كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: نزع الأردية في الجنائز
كتاب الجنائز من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس
مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم؛ قال: سئل مالك عن نزع الأردية في الجنائز؛ قال: بئس العمل.
قال محمد بن رشد: معنى هذا أن ينحسر الرجل في جنازة أبيه أو أخيه فيتبعه حاسرا بغير رداء - قاله سحنون في نوازله من هذا الكتاب في بعض الروايات، وإنما كرهه مالك؛ لأنه من ناحية النعي المنهي عنه من فعل الجاهلية، لما فيه من إبداء الحزن والجزع للولي على ميته، ومن هذا المعنى ما يفعل
عندنا من تبيض الولي على وليه، فهو مكروه من الفعل، لا يفعله إلا مخطئ.
وقد استخف ابن حبيب أن ينحسر الرجل في جنازة من يختص به كأبيه الذي يحمل سريره على كاهله، وشبهه من قرابته؛ أو كالرجل الفاضل، أو العالم الذي يختص به ويعنى بأمره؟ وذلك خفيف - كما قال - إذا كان إنما يفعله من أجل حمله وما يتكلفه من التصرف في أمره، فقد فعله عبد الله بن عون في جنازة محمد بن سيرين، ومصعب بن الزبير - وهو أمير في جنازة الأحنف بن قيس؟ وحمل سعد بن أبي وقاص سرير عبد الرحمن بن عوف على كاهله، وفعله عمر بأسيد بن الحضير، وعثمان بأمه، وعبد الله بن عمر بأبي هريرة - وبالله التوفيق.
مسألة: يحمل الرجل الجنازة وينصرف ولا يصلي
ومن كتاب القبلة
مسألة قال ابن القاسم وسمعت مالكا يقول: من شهد جنازة فإني لا أرى أن ينصرف حتى يصلي عليها، إلا لحاجة أو علة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله - بعد هذا في رسم "شك في طوافه": ليس هذا من الفعل أن يحمل رجل ولا يصلي.
وقال في آخر سماع أشهب: لا بأس أن يحمل الرجل الجنازة وينصرف ولا يصلي، وذلك اختلاف من قوله: كره في سماع ابن القاسم لمن شهد جنازة أن ينصرف حتى يصلي عليها، ولم ير بذلك بأسا في سماع أشهب، والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم في تخريج ما تعارض ظاهره من حديث النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في ثواب المصلي على الجنازة وتأويله، وذلك أنه روي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه قال: «من جاء جنازة فتبعها من أهلها حتى يصلي عليها، فله قيراط، وإن مضى معها حتى تدفن فله قيراطان مثل أحد».
وروي عنه أيضا أنه قال: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان».
فذهب بعض الناس إلى أن الحديث الأول مبين للحديث الثاني؛ لأن راويه حفظ من ذكر اتباع الجنازة من أهلها، ما أغفله راوي الحديث الثاني؟ وذهب آخرون إلى أن المعنى في ذلك، أن الله كان كان تفضل بقيراط من الأجر لمن اتبع الجنازة من أهلها وصلى عليها، ثم تفضل بعد ذلك بالزيادة في الثواب فجعل في الصلاة على الجنازة خاصة قيراطا كاملا من الأجر، فمن ذهب إلى التأويل الأول، رأى أن الذي يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتصحيح الأثرين، أن القيراط من الثواب إنما يستحق باتباع الجنازة من أهلها، والصلاة عليها، يقع من ذلك لاتباعها من عند أهلها ما الله به أعلم، وللصلاة عليها ما الله به أعلم أيضا، ويجيء على مذهبه أنه لا ينبغي لمن شهد جنازة أن ينصرف دون أن يصلي عليها لئلا يبطل عمله في اتباعها، إذ جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثواب ذلك مضمنا بالصلاة، فصار معها كشيء واحد، من شرع فيه لم ينبغ له أن يتركه حتى يتمه، لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]- فهذا وجه ما في هذا السماع من الكراهية لمن شهد جنازة أن ينصرف دون أن يصلي عليها، ومن ذهب إلى التأويل الآخر، رأى أن اتباع الجنازة ليس بمرتبط بالصلاة عليها، إذ قد تفضل الله لمن صلى عليها بقيراط كامل من الأجر، ولمن اتبعها من أهلها بما هو أعلم به من الأجر، ويجيء على مذهبه: أن لمن اتبع الجنازة من أهلها، أن ينصرف دون أن يصلي عليها
لانفصال اتباع الجنازة عنده عن الصلاة عليها، وبينونة كل واحد منهما عن صاحبه بحظه من الأجر؟ كما أن لمن صلى عليها أن ينصرف دون أن يشاهد دفنها، أو يصلي على غيرها؛ لانفصال الدفن عن الصلاة ببينونة كل واحد منهما عن صاحبه بحظه من الأجر، كما تنفصل الجنازة عن غيرها؛ فهذا وجه رواية أشهب عن مالك في أن لمن اتبع الجنازة أن ينصرف دون أن يصلي عليها، وهذا إذا كان ممن لا يقتدى به، وأمن من أن يظن به اعتقاد سوء في نفسه، أوفي الميت؟ ويشهد لهذا القول ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اتبع جنازة وحملها ثلاث مرار، فقد قضى ما عليه من حقها».
وهو حديث غريب ذكره الترمذي في مصنفه.
مسألة: الغسل على من غسل ميتا
مسألة قال مالك: أرى على من غسل ميتا أن يغتسل، قال ابن القاسم ولم أره يأخذ بحديث أسماء بنت عميس، ويقول: لم أدرك الناس إلا على الغسل.
قال ابن القاسم وهو أحب ما سمعت فيه إلي.
قال سحنون حدثني أنس بن عياض، عن محمد بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل ميتا فليغتسل».
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية إيجاب الغسل على من غسل ميتا - للحديث المذكور، ولمالك في المختصر أن ذلك مستحب وليس بواجب، وقول ابن القاسم: وهو أحب ما سمعت فيه إلي - حمله ابن أبي زيد وغيره على أنه استحب الغسل، مثل قول مالك في المختصر.
والظاهر عندي منه أنه إنما استحب القول بإيجاب الغسل، فهو مثل روايته عن مالك، وقد قيل إنه لا غسل عليه، وهو قول مالك في الواضحة، وعليه الجمهور؛ وهو الذي يوجبه النظر والقياس على الأصول؛ لأن غسل الميت ليس بحدث ينقض الطهارة مثل الجنابة؛ بدليل إجماعهم على أنه لا غسل على من غسل ما سوى الميت من الأشياء الطاهرة، أو النجسة؛ فمن أوجب الغسل جعل أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به عبادة لا لعلة، وحمله على مقتضاه من الوجوب، ومن استحبه ولم يوجبه، جعل أمر النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - به لعلة؛ واختلفوا ما هي؟ فمنهم من قال إنه إنما أمره بالغسل ليبالغ في غسل الميت؛ لأنه إذا غسل الميت - موطنا على الغسل، لم يبال بما ينتضح عليه منه، فكان سببا لمبالغته في غسله؛ ومنهم من قال ليس معنى أمره بالغسل، أن يغسل جميع جسده كغسل الجنابة؛ وإنما معناه أن يغسل ما باشره به، أو انتضح عليه منه؛ لأنه ينجس بالموت، وإلى هذا ذهب ابن شعبان، فقال: لا يدخل الميت في المسجد؛ لأنه ميتة، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم في قوله: أنه ينجس الثوب الذي يجفف به الميت بعد غسله، خلاف قول سحنون في نوازله من بعض روايات العتبية؛ وهو دليل قول ابن القاسم في كتاب الرضاع من المدونة أن لبن المرأة الميتة الذي في ضرعها ينجس بموتها، لنجاسة الوعاء، فلا يحل شربه.
والصحيح أن الميت من بني آدم ليس بنجس، بخلاف سائر الحيوان التي
لها دم سائل؛ لأن عدم الروح من الحيوان ليس بعلة في النجاسة، إذ قد يعدم الروح بالذكاة فيما يؤكل من دواب البر، وبالموت في دواب البحر، فلا ينجس بذلك، فلما لم يكن عدم الروح من الحيوان علة في النجاسة، وجب ألا ينجس بالموت إلا ما يموت مما يحل أكله بذكاة، وهي الميتات؛ لأن الله تعالى سماها رجسا فقال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ [الأنعام: 145] الآية - إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]. والميت من بني آدم لا يسمى ميتة، فليس برجس ولا نجس، ولا حرم أكله لنجاسة، إذ ليس بنجس، وإنما حرم إكراما له؟ ألا ترى أنه لما لم يسم ميتة، لم يجز للمضطر أن يأكله بإباحة الله تعالى له أكل الميتة - على الصحيح من الأقوال، هذا من طريق النظرة وأما من طريق الأثر، فقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن المؤمن لا ينجس».
وقال ابن عباس في البخاري: لا ينجس المسلم حيا ولا ميتا.
وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسا ما مسسته.
وسئلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - هل يغتسل من غسل ميتا؟ فقالت: أو أنجاس موتاكم؟ ولو كان نجسا ما أدخله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسجد، وفي هذا كفاية.
ومنهم من قال: إنما أمر أن يغتسل - توقيا لما عسى أن يصيبه من أذى الميت، إذ يخاف ألا يكون طاهرا من النجاسة، لا أن ذاته نجسة، وقد يحتمل أن يتأول في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من غسل ميتا فليغتسل»، ما يتأول لا قوله: «ومن حمله فليتوضأ».
فيكون المعنى في ذلك أن يغتسل لاغتساله - إن كان غير طاهر، لئلا يغسله - وهو جنب، ومما يدل أن الاغتسال من غسل الميت
مستحب غير واجب، حديث أسماء بنت عميس، إذ لو كان الغسل عليها واجبا، لما سقط عنها لشدة البرد، ولوجب أن تتيمم - إن خشيت على نفسها الموت - الله أعلم.
مسألة: يغسل الجنب الميت
مسألة قال مالك: لا أحب للجنب أن يغسل الميت حتى يغتسل؛ لأن أمره يسير، ولا بأس بالحائض أن تغسل الميت.
قال محمد بن رشد: قد روى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن يغسل الجنب الميت، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وظاهر قول ابن القاسم في كتاب ابن عبدوس؛ والأظهر في ذلك الكراهة، لما جاء من أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب، ولأنه يملك طهره؛ وقد يحتمل أن يدل على المنع، من ذلك قوله، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من غسل ميتا فليغتسل» - على ما ذكرناه قبل هذا مما يحتمله تأويل الحديث؛ فإن غسله وهو جنب، نقص أجره، ولم يأثم على القول بكراهية ذلك؛ لأن حد المكروه ما تركه أفضل - والله أعلم، وبه التوفيق.
الشهداء تكون عليهم المناطق وقلانس محشوة قزا هل يدفنوا بها
ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة وسئل عن الشهداء تكون عليهم المناطق وقلانس محشوة قزا، أترى أن يدفنوا بها؟ قال: ما علمت أنه ينزع منهم شيء.
قال ابن القاسم ولا بأس أن يدفنوا في الخفين إذا أصيب - وهما عليه.
وقال ابن نافع لا ينزع عنه فروه ولا خفاه.
قال مطرف
لا تنزع عنه منطقته، إلا أن يكون لها خطب، قال: وأما إن كان الذي فيها من الفضة يسيرا، فلا تنزع عنه؛ ولا ينزع خاتمه إلا أن تكون فضة لها خطب وبال.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: لا بأس أن يدفنوا في الخفين إذا أصيب وهما عليه، يدل على أن نزعهما جائز، وكذلك المناطق والخواتم على قياس قوله؛ فهو خلاف قول مالك وابن نافع ومطرف؛ لأنهم ذهبوا إلى ألا ينزع عنهم شيء مما هو في معنى اللباس - وإن لم يكن من الثياب قياسا على الثياب حاشا دروع الحديد؛ لأنها من السلاح؛ وذهب ابن القاسم إلى أنه ينزع عنهم ما عدا الثياب، تعلقا بظاهر قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: زملوهم بثيابهم، فهذا وجه أقوالهم - والله تعالى أعلم.
مسألة: رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء
ومن كتاب أوله شك في طوافة مسألة وسئل مالك: عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء، فأراد أن يحمل لموضع الأجر ولا يصلي؛ قال: ليس هذا من العمل أن يحمل رجل ولا يصلي، ولم يعجبه ذلك، وقال: ليس هذا من عمل الناس أن يحملوا على غير وضوء.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "القبلة" وجه الكراهية في أن يحمل ولا يصلي، وإنما كره له أن يحمل على غير وضوء، من أجل أنه لا يصلي، ولو علم أنه يجد في موضع الجنازة ماء يتوضأ به، لم يكره أن يحمل على غير وضوء، وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ».
ومعنى قوله عندهم من حمله فليتوضأ أي ليتوضأ إذا أراد أن يحمله كي يصلي عليه إذا حمله، لا أن حمله ينقض طهارة من كان متوضئا.
مسألة: تعزية المسلم يهلك أبوه وهو كافر
مسألة وسئل مالك عن الرجل المسلم يهلك أبوه وهو كافر، افترى أن يعزيه به فيقول: آجرك الله في أبيك؟ قال لا يعجبني أن يعزيه به، لقول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72].
فلم يكن لهم أن يرثوهم وقد أسلموا حتى يهاجروا، ومنعهم الله الميراث - وقد أسلموا حتى يهاجروا.
قال محمد بن رشد: ما ذهب إليه مالك في هذه الرواية من أن المسلم لا يعزى بأبيه الكافر، ليس ببين؛ لأن التعزية بالميت تجمع ثلاثة أشياء: أحدها تهوين المصيبة على المعزى وتسليته منها، وتحضيضه على التزام الصبر، واحتساب الأجر، والرضى بقدر الله، والتسليم لأمره.
والثاني الدعاء له بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب، ويحسن له العقبى والمئاب.
والثالث الدعاء للميت والترحم عليه، والاستغفار له، فليس تحظير الدعاء للميت الكافر، والترحم عليه، والاستغفار له، لقوله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: 113]- الآية - بالذي يمنع من تعزية ابنه المسلم بمصابه به، إذ لا مصيبة على الرجل أعظم من أن يموت أبوه الذي كان يحن عليه، وينفعه في دنياه - كافرا، فلا يجتمع به في أخراه، فتهون عليه مصيبته، ويسليه منها، ويعزيه فيها بمن مات للأنبياء الأبرار - عليهم
السلام - من القرابة، والآباء الكفار؛ ويحضه على الرضى بقدر الله، ويدعو له في جزيل الثواب إلى الله؟ إذ لا يمنع أن يؤجر المسلم بموت أبيه الكافر، إذا شكر الله، وسلم لأمره، ورضي بقضائه وقدره، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يزال المسلم يصاب في أهله وولده وحامته، حتى يلقى الله - وليست له خطيئة».
ولم يفرق بين مسلم وكافر، وهل يشك أحد في أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجر بموت عمه أبي طالب، لما وجد عليه من الحزن والإشفاق؛ وقد روي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن للرجل أن يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر، لذمام الجوار، فيقول له - إذا مر به: بلغني الذي كان من مصابك بأبيك، ألحقه الله بكبار أهل دينه، وخيار ذوي ملته.
وقال سحنون إنه يقول له: أخلف الله لك المصيبة، وجزاك أفضل ما جازى به أحدا من أهل دينه.
فالمسلم بالتعزية أولى، وهو بذلك أحق وأحرى.
والآية التي احتج بها مالك لما ذهب إليه من ترك التعزية بالكافر، منسوخة؟ قال عكرمة: أقام الناس برهة لا يرث المهاجر في الأعرابي، ولا الأعرابي المهاجر؟ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72]- الآية، حتى نزلت ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: 6].
فاحتج بالمنسوخ كما احتج لما اختاره من الإطعام في كفارة الفطر في رمضان بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184]- الآية، وهي منسوخة؟ وذلك إنما يجوز على القول بأن الأمر إذا نسخ وجوبه، جاز أن يحتج به على الجواز، وفي ذلك بين أهل العلم اختلاف، واعتلاله بامتناع الميراث ضعيف، إذ قد يعزى الحر بالعبد - وهما لا يتوارثان، ولو استدل على ما ذهب إليه من أن
المسلم لا يعزى بالكافر، بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
وبقوله عز وجل: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [المجادلة: 22]- الآية، لكان أظهر وإن لم يكن ذلك دليلا قاطعا، للمعاني التي ذكرناها، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق ثم ولدها وأخوها أحق بالصلاة عليه
مسألة وسئل مالك عن المرأة تعتق الرجل فيموت المعتق - ثم ولدها وأخوها، من ترى أحق بالصلاة عليه؟ قال ابنها، ما لأخيها وما له؟ ابنها أحق بميراثه، والصلاة عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ابن المرأة أقرب إليها من أخيها - وإن لم يكن من قومها عند مالك، خلاف مذهب الشافعي.
الرجل يبتاع الوصيف الصغير من سبي الروم
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن الرجل يبتاع الوصيف الصغير من سبي الروم - وقد أراد به سيده الإسلام، فيقيم في يديه أياما ثم يموت، أترى أن يصلى عليه؟ قال إن لم يسلم، فلا يصلى عليه.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته هذه عن مالك، أن الصغير من سبي أهل الكتاب، لا يجبر على الإسلام، ولا يحكم له بحكمه حتى
يجيب إليه؛ وقيل إنه يجبر على الإسلام - وإن كان معه أبواه، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وظاهر رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، واختيار أبي عبيد؟ قال: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه؟ وقيل إنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون سبي معه أبوه، كانا في ملك واحد أو لم يكونا؛ ولا يلتفت في ذلك إلى أمه، وهو قول المدنين وروايتهم عن مالك، ورواية معن بن عيسى عن مالك في آخر سماع موسى بن معاوية.
وقيل إنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أحد أبويه فيكون تبعا له، ما لم يفرق بينهما الإملاك، وهو قول ابن الماجشون في ديوانه؛ فيتحصل في ذلك ستة أقوال - سنذكر بيانها في سماع محمد بن خالد من كتاب المرتدين والمحاربين إذا وصلنا إليه - إن شاء الله، واختلف إن مات قبل أن يجبر على الإسلام في الموضع الذي يجبر فيه، فقيل إنه يحكم له بالإسلام لملك سيده إياه، وهو قول ابن دينار، ورواية معن بن عيسى عن مالك؛ وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى ينويه له سيده، وهو قول ابن وهب؛ وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى يرتفع عن حداثة الملك شيئا، ويزييه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه، وهو قول ابن حبيب، وقيل إنه لا يحكم له بالإسلام حتى يجيب إليه ويعقل الإجابة ببلوغه حد الإثغار أو نحو ذلك، وقيل إنه لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه بعد البلوغ، وهو مذهب سحنون؛ وأما الصغير من سبي المجوس، فلا اختلاف في أنه يجبر على الإسلام، إلا أن يكون معه أبواه، أو أحدهما في ملك واحد، أو أملاك متفرقة؛ فعلى ما تقدم من الاختلاف في الصغير من سبي أهل الكتاب وإن مات قبل أن يجبر، فعلى ما تقدم من الاختلاف أيضا؛ واختلف في الكبير من سبي المجوس، هل يجبر على الإسلام أم لا - على قولين، ولم يختلف في الكبير من سبي أهل الكتاب، أنه لا يجبر على
الإسلام؛ ومذهب ابن حبيب فيما ولد للنصراني في ملك المسلمين، مثل قول ابن القاسم إنه لا يجبر على الإسلام، بخلاف السبي؛ وذهب أبو المصعب إلى أنه لا يجبر في السبي، ويجبر فيما ولد في ملك المسلمين، عكس تفرقة ابن حبيب، فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة، وقد مضى بعضه في أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة؛ والذي يشهد له قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه» - الحديث - أن يحكم للصغير من أولاد المشركين كيفما كان، ما لم تكن له ذمة، ولم يكن معه أبواه - بحكم الإسلام.
مسألة: التكبير لصلاة الجنائز
مسألة وسئل مالك عن التكبير لصلاة الجنائز فيمن يكبر خمس تكبيرات، أترى أن يكبر معه، أم يقطع ذلك؟ قال بل يقطع ذلك أحب إلي إذا كبر أربعا، ولا يتبعه في الخامسة.
قال محمد بن رشد: إنما استحسن أن يقطع، ولم يقل إنه يكبر معه الخامسة - مراعاة للخلاف، كما قال في الإمام يرى في سجود السهو خلاف ما يرى من خلفه؛ لأن الإجماع قد انعقد بين الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، فارتفع الخلاف؛ روي أن الناس كانوا يختلفون في التكبير في الجنازة، فلما ولي عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه ذلك، فجمع أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال لهم: إنكم معاشر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متى تختلفون، يختلف من بعدكم؟ ومتى تجتمعون على أمر، يجتمع الناس عليه، فانظروا أمرا تجتمعون عليه؟ فكأنما أيقظهم، فقالوا نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين، فتراجعوا الأمر بينهم، فأجمع أمرهم على أربع تكبيرات - عدد ركعات أطول الصلوات،
فهذا أولى ما قيل في ذلك، وقد فرق بين الموضعين بأن السجود فعل يظهر مخالفة الإمام فيه، والتكبير قول لا يظهر مخالفة الإمام فيه، وبأن الاختلاف في سجود السهو، ليس في نفسه كالتكبيرة الخامسة في الجنازة، وإنما هو في موضع إيقاعه، وقال أشهب، وابن الماجشون - عن مالك، إنه لا يقطع ويسكت، فإذا كبر الإمام الخامسة سلم بسلامه، وهذا على اختلافهم في المسافر يصلي بالمسافرين، فيتم الصلاة، فقيل إنهم يسلمون لأنفسهم وينصرفون، وقيل إنهم يقدمون منهم من يسلم بهم، وقيل إنهم ينتظرون الإمام حتى يسلم فيسلموا بسلامه، وسيأتي في آخر نوازل أصبغ الاختلاف في: هل يكبر معه الخامسة من فاتته بعض تكبيرة، وبالله التوفيق.
مسألة: الجنازة إذا وضعت لتدفن أينتظر الناس فراغها أم ينصرفون
ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته مسألة وسئل مالك عن الجنازة إذا وضعت لتدفن، أينتظر الناس فراغها؟ أم ينصرفون؟ قال إن الناس ليفعلون ذلك اليوم، وما كان من أمر الناس في القديم؛ وقيل له أترى ذلك واسعا لمن أقام أو انصرف؟ فقال نعم، أرى ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: وهذا واسع كما قال؛ لأن الدفن عبادة مبتدأة منفصلة عن الصلاة، مختصة بما لها من الأجر، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من شهد الجنازة حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن، كان له قيراطان».
فقوله «ومن شهد حتى تدفن فله قيراطان»، يدل على أن ذلك ترغيب؛ وقال زيد بن ثابت: إذا صليت، فقد قضيت الذي عليك؛ وقال حميد ما علمنا على الجنازة إذنا، ولكن من صلى ثم رجع، فله قيراط؟ فلا يلزم
من صلى على جنازة، أن يشاهد دفنها؛ ولا يدخل في ذلك من الاختلاف، ما دخل في من حمل جنازة، هل له أن ينصرف دون أن يصلي عليها، وقد مضى بيان ذلك في رسم "القبلة" قبل هذا.
مسألة: الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد
مسألة وسئل مالك عن الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد، فكره ذلك وكره أن يصاح خلفه: استغفروا له، يغفر الله لكم.
وابتدأ ما هو فيه بالكراهية.
قال ابن القاسم وسألت مالكا عن الجنازة يؤذن بها في المسجد يصاح بها، قال لا خير فيه - وكرهه، وقال لا أرى بأسا أن يدار في الحلق يؤذن الناس بها، ولا يرفع بذلك صوته.
قال محمد بن رشد: أما النداء بالجنازة في داخل المسجد فلا ينبغي، ولا يجوز باتفاق، لكراهة رفع الصوت في المسجد، فقد كره ذلك حتى في العلم، وأما النداء بها على أبواب المساجد، فكرهه مالك ههنا ورآه من النعي المنهي عنه، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية»، والنعي عندهم أن ينادى في الناس: ألا إن فلانا قد مات، فاشهدوا جنازته، واستخفه ابن وهب في سماع عبد الملك من هذا الكتاب، ومن كتاب الصلاة؛ وقول مالك: وأما الإذن
بها، والإعلام من غير نداء، فذلك جائز بإجماع، وقد «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المرأة التي توفيت فدفنت ليلا: أفلا آذنتموني بها».
