفق.

مشي عيسى ابن مريم على الماء وإحيائه الموتى

في مشي عيسى ابن مريم على الماء وإحيائه الموتى قال مالك: بلغني أن عيسى ابن مريم قال له رجل من

أصحابه: إنك تمشي على الماء، فقال له عيسى: وأَنت إِن كنت لم تخط خطيئة مشيت على الماء، فقال له الرجل: مَا أَخطأت خطيئة قط.
فقال له عيسى: فامش، فمشى ذاهباً وراجعاً، حتى إذا كان ببعض البحر إِذا هو قد غرق، فدعا عيسى فأخرج، فقال له عيسى: ما لك ذهبت ورجعت فغرقت؟ أَليس زعمت أنك لم تخط خطيئة قط؟ فقال: ما أخطأتَ شيئاً قط، إِلَّا أَنَّه وقعِ في قلبي أَنِّي مثلك.
قال مالك: وبلغني أن عيسى ابن مريم أتته امرأتان فقالتا له: ادع الله يخرج لنا أَبانا فإِنَّه مات ونحن غائبتان عنه، قال: فأين قبره؟ فأشارتا إليه في قبره، فدعا فأُخرج، فإذا هو ليس هو، قال: ثم دلَّتاه على قبر آخر فخرجَ فإذا هو هو، والتزمتاه، ثم قالتا له: اتركهُ يكون معنا.
قال: كيف أتركه وليس له رزق يعيش فيه؟ قال الِإمام القاضي: مشيُ عيسى ابن مريم على الماء معجزة من معجزاته، وكذلك مشي الرجل من أَصحابه على الماء بحضرته إلى أن غرق بما حدث به نفسه من معجزاته أَيضاً؛ لأن ما كان من الآيات الخارقة للعادات في زمن نبي من الأنبياء، لبعض أصحابه فهو معدود في جملة معجزاته، والخطيئة التي غرق من أَجلها صاحب عيسى ابن مريم هي مما قد يجاوز الله لهذه الأمة بفضله عن مثلها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَجَاوَزَ اللَّهُ لأِمَّتِي عَمَّا حًدّثْت بِهِ نَفْسَهَا مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ يَدٌ» . ويروى الحديث: "مَا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا" بالنصب، "وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا" بِالرفع، فمن رواه "ما حدثت به أنفسُها" بالرفع، قال: الخواطر التي ببعض الرجل من غير قصد منه إِليها ولا اختيار لها، مثل قوله عزَ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: 16] ،

وبدليل ما روي «أن أَصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنا يُحَدِّثُ نَفْسَه بِالشَيْءِ؛ لأن يَكُونَ حُمَمةَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُم إِلَّا عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَالْحَمْدُ لَلّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» . قالوا: وإن كان في الحديث: إن أحدنا يحدث نفسه، وإنَا نحدث أنفسنا، فإن جواب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهم بقوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُم إِلَّا عَلَى الْوَسْوَسَةِ» هو المعتمد، وفيه الحجة لقوله فيه: ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان، أي: إن التوقِي من أَن ينطق بما غلب على نفسه من خطوات الشيطان أو يعتقده - هو من صريح الإيمان الذي يثاب عليه فاعله.
ومن روى: "ما حدثت به أنفسها" بالنصب، قال: معناه: ما يهمُ به العبد باختياره من المعاصي أن يفعله، ثم لا يفعله، فتجاوز الله لأمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك.
واستدلَّ من ذهب إلى هذا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تجاوز الله"، والتجاوز لا يكون إلَّا عمَّا كان للإنس فيه كسب باختياره له.
وبما رُوي عن النبيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّه قال: «قَالَ اللًهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةِ فَاكْتبُوهَا عَلَيِهِ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْراً وَإِذَا هًمّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَلَا تَكْتُبُوها عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ خَشْيَتِي فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً» . وقد رأيت لبعض أهل الأصول من المتكلمي: أَن الهموم بالسيئة خطية، وأَرى

هذا القائل ذهب في الحديث إلى رواية من رواه "حدثت به أنفسُها" بالضم، والله أَعلم.
وأما إحياء عيسى الموتى فليس من فعله، ولا داخلٌ تحت قدرته، وِإنَّما هو أمر كان يفعله الله دليلَاَ على صدقه فيما يُخبر به عن الله، ومصداق ذلك في كتاب الله عزَّ وجلّ: ﴿وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110] ، وذلك بين أيضاً في هذا الحديث، وقوله فيه: فدعاه فأخرج، فلم يكن له في ذلك إلّاَ إجابة الدعوة، وبالله التوفيق.

فضائل عمر بن عبد العزيز

قال مالك: جاء مسلمة بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز وهو مريض يموت، فاستأذن عليه، فمنع، فألقى بنفسه، فقعد، ثم قال: لا أبرح حتى يؤذن لي، فأذن له فدخل، وقيل له: أقل المكث، فقال: لقد لَيَّنْتَ لنا قلوباً كانت قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذكراً.
قال مالك: وبلغني أن هشام بن عبد الملك قال له: إنا لا نعيب أبانا ولا نضع شرفنا في قومنا، فقال له عمر: ومن أعيبُ ممن عابه القرآن؟ قال مالك: كتب عمر بن عبد العزيز: إن من قطع به من الجزية، فأسلفوه من مال المسلمين، قال مالك: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يغاضب بعض أهله، فكان له نساء، فكان يأتيها في ليلتها فيبيت في حجرتها وتبيت هي في بيتها، فقيل له: أفترى ذلك؟ فقال: نعم، وكذلك في كتاب اللَّه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34] قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز ترك أن يخدم، فكان يدخل بعد المغرب، فيجد الخوان موضوعاً عليه منديل، فيتناوله فيقدمه (كذا) إليه فيكشف المنديل ويأكل، ويدعو عليه من كان معه.

