كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لعله لا يخرج إلا رأس ماله أو لعله ينقص أو لعله لا يربح إلا درهما فقد خاطره بما لا يعلم.
قال محمد بن رشد: قد بين ابن القاسم معنى قول مالك وفسره.
وهو تفسير صحيح يدل على صحته تعليلنا لقوله في المسألة التي قبل هذه، قال ابن حبيب في الواضحة: إلا أن يكون باعه ذلك بيعا بنصف رأس ماله الباقي فيكون ضمانه بعد من العامل فلا بأس به.
وكذلك فسره، وقال ابن القاسم: ومعنى ذلك إذا باعه منه بنقد أو إلى أجل بأقل من ثمنه نقدا على ما مضى في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم، وعلى ما يأتي أيضا في رسم القطعان من هذا السماع، وبالله التوفيق.
: أخذ من رجل مالا قراضا فاشترى متاعا فقام عليه غرماء لصاحب المال
ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وقال ابن القاسم، في رجل أخذ من رجل مالا قراضا فاشترى متاعا وخرج إلى طرابلس، فقام عليه بطرابلس غرماء لصاحب المال.
قال: فرق مالك بين أن يقوم عليه غرماء صاحب المال وغرماء العامل، فقال: إذا قام به غرماء صاحب المال بيع فأعطى العامل من ذلك حصته، وكان ما بقي لغرماء صاحب المال وإذا قام على العامل غرماؤه فأرادوا أن يباع فيأخذوا ربحه لأن فيه فضلا لم يبع حتى يحضر صاحب المال.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا قام على العامل غرماء صاحب المال بيع فأعطى العامل من ذلك حصته وكان ما بقي لغرماء صاحب المال، معناه: إذا كان لبيعه وجه لا ضرر فيه على العامل، فإن كان عليه فيه ضرر لربح
يرتجيه في أسواقه لم يبع عليه حتى تأتي أسواقه.
وكذلك في تفسير ابن مزين وكتاب ابن المواز عن مالك: أنه لا تباع إلا أن يرى لذلك وجه ومصلحة.
وهو معنى ما في المدونة.
وأما إذا قام على العامل غرماؤه فلا إشكال في أنه لا يباع المال عليه حتى يحضر صاحبه لأنه لا ربح له في المال حتى يرجع إلى رب المال رأس ماله.
وقد تكررت هذه المسألة والكلام عليها في رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، وفيها زيادة من قول أصبغ مشكلة قد مضى الكلام عليها هناك، وإنما لم تبع عروض القراض لغرماء العامل إذا قاموا عليه وصاحب المال غائب وإن كان فيها فضل بين لما على صاحب المال من الضرر في أن يفاصل عليه في القراض فيوقف ماله على يدي من لم يرض بأمانته ولو كان صاحب المال حاضرا لبيعت على العامل العروض لغرمائه فأخذوا حظه من الربح في الموضع الذي لو سأل صاحب المال أن تباع، فيأخذ رأس ماله كان ذلك له، والله الموفق.
: أخذ مالا قراضا فاشترى به ظهرا فأكراه فنما المال أو نقص
ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك وعن رجل أخذ مالا قراضا فاشترى به ظهرا فأكراه فنما المال أو نقص.
قال: أراه متعديا وأراه ضامنا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يجوز لمن أخذ مالا قراضا أن يشتري به ظهرا فيكريه خلاف مذهبه في المدونة؛ لأنه أجاز فيها من أخذ مالا قراضا أن يشتري به أرضا أو يكريها ويشتري به زريعة وأزواجا فيزرع لأنها تجارة من التجارات.
قال: إلا أن يكون خاطرا لذلك لظلم العمال، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، بل شراء الظهر للكراء أدخل في باب التجارة من أن يزرع به، فإذا لم يجز للمقارض أن يشتري بمال القراض ظهرا للكراء كان أحرى ألا يجيز له أن يشتري به أرضا أو يكتريها فيزرع فيها به، إذ ليس ذلك مما ينطلق عليه اسم التجارة بإطلاقه، وإذا أجاز له أن يشتري أرضا أو يكتريها ويزرعها بمال القراض فأحرى أن يجيز له أن يشتري به ظهرا للكراء.
فحمل القراض في هذه الرواية على التجارة المعروفة العامة.
وحملها في المدونة على كل ما هو تجارة وإن لم يكن ذلك من عام التجارة إلا أن يأخذ القراض على أن يزرع به فلا يجوز ويكون أجيرا إن وقع.
قاله في المدونة، وقد قيل: إنه يجوز أن يأخذه بشرط أن يزرع به، وقع ذلك في كتاب ابن شعبان واختلف إذا شرط أن يزرع، فأجيز، وكره، وكذلك الكراء سواء.
فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال.
وهو قوله في هذه الرواية.
والثاني: أنه يجوز بكل حال وهو أحد القولين في كتاب ابن شعبان.
والثالث: الفرق بين أن يشترط ذلك عليه أو لا يشترط، فإن اشترط عليه أن يزرع به لم يجز، وإن زرع به من غير شرط واشترى به ظهرا للكراء جاز، ولم يكن عليه ضمان.
وهو قوله في المدونة.
والله الموفق.
: مال القراض يقيم في يدي العامل سنين من قبل أن يتفاصلا
ومن كتاب سلف دينارا في ثوب
وقال مالك، في مال القراض يقيم في يدي العامل سنين من قبل أن يتفاصلا، قال: يزكي رأس ماله وربحه مرة واحدة إلا أن يكون كان يدار فيزكي للسنين الماضية.
قال ابن القاسم: وكذلك العامل بالقراض بمنزلة سواء في نصيبه إذا كان يدار.
قلت: أرأيت إن كان رب المال مديرا والعامل غير مدير.
قال: يزكي أيضا لكل سنة مضت، وإن كان رب المال غير مدير والعامل مديرا فإنه يزكيه أيضا لكل سنة مضت.
قال محمد بن رشد: قوله في مال القراض يقيم في يد العامل سنين من قبل أن يتفاصلا إنه يزكي رأس ماله وربحه مرة واحدة إلا أن يكون كان مديرا فيزكي للسنين الماضية.
يدل على أن الحكم عنده في مال القراض لا يزكي إلا عند المفاصلة وإن أقام بيد العامل أعواما على ما في رسم أبي زيد وفي القراض من المدونة، فإن كان لا يدار زكاه زكاة واحدة حين البيع والانفصال، وإن كان يدار زكاه لكل سنة مضت قبل على قيمة ما كان بيده كل
سنة زاد أو نقص.
وقيل: إنه إذا نقص لم يزكه للأعوام الماضية إلا على ما رجع إليه من النقصان.
وقوله: وكذلك العامل في القراض بمنزلة سواء في نصيبه إذا كان يدار، يريد: إذا كان القراض يدار فيزكي جميعه بربحه كله لكل سنة مضت منه، فتكون الزكاة قد حصلت على العامل في حظه من الربح كما حصلت على رب المال في رأس ماله وحظه من الربح.
وأما قوله إذا كان رب المال مديرا والعامل غير مدير فإنه يزكي لكل سنة مضت، فالمعنى في ذلك: إذا كان المال غائبا عنه أو حاضرا معه فغفل عن تقويمه مع ما يدير من ماله؛ لأن الحكم في ذلك إذا كان حاضرا معه أن يقومه في كل سنة ويزكيه مع ما يدير من ماله، قال ابن حبيب: بجميع ربحه، وقال ابن القاسم: في سماع أصبغ من كتاب الزكاة: بل بحصته خاصة من الربح ويخرج الزكاة عن قولهما جميعا من ماله لا من مال القراض.
وقوله: وإن كان رب المال غير مدير والعامل مدير فإنه يزكيه أيضا لكل سنة مضت، يريد: من مال القراض لا من مال نفسه؛ لأن العامل إذا كان مديرا فسواء كان رب المال مديرا تخرج الزكاة منه عند المفاصلة لما مضى من الأعوام، فيقع على العامل منها بقدر حصته من الربح، فإنما يستوي أن يكون المدير هو العامل أو رب المال في وجوب إخراج الزكاة عن الأعوام المتقدمة إن كانت لم تخرج منه الزكاة في كل عام عند حلوله، ويفترق في حكم إخراجها على ما بيناه وذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: زكاة الفطرة عن عبيد القراض
مسألة وسئل ابن القاسم: عن رجل أخذ من رجل عشرة دنانير أو خمسة قراضا فاشترى بها أربعين من الغنم فحال عليها الحول عنده؟ إن فيها شاة وإنها على صاحب المال، قلت: فإن باعها بعد ذلك بعشرين دينارا؟ قال: تقوم الشاة كم قيمتها من الثمن الذي ابتاع به الغنم فإن كان دينارا وكان رأس المال خمسة رد إليه أربعة في رأس ماله، واقتسما ما بقي.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة في هذه المسألة بعينها وإن كانت هذه أفسر وأبين منها، وكذلك قال في المدونة في زكاة الفطرة عن عبيد القراض إنها على رب المال، يريد: أنها تحسب عليه من رأس ماله كزكاة الغنم.
ووقع في بعض الكتب في زكاة الفطرة عن عبيد القراض أنها على رب المال وليس من مال القراض، وهو قريب من الأول؛ لأنها إذا عدت من رأس ماله فقد أخذت من ماله.
وأشهب يقول في زكاة الفطر عن عبيد القراض: إنها كزكاة مال القراض يكون على العامل منها بقدر ماله فيهم من الربح إن بيعوا بربح.
وقال ابن حبيب في مسألة الغنم هذه: إنها مجتمع عليها من رواية المدنيين والمصريين؛ لأن الذي يؤخذ منها هو نقصان منها، فهو كشيء استحق من رأس المال وزكاة الفطرة، ليست في رقاب الرقيق ولا نقصانا من عددهم، وإنما أجعل أنا فطرتهم كنفقتهم من جملة مال القراض يجبر من الربح ويكون رأس المال بحاله وهو الذي قال ابن حبيب: ليس ببين لا فرق في القياس بين المسألتين.
وقد ساوى عبد الله بن عبد الحكم بينهما، فقال: إنهما كالنفقة تجبر من الربح ويكون رأس المال على حاله.
وهو الأظهر لأن العامل أدخل ذلك على رب المال إذا اشترى بماله عبيدا أو دواب ينفق عليهم ولم يشتر سلعا لا ينفق عليهم.
ويتحصل في هاتين المسألتين أربعة أقوال:
أحدها: أنهما جميعا ملغاة كالنفقة، وهو قول عبد الله بن الحكم.
والثاني: أنهما يؤخذان من مال القراض ويجب على رب المال في رأس ماله، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية ومذهب مالك في المدونة واختيار ابن حبيب.
والثالث: أنهما يؤخذان من رب المال لا من مال القراض بمنزلة زكاة مال القراض إذا كان رب المال مديرا والعامل غير مدير وهو الذي وقع في بعض روايات المدونة من قوله في زكاة الفطرة عن عبيد القراض أنهما على رب المال في ماله وليس من مال
القراض.
والرابع: الفرق الذي ذهب إليه ابن حبيب بين المسألتين، والله الموفق.
: النفقة للمقارض في المال القليل إذا كان السفر قريبا
ومن كتاب التفسير قال ابن القاسم: في المال الذي يحمل الكسوة والطعام إذا كان قليلا ويخرج إلى مثل الأرض ودمياط ونحوها في اليمن والصوف والجزر وما خرج له فإنه يأكل منه ولا يكتسي، وإذا كان قليلا وأراد مكانا بعيدا فلا كسوة فيه ولا طعام وإذا كان المال كثيرا وكان السفر قريبا مثل دمياط ونحوها ففيه طعام وليس فيه كسوة إلا أن يكون يريد مقاما مثل أن يشتري الحبوب وغيرها فيقيم الشهرين والثلاثة فإن ذلك سفر وإن قرب المكان، قال: وإنما ينظر إلى المال ونحوه بقدر السفر والحاجة إليه ينظر إلى المكان الذي يريد إليه وإلى النفقة فيكون ذلك على ما يرى ولم يحد لنا فيه حدا.
قال محمد بن رشد: أوجب ابن القاسم في هذه الرواية النفقة للمقارض في المال القليل إذا كان السفر قريبا، وذلك خلاف ظاهر ما حكى ابن حبيب في الواضحة من أنه لا نفقة للعامل في المال القليل ولا ركوب ولا كسوة، وإن كان السفر قريبا ولم يحد في هذه الرواية ولا في الواضحة قدر قليل المال من كثيره ولا قدر قريب السفر من بعيده، والقليل من المال يختلف فيكون بعضه أقل من بعض، وكذلك القريب من السفر يختلف فيكون بعضه أقرب من بعض، فإنما في ذلك الاجتهاد كما قال في الرواية بأن ينظر إلى المال ونحوه وإلى قدر السفر ونحوه، فإن كان يحمل النفقة ذلك المال على قلته في ذلك السفر على قربه كانت النفقة فيه، وإلا فلا.
وقد روى أشهب عن مالك فيمن دفع إليه خمسون دينارا قراضا فشخص فيها، أيكون له فيها نفقة؟ فقال: نعم، وما أقل ما تحمل هذه من النفقة إلا إن شخص إلى المكان القريب وفي هذا بيان ما يعتبر به، وبالله التوفيق.
مسألة: دفع الرجل إلى الرجل وإلى عبده مالا قراضا
مسألة وإذا دفع الرجل إلى الرجل وإلى عبده مالا قراضا، فإن كان إنما يجعل العبد ليكون على الآخر عينا وليحفظ عليه أو ليعلمه فلا خير فيه، وإن كانا أمينين تاجرين، وإن كان العبد أدنى عملا من الآخر فلا بأس به إذا لم يكن ما ذكرت.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إذا كانا أمينين تاجرين فذلك جائز وإن كان الرجل أبصر بالتجارة من العبد لأن الرجل يجوز أن يدفع إلى عبده مالا قراضا على ما قاله في المدونة وغيرها، فإذا جاز ذلك جاز أن يدفعه إليه وإلى غيره على أن يشتركا في العمل به وإن كان أحدهما أبصر بالتجارة من صاحبه لأن الشركة جائزة في التجارة بين الرجلين، وإن كان أحدهما أقعد بها من الآخر، وفي الصناعة، وإن كان أحدهما أصنع من الآخر، إذ لا بد أن يكون التجار بعضهم أتجر من بعض والصناع بعضهم أصنع من بعض.
وأما إن كان العبد غير بصير بالتجارة فدفع إليهما القراض ليعلمه التجارة أو كان الرجل غير أمين فدفع إليهما المال ليكون العبد عليه عينا في حفظه لا يجوز ذلك، فإن وقع الأمر على هذا ولم يعثر عليه حتى فات بالعمل رد الرجل في عمله إلى إجارة مثله، وذلك إذا قامت البينة أن عملهما كان على هذا الوجه أو تقارا بذلك صاحب المال والرجل طلبا للحلال، وأما إذا اختلفا في ذلك فادعى أحدهما الإفصاح بأحد الشرطين وأنكره الآخر فالقول قول من ادعى الصحة منهما إلا أن يكون مدعي الفساد هو الذي يشبه قوله بما يعلم من صفة حال العبد والرجل فيكون القول قوله، وأما إن قال السيد: كانت تلك نيتي ومقصدي وإرادتي، وقال الرجل: لم أعلم بذلك من مقصدك، وإرادتك، ولو علمت لما دخلت معك فيه لوجب أن ينظر، فإن كانت إجارة مثله أكثر من حصته من الربح وفاه ذلك؛ لأنه مقر له به، وإن كانت مثلها أو أقل لم يكن عليه شيء، وبالله التوفيق.
: قارض رجلين معا صفقة واحدة فخرجا إلى بلد فمات أحدهما
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار وسئل ابن القاسم: عن رجل قارض رجلين معا صفقة واحدة فخرجا إلى بلد فمات أحدهما فاشترى الآخر بجميع المال، فإن صاحب المال بالخيار إن شاء كان على قراضه، وإن شاء ضمنه لأنه لم يكن له أن يشتري شيئا إلا بإذن صاحبه حين مات شريكه في القراض فلما اشترى كان متعديا، قلت: فإن كان اشترى قبل أن يموت ببعض المال أو اشتريا بالمال كله كيف الأمر فيه؟ أو هل لورثة الميت من الميت من الربح شيء فيما اشترى شريك صاحبهم بعد موته أو قبل موته؟ قال: إن اشترى بالمال كله قبل موته فهما على قراضهما وقد تم القراض بينهما ويقوم ورثة الميت معه في بيع المال أو يقوموا أمينا يقوم فيه، وإن كانا اشتريا ببعض وبقي بعض فورثة الميت شركاء فيما اشترى قبل موت صاحبهم يقومون معه، وما اشترى بعد موت صاحبه فهو على ما فسرت لك، صاحبه بالخيار إن شاء كان على قراضه فيما اشترى بعد موت صاحبه، وإن شاء ضمنه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها.
وقوله: إذا اشتريا بالمال كله قبل موته إن القراض قد تم بينهما، معناه: قد لزم، إذ لا يتم القراض إلا بنضوض المال.
وقوله: ويقوم ورثة الميت معه في بيع المال.
معناه: إن كانوا أمناء وهم محمولون على غير الأمانة حتى يعلم أنهم أمناء، بخلاف ورثة المساقي إذا مات قبل تمام عمل المساقي وهم محمولون على الأمانة حتى يعلم أنهم غير أمناء، فإن لم يكن ورثة الميت من المقارضين في مسألتي أمناء ولا أتوا بأمين انسلخوا من القراض، ولم يكن لهم فيما تقدم من عمل موروثهم فيه شيء.
وإن كان في المال ربح لم يكن لهم
فيه حق، قاله في المدونة وغيرها وهو صحيح؛ لأنهم قد مكنوا من الوصول إلى حق موروثهم فيما عمل لئلا يخسروه فتركوه؛ لأنهم نزلوا بمنزلته في ذلك ولم ينزلوا بمنزلته في إلزامهم العمل في ماله إلى أن ينض المال؛ لأن العمل إنما كان متعينا في عينه لا في ذمته، وفارق في ذلك حكم الأجير يستأجر على عمل الشيء فيموت قبل تمامه أنه ليس للورثة أن يكملوا العمل ويستحقوا الأجرة من أجل أنه يجب له حقه فيما مضى من عمله.
وهذا كله ما لا خلاف فيه.
وقد ذهب اللخمي في التبصرة له إلى أنه إن كان في المال ربح يوم مات المقارض فترك الورثة العمل فيه لم يبطل حقهم فيما عمل موروثهم، على قولهم في الذي يجعل له الجعل على حفر البئر فيترك العمل باختياره قبل أن يتم حفرها إن الجاعل إن استأجر على تمام حفر البئر أو جاعل أحدا على ذلك كان للأول بقدر ما انتفع به من عمله على الاختلاف فيما يكون له من ذلك إن كانت قيمة عمله يوم عمله، أو يوم انتفع به صاحب البئر، أو قدر ما انحط عنه من الجعل عليها أو الاستئجار بسبب ما تقدم فيها من عمله.
قال: لأنه إذا لم يبطل حق المجعول له فيها بتركه العمل باختياره فأحرى ألا يبطل حق المقارض فيما عمل بموته؛ لأن من حيل بينه وبين التمام أعذر في ألا يبطل عمله، وليس ذلك بصحيح.
والفرق بين المسألتين بين وهو أن القراض يلزم المتقارضين بعمل العامل، فإذا اشترى بالمال لزمه البيع والتقاضي، وإذا لزمه ذلك كان من حق صاحب المال أن يقول له: إما أن تبيع وتقتضي، وإما أن تنسلخ من القراض وتترك حقك فيما عملت، والمجعول له على حفر البئر لا يلزمه بالشروع في حفرها تمامها إذ من حكم الجعل ألا يلزم المجعول له التمادي على العمل، وإذا لم يلزمه ذلك كان من حقه أن يترك تمام حفرها ويكون على حقه فيما حفر منها إن انتفع بذلك صاحبها، ولو مات المجعول له قبل تمام حفر البئر نزل ورثته بمنزلته وكان من حقهم أن يتموا حفرها ويستوجبوا الجعل أو يتركوا حفرها ويكونوا على حقهم فيما حفر موروثهم منها إن انتفع
بذلك صاحبها، فليس حكم الجعل حكم القراض، بل لكل واحد منهما حكم على حياله؛ لأن القراض لا يلزم المتقارضين بالعقد ويلزمهما جميعا بالعمل، والجعل لا يلزم المجعول له بحال.
واختلف في الجاعل، فقيل: إنه يلزمه بالعقد، وقيل: لا يلزمه إلا بشروع المجعول له في العمل، والجعل لا يكون إلا معلوما، بخلاف القراض الذي إنما يعمل فيه المقارض على أجر غير معلوم، وهو الجزء الذي يشترطه من الربح، وإنما يستويان في أن المقارض لا يجب له الربح إلا بعد تمام العمل بتنضيض المال كما أن الجعل لا يجب للمجعول له إلا بتمام العمل، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر في جميع الوجوه، وبالله التوفيق.
مسألة: قارضه بمائة دينار فاشترى سلعة بمائة دينار واستسلف مائة أخرى
مسألة وقال ابن القاسم: ولو أن رجلا قارض رجلا بمائة دينار فاشترى سلعة بمائة دينار فلم يكن معه المائة الدينار فاستسلف مائة دينار من صاحب المائة أو من رجل أجنبي على أن يقضيه المائة التي في البيت التي أخذ قراضا فباع تلك السلعة قبل أن يقضي صاحب المائة مائته بربح واشترى بعد ذلك بالمائة التي في البيت سلعة فباعها بنقصان وباع السلعة التي اشترى بالمائة السلف بربح هل يجبر نقصان هذه بربح هذه؟ قال: إذا كان اشتراؤه إياها على المائة القراض فالربح بينهما على ما تقارضا ونقصان المائة القراض يجبر بربح المائة السلف.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ولو اشترى السلعة الثانية بالمائة التي في البيت قبل بيع السلعة الأولى لكان نقصان الثانية منه إن بيعت بنقصان؛ لأنه متعد إذا اشترى بها، ومسلف المائة أحق بها، بخلاف ما لو اشترى السلعة الثانية بعد أن باع الأولى؛ لأن في يديه مائتين مائة القراض
يؤديها في ثمن هذه السلعة ومائة أخذها في السلعة الأولى يؤديها في السلف، وقد مضى هذا المعنى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
: دفع إلى رجل مالا قراضا فسأله ماله فجحده حينا ثم زعم بعد ذلك أنه قد قضاه
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وسئل ابن القاسم: عن رجل دفع إلى رجل مائة دينار وجعل الآخر خمسين على أن يشخص صاحب الخمسين ويكون الفضل بينهما على النصف، فضرب بالمال ثم قدم، فلما قدم سأله صاحب المائة عن ماله، فقال: لم تعطني شيئا، فجحده حينا، ثم قال بعد ذلك: تلف مني.
قال ابن القاسم: دفع ناس من أهل المدينة إلى رجل كان إلى الجار مالا يسلفه إلى الجار ويدفعه إلى أقوام سموا له فخرج بالمال ثم رجع إليهم فسألوه عما صنع في المال أو قدم الذين سير إليهم المال فأخبروا أنه لم يدفع إليهم شيئا فسألوه عن المال فجحده، وقال: لم تبعثوا معي بمال ولم تدفعوا إلي شيئا، فأقاموا عليه البينة بدفع ذلك إليه فلما شهدت عليه البينة، قال: ضاع مني فاختصموا عند ذلك.
فرأى مالك أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه ضاع ثم يبرأ ولا شيء عليه.
فأرى مسألتك مثلها يحلف صاحبك بالله الذي لا إله إلا هو: إن ضاع ولا شيء عليه، قال عيسى: إذا جحد حتى قامت عليه البينة ثم زعم أنه ضاع منه لم يصدق وغرم.
وكذلك بلغني عن مالك.
وسئل ابن القاسم عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فسأله ماله فجحده حينا ثم زعم بعد ذلك أنه قد قضاه، قال: إن لم يأت بالبينة على أنه قضاه غرمه، وليس من
ادعى القضاء مثل من زعم أنه ضاع، وفي سماع ابن القاسم عن مالك في كتاب أوله حديث طلق بن حبيب، قال مالك: ما أرى عليه إلا يمينه بالله ويبرأ.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في مواضع، منها ما في سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات.
وما في سماع عيسى من كتاب الشركة.
ووقع الاختلاف فيها هنا مجموعا، فتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يصدق مع يمينه بعد الإنكار في دعواه الرد والضياع.
والثاني: أنه لا يصدق في ذلك بعد الإنكار.
والثالث: أنه يصدق في دعواه الضياع ولا يصدق في دعواه الرد، ومن هذا الأصل من ملك امرأته بكلام يقتضي التمليك فقضت بالثلاث فأنكر أن يكون أراد بذلك الطلاق ثم قال: أردت واحدة، قيل: إنه لا يصدق أنه أراد واحدة بعد أن زعم أنه لم يرد بذلك الطلاق، وقيل: يصدق في ذلك مع يمينه، والقولان في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك.
ومن هذا الأصل أيضا أن يدعي على الرجل دعوى فينكرها، فلما قامت عليه البينة جاء بالمخرج منها من بينة على البراءة أو دعوى لو جاء بها قبل الإنكار لقبلت منه وما أشبه ذلك.
فقيل: إن ذلك لا يقبل منه؛ لأنه قد كذبه أولا بجحوده.
وقيل: إنها تقبل منه، وقيل: إنها لا تقبل منه إلا في اللعان إذا ادعى رؤية بعد إنكاره القذف وأراد أن يلاعن وما أشبه اللعان من الحدود، وهو قول محمد بن المواز.
وقيل: إن ذلك لا يقبل منه إلا في الحدود والأصول ولا يقبل منه في الحقوق، وهو قول ابن كنانة وابن القاسم في المدونة.
فيتحصل في ذلك أربعة أقوال: بالتفرقة بين الحدود وما سواها في ذلك وبين الحدود والأصول وما سواهما، وبالله التوفيق.
: المضارب في المال يستسلف من المال فيبتاع الجارية فيطأها فتحمل
ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته وسألته: عن المضارب في المال يستسلف من المال فيبتاع
الجارية فيطأها فتحمل، أو تعدى على جارية قد اشتراها من مال القراض فيطأها فتحمل، هل هذان الوجهان عندك سواء؟
قال: أما في الاستسلاف فقد علمت قول مالك، وأرى أن يؤخذ منه ما اشتراها به من مال القراض إن كان مليا، وإن كان معدما اتبع به دينا، وأما إذا عدا عليها بعد أن اشتراها فإني لا أراه مثله، وأرى أن تباع إذا لم يكن له مال.
قال عيسى: ويتبع بقيمة الولد دينا إلا أن يكون في القراض فضل فيكون بمنزلة من وطئ جارية بينه وبين آخر لأن له في الجارية شركا بفضله فإن كان مليا قومت عليه، وإن كان معدما خير رب المال فإن شاء أخذ من الجارية قدر نصيبه منها واتبعه بما يصيبه من قيمة الولد، وليس له فيما نقصها الحمل والوطء قليل ولا كثير، وإن أبى بيع له نصيبه منها فإن نقص ما بيع به نصيبه منها من قيمة ذلك النصيب يوم وطئها اتبعه بذلك النقصان وبنصيبه من قيمة ولدها دينا عليه.
قال ابن القاسم: وإذا كره جميع هذا وضمنه قيمة نصيبه منها فليس له من قيمة ولدها ولا ما نقصها الوطء قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم لا قسامة في العبيد من سماع ابن القاسم، وتكلمنا هناك على توجيه الاختلاف الحاصل في هذه المسألة بين مالك وابن القاسم في وجوب بيع الجارية إذا وطئها المقارض فحملت ولا مال له فلا وجه لإعادته.
ولا اختلاف بينهم إذا عدا عليها بعد أن اشتراها للقراض فوطئها فحملت ولا مال له في أنها تباع كما قال ابن القاسم، يريد: أنها تباع فيما لزمه من قيمتها يوم حملت أو يوم وطئها على الاختلاف في ذلك؛ إذ قد قيل: إن القيمة في ذلك يوم الوطء.
وقيل: يوم الحمل.
وقيل: ربها مخير بين أن يقومها عليه يوم الوطء أو يوم الحمل.
وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في وجوب تقويمها عليه إذا وطئها فلم تحمل،
فإن نقص ثمنها الذي بيعت به من قيمتها يوم حملت أو يوم وطئها على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك اتبعه بما نقص يومئذ.
وقول عيسى بن دينار إنه يتبع مع ذلك بقيمة الولد دينا هو على القول بأنها تباع عليه في قيمتها يوم الحمل.
وفي ذلك اختلاف.
قيل: إنه لا يتبع بقيمة الولد.
وأما على القول بأنها تباع عليه في قيمتها يوم الوطء، فلا خلاف في أنه لا يتبع بقيمة الولد؛ لأن الولد إنما حدث في الوطء الذي حملت به بعد وجوب القيمة عليه في الوطء الأول.
هذا إذا تحققنا إن الحمل من الوطء الثاني.
وهذا كله إذا لم يكن في الجارية فضل على رأس المال.
وأما إن كان فيها فضل، فقول سحنون المتقدم في سماع ابن القاسم: إنه يباع منها لرب المال بقدر رأس ماله وحصته من الربح ويكون ما تبقى منها بحساب أم ولد للمقارض.
وذهب عيسى بن دينار إلى أن الحكم في ذلك حكم الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ولا مال له.
وفي ذلك اختلاف كثير.
يتحصل فيه ثمانية أقوال:
أحدها: أنها تقوم عليه يوم حملت ويتبع بالقيمة دينا وتكون له أم ولد ولا يتبع بقيمة الولد.
والثاني: أنها تقوم عليه أيضا يوم حملت ويتبع بالقيمة دينا وتكون له أم ولد ويتبع أيضا بقيمة الولد.
والثالث: أنه يباع عليه نصيب الشريك فيما لزمه من قيمتها، فإن نقص ذلك عما لزمه من نصف قيمتها اتبعه بما نقص من ذلك وبنصف قيمة ولدها إن كانت بينهما بنصفين.
والرابع: مثل الثالث، في البيع إلا أنه لا يتبعه بشيء من قيمة الولد.
والخامس: أنه مخير بين أن يتمسك بنصيبه ويتبعه بنصف قيمة الولد وبين أن يقومها عليه ويتبعه بنصف قيمتها دينا عليه مع نصف قيمة الولد.
والسادس: أنه يخير أيضا بين أن يتمسك بنصيبه ويتبعه بنصف قيمة الولد وبين أن يقومها عليه فيبيعه بنصف قيمتها دينا عليه ولا شيء له عليه من قيمة الولد.
والسابع: أنه مخير بين أن يتمسك بحظه منها ويبيعه بنصف قيمة الولد وبين أن يباع عليه حظه منها فيما لزمه من نصف قيمتها، فإن نقص ما بيع به عما لزمه من نصف قيمتها يوم وطئها اتبعه بما نقص من ذلك وبنصف قيمة الولد، وهو قول عيسى بن
دينار في هذه الرواية.
والثامن: مثل القول السابع غير أنه لا يتبعه بنصف قيمة الولد، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وقول عيسى بن دينار: إنه إن اختار أن يأخذ من الجارية قدر نصيبه فليس له مما نقصها الحمل والوطء قليل ولا كثير، هو مذهب أشهب وقول ابن القاسم في كتاب الحدود في القذف من المدونة، خلاف المشهور من مذهبه في أن من جنى على رجل في ثوبه جناية كثيرة فهو مخير بين أن يضمنه قيمته وبين أن يأخذه وما نقصته الجارية.
وأما قول ابن القاسم إنه إذا ضمنه قيمة نصيبه فليس له مما نقصها الوطء قليل ولا كثير فلا يستقيم، وهو كلام وقع على غير تحصيل، إذ لا يصح أن يضمنه قيمة نصيبه معيبا بعيب الوطء، وإنما يضمنه إياه سالما منه، وإنما ضمنه إياه سالما منه فقد حصل على ما نقصها الوطء.
وهذا بين وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: إذا دفع إليهما المال يعملان به جميعا فهما شريكان في العمل به
ومن كتاب أوله إن أمكنتني قال عيسى: وكتب إليه يسأل: عن رجل دفع إلى رجلين مالا يعملان به جميعا فمات أحدهما وأقر دافع المال أن الحي منهما قد دفع إليه شطر ذلك القراض، هل يلزم ذلك الحي شيء مما على الميت إن كان الميت لم يدع وفاء أو يلزم الميت إن كان الحي مفلسا في ماله شيء مما على الحي؟ فقال ابن القاسم: أرى كل واحد منهما ضامنا لما على صاحبه إلا أن يكونا ادعيا هلاكها أو يدعيه أحدهما فيحلف على ذلك، وإن لم يدعيا هلاكا فإنما هو تفويض من أحدهما إلى صاحبه فهو ضامن إلا أن يكونا لم يفرطا فلا ضمان عليهما، وإنما يلزمهما الضمان فيما فوض أحدهما إلى
صاحبه فأسلمه إليه وتركه يعمل فيه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه إذا دفع إليهما المال يعملان به جميعا فهما شريكان في العمل به وكل واحد منهما مطلوب بجميعه لأنه حميل عن صاحبه بما يلزمه من أداء نصفه، فما دفعه أحدهما من المال إلى صاحبه فهو متأد عنهما، وما بقي من المال فهو عليهما حتى يبرءا منه أو يدعيان فيه هلاكا فيصدق من ادعاه منهما مع يمينه وإن سلمه أحدهما إلى صاحبه لينفرد بالعمل به دونه فهو ضامن له، وبالله التوفيق.
مسألة: المقارضين يقتسمان المال فيتلف من أحدهما ويؤدي الآخر
مسألة قلت: أرأيت المقارضين يقتسمان المال فيتلف من أحدهما ويؤدي الآخر هل يلزم الذي أدى غرم ما لم يؤد صاحبه أو لا ضمان عليه فيما تلف بيد صاحبه؟ وهل يكونان متعديين حين اقتسما المال؟ وما الأمر فيه؟ قال: نعم، يلزم الذي أدى ما تلف من صاحبه.
قال محمد بن رشد: أوجب ابن القاسم على المقارضين ضمان المال إذا اقتسماه، وهو قول ابن الماجشون في الوصيين يضمن كل واحد منهما على مذهبهما ما بيده وما بيد صاحبه إن تلف شيء من ذلك يضمن ما تلف بيده لرضاه برفع يد صاحبه عنه، ويضمن ما بيد صاحبه بتسليمه إليه، وكذلك المودعان والمستبضعان.
ووجه ذلك: أنه حمل الأمر على أن رب المال أراد أن يكون المال عند أحدهما برضا الآخر إذ لا يمكن أن يكون جميع المال عند كل واحد منهما فوجب إذا اقتسماه أن يضمناه وإن سلماه إلى أحدهما لم يضمناه.
ولسحنون في نوازله بعد هذا في الوديعة والقراض أنهما إن اقتسماهما لم يضمناهما، وكذلك البضاعة على مذهبه؛ إذ لا فرق في ذلك بين القراض والوديعة والبضاعة وهو قول أشهب وابن عبد الحكم في
الوصيين.
ووجه ذلك: أن رب المال لما رضي أن يكون المال عند كل واحد منهما برضا الآخر فقد رضي أن يكون نصفه عند كل واحد منهما.
وقول ابن القاسم أظهر؛ لأنهما إذا اقتسماه على سبيل التشاح فلما ترك كل واحد منهما نصف المال لصاحبه بما ترك له صاحبه من نصفه الآخر فاتهما على أنهما فعلا ذلك لأنفسهما لا نظرا لصاحب المال فوجب أن يضمنا.
والحكم في ذلك إذا تشاحا واختلفا عند من يكون منهما فأراد كل واحد منهما أن يكون عنده أو أراد كل واحد منهما أن يكون عند صاحبه أن يتبع قول صاحب المال في ذلك على ما قال في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا وذلك ما لم يقبض المال بعد، فإن كان قد قبض أقر بيد الذي دفعه صاحبه إليه منهما.
قال في رواية أصبغ المذكورة: فإن كان دفعه إليهما جميعا فجميعا وذلك يكون مثل أن يأتي بالمال إليهما وهو في المسجد أو في غير منزل أحدهما فيضعه بين أيديهما، ويقول لهما: هذا المال وديعة عندكما، أو قراض بأيديكما أو بضاعة عندكما ويذهب عنهما.
فيختلفان عند من يكون منهما، وليس في قوله فإن كان دفع إليهما جميعا فجميعا بيان في وجه الحكم في ذلك، إذ لا يمكن أن يكون المال كله عندهما جميعا.
فهو كلام فيه إشكال.
يحتمل أن يريد به أنه لا مزية لواحد منهما على صاحبه فيه فيجعله الإمام عند من رأى منهما، ويحتمل أن يريد وهو الأظهر أن الإمام يقسمه منهما على ما روى علي بن زياد عن مالك في الوصيين يتشاحان في المال أنه يقسم بينهما.
وليس قول ابن القاسم هذا على هذا التأويل، ولا رواية علي بن زياد عن مالك بمخالفة لما اتفقت عليه الروايات من أنه ليس لهما أن يقتسما المال بينهما.
فتحصيل هذا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز لهما أن يقتسما المال بينهما.
واختلفوا إن اقتسماه هل يضمناه أم لا؟ واختلفوا أيضا إذا تشاحا عند من يكون منهما ورب المال غائب أو ميت ولم يدفعه إلى أحدهما ولا قبضه واحد منهما بعد، أو قبضه دون إذن صاحبه ودفعه إليهما جميعا فلم يبن به واحد منهما بعد أن بان به دون صاحبه.
فقيل: إنه يقسم بينهما.
وهو قول مالك في
رواية علي بن زياد عنه.
وظاهر ما في سماع أصبغ على الأظهر من التأويلين.
وقيل: إنه يدفع إلى الأعدل منهما وهو قول مالك في كتاب الوديعة من المدونة في الوصيين، ويحتمل ألا يكون ذلك اختلافا من القول، وأن يكون الوجه فيه أن الإمام يقسمه بينهما على ما روى علي بن زياد عن مالك إن كان ذلك عنده وجه النظر فيه ويجعله عند أعدلهما على ما في المدونة: إن كان ذلك عنده هو وجه النظر فيه، وقد كان من أدركنا من الشيوخ يذهب إلى أن لهما هاهنا أن يقتسماه بينهما ابتداء على رواية علي بن زياد عن مالك، وذلك لا يصح؛ لأن الإمام يفعل من ذلك ما يراه وجه النظر ولا تهمة عليه فيه، وهما فيما اقتسما إياه متهمان على ما ذكرناه، وأما إن كان صاحب المال حاضرا فيتبع قوله فيمن يحب أن يكون عنده منهما.
وكذلك إن كان قد دفعه إلى أحدهما فهو أحق أن يكون عنده، وكذلك إذا كان قد قبضه أحدهما بإذن صاحبه كان أحق أن يكون عنده.
وشبه في المدونة المودعين والمستبضعين بالوصيين في أن المال يجعل عند أعدلهما.
وذلك صحيح على ما بيناه من أن المودعين إذا اختلفا فيمن يكون المال عنده منهما وصاحبه غائب ولم يدفعه إلى أحدهما أنهما كالوصيين في أنه يجعل عند أعدلهما أو يقسم بينهما على قول مالك في رواية علي بن زياد عنه.
وقال سحنون: لا يشبه المودعان الوصيين لأن المال لا ينزع من المودع ويجعل عند الأعدل كما ينزع من الوصي ويجعل عند الأعدل.
وليس قوله بصحيح؛ لأن المال إذا صار عند أحد المودعين بغير علم صاحب المال ولا إذن شريكه فدعا شريكه إلى أن يكون عنده المال وصاحبه غائب وجب أن ينظر الإمام في ذلك، فإن كان شريكه أعدل منه أخرجه من يده ووضعه عند الأعدل كما يفعل في الوصيين، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: العامل بالقراض إذا أعطى بالسلعة عطاء أيجوز له أن يشتريها بمثل رأس مال
ومن كتاب القطعان وسئل ابن القاسم: عن العامل بالقراض إذا قدم بالسلعة التي
اشترى فعرضها فأعطى بها عطاء فأراد العامل أن يشتريها بمثل رأس مال.
قال: لا بأس أن يشتريها بنقد وإن تأخر النقد فلا خير فيه إلا أن يشتريها بمثل رأس مال القراض وبوضيعة منه فأرجو أن يكون خفيفا، قال: وإن أراد صاحب المال شراءها بنقد أو إلى أجل فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
مسألة: يدفعان إليه المال قراضا فيقولان له أخلط مالينا ولك ثلث الربح
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يدفع إليه الرجلان المال قراضا فيقولان له أخلط مالينا ولك ثلث ربحه كله ولكل واحد منا الثلث؟
قال: لا خير في هذا الشرط إلا أن يشتري هو سلعة فيخلط المال من قبل نفسه بغير شرط فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا فرق بين أن يأخذ منهما القراض على أن يخلط ماليهما وبين أن يأخذه من أحدهما على أن يخلطه بماله لما يدخله من اغتزار الزيادة في الربح بكثرة المال.
وقد اختلف إذا وقع ذلك، فقيل: إنه يرد إلى قراض مثله، وهو قول ابن حبيب، والظاهر من قول مالك في المدونة أن ذلك لا يجوز أنه يرد إلى إجارة مثله، وهو قول سحنون نصا أنه يرد إلى إجارة مثله، وقيل: إنه إن وقع مضى على سنته ولم يفسخ، وهو قول أصبغ، وأشهب يخفف ذلك ولا يرى به بأسا حتى يكون ذلك شرطا تعمداه لا استغزارا لربح، مثل أن يشترط عليه أن يضمه وهو يسير إلى مال له كثير، وحكاه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقال: إنه إذا وقع يقسم الربح على المالين، فتكون حصة مال العامل له، وحصة مال القراض بينهما على قراض مثلهما من غير شرط.
وروى أصبغ عن ابن القاسم: أنه لا خير في أن يأخذ مالا قراضا على أن يخلطه بماله، ولا على أنه إن شاء أن يخلطه بماله
خلطه وإن شاء أن يفرده أفرده.
وقاله أصبغ، وقال: ليس بحرام وهو ذريعة للزيادة والأول أقر وهو واحد، وإن وقع لم أر أن يفسخ ومضى على سنته، وبالله التوفيق.
مسألة: المقارض بالمالين يزعم أنه ربح خمسين ولا يدري من أي المالين الربح
مسألة وسئل مالك: عن المقارضين بالمال يزعم أنه قد ربح خمسين دينارا ولا يدري من أي المالين الربح، نسي ذلك، فقال: لا شيء له من الخمسين وتكون لصاحبي المال، لكل واحد منهما خمسة وعشرون دينارا.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في رسم يوصى من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح في الوديعة يقر بها الرجل للرجلين ويقول لا أدري لمن هي منهما أنهما يحلفان جميعا ويقتسمانها بينهما، بخلاف إذا قال: علي مائة دينار دين لا أدري هل هي لفلان أو لفلان فادعاها الرجلان جميعا أنهما يحلفان ويغرم لكل واحد منهما مائة مائة؛ لأن الدين في ذمته والوديعة في أمانته، وكذلك ربح القراض في أمانته يلزم فيه على ما في كتاب الدعوى والصلح في الوديعة أن تكون الخمسة وعشرون من الخمسين له والخمسة والعشرون الأخرى لصاحبي المالين يقتسمانها بينهما بنصفين بعد أيمانهما إن ادعى كل واحد منهما أن الربح كان من ماله أو بغير يمين، إن قال كل واحد منهما: لا أدري ولم يدع على صاحبه أنه يدري، وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يعلم أنها ليست من ماله حلف كل واحد منهما أنه لا يعلم أنها من مال صاحبه فاقتسماها بينهما بنصفين إلا أن يسلمها أحدهما لصاحبه.
ولو قال أحدهما: هي من مالي، وقال الآخر: لا أدري.
قيل للذي قال لا أدري: احلف إنك ما تدري، فإن حلف على ذلك حلف الآخر
إنها من ماله وأخذها، وإن نكل الذي قال لا أدري عن اليمين، أخذها الذي قال إنها من ماله دون يمين، وإن نكلا جميعا عن اليمين اقتسماها بينهما إلا أن يسلمها أحدهما لصاحبه، وقد روى عيسى عن ابن القاسم في رسم يدير ماله من كتاب المديان والتفليس في الدين أنه ليس عليه أكثر من المائة التي أقر بها، ويقتسمها الرجلان بينهما بعد أيمانهما، فإن حلفا أو نكلا كانت بينهما بنصفين، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كانت للحالف منهما.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه من الغرم لكل واحد منهما ما أقر به في الوديعة والدين، وهو الذي يأتي على قوله في مسألة القراض هذه؛ لأنه إذا أوجب ذلك عليه فيما في أمانته فأحرى أن يوجب ذلك عليه فيما في ذمته.
والقول الثاني: أنه لا يلزمه إلا مائة واحدة في الوديعة، والدين يكون بينهما بعد أيمانهما.
وهو الذي يأتي على ما في رسم يدير من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس؛ لأنه إذا لم يلزمه في الدين الذي هو في ذمته إلا ما أقر به، فأحرى ألا يجب ذلك عليه فيما في أمانته.
والقول الثالث: الفرق بين الذمة والأمانة.
وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح على ما ذكرناه، والله الموفق.
: كاتب المقارض عبدا من مال القراض
من سماع يحيى بن يحيى
من ابن القاسم من كتاب المكاتب قال يحيى: وسألت ابن القاسم: عن رجل أخذ من رجل مالا قراضا فاشترى به عبدا فكاتبه وأجاز ذلك صاحب المال.
قال: الكتابة إذا أجازها صاحب المال جائزة.
قلت: أرأيت إن أدى المكاتب ما عليه فكان ذلك قدر أصل المال، لمن يكون ولاؤه؟ قال: لصاحب المال خالصا دون العامل.
قلت: فإن كان فيما كوتب به فضل عن أصل المال؟ قال: يقتسمان الربح على شرطهما ويكون الولاء
بينهما على قدر المال.
قلت: أنصفين مثل الربح.
قال: بل ينظر إلى قدر حصة العامل من الربح ما هي من جميع الربح ورأس المال فإن كان سدسا أو خمسا أو سبعا أو نحو ذلك أي جزء كان حظ العامل من الربح من جميع رأس المال فكان شريكا بمثله في ولاء المكاتب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن المقارض ليس له أن يكاتب عبدا من مال القراض إلا بإذن رب المال؛ لأن الكتابة ليست من التجارة التي أعطاه ماله بسببها.
يبين ذلك قوله في كتاب المكاتب من المدونة المأذون له في التجارة لا يجوز له أن يكاتب عبده؛ لأنه لا يجوز له أن يعتقه، فإن كاتَب المقارض عبدا من مال القراض كان لرب المال أن يفسخ كتابته، وإن لم يعلم بذلك حتى أدى جميع كتابته ويكون ما قبض منه كالغلة، قاله في كتاب ابن المواز.
وقال أحمد بن ميسر: إلا أن يكون إنما أدى عنه أجنبي فأعتقه العامل فينفذ عتقه إن كان لم يحاب الأجنبي في ذلك، ولو علم رب المال بذلك فسكت ولم ينكر للزمه.
وقوله في الولاء إنه يكون للمقارض منه إذا أجاز رب المال كتابته بقدر ربحه من جملة المال والربح إن كان فيه ربح صحيح؛ لأنه شريك فيه بقدر ربحه فيكون بمنزلة العبد بين الشريكين يكاتبانه جميعا، وبالله التوفيق.
مسألة: يقارض الرجل بتبر الذهب والفضة
مسألة سألته: عن الرجل يقارض الرجل بتبر الذهب والفضة، فقال: أكره ذلك في البلد الذي لا يدار فيه إلا الدنانير والدراهم المضروبة، فإن وقع أجزته ولم أره كالقراض بالعروض، ولا أرى به بأسا في البلد الذي يدار فيه الذهب والفضة تبرا إذا كانوا يشترون بها ويبيعون.
قلت: أرأيت إن أخذها ببلد لا يدار فيه، فاستضرب الفضة
دراهم فنقصت، ماذا يرد على صاحبها عند التفصيل؟ فقال: يرد مثل الذي أخذ وزنها وطيبها، ثم يقتسمان ما بقي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: المسلم هل يقارض النصراني
من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب
قال عبد الملك بن الحسن: سئل ابن وهب، وأنا أسمع: عن المسلم هل يقارض النصراني؟ فقال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: معنى ما ذهب إليه ابن وهب في إجازته ذلك والله أعلم هو إذا كان إنما يتجر في البز ونحوه ويبيع بالنقد فيتحقق سلامته من الربا، وأما إذا خشي أن يعمل بالربا فلا يجوز له أن يقارضه، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه.
فقد قال في المدونة: إنه لا ينبغي للرجل أن يقارض من يستحل شيئا من الحرام في البيع والشراء وإن كان مسلما، ولا من لا يعرف الحلال والحرام، وقال ابن المواز: إنه إن قارض النصراني فربح فُسخ القراض ورد إلى المسلم رأس ماله، وهذا عندي إذا قارضه على علم منه أنه يعمل بالربا.
وأما إن قارضه وهو يرى أنه لا يعمل بالربا ثم خشي أن يكون قد عمل به تصدق بالربح استحسانا، وإن تحقق ذلك تصدق إيجابا، ولو خشي أن يكون قد اشترى به خمرا أو خنازير لابتغي له أن يتصدق بجميع المال استحسانا.
ولو تحقق ذلك لوجب عليه أن يتصدق به.
وقد قيل: إنه إذا اشترى به خمرا أو خنازير لزمه ضمانه؛ لأنه قد دخل مع المسلم على ألا يتجر بماله إلا فيما يجوز للمسلمين ملكه.
وذلك يتخرج على الخلاف في منع الرجل امرأته النصرانية من شرب الخمر والذهاب إلى كنيستها، ففي المدونة: أنه ليس له أن يمنعها من ذلك.
فعلى قياس ذلك ليس له أن يمنعه من التجر فيما يستبيحه في
دينه.
وقد قيل: إن له أن يمنعه من ذلك؛ لأنها قد دخلت معه على حكمه.
فعلى قياس ذلك ليس له أن يشتري بماله إلا ما يجوز للمسلمين ملكه، فإن فعل ذلك لزمه ضمانه، وأما مساقاة المسلم النصراني فهي جائزة إذا كان لا يعصر خمرا، فإن قاسمه فأراد أن يعمل خمرا لم يمنع ولكن لا يعود المسلم إلى معاملته.
وأما أخذ المسلم من النصراني كرمه مساقاة أو ماله قراضا فأجيز وكره، كرهه مالك في المدونة وأجازه في رواية ابن نافع عنه في المدنية.
فقال: لا بأس به، والكراهية فيه أبين وأصح، فإن وقع لم يفسخ.
وأما إذا آجره نفسه على عمل يكون فيه عنده وتحت ملكه فلا يجوز ويفسخ، فإن فات بالعمل مضى واستوجب جميع أجره إلا أن يكون عمله في عصر خمر وحرز خنازير فلا يمكن من الأجر ويتصدق به على المساكين.
وأما إن عمل له عملا في داره أو حانوته كالصانع يخيط له ثوبا وما أشبه ذلك فهو له جائز.
فعلى هذه الوجوه الأربعة تكون إجارة المسلم نفسه من النصراني: وجه جائز، ووجه مكروه، ووجه غير جائز، ووجه حرام، وبالله التوفيق.
: لا زكاة على العامل حتى يكون في حظ رب المال ما تجب فيه الزكاة
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يدفع إلى الرجل مائة دينار يعمل بها قراضا فعمل بها عشرة أشهر، ثم ابتاع رب المال من بعض السلع التي في يديه بمائة دينار فأخذ ذلك رب المال وبقيت سلع فأقروها فيما بينهم؛ لأنها ربح فباعوها بعد شهرين أو ثلاثة بعشرين دينارا أو بثلاثين دينارا لرب المال النصف، قال: لا زكاة على العامل حتى تباع السلعة بمال يكون لرب المال منه ما تجب فيه
الزكاة مثل أن يباع بأربعين أو خمسين.
قلت: لم؟ قال: لأنه كان المعاملة إنما كانت في هذه السلعة.
فأما ما أخذ من رأس المال قبل ذلك فكأنه لم يكن.
وكذلك لو أخذ بعض المال وترك بعضه كان مثل هذا.
قلت: فإن كانت المعاملة على أن للعامل الثلثين ولرب المال الثلث فباعا السلعة التي بقيت بعد أخذ رب المال رأس ماله بشهرين أو ثلاثة تمام السنة؟ قال: لا زكاة على العامل حتى يكون في حظ رب المال ما تجب فيه الزكاة.
وإنما هو بمنزلة من دفع إلى رجل دينارا على أن يعمل به قراضا على أن للعامل الثلثين ولرب المال الثلث وربحوا حتى صارت اثنين وثلاثين دينارا على أن يعمل به قراضا، فلرب المال رأس ماله دينار وثلث الأحد وثلاثين دينارا، وليس على العامل زكاة وإن كان له ما تجب فيه الزكاة، وإنما يكون على العامل الزكاة في ربحه إذا كان في رأس مال رب المال الذي يعمل به العامل وربحه ما تجب فيه الزكاة.
قلت لابن القاسم: فإن دفع رجل إلى رجل عشرة دنانير يعمل بها وله في بيته مائة دينار فيعمل العامل فباعوا بعد الحول بخمسة وعشرين دينارا، والمائة الدينار التي لرب المال هي عنده كما هي، هل يكون على رب المال وعلى العامل زكاة؛ لأن المال الذي عمل به العامل من أصل ما تجب فيه الزكاة.
قال: لا ليس ذلك على العامل، وإنما يكون على العامل الزكاة في ربحه إذا عمل سنة وفي مال رب المال الذي يعمل به وربحه ما يجب فيه الزكاة.
ولا يلتفت إلى ما في يدي رب المال مما لم يدفعه إلى العامل، فيكون على رب المال الزكاة في ماله الذي في يديه وفي المال الذي يأخذه من العامل من رأس ماله وربحه، ولا شيء على العامل.
قال لي:
وكذلك قال مالك في المال يكون عند ربه عشرة أشهر وهي مائة دينار، فيدفعها إلى رجل يعمل به شهرين فيربح فيهما ويقاسمه: إن الزكاة على رب المال في ماله وربحه ولا يكون على العامل شيء وإن كان في ربحه ما تجب فيه الزكاة حتى يعمل به سنة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: إن ما أخذ رب المال من رأس ماله من العامل قبل أن يحول عليه من يوم دفعه إليه لا يعتبر فيه في وجوب الزكاة على العامل في حظه من الربح - صحيح على أصله الذي لم أعلمه اختلف فيه قوله في أن العامل لا يجب عليه في حظه من الربح زكاة، وإن عمل في المال حولا وكان في حظه منه ما تجب فيه الزكاة إذا لم يكن في رأس مال رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة، وإن وجبت على رب المال فيه الزكاة بإضافته إلى مال له قد كان بيده لم يدفعه إلى العامل؛ لأن ما قبض من العامل قبل أن يحول عليه الحول عنده من يوم دفعه إليه فكأنه لم يدفعه إليه وأبقاه بيده.
وسواء على ما نص عليه في هذه الرواية قبض قبل الحول منه جميع رأس ماله أو بعضه إنما ينظر إلى ما يجب إليه مما بقي كان ربحا خالصا أو بقية رأس ماله وحصته من الربح، فإن كان ما يجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة، وإن لم يبلغ ذلك ما يجب فيه الزكاة لم يجب على العامل في حظه من الربح زكاة، وقد قال في رواية أصبغ عنه: إن الزكاة تجب على العامل في حظه من الربح إذا كان في رأس المال وجميع الربح ما تجب فيه الزكاة.
وهو قول أشهب وروايته عن مالك فيما تقدم وقول أصبغ في سماعه وقول سحنون في كتاب ابنه، فعلى هذا إذا قبض قبل أن يحول الحول على ما بيده جميع رأس ماله أو بعضه فحصل بعد الحول في جميع الربح أو في جميعه مع ما بقي عنده من رأس المال ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة.
والأول هو المشهور من قول ابن القاسم المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها.
وفرق محمد بن المواز فيما تأول على ابن القاسم بين أن يقبض قبل
الحول منه جميع رأس ماله أو بعضه، فقال: إذا قبض منه قبل الحول جميع رأس ماله فلا زكاة على العامل في حظه من الربح، وإن صار لرب المال في حظه الذي قبض منه بعد الحول ما تجب فيه الزكاة وأنه إن قبض منه بعض رأس المال قبل الحول وأبقى بيده بعضَه حتى حال عليه الحول فصار له في بقية رأس ماله وحصته ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل الزكاة في حظه، وإن لم يصر له في ذلك ما يجب فيه الزكاة ولا بقي له من المال قبل الحول ما يتم به النصاب لم يجب على العامل في حظه الزكاة لسقوط الزكاة عن رب المال، وإن كان قد بقي بيده مما قبض قبل الحول تَتِمّة النصاب زكى ذلك، وزكى العاملُ من ربحه ما ينوب منه ما بقي بيده من رأس المال إلى أن حال عليه الحول وهذا تناقض؛ إذ لا فرق في القياس فيما يجب على العامل في حظه من الزكاة بين أن يجب على رب المال زكاةُ ما بقي بيده، أو ما ينوبه من الربح ببلوغه ما تجب فيه الزكاة أو بإضافته إلى ما قبض منه قبل الحول من رأس ماله.
وقولُ ابن القاسم الذي تأول عليه محمد بن المواز هذا التأويل الذي ذكرناه عنه هو قولُه في رواية أبي زيد عنه في سماعه من هذا الكتاب، وقد كان القياس أن يجب على العامل زكاةُ جميع حظه من الربح إذا وجبت على رب المال الزكاة فيما قبض بعد الحول من العامل من ربحه أو من بقية رأس ماله وربحه ببلوغ ذلك ما تجب فيه الزكاة أو بإضافته إلى ما قبض منه قبل الحول من رأس ماله أو إلى مال له سِوَاهُ لم يدفعه إليه وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يكون عنده الوديعة فيأمره الذي له الوديعة أن يعمل بها قراضا
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يكون عنده الوديعة أو يكون قِبَلَه الدين فيأمره الذي له الدين أو الوديعة أن يعمل بهما قراضا، فقال: أما في الدين فإن الرِّبح للذي عليه الدين، وهو لما نقص ضامِنٌ.
وأما في الوديعة فإن مالكا كان يكرهه، فإن وقع وكان ربحٌ كان بينهما، وإن ادعى أنه تَلِف صُدِّق وكان القولُ قولَه.
قال محمد بن رشد: العلة في أن ذلك لا يجوز في الدين بينة، وذلك أنه أنْظَرَهُ بدينه على أن يتجر فيه ويكون له نصف الربح وذلك ربا بَيِّنٌ، فوجب أن يكون الحكم فيه ما ذكره.
قال في المدونة: إلّا أن يقبض دينه ثم يرده عليه، ويأتي على ما في كتاب الصرف من المدونة في الذي يصرف دنانير بدراهم ثم يريد أن يصرفها منه بدنانير مختلفة لعيونها؛ أن ذلك لا يجوز في المجلس ولا بعد اليوم واليومين والثلاثة حتى يبرأ من التهمة؛ لأنه لا يجوز أن يصرف إليه الدين على القراض إلّا بعد أيام حتى يَبْرأ مِنْ التهمة.
ويأتي على ما حكى ابنُ حبيب في الواضحة في القراض يضيع بعضُهُ فيعلم بذلك صاحبُهُ فيقول له: اعمل بما بقي إن ذلك يكون قراضا مؤتنفا أنه يبرأ في هذه المسألة من التهمة بإحضار الدين، وإن لم يقبضه منه، ويكون قراضا صحيحا، وقد مضى في رسم القطعان من سَماع عيسى من كتاب الكفالة والحوالة ما فيه بيان لهذه المسألة فقف على ذلك، وقد روى أشهب عنه إن نزل مضى، وهو بعيد جدا.
وأما الوديعة: فإنما كره القراض بها مخافة أن يكون قد أنفقها وصارت دَيْنا عليه؛ فإذا وقع القراض بها مضى حتى يعرف أنه حركها على قوله في هذه الرواية، خلافُ ظاهر قوله في المدونة من أن ذلك بمنزلة الدين، ولو أحضراها لَجَاز القراض بها، ولم يَرَ محمد بن المواز بذلك بأسا، وإن لم يُحضِرَاهَا، وقاله ابن حبيب في الثقة المأمون، فيتحصل في ذلك في الدين قولان؛ أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو الصحيح في النظر.
والثاني: أن ذلك يكره ابتداء فإن وقع مضى وهو قول أشهب وهو بعيد إذ لم يَجْرِ في ذلك على أصل، فقال: إنه إن نقص ضمن، ولو قال إنه إن نقص لم يضمن لكان وجه قوله أنه صدّقه في إخراج المال من ذمته إلى أمَانَتِهِ؛ إذ قد أمره بذلك، وهو أصل مختلف فيه في المدونة وغيرها.
وفي الوديعة أربعة أقوال؛ أحدها: أن ذلك لا يجوز كالدين وهو ظاهر ما في
المدونة لابن القاسم.
والثاني: أن ذلك يكره؛ فإن وقع مضى ولم يفسخ.
والثالث: أن ذلك جائز وهو قول ابن المواز.
والرابع: تفرقة ابن حبيب بين المأمون وغير المأمون، وكذلك إن أحضرها ولم يعرفها بعينها، وبالله التوفيق.
مسألة: يدفع إليه عشرة دنانير قراضا فيشتري سلعة فيبيعها بعد الحول بعشرين
مسألة وقال ابنُ القاسم في الرجل يدفع إلى الرجل عشرة دنانير قراضا فيشتري سلعة فيبيعها بعد الحول بعشرين دينارا أيزكونها مثل المساقاة؟ قال: لا حتى يبيعوها بثمن يكون في يدي صاحب المال من ماله وحصته من الربح ما يجب فيه الزكاة مثل أن يبيعها بثلاثين أو أربعين، أو نحو ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم من قوله في المسألة التي قبل هذه، وهو المشهور من قوله المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها، خلاف ما في سماع أصبغ عنه وعن أشهب، وخلاف ما مضى في سماع أشهب، وخلافُ قول سحنون، وخلافُ قول أصبغ من رأيه في سماعه، وبالله التوفيق.
: اختلفا رب المال والمضارب في شرط الربح
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد وسئل سحنون: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا على ما اشترطا عليه من أجزاء الربح، فعمل العامل بالمال ثم أتاه به ثم اختلفا في رأس المال فقال رب المال: مالي مائتا دينار وهو جميع ما أتَى بِهِ العامل، وقال العامل: بل رأس المال مائة، فقال: القولُ قول العامل في رأس المال؛ لأنه لم يقر أنه قبض إلّا مائة دينار: قال: فإن كانت لصاحب المال بينة وإلّا فيمين العامل، فإن نَكَلَ العامل عن
اليمين إذا لم يكن لرب المال بينة قيل لرب المال: احلف وخذ المائتين، فإن نكل عن اليمين لم يكن إلّا ما أقر به العامل، فإن أقام المدعي البينة وهو رب المال، وأقام العامل البينة، وتكافأت البينتان في العدالة سقطت البينتان، وكانا كمن لا بينة لهما، وكان الجوابُ فيهما كما وصفت لك، قال: وإن كانت البينتان مختلفتين في العدالة أُخذ بأعدل البينتين.
قيل: فإن اختلفا في شرط الربح، فقال رب المال: لي الثلثان، وقال العامل: لي الثلثان ولك الثلث، فالقول قول العامل؛ لأن ذلك عمل يده، وإنما ذلك بمنزلة الصانع فالقولُ قولُهُ في الإِجارة إذا ادعى ما يُشبه ورب المال هو المدعي؛ لأن العامل هو البائع لعمل يده وَلمَا أدخل من الصنعة، وقد قال رسول الله: «إذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ البَائِع» فإن أتيا بالبينة فَتَكَافأتا أو لم تتكافئا أو لَمْ يكن لهما بينة كانت الأيمانُ بينهما على ما وصفتُ لك في صدر الكتاب.
قال محمد بن رشد: قول سحنون إذا اختلف العامل ورب المال في عدد رأس المال إنّ القولَ قولُ العامل، وإن أحضر من المال مثلَ ما يدعي صاحب المال وادعى أن الزائد على ما يقر به رِبْحٌ صحيحٌ.
وقد روى أصبغ مثلَه عن ابن القاسم وأشهب، وهو ظاهر ما في المدونة إذا ادعى رب المال أن
رأس ماله ألفان، وقال العامل: بل هو ألف إن القول قولُ العامل إذ لَمْ يفرق فيها بين أن يكون في المال ربح أو لا يكون، ولو كان ذلك يفترق عنده لبينه؛ والله أعلم.
بخلاف إذا اختلفا في رد رأس المال فقال العامل: قد رددته وهذا الذي معي ربح، وقال رب المال لم ترده، وهذا الذي معك هو رأس مالي، والفرق بينهما أن هذا مدع في رد رأس المال فوجب ألّا يصدق فيه إذا كان في يديه مثلُهُ أو أكثر فادعى أنه كله ربح، فالعامل في هذه المسألة مدع في الربح، إذا لم يثبت ما ادعاه من الرد، ورب المال في المسألة الأولى مدع في الربح إذا لم يثبت ما ادعاه من عدد رأس المال، وقد حكمت السنة أن البينة على المدعي واليمين على من أنكره.
وأما قولُ سحنون: إنه إنْ أقام كل واحد منهما البينة على دعواه وَتَكَافَأت البينتان أنها تسقط، ويكونا كمن لا بينة لهما فقد روى مثلُهُ عن ابن القاسم، والمشهور عنه أن ذلك لا يكون تكاذبا وتهاترا، ويؤخذ بشهادة من شهد بالأكثر؛ لأنها زادت، والقولان قائمان من المدونة، وفي المسألة قول ثالث: وهو الفرق بين أن تكون الزيادة بزيادة لفظ مثل أن يشهد الشاهدان أنه أقر له بعشرين ويقول الآخرانِ: بل أقر له بخمسة وعشرين أو بغير زيادة لفظ مثل أن يقول الشاهدان أقر له بخمسة وعشر، ويقول الآخران: بل أقر له بعشرين وهي تفرقة لها حظ من النظر، وقد مضى هذا المعنى في نوازل أصبغ من كتاب التخيير والتمليك، وفي رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب الشهادات وفي نوازل سحنون منه.
وأما قولُ سحنون: إذا اختلفا في الربح فادعى كل واحد منهما أن الثلثين له فالقولُ قول العامِل؛ لأنّ ذلك عمل يده بمنزلة الصانع يكون القولُ قولَه في الإجارة إِذا ادعى ما يشبه؛ لأنه هو البائع لعمل يده وَلمِا أدخل من الصنعة، فإنه قول صحيحٌ من جوابه فَاسِدٌ من اعتلاله، إذ لم يكن القولُ قولَ الصانع فيما يدعي
من الأجرة إلّا إذا أشبه قولهُ من أجل أنه بائع لعمله، ولما أدخله من الصنعة؛ إذ لو صحت هذه العلةُ لَوَجَبَ أن يكون القولُ قولَ بائع الثوب في ثمنه إذا أشبه قولُهُ، وهذا ما لا يصح، وإنما كان القول قول الصانع في مبلغ الأجرة من أجل أن الشيء المصنوع كالرهن في يده بما يدعي من الأجرة في عمله، ولو اختلفا في الأجرة بعد دفع الشيء المصنوع إلى ربه لكان القولُ قولَ رب الثوب؛ إذ لم يبق بيد الصانع ما يشهد له على ما يدعي من الأجرة، وأما العامل في القراض فالقولُ قولُهُ فيما يُقِرّ به لصاحب المال إذا أشبه؛ فإن لم يشبه كان القول قول رب المال إذا أشبه أيضا، فإن لم يشبه حلفا جميعا وكان له قراض مثله، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر وقد أتيا جميعا بما لا يشبه كان القولُ قولَ الحالف منهما على ما ادعاه، وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من جميع دعواه بنكوله، وكذلك أن أتَى أحدُهُما بما يشبه كان القول قولَ الذي أتى منهما بما لا يشبه، فإن نكل عن اليمين أيضاَ كان القول قول الذي أتى بما يشبه دون يمين، فإن أتيا جميعا بما يشبه ونكلا عن اليمين كان للعامل ما ادعاه دون يمين، وإن نَكَلَا جميعا إذا أتيا بما لا يشبه كان له قراض مثله كما إذا حلفا، فهذا وجه الأيمان فيما بينهما في هذه المسألة على معنى ما وصفه في صدر الكتاب في المسألة الأولى؛ لأن ذلك إنما يكون إذا لم تكن لهما بينة أو كانت لكل واحد منهما بينة فتكافأتا في العدالة فسقطتا، وأما إذا لم تتكافيا فالأيمان بينهما؛ لأن الحكم أن يقضى بالأعدل منهما.
فقوله: وإن لم تتكافيا لفظ وقع على غير تحصيل، وبالله التوفيق.
مسألة: القول قول العامل إذا اختلف مع رب المال
مسألة قيل له: فإن دفع إلى رجلين مالا قراضا فعملا بالمال ثم أتيا ومعهما مائتا دينار فقال أحدهما: رأس ماله مائة دينار والربح مائة، وكذَّبه رب المال وقال الآخر: رأسُ المال مائتان وصدَّقه رب
المال.
فإن كان الذي زعم أن رأس المال مائتان عدلا حلف رب المال مع شاهده واستحق المائتين، وإن كان غير عدل قيل لهما: أعطيا المائة التي اجتمعتما عليها؛ لأنها رأس المال فيأخذ من هذا خمسين ومن هذا خمسين وبقيت في يد كل واحد منهما خمسون، ويقال للذي أقر: أن رأس المال مائتان أعط ما في يديك؛ لأنه لا ربح لك حتى يتم رأس المال، ويقال للآخر الذي بقي في يديه خمسون ما في يديك من المال قد زعمت أن نصفه لك ونصفه لرب المال، والنصفُ الآخر لرب المال في يدي الذي أقر أنه لا ربح في المال، فأنت تصدق على ما في يديك من المال فلا يلزمك أكثرُ مما أقررت به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا دفع إليهما المال قراضا فقد حصلا شريكين في العمل به على الإشاعَة، فكأن المالَ بيد كل واحد منهما نصفه، وإن كان بيد أحدهما جميعه، فالذي يقر أَنَّ رأس المال مائتان مقر على نفسه أنه لا حق له في المال وشاهد على صاحبه فيما يدعي من أن رأس المال مائة والمائةُ الثانيةُ ربح، فوجب أن يحلف مع شهادته إن كان عدلا كما ذكر ويستحق المائتين، وإن لم يكن عدلا كان للثاني بعد يمينه أن رأس المال مائة، وأن المائة الثانية ربح على ما تقدم في المسألة التي قبل هذه من أن القول قول العامل إذا اختلف مع رب المال في عدد رأس المال ما يجب له من المائة التي زعم أنها ربح، وذلك خمسة وعشرون دينارا؛ لأن نصف الربح لرب المال والنصف الثاني فيما بينه وبين صاحبه بنصفين، وسكت عن اليمين للعلم الحاصل بها، فإن نكل عن اليمين حلف رب المال أن رأس ماله مائتان وأخذ جميعها ولم يكن لواحد منهما شيء، هذا وجه قوله في الرواية، وما قاله فيها من أنه يأخذ من هذا خمسين ومن هذا خمسين وبقيت
في يد كل واحد منهما خمسون، فيقال للذي أقر أن رأس المال مائتان: أعط ما في يديك؛ لأنه لا ربح لك حتى يتم رأس المال إلى آخر قوله هو كلام ساقه على طريق التقريب لا على سبيل التحقيق؛ لأن المال لم يكن بيد كل واحد منهما نصفه، إذ لو اقتسماه وانفرد كل واحد منهما بالعمل بنصفه لكانا متعديين في ذلك، ولوجب إنْ ربحَ أحدُهما وخسر الآخر لا تجبر الخسارة من الربح، وأن يكونا ضامنين جميعا للخسارة التي خسرها أحدهما لرب المال، ويكون الربح الذي ربحه الآخر بينهم نصفه لرب المال ونصفه بينهما على ما شرطوه، ولكنه لما كانا يتجران به جميعا على الإِشاعة فكان نصفه بيد كل واحد منهما؛ لأنه وإن لم يكن كذلك في الحقيقة فهو كذلك في المعنى، وما يوجبه الحكم والله الموفق.
مسألة: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه
مسألة قيل له: أرأيت لو أتيا بثلاثمائة دينار، والمسألة على حالها فاختلفا، فقال أحد العاملين: رأسُ المال مائةٌ والربحُ مائتان وكذّبه رب المال، وقال العامل الآخر: بل رأس المال مائتان والربح مائة وصدقه بذلك رب المال قال: يقال للعاملين: قد اجتمعتُما على رأس المال أنه مائة فأخرجاها، فيخرج كل واحد منهما خمسين، ويبقى بيد كل واحد منهما مائة مائة، وإن كان الذي أقر أن رأس المال مائتان عدلا لم يحلف رب المال مع شاهده؛ لأنه جَارٌّ إلى نفسه، أَلَا ترى أنه إذا بقيت في يديه مائة قال له رب المال: أعطنيها فإنه لا ربح لك منها؛ لأنك مقر أن رأس المال مائتان ولا ربح لك إلَّا بعد استيفائي رأس مالي، فمن هناك سقطت شهادته، أَلَا ترى أني لو أجزت شهادته لأخذ رب المال المائةَ منهما جميعا ويبقى بيد كل واحد منهما خمسون فيصيرُ له ربح ما بقي بيده، فلما جَر بشهادته إلى نفسه طرحت شهادته؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جَارّ إلى نفسه» فلما سقطت شهادته وأخذ رب المال ما اجتمعا عليه من رأس المال، وهي المائة التي أخرج كل واحد منهما خمسين خمسين وبقيت في يد كل واحد منهما مائة، قيل: للمُقِر: إن رأس المال مائتان هات ما في يديك؛ لأنه لا ربح لك إلَّا بعد الاِستيفاء لرأس المال، فيؤخذ منه فيستوفي رب المال رأس ماله، ثم يقال للآخر الذي زعم أن المال الذي في يديه ربح له ولرب المال هات شطرَها، وإنما لم يُؤخذ منه أكثرُ من شطرها؛ لأنه زعم في إقراره أن لرب النصف في أيديهما جميعا وأنه لم يقر لرب المال فيما في يديه بأكثر مما ادعى لنفسه، وإنما هو كرجل قال لرجل ما في يدي نصفٌ لك ونصفُ لي، فلم يقر له إلا بمثل ما أقر لنفسه، فليس لرب المال مما في يديه إلَّا نصف ما في يديه وهو خمسون، وليس للمقر الذي زعم أن رأس المال مائتان في يدي رب المال من الخمسين التي صارت فضلا حجة أن يقول له: قد بلغتك رأس مالك، وقد صار في يديك فضل خمسين فلا تذهب بها دوني؛ لأنه يقال له: أنت مقر أن لرب المال نصف الربح، وأنك لا تدخل عليه في نصفه، وإنما دخولُك على صاحبك، وصاحبك يجحدك، ألا ترى أن الزوج يقر بأخ مع إخوةٍ كانوا ورثة معه معروفين أنه لا يدخل عليه في شيء قال سحنون: وقد قيل في العامل: إنه يرجع عليه في النصف الذي في يديه فيقاسمه على ثلاثة أسهم للعامل سهم وسهمان لرب المال.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن كان الذي أقر أن رأس المال مائتان عدلا لم يحلف ربُّ المال مع شاهده؛ لأنه جَارّ إلى نفسه صحيح؛ لأنه يدعي أن المائة ربح فله منها خمسة وعشرون على دعواه ولصاحبه خمسة وعشرون ويقر أن لرب المال مائتي رأس ماله وخمسون نصف المائة الربح، فإن أعملنا
شهادته مع يمين رب المال استوجب من الربح خمسة وعشرين ربع المائة الربح على قوله، وإن لم تعمل شهادته وجب أن يحلف صاحبه على ما يدعى من أن رأس المال مائة فيستحق إذا حلف من الربح خمسين دينارا ربع المائتين الربح على قوله، ويأخذ رب المال الباقي وذلك مائتان وخمسون بإقراره أن رأس المال مائتان، إذ يجب له على قوله من المائة الربح نصفُها فلا يجب له على إقراره شيءٌ إذ لم نُعْمِلْ شهادَتَه وإن أعلمتَها وجب له خمسة وعشرون، فوجب من أجل هذا ألّا نُعمِل شهادته وأن يأخذ صاحب المال مائتين وخمسين بإقراره له بها وصاحبه خمسين بيمينه أن رأس المال مائة ولا يكون له هو شيء.
ووجهُ القول الثاني في أنه يرجع على رب المال في النصف الذي في يديه من الربح وهو خمسون دينارا فيقاسمه إياها على ثلاثة أسهم، له سهم ولرب المال سهمان هو أنه يدعى من الخمسين الربح نصفها إذ يجب له من الربح خمسة وعشرون على ما يزعم من أن رأس المال مائتان، ورب المال يدعي أن له الخمسين كلها فتقسم الخمسون بينهم على الثلث والثلثين كَمَالٍ يتَدَاعَى فيه رجلان، يدعي أحدهما جميعَه والثاني نصفَه على المشهور من مذهب مالك في هذا النوع من التداعي.
ويتخرج على هذا التوجيه في المسألة قولٌ ثالث، وهو أن يقسم بينهما أَرْبَاعا؛ لأن العامل قد سلم له نصف الخمسين وينازعه في النصف الآخر منها بينهما بنصفين، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم في هذا النوع من التداعي، وإلى القول الثاني ذهب محمد بن المواز، قال: ولا يحسب على رأس المال شيء من الظلم ولا التلف إنما يقع ذلك على الربح، وروي عن أشهب خلافُه وأن لكل واحد من العاملين ما يدعيه من الربح فيأخذ الذي أقر أن رأس المال مائتان خمسة وعشرين؛ لأنه هو الذي يجب له من ربح المائة، ويأخذ الذي ادعى أن رأس المال مائة، خمسين بعد يمينه أن رأس المال مائة على ما تقدم؛ لأنه هو الذي تجب له من ربح المائتين، وهو قول رابع في المسألة له حظ من النظر،
وذلك أن العامل الذي أقر أن رأس المال مائتان أحق بحظه من المائة الربح إذ لم يقر به لأحد والخمسون التي يجب منها لرب المال قد استحق العاملُ الثاني عليه نصفَها بيمينه أن رأس المال إنما كان مائة وبالله التوفيق.
مسألة: أخذ مالا من رجل قراضا على النصف وأخذ من رجل آخر على الثلث
مسألة قيل له: أرأيت لو أن رجلا أخذ مالا من رجل قراضا على النصف وأخذ من رجل آخر أيضا مالا على الثلث، فاشترى سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين بكل مال على حياله، فالتبس عليه الأمر فلم يدر أيتهما السلعة الرفيعة الثمن من الأخرى، وفي أحد السلعتين ربح وفي الأخرى نقصان، فادعى كل واحد منهما السلعة الرفيعة أنه اشتراها بماله، على المقارض ضمان، فقال: ليس على المقارض ضمان؛ لأنه هو كرجل استودع مالين لرجلين لرجل مائة والآخر خمسون فنسي صاحب المائة من صاحب الخمسين، وادعى الرجلان المائة أنهما يحلفان جميعا على المائة ويقتسمانها، والخمسون الأخرى بيد المستودَع ليس لها مدع، ومن رأى أنه يضمن المستودَعُ مائة لكل واحد بغير يمين إذا ادعى كل واحد منهما أن وديعته مائة ضمنه فمسألتك في القراض مثل ما وصفتُ لك في الوديعة.
قال محمد بن رشد: قوله: فالتبس عليه الأمر فلم يدر أيتهما السلعة الرفيعة الثمن من الأخرى يريد أنه التبس عليه الأمر في السلعتين فلم يدر أيتهما الرفيعة التي فيها الربح من الوضيعة التي لا ربح فيها، ولو علم من أي مالٍ اشترى كل سلعة منها لما صح أن يتداعى صاحب المالين في السلعة الرفيعة
ولوجب أن يكون من المال الذي قال المقارض إنه اشتراها منه، ولم يكن في ذلك كلام ولا خلاف، فقوله: إذا لم يدر المقارَض من مال من اشترى السلعة الرفيعة فيتداعيا فيها إنّ ذلك بمنزلة من استودع مالين لرجلين لأحدهما مائة، للآخر خمسون فنسي صاحبَ المائة من صاحب الخمسين، وادعيا جميعا المائة إنهما يحلفان عليها ويقتسمانها وتبقى الخمسون بيد المستودع ليس لها مودع إلى آخر قوله، يقتضي ألّا يلزم المقارَض ضمان بنسيانه، ويحلف كل واحد من صاحبي المال على السلعة الرفيعة أنه اشتراها من ماله، ويكون من ماليهما جميعا نصفها من مال هذا ونصفها من مال هذا، وتبقى الأخرى بيد المقارض إذا لم يكذب أحدُهما نفسَه في دعواه السلعة الأولى ويقول: بل هذه هي التي اشترى من مالي فتكون من ماله ويخلص السلعة الأولى كلها، وفي هذا اختلاف، قد قيل: إنه لا يقبل دعواهما فيه بعد أن أَنْكَرَاهَا، وقيل: إنها تكون لهما بإقرار المقارَض أنها لأحدهما، وإن كانا متماديين على إنكارها.
وقول سحنون في هذه المسألة: إن المقارَض لا يلزمه ضمان لنسيانه من اشترى السلعة من ماله يأتي على قياس رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح في الرجل يقر بالوديعة لأحد رجلين لا يدري من هو منهما؟ أنه لا يلزمه غيرُها وتكون بينهما بعد أيْمَانِهما، ومثل قول ابن كنانة في مسألة الرجل يأخذ من الرجل ثوبا من كل واحد منهما على أنه فيه بالخيار فيردهما ولا يعرف ثوب هذا من ثوب هذا ويدعيان جميعا أحدَهما ويُنكر الآخر، إن الثوب الذي ادعياه يكون بينهما بعد أيمانهما ويبقى الآخر بيد المشتري حتى يأتي له طالب.
وقد ذكرنا ذلك والاختلاف فيه فيِ سماع يحيى من كتاب بيع الخيار، ويأتي في هذه المسألة على قياس ما مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من هذا الكتاب في المقارَض بالمالين يزعم أنه ربح خمسين دينارا لا يدري من أي المالين، أنه لا شيء له من الخمسين وتكون لصاحبي المالين أن يلزمه لكل واحد منهما ضمانُ الثمن الذي اشترى به السلعة من ماله، وهي رواية أَبِي زيد عن ابن القاسم في سماعه بعد هذا، قال: هما مخيران بين أن يضمناه السلعتين
ويأخذ أموالهما، وبين أن يأخذ السلعتين فتباع بهما ويعطى كل واحد منهما رأس ماله ويكون للمقارض ربحه إن كان فيهما ربح.
وحكي عن ابن كنانة مثل قول ابن القاسم خلاف ما حكيناه عنه في مسألة الذي يأخذ الثوبين من الرجلين بالخيار فَتَخْتَلِطُ عليه.
وقال عن ابن القاسم: إلّا أن تكون قيمة السلعة الأدْنى أكثرَ من الثمن الذي اشترى به السلعة الأولى فلا خيار لهما في تضمينه، وتكون السلعتان على القراض على قدر أموالهما، وقال محمد بن المواز: إنْ اتفقت قيمتهما فلا حجة لصاحب الأكثر على صاحب الأقل ولا على العامل، وإن اختلفت غرم العاملُ فضلَ قيمة الرفيعة على الدنية؛ لأن كل واحد منهما يدعي الرفيعة ويرجو ذلك، والعامل لا يدفعهما وإنما تعتبر قيمتهما اليوم وهو نحو رواية أبي زيد فتدبر ذلك كله وبالله التوفيق.
مسألة: يقسم الربح على المالين جميعا
مسألة وسئل سحنون: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا، ثم إن العامل عمل به وربح فحاسبه رب المال فأخذ ربحه وترك المال عند العامل ثم زاده رب المال آخر مثل الذي كان دفع إليه أولا فعمل بالمالين جميعا فربح فيهما، قال: يقسم الربح على المالين جميعا فما صار للمال الأول كان على قراضهما وما صار للمال الثاني كان لرب المال، ويكون له أجرةُ مثله، قلت: فلو خسر؟ قال سحنون: تحسب الخسارة على المالين جميعا فما أصاب المال الأول من الخسارة جُبِر بالربح الذي وصل إلى العامل، وإلى رب المال، ويكون للعامل أُجرة مثله في المال الآخر ولا ضمان عليه فيما خسر فيه؛ لأنه فيه أجير وليس له فيما ربح فيه شيء وهو في المال الأول على قراضه.
قال محمد بن رشد: جواب سحنون في هذه المسألة على مذهب
ابن القاسم في المدونة أن المفاصلة لا تتم بينهما إلا بقبض المال لا بالمحاسبة خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وغيرهما من أصحاب مالك حاشى ابن القاسم فيجوز على ما ذهب إليه ابن حبيب وحكاه عن أصبغ أن يدفع إليه مالا آخر بعد أن حاسب في المال الأول وقبض ربحه منه على أن يخلطه ويعمل فيهما معا، كان على ذلك الجزء أو على جزء آخر، ولا يجوز إلا بخلطه به ويعمل بكل مال على حدة إذا كان على جزء آخر، وأما إن كان على مثل الجزء الأول فقد قيل: إنه يجوز، ذكره ابن المواز في قول، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنه لا يجوز حكى ذلك ابن المواز عن ابن القاسم من رواية أبي زيد عنه، فإن دفع إليه مالا آخر قبل أن يفاصله في المال الأول وفيه ربح أو خسارة على مثل الجزء الأول أو أقل أو أكثر على أن يخلطه به لم يجز.
قال ابن حبيب في الواضحة: فإن عمل على هذا قسم الربح على عدد المال الأول حين يخلطه بالمال الثاني وعلى عدة الثاني فتكون حصة الأول من الربح بينهما على شرطهما.
ولا يجبر نقصانُ واحد من المالين بربح المال الثاني، وحصةُ المال الثاني على قراض مثلهما على غير شرط أن يخلطه بالأول؛ لأنها زيادة داخلة في المال غير خارجة عنه.
وقال فضل: وهو مذهب ابن القاسم في المستخرجة؛ لأنها زيادة داخلة في المال، ولا أعرف هذه المسألة في المستخرجة في روايتنا، وقد رأيت للفضل أنه يرد في المال الثاني إلى إجارة مثله على مذهب ابن القاسم في المدونة مثل قول سحنون ها هنا؛ لأنه جعل شرط الخلط مثل ما لو اشترط إن وضعتَ في هذا المال الثاني جَبَرْتَهُ من الأول فصارت زيادة خارجة اشترطها رب المال لنفسه مع الغرر إذ قد يخسر وقد لا يخسر وبالله التوفيق.
مسألة: يأخذان المال من رجل قراضا هل يجوز لهما أن يقتسما المال
مسألة وسئل سحنون: عن الرجلين يأخذان المال من رجل قراضا هل