وقد روي عن حذيفة بن اليمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: «إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن النعي».
مسألة: النصراني يموت هل لابنه وهو رجل من المسلمين أن يقوم في أمره
مسألة وسئل مالك عن النصراني يموت أترى لابنه وهو رجل من المسلمين أن يقوم في أمره، ويتبعه إلى قبره من غير شهود له؟ قال ما أرى أن يقوم في أمره ولا يتبعه إلى قبره، قد ذهب الحق الذي كان يلزمه من أمره إذا انقضت حياته، إلا أن يخاف أن يضيع، قال ابن القاسم هذا أثبت ما سمعت من قول مالك وبه آخذ.
قال محمد بن رشد: قد حكى ابن حبيب عن مالك، أنه قال: لا بأس أن يقوم بأمره كله، ثم يسلمه إلى أهل دينه ولا يتبعه، إلا أن يخاف عليه الضيعة، فيتقدم إلى قبره، ولا يلي إدخاله فيه، إلا ألا يجد من يكفيه ذلك؛ ولهذا قال ابن القاسم في روايته عنه: إنها أثبت ما سمع منه، فاختار من قوله ألا يقوم في شيء من أمره، إلا ألا يجد من يكفيه ذلك، وإتباعه إلى قبره إن خشي عليه الضيعة، يكون معتزلا عن الحاملين له من أهل دينه - على ما حكى عنه ابن حبيب، مخافة أن ينزل بهم سخط من الله، فيصيبه معهم.
التسليم على الجنازة
ومن كتاب أوله سن رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ابن القاسم في التسليم على الجنازة يسلم الإمام واحدة
ويسمع من يليه، ومن وراءه يسلمون واحدة في أنفسهم، وإن أسمعوا من يليهم لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، فالإمام يسمع من يليه سلامه؛ لأنهم يقتدون به فيسلمون بسلامه، ومن خلفه يسلم في نفسه، وليس عليه أن يسمع من يليه، إذ لا يقتدي بسلامه، وإنما يسلم ليتحلل من صلاته، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم».
والصلاة على الجنائز صلاة، فهي داخلة في عموم لفظ الصلاة، وفي سماع ابن غانم في بعض الروايات، أنه يرد على الإمام من سلم عليه - قياسا على الصلاة الفريضة وهو تفسير لسائر الروايات.
مسألة: اتخاذ المساجد على القبور
مسألة قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور، قال إنما يكره من ذلك هذه المساجد التي تبنى عليها؛ فلو أن مقبرة عفت فبنى قوم عليها مسجدا فاجتمعوا للصلاة فيه، لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع، والرسم بعينه من كتاب الحبس، وهي مسألة صحيحة؛ فوجه كراهية اتخاذ المساجد على القبور ليصلي فيها من أجل القبور، ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
وقوله، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما صنعوا -».
وقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وأما بناء المسجد للصلاة فيه على المقبرة العافية، فلا كراهة فيه - كما قال؛ لأن المقبرة والمسجد حبسان على المسلمين لصلاتهم، ودفن موتاهم؛ فإذا عفت المقبرة - ولم يمكن التدافن فيها، أو استغنوا عن التدافن فيها، واحتيج إلى أن تتخذ مسجدا يصلى فيه، فلا بأس بذلك؛ لأن ما كان لله، فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض على ما النفع فيه أكثر، والناس إليه أحوج؛ وذلك إذا عفت لكراهية درس القبور الجدد المسنمة على ما قال في أول سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وفي الواضحة وغيرها، فقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لأن يمشي أحدكم على الرضف خير له من أن يمشي على قبر أخيه»، وقال: «إن الميت ليؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته».
مسألة: يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها
مسألة وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها، ولم ير بأسا بالحجر، والعود، والخشبة، ما لم يكتب في ذلك ما يعرف به الرجل قبر وليه.
قال محمد بن رشد: كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه
البلاطة المكتوبة؛ لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطول - إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته.
مسألة: النساء يخرجن إلى الجنائز على الرحائل ومشاة
ومن كتاب البز مسألة وسئل مالك عن النساء يخرجن إلى الجنائز على الرحائل، ومشاة؟ قال قد كان النساء يخرجن فيما مضى من الزمان، ولقد كانت أسماء بنت أبي بكر تخرج تقود فرس الزبير - وهي حامل مثقل، حتى عوتبت في ذلك؛ فقيل له أفترى بخروجهن بأسا؟ فقال ما أرى بأسا، إلا أن يكون أمرا يستنكر.
قال محمد بن رشد: أجاز مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إتباع النساء الجنائز، وخروجهن فيها؛ واحتج في ذلك بالعمل الماضي؛ لأنه عنده أقوى من أخبار الآحاد العدول، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر فيمنع، وقد قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " لو أدرك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعه نساء بني إسرائيل ". وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من شهد جنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان».
فدخل في عموم ذلك الرجال والنساء، وما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن زوارات القبور»، معناه - عند
أهل العلم - أن ذلك كان قبل أن يرخص في ذلك، فلما رخص فيه، دخل في الرخصة النساء مع الرجال، وقد قالت أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا».
فقيل إنما نهين عن ذلك لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن.
وقيل إنما نهين عن ذلك من باب الصون والستر، فالنساء في شهودها ثلاث: متجالة، وشابة، ورائعة بدرة جسيمة ضخمة: فالمتجالة تخرج في جنازة الأجنبي والقريب، والشابة تخرج في جنازة أبيها وأخيها ومن أشبههما من قرابتها، والمرأة الرائعة البدرة الضخمة، يكره لها الخروج أصلا، والتصرف بكل حال، هذا هو المشهور، وقد ذكر ابن حبيب أن خروج النساء في الجنائز مكروه بكل حال: في أهل الخاصة، وذوي القرابة، وغيرهم؛ وينبغي للإمام أن يمنع من ذلك.
مسألة: الصبي يسبى صغيرا ومن نية صاحبه أن يجعله يسلم
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق مسألة وسئل مالك عن الصبي يسبى صغيرا، ومن نية صاحبه أن يجعله يسلم، فلا يقيم إلا يوما أو يومين حتى يموت؛ أترى أن يصلى عليه؟ قال: إن كان أمر بالإسلام فأجاب إليه فليصل عليه، وإلا فلا يصلى عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول ما هذه المسألة مجودا موعبا في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة"، فلا معنى لإعادته.
مسألة: جنازة رجل وجنازة امرأة تحضران جميعا من ترى يصلي عليهما
ومن كتاب الشريكين مسألة قال مالك في الجنازتين تحضران جميعا جنازة رجل، وجنازة امرأة، من ترى يصلي عليهما: أولياء المرأة، أو أولياء الرجل؟ قال مالك: ليس ينظر في ذلك إلى أولياء المرأة، ولا إلى أولياء الرجل، ولكن ينظر إلى أهل الفضل منهم والسن، فيقدم عليهما؛ وقد كان الناس فيما مضى يودون أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلون على جنائزهم - رجاء بركة دعائهم.
قال محمد بن رشد: ذهب ابن الماجشون إلى أن أولياء الرجل، أحق من أولياء المرأة، قال: وقد قدم حسين بن علي - عبد الله بن عمر للصلاة على جنازة أخته أم كلثوم، وابنها زيد بن عمر بن الخطاب أخي عبد الله بن عمر حين كان عبد الله بن عمر أحق بالصلاة على أخيه من حسين بالصلاة على أخته؛ وهذا لا حجة فيه - عندي، إذ قد يحتمل أنه إنما قدمه لسنه، ولإقراره بفضله، لا من أجل أنه أحق بالصلاة على أخيه منه على أخته، وقدم ابنها إلى الإمام في الصلاة عليهما، ولم يورث واحدا منهما من صاحبه؛ لأنه لم يدر أيهما مات قبل صاحبه، فكانت فيهما ثلاث سنن على ما قال ابن الماجشون.
مسألة: التيمم للجنازة
ومن كتاب اغتسل على غير نية مسألة وسئل عن التيمم للجنازة، فقال: إن كان بعيدا جدا، بحيث يجوز له التيمم للصلاة يتيمم - يريد في السفر.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك في سماع أشهب، وفي المدونة
والواضحة، وغيرهما: لم يختلف في ذلك قوله، وأجاز التيمم في الحضر لها خوف فواتها - جماعة من علماء المدينة وغيرهم، منهم: ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، والليث؛ وأخذ به ابن وهب من أصحابه، وقد اختلف قول مالك في الحاضر هل يصلي الفريضة بالتيمم أم لا - على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يصليها به وتجزئه.
والثاني أنه يصليها به ويعيدها.
والثالث: أنه لا يصليها حتى يجد الماء فيتوضأ ويصلي، وقد قيل إنه إن لم يجد الماء حتى خرج الوقت، سقطت عنه الصلاة، ومن مذهب مالك أن المتيمم يصلي النافلة بالتيمم، ويستبيح به جميع ما يستباح بالوضوء، فيجي على قوله: أن الحاضر من أهل التيمم، وأنه يصلي ولا يعيد - بناء على مذهبه المذكور أن له أن يتيمم لصلاة الجنازة، والعيدين.
مسألة: هل صلى صهيب على عمر بن الخطاب
مسألة وسئل مالك: هل صلى صهيب على عمر بن الخطاب؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: حقق ههنا أن صهيبا صلى عليه، وقال في سماع أشهب لم أسمع ذلك، ولكني أظنه، لقوله يصلي بكم صهيب.
وهو ظن كاليقين؛ لأنه يبعد في القلوب أن يستخلفه عمر على الصلاة أيام الشورى، فيصلي عليه غيره، وهم لم يجتمعوا بعد على إمام، وهو صهيب بن سنان الرومي، يعرف بالرومي وهو من العرب؛ لأنه أصابه سباء - وهو صغير، فصار أعجمي اللسان، صحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يوحى إليه، ثم أسلم معه بمكة هو وعمار بن ياسر في يوم واحد، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، فهو من المهاجرين الأولين؟ وروي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحب صهيبا حب الوالدة ولدها» - والله الموفق.
صلاة النوافل والجلوس في المساجد أفضل أم شهود الجنائز
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسألت مالكا فقلت له: أي شيء أعجب إليك: القعود في
المسجد أم شهود الجنائز؟ فقال: بل القعود في المسجد أعجب إلي، إلا أن يكون حق من جوار، أو قرابة، أو أحد ترجى بركة شهوده - يريد به في فضله فيحضره.
قال ابن القاسم: وذلك في جميع المساجد.
قال محمد بن رشد: ذهب سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، إلى أن صلاة النوافل والجلوس في المساجد، أفضل من شهود الجنائز - جملة من غير تفصيل، فمات علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، فانقلع الناس لجنازته من المسجد، إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم يقم من مجلسه، فقيل له ألا تشهد هذا الرجل الصالح من البيت الصالح؟ قال: لأن أصلي ركعتين، أحب إلي من أن أشهد هذا الرجل الصالح، من البيت الصالح؛ وخرج سليمان بن يسار فصلى عليه واتبعه، وكان يقول شهود الجنائز أفضل من صلاة التطوع جملة أيضا من غير تفصيل، وتفصيل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - هو عين الفقه، إذ إنما يرغب في الصلاة على من يعرف بالخير، وترجى بركة شهوده؛ فمن كان بهذه الصفة، أو كان له حق من جوار، أو قرابة، فشهوده أفضل من صلاة التطوع - كما قال مالك، لما تعين من حق الجوار، والقرابة؛ ولما جاء من الفضل في شهود الجنازة، فقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أفضل ما يعمل امرؤ في يومه شهود الجنازة».
ولأن مراتب الصلوات في الفضل على قدر مراتبها في الوجوب، فأفضل الصلوات صلاة الفريضة، ثم صلاة الوتر، إذ قد قيل إنه واجب؛ ثم الصلاة على الجنائز لأنها فرض على الكفاية، ثم ما كان من الصلاة سنة، ثم ما كان منها فضيلة، ثم ما كان منها نافلة.
مسألة: الأعجمي يقال له صل فيصلي ثم يموت هل يصلى عليه
مسألة قال ابن القاسم: سئل مالك عن الأعجمي يقال له صل فيصلي ثم يموت، هل يصلى عليه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن من صلى فقد أسلم، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله؛ ومن أبى فهو كافر، وعليه الجزية».
وقد مضى في رسم "القبلة" ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله التوفيق.
مات وعليه دين يحيط بماله
ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا وقال مالك: من مات وعليه دين يحيط بماله، فإن الكفن مبدأ على الدين؛ قال مالك: ومن كان له رهن في يدي رجل، ثم مات - ولا مال له غير ذلك، فلا يكفن منه، والمرتهن أحق به من الكفن.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب المديان والتفليس، وهي مسألة صحيحة؛ أما قوله إن الكفن مبدأ على الدين، فالأصل في ذلك ما ثبت من أن «مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يترك إلا نمرة كانوا إذا غطوا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإدخر».
وما ثبت أيضا من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بدفن قتلى أحد بثيابهم من غير أن يعتبر ما يبقى لورثتهم، أو لدين - إن كان عليهم، وهذا أمر لا أعلم فيه اختلافا، إلا ما يروى عن
سعيد بن المسيب في أحد قوليه: إن الكفن من الثلث؟ والصحيح ما عليه الجماعة: أنه من رأس المال.
وأما قوله إنه لا يكفن من الرهن، والمرتهن أحق فهو كما قال ولا اختلاف فيه؛ لأن حق المرتهن قد تعين في عين الرهن، وما تعين من الحقوق في أعيان الأشياء من التركة، فهو مبدأ على ما ثبت منها في الذمة، كأم الولد، وزكاة تمر الحائط الذي أزهى قبل موت المتوفى، والرهن، وما استحق من الأصول والعروض ببينة تشهد على عينه، والله ولي التوفيق.
مسألة: الإمام يصلي على الجنازة فيتابع بين التكبير ويدع الدعاء
من سماع زياد عن مالك مسألة قال: وقال مالك في الإمام يصلي على الجنازة فيتابع بين التكبير ويدع الدعاء، أترى ذلك يجزئه؟ قال: أرى أن تعاد الصلاة عليه، كالذي يترك القراءة في الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القصد في الصلاة على الميت الدعاء له، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أخلصوه بالدعاء».
ولذلك سميت صلاة لما فيها من الدعاء، فإذا لم يدع للميت فلم يصل عليه.
مسألة: أهل الميت هل يبعث إليهم بالطعام
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك - رواية سحنون من كتاب الجنائز الأول مسألة قال أشهب: وسئل مالك عن أهل الميت هل يبعث إليهم بالطعام؟ فقال إني أكره المناحة، فإن كان هذا ليس منها فليبعث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن إرسال الطعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا لمناحة، من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأهله لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، وابعثوا به إليه، فقد جاء ما يشغلهم عنه»، وبالله التوفيق.
مسألة: تفضيل علي رضي الله عنه لعمر على عثمان
مسألة
وأخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه قال لما وضع عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسجي عليه، قال له علي: ما على الغبراء، ولا تحت الخضراء، أحد أحب إلي أن ألقى الله بكتابه منك!
قال محمد بن رشد: في هذا تفضيل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لعمر على عثمان، وهو الذي عليه أهل السنة، والحق أن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وقد روي هذا عن مالك، وروي عنه أيضا الوقوف عن تفضيل بعضهم على بعض.
وروي عنه أيضا تفضيل أبي بكر على عمر، ثم الوقوف عن المفاضلة بين علي وعثمان، والأول هو الذي يعتمد عليه من مذهبه - والله أعلم.
مسألة: صلاة من في المسجد على الجنازة بصلاة الإمام عليها بخارج المسجد
مسألة قال وسمعته يحدث عن أبي النضر، «أن رسول الله - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد».
قال محمد بن رشد: ثبت هذا عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ وروي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى في المسجد على جنازة، فلاشيء له».
فاختلف أهل العلم لما تعارض من هذين الحديثين في الصلاة على الجنازة في المسجد، وفي صلاة من في المسجد على الجنازة بصلاة الإمام عليها بخارج المسجد؛ فمنهم من أجاز ذلك وضعف حديث أبي هريرة، وقال معنى قوله فلا شيء له - أي فلا شيء عليه، مثل قوله عز وجل: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] أي عليها.
ورأى العمل على ما جاء في سهيل بن بيضاء، واستدل على ذلك بإنكار عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - على من أنكر عليها ما أمرت به من إدخال سعد بن أبي وقاص في المسجد؛ وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ ومنهم من كره ذلك، ورأى ما جاء في سهيل بن بيضاء، أمرا قد ترك وجرى العمل بخلافه؛ وأن حديث أبي هريرة ناسخ له؛ لأنه متأخر عنه، واستدل على ذلك بإنكار الناس - وهم صحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عائشة ما أمرت به من أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد، إذ كانت الصلاة على الجنازة في المسجد أمرا قد ترك، وجرى العمل بخلافه - بعد أن كان يفعل؛ لما علموه مما هو أولى منه، ولم تعلم بذلك عائشة، وظنت أنهم إنما كانوا تركوا
ذلك، ولهم أن يفعلوه، لا لأنهم علموا أن غيره أولى منه؛ وهذا معنى قول مالك في المدونة: لا توضع الجنازة في المسجد، وإن وضعت قرب المسجد لم يصل عليها من في داخل المسجد، إلا أن يضيق خارج المسجد بأهله؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
ومنهم من كره أن يصلى على الجنازة في المسجد، وأجاز إذا وضعت خارج المسجد أن تمتد الصفوف بالناس في المسجد، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وعزاه إلى مالك، وقال: هو من رأيه، ولو صلى عليها في المسجد ما كان ضيقا، وفي صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على سهل بن بيضاء في المسجد، دليل على أن الميت ليس بنجس، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم من الحجة على ذلك ما فيه كفاية، فإذا كان ليس بنجس، وإنما يكره إدخاله في المسجد - إذا لم يدفن فيه، مخافة أن ينفجر منه شيء فيه، فلا فرق في كراهية الصلاة عليه في المسجد بين أن يكون فيه أو خارجا منه، وهو مذهب مالك في المدونة، وظاهر قوله في الحديث: «من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له» إذ لم يفرق فيه بين أن تكون الجنازة في المسجد، أو خارجا عنه؛ وإذا قلنا إن ذلك مكروه، فإن فعله لم يأثم ولم يؤجر، وإن لم يفعله أجر؛ لأن حد المكروه ما تركه أفضل من فعله؛ وهو الذي يدل عليه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له».
مسألة: المشي أمام الجنازة للرجال والنساء
مسألة وسئل عن المشي أمام الجنازة للرجال والنساء، أهم في ذلك سواء؟ فقال: لا أرى أن يكون النساء في ذلك بمنزلة الرجال، أيكون النساء مع الرجال بين أيديهم؟ فقال له: إن النساء لا يكن بين أيدي الرجال، ولكن خلفهم أمام الجنازة؛ فقال: أليس الرجال يحملون
الجنازة - والنساء أمامها، لا أرى ذلك، وأرى أن يمشين خلفه، والعمل على ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن النساء يمشين خلف الجنازة؛ لأنهن عورة، فلا يكن بين أيدي الرجال، وإنما اختلف أهل العلم في الرجال، فقيل: إن الأفضل أن يمشوا أمام الجنازة، وقيل: إن الأفضل أن يمشوا خلفها، وقيل: إنهم مخيرون في ذلك، ولا فضل لأحد الوجهين على الآخر؛ وقيل: إنهم يمشون خلف الجنازة إلا أن يكون ثم نساء فيمشون أمامها؛ لئلا يختلط الرجال بالنساء، وتوجيه قول كل قائل وما تعلق به يطول، وهو موجود في مظانه، فلا معنى لذكره.
مسألة: الحمالة عن الميت الذي لم يترك مالا
مسألة قال: وحدثني أبو النضر، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ههنا من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قالها، فلم يجبه أحد، ثم قالها، فلم يجبه أحد، فقام رجل فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما منعك أن تجيب؟ فقال: خشيت أن يكون نزل فينا من الله قرآن.
فقال: لم أكن لأدعو أحدا منكم إلا إلى خير، ولكن صاحبكم حبس لدين عليه دون الجنة».
قال محمد بن رشد: هذا كان في أول الإسلام - والله أعلم، بدليل ما روي عن أبي هريرة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه دين، فيقول: هل ترك لدينه من فضل؟ فإن حدث أنه ترك وفاء، صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله الفتوح، قام فقال: أنا أوفى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المسلمين وترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته».
وإنما أخبر النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قوم المتوفى بحبس ميتهم دون الجنة بما عليه من الدين، رجاء أن يؤدوه عنه، أو يتحملوا به؟ بدليل حديث جابر بن عبد الله، «أن رجلا مات وعليه دين فلم يصل عليه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حتى قال: أبو اليسر، أو غيره، هو إلي؛ فصل عليه يا رسول الله، فجاءه من الغد يتقاضاه، فقال: إنما كان أمس، ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه؛ فقال النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الآن بردت عليه جلده».
وهذا حديث فيه ستة أوجه من الفقه: أحدها جواز الحمالة عن الميت الذي لم يترك مالا، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن الحمالة باطل؛ إذ لو لم تجز الحمالة لما صلى عليه النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ والثاني أنه إذا أدى الدين عن الميت، لم يكن له الرجوع في مال إن طرأ له، إذ لو انتقل الدين إلى الحميل الذي أداه ولم يسقط عن الذي كان عليه، لما بردت جلده بالأداء عنه.
والثالث: أن الكفالة لازمة للحميل بغير قبول المكفول له، خلافا لأبي حنيفة في ذلك.
والرابع: جواز الكفالة بغير إذن المكفول عنه.
والخامس: وجوب أخذ المكفول له بها الكفيل.
والسادس: أن ذمة المكفول عنه لا تبرأ بوجوب الكفالة على الكفيل حتى يؤدي عنه، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الآن بردت عليه جلده».
فإذا لم تبرأ ذمته بالكفالة من الدين، كان للذي له الدين أن يتبع بدينه من شاء منهما على أحد قولي مالك، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة.
وقيل: إنه ليس له أن يتبع الكفيل، إلا في عدم الذي عليه الدين، وهو أحد قولي مالك، واختيار ابن
القاسم، والصحيح في القياس والنظر؛ لأنه إن قضى للمكفول له على الكفيل، قضى في الحين للكفيل على المكفول عنه، فالقضاء للمكفول له على المكفول عنه أولى وأقل عناء، فلا معنى لتبرئة الكفيل بالاتباع مع حضورهما واستوائهما في الملأ واللدد، وبالله التوفيق.
مسألة: منع النساء في جنائزهن من شق الثياب
مسألة وقيل له: أتحب أن لو منع النساء في جنائزهن من شق الثياب، وضرب الوجه، وأشباه ذلك؟ فقال: نعم، هذا من عمل الجاهلية.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إنه من عمل الجاهلية، فينبغي للإمام أن يغير ذلك ويمنع منه؛ قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس منا من شق الجيوب، وضرب الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى؛ أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟ والأنواء: مطرنا بنوء كذا وكذا» - ذكره الترمذي.
مسألة: مولى لامرأة توفي فقام ابن المولاة فقال لابن عم له تقدم فصل عليها
مسألة وسئل عن مولى لامرأة توفي، فقام ابن المولاة فقال لابن عم له: تقدم فصل عليها، فقال ابن أخي مولاة المتوفى: هو مولى عمي وأنا أولى ممن أمرت، وأنت صبي ممن لا أمر لك؛ فقال مالك: ما أراه إلا كما قال ابن أخي المولاة، يكون ذلك له.
قال محمد بن رشد: إنما هذا من أجل أنه صبي، ولو كان رجلا لكان ابن عمه الذي قدم أحق من ابن أخي مولاة المتوفى؛ لأنه حقه له أن يجعله إلى من شاء، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وأصبغ، وقال ابن عبد الحكم: إذا أبى أن يصلي فالذي بإثره أحق، وليس له أن يجعل ذلك إلى من هو أبعد منه؛ وساق ابن حارث هذه الرواية على أنها مثل قول ابن عبد الحكم، فلم يلتفت إلى قوله فيها: وأنت صبي ممن لا أمر لك، وذلك إغفال منه، فقف على ذلك.
قراءة القرآن عند رأس الميت
ومن كتاب الجنائز والصيد والذبائح
قال أشهب: وسئل مالك عن قراءة القرآن عند رأس الميت بـ ﴿يس﴾ [يس: 1].
فقال: ما سمعت بهذا، وما هو من عمل الناس؛ قيل له: أفرأيت الإجمار عند رأسه - وهو في الموت يجود بنفسه؟ فقال أيضا: ما سمعت شيئا من هذا، وما هذا من عمل الناس.
قال محمد بن رشد: استحب ابن حبيب الإجمار عند الميت إذا احتضر، وأن يقرأ عند رأسه بياسين؟ وحكي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه قال: «من قرأ ياسين أو قرئت عند رأسه - وهو في سكرات الموت، بعث الله ملكا إلى ملك الموت: أن هوّن على عبدي الموت».
قال: وإنما كره مالك أن يفعل ذلك - استنانا.
مسألة: حضرته الجنازة وليس على وضوء ويخاف إن توضأ فوتها أيتيمم لها
مسألة قال: وسئل عمن حضرته الجنازة وليس على وضوء، ويخاف إن توضأ - فوتها، أيتيمم لها؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم " اغتسل على غير نية "، فلا وجه لإعادته.
مسألة: تفوته الجنازة فيأتي بعدما توارى أترى أن يكبر عليه أم يدعو
مسألة وسئل عن الذي تفوته الجنازة فيأتي بعدما توارى، أترى أن يكبر عليه أم يدعو؟ قال: يدعو ما أحسن أن يدعو.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة: أنه لا يصلى على من قد صلي عليه - وإن لم يدفن، وقيل: إنه يصلى عليه ما لم يدفن.
روي أن الزبير بن هشام بن عروة توفي بالعقيق، فصلى عليه أبوه، ثم بعث به إلى المدينة، فأمر أن يصلى عليه بالبقيع ويدفن، وقد فعل ذلك أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلين على سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف؛ وقيل: إنه يصلى على قبره - وإن دفن، كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمسكينة التي دفنت ليلا، ولم يؤذن بها.
وقد حكى ابن القصار عن مالك إجازة ذلك - ما لم يطل ذلك، وأقصى ما قيل فيه الشهر، وهو شذوذ في المذهب؛ فقد قال في المدونة: ليس على هذا الحديث العمل، وسيأتي في رسم "النسخة" من سماع عيسى، القول في الصلاة على قبر من دفن ولم يصل عليه.
مسألة: ما تكفن فيه الجارية
مسألة وسئل عما تكفن فيه الجارية، فقال: ما سمعت قط بأحد
سئل عن مثل هذا: ما تكفن فيه الجارية، وما يكفن فيه الغلام، والكفن واسع، فما كفن فيه فهو واسع، وليس على الناس في هذا ضيق؛ «كفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثة أثواب بيض»، «وكفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشهداء يوم أحد اثنين في ثوب»، وكفن ابن عمر ابنا له في خمسة أثواب، وكفن أبو بكر في ثوب فيه مشق، فلو كان هذا ضيقا كان شيئا واحدا، فليس على الناس في هذا ضيق.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن الكفن لا حد فيه يجب الاقتصار عليه، فلا يزاد فيه ولا ينقص، وإنما يتكلم على الاستحباب، فمما يستحب فيه الوتر، إلا أن الاثنين عندهم أفضل من الواحد، والثلاثة أفضل من الأربعة، فأدنى الكفن في الاستحباب ثلاثة، وأعلاه في الاستحباب خمسة أثواب.
قال ابن حبيب: والخمسة للمرأة ألزم، وقد فرق في الاستحباب بين المرأة والرجل والجارية والغلام، فقال ابن شعبان: إن أدناه للمرأة خمسة أثواب، وأعلاه سبعة أثواب؛ وقال بعضهم: يكفن الصبي - ما لم يطعم في ثوب، فإذا طعم ففي ثلاثة أثواب، والجارية إلى أن تحيض في ثلاثة أثواب، فإذا حاضت ففي خمسة أثواب؛ ومما يستحب في الكفن البياض، وتستحب الحبرة لمن وجد لذلك سعة، لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في ثلاثة أثواب أحدها حبرة»، ويكفن في صماته في مثل
ما كان يلزمه في الجمع والأعياد في حياته، ويقضى بذلك عند اختلاف الورثة فيه، وإنما «كفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشهداء يوم أحد اثنين في ثوب واحد» من ضرورة، ومعناه فيمن عراه العدو؛ لأن السنة أن يدفنوا في ثيابهم - والله أعلم.
مسألة: الصلاة على المنفوس في المنزل
مسألة وسئل: أيصلى على المنفوس في المنزل، ثم يرسل به فيدفن؟ فقال: يصلى عليه في المنزل؟ فقيل: نعم، فقال: ما علمت ذلك.
قال محمد بن رشد: استفهامه عن ذلك، وإنكاره أن يكون علم أن ذلك يفعل؛ يدل على أنه كره ذلك من العمل، ووجه الكراهية في ذلك بين.
قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من شهد جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن اتبعها حتى تدفن فله قيراطان»، ولم يفرق بين صغير وكبير.
مسألة: الرجل يموت ويترك ابنا له قد راهق الحلم
مسألة وسئل عن الرجل يموت ويترك ابنا له قد راهق الحلم، أيصلي ابنه عليه؟ فقال: بل يصلي عليه غيره أحب.
قال محمد بن رشد: المراهق: هو الذي قد أنبت وبلغ من السن ما يشبه أن يكون قد احتلم، ولم يبلغ أقصى سن الاحتلام؛ فهذا إن أقر أنه لم يحتلم، لم يمكن من الصلاة على أبيه؛ لأن من لم يحتلم، ولا بلغ أقصى سن الاحتلام، فليس بمكلف ولا مؤاخذ بذنب، ولا مثاب على طاعة.
وقد قيل: إنه يثاب على طاعاته، وإن قال: إنه قد احتلم، فهو الذي قال مالك فيه الرواية يصلي عليه غيره أحب إلي، مخافة ألا يكون صادقا فيما ذكره من
احتلامه، فهذا معنى هذه الرواية - والله أعلم؛ لأن اختلاف قول مالك فيمن وجب عليه حد، أو طلق وقد أنبت، إنما يرجع إلى تصديقه فيما يذكر من أنه لم يحتلم، وقد تأول عليه غير ذلك - وليس بصحيح.
مسألة: أوصت ابنها أن يكفنها في ثلاثة أثواب كانت تلبسها في حياتها
مسألة وسئل عن امرأة أوصت ابنها أن يكفنها في ثلاثة أثواب كانت تلبسها في حياتها، فأراد ابنها أن يشتري لها جددا مكانها فيكفنها فيها، فقال: لا، أحب إلي أن يفعل ما أمرته به أمه.
قال محمد بن رشد: قوله: أحب إلي أن يفعل ما أمرته به أمه، كلام ليس على ظاهره، بل هو الواجب عليه، وذلك إذا كانت إنما أوصت ابنها أن يكفنها في ثلاثة أثواب بأعيانها تبركا بها لحلها، أو لأنها حجت فيها، أو كانت تشاهد الصلوات بها، أو ما أشبه ذلك مما تريد به وجه البر؛ لأن من أوصى بما فيه قربة، فواجب أن تنفذ وصيته، قال عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181]. وأما إن كانت إنما أوصت بذلك حيطة عليه، وقصدا إلى توفير مالها عليه، لا لغرض لها في أعيان الأثواب؛ فله أن يبدلها بغيرها - وإن لم يتحقق غرضها في وصيتها، فالاختيار له ألا يخالف أمرها - والله أعلم.
مسألة: جارية غارت على سيدها فشربت نورة فقتلت نفسها
مسألة وسئل عن جارية غارت على سيدها فشربت نورة، فقتلت نفسها، أيصلى عليها؟ قال: نعم يصلى عليها.
قيل له: فإن رجلا عندنا ذبح نفسه، أيصلى عليه؟ فقال: ولم ذبح نفسه؟ فقال: كان ابن
معاوية قد عذبه عذابا شديدا، ثم قيل له: غدا يفعل بك كذا وكذا، فخافه، فأخذ سكينا فذبح بها نفسه؛ أفترى أن يصلى عليه؟ فقال: نعم، وما سمعت أن أحدا ممن يصلي القبلة ينهى عن الصلاة عليه؛ ولقد قال عمر للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حين مات ذلك المنافق، لا تصل عليه يا رسول الله، فأبى النبي ذلك، وصلى عليه، وفيه فيما بلغني نزلت هذه الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].
نزلت بعدما صلى عليه، قال مالك: أفترون أن النفاق من حين ذهب من أولئك، ذهب من الناس؟
قال محمد بن رشد: قوله في التي قتلت نفسها: إنه يصلى عليها، معناه أنها لا تترك بغير صلاة؛ لأنها ممن ترغب في الصلاة عليها؛ فقد قال ابن وهب في المعروف بشرب الخمر والشر: ما حاجتك إلى شهوده؟ دعه يصلي عليه أهله ومن أحب؛ وإنما وقع هذا السؤال لما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده في نار جهنم، يجاء بها في بطنه في نار جهنم - خالدا مخلدا فيها أبدا».
وأنه قال في التردي والسم مثل ذلك، فذهب جماعة من السلف إلى إنفاذ الوعيد عليه، والأكثر منهم يراه في المشيئة، لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]- الآية.
وما في الحديث من تخليد في النار، ليس على ظاهره، ومعناه أنه خالد فيها مخلد أبدا - حتى يخرج منها بالشفاعة مع سائر المذنبين؛ لأن القتل لا يحبط إيمانه، ولا يبطل أعماله، فلا بد من مجازاته على ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35].
وهذا قول أهل السنة والحق، وقد روي عن جابر بن سمرة
«أن رجلا نحر نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
فتعلق بذلك من ذهب إلى أنه لا يصلى على من قتل نفسه، منهم: الأوزاعي، وابن شهاب، ولا حجة لهم في ذلك؛ إذ لم ينه عن الصلاة عليه، وإنما ترك هو الصلاة عليه، إذ كان من سنته ألا يصلي على المذمومين، ويصلي عليهم غيره، كالقاتل والمديان، وشبههما، أدبا لهم وزجرا عن مثل فعلهم؛ وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمام على من قتل نفسه، ويصلي عليه الناس؛ وحكم قاتل النفس في ذلك، حكم من قتل نفسه.
وقوله في الرواية: وما سمعت أن أحدا ممن يصلي القبلة ينهى عن الصلاة عليه.
يروى: ينهى، وينهي، والصواب ينهى على لفظ ما لم يسم فاعله؛ وهذا يدل على أن قوله في القدرية والإباضية: لا يصلى عليهم، إنما معناه أن الصلاة تترك عليهم أدبا لهم، إذ لا يرغب في الصلاة عليهم، لا لأنهم يتركون بغير صلاة أصلا، وقد بين ذلك في كتاب ابن شعبان، فقد قال فيه: إنه لا يصلى عليهم ولا على من يذكر بالفسق والشر، وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر فيه خير، ومما يدل على صحة رواية من روى ينهى على لفظ ما لم يسم فاعله، ما احتج به مالك من قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاته على عبد الله بن أبي سلول المنافق، وما أنزل الله من النهي عن الصلاة عليهم، إذ هم كفار معدودون في غير أهل القبلة؛ لأن صلاتهم إليها بغير نية ولا اعتقاد.
مسألة: أتى جنازة فوجدهم قد سبقوه ببعض التكبير عليها
مسألة قال: وسئل مالك عمن أتى جنازة فوجدهم قد سبقوه ببعض التكبير عليها، أيكبر مكانه؟ أم ينتظر حتى يكبر الإمام فيكبر بتكبيره ثم يقضي ما فاته؟ فقال: بل يكبر تكبيرة واحدة حين يجيء سرا، ثم يقف عما سبقوه به من التكبير بعد التكبيرة الواحدة التي يكبرها حين يقف سرا، تم يترك التكبير حتى يكبر الإمام، فيكبر بتكبيره، ثم يقضي
ما بقي عليه من الأربع تكبيرات - بعد فراغ الإمام، ولا يكبر مما فاته مع الإمام شيئا إذا جاء فوقف مع، إلا تكبيرة واحدة، ثم يقف عما بقي حتى يكبر الإمام فيكبر معه، فإذا فرغ الإمام صلى بقدر ما بقي عليه من التكبير، وإنما يكبر مع الإمام التكبيرة الأولى؛ لأن ذلك بمنزلة الصلاة المكتوبة يفوت الرجل منها ركوع ركعة أو ركعتين، ففي ذلك تكبيرة، فإن جاء لم يكبر مما سبقوه به إلا تكبيرة الإحرام قط، ولم يقض ما سبقوه به من التكبير فيما مضى من الركوع، وقد كبر التكبيرة الأولى معهم حين وقف معهم في الصلاة؛ فهذا هكذا في الجنازة إذا فاته من تكبيرها تكبيرتان أو ثلاث، ثم جاء كبر من ذلك تكبيرة واحدة، وأمسك عما بقي حتى يقضيه بعد فراغ الإمام.
قال محمد بن رشد: قياسه في هذه الرواية، ما فاته مع الإمام من التكبير على الجنازة على ما فاته من تكبير الصلاة، لا يستقيم؛ لأن تكبير الصلاة لا يجب منه إلا تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الإحرام، وهي لا تفوته بفواتها، مع الإمام، بل يكبرها متى ما جاء - وإن لم يدرك الإمام إلا في آخر الصلاة؛ وسائر التكبير سنة وفضيلة، فلا يجب على الرجل مع الإمام قضاء ما فاته منه، وإنما يجب عليه قضاء ما فاته من الركعات؛ ألا ترى أنه لو قضى ما فاته مع الإمام من الركعات، ونسي التكبير فيهن؛ لأجزأته صلاته ولم يكن عليه إلا سجود السهو، والأربع تكبيرات في صلاة الجنائز متساوية في الوجوب، كتساوي ركعات الصلاة في الوجوب، ويجب على من فاته منها شيء مع الإمام
أن يقضيه، كما يجب عليه أن يقضي ما فاته معه من ركعات الصلاة؛ فإنما الصحيح أن يقاس ما فاته مع الإمام من التكبير، على الجنازة، على ما فاته معه من ركعات الصلاة على ما ذهب إليه في المدونة، إلا أن جوابه في هذه الرواية أصح من جوابه في المدونة، وأجرى على أصله فيها؛ لأنه إذا نزل التكبيرة في صلاة الجنازة، منزلة الركعة في الصلاة في وجوب القضاء، وكان له أن يكبر مع الإمام معا، والأحسن أن يكبر بعده؛ فلا ينبغي أن يفوته التكبير بتكبير الإمام، حتى يكبر الإمام التكبيرة التي بعدها؛ فإذا جاء وقد كبر الإمام تكبيرتين، فإنما فاتته الأولى، ولم تفته الثانية فيكبرها، ويدعو إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام التكبيرة الثالثة، فيكبرها معه أو بعده وهو أحسن؛ وإن جاء وقد كبر ثلاث تكبيرات، فإنما فاتته الأولى والثانية ولم تفته الثالثة، فيكبرها ثم يدعو - إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام الرابعة فيكبر بتكبيره، ويقضي تكبيرتين بعد سلامه؛ وإن جاء بعد أن كبر التكبيرة الأولى قبل أن يكبر الثانية فلم تفته بعد التكبيرة التي كبر الإمام، فيكبرها ويدعو - إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام التكبيرة الثانية، فيكبر بتكبيره، إذ لا يفوته التكبير بأخذه في الدعاء، ولا بتمامه منه؛ إذ لو وجب ذلك لوجب أن يفوته بأقل ما يجزئ منه في كل ركعة، وهو أن يقول: اللهم اغفر له، ولوجب إذا لم يكبر مع الإمام معا وتراخى في ذلك حتى يقول الإمام: اللهم اغفر له، أن يكون قد فاته التكبير، وهذا ما لا يصح أن يقال.
فجواب مالك في هذه الرواية أصح من قياسه؛ لأنه جار على أصله في المدونة، وهو أصل صحيح، وجوابه فيها، أعني في المدونة، ليس بصحيح.
مسألة: فاتته الصلاة على جنازة فصلى عليها في القبر
مسألة وسئل عمن فاتته الصلاة على جنازة فسار معها حتى (إذا)