البيان والتحصيلصفحات 280-319
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب جامع البيوع الأول

صفحات 280-319
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه إن استوضع وهو مغتبط ببيعته، حلت له الوضعية، ورأى ترك ذلك أحسن؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعمر بن الخطاب: «إن خيرا لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا» ، وقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» . ولم ير عليه فيه حرجا، ولا إثما، ولا ضيقا إن فعله، إذ لم يره من ناحية المسألة المنهي عنها؛ لما مضى من أمر الناس على هذا، واستجازتهم له؛ ولما أشبه ذلك من استعارة الدابة والثوب، ما لم يلح ويتضرع ويتبكى، فإن ذلك مكروه لا ينبغي؛ قال ذلك في سماع أشهب، وهو صحيح؛ لأنه إذا فعل ذلك، أشبه ألا يضع عنه طيب النفس، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ، قال: وأما إن قال: إن لم تضع لي خاصمتك، فلا خير فيه؛ وهذا بين أن ذلك لا يحل له، ولا يجوز؛ لأنه يضع عنه مخافة مخاصمته إياه؛ فإن فعل ذلك وجب عليه أن يرد وضيعته إليه، أو يستحله منها، أو يكافئه عليها، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد أراد رجل شراءه ليعتقه تطوعا فأبى سيده

مسألة وسئل عن عبد أراد رجل شراءه ليعتقه تطوعا، فأبى سيده أن ينقصه من خمسين، وأبى المشتري أن يعطيه إلا أربعين؛ فقال العبد للسيد بغير حضرة المشتري، ولا أعلم به لسيده: بعني ولا

تمنعني العتق، وأنا أشهد ذلك بأني أعطيك عشرة دنانير دينا لك علي؛ فأشهد على العبد بذلك، ثم باعه من الذي عتقه بأربعين دينارا؛ وأعتقه، فعلم المشتري بذلك فأنكر عليه؛ فقال: ما أرى ما صنع جائزا، قلت له: أفترى أن يتبع العبد بالعشرة دينا، قال: لا شيء له على العبد، ويسقط عنه؛ فإذا كان ذلك بإذن المشتري وبعلمه، لزمته العشرة.
قال محمد بن رشد: أوجب على العبد لسيده ما أشهد له به على نفسه على أن يبيعه ممن يعتقه، وجعل ذلك دينا ثابتا له عليه يتبعه به إن علم بذلك المشتري، كدين ثبت له في ذمته قبل البيع؛ فقوله: إنه يسقط عنه إن لم يعلم به المشتري، هو مثل ما في رسم لم يدرك من سماع عيسى، من كتاب العيوب؛ وعلى هذا الأصل يأتي قول أصبغ في نوازله، في مسألة المجرى، وهو خلاف ما في كتاب الكفالة من المدونة في الذي يبيع عبده، وله عليه دين لم يعلم به المشتري؛ أنه لا يسقط عنه، ويكون عيبا به إن شاء أمسك، وإن شاء رد، وقد قال ابن القاسم في العشرة: إن العهدة تسقط عن الغلام، علم المشتري أو لم يعلم؛ ويكون البيع فاسدا يفسخ إن كان باع لغير عتق، إلا أن يموت فيرد إلى القيمة، يريد إن علم المشتري واشترى على هذا؛ وأما إن لم يعلم، فلا وجه لفساد البيع؛ وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، من كتاب العيوب.

مسألة: يبتاع الطعام إلى أجل فيأتيه فيقتضي منه نصفه ويبقى نصفه

مسألة وسئل عن الرجل يبتاع من الرجل الطعام إلى أجل، فيأتيه

عند الأجل، فيقتضي منه نصفه، ويبقى نصفه، ثم يأتي بعد ذلك فيطلبه ببقية حقه، فيقول له: ما عندي قضاؤك، ولكن إن أحببت أن ترد إلي ما أعطيتك، وأرد ذهبك إليك فعلت، فقال: لا خير فيه، وقال: أكرهه؛ وسمعته قبل ذلك يقول: إن كان الذي اقتضى منه يسيرا مما له عليه، لم أر بذلك بأسا أن يرده، ويأخذ رأس ماله.
قال محمد بن رشد: قوله: يبتاع من الرجل الطعام إلى أجل، يريد يسلم في الطعام إلى أجل، ويدخل المسألة إذا تقايلا في الجميع بعد أن قبض منه بعض الطعام بمجموع البيع والإقالة: أسلفني وأسلفك؛ لأن الأمر آل بينهما إلى أن دفع المسلم إلى المسلم إليه ذهبا، فرد إليه مثله بعد قبضه وانتفع به؛ ودفع المسلم إليه إلى المسلم طعاما، فرد مثله إليه بعد أن قبضه، وغاب عليه، وانتفع به؛ فاتهمهما على القصد إلى ذلك في الكثير، واستخفه في اليسير؛ لبعد التهمة عنده في ذلك؛ ولو أقاله مما بقي؛ لما جاز في القليل ولا في الكثير؛ لأنه يدخله البيع والسلف؛ فالمكروه فيه أشد؛ لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن بيع وسلف، وقد مضت هذه المسألة متكررة في كتاب السلم والآجال، في رسم الحجرة، ورسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

اشترى بدينار قمحا فاكتال نصفه ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتا

ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته وسئل مالك عمن اشترى بدينار قمحا، فاكتال نصفه، ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتا أو عدسا؛ فقال: لا خير في هذا، قال ابن القاسم: لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ قال مالك: وإن كان شعيرا، فأخذ مثل كيله، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه إذا أخذ فيما بقي له من القمح زيتا أو عدسا، فقد باعه بذلك قبل أن يستوفيه، وقد مضى القول على هذا المعنى، في آخر رسم شك في طوافه مستوفى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: الفول والعدس والحمص وحكم التفاضل بينهما

مسألة قال مالك في الفول والعدس والحمص مثل ما قال في عام الأول، لا يصلح الفضل بينهما؛ وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: لا بأس به، وبه قال أصحاب مالك كلهم.
قال محمد بن رشد: ذهب ابن القاسم، وسائر أصحاب مالك إلى أن القطاني في البيع أصناف مختلفة، واختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها أصناف مختلفة.
والثاني: أنها صنف واحد، والقولان له في الزكاة الأول من المدونة نصا، ويقومان من هاهنا بدليل.

والقول الثالث: أن ما كان منها لا يشبه بعضه بعضا، يريد في المنفعة كالحمص والفول والترمس والكرسنة، فهي أصناف مختلفة، يجوز التفاضل فيها؛ وما كان منها يشبه بعضه بعضا كالحمص والعدس، فهو صنف واحد، وهو قوله في أول رسم من سماع أشهب، ولم يختلف قوله فيها في الزكاة أنها صنف واحد؛ وقد مضت هذه المسألة متكررة في كتاب السلم والآجال، في هذا الرسم بعينه، ومضى القول عليها هناك مستوفى.

مسألة: يأتي إلى الحائك فيجد عنده ثوبا قد نسج جله وبقي بعضه فيشتريه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يأتي إلى الحائك فيجد عنده ثوبا قد نسج جله، وبقي بعضه، فيشتريه منه وينقده ثمن الثوب حتى ينسج الثوب؛ قال: لا خير فيه؛ لأن الثوب يختلف نسجه يكون آخره شراء من أوله، ولا أحبه؛ قال سحنون: هذه جيدة، فقس عليها ما ورد عليك.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز هذا من أجل أنه اشترى بقية الثوب على أن ينسجه البائع، فصار بيعا وإجارة في نفس الشيء المبيع، والبيع والإجار في نفس الشيء المبيع؛ إنما يجوز على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فيما يعرف وجه خروجه، كالقمح على أن على البائع طحينه، والثوب على أن على البائع خياطته استحسانا أيضا على غير قياس؛ أو فيما لا يعرف وجه خروجه إلا أنه يمكن إعادته إلى العمل حتى يأتي على الصفة، كالفضة على أن على البائع صياغتها، أو الصفر على أن على البائع أن يعمل منه أقداحا صفة، وما أشبه ذلك؛ وأما ما لا يدرى وجه خروجه، ولا يمكن إعادته إلى العمل، إن خرج على غير الصفة، كالغزل

على أن على البائع حياكته؛ والزيتون على أن على البائع عصره، فلا يجوز على حال؛ وسحنون: لا يجيز البيع والإجارة في نفس الشيء المبيع شيء من الأشياء، كان مما يعرف وجه خروجه أو لا يعرف؛ ولذلك قال في هذه المسألة: إنها جيدة، فقس عليها ما ورد عليك، ولا حجة له فيها من قول مالك؛ لأنه قد بين العلة فقال: لأن الثوب مختلف نسجه، يكون آخره شرا من أوله؛ فلو كانت الإجارة فيما لا يختلف، ويعرف وجه خروجه؛ لجاز ذلك على تعليله، خلاف مذهب سحنون.

مسألة: يبيع كرمه ويستثني منه أسلالا أقل من الثلث

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبيع كرمه، ويستثني منه أسلالا أقل من الثلث، فينفد الكرم قبل أن يستوفي الأسلال، قال: يتراضيان على ما بقي من الأسلال؛ فقيل له: أفيأخذ مكان أسلاله من غير كرمه؟ قال: نعم.
قال ابن القاسم: ويتعجل السلال إذا تحول إليها، ولا يؤخرها ولا يأخذ إلا مثلها في قدرها؛ لأنه إذا أخرها كان دينا بدين.
قال محمد بن رشد: اختلف في المستثنى، هل هو مبقى على ملك للبائع، أو هو بمنزلة المشتري؟ وجواب مالك في هذه المسألة على أنه مبقى على ملك البائع، وعلى أن عنب الكرم نفذ ببيع المبتاع له؛ فصار المبتاع قد تعدى على البائع في السلال التي استثناها عليه، فأبقاها لنفسه على ملكه، فباعها في جملة ما باع من عنب الكرم؛ فوجب

أن يكون البائع مخيرا بين أن يأخذ منه مثل السلال، أو الثمن الذي باعها به؛ فإن رضي أن يأخذ السلال، لم يجز أن يؤخره بها؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، من أجل أنه قد كان له أن يأخذ منه الثمن، ففسخه في السلال إلى أجل، ولو كان عنب الكرم إنما نفد بالأكل والإعطاء؛ لما وجب للبائع على المبتاع إلا بمثل السلال التي استثنى عليه، ولجاز له أن يؤخره بها؛ لأنه إنما له عليه سلال، فجاز أن يؤخره بها، إلا أن يكون الإبان قد خرج، فلا يجوز أن يؤخره بالسلال إلى عام قابل؛ لأن القيمة قد وجبت له في السلال لخروج الإبان، فيكون إذا فعل ذلك قد فسخ القيمة التي وجبت له في سلال إلى عام قابل، وذلك ما لا يحل ولا يجوز، وقوله: يتراضيان على ما بقي من السلال، يريد بما يجوز بينهما في ذلك من دنانير أو دراهم، بعد معرفة مبلغ ما يجب له من الثمن، أو عروض، أو طعام من غير صنف العنب؛ يعجل ذلك كله، ولا يؤخر شيئا منه؛ فإن تراضيا على عنب مخالف له أرفع أو أدنى، لم يجز إلا مثل السلال نقدا؛ لأنه إن أخره بها، كان العنب بالعنب إلى أجل؛ وأما على القول بأن المستثنى بمنزلة المشترى، وأن البائع كأنه قد باع الكرم بما سمي من الثمن، وبالأسلال التي استثنى منه.
فإذا نفد عنب الكرم قبل أن يستوفي البائع الأسلال التي استثنى، فالواجب للبائع أن يرجع على المبتاع بقدر ما استثنى من قيمة الكرم؛ لأن الأسلال التي لم يستوفها البائع، كعرض من الثمن استحق فرجع بقدره من الثمن في عين الكرم الذي باع إن كان قائما، أو في قيمته إن كان فائتا، وجائز أن يأخذ بذلك من المبتاع ما تراضيا عليه من قليل الأسلال وكثيرها، وجميع الطعام والعروض، وأن يأخذ دراهم من دنانير إذا كان ذلك كله معجلا؛ لأن البيع قد انفسخ في مقدار السلال؛

فجاز أن يأخذ بما وجب له به الرجوع ما شاء من ذلك كله نقدا، كمن وجب له على رجل ذهب فأخذ به ورقا أو طعاما أو عرضا، وقد روي الحديث عن ابن القاسم أنه لا يأخذ مكان أسلاله أسلالا من غير كرمه؛ ولا وجه يمنع من ذلك إذا تعجلها وكانت مثلها، فلعل معنى الرواية إذا لم يتعجلها.

مسألة: يشتري من الرجل طعاما جزافا أو كيلا أو غيره

مسألة قال: وسئل مالك عن الرجل يشتري من الرجل طعاما جزافا أو كيلا أو غيره، فيجد في أسفله مخالفا لأوله، قال مالك: إن أحب أن يأخذه كله أخذه، وإن أبى رده كله؛ إلا أن يشاء البائع أن يسلم إليه ما وجد فيه من طيب إن أحب ذلك المبتاع، وإلا لم يلزمه إذا وجد في أسفله مخالفا لأوله، فقلت له: يا أبا عبد الله، ألا يلزمه أن يأخذ ما وجد من طيب بسعر ما ابتاع، ويوضع عنه ما وجد من القمح مخالفا؛ قال: لا، إلا أن يشاء، هما في ذلك بالخيار؛ وسواء إن رضي هذا أن يعطي، لم يكن ذلك له إلا أن يرضى المبتاع أن يأخذ؛ وإن رضي المبتاع أن يأخذ، لم يكن له ذلك، إلا أن يرضى البائع أن يأخذه؛ قال سحنون: وإنما هذا إذا أصاب العيب بجله، وأما الشيء اليسير فذلك يلزمه بحسابه.
قال محمد بن رشد: قوله: طعاما جزافا أو كيلا أو غيره، فيه تقديم وتأخير؛ ووجه الكلام: وسئل عن الذي يشتري من الرجل طعاما أو غيره

جزافا أو كيلا، ويريد بغيره ما عدا الطعام مما يكال أو يوزن كالحنك، والعصفر والكتم، وشبه ذلك؛ لأن له حكم الطعام فيما يوجد فيه من العيب ببعضه.
وقوله: إنه إذا وجد في أسفله مخالفا لأوله، أنه يأخذه كله أو يرده كله؛ يريد وليس له أن يرد المعيب ويمسك السالم بحصته من الثمن، هو نص ما في المدونة من أن البائع إنما باع على أن يحمل بعضه بعضا؛ لأن السالم يحمل المعيب، وقوله: إلا أن يشاء البائع أن يسلم إليه ما وجد فيه من طيب، فيكون ذلك له إن أحب المبتاع، وإلا لم يلزمه؛ معناه إذا كان المعيب الثلث فأكثر؛ لأن مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، أن استحقاق ثلث الطعام والمكيل والموزون من العروض، يوجب للمشتري رد الجميع، بخلاف العبيد والعروض.
فقول سحنون: وإنما هذا إذا أصاب العيب بجله إلى آخر قوله، خلاف لقول مالك على مذهب أشهب في مساواته بين العبيد والعروض والطعام في الاستحقاق؛ فلا يجب للمبتاع رد الباقي، إلا أن يكون المستحق أكثر من النصف وهو الجل؛ فإذا كان المعيب من الطعام الثلث أو النصف، فأراد البائع أن يلزم المبتاع السالم بحصته من الثمن، لم يكن ذلك له على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ وكان ذلك له على مذهب أشهب، وإليه ذهب سحنون، فالخلاف الموجود في الطعام، وما كان في معناه من المكيل والموزون من العروض، ينقسم على خمسة أقسام: أحدها: أن يكون مما لا ينفك منه الطعام كالفساد اليسير في قيعان الأهراء والبيوت.
والثاني: أن يكون مما ينفك منه الطعام، إلا أنه يسير لا خطب له.
والثالث: أن يكون مثل الخمس والربع، ونحو ذلك.
والرابع: أن يكون مثل الثلث والنصف.
والخامس: أن يكون أكثر من النصف وهو الجل، فأما إذا كان الفساد والخلاف الموجود فيه مما لا ينفك منه الطعام لجري العادة، فهو للمشتري لازم، ولا كلام له فيه؛ وأما إذا كان مما ينفك منه الطعام، إلا أن 189 يكون يسيرا لا خطب له؛ فإن أراد

البائع أن يلزم المعيب، ويلزم المشتري السالم بما ينوبه من الثمن، كان ذلك له بلا خلاف؛ وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم، ويرد المعيب بحصته من الثمن، لم يكن ذلك له على ما في المدونة وظاهر هذه الرواية، وروى يحيى، عن ابن القاسم: أن ذلك له.
وأما إن كان مثل الربع والخمس، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن، ويسترد المعيب، كان ذلك له بلا خلاف؛ إذ لا اختلاف في أن استحقاق ربع الطعام أو خمسه، لا يوجب للمبتاع رد الباقي؛ وإن أراد المبتاع أن يرد المعيب، ويلتزم السالم بحصته من الثمن، لم يكن ذلك له بلا خلاف أيضا.
وأما إن كان الثلث أو النصف، فأراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن، لم يكن ذلك له على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك؛ وكان ذلك له على مذهب أشهب، واختيار سحنون، ولم يكن للمبتاع أن يلزم السالم، ويرد المعيب بحصته من الثمن، وأما إن كان الجل وأكثر من النصف، فلا اختلاف في أنه ليس للبائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن، ولا للمبتاع أن يرد المعيب بحصته من الثمن؛ وهذا الذي ذكرناه من أن استحقاق الثلث من المكيل والموزون من العروض يوجب للمبتاع رد الجميع بمنزلة الطعام؛ هو ظاهر هذه الرواية على ما بيناه، بما وقع فيها من التقديم والتأخير، وبدليل أن حكم المكيل والموزون من العروض حكم غير الموزون منها، لا يوجب للمبتاع رد الباقي، إلا أن يستحق الجل.

مسألة: باع نخلا وله شرب في ماء ولم يبين

مسألة وسئل عن رجل باع نخلا وله شرب في ماء، ولم يبين

ما هو من ذلك الماء أسدسه أم خمسه أم ربعه؟ قال: ما أرى إلا أن يفسخ، وأرى هذا غير جائز؛ وربما كان من ذلك الماء الذي لا يكون فيه ري النخل، فأرى أن يفسخ؛ فقيل له: إن الرجل قد حلف بعتق ما يملك ألا يقيله، أفترى له أن يقيله إذا تبين له أن هذا مفسوخ، وقد دخل فيما لا ينبغي له من أمر فساد البيع، ورأى أن فساده يخرجه من يمينه، قال: لا، ولكن يرفع إلى السلطان؛ قال ابن القاسم: يعني بذلك حتى يكون السلطان هو الذي يفسخه، ثم لا يكون على الحالف في يمينه شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: ولم يبين ما هو، يدل على أنه علم ما هو، فكتم ذلك عن المشتري، ولم يعلمه به، فاشترى على جهل؛ وإذا كان الأمر على هذا، فليس ببيع فاسد؛ لأن البيع إنما يكون فاسدا إذا جهل المتبايعان جميعا، وأما إذا علم أحدهما وجهل الآخر، فالحكم فيه أن يكون الذي جهل بالخيار إذ علم بين أن يتمسك بالبيع أو يرده.
فقول مالك: ما أرى إلا أن يفسخ وأرى هذا غير جائز؛ معناه إذا لم يرض المشتري بالشراء بعدما يعلم ما للنخل من الماء، ولو ادعى البائع أنه أعلمه بمالها من الماء، أو أنه كان عالما بذلك دون أن يعلمه؛ فقال المبتاع: لم أعلم، ولا أعلمتني، وإنما اشتريت على جهل بذلك؛ لكان القول قول المبتاع مع يمينه أنه ما علم ولا أعلمه، ولا اشترى إلا على جهل بمبلغ مالها من الماء، فإن حلف على ذلك كان له الرد؛ ولو قال المبتاع: لم أعلم، ولا

أعلمتني، ولا علمت أيضا أنت، وإنما وقع شرائي على الجهل مني ومنك؛ لكان القول قول البائع؛ لأنه يدعي صحة، والمبتاع يدعي فسادا، وسيأتي هذا المعنى في رسم أوصى، من سماع عيسى، فيستوفى القول فيه إن شاء الله تعالى.
ولو سكتا عن الشرب فلم يذكراه، وهما عالمان بمبلغه؛ لكان داخلا في البيع، وسيأتي هذا المعنى في أول سماع أشهب، وقوله: إنه إذا حلف ألا يقيله، يحنث إن أقاله بعد أن علم ما يجب له من فسخ البيع صحيح؛ لأن الفسخ إقالة في المعنى؛ فإذا فاسخه في البيع باختياره دون حكم حاكم، وجب أن يحنث؛ ولو قيل: إنه يحنث، وإن قضى له عليه السلطان بالفسخ على القول بأن من حلف ألا يفعل فعلا، فقضى به عليه السلطان أنه حانث؛ لكان قولا، وقد مضى هذا في غير ما موضع، من سماع ابن القاسم وغيره، من كتاب الأيمان بالطلاق وغيره.

يشتري الطعام المضمون إلى يومين يوفيه إياه

ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن الرجل يشتري الطعام المضمون إلى يومين يوفيه إياه، قال: لا بأس به؛ قال ابن القاسم: قد كان كرهه قبل ذلك غير مرة، وقال: لا خير فيه حتى يكون إلى أجل، يريد ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه كرهه حتى يكون إلى زمن ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال ابن القاسم: وهو قول مالك الأول، وهو أحب ما فيه إلي.
قال محمد بن رشد: قد اختلف قول سعيد بن المسيب في هذا أيضا، فحكى ابن حبيب عنه إجازة السلم إلى الثلاثة الأيام والأربعة

والخمسة، خلاف قوله هاهنا، وفي المدونة وأجازه ابن عبد الحكم إلى اليوم؛ وإلا شبه ما اختاره ابن القاسم من أن ذلك لا يجوز إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض؛ لأن الأجل القريب يشبه السلم الحال الذي لا يجوز، من أجل أن المسلم كأنه دفع إلى المسلم إليه دنانير على أن يشتري له بها سلعة كذا، على أن له ما زاد، وعليه ما نقص، فدخله الغرر والخطر، ووجه إجازته التعلق بظاهر قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سلموا في كيل معلوم إلى أجل معلوم» ، فأجاز السلم إلى أجل معلوم، ولم يخص قريبا من بعيد، فإن وقع السلم إلى الأجل القريب، فسخ على ظاهر قول ابن القاسم هنا وفي المدونة، وقال ابن حبيب: لا يفسخ إذا أوقع مراعاة للاختلاف، وقد وقع في رسم المكاتب، من سماع عيسى، من كتاب السلم والآجال، مسألة كان الشيوخ يقيمون منها إجازة السلم الحال إذا وقع، وليس ذلك بصحيح على ما بيناه هناك، فلا وجه لإعادته.

مسألة: باع جارية من رجل بشرط ألا يخرج بها من المدينة

مسألة وسئل مالك عن رجل باع جارية من رجل بشرط ألا يخرج بها من المدينة، فعلم مكروهه؛ فقال البائع للمبتاع: أنا أضع عنك الشرط، وألزمك البيع، أترى ذلك لازما للمشتري؟ قال: ما أرى ذلك، قال ابن القاسم: وأرى بأن يلزم المشتري البيع.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب في هذه المسألة، وقد مضى تحصيل القول فيها في رسم القبلة، فلا معنى لإعادته.

مسألة: أجر الكيالين أيؤخذ ذلك من المشتري

مسألة وسئل مالك عن أجر الكيالين، أترى أن يؤخذ ذلك من المشتري؟ قال: إن الصواب والذي يقع في قلبي أن يكون على البائع، وذلك أن المشتري لو لم يجد أحدا يكيل له، كان على البائع أن يكيل، وقد قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] فكان يوسف هو الذي يكيل.
قال محمد بن رشد: هذا هو المعلوم من قول مالك الذي عليه أصحابه، أن البائع هو الذي يلزم أن يكيل للمبتاع ما باع منه، وأن عليه أجر الكيال إن لم يرد أن يتولى ذلك بنفسه؛ وقد كان مالك يقول قديما: أجرة الكيل على المشتري، فعلى قوله هذا لا يلزم البائع أن يكيل، وعلى المبتاع أن يكتال لنفسه.
فقوله في الرواية: وذلك أن المشتري لو لم يجد أحدا يكيل له، كان على البائع أن يكيل، ليست بحجة؛ لأن أجرة الكيل إنما تجب على الذي عليه أن يكيل، فهي في المشهور على البائع؛ لأن عليه أن يكيل، وهي على قول مالك القديم على المبتاع؛ لأن عليه أن يكتال لنفسه، فالصحيح على أن يوفيه ما باع منه، ويفرزه بالكيل عن مالكه، كما أن على المبتاع أن يوفي البائع الثمن ويفرزه بالكيل عن مالكه، كما أن على المبتاع أن يوفي البائع الثمن ويفرزه عن مالكه بالوزن؛ واستدلاله على ذلك بقوله عز وجل: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] ، صحيح على القول بأن شرائع من قبلنا لازمة لنا؛ وهو مذهب مالك، وفي ذلك اختلاف كثير قد ذكرناه في أول رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، فإن تولى البائع الكيل بنفسه أو أحد من قبله، فضمان ما في المكيال منه حتى

يفرغه في وعاء المشتري، واختلف إن تولى المشتري الكيل لنفسه أو أحد من قبله، على القول بأن أن على المشتري أن يكتال لنفسه، أو بتفويض البائع إليه ذلك، على القول الآخر؛ فقيل: إن ضمان ما في المكيال من البائع أيضا حتى يفرغه في وعائه، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى؛ وقيل: إنه إذا امتلأ الكيل، فضمان ما فيه منه إن تلف قبل أن يفرغه في وعائه، وهو قول سحنون في نوازله.

مسألة: بيع الجميز وهي في بطون

مسألة وسئل مالك عن بيع الجميز وهي في بطون، فقال: إن كان نباتا متصلا فلا بأس به؛ فقلت له: إنه ينبت كما تنبت القثاء بطنا بعد بطن، وهي شجرة، قال: والقثاء شجر؟ فلا أرى به بأسا إذا كان نباتا متصلا؛ فأما إن كان ينقطع ثم ينبت بعد ذلك، فلا أرى فيه خيرا، ثم قال: والسدر كذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يبيع الزيت أرطالا بكذا وكذا دينارا إلى أجل

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبيع الزيت أرطالا بكذا وكذا دينارا إلى أجل، فيزن له فيفضل له عنده الرطلان ينقصان من وزنه، فيقول المشتري للبائع: هما لك، قال: ما أرى من بأس، ولكن أخاف أن يكثر؛ فإن كثر فلا يعجبني؛ فأما الشيء اليسير مثل هذا، فلا أرى من بأس؛ قال سحنون: ولا بأس به كثيرا كان أو قليلا.

قال محمد بن رشد: اتقى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا كثر ما نقص من الوزن، فتركه له أن يكون إنما فعل ذلك رجاء أن يوسع له في الثمن إذا حل الأجل، فيدخله ما نهي عنه من هدية المديان؛ واستخف ذلك سحنون وإن كان كثيرا، ولم يتهمه على القصد إلى ذلك؛ لأنه من ناحية ما يندب إليه المتبايعان من السماحة في البيع، فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رحم الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، سمحا إن قضى، سمحا إن اقتضى» . فلا يقام من هذا أن سحنونا يجيز هدية المديان إذا كانت مبتدأة على غير هذا الوجه، بل لا تحل عنده، ولا عند أحد من أهل العلم لمن عليه دين أن يهدي لمن له عليه الدين، رجاء أن يؤخره بما له عليه من الدين، ولا يحل لمن له الدين أن يقبل منه الهدية، إن علم أن ذلك غرضه فيها، ولا حرج على من أهدى لصاحب دينه إذا صحت نيته في ذلك، وقد كان ابن شهاب يكون عليه الدين، فإذا جاءه غرماؤه أجازهم ولم يقضهم، لصحة نيته في ذلك، ويكره لمن يقتدي به أن يقبل ذلك منه؛ فقد رد عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أبي بن كعب هديته من أجل ماله عنده؛ لئلا يقتدي به في ذلك، فيكون ذريعة إلى استجازة ذلك، والعمل به حتى يكثر؛ فيوقع في المحظور منه؛ هذا وجه رد عمر بن الخطاب عليه هديته؛ إذ ليس من أهل التهم؛ وقد قال ابن دحون: إنما أجاز سحنون أن يترك ما نقص من الوزن وإن كثر؛ لأن مذهبه قبول هدية المديان إذا كان الدين من بيع؛ فإن كان من قرض لم يجز عند الجميع، إلا أن يكون قد جرت به عادة من المهدي قبل الدين؛ وليس قوله بصحيح لما بيناه، وقد مضت هذه المسألة متكررة، والقول فيها في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب السلم والآجال.

مسألة: يشتري الجارية أينظر إلى كفيهما

مسألة وسئل عن الرجل يشتري الجارية، أترى أن ينظر إلى كفيهما؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس؛ فقيل له: فمعصميها وساقيها؛ قال: لا أرى ذلك له، ولا يعجبني ذلك، ولكن أرى أن يخبر عنها كما يخبر عن المرأة التي يتزوجها؛ وأخبرنا سحنون قال: أخبرني ابن نافع: أن ابن عمر دخل السوق، فضرب بيده على صدر جارية فهزها، ثم قال: من شاء فليشتر.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا ينظر في الجارية عند الشراء إلا إلى كفيها، ولا ينظر إلى معصميها وساقيها، خلاف ما في كتاب الخيار من المدونة، من أن الرقيق قد يجرد في الشراء، فظاهر قوله فيها أنه يجوز له أن ينظر منها إلى ما عدا الفرج؛ وفعل ابن عمر هذا يتأول على أن الجارية كانت له، فلذلك صح له أن يضرب بيده على صدرها، فيهزها ويقول: من شاء فليشتر، يريد فليشتر مني؛ إذ لا حاجة له أن يفعل ذلك بجارية غيره، فيكون كالسمسار له في بيعها، وهو منزه عن مثل هذا، والله أعلم؛ وقد قيل: لم تكن له، وإنما فعل ذلك معلما للناس أن فعل مثل هذا يجوز لهم في الرقيق، وضرب الصدر من فوق الثوب أخف من النظر إلى المعصمين والساقين، والأول هو أشبه لحال ابن عمر وفضله وورعه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال مالك: من اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها، فلا أرى ببيعها بأسا قبل أن يجدها؛ قال ابن القاسم: وتفسير ذلك أن

مالكا كان يقول قديما: إذا اشترى جزءا من ثمرة فليس له أن يبيعها حتى يستوفيها، فسألناه عن ذلك فأخبرنا هذا.
قال محمد بن رشد: وجه قول مالك الذي كان يقول قديما، هو أنه لما كان لا يقدر على أن يتبين لحظه من الثمرة إلا بالقسمة في الكيل فيما يكال من ذلك، أو الوزن فيما يوزن منه، أو العد فيما يعد منه؛ أشبه من اشترى شيئا من الطعام كيلا أو وزنا أو عددا في أنه لا يبيعه حتى يستوفيه، والقول الآخر هو مقتضى القياس؛ لأن حظه من الثمرة داخل في ضمانه بالعقد، كما يدخل جميعها في ضمانه بعقد الشراء وإن لم يستوفها؛ إلا ما في ذلك من حكم الجاثمة على سنتها في الوجهين جميعا، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب السلم والآجال، ومضت أيضا في رسم سن منه؛ واختلف قول مالك أيضا في الرجل يبيع ثمر حائطه بعد أن بدا صلاحه، ويستثني أقل من ثلثه كيلا، هل يجوز له أن يبيعه قبل أن يستوفيه أم لا؟ والقولان في هذه المسألة جاريان على القول في المستثنى، هل هو مبقى على ملك البائع أو بمنزلة المشترى؟ وقد مضى في رسم حلف هذا المعنى، وبالله التوفيق.

الحائط الذي ليس فيه زهو وما حواليه قد أزهى هل يباع

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل عن الحائط الذي ليس فيه زهو، وما حواليه قد أزهى، أترى أن يباع ولم ير فيه شيء من الزهو؟ قال: نعم، لا أرى به بأسا إذا كان الزمان قد أمنت فيه العاهات، وأزهت الحوائط؛ فلا

أرى بذلك بأسا.
قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: لست أراه حراما، وأحب ذلك إلي قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حتى تزهى» . وقال: وسئل عن الحائط الذي تزهى فيه النخلات الأربع والخمس، وقد تعجل زهوه قبل الحوائط، أترى أن يباع؟ قال: نعم، لا بأس بذلك إن تعجل قبل الحوائط.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

الضأن يباع صوفها فيصاب منها الأكبش قبل أن يجزها

ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان قال مالك في الضأن يباع صوفها، فيصاب منها الأكبش قبل أن يجزها، قال مالك: أراها من البائع، ويوضع عن المبتاع بقدر ذلك.
قال ابن القاسم: وذلك إذا سرقت أو أخذها السبع؛ فأما إن ماتت، لم يكن له إلا صوفها، إلا أن يكون صوف الميتة عند الناس لا يشبه الحي، فيوضع ذلك عنه.
قال محمد بن رشد: جعله الضمان من البائع فيما أصيب من الأكبش، يدل على أنه رأى الجزاز عليه، فجعل الضمان منه، لما عليه من حق التوفية بالجزاز، وهو خلاف ما يدل عليه ما في رسم الثمرة من سماع عيسى، وخلاف المشهور من أن الجزاز على المشتري، كمن اشترى ثمرة بعد طيبها، فالجداد على المشتري؛ وكمن اشترى زيتونة على القطع، أو حلية سيف على القلع، أن القطع والقلع على المشتري؛ وإن لم يقع الشراء على أن يقطع المشتري، أو على أن يقلع، إلا أن يشترط كذلك على

البائع، فيكون عليه بالشرط.
ويحتمل أن يكون تكلم في الرواية على أن العرف كان عندهم أن الجز على البائع، وأن الضمان منه؛ لأن الخلاف لا يتصور إلا مع عدم العرف والشرط؛ وقال: وقال ابن دحون: معنى المسألة أن المشتري اشترط الجزاز على البائع، فلهذا كان الضمان منه، قال: وكذلك وقع في سماع ابن أبي أويس: أن المشتري اشترط الجزاز على البائع، قال: ولو لم يشترطه عليه؛ لكان الجزاز عليه، والضمان منه؛ كالثمرة إذا اشتراها بعد طيبها، فالجزاز والضمان على المشتري؛ فإن اشترط المشتري الجداد على البائع، كان الضمان منه؛ وفي هذا عندي من قوله نظر؛ لأن الحكم لو كان أن الجزاز على المشتري، والضمان منه قولا واحدا؛ لما صح أن يتنقل الضمان عن المشتري إلى البائع باشتراط الجزاز عليه، ولكان البيع فاسدا إن وقع بشرط الضمان؛ لأنه قد حصل له جزء من الثمن، فصار مبتاعا له بما وقع له من الثمن، وإنما يجوز اشتراط الضمان في البيع إذا كان أمرا مختلفا فيه، فإذا قررنا أن في المسألة قولين؛ أحدهما: أن الجز على البائع، والضمان منه.
والثاني: أن الجز على المبتاع والضمان منه، جاز أن يشترط الجز والضمان على البائع، على القول بأن ذلك على المشتري؛ وجاز أن يشترط ذلك على المشتري على القول بأنه على البائع، كشراء السلعة الغائبة على الصفة، يجوز أن يشترط البائع الصفة، وأن يشترط المبتاع أنها من البائع حتى يقبضها هو أو رسوله.
وإذا قررنا أنه لا اختلاف في أن الجز على المبتاع والضمان منه، واشترط المبتاع الجز على البائع والضمان، كان البيع فاسدا؛ وإن شرط عليه الجز وسكت عن الضمان، كان البيع صحيحا؛ لأنه إنما اشترى منه الصوف جزافا، واستأجره على جزازه، كمن اشترى من رجل ثوبا على أن على البائع خياطته، أو قمحا على أن عليه طحينه، فلا يضمنه البائع؛ إلا أن يكون صانعا قد نصب نفسه

للأعمال فيسلك به في الضمان سبيل الصناع، ولو باع منه الكباش دون صوفها، أو السيف دون حليته، أو الحائط دون أصل ثمرة استثناها لنفسه؛ لكان جز الصوف، ونقض الحلية وقطع الثمرة على البائع باتفاق، كمن باع من رجل عمودا له عليه بناء، أن عليه إزالة البناء من على العمود حتى يصل المبتاع إلى أخذ العمود الذي ابتاع.

مسألة: الرزم والتحريك في الكيل

مسألة وسئل مالك عن الرزم والتحريك في الكيل مثل ما يصنع أهل المغرب، أترى ذلك؟ فقال: ما أرى ذلك، وتركه أحب إلي، فقيل له: فكيف يكال؟ قال: يملأ الويبة من غير رزم ولا تحريك، ثم يمسك الكيال على رأسها، ثم يسرح يديه فهو الوفاء؛ فقيل له: فإن قال البائع للمبتاع: استوف لنفسك، وأبى أن يكيل له، قال: إن كال لنفسه فليستوف ولا يتعدى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الرزم والتحريك في الكيل مما لا ينبغي أن يصنع فيه؛ إذ لا حد له يعرف؛ فمن الواجب أن ينهى أهل الأسواق عن فعل ذلك، والجري عليه سيرة وعرفا؛ لأنه عرف مجهول، فلا يباح لهم التمادي عليه؛ وقوله: وتركه أحب إلي، معناه الوجوب؛ وهذا نحو قوله في كتاب الوضوء من المدونة لا يتوضأ بشيء من الأنبذة، ولا العسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلي من ذلك؛ أي هو الواجب دونه، والعرف قد تفاضل بين الشيئين، وإن لم يكن للتفاضل بينهما مدخل، فيقول: الجنة خير من النار، والهدى خير من الضلال، وإن لم يكن في النار ولا في الضلال خير؛ قال عز وجل: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59] ، وقال:

﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: 62] ، وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: 40] ، وقال: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: 15] ، وذلك كثير في كلامهم، فالوفاء في الكيل كما قال: أن يملأ الكيل من غير رزم ولا تحريك؛ ويجمع الطعام فيمسكه بيديه على رأس الكيل، ثم يسرح يديه، فما استمسك منه على رأس الكيل فهو وفاء، لا يجوز للبائع أن ينقص من هذا، ولا للمبتاع إذا اؤتمن على الكيل أن يزيد عليه؛ قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] إلى قوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] الآية.

مسألة: يبيع القمح وغير ذلك فيبيع الويبة وحفنة بدرهم

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبيع القمح وغير ذلك، فيبيع الويبة وحفنة بدرهم، قال: ليس ذلك للمبتاع بأي حفنة يأخذ، فمن الرجال من تتسع حفنته، ومنهم من تضيق، فأحب إلي أن يبين ذلك، وأرجو أن يكون ذلك خفيفا.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في بعض الأمهات، قال: ليس ذلك للمبتاع، وفي بعضها قال: يبين ذلك للمبتاع بأي حفنة يأخذ، وهو الصحيح الظاهر في المعنى، ومثله في السلم الثاني من المدونة؛

وإنما أجاز ذلك واستخفه، ليسارة الحفنة في جنب الويبة؛ ولو لم يبين بأي حفنة يأخذ؛ لقضي بينهما بحفنة وسطة، ولم يفسخ البيع بينهما على ظاهر قوله: وأرجو أن يكون ذلك كله خفيفا؛ يريد بين بأي حفنة يأخذ، أو لم يبين، وأما لو اشترى منه الطعام كذا وكذا حفنة بدرهم، لما جاز كما لا يجوز البيع بمكيال مجهول، حيث ثم مكيال معلوم، ويفسخ إن وقع، إلا على قول أشهب في المدونة؛ وقد أنكر سحنون مسألة الويبة والحفنة بدرهم؛ وقال: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز البيع بمكيال مجهول، وهو القياس، وتخفيف ذلك استحسان؛ ومن هذا المعنى السلم في الثياب والقراطيس على ذراع رجل بعينه، وقد مضى القول على هذا مستوفى في رسم البيوع العاشر، من سماع أصبغ، من كتاب السلم والآجال، فلا معنى لإعادته، والله ولي التوفيق.

مسألة: يشتري النحاس المكسور بالفلوس

ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل مالك عن الرجل يشتري النحاس المكسور بالفلوس، قال: لا خير فيه، وأراه من وجه المزابنة؛ فقيل له: فإن الرجل يشتري التور بدرهمين ونصف، لا يريد به وجه النحاس، إنما يريد به أن يتوضأ فيه؛ فقال: أرأيت لو كانت فلوسا كلها؟ فقيل له: إنما يتوضأ فيه.
فقال: هو سواء لا خير فيه، وأراه من وجه المزابنة.
قال محمد بن رشد: أما شراء النحاس المكسور بالفلوس، فقوله: إنه لا خير فيه؛ لأنه من وجه المزابنة؛ وهو مثل ما في المدونة من قوله، ولا خير في الفلوس بالنحاس، إلا أن يتباعد بينهما؛ لأن المزابنة إنما تدخله إذا

لم يتبين الفضل بينهما، وهذا مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ وأما شراء التور المصنوع من النحاس بالفلوس أو النحاس، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الصنعة تخرجه إلى صنف آخر، وترفع المزابنة عنه، فيجوز ذلك يدا بيد، وإلى أجل، وهو قول مالك في إحدى روايتي ابن وهب عنه.
والثاني: أن ذلك يجوز نقدا، وإن لم يتبين الفضل بينهما، ولا يجوز إلى أجل، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ لأنه جعل ذلك فيها كالصوف بثوب الصوف، والكتان بثوب الكتان؛ فقال: لا بأس بذلك نقدا، ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدا؛ وإلى هذا رجع مالك في رواية ابن وهب عنه.
والثالث: أن ذلك لا يجوز نقدا، ولا إلى أجل، يريد إلا أن يتبين الفضل بينهما في النقد، وعلى هذا حمل أبو إسحاق التونسي ما في المدونة لابن القاسم، وهو قول مالك في هذه الرواية؛ لأنه لم يجز فيها أن يشتري التور بدرهمين ونصف، فيعطي في جميعها فلوسا؛ ولا في النصف درهم منها، وإذا لم يجز ذلك في النقد، فأحرى ألا يجيزه إلى أجل، وقد تأول بعض الناس من هذه الرواية، أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل، إذ منع فيها أن يعطي في النصف فلوسا؛ ولا يشك أن التور أكثر نحاسا من الفلوس التي يعطي في النصف درهم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن التور مفضوض على قيمة الدرهمين والنصف درهم من الفلوس، وإذا فض ذلك لم يدر أكان ما ينوب الفلوس منه أكثر أو أقل، فوجب ألا يجوز؛ ولو أخذ في جميع الدرهمين ونصف فلوسا لا يشك أنها أكثر من التور أو أقل؛ لكان ذلك جائزا، والاختلاف في هذه المسألة موجود أيضا في الصوف بثوب الصوف، والكتان بثوب الكتان، روى ذلك أشهب عن مالك أنه لا يجوز نقدا، ولا إلى أجل، أيهما عجل، وروى ذلك أيضا أصبغ عن ابن القاسم، ثم رجع إلى أنه يجوز إذا كان الثوب هو المعجل؛ وأما مصنوع بمصنوع من

النحاس، أو منسوج بمنسوج من الصوف أو الكتان أو الكرسف؛ فلا اختلاف في جواز ذلك نقدا، وإن لم يتبين الفضل بينهما؛ واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي فقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بمصنوع، أو مصنوع بغير مصنوع؛ لأن الصناعة إذا لم يكن لها تأثير في الجهة الواحدة، وجب ألا يكون لها تأثير في الجهتين، فانظر في ذلك كله وتدبره.

مسألة: يشتري الشاة بخمسة دراهم فيذبحها فيسأله الرجل أن يشركه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يشتري الشاة بخمسة دراهم فيذبحها ثم يسأله رجل أو رجلان أن يشركهما قبل أن يسلخها بدرهم، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه يجوز أن يشركهما فيها بعد أن ذبحها وقبل أن يسلخها؛ لأنه إذا فعل ذلك، فإنما باع من كل واحد منهما جزءا منها؛ وبيع جزء معلوم منها بعد الذبح وقبل السلخ جائز، كما يجوز بيع جميعها؛ وإنما لا يجوز له أن يبيع منها بعد الذبح وقبل السلخ أرطالا مسماة؛ لأن ذلك يكون بيع اللحم المغيب وإشراكهما فيها بعد الذبح بدرهم درهم بيع جائز، وإن سمياه شركة، وعهدتهما على الذي أشركهما قولا واحدا، بخلاف إذا أشركهما فيها بحضرة البيع الأول وقبل الذبح، فقيل: إن العهدة على البائع الأول، وقيل: إنها على المشتري الأول الذي أشركهما؛ وقد مضى القول على ذلك مستوفى في رسم أسلم، من سماع عيسى، من كتاب السلم والآجال، وبالله التوفيق.

باع نخلا قد أبر بعضها ولم يؤبر بعض حتى باع

ومن كتاب أوله كتب علية ذكر حق قال مالك: من باع نخلا قد أبر بعضها ولم يؤبر بعض حتى باع، فإنه ينظر إلى الذي هو أكثر، ويجعل القليل تبعا له إن كان أبر أكثرها، فالثمن للبائع، وإن كان الذي لم يؤبر أكثر، فالثمرة للمبتاع؛ قال مالك: كل ثمرة تؤبر فهي كذلك، قال سحنون: قيل لابن القاسم: فلو اشترى رجل من رجل نخلا قد أبر نصفها، ونصفها لم يؤبر، فاختلف البائع والمشتري؛ فقال: قال مالك: إذا كان أكثر الحائط، وهذا نصف، فأرى أن يقال للبائع: إما أن تسلم الحائط بما فيه؛ وإلا فخذ الحائط، ويفسخ البيع؛ قلت: فإن رضي المشتري أن يكون له ما لم يؤبر، وما أبر فهو للبائع؛ قال: لا خير فيه؛ قال سحنون: وكان المخزومي يقول: إذا أبر الأقل فهو للمشتري، وإذا كان الأكثر فهو للبائع جميعا، إلا أن يشترطه المبتاع؛ وإن كان بنصفين، فنصفها للبائع، ونصفها للمبتاع الذي لم يؤبر؟ وكان ابن دينار يقول: إذا أبر النصف، ولم يؤبر النصف، فهو كله للمشتري، وهو تبع للذي لم يؤبر.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» ؛ فالحكم في ثمر النخل إذا كانت قد أبرت قبل البيع أن تكون للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع بنص الحديث؛ وإذا كانت لم تؤبر، أن تكون للمبتاع بدليل الحديث؛ لأنه لما قال: إنها تكون للبائع إذا أبرت، دل أنها لا

تكون للمبتاع إذا لم تؤبر؛ ولا يجوز للبائع أن يستثنيهما، كما لا يجوز له أن يستثني جنين الأم الحامل في البيع عند مالك وجميع أصحابه؛ فإذا كان بعض الحائط قد أبر، وبعضه لم يؤبر، فتحصيل القول في ذلك، أن الأقل تبع للأكثر، شائعا كان أو غير شائع؛ فإن لم يكن أحدهما تبعا لصاحبه، وكانا متناصفين أو متقاربين، فلا يخلو من أن يكون ما أبر على حدة، وما لم يؤبر على حدة، أو يكون ذلك شائعا في كل نخلة، فأما إن كان على حدة ما أبر، وما لم يؤبر، فيكون للبائع ما أبر، وللمبتاع ما لم يؤبر على ما قاله المخزومي؛ لأن معنى قوله: فنصفها للبائع، ونصفها للمبتاع، أن يكون للبائع ما أبر، وللمبتاع ما لم يؤبر؛ وأما إذا كان ذلك شائعا في كل نخلة، ففي ذلك أربعة أقوال؛ أحدها: أنه يقال للبائع: إما أن تسلم الحائط بثمرته للمبتاع، وإلا فخذ الحائط وينفسخ البيع، وهو قول ابن القاسم، ورواية سحنون عنه في هذه الرواية، وفي كتاب ابن المواز دليل ما في رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب العتق، في مسألة العبد.
والثاني: أن البيع يفسخ على كل حال، إلا أن يكون وقع بشرط أن تكون الثمرة للمبتاع، وهو قول ابن القاسم وسحنون فيما حكى الفضل؛ وأراه ساقه على المعنى فيما وقع في رسم استأذن، من سماع عيسى في الذي يبيع نصف عبد له، ونصفه حر، أو نصفه لرجل آخر وله مال؛ أن البيع فاسد يفسخ، إلا أن يبيعه بماله؛ إذ لا فرق بين المسألتين في هذا المعنى، ومثله في سماع أشهب من كتاب الشركة.
والثالث: أن يكون كله للمشتري، ويكون تبعا للذي لم يؤبر، وهو قول ابن دينار.
والرابع: أنه يكون كله تبعا

للذي أبر، فيكون للبائع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة؛ فعلى هذا الذي ذكرناه، يكون قول المخزومي مفسرا لقول مالك، وقول ابن دينار خلاف له؛ لأن المخزومي إنما تكلم في المتناصفين على أن المأبور من غير المأبور على حدة، وتكلم ابن دينار على أنه شائع، وبالله التوفيق.

يبيع السلعة بخمسين دينارا ثم يخرج الذي اشتراها دراهم ليصرفها

ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما المال وقال مالك في رجل يبيع السلعة بخمسين دينارا، ثم يخرج الذي اشتراها دراهم ليصرفها، ليدفع إليه ثمنها؛ فقال البائع: أنا آخذ منك هذه الدراهم بصرفها، ثم وجد المشتري بعد ذلك بالسلعة عيبا ترد منه، وقد حالت أسواق الدراهم ورخصت؛ قال مالك: ليس له إلا دراهم ليس له عليه دنانير، قلت له: أرأيت إن أعطاه عرضا أو غيره مما كان له عليه من ثمن السلعة؟ قال مالك: أرى العروض مخالفة لذلك، وأرى عليه الذهب.
قال ابن القاسم: قال مالك بعد ذلك: إلا أن يكون العرض لا يشبه أن يكون ثمنا، فإذا كان كذلك، لم أر عليه إلا قيمة العرض؛ قال ابن القاسم: يريد إنما أخذه منه على وجه التجاوز، مثل ألا يجد عنده شيئا، أو يجده معسرا، أو كان ذلك تخفيفا منه للثمن؛ فإذا كان كذلك، لم أر عليه إلا قيمته يوم قبضه، قال ابن القاسم: وذلك كل رأيي.

قال محمد بن رشد: قوله في الذي باع سلعة بدنانير، فأخذ بها دراهم، ثم وجد المبتاع بالسلعة عيبا؛ يريد أو استحقت من يده، أنه يرجع بالدراهم التي دفع؛ ولو كان إنما أعطى بالدنانير عرضا لرجع بالدنانير، هو مثل ما في المدونة في كتاب العيوب والاستحقاق والرواحل والدواب؛ والفرق بين أن يعطي في الدنانير التي ابتاع بها السلعة دراهم أو عرضا، هو أنه في الدراهم صرف، وفي العروض بيع استحقاق السلعة المبيعة بالدنانير، أو وجود العيب بها لسقط الدنانير عن المبتاع؛ فيصير كأنه قد استحقها، فوجب إن كان دفع فيها دراهم أن يرجع بالدراهم؛ لأنه صرف استحقت فيه الدنانير، فوجب انتقاض الصرف والرجوع بالدراهم، وإن كان دفع فيها عرضا، أن يرجع بمثل الدنانير استحقت؛ لأن استحقاق الثمن في البيع لا يوجب نقض البيع، وإنما يوجب الرجوع بمثل الثمن المستحق؛ وقول مالك بعد ذلك: إلا أن يكون العرض لا يشبه أن يكون ثمنا، وإنما أخذه على وجه التجاوز، فيرجع بقيمته يوم قبضه، صحيح لا يمكن أن يختلف فيه؛ ومعناه إن كان العرض قد فات، وأما إن كان قائما فيرجع به بعينه؛ وقد روى أشهب عن مالك: أنه يرجع في قيمته العرض أو في عينه إن لم يفت، وإن كان قبضه على غير التجاوز؛ وإلى هذا الاختلاف أشار في العيوب من المدونة بقوله: وإنما اختلف الناس في السلعة الأولى، ولو باع سلعة بسلعة، فأخذ بالسلعة دنانير، فاستحقت السلعة الأولى؛ لوجب أن يرجع بالدنانير، على قياس ما قلناه من أن المبتاع يصير مستحقا للسلعة الثانية، فيجب له الرجوع بثمنها، وهو الدنانير.

مسألة: يبيع الرمكة وهي حامل ويشترط البائع أنها للمبتاع

مسألة وقال في الرجل يبيع الرمكة، وهي حامل، ويشترط البائع أنها

للمبتاع عقوق؛ قال مالك: لا خير فيه، وأراه مكروها؛ لأنه قد زاده في ثمنها لمكان جنينها، فكأنه قد صار للجنين ثمن، ولا خير في ثمن الجنين.
قال محمد بن رشد: لم يجز بيعها، وإن كانت حاملا ظاهرة الحمل، بشرط أنها حامل؛ لأنه غرر؛ إذ قد ينفش الحمل بعد ظهوره، فيكون بالشرط قد أخذ للجنين ثمنا، وسحنون يجيز ذلك إذا كانت ظاهرة الحمل، وأشهب يجيزه وإن لم تكن ظاهرة الحمل، ويرى للمبتاع الرد إن لم يجدها حاملا، وقع ذلك من قوله في سماع زونان، من كتاب العيوب، وابن أبي حازم يجيز البيع على الشرط، ولا يرى للمبتاع الرد إن لم تكن حاملا؛ وابن عبد الحكم يرى أنه لا بأس أن يقول: إنها عقوق ما لم يشترط ذلك على نفسه، وهذا كله في الحيوان الذي يزيده الحمل، وأما في الجواري المرتفعات اللاتي ينقصهن الحمل، فيجوز أن يبيعها على أنها حامل إذا كانت ظاهرة الحمل؛ لأن ذلك تبر، من عيب حملها، كالتبري من سائر عيوبها؛ وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في سماع زونان، من كتاب العيوب، والحمد لله.

اشترى من رجل ثمرة على أنه إذا أدخلها بيته فهي له

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل عن رجل اشترى من رجل ثمرة على أنه إذا أدخلها بيته، فهي له كذا وكذا صاعا بدينار، ولم ينقد شيئا، قال: لا بأس بذلك.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، قال فيها بعض أهل النظر منهم ابن دحون: إن المعنى فيها أن البيع لا يتم بينهما حتى يجد الثمرة، إما البائع وإما المشتري، ويدخلها بيته على ما شرطه من ذلك وتراضيا عليه؛ وهذا بعيد؛ إذ لو وقع البيع بينهما على هذا لم يكن بيعا منعقدا في الحال، لا ينعقد في حال آخر إلا باستئناف عقد؛ وقد قال في النكاح من المدونة في القائل للمرأة: إذا مضى هذا الشهر فأنا أتزوجك، فرضيت المرأة بذلك، ورضي الولي: إنه نكاح باطل من أجل أنهما قصدا إلى أن يكون النكاح منعقدا بينهما بمضي الشهر دون استئناف عقد.
وإنما معنى المسألة عندي أنه اشترى ثمرا لحائط، وقد طابت جزافا على الكيل، إذا يبست وجدت وصارت في بيت البائع أو المبتاع، فالمعنى فيها شرط ألا يأخذها حتى تيبس وتجد؛ فأجاز ذلك، وإن اشتراها جزافا على الكيل، كما أجازوا اشتراءها جزافا على غير الكيل بشرط إبقائها حتى تيبس، وفي ذلك اختلاف، وقد ذكر الفضل أن القولين قائمان من المدونة، وأما شراء مكيلة معروفة منها بشرط أن يتركها حتى تيبس، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، قال ذلك في المدونة وغيرها؛ واختلف في ذلك إن وقع، فقيل: العقد في ذلك فوت، وقيل: القبض فوت، وقيل: اليبس فوت، وبالله التوفيق.

مسألة: أعطى دينارا حناطا في أربعة آصع

مسألة وسئل عن رجل أعطى دينارا حناطا في أربعة آصع، على أن يعطيه في كل يوم مدا من حنطة، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إجازة مالك لهذا ينحو إلى أحد قوليه في إجازة السلم إلى اليومين والثلاثة؛ لأنه إذا قبض كل يوم مدا من ثاني يوم

سلمه، فقد قبض جل ما سلم الدينار فيه قبل أن يمضي من الأمد ما تختلف فيه الأسواق؛ وقد تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب السلم والآجال.

مسألة: يباع مصحف فيه فضة وإن كانت يسيرة بدنانير إلى أجل

مسألة قال مالك: لا يباع مصحف فيه فضة، وإن كانت يسيرة، بدنانير إلى أجل.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وربيعة يجيز بيعه بالفضة إلى أجل، إذا كانت الفضة التي فيه أقل من الثلث، قياسا على جواز بيعه بالفضة نقدا، وهو مذهب ابن الماجشون؛ وقول سحنون: بيعه بالدنانير إلى أجل أجوز عندهم، وقد تكررت هذه المسألة أيضا في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب السلم والآجال.

مسألة: باع متاعا فقال إن بعتني أنه من وقعت عليه الدراهم فإن دنانيرنا بمثقال

مسألة وسئل مالك عن رجل باع متاعا فقال: إن بعتني أنه من وقعت عليه الدراهم، فإن دنانيرنا أربعة عشر ونصف درهم بمثقال على هذا نبيع؛ فقال: إن قال ذلك قبل البيع، فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: فقال: إن بعتني، معناه فقال: إن شرطنا أنه من وقعت عليه الدراهم، فإنها من صرف أربعة عشر درهما ونصف درهم بمثقال؛ فالمعنى في المسألة أن يبيع الرجل المتاع في المزايدة، فيكتب على الرجل المتاع بذهب ودراهم زائدة على الذهب؛ فإذا كان قد شرط هذا الشرط، اشترى المشتري على ذلك، كان عليه في الدراهم الزائدة

على الذهب جزء من الدينار، يؤدي فيه صرفه يوم القضاء، زاد الصرف أو نقص كمن باع سلعا بكذا وكذا درهما من صرف كذا؛ وقد مضى بيان هذا المعنى في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، وفي رسم الصبرة، من سماع يحيى، من كتاب الصرف، وبالله التوفيق.

بيع العصفر

ومن كتاب البز قال: وذكر مالك بيع العصفر فقالوا له: إنما يشترونه وزنا، فقال: ما كان يباع إلا كيلا وهو الصواب أن يباع كيلا.
قال محمد بن رشد: هذا مما يتأتى فيه الوزن والكيل، فرأى مالك الكيل فيه أعدل؛ لأنه الأصل الذي جرى عليه، فلم ير أن ينتقل فيه عن ذلك إلى الوزن، وبالله التوفيق.

باع حائطا فيه تمر وشرط عليه أربعة أحمرة يرسلها له في الحائط

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا وسئل مالك عن رجل باع حائطا فيه تمر، وشرط عليه أربعة أحمرة يرسلها له في الحائط، فكان التمر سقط فتأكله الحمير، فأراد أن يرد البيع؛ قال: لا أرى أن يرد البيع، وأراه يلزمه، وقد عرف أنها حمير حين اشترى الحائط، وأنها تأكل؛ فأرى البيع له لازما.
قال محمد بن رشد: إنما جوز هذا البيع؛ لأنه رأى قدر ما يسقط من التمر فتأكله الحمير معروفا، قد دخل عليه المشتري فلزمه، ومثله في

التفسير ليحيى؛ قلت: ولم جوزه مالك؟ فقال: لأنه شيء معروف، بمنزلة ما لو اشترط علفها إلى الجداد.

مسألة: يشتري من الرجل بعيرين مهملين في الرعي

مسألة قال مالك: لا أحب للرجل أن يشتري من الرجل بعيرين مهملين في الرعي، قد رآهما المشتري في الرعي، وذلك أنهما لا يدريان متى يوجدان، مثل إبل الأعراب المهملة في المهامه، فلا أحب أن تشتري هذين الجملين اللذين في المهامه، ولا يدري متى يجدها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنهما في حكم العبد الآبق، والجمل الشارد؛ إذ لا يدري المشتري متى يجدهما، فبيعهما من الغرر، وإن كان قد رآهما في الرعي، ووقف عليهما.

مسألة: بيع الزيت والسمن في الزقاق أرطالا مسماة

مسألة وسئل مالك عن بيع الزيت والسمن في الزقاق أرطالا مسماة كذا وكذا رطلا بدينار، وزقاقهما في الوزن؛ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قال: ومن ذلك أن يأتي الرجل يريد أن يحملها إلى بلد فيشتريها ويحملها كما هي؛ وذلك أن الزياتين قد عرفوا قدرها، وكم وزنها؛ فأرجو أن لا يكون به بأس، وأصح ذلك عندي أن لو فرغوها ثم وزنوا الظروف بعد؛ ولكن أرجو ألا يكون به بأس، وأن يكون خفيفا؛ قلت له: يا أبا عبد الله، فالقلال لو أعلم أنها في التقارب مثل الزقاق، ما رأيت بها بأسا، ولكني لا أظنهما

مثل الزقاق، وذلك أن الفخار يكون بعضه كثيفا، وآخر رقيقا، فهذا لا تثبت معرفته فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة قد بين مالك وجه قوله فيها في الفرق بين الزقاق والقلال بما لا مزيد عليه، فلا وجه للقول فيه؛ وأما إذا اشترى السمن دون الزقاق أو الجرار، فإن شاء فرغها ووزن السمن، وإن شاء وزن جميعه بجراره وزقاقه، ثم طرح وزن الزقاق، أو الجرار من ذلك، وقد مضى القول في ذلك في رسم العتق، من سماع عيسى، من كتاب المرابحة، وسيأتي أيضا في رسم العتق، من سماع عيسى، من هذا الكتاب.

مسألة: باع سلعة على أن يستأمر ثم بدا له من قبل أن يستأمر

مسألة وقال في رجل باع سلعة على أن يستأمر، ثم بدا له من قبل أن يستأمر، أترى له أن يرد البيع؟ قال: ذلك له؛ لأن المشتري قد قال له: من أردت أن تستأمر فاستأمره؛ قال: لم أرد أن أستأمر أحدا، إلا أني أردت أن أنظر في ذلك؛ قال مالك: ذلك له، ويرد البيع إن أحب.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه، أن المشترط المشورة من المتبايعين أن يتركها، وأن يخالف رأي المستشار، ويرد أو يجيز؛ وأن الحق في ذلك لمشترطها من المتبايعين دون صاحبه، إلا ما حكى أبو إسحاق التونسي من أن ظاهر ما في كتاب محمد بن المواز أن المشورة كالخيار إذا سبق، فأشار بشيء لزم، وهو بعيد؛ وإنما اختلاف في

مشترط الخيار لغيره من المتبايعين على أربعة أقوال، وقد فرغنا من تحصيلها في المقدمات.

قال لرجل له حائط يبيعه: انظر ما أعطيت بثمر حائطك فلك زيادة دينار

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عمن قال لرجل له حائط يبيعه: انظر ما أعطيت بثمر حائطك، فلك زيادة دينار، فلقيه صاحب الحائط، فقال: قد أعطيت مائة دينار، قال مالك: زيادة دينار، قال: فنقده وقبض الحائط، ثم سأل الذي زعم أنه أعطاه مائة دينار، فقال: ما أعطيته به مائة دينار، وما أعطيت إلا تسعين، قال مالك: البيع لازم لهما، ولو شاء استثبت لنفسه قبل أن يأخذ فيه بصدقه في أول، ثم يكذبه في آخر؛ قال: ما أرى البيع إلا لازما له؛ قال: وكذلك الجارية يبيعها صاحبها في السوق، ثم يأتيه الرجل فيقول له: قد أعطيت فيها مائة دينار، فيصدقه ويربحه على ما قال، فيكون البيع لازما للمشتري؛ ولكن إن كان ثم شهود حضور في سوم الحائط، فشهدوا بخلاف ما قال قد أعطى به فلان، فإني أرى أن يرد هذا البيع إن كان على مثل هذا الوجه؛ فقال: ولا أرى على صاحب الحائط يمينا، ولا على صاحب الجارية إذا ثبت البيع، ورضي بقوله.

قال محمد بن رشد: إنما رأى البيع لازما للمبتاع، ولم ير له على البائع يمينا؛ لأنه قد صدقه أولا فيما زعم أنه أعطى بحائطه، فليس له أن يرجع إلى تكذيبه؛ وأما إذا كان ثم شهود حضور فشهدوا بخلاف ما قال: إنه أعطى به.
فقوله: فإني أرى أن يرد البيع، معناه إن شاء المبتاع، وكان الحائط لم يفت؛ وأما إن كان الحائط أو الجارية قد فاتا بما يفوت به البيع الفاسد، فيكون على المبتاع القيمة يوم البيع؛ إلا أن تكون القيمة أكثر من الثمن الذي وقع الابتياع به، فلا يزاد البائع على ذلك، أو يكون أقل مما شهدت البينة أنه أعطى به، والربح الذي ربحه، فلا ينقص المبتاع من ذلك شيء على حكم الكذب في بيع المرابحة، وبالله التوفيق.

يكون له على الرجل عشرة دراهم فيمر عليه وقد ابتاع قمحا

ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك عن الرجل يكون له على الرجل عشرة دراهم، فيمر بالرجل الذي له عليه عشرة دراهم قد ابتاع قمحا، فيسأله أن يوليه إياه بالدراهم التي له عليه قمحا مما ابتاع ليستوفيه مكانه، وذلك قبل أن يستوفيه الذي ابتاعه؛ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: روي عن سحنون أنه أنكر هذا ولم يجزه، ووجه ما ذهب إليه أن للمبتاع القمح اشتراه بالنقد فنقد، والمشتري لم ينقد، وإنما أخذه بما كان له من الدين، والدين حكمه حكم القرض؛ فدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى إذ لم ينقد المولي كما نقد المولى؛ ووجه ما ذهب إليه مالك أن المولي لما سقط عنه بالتولية ما في ذمته، فكأنه قد قبضه من نفسه وانتقده، وقول سحنون أظهر؛ وقد أقام بعض الناس من لفظ وقع في باب تعدي الوكيل من السلم الثاني من

المدونة مثل قول سحنون، وذلك قوله فيه، ولأنه إذا أسلفك من عنده فتعدى، فأخذته فدفعت إليه الثمن، كان تولية؛ لأنه لم يلزمه شيء تعدى له فيه، ولا صرف فيه ذهبك؛ وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إنما تكلم في المدونة على طعام مسلم فيه، ولا اختلاف في أن من له على رجل دنانير أو دراهم، لا يجوز له أن يستوليه بذلك طعاما مسلما فيه، ولا غير طعام أيضا؛ لأنه يدخله الدين بالدين، وبيع الطعام قبل أن يستوفى.

مسألة: بيع البراءة في الدواب

مسألة وقال مالك: لا ينفع بيع البراءة في الدواب وإن تبرءوا في ميراث ولا غيره، وإن وجد بها عيبا ردها؛ ولا براءة عندنا إلا في الرقيق، وضعف البراءة في الرقيق؛ قال ابن القاسم: وإن البراءة جائزة على مثل قضية عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قال محمد بن رشد: قول مالك: إن البراءة لا تنفع في الدواب، هو الذي رجع إليه، خلاف قوله في موطئه: إن البراءة جائزة في الرقيق والحيوان؛ وأما العروض والثياب، فلم يختلف قوله: إنه لا براءة فيها؛ وقد أجاز البراءة فيها جماعة من السلف، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك، واختيار ابن حبيب، وقد مضى في رسم سلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب العيوب، وجه الفرق عنده بين الرقيق والثياب في ذلك، وقد حكى ابن القاسم، عن مالك في المدونة أنه رجع عن إجازة البراءة في الرقيق،

قيل في كل وجه من بيع الناس بعضهم من بعض، ومن بيع المواريث، ومن بيع السلطان؛ وقيل في بيع الناس بعضهم من بعض، وفي بيع المواريث لا في بيع السلطان؛ وقيل في بيع الناس بعضهم من بعض، لا في بيع المواريث، ولا في بيع السلطان، كل ذلك قد تقول على ما في المدونة، وأخذ ابن القاسم بقول مالك الأول في إجازة البراءة في الرقيق في كل وجه من بيع الناس بعضهم من بعض إذا اشترطوا البراءة، ومن بيع المواريث إذا أخبروا أنه ميراث، وإن لم يشترطوا البراءة ومن بيع السلطان، هذا نص قوله في المدونة، ومعنى قوله هاهنا، وأرى البراءة جائزة على مثل قضية عثمان؛ لأنه إنما أراد أنها جائزة في الرقيق خاصة في جميع الوجوه.

مسألة: يبتاع من الرجل بعشرين درهما فيعطيه إياها لا يعرف لها وزنا

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبتاع من الرجل بعشرين درهما، فيعطيه إياها لا يعرف لها وزنا، والدراهم تختلف، فرب درهم عريض يكون عريضا خفيفا في الوزن، ورب درهم صغير يكون صغيرا أثقل في الوزن، فيشتري بها على عددها بما كان فيها من الوزن؛ فقال: ما هو بحسن، يبيع الدراهم جزافا، كأنه رآه من وجه الجزاف؛ قال ابن القاسم: قال الله جل ذكره: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: 35] ، فلا ينبغي لأحد أن يترك الوزن، وذلك رأيي؛ وسمعت مالكا غير مرة يكره ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه لا يجوز له أن يقتضي من عشرين درهما مجموعة موزونة عشرين درهما عددا مجموعة؛ لأنه غرر؛ إذ لا يدري هل أخذ أقل من حقه أو أكثر، إذ قد يكون

الدرهم العريض خفيفا، والدرهم الصغير ثقيلا، ولو اقتضى منها عشرين درهما عددا مجموعة لا تجوز أعيانها، لا يشك أنها أكثر في الوزن من التي له أو أقل، لجاز ذلك؛ لأنه معروف من أحدهما إلى صاحبه؛ ولو اقتضى منه عشرين درهما عددا تجوز بأعيانها، لجاز إن كانت في الوزن أكثر من التي له، ولم يجز إن كانت في الوزن أقل من التي له، أنها إن كانت أكثر في الوزن من التي له، فقد أخذ أفضل من حقه في الوزن، وفي عيون الدراهم، وإن كانت أقل في الوزن، كان إنما ترك فضل الوزن لفضل عيون الدراهم فلم يجز، وهذا كله قائم من قوله في المدونة: إن القائمة تقتضى من المجموعة؛ لأنها أكثر في الوزن وأفضل في العين، ولا يقتضى منها الفراد؛ لأنها أقل في الوزن وأفضل في العين، وقد مضى بيان هذا كله في رسم القبلة، ورسم الشريكين من سماع ابن القاسم، من كتاب الصرف، وليس ما مضى في سماع أشهب منه من إجازة اقتسام الدراهم الناقصة والوازنة عددا بغير وزن، بخلاف لهذه الرواية؛ لأن المعنى فيها أن الناقصة تجوز بجواز الوازنة حسبما ذكرناه هناك، وبالله التوفيق.

جواز الذهب وحكم شراؤه

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن جواز الذهب، أيشتري بها ولا يبين لمن يدفعها إليه؟ قال: أما كل بلد مثل مكة التي يجوز فيها كل شيء فلا بأس، وأما غير ذلك فلا أحبه حتى يسمى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن البلد الذي تجوز فيه

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
مسألة: عبد أراد رجل شراءه ليعتقه تطوعا فأبى سيدهمسألة: يبتاع الطعام إلى أجل فيأتيه فيقتضي منه نصفه ويبقى نصفهاشترى بدينار قمحا فاكتال نصفه ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتامسألة: الفول والعدس والحمص وحكم التفاضل بينهمامسألة: يأتي إلى الحائك فيجد عنده ثوبا قد نسج جله وبقي بعضه فيشتريهمسألة: يبيع كرمه ويستثني منه أسلالا أقل من الثلثمسألة: يشتري من الرجل طعاما جزافا أو كيلا أو غيرهمسألة: باع نخلا وله شرب في ماء ولم يبينيشتري الطعام المضمون إلى يومين يوفيه إياهمسألة: باع جارية من رجل بشرط ألا يخرج بها من المدينةمسألة: أجر الكيالين أيؤخذ ذلك من المشتريمسألة: بيع الجميز وهي في بطونمسألة: يبيع الزيت أرطالا بكذا وكذا دينارا إلى أجلمسألة: يشتري الجارية أينظر إلى كفيهمااشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحهاالحائط الذي ليس فيه زهو وما حواليه قد أزهى هل يباعالضأن يباع صوفها فيصاب منها الأكبش قبل أن يجزهامسألة: الرزم والتحريك في الكيلمسألة: يبيع القمح وغير ذلك فيبيع الويبة وحفنة بدرهممسألة: يشتري النحاس المكسور بالفلوسمسألة: يشتري الشاة بخمسة دراهم فيذبحها فيسأله الرجل أن يشركهباع نخلا قد أبر بعضها ولم يؤبر بعض حتى باعيبيع السلعة بخمسين دينارا ثم يخرج الذي اشتراها دراهم ليصرفهامسألة: يبيع الرمكة وهي حامل ويشترط البائع أنها للمبتاعاشترى من رجل ثمرة على أنه إذا أدخلها بيته فهي لهمسألة: أعطى دينارا حناطا في أربعة آصعمسألة: يباع مصحف فيه فضة وإن كانت يسيرة بدنانير إلى أجلمسألة: باع متاعا فقال إن بعتني أنه من وقعت عليه الدراهم فإن دنانيرنا بمثقالبيع العصفرباع حائطا فيه تمر وشرط عليه أربعة أحمرة يرسلها له في الحائطمسألة: يشتري من الرجل بعيرين مهملين في الرعيمسألة: بيع الزيت والسمن في الزقاق أرطالا مسماةمسألة: باع سلعة على أن يستأمر ثم بدا له من قبل أن يستأمرقال لرجل له حائط يبيعه: انظر ما أعطيت بثمر حائطك فلك زيادة ديناريكون له على الرجل عشرة دراهم فيمر عليه وقد ابتاع قمحامسألة: بيع البراءة في الدوابمسألة: يبتاع من الرجل بعشرين درهما فيعطيه إياها لا يعرف لها وزناجواز الذهب وحكم شراؤه
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل