الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في الحديث الذي جاء من أنه «ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه» قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ما مات نبي حتى يصلي وراء رجل من قومه» . قال محمد بن رشد: قد روى مالك هذا الحديث عن ربيعة، فصحح «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذ خرج في مرضه الذي توفي منه وأبو بكر يصلي بالناس، صلى خلفه جالسا، ولم يخرج أبو بكر» عن الإمامة، فلم يجز للإمام
أن يؤم جالسا بالأصحاء قياما.
وقد تعارضت الآثار في ذلك، فجاء في بعضها ما دل على «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لما خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس، فتأخر أبو بكر عن الإمامة وتقدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بالناس بقية صلاتهم وهو جالس، والقوم خلفه قياما» . وجاء في بعضها ما دل على أن أبا بكر لم يتأخر عن الإمامة وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما صلى مؤتما بأبي بكر.
فمن الناس من صحح ما دل منها أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كان الإمام.
ومعنى ذلك أنه أحرم خلفه، ثم أتم بالناس بقية صلاتهم، وصار أبو بكر مؤتما به فيها، إذ لا يصح أن يحرم بعد أن خرج أبو بكر عن الإمامة؛ لأنه لا يكون قد أحرم قبل بالناس، ولا يصح أن يحرم الإمام قبل القوم، ورأى ذلك شرعا شرعه لأمته، ولم ينسخه عنهم، ولا اختص به دونهم، فأجاز إمامة المريض جالسا، بالأصحاء قياما.
وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
ومنهم من صحح منها ما دل أيضا أنه كان الإمام، إلا أنه رأى ذلك من خواصه، فلم يجز لأحد بعده إذا كان مريضا أن يؤم بالأصحاء قياسا.
وهو المشهور من قول مالك وقول أصحابه.
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كان منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاتين، فكان في الصلاة الأولى هو الإمام، وائتم في الثانية بأبي بكر، فكان فعله في الصلاة الثانية ناسخا لفعله في الصلاة الأولى، والتأويلان قائمان لمالك في رواية ابن القاسم عنه في رسم سن من سماعه من كتاب الصلاة.
وعلى هذا التأويل تتخلص الآثار من التعارض، فهو أولاها بالصواب.
وقد زدنا هذه المسألة بيانا في رسم سن المذكور من هذا السماع، من كتاب الصلاة.
وبالله تعالى التوفيق.
القنوت في الصلاة
في القنوت في الصلاة قال: وما يعجبني القنوت إلا في الصبح، ولا أرى القنوت في آخر رمضان ولا في أوله.
قال محمد بن رشد: قوله: ما يعجبني القنوت إلا في الصبح يدل
على أنه عنده مستحب، وليس بسنة.
وهو مذهبه في المدونة لأنه قال فيها: لا سجود سهو على من نسيه.
وقال فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى: القنوت في الفجر سنة ماضية، فعلى قوله من نسيها سجد لسهوه.
وروى زياد عن مالك أنه يسجد للسهو عنه قبل السلام من ألزمه نفسه، ولا يسجد من لم يلزمه نفسه.
معناه يسجد من اعتقد فيه أنه سنة.
وقال يحيى بن يحيى: لو كنت ممن يقنت ثم نسيته لسجدت.
وقوله: ولا أرى القنوت في آخر رمضان ولا في أوله مثله في كتاب الصيام من المدونة إنه لا يقنت في الوتر أصلا، لا في أول رمضان ولا في آخره، ولا فيما سواه.
وهو المشهور عنه-.
وقد اختلف قوله في ذلك.
فروى علي بن زياد عنه أنه لا يقنت في الوتر إلا في النصف الآخر في رمضان.
وروى ابن نافع عنه الروايتين جميعا.
وقال في المدونة: ليس العمل على ما جاء من لعن الكفرة في رمضان.
يريد- والله أعلم- لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينما هو يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت، فسكت فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128] . ثم علمه القنوت» . وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا فمن أهل العلم من رأى القنوت في الوتر في رمضان كله، ومنهم من رآه في النصف الآخر منه وهو الأكثر، ومنهم من رآه في النصف الأول، ومنهم من رأى لعن الكفرة فيه على ما في الموطأ عن الأعرج أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وقد سئل في رواية محمد بن يحيى السيابي كيف كان ذلك؟ فقال: كان يدعو في النصف الآخر من رمضان في الوتر على الكفرة ويلعنهم، ويستنصر للمسلمين يجهر بذلك.
وأول من قطعه زياد بن عبد الله وحين قطعه- والله أعلم- قال الأعرج: ما
أدركت الناس وقد أدرك جماعة من الصحابة إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، إنكارا عليه، واستحسنه مالك في رواية محمد بن يحيى عنه.
وقال: لم يكن في الزمن الأول زمن أبي بكر وعمر وعثمان، وقال ابن القاسم: كان مالك بعد ذلك ينكره إنكارا شديدا، وبالله تعالى التوفيق.
العلم بكثرة الرواية
في أن العلم ليس في كثرة الرواية قال: وسمعته يقول: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يضعه الله في القلوب.
قال محمد بن رشد: النور الذي يضعه الله في القلوب، هو الفهم الذي به تستبين المعاني فيتفقه فيما حمل، فشبه ذلك بالنور وهو الضياء الذي به ينكشف الظلام، فمن لم يكن معه ذلك النور، فهو بمنزلة الحمار فيما حمل من كثرة الروايات يحمل أسفارا.
فمن أراد الله به خيرا أعطاه من ذلك النور.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] قال مالك: هو الفقه في دين الله.
وقد أثنى الله عز وجل على من آتاه الفهم، فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] . والحكم الفهم والفقه، والله أعلم، وبه تعالى التوفيق.
ما جاء من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة
ما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل
من كل واحدة منهن وحدثني مالك عن رجل من آل أبي رافع «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طاف على نسائه ليلة من ذلك، فأصابهن، فاغتسل من كل طوفة غسلا، كلما فرغ من واحدة اغتسل.
فقال له الذي يحمل له الماء: لو أخرت ذلك يا رسول الله.
قال: هذا أطهر» . ولا أعلم إلا أن أبا رافع الذي كان يحمل له الماء.
قال محمد بن رشد: قوله: هذا أطهر، دليل على أنه كان له الغسل إلى آخرهن.
ومعنى ذلك- والله أعلم- أنه فعله عند قدومه من سفره، ثم استأنف القسم لهن، أو بإذن التي كان في ليلتها؛ لأن من عدل الرجل بين نسائه، أن لا يطأ المرأة في يوم الأخرى.
وكذلك قال مالك في موطئه: لا بأس أن يطأ الرجل جاريته قبل أن يغتسل، فأما النساء الحرائر فإنه يكره أن يصيب الرجل المرأة في يوم الأخرى.
وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ وضوءه للصلاة، وإنما يؤمر بالوضوء عندهما - والله أعلم- رجاء أن ينشط فيغتسل كالجنب إذا أراد أن ينام.
وقال أحمد بن حنبل: إن توضأ فهو أعجب إلي، وإن لم يفعل فأرجو ألا يكون به بأس.
وكذلك قال إسحاق إلا أنه قال: لا بد من غسل الفرج إن أراد أن يعود.
وليس لذلك وجه ظاهر، وبالله التوفيق.
الرعي في الحرم
في الرعي في الحرم وقال مالك حين «خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى فدك رأى رجلا يرعى قال: " هشوا أو رعوا» .
قال محمد بن رشد: معناه في الحرم، والهش أن يضع المحجن في الغصن، فينفضه فيسقط منه، فترعاه الغنم.
ولا يعضد ولا يكسر والعضد الكسر.
وهذا في المدونة، وبالله التوفيق.
حكم الأكل متكئا
في أن من التواضع ترك الأكل متكئا وحدثني ابن القاسم عن مالك «أن ملكا خير نبي الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: أنبي ملك أم نبي عبد؟ فأشار إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبي عبد.
فما رئي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يأكل متكئا حتى لقي الله» .
قال محمد بن رشد: فالأكل متكئا مكروه؛ لأنه من الكبر وقد كره مالك أن يأكل الرجل متكئا وواضعا يده اليسرى بالأرض؛ لأنه رآه من ناحية الاتكاء.
وقد مضى هذا في الرسم الذي قبل هذا.
كراهية القصص
في كراهية القصص وقال استبطأ القاسم بن محمد ابنه عبد الرحمن ليلة في الانقلاب فقال: ما حبسك يا بني؟ فقال: مررت بقوم يذكرون الله فجلست معهم، فقال: هذا حسن ولا تعد.
قال: وسمعت مالكا يقول: سمعت أن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وخارجة بن
زيد كانوا لا يجلسون إلى قاص الجماعة.
قال محمد بن رشد: القصص مكروه، وروي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معنا فتى من طرابلس، فكنا لا ننزل منزلا إلا وعظنا فيه، حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماط أصحاب السقط، وهو قائم يحدثهم، وقد لهوا عنه، والصبيان يحصبونه ويقولون له: اسكت يا جاهل، فوقفت معجبا لما رأيت، فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد ما سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ ذكروا عليه باطله، قال يحيى: وسمعت مالكا يكره القصص فقيل له: يا أبا محمد، فإذ تكره مثل هذا فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال على الفقه.
وكان يأمرهم وينهاهم.
وبالله التوفيق.
فضل الرباط والجهاد
في الرغبة في الرباط والجهاد وقال: عوتب أبو أيوب صاحب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الغيبة عن أهله، فقال: إني أحب أن أبعث من هذه الجزيرة، وكان قد لحق بغزو الجزائر.
قال محمد بن رشد: أبو أيوب الأنصاري من أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة من بني النجار شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وشهد مع علي حروبه، وكان يلازم الرباط والجهاد، ولا يتخلف عن الغزو في كل عام، فلما ولى معاوية يزيد على الجيش إلى القسطنطينية جعل أبو أيوب يقول: وما علينا إن أمر علينا شاب فغزا تحت رايته قسطنطينة، فمات بها.
وقد مضى خبره في ذلك في أول رسم من السماع.
وفضائل الجهاد والرباط أكثر من أن تحصى من ذلك قَوْله تَعَالَى في الجهاد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 111] الآية وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ [الصف: 10] الآية وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] ومن أحبه الله أمنه من عذابه وأكرمه بجواره في الجنة التي أعدها لأوليائه.
«وسئل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله» وقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع، فقال الرجل: لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد» . «وقال لرجل له ستة آلاف دينار لو أنفقتها في طاعة الله، ما بلغت غبار شراك نعل المجاهد.» ومن ذلك قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الرباط: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر ويصوم نهارا لا يفطر» . وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من رابط فواق ناقة، حرمه الله على النار» .
الرباط هو أن يخرج من منزله إلى ثغر يقيم فيه لحراسة ذلك الثغر
ممن يجاوره.
وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابطا.
وقد قيل فيه: إنه أفضل من الجهاد.
روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين.
فقيل: إن ذلك حين دخل الجهاد ما دخل.
والأظهر في تأويل ذلك أنه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر، وتوقع هجوم العدو عليهم وغلبتهم إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم، إذ لا شك في أن إغاثتهم في ذلك الوقت وحراستهم مما يتوقع عليهم، أفضل من الجهاد إلى أرض العدو، فلا يصح أن يقال: إن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق، وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل.
وذلك قائم من قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد.
ما لا يؤخذ في صدقة الغنم
في تفسير ما جاء عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
أنه لا يؤخذ في صدقة الغنم وقال مالك: الربا التي قد وضعت، والماخض الحامل، والأكولة شاة اللحم، وفحل الغنم التيس، والحافل ذات الضرع العظيم، وحزرات الناس، كرائم الأموال وضنائنهم.
وقال: العقال القلوص من الإبل.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للربا والماخض والأكولة وفحل الغنم، والحافل الذي جاء عن عمر بن الخطاب أنها لا تؤخذ في الصدقة في حديث سفيان الثقفي أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقا، فكان يعد على الناس بالسخل فقالوا: أتعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئا؟ فلما قدم على
عمر بن الخطاب ذكر له ذلك، فقال عمر: نعم تعد عليهم بالسخلة، يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذاك عدل بين غذاء الغنم وخياره تفصيل صحيح، هو نص قوله، وتفسيره في الموطأ لذلك وتفسيره للحرزات الذي جاء عن عمر أنها لا تؤخذ في الصدقة في حديث عائشة أنها قالت: مر على عمر بن الخطاب بغنم الصدقة، فرأى فيها شاة حافلا ذات ضرع عظيم، فقال عمر بن الخطاب: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر بن الخطاب: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، ولا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطعام.
تفسير صحيح أيضا لأن الحزرات مأخوذة من الحزر، وهو ما يحزر الرجل أنه خيار ماله وكريمه الذي يظن به.
وأما تفسيره للعقال الذي جاء في «حديث أبي بكر الصديق من قوله: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه حين ارتد من ارتد من العرب، ومنعوا زكاة أموالهم، فبعث لقتالهم، فقال له عمر بن الخطاب: يا أبا بكر، ألم تسمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل، فقال: ألا أقاتل أقواما فرقوا بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسام لقاتلتهم عليه» وقد اختلف فيه، فقيل: العقال الحبل الذي يعقل به البعير المأخوذ في الصدقة، وقيل: العقال صدقة عام.
واحتج من ذهب إلى ذلك من اللغة بما روي أن معاوية استعمل ابن أخيه عمرو بن عتبة على صدقات كليب فاعتدى عليهم، فقال عمرو بن العداء الكلبي في ذلك:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح الحي أو بادوا ولم يجدوا ... عند التفرق في الهيجا جمالين
وقيل: العقال الفريضة المأخوذة، روي عن الأعرابي أنه قال: إذا أخذ المصدق غيرها في الماشية، قيل: أخذ عقالا.
وإذا أخذ به ثمنا، قيل: أخذ نقدا، وقد روي في بعض الآثار: لو منعوني عناقا.
مكان عقال، والعناق الصغير من أولاد المعز.
ففيه حجة لمن يقول: إن الغنم إذا كانت صغارا كلها، يؤخذ منها.
وهو قول أبي يوسف وقيل: إن فيها مسنة.
وهو قول زفر.
وقد قيل: لا شيء فيها.
وهو مذهب محمد بن الحسن، وقد قيل في المذهب فيها قولان: أحدهما، وهو المنصوص عليه فيه: إن فيها مسنة.
والثاني: إنه يؤخذ منهما قياسا على القول بأنه يؤخذ منها إذا كانت عجافا كلها أو ذوات عوار كلها.
وكذلك يختلف أيضا إذا كانت أكولة كلها، أو مواخض على قولين: أحدهما إن فيها السن المأخوذ في الصدقة.
ولا يأخذ منها إلا برضا ربها.
وهو المنصوص عليه.
والثاني: إنه يؤخذ منها قياسا على القول بأنه يؤخذ منها إن كانت صغارا كلها، أو عجافا كلها، أو ذات عوار كلها.
وقد قيل: إن الخلاف لا يدخل فيها ولا في الصغار، ويلزم رب المال في الصغار أن يعطي مسنة باتفاق.
ولا يجوز للساعي في المواخض والأكولة أن يأخذ منها
إلا برضا ربها.
والصحيح دخول الاختلاف فيهما؛ لأن عمر بن الخطاب قال: وتأخذ الجذعة والثنية.
وذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره.
فإذا كانت الغنم صغارا كلها، أو مواخض كلها أخذ منها، لعدم العلة التي توجب أن يأخذ الجذعة والثنية، وهي أن يكون في الغنم أرفع وأدنى فيكون السن عدلا بينهما.
الصدقة في حب الفجل
في الصدقة في حب الفجل وقال مالك: في حب الفجل الصدقة.
قال محمد بن رشد: قد اختلف قول مالك في الزكاة في حب القرطم فمرة قال: إن فيه الزكاة، ومرة قال: إنه لا زكاة فيه.
وهو قول سحنون.
وابن القاسم يرى فيه الزكاة من زيته، وقع ذلك في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب زكاة الحبوب.
وهذا الاختلاف داخل في هذه المسألة إذ لا فرق بين حب القرطم وحب الفجل في إيجاب الزكاة فيهما لأن الزكاة إنما وجبت في كل واحد منهما عند من أوجبه، من أجل ما يخرج منه من الزيت قياسا على الزيتون.
وما اجتمع الناس على إيجاب الزكاة في الزيتون، فالأظهر أنه لا زكاة في واحد منهما.
وقول ابن القاسم: إن الزكاة تؤخذ من زيته إغراق في القياس، ومثله لمالك في رسم يسلف من هذا السماع، من كتاب الزكاة.
وقد مضى هذا كله بما فيه زيادة بيان في الرسم المذكور من كتاب الزكاة.
ولم يختلف مالك في أنه لا زكاة في حب بزر الكتان ولا في زيته.
ولأصبغ في كتاب ابن المواز إن فيه الزكاة، وإنما فرق مالك بين بزر الكتان وحب القرطم في الزكاة في أحد قوليه؛ لأنه رأى أن الناس يعصرون الزيت الكثير من القرطم، ويتخذونه لذلك ولا يفعلون ذلك
في بزر الكتان، إذ لا فرق بينهما في القياس؛ لأن الزكاة إنما تجب في ذلك عند من أوجبها فيه، من أجل ما يخرج منه من الزيت، قياسا على الزيتون.
ثناء ابن مسعود على معاذ بن جبل
في ثناء ابن مسعود على معاذ بن جبل قال مالك: بلغني أن عبد الله بن مسعود كان يقول: يرحم الله معاذ بن جبل، كان أمة قانتا لله.
فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر الله بهذا إبراهيم.
قال ابن مسعود: إن الأمة التي تعلم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع لله ورسوله.
قال محمد بن رشد: المعنى بين فيما وصف ابن مسعود معاذ بن جبل؛ لأنه من فضلاء الصحابة وعلمائهم.
قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنه أعلمهم بالحلال والحرام وإنه يأتي أمام العلماء يوم القيامة» وكان من السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
وآخى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينه وبين ابن مسعود.
وقيل: بل آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وهو أحد عماله على اليمن، بعثه على الجند من اليمن واليا ومعلما.
«وقال له حين بعثه: بما تقضي؟ قال: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله.
قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله» . وكان شابا جميلا براق الثنايا عظيم العينين، حسن الشعر، سمحا، لا يمسك، فلم يزل يدان حتى استغرق الدين ماله، فجعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغرمائه، ثم استعمله على اليمن، فقدم منه بعد موت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خلافة أبي بكر.
وقد تجر في مال الله، فأصاب فيه، فأشار عليه عمر أن يتخلى عنه، فقدم به على
أبي بكر الصديق، فوهبه له، فلم يأخذ منه.
فقال عمر: الآن حل له، ثم خرج إلى الشام، فمات بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة.
وهو ابن اثنين وثلاثين سنة.
وقيل: ابن ثمانية وعشرين سنة.
ولم يولد له قط وقيل: إنه ولد له ولد، سماه عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وبالله تعالى التوفيق.
حكاية عن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمر والقاسم بن محمد
حكاية عن عمر بن عبد العزيز وعبد الله
ابن عمر والقاسم بن محمد وقال مالك: كان دخول زياد مولى ابن عياش على عمر بن عبد العزيز وهو مملوك، فقال: السلام عليكم، ثم قعد، فتفكر زياد فيها فلام فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: أما إني لم أنكر الأولى.
قال مالك: سافر رجل مع ابن عمر، فكان يصوم، فيصب على رأسه الماء في الهواجر من شدة الحر، فيقول ابن عمر: إن عذبك الله بعد هذا إنك لشقي.
قال مالك: التقى عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد.
فقال له القاسم: عليك بالصبر في مواطن الصبر.
قال: وعرض عليه عمر بن عبد العزيز أشياء فقال القاسم: إني امرؤ لا أرزأ أحدا شيئا.
قال محمد بن رشد: هذه حكاية كلها بينة في المعنى.
فيها تواضع عمر بن عبد العزيز في أنه لم ينكر على زياد ترك تخصيصه بالسلام، وتسميته بما خصه الله به من الإمارة على العادة في ذلك.
وفيه شدة خوف عبد الله بن عمر.
والله تعالى يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] . وفيها حض القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز على الصبر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 200]
ووعد بالثواب الجزيل عليه فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] وما فعله من رده لما عرضه عليه مع جواز الأخذ منه لعدله، فضل منه؛ لأن ذلك مما يستحب له فعله، للحديث الذي جاء: «إن خيرا لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا، قالوا: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني؛ لأنه إذا ترك ذلك فقد آثر به على نفسه غيره ممن يعطاه» .
حكم الصلاة في الكنائس
في صلاة الكنائس وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يكره الصلاة في الكنائس التي فيها الصور.
قال مالك: وأنا أكره الصلاة في الكنائس لأن موضعها نجس ووطئهم بأقدامهم فيها.
قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة ولم يذكر فيه التي فيها الصور.
وفي قوله: التي فيها الصور دليل على أنه إنما كرهت الصلاة فيها إذا كانت عامرة؛ لأن العامرة هي التي تكون فيها الصور.
وقد اختلف في علة كراهة الصلاة في الكنائس.
فقال مالك: لنجاستها من أقدامهم وما يدخلون فيها من النجاسات.
وقال ابن حبيب: لأنها بيوت متخذة للكفر بالله.
وقيل: إن الصلاة تكره فيها للوجهين جميعا.
فإن صلى فيها على القول بأن العلة في الكراهة إنها بيوت متخذة للكفر بالله، لم يجب عليه إعادة، بسط فيها ثوبا
صلى عليه أو لم يفعل.
وإن صلى فيها على القول بأن العلة في الكراهة في الصلاة فيها نجاستها، لم تجب عليه إعادة إن صلى على ثوب بسطه، وإن صلى دون أن يبسط ثوبا فقيل يعيد أبدا.
وهو قول ابن حبيب على أصله فيمن صلى بثوب نجس عامدا، إنه يعيد أبدا.
وقيل يعيد في الوقت، إلا أن يضطر إلى النزول فيها، فلا يعيد، من أجل أن نجاستها غير متيقنة، وهو قول سحنون.
وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وبالله تعالى التوفيق.
موضع المقام من البيت وحدود
في موضع المقام من البيت وحدود
الحرم ومواضع مناسك الحج قال مالك: كان المقام ملتصقا بالبيت فأخره عمر بن الخطاب إلى موضعه، وهو حدد علم الحرم ومعالمها.
قال مالك: لما وقف إبراهيم على المقام، أوحى الله للجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه المناسك.
وهو قول إبراهيم: ربنا أرنا مناسكنا.
قال محمد بن رشد: وقع هذا كله في كتاب الحج الثاني من المدونة بزيادة بيان ونص ذلك فيها: قال مالك: بلغني أن عمر ابن الخطاب لما ولي وحج ودخل مكة، أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم.
وقد كان ملصقا بالبيت في عهد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وفي عهد أبي بكر، وقبل ذلك وقد كانوا قدموه في الجاهلية، مخافة أن يذهب به السيل، فلما ولي عمر أخرج أخبوطة كانت في خزانة الكعبة، قد كانوا قاسوا بها ما بين
موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل فقاسه عمر، فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا الذي كان في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم.
قال: وسار عمر في أعلام الحرم، واتبع رعاة قدماء كانوا مشيخة من مكة، كانوا يرعون في الجاهلية، حتى تتبع أنصاب الحرم فحدده، فهو الذي حدد أنصاب الحرم ونصبه.
وقال مالك: وبلغني أن الله تعالى لما أراد أن يري إبراهيم مواضع المناسك، أوحى إلى الجبال أن تنحي له، فتنحت له حتى أراه مواضع المناسك.
فهو قول إبراهيم في كتاب الله تعالى: (ربنا أرنا مناسكنا) وليس في التلاوة ربنا، وإنما فيها ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] مجازا، أي وأرنا مواضع مناسكنا، خرج ذلك مخرج: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] أي واسأل أهل القرية؛ لأن المناسك هي الأعمال التي يتقرب إلى الله بها، وينسك له في تلك المواضع من الطواف والإفاضة، والوقوف بعرفة والمزدلفة، وسائر أفعال الحج.
والرواية في قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] رواية عين على ما نص عليه في الحديث.
وقد قيل: إن مناسك الحج مشاعره وهي المواضع التي تفعل فيها أفعال الحج، من الطواف والسعي، والرمي والذبح.
فعلى هذا القول يكون قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] على هذا الحديث رواية عين حقيقة، لا مجاز فيه.
وقيل لم يرد بقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] رواية عين وإنما أراد علمنا إياها ودلنا كيف نصنع فيها.
من ذهب إلى هذا بما روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلت أي ربي فأرنا مناسكنا أبرزها لنا علمنا إياها، فبعث الله عز وجل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فحج به.
وقيل: المناسك في قوله عز وجل:
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128] المذابح، أي علمنا كيف تذبح نسائكنا.
الرعي في الحرم
في الرعي في الحرم قال مالك في «الذي رآه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يرعى في حرم المدينة وأرسل إليه فارسين يسوقانه سوقا رفيقا حتى يخرجاه من الحرم، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: هشوا وارعوا» . قال مالك: الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه ولا يكسر العود.
فهذا الهش ولا يخبط.
قال محمد بن رشد: هذا تفسير ما تقدم قبل هذا في هذا الرسم ومثله في المدونة، وبالله التوفيق.
مس الفرج
في ما جاء في مس الفرج قال سحنون حدثني ابن القاسم عن مالك، عن يزيد بن عبد الملك بن المغيرة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة» .
قال محمد بن رشد: وقد روي هذا المعنى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أوجه كثيرة.
وروي «عن طلق بن علي أنه قال: قدمنا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله: ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟» فمن
أهل العلم من أوجب الوضوء من مس الذكر، ومنهم من لم يوجبه، ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل الآثار الواردة في ذلك، ولم يطرح منها شيئا.
والأقوال الثلاثة قائمة في المذهب لمالك، روى أشهب عنه في كتاب الوضوء أنه قال: من مس ذكره انتقض وضوؤه.
فظاهره في العمد والسهو، وروي عنه في كتاب الصلاة أنه سئل عن مس الذكر فقال: لا أوجبه رأيا، فروجع في ذلك فقال: يعيد ما كان في الوقت، وإلا فلا، فظاهره أيضا في العمد والسهو.
وروى ابن وهب عنه في سماع سحنون من كتاب الوضوء، القول الثالث إنه لا إعادة عليه إلا أن يمسه عامدا، وإلى هذا يرجع ما في المدونة على تأويل بعض الناس، وقد تأول ما فيها على الظاهر من التفرقة بين باطن الكف وظاهره، ومن غير اعتبار يقصد، ولا وجود لذة.
وهذا كله إذا مسه على غير حائل.
واختلف قوله إن مسه على حائل خفيف على قولين: أحدهما: أنه لا وضوء عليه.
وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون، من كتاب الوضوء، اتباعا لظاهر هذا الحديث.
والثاني: أن عليه الوضوء، وهو قوله في رواية علي بن زياد، عن مالك.
وأما إن كان الحائل كثيفا، فلا وضوء عليه قولا واحدا.
وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الوضوء لتكرر الحديث هناك.
يصبح جنبا في رمضان
ما جاء في الذي يصبح جنبا في رمضان وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن يزيد بن عبد الملك بن المغيرة، عن يزيد بن خصيبة، عن السائب بن يزيد، «عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والله لينفض رأسه بيده فيتطاير عنه الماء من غسل الجنابة في رمضان» .
قال محمد بن رشد: الحديث إنما يرويه الناس عن ابن القاسم عن يزيد، عن عبد الملك، فوهم العتبي بقوله فيه: ابن القاسم عن مالك، ويزيد هذا متروك الحديث ضعيف، إلا أنه قد ثبت معناه من رواية عائشة وأم سلمه، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم» ذكر ذلك مالك في موطأه، ولا خلاف في ذلك إلا ما جاء عن أبي هريرة من أنه كان يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم، وقد تبرأ من ذلك حين وقفه على عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بإرسال مروان إياه إليه إلى أرضه بالعقيق على ما وقع من ذلك في الموطا، فقال: لا علم لي بذلك، إنما أخبرنيه مخبر، فروى عنه أنه الفضل بن عباس، وروى عنه أنه أسامة، وروى أن عبد الله بن عبد الله بن عمر
احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح، قال فأتيت أبا هريرة حين أصبح فاستفتيته في ذلك فقال: أفطر، فإن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر بالفطر إذا أصبح جنبا، قال عبد الله بن عبد الله فجئت ابن عمر: فذكرت الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: قسم بالله لئن أفطرت لأوجعن مشفيك، فإن بدا لك أن تصوم يوما آخر فافعل.
وقد روي عن أبي هريرة من وجوه أنه نزع عن الفتوى بهذا.
والذي عليه جماعة الصحابة وفقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعامة العلماء أن صيام من أصبح جنبا صحيح جائز لا قضاء عليه فيه، علم بجنابته قبل الفجر أو لم يعلم، وكذلك الحائض إذا طهرت من الدم قبل الفجر فاغتسلت بعده هي من أهل الصيام تصوم ولا تقضي، وقال ابن الماجشون: إنها إن طهرت قبل الفجر فقامت ولم تتوان في غسلها فلم تفرغ منه حتى طلع الفجر فليست من أهل الصيام قياسا على الصلاة، وهو قول محمد بن مسلمة، وحكى ابن عبد البر، عن ابن الماجشون: أنها إذا طهرت قبل فأخرت غسلها إلى بعد الفجر أن يومها يوم فطر لا يجزيها صيامه.
وخطأه في ذلك، احتج فيه عليه، وأراه غلطا فيما نسب من ذلك إليه، والصواب ألا فرق في هذا بين الحائض والجنب على ما ثبت عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ودل عليه قول الله عز وجل: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] الآية؛ لأن الجماع إذا كان مباحا إلى طلوع الفجر فالغسل إنما يكون بعده.
وفي ذلك بين جماعة التابعين اختلاف كثير، منهم إبراهيم النخعي
وعروة بن الزبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله، والحسن، يتحصل فيه ستة أقوال أحدها، أن من أصبح جنبا فهو مفطر، والثاني: أنه يصوم ذلك اليوم ويقضيه، والثالث: أنه يستحب له القضاء، والرابع: الفرق بين أن يعلم بجنابته قبل الفجر أو لا يعلم بها إلا بعد الفجر، فإن علم بها قبل الفجر فهو مفطر، وإن علم بها بعد الفجر أتم صيامه وقضاه، والخامس: أنه إن علم بجنابته قبل الفجر أتم صيامه وقضاه، وإن لم يعلم بها إلا بعد الفجر أجزأ صيامه، والسادس: أنه إن علم بجنابته قبل الفجر استحب له القضاء، وإن لم يعلم بها إلا بعد الفجر فصيامه تام لا يؤمر فيه بالقضاء، فكذلك الحائض على مذهبهم إذا طهرت قبل الفجر فاغتسلت بعده، وبالله التوفيق.
الإحرام على من أهدى هديه
فيما جاء من أن الإحرام لا يجب على من أهدى هديه فبعث به وحدثني عن عيسى، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع، عن أبي نعيم القاري، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه «عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بيدي، فيبعث بها النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم» . قال محمد بن رشد: في هذا الحديث بيان ما كان عليه أزواج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ من عملهن بأيديهن وامتهانهن في ذلك، وكذلك كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يمتهن نفسه في عمل بيته، فربما خاط ثوبه وخصف نعله، وقد قلد هديه بيديه على ما جاء عن عائشة في غير هذا الحديث أنها فتلت قلائد هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بيديها، ثم قلدها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بيده فلم يحرم عليها شيئا مما أحله الله حتى يخرج الهدي، وفيه أن من أهدى هديا لا يكون بتقليده وبإشعاره محرما
حتى يحرم، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وفي ذلك اختلاف بين السلف، من ذلك ما في الموطأ، عن ابن عباس من أنه قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وتابعه على ذلك جماعة سواه لحديث «جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ -جالسا فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال: أمرت ببدني الذي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي» .
فذهب قوم إلى أن الرجل إذا بعث بهديه وأقام في رحله في أهله فقلد الهدي وأشعره أنه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم.
وروي عن ابن سيرين أن ابن عباس بعث بهديه ثم وقع على جارية له فأتي مطرف بن الشخير في المنام فقيل له: ائت ابن عباس فمره أن يطهر فرجه فأبى أن يأتيه، فأتى الليلة الثانية، فقيل له مثل ذلك، فأبى أن يأتيه، وأتى ثالثة، وقيل له قول فيه بعض الشدة، فلما أصبح أتى ابن عباس فأخبره بذلك، فقال ابن عباس: ومم ذلك؟ فقال له: إني وقعت على فلانة بعد ما قلدت الهدي، فكتب ذلك اليوم الذي وقع عليها، فلما قدم ذلك الرجل الذي بعث معه الهدي سأله أي يوم قلدت الهدي؟ فأخبره، فإذا هو قد وقع عليها بعدما قلد الهدي، فأعتق ابن عباس جاريته تلك.
واختلفت الرواية في ذلك عن عبد الله بن عمر، فروى عنه نافع أنه قال: إذا فقد الرجل الهدي فقد أحرم، والمرأة كذلك، ما لم تحج فهو حرام حتى ينحر هديه، وروي عن أبي العالية أنه سمعه يقول: يقولون إذا بعث الرجل بالهدي فهو محرم، والله لو كان محرما ما كان له حل دون أن يطوف بالبيت، والله هذا أولى؛ لأنه أصح في النظر وأثبت من جهة الأثر، وإن كان نافع أثبت في ابن عمر من أبي العالية.
وهذه مسألة يتحصل فيها من أقوال العلماء أربعة أقوال.
أحدها: أنه لا يكون بالتقليد والإشعار محرما حتى يحرم، كان مع هديه أو لم يكن معه، وبعث به على أن يتبعه وهو يقيم في أهله، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، على حديث عائشة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وما روي عنها من أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل ولبى.
والثاني: ضد هذا القول، أنه يكون بالتقليد والإشعار محرما، كان مع الهدي أو لم يكن معه، وبعث به على أن يتبعه وهو يريد الحج، أو على ألا يتبعه ويقيم في أهله، وهو مذهب ابن عباس وجماعة سواه، على ما جاء في حديث ابن جابر.
والثالث: أنه يكون بالتقليد والإشعار محرما إذا أراد الحج، كان مع هديه أو بعث به، وهو يريد أن يتبعه وبحج، ولا يكون محرما إذا لم يرد الحج، بعث به مع من يقلده ويشعره أو قلد هو وأشعره وبعث به، وهو قول الثوري.
والرابع: أنه لا يكون محرما بالتقليد إلا أن يكون مع هديه وهو يريد الحج، فإن بعث بهديه فقلد وأشعر وهو لا يريد الحج ثم بدا له أن يحج فلا يكون بخروجه محرما، حتى يدرك هديه فيأخذه ويسير به، وهو قول أبي حنيفة، ومن مذهبه لا يكون محرما إلا بالتقليد، ولا يراعى في ذلك الإشعار، وأنه إن أهدى الغنم فلا يكون بتقليدها محرما إذ لا يقلد الغنم،
ومن مذهبه أيضا ومذهب أبي يوسف ومحمد أنه إن بعث بهدي لمتعة ثم أقام أياما حكاما ثم خرج وقد كان قلد الهدي وأشعر، أنه لا يكون محرما بخروجه حتى يدركه ويسير به، بخلاف هدي التطوع، وفي حديث عائشة هذا ما يرد حديث «أم سلمة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: إذا دخل العشر فأراد أحدهم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره حتى يضحي» إذ قد علم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ كان لا يترك الأضحية، ولم يأخذ مالك بحديث أم سلمة وإن كان قد رواه؛ لأن حديث عائشة عنده أصح منه، وقد ترك مالك أن يحدث به، روي عن عمر أن ابن أنس سأله عنه فقال: ليس من حديثي، قال: فقلت لجلسائه قد رواه عنه شعبة وهو يقول ليس من حديثي، فقالوا لي إن لم يرد الأخذ بالحديث يقول: ليس من حديثي، وإلى ما ذهب إليه مالك من أنه لا بأس بحلق الرأس وقص الأظفار والشارب وحلق العانة من عشر ذي الحجة ذهب أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي، فمرة قال: من أراد الضحية لم يمس في عشر ذي الحجة من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي، ومرة قال: أستحب ذلك، فإن فعل فلا بأس لحديث عائشة.
وقال الأوزاعي: إذا اشترى أضحية بعدما دخل العشر فإنه يكف عن ذلك حتى يضحي، وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس.
فيتحصل في المسألة أربعة أقوال.
أحدها: أنه يجب ترك ذلك في العشر على من يضحي إذا كان واجد الضحية وإن لم يشترها بعد.
والثاني: أن ذلك لا يجب عليه إلا بشرائها في عشر ذي الحجة منذ اشتراها، وإن اشتراها قبل ذي الحجة لم يكن به بأس.
والثالث: أن ذلك يجب عليه في العشر إن اشتراها قبله، وفي بقية إن اشتراها بعد إن مضى بعضه.
والرابع: قول مالك وأصحابه، أن ذلك لا يجب عليه بحال على حديث عائشة.. وذهب الطحاوي إلى أن حديث عائشة غير معارض لحديث أم سلمة؛ لأن المعنى في حديث عائشة أنه لم يحرم عليه شيء مما أحله الله من أهله حتى ينحر الهدي على ما جاء في بعض الآثار، وفي حديث أم سلمة المنع من حلق الشعر وقص الأظفار لمن أراد أن يضحي في العشر اشترى أضحية أو لم يشترها، وكان واجدا لها فيباح له في العشر الإلمام بأهله على حديث عائشة، ويمنع من حلق الشعر وقص الأظفار على حديث أم سلمة، هذا الذي ذهب إليه الطحاوي، وهو خلاف مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، وبالله التوفيق.
الطيب عند الإحرام
في الطيب عند الإحرام «قالت عائشة: طيبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ في حجه لحرمه ولحله» . قال محمد بن رشد: الحديث بهذا عن عائشة ثابت صحيح روى مالك في موطأه عنها قالت: «كنت أطيب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» وقد روي عنها في هذا الحديث زيادة تبين معناه، وهي أنها قالت: «طيبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فطاف على نسائه ثم أصبح محرما، وإذا كان على هذا بالغسل قد أتى على الطيب» .
وهذه مسألة قد اختلف فيها الصحابة ومن بعدهم من التابعين، فمنهم من أجاز للمحرم أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عليه بعد الإحرام، وأن يتطيب إذا رمى الجمرة قبل أن يطوف طواف الإفاضة، ومنهم من لم يجز ذلك، منهم عمر بن الخطاب جاء عنه أنه وجد ريح طيب من ذي الحليفة من معاوية بن أبي سفيان وابن كثير بن الصلت فتغيظ عليهما وأمرهما بغسل ذلك عنهما، وأنه قال بخطبته في عرفة في الحج: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، وإلى هذا ذهب مالك فلم يجز لأحد أن يتطيب قبل الإحرام بطيب يبقى عليه بعد الإحرام، ولا أن يطيب قبل طواف الإفاضة، وإن كان قد رمى الجمرة، إلا أنه لا يرى على من فعل ذلك الفدية، لما جاء في ذلك من الاختلاف وحصل بين العلماء من الصحابة ومن بعدهم، والله الموفق.
قول النبي عليه السلام في عمر بن الخطاب
في قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في عمر بن الخطاب وعنه أيضا عن نافع عن ابن عمر أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه» . قال محمد بن رشد: ويروى: «إن الله ضرب بالحق على قلب عمر ولسانه» والمعنى في ذلك سواء، وهو أنه كان يرى الرؤية بقلبه ويقوله بلسانه فيوافق فيه الحق، وقد نزل فيه القرآن، بموافقته في تحريم الخمر، وفي أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي مقام إبراهيم على ما جاء في ذلك كله، وكان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يظن الظن ما يكاد يخطئه، روي عن عبد الله بن
عمر أنه قال: قل ما يكون عمر يقول الشيء أظنه كذا إلا كان على ما ظن، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر من كثرة ما كان يصيب في قوله الحق، وقد توجد الزكانة والفطنة وإصابة الرأي في القول في كثير من الناس، وروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «كان فيما مضى محدثون يعني ملهمون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر» . فمن ذلك ما روي عنه أنه بعث بعثا أمر عليهم سارية بن زنيم - رجل من أصحابه -، فبينما عمر يخطب إذ صرخ ثلاث صرخات يقول: يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، قال فشنع ذلك، فلما سمع عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر فقال: كأنك أعرابي إذ صرخت ثلاث صرخات، بينما أنت تخطب يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم قال: وقع في روعي أنه ألجأه العدو إلى الجبل، قال: فلعل عبدا من عبيد الله يبلغه صوتي، قال فجاء سارية من الجبل فقال: نعم سمعت صوتا يوم الجمعة نصف النهار يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، وذكر أيضا أن سارية ابن زنيم لما قصد نساودرا بجرد وانتهى إلى عسكرهم نزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا وتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير، ورأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أربهم والمسلمين بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم، فإن أووا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قال: يا أيها الناس إني رأيت
هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، ثم قال يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضهم أن يبلغهم، ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الاستناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم الله فكتبوا بذلك وباستيلائهم على البلد إلى عمر، فنفذ الرسول عن عمر لأمره الذي أمره به فيما غنموه، وقد سألوه أهل المدينة عن سارية وعن الفتح وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟ فقال: نعم، سمعنا: يا سارية الجبل، وقد كدنا نهلك فألجأنا إليه، ففتح الله علينا.
ومن ذلك قوله: أدرك أهلك فقد احترقوا، وكان كما قال للذي سأله ما اسمك؟ فقال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار؟ قال: بأيتها؟ قال: بذات لظى.
وقد قيل إن قوله أدرك أهلك فقد احترقوا، من معنى ما روي عن ابن مسعود أنه قال: لا أقول لا أعبد هذا العود، إن البلاء موكل بالقول.
ما جاء عن عمر بن الخطاب في أن القبلة ما بين المشرق والمغرب
فيما جاء عن عمر بن الخطاب في أن
القبلة ما بين المشرق والمغرب وفيه أيضا عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه قبل البيت.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن القبلة إنما تتحرى فيما بين المشرق والمغرب، لا في المشرق ولا في المغرب، بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يستقبلن أحدكم القبلة لبول ولا لغائط، ولكن شرقوا أو غربوا» ، وإنما خوطب بهذا أهل المدينة، إذ تكون القبلة فيما بين
المشرق والمغرب، إلا لمن كان في الجنب والشمال، وأما إن كان في المشرق أو المغرب فقبلته في الجنوب والشمال، أي يتحرى القبلة فيما بينهما على ما ذكرناه، ومن كان فيما بين الشمال والمشرق أو فيما بين الجنوب والمغرب فإنما يتحرى القبلة فيما يقابله من الخط الذي يكون بين الشمال والمغرب، ومن كان فيما بين الجنوب والمشرق أو فيما بين الشمال والمغرب فإنما يتحرى القبلة فيما يقابله من الخط الذي يكون مما بين المغرب إلى الجنوب إلى ما بين المشرق والشمال.
وقد قال بعض الناس في تفسير قول عمر بن الخطاب: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه قبل البيت، وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ولكن شرقوا أو غربوا» هو أن ينظر الرجل إلى مطلع الشمس وإلى مغربها عند اعتدال الزمن حتى يستوي الليل والنهار، فينصب خطا من المشرق إلى المغرب، ثم يصلي الناس إلى ذلك الخط يتعاطونه من الجهتين، ولا يشرقوا ولا يغربوا، وهو خطأ ظاهر وغلط بين؛ لأن التوجه في الصلاة إنما يجب بنص القرآن إلى شطر المسجد الحرام، يتحرونه من كل جهة من الجهات الأربع، لا إلى الخط الذي يخرج من المشرق إلى المغرب، وقد قال بعض الناس: إن البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، قبلة لسائر الناس، وهذا أيضا ليس بصحيح، إذ لا يؤمر أحد أن يتوجه تلقاء الحرم، وإن بعد موضعه من مكة، إنما يؤمر أن يتوجه تلقاء بيت الله الحرام من مكة التي في داخل الحرم.
ووجه ما ذهب إليه قائل هذا القول: إن القبلة كلما بعدت اتسع الخطأ فيها، فيكون سبيل الذي يخرج في اجتهاده من أهل مكة عن استقبال شيء من المسجد كسبيل الذي يخرج في اجتهاده من سائر الناس عن استقبال
شيء من الحرم، وكسبيل الذي يخرج في اجتهاده من أهل الحرم عن استقبال شيء من مكة، وهذا لا معنى له، إذ لا يفترق في الحكم قلة الخطأ في ذلك من كثرته.
والخطأ في القبلة لا يخلو من أربعة أوجه.
أحدها: أن يكون الخطأ مما يرجع به من اجتهاد إلى اجتهاد..
والثاني: أن يكون مما يرجع فيه من يقين إلى يقين.
والثالث: أن يكون مما يرجع فيه من يقين إلى اجتهاد.
والرابع: أن يكون مما يرجع فيه من اجتهاد إلى يقين.
فأما ما يرجع فيه من اجتهاد إلى اجتهاد، مثل أن ينحرف الرجل عن القبلة من غير أن يشرق أو يغرب، فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره.
وأما ما يرجع فيه من يقين إلى يقين، مثل أن يصلي الرجل بمكة إلى غير القبلة، فعليه الإعادة في الوقت وبعده.
وأما ما يرجع فيه من يقين إلى اجتهاد، مثل أن يصلي الرجل مستدبر القبلة أو مشرقا أو مغربا، فهذا فيه قولان في المذهب، أحدهما أنه يعيد في الوقت، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، والثاني: الفرق بين أن يشرق أو يغرب أو يستدبر القبلة، فإن شرق أو غرب أعاد في الوقت، وإن استدبر القبلة أعاد بدءا، وهو قول المغيرة.
وجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك، أنه لما كان لا يرجع إلى يقين لم يجب عليه الإعادة إلا في الوقت.
ووجه قول المغيرة بالتفرقة بين الذي يصلي مستدبر القبلة وبين الذي يصلي مشرقا أو مغربا، أن الذي صلى مستدبر القبلة يعلم قطعا أنه صلى إلى غير القبلة، والذي صلى مشرقا أو مغربا يوقن أنه صلى إلى غير القبلة، ولا يعلم
ذلك قطعا، لقول عمر بن الخطاب: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه قبل البيت..
ولعمري من صلى عندنا مغربا ليعلم قطعا أنه صلى إلى غير القبلة، إذ يعلم أن القبلة عندنا ليست في الغرب، كما يعلم أنها ليست في الجوف.
وأما الوجه الرابع: وهو ما يرجع فيه من اجتهاد إلى يقين، مثل أن يصلي في البعد من مكة مجتهدا في القبلة، ثم يأتي مكة فيعلم فيها أن صلاته الأولى كانت إلى غير القبلة، فالحكم في ذلك عندي حكم من يرجع من يقين إلى اجتهاد، ولا أعلم في ذلك نصا، وقد قال بعض العلماء: إن القبلة يستدل عليها في كل بلد بأي جهة كان من الأرض، بأن يستقبل الرجل الشمس ويجعلها بين عينه إذا استوت الشمس في كبد السماء في أطول يوم من السنة؛ لأن الشمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مقابلة للبيت ومسامتة له، بدليل أنه لا فيء له، فإذا استقبل الناظر إليها فقد استقبل البيت، وهذا القول ظاهره الصحة، وليس بصحيح؛ لأن الشمس لا تستوي في كبد السماء في وقت واحد في البلد المتباين بالبعد الكثير، وبالله التوفيق.
الإهلال بالحج
ما جاء في الإهلال بالحج وعنه، عن نافع، عن أبي نعيم، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن» ، وقال: يهل أهل الحد من يلملم.
قال محمد بن رشد: ذو الحليفة مهل أهل المدينة على مقربة من
المدينة والجحفة مهل أهل الشام على بعد منها في الطريق من المدينة، وأما قرن ويلملم فليسا في طريق مكة من المدينة، وكذلك ذات عرق التي وقتها عمر بن الخطاب لأهل العراق فمن مر من أهل الشام ومن وراءهم من المغرب على المدينة كان له أن يؤخر إحرامه إلى مهله الجحفة، والفضل له أن يحرم من ميقات النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذي الحليفة، ومن مر من أهل العراق وأهل نجد أو أهل اليمن بالمدينة فعليه أن يحرم من ذي الحليفة مهل أهل المدينة، إذ لا يمر واحد منهم بطريقه على مهله وإنما يمر على الجحفة وليست بميقات له، وإنما هي ميقات لأهل الشام، وهذا بين في المدونة وغيرها، فكل من مر بميقات ليس هو له بميقات فعليه أن يحرم منه واجبا إلا أهل الشام إذا مروا بذي الحليفة عليهم أن يحرموا منه لأن ميقاتهم أمامهم، ومن لم يمر بميقات من المواقيت في طريقه فعليه أن يحرم إذا حاذى الميقات.
واختلف فيمن كان في البحر، فقيل إنه يحرم فيه إذا حاذى الميقات، وقيل لا يحرم حتى يخرج منه لقول الله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27] وهو قول مالك في رواية علي بن زياد، وبالله التوفيق.
صيام عاشوراء
ما جاء في صيام عاشوراء وعنه أيضا عن نافع عن أبي نعيم عن نافع مولى ابن عمر ذكر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صيام يوم عاشوراء فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «كان يوم عاشوراء يوما تصومه الجاهلية فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطر» .
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا الحديث - والله أعلم - أنه كان بعد أن فرض رمضان لأن صومه كان واجبا قبل أن يفرض صوم رمضان، بدليل ما جاء عن عائشة في حديث الموطأ من قولها: «كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه؛» لأن في قولها فلما فرض رمضان كان هو الفريضة دليل ظاهر على أنه كان هو الفريضة قبل أن يفرض رمضان، وقد دل على هذا أيضا ما روي «عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه قال: غدونا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صبيحة عاشوراء وقد تغدينا، فقال: أصمتم هذا اليوم؟ فقلنا: قد تغدينا، قال: فأتموا بقية يومكم» وروي «عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر يوم عاشوراء فعظم فيه، ثم قال لمن حوله: " من كان لم يطعم منكم فليصم يومه هذا، ومن كان قد طعم فليصم بقية يومه» ؛ لأن هذا هو حكم الفرض لا حكم التطوع، إذ لا يصح صيام التطوع لمن لم يبيته، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . وقد روي عن ابن عباس ما دل على أن صومه لم يكن إلا للشكر لا للفرض، قال: «لما قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا اليوم أظهر الله عز وجل فيه موسى على فرعون، فقال: أنتم أولى بموسى منهم فصوموه» فجمع الطحاوي بين الحديثين بأن قال: يحتمل أن يكون رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب صيامه بعد أن لم يكن واجبا.
وما في الحديثين من التعليل يبعد الجمع بينهما على هذا، فالأولى أن يتأول على ما في حديث ابن عباس من قوله: فصوموه على أنه أراد: فصوموه واجبا كما كنتم تصومونه في الجاهلية.
ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم، وقد قيل فيه: إنه التاسع بدليل ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لئن عشت إلى العام المقبل لأصومن عاشوراء يوم التاسع» ، وهذا الدليل يضعف بما في رواية آخر لهذا الحديث «لئن أعشت، إلى قابل لأصومن يوم التاسع» يعني عاشوراء لأنه يحتمل لأصومن التاسع مع العاشر كيلا أقصد إلى صيامه بعينه دون أن أخلطه بغيره كما يفعله اليهود، بدليل ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في يوم عاشوراء: «صوموه وصوموا قبله يوما وبعده يوما ولا تشبهوا باليهود» ، وبالله تعالى التوفيق
ما جاء في ليلة القدر
فيما جاء في ليلة القدر وعنه أيضا عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: «أري ناس من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان، فقال: " إني أرى رؤياكم، قد تواطأت على السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» . قال محمد بن رشد: ليلة القدر هي الليلة المباركة التي ذكر الله أنه أنزل فيها الكتاب المبين، وأنه يفرق فيها كل أمر حكيم وأنها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] وأن الملائكة تتنزل فيها بكل أمر، وأنها سلام حتى مطلع الفجر، وفي تأويل ذلك خلاف.
واختلف أيضا هل كانت في حياة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثم رفعت، أو هي باقية لأمته إلى يوم القيامة؟ وهو الصحيح من الأقوال، وهل هي في العام كله أو في شهر منه؟ وهو رمضان منه أو في العشر الأواخر منه أو في العشر الوسط أو العشر الأواخر؟ وهل هي في ليلة بعينها لا تنتقل عنها؟ واختلف على هذا في تعيينها على اختلاف ظواهر الآثار في ذلك، وقد ذكرنا بيان هذا كله مستوفى في كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
إرداف الحج على العمرة
في إرداف الحج على العمرة وعنه أيضا عن نافع عن ابن أبي نعيم عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنه خرج فأهل بالعمرة من الشجرة ثم صار حتى ظهر على البيداء فقال: ما شاء الله إن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أني أوجبت الحج مع العمرة.
قال محمد بن رشد: إحرام ابن عمر هذا كان في الفتنة وهو يخشى أن يصد عن البيت فأحرم بعمرة من أجل أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان معتمرا إذ صده المشركون وقال: إن صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين صد عن البيت على ما جاء عنه في غير هذا الحديث.
وقوله في هذا الحديث حين ظهر على البيداء: ما شاء الله معناه ما شاء الله أن يكون كان من الوصول إلى مكة والصدود عنها.
وقوله إن الحج والعمرة إلا وحدا معناه إن الحكم في الصدود عن البيت في الحج والعمرة سواء في أن يحل المصدود منها في الموضع الذي صد فيه على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله أشهدكم أني أوجبت الحج والعمرة دليل بين على أن القران أفضل عنده من التمتع لأنه لم ينتقل من التمتع إلى القران إلا ابتغاء الفضل في ذلك.
وقد اختلف في الإفراد والتمتع والقران أن أيهم أفضل على اختلافهم في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل كان في حجة الوداع مفردا أو قارنا أو متمتعا؟ فمن صح عنده أنه كان مفردا رأى الإفراد أفضل وهو مذهب مالك، ومن صح عنده أنه كان قارنا رأى القران أفضل، ومن صح عنده أنه كان متمتعا رأى التمتع أفضل.
ومن أهل العلم من رأى الإفراد أفضل ثم التمتع لأن الله تعالى أباحه في القران، ثم القران، ومنهم من لم يفضل شيئا من ذلك على شيء منها؛ لأن الله تعالى قد أباحها كلها وأذن فيها ورضيها.
وإرداف ابن عمر الحج على العمرة التي كان قد أحرم بها قبل أن يعمل منها شيئا أمر متفق عليه من فقهاء الأمصار، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه أن المحرم بالعمرة له أن يردف الحج ما لم يطف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإن أردف الحج على العمرة قبل أن يتم الطواف بالبيت فهو قرن، واختلف بالتأويل على ما في المدونة إن أردفه عليها بعد أن يكمل الطواف بالبيت قبل أن يركع، وأما إن أردفه عليها بعد أن ركع وشرع في السعي أو قبل أن يشرع فيه فليس بقارن يمضي على سعيه ويحل ثم يستأنف الحج، وأما إن أردفه بعد أن أكمل السعي قبل أن يحلق فيلزمه الحج وليس بقارن ويكون عليه دم لتأخير الحلاق ولا يرتدف الحج على الحج ولا العمرة على العمرة ولا الحج على العمرة.
وقال أبو ثور: إذا أحرم لحجة فليس له أن يضم إليها عمرة، وكذلك إذا أحرم بعمرة فليس له أن يدخل عليها حجة ولا يدخل إحراما على إحرام، كما لا يدخل صلاة على صلاة، وما روي في السنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
من قوله لمن كان أحرم بالعمرة من أصحابه: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» يرد قوله، والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.
الاعتكاف في رمضان وتحري ليلة القدر
في الاعتكاف في رمضان وتحري ليلة القدر وعنه أيضا عن نافع بن أبي نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: «اعتكف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العشر الوسط من رمضان فلما كانت ليلة إحدى وعشرين قال: من اعتكف معي فليعتكف هذه العشر الأواخر فإني رأيت ليلة القدر فأنسيتها ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين» . قال محمد بن رشد: وقع في حديث أبي سعيد هذا في الموطأ «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعتكف في العشر الوسط من رمضان» . وقوله كان يعتكف يدل على أن ذلك كان فعله الذي يواظب عليه، وفي ذلك دليل على أن ليلة القدر قد يكون فيها وفيه زيادة أيضا، «قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى جبينه أثر الماء والطين من صبح ليلة القدر ليلة أحد وعشرين من رمضان» فتبين من هذا أن ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين من رمضان وفي «أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعبد الله بن أنيس الجهني أن ينزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان» على ما وقع من ذلك في الموطأ دليل على أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، فمن الناس من ذهب إلى أن ليلة القدر لا تنتقل، فحمل ذلك على التعارض وصحح أحد الحديثين ورآه أولى من الآخر، ومنهم من ذهب إلى أنها تنتقل فقال: كانت في العام الواحد ليلة إحدى وعشرين، وفي العام الثاني آخر ليلة ثلاث وعشرين، وفي عام آخر ليلة سبع وعشرين، على حديث أبي بن كعب
ومعاوية وهو الصحيح في النظر؛ لأنها كلها أحاديث صحاح فلا يصح أن يحمل التعارض والجمع بينها بالتأويل محتمل ظاهر بين، والله الموفق.
قضاء الحاج بالليل ما فاته بالنهار
في قضاء الحاج بالليل ما فاته بالنهار
قال مالك: بلغني أن ابن عمر أمر بعض أهله أن يقضوا ما فاتهم بالنهار بالليل ولم يبلغني أن يهرقوا دما.
قال محمد بن رشد: بعض أهله الذين أمرهم أن يقضوا ما فاتهم بالليل هما صفية بنت أبي عبيد زوجته وبنت أخ لها والتي فاتها رمي جمرة العقبة، يبين هذا الحديث الموطأ رواه مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن بنت أخ لصفية بنت عبيد نفست فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن يرميا الجمرة حين أتتا، ولم ير عليهما شيئا، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ، واختلف قوله في ذلك في المدونة، فمرة قال في ذلك بالدم، ومرة لم يقل فيه دما وكذلك من ترك رمي جمرة من الجمار الثلاث حتى غربت الشمس اختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، مرة رآه عليه ومرة لم يره.
وأما من ترك رمي جمرة من الجمار حتى ذهبت أيام منى وفات الرمي فلم يختلف قوله في وجوب الدم، واستحب لمن ترك جمرة العقبة أو رمي يوم من أيام أن يهدي بدنة، فإن ترك جمرتين من يوم من أيام منى فليهد بقرة، وإن لم يترك إلا جمرة واحدة فشاة، والشاة تجزيه في ذلك كله في باب الإجزى، وبالله التوفيق.
فضل هشام بن حكيم وقول عمر فيه
ومن كتاب أوله [الشجرة] تطعم بطنين في السنة
في فضل هشام بن حكيم وقول عمر فيه وحدثني مالك عن هشام بن حكيم بن حزام ومثل ما حدثني به أولا، قال: كان عمر بن الخطاب إذا سئل الأمر الذي لا ينبغي يقول أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك، وقال هشام لبعض أمراء الشام ورأى نبطا قد أقيموا في الشمس لخراجهم فقال لهم: أشهد أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا» ، وكان هشام رجلا قد تبتل وترك نكاح النساء، وكان في حاله شبيها بالسياحة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا الإخبار بين لا وجه للقول فيه وكفى منه قول الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] الآية فوصفهم الله في التوراة لموسى بن عمران بما وصفهم به من السيماء التي في وجوههم من السجود، ووصفهم في الإنجيل لعيسى بأنهم كزرع أخرج شطأه أي فراخه يقال منه أشطأ الزرع إذا أفرخ يشطي فهو أشطأ وقرأ ابن كثير شطأه بفتح الطاء، وهما لغتان، وإنما مثلهم عز وجل بالزرع المشطأ لأنهم أبتداوا في الدخول في الإسلام وهم عدد قليلون ثم جعلوا يتزايدون ويدخل فيه الجماعة بعدهم ثم الجماعة بعد الجماعة حتى كثر عددهم كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي وقوله: فآزره يقول فقواه أي قوى الزرع شطئه، ويقرأ فأزره بالقصر وهو في القراءتين جميعا من المؤازرة وهي المعاقدة، فاستغلظ يقول فغلظ الزرع، فاستوى على سوقه، والسوق جمع ساق، وساق الزرع والشجر حامله، وقوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] معناه يعجب زراع هذا الزرع لتمامه وحسن نباته، وكذلك محمد