قال محمد بن رشد: هذا كله بيِّن لا إشكال فيه، فيه الإِقرار لعمر بن عبد العزيز بالفضل، وتواضعه هو في تناوله أخذ طعامه هو بيده، وعدله بين نسائه فيما يلزمه فيه العدل بينهن من المبيت في بيت كل واحدة منهن في ليلتها وإن كان واجداً عليها.
وقد مضى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح ما يلزمه في العدل بينهن مما لا يلزم، وفي رسم الأقضية الثاني، ورسم الطَّلاق من سماع أشهب فيه.
فلا معنى لذكره هنا، وفيه اهتباله بالوصية لأهل الذمة بأن يسلف من احتاج منهم من بيت مال المسلمين، معناه: إذا كان شيء يرجوه.
وأما من افتقر منهم واحتاج ولم يكن له شيء يرجوه، فالواجب أن ينفق عليه من بيت مال المسلمين.
وباللَّه التوفيق.

[افتراق أحوال الناس في عبادتهم وأَعمالهم]

في افتراق أحوال الناس في عبادتهم وأَعمالهم قال: وحدثنا ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد قال: يقال: رُبَّ نائم مغفور له، وقائم مشكور، ودائب مضيع، وساع لغيره.
قال محمد بن رشد: النائم المغفور له هو الذي يكتب له أجر عمله بالنية، فيغفر له بذلك.
قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنَ امْرِئ تَكُونُ لَهُ صَلاَةً بِلَيْلٍ يَغْلُبُه عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ أجْرُ صَلاَتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهَا صدَقَةً» . وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض غزواته بالمدينة: «إن بالمدينة أقْواماً مَا سِرْتُم مَسِيرةً وَلَا قَطَعْتُم وَادِياً -أو كما قال- إِلَّا وَهُمْ مَعَكُم".
قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "حَبَسَهُم الْعُذْرُ» . وقال اللَّه عز وجل:

﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] ... الآية.
فدل ذلك على استوائهم في ذلك مع أولي الضرر.
والقائم المشكور هو الذي يعمل العمل على سنته، والدائب المضيع هو الذي يعمل العمل على غير السنة، والساعي لغيره كثير، فترى الرجل يسعى في طلب الرزق، ولعله لا يتوقى فيه ولا يؤدي حق اللَّه منه فيصير لوارثه، فيفعل الخير منه، ويؤدي حق اللَّه فيه فيؤجر، وينعم فيما قد سعى له غيره فيه، فإنما للرجل من ماله ما لبِس فأبلى، أو أكل فأفنى، أو تصدق في طاعة اللَّه فأمضى اللَّه.
قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلّاَ مَا تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ، أوْ أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ» . وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ ماله؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنّا أَحَدٌ إِلَّا ماله أحَبُّ إِلَيْهِ مِن مَال وَارِثِهِ.
قَالَ: "اعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ؟ " قَالُوا: مَا نَعْلَمُ إِلَّا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "مَا مِنْكُم مِن رَجُلٍ إِلّاَ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إِلَيْهِ مِن ماله"، قَالًوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّمَا مَالُ أحَدِكُم ما قدًّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» ، ومعنى هذا الحديث: إِن ما ترك الرجل من مال لوارثه ولم ينتفع به في حياته، فكأن لم يكن له بمال؛ لأن ملكه إياه في حياته منتف عنه في الحقيقة، وإنما انتفى عنه في الحقيقة الانتفاع به، وباللَّه التوفيق.

[يعطي اللَّه في الدنيا لمن يحب ولمن يبغض]

فيما يعطي اللَّه في الدنيا لمن يحب ولمن يبغض قال: وحدثنا ابن القاسم عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، قال: يقال: "إِنَّ اللَّه يحب العبد حتى يبلغ من حبه إياه إن يسكنه في

أَعلى غُرف الجنة، ثم يعمد إلى خير ما يعلم له من الدنيا فيكون ما يكره ذلك العبد، فيكثر له منه حتى إن الناس لا يرحمونه، وإن الله ليرحمه به، وإن الله ليبغض العبد حتى يبلغ من بغضه له ما يسكنه في أسفل درك جهنم، ويعطيه من الدنيا شر ما يعلم فيكون ما يحب ذلك العبد، فيكثر له منه ". قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون رأياً، ومصداقه في كتاب اللَّه، قال اللَّه عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216] .

نهي النساء عن لباس القباطي

في نهي النساء عن لباس القباطي قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لباس القباطي، قال: فإن كانت لا تشف، فإنها تصف.
القباطي ثياب ضيقة تلصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة جسم لابسها من نحافته، وتصف محاسنه، وتبدي ما يستحسن منه مما لا يستحسن، فنهى عمر بن الخطاب أن يلبسها النساء امتثالاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] ، واللَّه أعلم.

ما ذكر في قتل يحيى بن زكريا

فيما ذكر في قتل يحيى بن زكريا قال مالك: وبلغني أن يحيى بن زكريا إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمن طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه سقي تراب، ولا شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه

دعا بني إسرائيل وسألهم، فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه.
وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم: أنهم هكذا وجدوه.
قال بخت نصر: هذا دم مظلوم ولأقتلن عليه، فقتل سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الحكاية: إِن يحيى بن زكرياء إنما قتل في امرأة ولم يبينِ كيف كان سببه مع المرأة التي قتل من أجلها؟ فرُوي عَنِ ابْنِ عًبّاس «أن رَسولَ اللَهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ أسْرِي به رَأى زَكَرِيَّاءَ فِي السمَاء، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَه: يَا أبَا يَحْيى، أخْبِرْنِي عَنْ قَتْلِكَ، وَكَيْفَ قَتَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَدُ، أخْبِرُكَ أنَّ يَحْيىَ كَانَ خَيْرَ أهْل زَمَانِهِ وَأجْمَلَهُم وَأصْبَحَهُم وَجْهاً.
وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَهُ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] لَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّسَاءِ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأةُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَعَصَمَهُ اللَّه، وَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَأَجْمَعَتْ عَلَى قَتْله، وَكَانَ لَهُم عِيد يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنةٍ، وَكَانتْ سُنَّةُ الْمَلِكِ معه إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ وَلَا يَكْذِبُ، فَخَرَجَ إِلَى الْعِيدِ، فَقَامَتِ امْرَأتُهُ فَشَيَّعَتْه، وَكَانَ بِهَا مُعْجَباً وَلَم تَكنْ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ لَها الْمَلِكُ: سَلِي حَاجَتَكِ، فَمَا تَسألِيني شَيْئاً إِلَا أعْطَيْتُكِ، فَقَالَتْ: دَم يَحْيىَ، فَقَالَ: سَلِي غَيرَهُ، قَالَتْ: هُوَ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ لَكِ، فَبَعَثَ إِلَى يَحْيىَ وَهُوَ فِي مِحْرَابِهِ يُصَلِّي وَأنَا إِلَى جَنْبِهِ أصَلِّي فَذُبحَ فِي طَسْتٍ فَحُمِلَ رأسُهُ وَدَمُهُ إِلَيْهَا، قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَمَا بَلَغَ مِنْ صَبْرِكَ؟ قَالَ: ما أبطلت مِنْ صَلاَتِي، فَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَيْهَا فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَلما أمْسَوْا خَسَفَ اللَّهُ بالْمَلِكِ وَأهْلَكَ بَيْتَهُ وَحَشَمَهُ، فَلَمَا أصْبَحُوا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: قَدْ غَضِبَ إلهُ زَكَرِيَّاء لِزَكَرِيَّاءَ، فَتَعَالَوْا حَتَّى نَغْضبَ لِمَلِكِنَا فَنَقْتُلَ زَكَرِيَّاءَ، فَخَرَجُوا فِي طلَبي لِيَقْتُلُونِي فَجَاءَنِي النذِيرُ، فَهَرَبْتُ مِنْهُم وَإِبْلِيسُ أمَامَهُم يَدُلُّهُم عَلًيّ فَلًمّا تخَوّفْت أَن يَلْحَقُونِي عَرَضَتْ لِي شَجَرَةٌ، فَنَادتني: إليَّ إِلَيَّ، فَانْصَدَعَتْ لِي، فْدَخَلتُ فِيهَا وَأخَذَ إِبْلِيسُ بِطَرَفِ رِدَاء لي وَالْتَأمَتِ الشَّجَرَةُ فَبَقِيَ طَرَفُ رِدَائِي خارِجاَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فجاءَت بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ إِبْلِيس: دَخَلَ فِي هَذِهِ الشَجَرَةِ، وَهَذَا طَرَفُ رِدَائِهِ دَخَلَهَا بِسِحْرِه، فَقَالَ: نَحْنُ نَحرِقُ الشَّجَرَةَ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: بَلْ شقُوهَا، فَشَقُّوها فانْشَقَقْتُ مَعَ الشَجرةِ بِالمِنْشَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يَا زَكَرِياءُ، هَلْ وَجَدْتَ مسا أوْ وَجَعاً؟ قَالَ: لَا، إِنمَا وَجَدْتُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، جَعَلَ اللَهُ رُوحي فيهَا» . وقد جاء في بعض الأخبار: أن سبب طلبهم ليقتلوه حين هرب منهم، فانصدعت له الشجرة، هو أن مريم لما حملت قالوا: ضيع بنت سيدنا في كفالته إياها حتى زنت.
وروىِ عن ابن عباس: أن الذي انصدعت له الشجرة فدخل فيها هو أشعب - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبل عيسى، وأن زكريا مات موتاً.
فاللَّه أعلم.
وقد جاء في بعض الأخبار: أن يحيى بن زكريا كان تحت يدي ملك، فهمت بنت الملك بأبيها، وقالت: لو تزوجت أبي فيجتمع لي سلطانه دون نسائه إن تزوجني، ودعته إلى نفسها، فقال: يا بنية، إن يحيى بن زكريا لا يُحل لنا هذا.
فقالت: من لي بيحيى بن زكريا، ضيف عليَ، وحال بيني وبين تزويجي أبي، فأغلب على ملكه ودنياه دون نسائه، فتحيلت لقتل يحيى وأمرت اللعاب، فقالت: ادخلوا على أبي فالعبوا فإذا فرغتم فإنه سيحكِّمكم، فقولوا: دم يحيى بن زكريا ثم لا تقتلوا غيره، وكان الملك إذا حدث فكذب، أو وعد فأخلف، خُلع واستبدل غيره، فلما لعبوا وكثر عجبه منهم، قال: سلوني، قالوا: نسألك دم يحيى بن زكريا، قال: سلوني غير هذا، قالوا: لا نسألك غيره، فخاف على ملكه إن هو خالفهم أن يستحل بذلك خلعه، فبعث إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، فذبحوه ثم جروا رأسه، فاحتمله الرجل في يده، والدم في الطَّست معه حتى وقف على الملك ورأسه في يد الذي يحمله، والرأس يقول: لا يحل لك ما تريد.
وروي عن كعب

نحو من هذا، إِلاَ أنه قال: لما قتل يحيى أقبل رأسه ينحدر ويقول بين يدي ظهراني الناس: لا يحل لك ما تريد من نكاح أختك، قال كعب: كانت أخته.
وقال غير كعب: كانت بنت أخيه.
وقد جاء: أنها كانت زوجة أخيه؛ لأن ذلك في زمن لم يكن للرجل منهم أن يتزوج امرأة أخيه بعده.
وإذا كذب متعمِّداً لم يول الملك فمات الملك.
وأراد الملك أن يتزوج امرأة الملك الذي مات، وكان أخاه، فسألهم فرخصوا له، فسأل يحيى بن زكريا، فأبى أن يرخص له، فحقدت عليه امرأة أخيه، وجاءت بنت أخي الملك الأول إليه، فقال: سليني اليوم حكمك، فقالت: حتَى أنطلق إلى أمي، فأتت أمها فقالت: قولي له: إن أردت أن تفي لنا بشيء، فأعطني رأس يحيى بن زكرياء، قال: قولي غير هذا خير لك، قال: فلبث وكره أن يخالفها فلا يولى الملك.
فدفع لها يحيى بن زكريا فذبحته فناداها مناد من فوقها: يا ربة البيت الخاطئة العادية، أبشري فإنك أول من يدخل النار، وخسف بابنتها وجاءوا بالمعاول، فجعلوا يِحفرون عليها، وتدخل في الأرض حتى ذهبت.
ولما كثر الفساد في بني إسرائيل، وجاهرَوا بالمناكر، وعلوا في الأرض واستكبروا فيها كما أخبر اللَّه عز وجل بقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] ... الآية - انتقم منهم بما سلط عليهم.
ويقال: إنه كان من فسادهم الثاني قتل يحيى بن زكرياء، فبعث الله عليهم بخت المجوسي، فسبى وقتل منهم سبعين ألفاً وخرَّب بيت المقدس، وحرق التوراة.
وكان من شأنه في دم يحيى الذي وجده نصر البابلي يفور ما ذكر في الحكاية.
وجاء في بعض الأخبار: أن الذنوب والمعاصي لما كثرت في بني إسرائيل، بعث الله لهم نبيّاً يقال له أرمياء، فلما أنذرهم بعذاب اللَّه لهم على طغيانهم وعصيانهم، وأنه مُهلكهم ومُخلي الأرض منهم، وقعوا به فضربوه وحبسوه، فَأنجز اللَّه وعده، وسلط عليهم بخت نصر، ولم يزل أرمياء محبوساً حتى جاء بخت نصر فيما لا يحصى من العدد، فحاصرهم

حتى مات من مات منهم في الحصَار، إلى أن نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم كل قتلة، منهم من حرق بالنار، ومنهم من بطح على وجهه ومشيت عليه الخيل والدواب، وصفد الأحبار والرهبان، وسبى النساء والولدان، وحرق التوراة، وخرب المسجد.
وجاء في بعض الأخبار: أن رجلًا من علماء أهل الشام وجد نعت بخت نصر في الكتاب: إنه غلام يتيم، وله أم وله دواته ينزل ببابل وهو من أهلها، فقدم الرجل بابل، فطلبه وسأل عنه حتى عرفه بالنعت، وكان فقيراً يسرق الفراريج في صغره، فقال العالم ذات يوم: إنك ستملك الشام، فتظهر على الناس فاكتب لي ولقومي أماناً، فقال: لا أدري ما هذا الذي تذكر؟ فلم يزل به حتى كتب له ولقومه أماناً، فلما شب قطع الطريق واجتمع الناس إليه فأرسل إليه ملك فارس جيشاً فهزمهم، ثم أرسل إليه جيشاً آخر فهزمهم، ثم سار إلى فارس، فغلب عليها، ثم لبث ما شاء اللَه أن يلبث، ثم توجه إلى الشام، فلما دنا من الشام، خرج العالم إلى مقدمته، فقال: إن الملك عندي بصحة، فجعل قوم يدفعه إلى قوم حتى دخل عليه، فقال له: هل تعرفني؟ فقال: ما أعرفك.
فقص عليه العالم القصة، فقال: ما أدري ما هذا الذي تقول، ما هذا إلا مال ورثتهُ عن آبائي، فلم يزل به حتى أقر له، ووفى بأمانه، وأمنه، وقال: لا تخبر أحداً.
فلما ظهر على الشام إذا هو بدم يحيى بن زكريا يفورُ، فقال: لأقتلن على هذا الدم حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفاً، فجعل لا يسكن حتى جاء قاتله، فقال: هذا الدم لا يسكن أبداً حتى تقتلني، فأنا الذي قتلته، فسكن الدَم وظهر على الشام وخرب بيت المقدس وحرق التوراة.
وبالله التوفيق.

التوقي في حمل الحديث

في التوقي في حمل الحديث قال مالك: وبلغني أن ابن سيرين كان يقول: إنما هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تحملون دينكم.
قال: وكان يحدث بالحديث ثم يتركه، ويقول لأصحابه: قد تركت حديث كذا وكذا فاتركوه.

قال محمد بن رشد: قوله: فانظروا عمن تحملون دينكم - يدل على أنه لا يجب قول خبر الراوي والعمل به، إلا بعد أن ينظر فيه، فتعرف عدالته، بأن يكون مجتنباً للكبائر متوقياً للصغائر.
هذا أحسن ما قيل في حدِّ العدالة؛ لأن من واقع كبيرة من الكبائر، فهو فاسق محمول على الفسق حتى تعلم توبته منها، ومن لم يتوق من الصَّغائر، فليس بعدل حتى تعلم توبته منها؛ لأن متابعة الصغائر كمقارفة الكبائر، والشافعي يشترط المروءة في جواز الشهادة، ولا تصح العدالة إلا بعد الإِسلام والبلوغ.
فهذه الثلاثة أوصاف مشروطة في العدالة، فمن ظهر فسقه لم تقبل روايته، ومن ظهرت عدالته، قبلت روايته إجماعاً.
واختلف إذا جهلت حاله، فلم يعلم منه فسق ولا ظهرت منه عدالته، فقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يحمل على العدالة، وتقبل روايته، وكذلك قالوا في الشهادة على الأموال خاصة، دون الشهادة على ما سواها من الحدود والأبضاع وشبهها.
واستدلوا لِما ذهبوا إليه من ذلك بقول عمر بن الخطاب: "الْمُسْلِمُونَ عُدولٌ بَعْضُهم عَلَى بَعْضٍ " ... الحديث، ولا حجة لهم في ذلك، إذ ليس على ظاهره؛ لأن معناه: إنما هو أن المسلمين هم الذين تجوز شهادتهم على بعضهم، لا الكفار، بدليل قوله: "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا يُؤسر رَجَلٌ فِي الإِسْلاَم بِغَيْرِ الْعُدًول".
والذي ذهب إليه مالك وجمهور العلماء أنه لا تقبل روايته، ولا تجوز شهادته إلا بعد أن تعرف عدالته؛ لقوله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] إذ لا يُرضى إِلاَّ من عرف بالعدل والرضا.
وقد مضى الكلام على هذا مستوعبا في سماع سحنون من كتاب الشهادات، وأما تحمُّل الخبر والشهادة فلا يشترط في صحته إلا الميز والضبط خاصة، لا الإِسلام، ولا البلوغ، ولا العدالة، ولا الحرية.

وتَرْكُ ابن سيرين للحديث بعد أن حدث به قد يكون لنسخٍ بلغه فيه، أو لشيء اتصل به عن روايته، واللَّه أعلم.

[حفظ قبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم]

في حفظ قبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال مالك: انهدم حائط بيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي فيه قبره، فخرج عمر بن عبد العزيز، واجتمع رجالات قريش، فأمر عمر بن عبد العزيز فستر بثوب، فلما رأى ذلك عمر بن عبد العزيز من اجتماعهم، أمر مزاحماً أن يدخل يخرج ما كان فيه فدخل فَقَمَّ ما كان فيه من لبِنٍ أو طحين وأصلح في القبر شيئاً كان أصابه حين انهدم الحائط ثم خرج وستر القبر، ثم بنى.
قال محمد بن رشد: إنما ستر عمر بن عبد العزيز القبر إكراماً له وخشي لما رأى الناس قد اجتمعوا أن يدخلوا البيت فيتزاحموا على القبر فيؤذوه بالوطء لتزاحمهم عليه رغبةً في التبرك به، فأمر مزاحماً مولاه بالانفراد بالدخول فيه، وقمه وإصلاح ما انثلم منه بانهدام الحائط عليه.
وإنما ستر القبر على الناس وبنى عليه بيتاً صيانة له مخافة أن ينتقل تُرابه ليستشفى به، أو ليتخذ مسجداً يصلى فيه، فقد قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ لَا تَجّعَلْ قَبْرِي وَثناً يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْم اتَّخَذُوا قُبورَ أنْبِيَائِهم مَسَاجِد» . وباللَّه التوفيق.

حرمة ظهر المسجد

في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يفرش له على ظهر المسجد في الصيف فيبيت فيه ولا تأتيه فيه امرأة.
ولا تقربه وكان فقيهاً.

قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد، ألا ترى أنه لم يجز في المدونة للرجل أن يبني مسجداً ويبني فوقه بيتاً يرتفق به.
واحتج للمنع بفعل عمر بن عبد العزيز هذا.
وقال: إنه لا يورث المسجد ولا البنيان الذي يكون على ظهره، ويورث البنيان الذي يكون تحته، وإنما اختلف هل لما فوق المسجد من ظهره حكم المسجد في جواز صلاة الجمعة فيه؟ على قولين: أحدهما: قوله في المدونة: إنه يعيد مَن فعل ذلك ظهراً أربعاً، وأشهب يكره ذلك ابتداء ولا يرى عليه إعادة إن فعل، في وقت ولا غيره، وهو اختيار أصبغ.
وفي كتاب السرقة من المدونة دليلٌ على هذا القول، وهو قوله فيه في الذي ينشر ثيابه على ظهر بيته وهو محجورٌ عن الناس، فيسرقها سارق: إنه يقطع.
وفي المبسوطة لأنس بن مالك، وعروة بن الزبير: أنهما كان يصليان الجمعة بصلاة الِإمام في بيوت محمد بن عبد الرحمن وبينها وبين المسجد الطريق، وذلك خلاف مذهب مالك وأصحابه.

غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء

في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء قال مالك: قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِن مَنَامِهِ، فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ الْمَاءَ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا" فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ أصْنَعُ بِهَذَا الْمِهْرَاس؟ فَقَالَ أبُو هُرَيرَة: أفٍّ لَكَ» . قال محمد بن رشد: لما أمره في الحديث أن يُفرغ عَلى يديه الماء قبل أن يدخلهما ليه، سأله كيف يصنع بالمهراس الذي لا يُمكنه أن يفرغ منه

على يديه، وتأول عليه أبو هريرة أنه لم يسأله مستفهماً، وإنما سأله معارضاً للحديث، يقول: كيف يأمره أن يفرغ على يده من الماء قبل أن يدخلهما فيه، وقد يكون المهراس، فلا يمكنه أن يفرغ على يده منه؟ ولذلك قال له: أفٍّ لك، أي: لا تعارض الحديث، يريد أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله.
وهذه الزيادة وقعت في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء.
ومضى الكلام على هذه المسألة في غير ما موضع من الكتاب المذكور.
وتحصيل القول في ذلك: أن الماء إذا وجده القائم من نومه في مثل المهراس الذي لا يمكنه أن يفرغ منه على يديه ليغسلهما، فإن أيقن بطهارة يده أدخلها فيه، وإن أيقن بنجاستها لم يدخلها فيه، واحتال لغسلها، بأن يأخذ الماء بفيه، أو بثوب، أو بما قدر عليه.
وإن لم يوقن بنجاستها ولا بطهارتها، فقيل: إنه يدخلها في المهراس، ولا شيء عليه؛ لأنها محمولة على الطهارة، وهو قول مالك في آخر سماع أشهب من كتاب الوضوء.
وقيل: إنه لا يدخلها فيه، وليحتلْ لغسلها بأخذ الماء بفيه، أو بما يقدر عليهِ، وهو ظاهر قول أبي هريرة في هذه الرواية.
وأما إِن قام من نومه، فوجد الماء في إناء يُمكنه أن يفرغ منه على يديه في الماء، فلا يدخل يديه في الماء حتى يغسلهما، فإن أدخلهما فيه قبل أن يغسلهما فالماء طاهر إن كانت يده طاهرة، ونجس إن كانت يده نجسة على مذهب ابن القاسم: يتيمم ويتركه، فإن لم يعلمِ بيده نجاسة فهي محمولة على الطهارة، لا تفسد عليه المَاء، وسواء أصبح جنباَ أو غير جنب، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من تفرقته بين الوجهين.

[تفسير مائلات مُميلات]

في المائلات المميلات وسئل مالك: عن تفسير مائلات مُميلات.
قال: مائلات عن الحق، مميلات مَن أطاعهن.
قال محمد بن رشد: يريد: سئل عن تفسير ما جاء في الحديث من قوله "مَائِلَات مميلات"، وهو حديث وقع في الموطأ بكماله موقوفاً على أبي

هريرة قال: «نسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلاَت لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَريحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائَةِ عَامٍ» . ومثله لا يكون رأياً.
وقد رواه عن مالك مرفوعاً عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عبد اللَّه بن نافع الصائغ.
والكاسيات العاريات من النساء هن اللواتي يلبسن الرقيق من الثياب التي تصف وتشف ولا تستر، فهنَّ في الحقيقة لابسات، وفي المعنى: عاريات.
وقوله: «إِنًهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَهوَ يُوجَدُ مِن مَسِيرَة خَمْسِمائَةِ عَام» - مَعناه: إِن هذا هو جزاؤهن عند اللَّه عز وجل على هذا الفعل، إن جازاهن عليه ولم يغفره لهن، فإنه عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] ، وليس معنى قوله "إِنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ" على التأبيد، وإنما معناه: إِنَّهنَّ لا يدخلن فيها إلا بشفاعة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في المذنبين.

الخروج من المسجد بعد الأذان

في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان قال مالك: بلغني أن رجلًا قدم حاجاً وأنه جلس إلى سعيد بن المسيب وأذن المؤذن فأراد أن يخرج من المسجد، واستبطأ الصلاة، قال له سعيد: لا تخرج، فإنه بلغني أنه من خرج بعد المؤذن خروجاً لا يرجع إليه، أصابه أمر سوء.
قال: فقعد الرجل، ثم إنه استبطأ الِإقامة، قال الرجل: ما أظنه إلا قد حبسني فخرج،

فركب راحلته فصرع، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: ظننت أنه يصيبه ما يكره.
قال محمد بن رشد: قول سعيد: وقد بلغني أنه من خرج بعد المؤذن خروجاً لا يرجع إليه أصابه أمر سوء - معناه: إن ذلك بلغه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذ لا يقال مثله بالرأي، وهي عقوبة معجلة من اللَه عز وجل للخارج بعد الأذان من المسجد على أن لا يعود إليه لإيثاره تعجيل حوائج دنياه على الصلاة التي حضر وقتها.
قال عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] ، وأمّا إن خرج راغباً عنها وآبياً من فعلها فهو منافق.
وقد قال سعيد بن المسيب: بلغني أنه لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء، إلى حد يريد الرجوع إليه، إلا منافق.
وباللَّه تعالى التوفيق.

[ما كان عليه أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في حياته]

فيما كان عليه أصحاب رسول اللَّه

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حياته إلى أن توفي في التقلل في الدنيا وترك التنعُّم فيها والرضا بالدون من العيش قال: وسمعت مالكا، يقول: سمعت أنه توفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليس بالمدينة منخل ينخل به، فقيل لبعض أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كيف كنتم تفعلون؟ قالوا: نطحن الشعير ثم ننفضه ثم ننفخه، فما طار طار، وما بقي بقي.
    قال الِإمام القاضي: في هذا دليل على أن أحوال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم تتسع بالوفر والغنى في حياته، كما اتسعت بعد وفاته

مما أفاء الله عليهم من الغنائم والفتوحات، التي وعدهم الله بها حيث يقول: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: 20] ، فكثرت أموالهم من ذلك واتسعت أحوالهم، وصاروا أهل ثروة وغنى، منهم الزبير بن العوام، بلغت تركته خمسين ألف ألف ومائتي ألف، بعد أن ودَى عنه ابنه عبد الله ما كان عليه من الدين، وذلك ألف ألف ومائتا ألف، باع فيه بعض ما كان تخلفه من الأموال، وقطع من الغابات التي كان تخلفها ميراثاً قطعة لعبد الله بن جعفر في أربعمائة ألف كان له عليه، فباعها ابن جعفر بستمائة ألف، ربح فيها مائتي ألف، وفضلت من الغابة بعدما باع منها مائة ألف، فقوم على معاوية، وأخبر بذلك، وعنده عمرو بن عثمان، ومنذر بن الزبير وعبد الله بن ربيعة، فقال عمرو بن عثمان: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف، وقال منذر بن الزبير: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف، وقال عبد الله بن ربيعة: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف، وقال معاوية: قد أخذت السهم الباقي ونصف السهم بمائة ألف وخمسين ألفاً، وكان له أربع زوجات، وأوصى بثلث ماله، فأخرج الثلث، وأصاب كل امرأة من نسائه، ألف ألف ومائتا ألف وكانوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في كلتا الحالتين محمودين؛ لأنهم صبروا في حالة الفقر على ضيق العيش، وشكروا الله على ذلك وقنعوا بما أعطوا، وآثروا على أنفسهم من القليل كما وصفهم الله به؛ حيث يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل.
وشكروا الله في حال الغنى على ما آتاهم الله من فضله، ووسع عليهم من رزقه، وأدوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات الواجبات، وقاموا بما يلزمهم القيام به من اللازمات، وتطوعوا لوجه الله تعالى بما لا يلزمهم من القرب والصدقات، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله

عز وجل، وقد اختلف الناس في الفقر والغنى على أربعة أقوال: فمنهم من ذهب إلى أن الغنى أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن الفقر أفضل.
ومنهم من توقف في ذلك، ولم ير المفاضلة.
وهذا فيمن كَان يؤدي ما لله عليه من حق في حال الفقر لفقره، وفي حال الغنى لغناه؛ لأن من كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الفقر، ولا يؤدي حقهُ الواجب عليه في الغنى فلا اختلاف في أن الفقر أفضل له من الغنى، ومن كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الغنى، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الفقر، فلا اختلاف في أن الغنى أفضل؛ لأن الفضل في الفقر والغنى ليس لذاتهما، وإنما هو لما يكتسب بسبب ما يؤجر عليه، فيكتسب بسبب الفقر الرضا والصبر، على ما قسم له، والشكر لله على ذلك، والتصرف والخدمة فيما يحتاج إليه من كسوته ونفقته، ونفقة من يلزمه الِإنفاق عليه، فيؤجر على ذلك كله، ويكتسب بسبب المال الصبر على إنفاقه في الواجبات، وما يندب إليه من القربات، مع حبه إياه، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 177] إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] . والشكر لله تعالى على ما أتاه من فضله فيؤجر على ذلك كله.
والذي أقول به في هذا تفضيل الغنى على الفقر وتفضيل الفقر على الكفاف، وإنما قلت: إن الغنى أفضل من الفقر، لقوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32] فلو كان الفقر أفضل من الغنى، لكان تعالى يأمرنا أن نسأله تفضيل الأفضل بالأدنى، وذلك خلاف المعلوم

من المعنى، وقوله عز وجل: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد امتن عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بأن نقله من الأفضل إلى الأدنى، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] فلو كان ما كانوا فيه أفضل وأولى لم يكن لحزنهم معنى، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: 268] وشتان في الفضل بيْن ما يُعبد الله به من الغنى، وما يعبد الشيطان به من الفقر، وقوله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 28] وَقَوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] وما أشبه ذلك من الآيات كثير، ولقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: حين قيل له: ذهب الأغنياء بالأجور: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 54] ، وبقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَالُ أبِي بَكْرِ» ، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ ضَمِنْتُ لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ» ، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُم عالة يَتَكًفّفُونَ النَّاسَ» . وأمره - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقبول ما أتى من غير مسألة، ونهيه عن إضاعة المال، وعن الوصية بما زاد على الثلث.
وما أشبه ذلك من الأحاديث التي يكثر عددها ولا يمكن حصرها، ولأن الفقير يؤجر من وجهين: أحدهما: الصبر على الفقر والفاقة، مع الرضا بذلك، والشكر لله تعالى عليه، والثاني: تصرفه وعمله فيما يعيد به على نفسه ما لا بد له منه من نفقته ونفقة من تلزمه نفقته.
والغني يؤجر من وجوه كثيرة، منها الشكر لله عز وجل على ما أتاه من فضله، ومنها الصبر على ما يعطيه من ماله لوجه الله عز وجل في الواجب عليه من الزكاة، وفيما سِوى ذلك من القربات ومن الِإنفاق على ما يجب عليه الِإنفاق عليه من الزوجات والبنين الصغار والآباء والأمهات المعدمِين، مع حبه له، وشحه عليه.
قال عز وجل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 177] ... الآية، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] ثناءً منه عز وجل بذلك عليهم.
وقد يتزوج الغني الزوجتين والثلاث والأربع، ويتسرى الِإماء ذوات العدد، فيستمتع بوطئهن، ويؤجر بذلك فيهن.
والفقير لا يقدر على شيء من ذلك، وما فضل على الرجل من ماله بعد أن أدى منه الواجب عليه فيه باستمتاعه به في الرفيع من اللباس الطيب، والطعام الحسن، والحسن من الركوب، والجيد من السكنى من غير إسراف في شيء من ذلك كله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] ، أولى من ترك ذلك وإمساك المال، إذ لا أجر في مجرد إمساك المال، وإنما يؤجر على إمساكه إذا أمسكه لخير يريد أن يفعله منه.
وقد يؤجر على الاستمتاع بماله في لباس الحَسَن؛ لأن الله يحب أن يرى أثر

نعمته على عبده.
«وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صاحب جابر بن عبد الله لما لبس الثوبين الجديدين بأمره له بذلك ونزع الخفين: "مَا لَهُ ضَرَبَ اللهُ عُنُقَه، أَلَيْسَ هَذَا خَيْرٌ لَهُ؟» وقال عمر بن الخطاب: إنِّي لأحِبَ أنْ أنْظُرَ إلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَاب.
وقال: إِذا أوسعَ اللهُ عليكم فَأوْسِعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ.
ويؤجَر عَلى التوسعة على أهله في الِإنفاق.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حتَّى مَا تَجْعَل فِي فِي امْرَأتكَ» . ففي هذا كله بيان واضح على أن وجود المال خير من عدمه؛ لأنه إذا عدِمه لم ينتفع بعدمه، وإذا وَجَدَه انتفع بوجوده، إما باستمتاع مباح غير مكروه لا أجر له فيه، وإما باستمتاع مندوب إليه فيه أجر إلى ما يفعل منه من الخير الواجب والتطوع، وإنما قُلت: إن الفقر أفضل من الكفاف؛ لأن الذي عنده الكفاف، إنما يؤجَر على شكر نعمة الله عليه فيما أعطاه من المال الكفاف الذي لا فضل فيه عما يحتاج إليه، فأغناه ذاك عن الكدْح والتصرف فيما يحتاج إليه.
والفقير يؤجر من وجهين، حسبما ذكرناه، واستدل من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغني بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] ولا دليل لهم فيه؛ لأن الأغنياء يشاركونهم في الصبر، والأجور في الأعمال على قدر النيات فيه.

قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن اللهَ قَدْ أوْقَعَ أجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نيَّتِهِ» ، ومقدار النيات لا يعلمها إلا المجازي عليها.
روي: أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء.
ولا دليل فيه أيضاً، إذ ليس على عمومه؛ للعلم الحاصل بأن طائفة من أغنياء المسلمين كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان يدخلون الجنة قبل كثير من الفقراء وأنهم أفضل من أبي ذر، وأبي هريرة، ولأن السبق إلى الجنة لا يدل على زيادة الدرجات فيها، وكذلك ما روي من كون "الفقراء أفضل أهل الجنة" لا دليل لهم فيه، إذ ليس لهم فيه في الحديث أنهم أكثر أهل الجنة وأفقرهم، وإنما كانوا أكثر أهل الجنة؛ لأن الفقراء في الناس أكثر من الأغنياء، فالمحمودون منهم أكثر من المحمودين من الأغنياء، وليس الكلام في أي الطائفتين أكثر، وإنما هو في أيهما أفضل، أي: أكثر ثواباً.
وقد بينا وجه كثرة الثواب في ذلك، وأقوى ما يحتج به من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى، هو أن الفقراء أيسر حساباً وأقل سؤالاً، إذ لا بد أن يسأل صاحب المال من أين كسبه؟ وهل أدى الحق الواجب عليه فيه أم لا؟ وسأل أيضاً عن تنعُّمه فيه بالمبَاح من المطاعم والملابس، بنص قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8] ، وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأصحابه: «لَتُسْألُنّ عَنْ نَعِيم هَذَا الْيَوْم» ، في طَعَامٍ صنَعَهُ لَهُم أبُو الْهَيْثَم بن التَّيْهان: خبز شَعيرِ ومَاءٍ مُسْتَعْذَب.
وهذا لا حجة لهم فيه أيضاً؛ لأن السؤال عن ذلك كله لا

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل