كتاب الجامع الثامن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ما روي أنه من أشراط الساعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله كتاب الجامع الثامن
فيما روي أنه من أشراط الساعة قال مالك: وحدثني عن شيخ قديم من أهل اليمن قدم من ثم قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس واشتد حر الشمس.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين والحمد لله.
العبد يسأل الرجل ألا يشتريه
في العبد يسأل الرجل ألا يشتريه قال وسمعته يسأل عن الذي يريد شراء العبد فيسأله بالله ألا يشتريه، قال أحب إلي ألا يشتريه، فأما أن يحكم عليه بذلك، فلا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه يستحب ذلك له ولا يحكم عليه، كما أن العبد إذا سأل سيده أن يبيعه يستحب له أن يجيبه إلى ما سأله من بيعه إياه ولا يحكم عليه بذلك إذا لم يضر به في ملكه إياه، وبالله التوفيق.
وصية عمر من كان له رزق في شيء أن يلزمه
18 -
في وصية عمر من كان له رزق في شيء أن يلزمه قال وقال مالك، قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا كان لرجل في شيء رزق فليلزمه.
قال مالك: يريد التجارات.
قال محمد بن رشد: ما حض عمر على هذا، والله أعلم، إلا وقد خشي على من هيأ الله له رزقا في شيء فلم يعرف حق الله تعالى فيما هيأ له منه فتركه إلى غيره أن لا يجار له في ذلك.
وما خشيه عمر فينبغي لكل مسلم أن يخشاه، فإنه كان ينطق بالحكمة.
قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله ضرب بالحق على قلب عمر ولسانه، فكان يرى الرأي بقلبه ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق فيه» . وقد مضى هذا في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
لدهن والمشط للعجائز
في الدهن والمشط للعجائز قال مالك: كان طاوس يجعل للعجائز الدهن ويدعوهن فيأمرهن فيدهن ويمتشطن.
قال محمد بن رشد: إنما كان طاوس يفعل ذلك ويأمر العجائز به لئلا يظن أن ذلك لا يجوز لهن إذ قد انقطعت حاجة الرجال منهن، والنظافة من الدين، وإصلاح الشعر ودهنه من السنة.
ذكر مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد أن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن لي جمة أفأرجلها؟ فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعم وأكرمها» فكان
أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين لما قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعم وأكرمها.
وعن عطاء بن يسار قال: «كان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان» . وبالله التوفيق.
ما أوصى به عمر بن عبد العزيز
فيما أوصى به عمر بن عبد العزيز قال مالك: قيل لعمر بن عبد العزيز: أوص يا أمير المؤمنين، قال مالي ما أوصي فيه إلا صغار ولدي إلى كبارهم.
قال محمد بن رشد: هذا، والله أعلم؛ لأنه قد كانت تقدمت وصيته [بما كان أوصى به، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: - «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته] عنده مكتوبة» إذ لم يكن ممن يفرط فيما حض النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه.
وبالله التوفيق.
عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قتلا في شهر واحد
في أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان
قتلا في شهر واحد قال وقال مالك: قتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في ذي الحجة.
قال محمد بن رشد: إعلام مالك بأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قتلا في شهر واحد يدل على أن معرفة سير الصحابة ومناقبهم وأسنانهم ووقت وفاتهم مما يستحب معرفته من العلوم.
ولما كانا على وتيرة واحدة من الخير والدين والعدل والفضل اتفق قتلهما شهيدين في شهر واحد، فقتل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر؟ وقتل عثمان بن عفان - رَحِمَهُ اللَّهُ - يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجة يوم التروية، وقيل لسبع عشرة ليلة خلت منه أو ثمان عشرة ليلة خلت منه، وقيل لليلتين بقيتا منه، سنة خمس وثلاثين، وبويع يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بثلاثة أيام بإجماع الناس عليه، فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياما.
واختلف في سنه يوم قتل، فقيل كان ابن تسعين سنة، وقيل ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل ابن ست وثمانين سنة، وقيل ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل ابن ثمانين سنة، والله أعلم وبه التوفيق.
أثرة الأنصار بالتولية
في أثرة الأنصار بالتولية وقال عمر بن الخطاب: لئن بقيت إلى رأس الحول لا يبقى أمير إلا أنصاري.
قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك لأن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصى بهم أن يعرف لهم حقهم فيحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وبالله التوفيق.
إتيان الأمراء
في إتيان الأمراء وقال مالك: وقيل لأبي الدرداء أنت صاحب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعاوية يردك، فقال: اللهم عفوا، من يأت أبواب السلاطين يقم ويقعد.
قال محمد بن رشد: إنما كان يرده [إذا وافقه في شغل لا يقدر معه على ما يريد من الانفراد به وإكرامه، لا أنه كان يرده] من غير عذر لقلة اهتباله به، بل لا شك في أنه كان عارفا بحقه.
وقوله من يأت أبواب السلاطين يقم ويقعد، معناه أن هذا يعتريه لكثرة اشتغال السلاطين بما عصب بهم من أشغال المسلمين، وبالله التوفيق.
كراهية حلية الحديد للصبيان
في كراهية حلية الحديد للصبيان قال مالك: وكانت عائشة تعظم أن يجعل على الصبي حديد.
قال محمد بن رشد: هذا منهي عنه؛ لأن الحديد حلية أهل النار في النار، وبالله التوفيق.
جواز تعليق الحرز عليهم
في جواز تعليق الحرز عليهم قال وسئل مالك عن تعليق الحرز على الخيل فتجعل في خيط فتعلق برقبته، فقال ما أرى بذلك بأسا، إذا كان يجعل للزينة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله من إجازة تعليق الحرز وشبهه من الأحراز على أعناق الصبيان للزينة.
وإنما اختلف في جواز تعليق الأحراز والتمائم على أعناق الصبيان والمرضى والخيل والبهائم إذا كانت بكتاب الله عز وجل وما هو معروف من ذكره وأسمائه للاستشفاء بها من المرض، أو في حال الصحة لدفع ما يتوقع من المرض والعين.
فظاهر قول مالك في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة إجازة ذلك، وروي عنه أنه قال لا بأس بذلك للمرضى، وكرهه مخافة العين وما يتقى من المرض للأصحاء.
وأما التمائم بغير أسماء الله عز وجل وبالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا يجوز بحال للمريض ولا للصحيح، لما جاء من أن من تعلق شيئا وكل إليه ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له.
ومن أهل العلم من
كره التمائم ولم يجز شيئا منها بحال ولا على حال، لما جاء من هذه الآثار، ومنهم من أجازها في المرض ومنعها في خال الصحة لما يتقى منه أو من العين على ما روي عن عائشة أنها قالت: ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة، وبالله التوفيق.
تفقد عمر بن الخطاب لإبل الصدقة
في تفقد عمر بن الخطاب لإبل الصدقة قال مالك: وحدثني عن القاسم بن محمد عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قال: أمرني عمر بن الخطاب أن أعرض عليه إبل الصدقة، قال فمرت عليه كلها حتى مرت عليه ناقة عشراء في أخراهن فأخذ بخطامها ثم قال: من ارتحل هذه؟ فقلت أنا، ولو أعلم أنه يبتغي أن يعطيها غيري لفعلت، فجمع يدي إلى عنقي ثم علاني بالدرة ثم قال: أنت لعمر الله، ثم قال: ألا بكر بوال أو ناقة شصوص، ثم قال: ارتحل ما أمرتك وحط راحلتك عن هذه.
قال محمد بن رشد: الناقة العشراء هي الناقة الحامل التي قد أتى على حملها عشرة أشهر، وهي لا تؤخذ في الصدقة، فالمعنى فيها أن أهلها طاعوا بها في الزكاة.
ويحتمل أن تكون بقيت في إبل الصدقة حتى حملت، فقد مر على عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلا ذات ضرع عظيم، فقال عمر ما هذه الشاة؟ فقالوا شاة من الصدقة، فقال عمر ما أعطى
هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطعام.
ولما كان أسلم يقوم على الصدقة ويتفقدها ويسير معها كان له أن يرتحل بعيرا منها، فنهى عمر بن الخطاب أن يرتحل خيارها، وأمره بارتحال الدون منها؛ لأن ذلك يكفيه، فليس له أكثر من ذلك، وبالله التوفيق.
الناس يستقيمون باستقامة أئمتهم
في أن الناس يستقيمون باستقامة أئمتهم
قال مالك: وقال عمر بن الخطاب وهو يموت: اعلموا أنه لا يزال الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين؛ لأن الأئمة إذا كانت مستقيمة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، فاستقام الناس باستقامتهم؟ وإذا لم تكن مستقيمة لم تأمر بمعروف ولا نهت عن منكر، فعم الناس الفساد.
وقد قال ابن مسعود: ما من عام إلا والذي بعده شر منه ولم تؤتوا إلا من قبل أمرائكم، وليس عبد الله أنا إن كذبت.
وقال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: 66] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: 67] وبالله التوفيق.
ما يلزم الرجل من التثبت في أمره بأن يسأل من تثق به نفسه
فيما يلزم الرجل من التثبت في أمره بأن يسأل من تثق به نفسه قال مالك: وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: إذا جعل
الرجل قاضيا أو أميرا أو مفتيا فينبغي له أن يسأل [عن نفسه] من يثق به.
فإن رآها لذلك أهلا دخل فيه وإلا لم يدخل فيه.
قال محمد بن رشد: في المدونة أنه قال للذي سأله فقال له إن السلطان قد استشارني، أفترى أن أفعل؟: إن رأيت نفسك أهلا لذلك ورآك الناس أهلا لذلك فافعل، وهي زيادة صحيحة بينة؛ لأنه هو أعرف بنفسه، فإذا لم ير نفسه أهلا لذلك فلا ينبغي له أن يفعل وإن رآه الناس أهلا لذلك.
وأما إذا لم يره الناس أهلا لذلك فلا ينبغي له أن يفعل وإن رأى هو نفسه أهلا للفتوى؛ لأنه قد يغلط فيما يعتقده في نفسه من أنه أهل لذلك.
وقد مضى هذا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
كراهة الشدة في الأمور والغلظة فيها
في كراهة الشدة في الأمور والغلظة فيها قال مالك: الغلظة مكروهة لقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159] . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين والحمد لله.
ما يلزم الإمام من تفقد من يمر عليه
فيما يلزم الإمام من تفقد من يمر عليه قال وقال مالك: مر على عمر بن الخطاب حمار عليه لبن فطرح عنه منه أكثره ورآه يثقله.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب: ورآه يقتله، والمعنى في هذا بين؛ لأنه يكره له أن يثقله لما جاء من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله رفيق يحب الرفق ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف» . وروي عنه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» . ولا يجوز له أن يثقل عليه تثقيلا يقتله به، وهو آثم إن فعله، وبالله التوفيق.
الشيء لا يستقيم على أصل غير مستقيم
في أن الشيء لا يستقيم على أصل غير مستقيم قال وقال مالك: قال ربيعة قال لي أبو واثلة يا ربيعة أقول لك شيئا، كل بان على أساس أعوج لم يستقم بنيانه.
قال محمد بن رشد: هذا أصل صحيح يصحب في كل شيء: من قاس على أصل فاسد لم يصح قياسه.
ومن عمل على غير نية لم ينتفع بعمله، ومن نظر على غير اعتقاد صحيح لم يصح نظره، وبالله التوفيق.
اشتغال الإمام بأمور المسلمين عن التفقه
في اشتغال الإمام بأمور المسلمين عن التفقه وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: من كان له شغل عن هذا
الأمر، يريد الفقه، فإنه قد كان من شغلي الذي كتب الله لي أن ألزم عاملا منه بما علمت أو مقصرا عما قصرت، فما كان من خير علمته فبتعليم الله ودلائله وإليه أرغب في بركته، وما كان من سوى ذلك فأستغفر الله لذنبي العظيم.
قال محمد بن رشد: معنى قول عمر هذا أنه أشفق من الاشتغال بأمور المسلمين عن التفقه، وخشي التقصير فيما اشتغل به من ذلك، فاستغفر الله تعالى منه، وبالله التوفيق.
كراهة الرفع في الأنساب
في كراهة الرفع في الأنساب قال وسئل عن هذه النسبة التي ينتسب الناس حتى يبلغوا آدم، أتكره ذلك؟ فقال: نعم أكره ذلك.
قلت فينتسب حتى يبلغ إسماعيل وإبراهيم؟ فقال ومن أخبره بما بينه وبين إبراهيم؟ فقال لا أحب ذلك، قال وأنا أكره أن يرفع إلى أنساب الأنبياء كلهم، وليس الأنبياء كغيرهم.
يقول إبراهيم بن فلان بن فلان، ما قرر له هذا ومن يخبره ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهة ذلك بين، إذ لا يعلم شيء من هذه الأنساب البعيدة من وجه يوقن بصحته، فلا يأمن من حدث بشيء من ذلك من أن يحدث بكذب، وبالله التوفيق.
حكاية عن عمر بن عبد العزيز
قال مالك؛ دخل عمر بن عبد العزيز على فاطمة امرأته في كنيسة بالشام، فطرح عليها حلق ساج عليه، ثم ضرب على فخذها فقال: يا فاطمة لنحن في دانق أنعم منا اليوم، فذكرها ما قد نسيت من عيشها، فضربت يده ضربة فيها عنف فنحتها عنه فقالت: لعمري لأنت اليوم أقدر منك يومئذ، فأسكته ذلك فقام يريد أخذ الكنيسة وهو يقول بصوت حزين يا فاطمة إني أخاف النار، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، بصوت حزين، فبكت فاطمة وقالت: اللهم أعذه من النار.
قال محمد بن رشد: في هذا ما هو معلوم من ورع عمر وفضله وخوفه لله عز وجل- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبه التوفيق.
حلف ألا يشارك رجلا
فيمن حلف ألا يشارك رجلا قال وسئل مالك عمن حلف ألا يشارك رجلا سماه في شيء كذا وكذا، فأرسل إليه أن يبعث إليه بأربعة أعبد له يعينونه [على ذلك، حتى إذا كان الغد بعث إليه بأربعة أعبد يعينونه] مكانه، قال إن كان إنما أراد أن لا يعاونه فلا أحب ذلك.
قال محمد بن رشد: خشي عليه الحنث إذا كان أراد أن لا يعاونه مخافة أن يكون عمل عبيده له في اليوم الثاني أكثر من عمل عبيده له في اليوم الأول فقال لا أحب ذلك ولم يحققه عليه، إذ لم يعنه إلا بعدد ما أعانه به من
العبيد، ولو أعانه بأكثر من عبيده لحقق عليه الحنث والله أعلم.
ولو لم تكن له نية لم يجب عليه حنث، إذ ليس ما فعل بمشاركة، ولو شاركه في غير الشيء الذي حلف ألا يشاركه فيه لم يحنث أيضا إذا لم تكن له نية، وبالله التوفيق.
تواضع عمر بن الخطاب وسيرته وورعه
في تواضع عمر بن الخطاب وسيرته وورعه قال: وقال مالك، كان عمر بن الخطاب ينفخ لهم تحت القدر حتى إن الدخان ليخرج من تحت لحيته.
قال مالك: وكان عمر بن الخطاب لا يدخل عليه مال ليلا، لا يدخل عليه إلا نهارا، فقلت له: ولم؟ قال يريد أن تكون سنة لا يدخل ليلا لئلا يسرق منه، الليل أخفى.
قال مالك: ورأى عمر بن الخطاب لابنه عبيد الله إبلا فقال: من أين لك هذه؟ قال اشتريتها عجافا فعلفتها حتى سمنت، فقال عمر أفي الحمى؟ قال نعم، فقال انظروا إلى الثمن الذي اشتراها به فبيعوها وأعطوه إياه، فما فضل فاطرحوه في بيت المال.
قال محمد بن رشد: لما كان الحمى إنما حماه لجميع المسلمين لم ير أن يسوغ ابنه شيئا منه دون جميع المسلمين امتثالا لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] ، وبالله التوفيق.
للقاضي حقا على الناس كما لهم عليه حق
في أن للقاضي حقا على الناس كما لهم عليه حق قال مالك: وسأل عمر بن عبد العزيز رجلا عن أمر الناس وعن القاضي، فقال: إنه ينبغي أن تؤدي الرعية إلى الراعي حقه، وينبغي للراعي أن يؤدي إلى الرعية حقوقهم عليه غير مسؤول لذلك ولا منزور به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: فحق الناس على القاضي أن يعدل فيهم ولا يشح بذلك عليهم حتى يسألوه إياه، وحقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوه فيما أمرهم به من الحق ويشكروه على ذلك، وبالله التوفيق.
قلة الإنصاف في الناس
في قلة الإنصاف في الناس قال مالك: ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف.
قال محمد بن رشد: قال مالك: هذا لما اختبره من أخلاق الناس.
وفائدة الإخبار به التنبيه على الذم له لينتهي الناس عنه فيعرف لكل ذي حق حقه، وبالله التوفيق.
التثبت في الاجتهاد
في التثبت في الاجتهاد قال مالك: وكان عمر بن الخطاب يقول: أشيروا علي في كذا وكذا، ثم يقول ارجعوا إلى منازلكم فبيتوا ليلتكم فتمكنوا في
ذلك عن طمأنينة، فإن ذلك أحرى وأيسر إذا كان المرء على فراشه.
قال محمد بن رشد: ما حض عمر عليه من هذا يلزم امتثاله، فلا ينبغي لمن استشير في شيء من أمور الدنيا أو سئل الجواب في نازلة من الفقه تحتاج إلى نظر أن يجيب في ذلك إلا بعد روية وتثبت، وإن أمكنه تبييت ذلك حتى يفكر في ذلك بالليل على فراشه إذا خلا سره فهو أحسن، وبالله التوفيق.
معنى النهي عن إضاعة المال
في معنى النهي عن إضاعة المال وسئل عن معنى ما جاء في الحديث تكره إضاعة المال، قال: ألا ترى قول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 27] وهو منعه من حقه ووضعه في غير حقه.
قال محمد بن رشد: الحديث بكراهة إضاعة المال هو حديث المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول «إن الله يكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.» ومن إضاعة المال منعه من حقه ووضعه في غير حقه كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لأنه إذا حبسه ولم يؤد منه حقا ولا فعل فيه خيرا فقد أضاعه، إذ لا منفعة فيه على هذا الوجه في دنيا ولا أخرى، فكان كالعدم سواء، بل يزيد على العدم بالإثم في منعه من حقه.
وكذلك إذا وضعه في غير حقه فقد أضاعه إذ أهلكه فيما لا أجر له فيه إن كان وضعه في سرف أو سفه، أو فيما عليه فيه وزر إن كان وضعه في فساد أو حرام.
ونفقة المال على ستة أوجه، الثلاثة منها إضاعة له: أحدها نفقته في السرف، والثاني نفقته في السفه، والثالث نفقته في الحرام؛ والثلاثة منها ليست بإضاعة له، وهي نفقته في الواجب، ونفقته لوجه الله فيما ليس بواجب، ونفقته لوجوه الناس رغبة في اكتساب الثناء والمجد والشرف.
فقد قال بعض الحكماء:
ما ضاع مال أورث المجد أهله ... ولكن أموال البخيل تضيع
وقد قيل في معنى كراهة إضاعته في الحديث أنه إهماله وترك المعاهدة له بالقيام عليه والإصلاح له حتى يضيع، كدار يتركها حتى تنهدم، أو كرم يتركه حتى يبطل أو حق له على رجل [ملي] بينه وبينه فيه حساب فيهمله حتى يضيع وما أشبه ذلك، وهذا أظهر ما قيل في معنى الحديث.
ويحتمل أن يحمل على عمومه في هذا وفي إمساكه عن النفقة التي يؤجر في فعلها ولا يأثم في تركها، كصلة الرحم والصدقة المتطوع بها، وفي نفقته في الوجوه المكروهة كالسرف وشبهه.
ويحمل قول مالك في تفسير الحديث: وهو منعه من حقه، أي من حقه الواجب عليه في مكارم الأخلاق كصلة الرحم وشبه ذلك؛ لأن منعه من الواجب لا يقال بأنه مكروه كما جاء في الحديث، وإنما هو محظور.
وكذلك يحمل قوله: ووضعه في غير حقه [أي في غير حقه] من وجوه السرف والسفه، لا من الفساد والحرام؛ لأن وضع المال
في الفساد والحرام لا يقال فيه إنه مكروه كما جاء في الحديث، وإنما هو محظور.
وقيل في معنى النهي عن إضاعة المال إنه فيما ملكت يمينه من الرقيق والدواب أن ينفق عليهم ويحسن إليهم ولا يتركهم فيضيعون.
والصواب أن ذلك [ليس] مما جاء في الحديث؛ لأن الحديث إنما جاء بلفظ الكراهة، والمكروه ما تركه خير من فعله، فيؤجر في تركه ولا يأثم في فعله.
وترك الرجل النفقة على رقيقه ودوابه حتى يهلكوا ويضيعوا محظور وليس بمكروه؛ لأنه مسؤول عنهم، وبالله التوفيق.
الشرب قائما
في الشرب قائما قال وقال مالك: سمعت أن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب كانا يشربان قائمين، قال مالك: وما أرى بذلك بأسا، يشرب المرء كما يحب، وإن المسافر ليشرب وهو يتبع دابته.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والكلام عليه في رسم السلف في المتاع والحيوان المضمون من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق لا شريك له.
الشرب في القدح تكون فيه الحلقة من الفضة
في الشرب في القدح تكون فيه الحلقة من الفضة
قال وسألته عن القدح تكون في أذنه الحلقة من الفضة أيشرب فيه؟ قال.
ما يعجبني، وإن أحب إلي أن يترك ذلك.
فقلت له: فالمرآة تكون فيها الحلقة من الفضة أينظر فيها الوجه؟ فقال ما يعجبني، وترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قياس هذا قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك وأجازه جماعة من السلف.
وقد روي عن عمر ابن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أجازه على قدر الأصبعين والثلاثة والأربعة، وقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان.
وقد مضى هذا في رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
الخطيئة قد تكون خيرا للإنسان
في أن الخطيئة قد تكون خيرا للإنسان قال مالك: وكان يقال إن الإنسان ليخطئ الخطيئة تكون خيرا فينيب إلى الله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، قد يكون الخير سببا للشر، والشر سببا للخير.
قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216] .
النظر إلى شعور نساء أهل الذمة
في النظر إلى شعور نساء أهل الذمة
من اليهود والنصارى
قال وسألته عن النظر إلى شعور مصر افتتحت عنوة، فقال ما يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: النظر إلى شعور أهل الذمة الأحرار
المصالحين أو المستأمنين لا يجوز، فقوله لا يعجبني معناه أنه لا يعجبني أن يستخف ذلك للضرورة التي ذكرت من أنة لا يوجد بد من اتخاذهن اضطرارا، فلما قال له ما ذكر من أن مصر فتحت عنوة لم [يعجبه أن] يستخف ذلك أيضا فيهن، إذ قد قيل إنها إنما فتحت صلحا، فهن على هذا أحرار، وإن كانت افتتحت عنوة فقد قيل في نساء أهل العنوة ورجالهم إن لهم حكم الأحرار، فكره أن يستخف ذلك فيهن، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» . وقد مضى في سماع عيسى وسحنون من كتاب التجارات إلى أرض الحرب الاختلاف في أهل العنوة هل يحكم لهم بحكم الأحرار أو بحكم العبيد، وفي رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد ذكر الاختلاف في افتتاح مصر، وبالله التوفيق.
ما جاء مما هو من أشراط الساعة
فيما جاء مما] هو من أشراط الساعة قال وكان يحيى بن سعيد يقول: لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق.
قال محمد بن رشد: قوله حتى يتسافدوا في الطريق، أي حتى يقرب الأمر من ذلك على عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما قرب منه.
وقد جاء ذلك في القرآن قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] ؛ لأن معناه قاربن بلوغ أجلهن؛ لأن
العدة إذا انقضت لم يكن للزوج أن يمسك.
وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح» . فالمعنى في ذلك أن الساعة لا تقوم حتى يكثر الفجور وترتفع الرقبة عن الفجار فيراودون النساء في الطرق على أعين الناس وهم يشهدون، فسمي المعنى الذي يدعو إلى السفاد سفادا لقربه من ذلك.
وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما روي: «أيما امرأة استعطرت ومرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية» فسماها- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زانية لقربها من ذلك في فعلها ذلك.
فقول يحيى ابن سعيد هذا نحو ما مضى في رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها من قول ابن محيربز: إن من أشراط الساعة المعلومة المعروفة أن يرى الرجل يدخل البيت فلا يشك من يراه أنه يدخل لسوء إلا أن الجدار تواريه.
وقد مضى الكلام على ذلك في موضعه، وبالله التوفيق.
خصاء الغنم والإبل والبقر
في خصاء الغنم والإبل والبقر قال وسئل عن خصاء الغنم والإبل والبقر، قال لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما جاز ذلك ولم يكن من المثلة المنهي عنها لما في ذلك من إصلاح لحومها، بخلاف المثلة بشيء من الحيوان عبثا لغير وجه صلاح ومنفعة، وبالله التوفيق.
كراهة السفر في طلب شيء في الدنيا
في كراهة السفر في طلب شيء في الدنيا
لا يشوبه شيء من أمر الآخرة قال مالك: وسمعت رجلا من أهل الفضل والصلاح يقول: ما أحب أن أسافر ليلة في طلب شيء من الدنيا لا أخلطه بغيره وإن لي مرغوبا فيه.
قال محمد بن رشد: مثل أن يسافر في طلب جاه أو حظوة عند السلطان أو ليفيد مالا وهو مستغن عنه لا ينوي أن يفعل خيرا منه.
وأما من سافر في تجارة ليستعين بما يفيد فيها على ما يلزمه من النفقة على عياله ويكف بها وجهه عن السؤال، فهو مأجور على نيته في ذلك.
يشهد لهذا ما جاء من قول عمر بن الخطاب بعد هذا أنه قال: لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أموت على فراشي.
وسيأتي القول عليه إن شاء الله، وبالله التوفيق.
تأدب الرجل مع من يؤاكله
في تأدب الرجل مع من يؤاكله قال مالك: وزعم لي يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب وغيره أن عمر بن الخطاب قال: كنت بأرض الحبشة في الجاهلية،
فأصابني جوع شديد، فرمي بي إلى إنسان منهم فجاءني بحديد قد عصر وجعل في رأسه ثقب فيه سمن، فجعلوا يأخذون منه مثل النواة ويدخلون طرفها في ذلك السمن ثم يبتلعونه، فخيرت نفسي بين أن آكل وأشبع فأفتضح، أو أصنع كما يصنعون، فاخترت أن أصنع كما يصنعون.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية والقول فيها وفي معنى القران المنهي عنه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تفسير النسيء
في تفسير النسيء
قال وسئل مالك عن النسيء فقال: هو صفر والمحرم، يحلونه عاما ويحرمونه عاما.
قال محمد بن رشد: قوله يحلونه عاما ويحرمونه عاما، معناه أنهم كانوا يحلون المحرم عاما ويحرمون مكانه صفرا، ثم يرجعون في العام الثاني إلى تحريم المحرم وتحليل صفر، ثم في العام الذي بعده إلى تحليل المحرم وتحريم صفر.
وكانوا يسمون المحرم وصفرا الصفرين، فكانوا يحرمون الصفر الأول في عام والصفر الثاني في عام.
فتأخيرهم تحريم المحرم الذي هو من الأشهر الحرم سنة وسنة لا إلى صفر الذي هو من غير المحرم، هو النسيء الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ﴾ [التوبة: 37] . يقول الله عز وجل إن تأخيرهم تحريم المحرم الذي هو من
الأشهر الحرم سنة إلى شهر صفر زيادة في كفرهم، وإن كانوا قد واطئوا العدة بتحريمهم أربعة أشهر لم ينقصوا من عددها شيئا؟ هذا قول الكلبي.
وقال الحسن: كانوا يجعلون الأشهر الحرم في عام متوالية فيحرمون ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، وصفرا، ويقولون قد أنسأنا العام رجبا فلا يحرمونه فيه، وفي عام على منزلتها يحرمون ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ورجبا.
والأربعة الأشهر الحرم من السنة التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 36] منها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، كذا جاء في الأثر عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد جاء عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو الحجة، وذو القعدة والمحرم» . فعلى هذا تكون الأشهر الحرم من عامين.
وقال الكوفيون: هي من سنة واحدة، وأولها المحرم.
والقول بأن أولها رجب وأنها من سنتين أولى الأقوال بالصواب؛ لأن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم المدينة في ربيع الآخر، فأول شهر كان بعد قدومه المدينة من الأشهر الحرم رجب.
وقد كانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم وتحرمهن وتحرم القتال فيهن، حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يهجه، وبقيت حرمتها في الإسلام في تحريم القتال وغير ذلك، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217] لأنه عظم القتال في الشهر الحرام في هذه الآية، ثم نسخ ذلك في براءة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ، وبقوله تعالى:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 29] الآية، فأباح قتلهم وقتالهم في كل موضع وفي كل وقت من شهر حرام أو غيره، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والأوزاعي وابن المسيب، فبقيت حرمة الأشهر الحرم في تعظيم الذنب فيها، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] . وفي تعظيم الأجر والثواب في العمل الصالح فيها.
وذهب عطاء ومجاهد إلى أن الآية محكمة، وإلى أن القتال في الأشهر الحرم لا يجوز، والجماعة على خلاف ذلك.
وقد قيل في النسيء إنه ما كان أهل الجاهلية عليه من أنهم كانوا يحجون في كل عامين شهرا، فكانت حجة أبي بكر بعد أن نزل فرض الحج قبل أن ينسخ النسيء فوقعت حجته في ذي القعدة الآخر من العامين، ثم حج رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يسلم- حجة الوداع في العام المقبل في ذي الحجة، وأنزل الله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] ، يريد لا ينتقل عنها، فنسخ النسيء وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» فاستقر الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
وبالله التوفيق.
قسم الفيء وحمل الطعام من بلد إلى بلد
في قسم الفيء وحمل الطعام من بلد إلى بلد قال مالك: وحدثني زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر بن
الخطاب: أرأيت إن حملت لهم بيضاء مضر حتى أضعها لهم بالجار أتراهم يقبلونها مني أم يكلفوني [أن أحملها لهم] إلى المدينة؟ فقيل له: بل يقبلونها، فقال لئن بقيت إلى رأس الحول لأحملنها لهم، فحملها.
قال مالك: فكان عمر بن الخطاب أول من حملها في البحر إليهم، ثم كانت تحمل فتقسم بين الناس، فكان يؤثر بها في زمان بني أمية، فلما كان عمر بن عبد العزيز قسمها بالسواء بين الناس، فيقول القرشي أنا آخذ ومولاي سواء، فيأبى أخذها.
قال محمد بن رشد: اختلفت سيرة الخلفاء بعد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قسم مال الله الذي افترضه لعباده على أيدي خلفائه في الفيء وما ضارعه الذي ساوى فيه بين الأغنياء والفقراء، فساوى أبو بكر بين الناس فيه ولم يفضل أحدا بسابقه ولا قدم، فكلمه عمر بن الخطاب في ذلك فقال له: تلك فضائل عملوها لله، وثوابهم فيها على الله، وهذا المعاش الناس فيه أسوة، وإنما الدنيا بلاغ.
وفاضل عمر بعد أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بين الناس، وفرض لهم الديوان على سوابقهم في الإسلام وفضلهم في أنفسهم.
ثم ولي عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد عمر، فسار في ذلك بسيرة عمر، ثم ولي علي بالعراق بعد عثمان فأخذ بفعل أبي بكر، فساوى ولم يفضل.
ثم ولي عمر بن عبد العزيز فأخذ بالأمرين جميعا: فرض العطاء ففاضل فيه بين الناس على قدر شرفهم ومنازلهم من الإسلام، وقسم على العامة على غير ديوان العطاء فساوى في ذلك بين الناس على ما جاء عنه في هذه الرواية.
وهذا الاختلاف في الاجتهاد إنما هو فيما فضل من المال بعد سد الثغور، وأرزاق العمال والقضاة والمؤذنين وعطاء المقاتلة وما ينوب
المسلمين ويحتاج إليه من الزيادة في الكراع والأسلحة.
ولا يخرج عن قوم من فيئهم إلا ما فضل عن نوائبهم، وبالله التوفيق.
آخر ما يبقى في الأمة
في آخر ما يبقى في الأمة قال مالك: وزعم يحيى بن سعيد أنه سمع أن آخر ما يبقى في هذه الأمة الصلاة، وأول ما ترتفع منها الأمانة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف.
إذ لا مدخل للرأي فيه، وبالله التوفيق.
ما جاء من الكراهة في قيل وقال وكثرة السؤال
فيما جاء من الكراهة في قيل وقال وكثرة السؤال قال وسألته عن قول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قيل وقال وكثرة السؤال» . قال أما قيل وقال فهذه الأخبار في رأي وهذه الأرجاف- أعطي فلان كذا وكذا ومنع فلان، لقول الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: 65] ، فهؤلاء يخوضون.
وأما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه، قد كره رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسائل وعابها وقال، قال الله عز وجل: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101] ، فلا أدري أهو هذا أم هذا السؤال مسألة.
قال محمد بن رشد: الذي جاء عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
في قيل وقال قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن الله يكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» فقيل وقال مصدران من القول، يقال قلت قولا وقيلا وقالا، ومعناه الخوض فيما لا يعني من القول؛ لأن قول الإنسان محصي عليه.
وقد جاء أن ما لا يكتبه صاحب اليمين يكتبه صاحب الشمال على ما مضى القول فيه في رسم قطع الشجرة من سماع ابن القاسم.
وقد كانت عائشة ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول: ألا تريحون الكتاب؟ وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وأما السؤال الذي جاء الحديث في كراهيته فهو محتمل أن يكون المراد بذلك كثرة السؤال للناس لأن ذلك مكروه مذموم، قال الله عز وجل: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] ، وقال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه» . وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم.
قلت يا رسول الله وما ظهر غنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو ما يعشيهم؟» وأنه قال: «من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا» وأنه قال: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شينا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول الله: وما غناه؟ قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب؟» وأنه قال: «من سأل وله عدل خمس أواق فقد سأل إلحافا.» وهذا المقدار أولى المقادير بالاستعمال في تحريم الصدقة؛ لأن الآثار لا تحمل على التعارض، وتحمل على أن بعضها ناسخ لبعض.
وإذا حملت على ذلك فالأولى أن يجعل الأقل من المقادير الأربعة منسوخا بالذي يليه، والذي يليه منسوخا بالذي يليه، ليكون الأقل من المقادير الذي هو أثقل منسوخا بالأكثر الذي هو أخف تخفيفا من الله ورحمة.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك السؤال عن المشكلات التي لا يحتاج إليها ولا تعبد أحد بمعرفتها، وعما ينسخ من خفيات المسائل التي يغلب على الظن أن مثلها لا ينزل؛ لأن الاشتغال بذلك مكروه لأنه مما لا يعني.
ولما كان هذا من المحتمل قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا أدري أهو مسألة الاستعطاء أو ما كنتم فيه مما أنهاكم عنه منذ اليوم، وبالله التوفيق.
ما جاء في تفسير قول الله تعالى إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم
فيما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ [الأعراف: 163] الآية قال مالك: زعم ابن رومان في قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] قال كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت الآخر، فأخذ لذلك رجل منهم خيطا ووترا فربط حوتا منها في الماء
يوم السبت حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه فجاءوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوت وجدناه.
فلما كان يوم السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ربط حوتين، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذهما فاشتواهما فوجد الناس ريحيهما، فجاءوه فسألوه فقال لهم لو شئتم صنعتم كما أصنع، فقالوا له وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك.
وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فعدا إليهم جيرانهم ممن كان حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو ممن كان يعرفه قبل ذلك فيتمسح به.
قال محمد بن رشد: قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] وقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: 163] ، أي شارعة ظاهرة، ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] ، ابتلاء من الله عز وجل ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، أي ليعلم وقوع الطاعة منهم والمعصية، إذ قد علم أنها ستقع منهم.
والقرية قيل فيها إنها أيلة [مدينة] بيت المقدس بساحل البحر.
وكان الله عز وجل قد حرم على اليهود صيد الحوت في يوم السبت ابتلاء لهم قبل عقوبته لهم بخطيئة كانت منهم.
وقيل إنهم قالوا لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها،
كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على سائر الأيام والسبت أفضل الأيام كلها؛ لأن الله تبارك وتعالى خلق السماوات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت، فقال عز وجل لموسى: دعهم وما اختاروه لا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره ولا يفعلون فيه شيئا، فكانت الحيتان تأتيهم فيه شارعة ظاهرة كما قال عز وجل وتغيب عنهم في سائر الأيام فلا يصلون إليها إلا بالاصطياد والعناء.
وفي تعديهم في السبت غير قول: قيل إنهم كانوا يسدون عليها المسالك يوم السبت ويأخذونها في سائر الأيام ويقولون لا نفعل الاصطياد الذي نهينا عنه يوم السبت، وإنما نفعله في غيره، وقيل إن سفهاءهم عدوا فاصطادوا فيه وملحوا وباعوا ولم تنزل بهم عقوبة، فاستشروا وقالوا إنا نرى السبت قد حل وذهبت حرمته، وإنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى، ثم استسن الأبناء بسنة الآباء وكانوا يخافون العقوبة ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء، فعملوا بذلك سنين حتى أثروا منه وتزوجوا النساء واتخذوا الأموال، فوعظتهم طوائف من صالحيهم وحذروهم عقاب الله عز وجل على ذلك، فقالوا: قد عملنا ذلك سنين فما زاد الله إلا خيرا، ولئن أطعتمونا لتفعلن كما فعلنا، إنما حرم هذا على من قبلنا، فقالوا ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله، وهذه معذرة إلى ربكم، إما أن تنتهوا فتكون لنا أجرا، أو تهلكوا فننجوا من معصيتكم.
قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: 44] أي تركوا، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] وهو مسخهم قردة.
قال الله عز وجل: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66] .
قال قتادة: وبلغنا أنه دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكي وقد أتى على هذه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] فقال: قد علمت أن [الله أهلك الذين أخذوا] الحيتان ونجى الذين نهوهم، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يواقعوا المعصية.
وقال الحسن: وأي نهي يكون أشد من أنهم أثبتوا لهم الوعيد وخوفوهم العذاب فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] بالله التوفيق.
شرب أبوال الأنعام في الدواء
في شرب أبوال الأنعام في الدواء قال وسئل مالك عن شرب أبوال الأنعام في الدواء، قال: لا بأس بذلك، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام البقر والغنم.
قيل له فأبوال الأتن؟ قال لا خير فيه.
قيل له فأبوال الناس؟ قال لا خير فيه.
قيل له: فالشاة تحلب فتبول في اللبن؟ قال أرجو أن لا يكون به بأس.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه لا بأس بشرب أبوال الأنعام في الدواء.
والدليل على ذلك ما جاء في «الرهط العرينيين الذين قدموا على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستوخموا المدينة فأمرهم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يخرجوا في لقاحه فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا حتى إذا صحوا وسمنوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود» الحديث وقاس مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المشهور عنه أبوال سائر ما يؤكل لحمه في الطهارة على أبوال الأنعام [ويأتي بعد هذا في رسم الأقضية من هذا السماع أنه فرق بين أبوال الأنعام وأبوال سائر ما يؤكل لحمه] من الحيوان.
وتأول ابن لبابة أنه إنما فرق بين ذلك في إجازة التداوي بشربها لا في نجاستها للحديث الذي جاء في إجازة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرب أبوال الإبل للرهط العرينيين.
والقياس إذا قيست عليها في الطهارة أن تقاس عليها في إجازة التداوي بشربها؛ لأن العلة في إجازة التداوي بشرب أبوال الأنعام طهارتها.
ووجه التفرقة وقياس مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال بني آدم في النجاسة، فأبوال الأتن نجسة إذ لا تؤكل لحومها، فلا يجوز التداوي بشربها.
وما اختلف في جواز أكله اختلف في نجاسة بوله حملا على ذلك.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الأبوال تابعة للدماء في النجاسة لا للحوم، فرأى أبوال الأنعام وغيرها نجسة فأبعد في القياس وخالف الأثر.
وأما الألبان فهي تابعة للحوم في الطهارة، فما كان من الحيوان لا يؤكل لحمه سوى بني آدم المخصوصة لحومهم بالطهارة فألبانها نجسة قياسا على لبن الخنزيرة، فألبان الأتن نجسة.
وقد قال يحيى بن يحيى في سماعه من كتاب الوضوء أن من أصاب ثوبه لبن حمارة فصلى به أنه يعيد في الوقت كمن صلى بثوب نجس، إلا أنه قد جوز التداوي بها مراعاة للخلاف في جواز أكل لحومها، حكى ذلك ابن حبيب عن مالك وسعيد بن المسيب والقاسم ابن محمد وعطاء.
وروي إباحة التداوي بها عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وإلى إجازة ذلك ذهب ابن المواز أيضا.
وروى زياد عن مالك في لبن الحمارة أنه لا بأس به، فيحتمل أن يريد أنه لا إعادة على من صلى به في ثوبه أو بدنه، ويحتمل أن يريد أنه لا بأس بالتداوي به لمن احتاج إليه.
وقد مضى الكلام على هذه المسألة أيضا في رسم الجنائز والصيد من سماع أشهب من كتاب الصيد والذبائح، وفي رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وفي سماع يحيى من كتاب الوضوء، وبالله التوفيق.
قراءة القرآن بالألحان
في قراءة القرآن بالألحان وسئل عن القراءة بالألحان، فقال ما يعجبني لأن ذلك يشبه الغناء ويضحك بالقرآن ويسمى ويقال فلان أحسن قراءة من فلان.
قال مالك: ولقد بلغني أن الجواري قد علمن ذلك كما يعلمن الغناء، قال ولا أحب ذلك على حال من الأحوال في رمضان ولا في غيره، أين القراءة التي يقرأ هؤلاء من القراءة التي كان يقرؤها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: وإني لأكره التطريب في الأذان، ولقد هممت أن أكلم أمير المؤمنين في ذلك لأني كنت أسمعهم يؤذنون.
قال محمد بن رشد: كراهة مالك قراءة القرآن بالألحان بينة؛ لأن ذلك يشبه الغناء على ما قال.
وقد سئل في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة عن النفر يكونون في المسجد فيقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا، يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال هذا يشبه الغناء، فقيل له: أفرأيت الذي قال عمر لأبي موسى: ذكرنا ربنا، فقال: إن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، والله ما سمعت هذا قبل هذا المجلس.
وإنما اتقى مالك من حديث عمر بن الخطاب هذا وما أشبهه أن يتحدث به فيكون
ذلك ذريعة إلى استجازة قراءة القرآن بالألحان تلذذا بحسن الصوت.
وأما استدعاء رقة القلوب وشدة الخشوع في سماع قراءة القرآن من الحسن القراءة المحسن للتخشع في قراءته فلا مكروه في ذلك.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي يتغنى بالقرآن» أي ما استمع لشيء ما استمع لنبي يحسن صوته بالقرآن طلبا لرقة قلبه بذلك.
وعلى هذا يحمل ما جاء عن عمر بن الخطاب في قوله لأبي موسى الأشعري [ذكرنا ربنا أنه إنما أراد أن يسمع القرآن لحسن صوته ليخشع بذلك قلبه، وقد «قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي موسى الأشعري] تغبيطا بما وهبه الله عز وجل من حسن الصوت: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» . وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» فقيل معناه ليس منا من لم يحرص على سماع القراءة الحسنة ويتلذذ بها لما يجد من الخشوع عندها كما يلتذ أهل الأغاني بأغانيهم؛ وقيل معناه من لم يستغن به أي من لم ير أنه أفضل حال من الغني بغناه؛ وقيل معناه من لم يحسن صوته بالقرآن استدعاء لرقة قلبه بذلك.
وقد قيل لابن أبي مليكة أحد رواة الحديث: فمن لم يكن له حلق حسن؟ قال يحسنه ما استطاع.
وقد مضى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب ومن كتاب الصلاة زيادات في هذا المعنى، وبالله التوفيق.
التحذير من سماع أقوال أهل البدع
في التحذير من سماع أقوال أهل البدع قال مالك: وقال ذلك الرجل لا تمكن زائغ القلب من أذنك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين أنه يحذر أن يسمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم، وكفى من التحذير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه ابن غائم في ذلك من قوله: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق وفي كمه بضاعة أما كان يحترز بها منه خوفا أن يغتاله فيها، فلا يجد بدا أن يقول نعم، قال فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به، وبالله التوفيق.
الحض على اتباع الأمر الأول
في الحض على اتباع الأمر الأول قال مالك: وكان وهب بن كيسان يقعد إلينا ولا يقوم أبدا حتى يقول لنا: اعلموا أنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله.
قلت يريد ماذا؟ فقال لي: يريد في رأيي الإسلام.
قال محمد بن رشد: المعنى في قوله أنه لا يعز الإسلام في آخر الزمان إلا بما عز في أوله من الجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته على السنة والحق، وبالله التوفيق.
توقي الرجل أن يظن به سوء
في توقي الرجل أن يظن به سوء قال وسمعت ربيعة يقول: سأل رجل أبا بكر الصديق أن
يصحبه إلى حاجة، فخرج معه في طريق، فقال الرجل لأبي بكر حد بنا عن هذه الطريق لطريق آخر، فإن على طريقنا مجلسا فيه ناس فنستحيي أن نمر بهم، فقال له أبو بكر أتيتني في أمر تستحيي منه، لا أذهب معك أبدا فيه.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية والقول فيها في رسم السلف في الحيوان والمتاع المضمون، وبالله التوفيق.
كراهة طول الكمين
في كراهة طول] الكمين قال مالك: رأى عمر بن الخطاب رجلا يصلي وقد أطال كميه، فانتظره حتى قضى صلاته ثم دعاه فقال ما تريد؟ قال: مد يديك، فمد يديه، فقطع فضل كميه [عن يديه] بشفرة معه ثم أعطاه إياه، فقال انتفع بهذا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية والقول فيها في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم قبل هذا، وبالله التوفيق.
كراهة غضارة العيش
في كراهة غضارة العيش قال مالك: وزعموا أن بعض أصحاب النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين زرعت الحنطة بالمدينة كره ذلك، فقلت لمالك ولم؟ قال: كان الناس يأكلون الشعير، فكره ذلك لغضارة العيش.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى فيما كان عليه أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من شظف العيش في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر
في محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر قال مالك: سمعت ربيعة يسأل عن المصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم ويحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق غيره، فلا أدري ما أجابه ربيعة، غير أني أقول: إذا كان أصل ذلك وأوله لله فلا أرى بذلك بأسا، وإن المرء ليحب أن يكون صالحا وإن هذا ليكون من الشيطان يتصدق فيقول له إنك لتحب أن يعلم ذلك ليمنعه ذلك.
قلت له: إذا كان أصل ذلك لله لم تر به بأسا؟ قال: إي والله ما أرى به بأسا، قد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما شجرة لا يسقط ورقها شتاء ولا صيفا، فقال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقولها، فقال له عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.» فأي شيء هذا إلا هذا، وإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك.
وقال الله عز وجل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] ، وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84] .
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في قول مالك مكررا في رسم
العقول من هذا السماع وكتاب الصلاة، ومضى من قول ربيعة خلافه في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب ومن كتاب الصدقات والهبات، والتكلم على ذلك كله في المواضع المذكورة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
صفة الأمر بالمعروف
في صفة الأمر بالمعروف قال مالك: قال ربيعة سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا ينهى عن المنكر ولا يأمر بالمعروف حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.
قال مالك: وصدق، ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه ليس من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون القائم بذلك سالما من مواقعة الذنوب والخطايا إذ لا يسلم أحد من ذلك، وقد قال الله عز وجل لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وفي وصية الخضر لموسى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: واستكثر من الحسنات فإنك لا بد تصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا.
هذا في الأنبياء فكيف بمن دونهم من الناس.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الأعيان، لقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71] فيجب على كل أحد في خاصة نفسه أن ينكر من المنكر ما اطلع عليه مما مر به واعترضه في طريقه بثلاثة شرائط: أحدها أن يكون عالما بالمنكر؛ لأنه إن لم يكن عالما بذلك لم يأمن أن يأمر
بمنكر أو ينهى عن معروف؟ والثاني أن يأمن أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه، مثل أن ينهى عن شرب خمر فيؤدي نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؟ والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي.
فالشرط الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب.
وأما الانتداب إلى ذلك والقيام بتفقده وتغييره فلا يجب على أحد في خاصة نفسه سوى الإمام، وإنما يستحب له ذلك إذا قوي عليه.
وذلك بين من قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رسم الأقضية الثالث من هذا السماع من كتاب السلطان.
وإنما وجب ذلك على الإمام واستحب لمن سواه إذا قوي عليه لقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] . ومضى قول سعيد بن جبير والقول عليه قبل هذا في رسم القبلة من سماع ابن القاسم، وما زدته هاهنا تتميم له.
ومضى أيضا في الرسم المذكور في كتاب السلطان زيادات في هذا المعنى، وبالله التوفيق.
كراهة الإسراع في تعلم القرآن دون التفقه فيه
في كراهة الإسراع في تعلم] القرآن دون التفقه فيه قال مالك: وسمعت أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب أنه قد قرأ القرآن رجال، فكتب إليه عمر أن افرض لهم وأعطهم وزدهم، ثم كتب إليه أبو موسى الأشعري: إنا لما
فعلنا ذلك أسرع الناس في القراءة حتى قرأ سبعمائة، فكتب إليه عمر أن دع الناس، فإني أخاف أن يقرأ الناس القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين.
قال مالك: وإنما قال ذلك مخافة أن يتأولوه على غير تأويله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن التفقه في القرآن بمعرفة أحكامه وحدوده ومفصله ومجمله وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه آكد من حفظ سواده، فيكون من حفظ سواده ولم يتفقه فيه ولا عرف شيئا من معانيه كالحمار يحمل أسفارا.
وقد أقام عبد الله بن عمر على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها؛ لأنه كان يتعلمها بفقهها ومعرفة معانيها، وبالله التوفيق.
الذي يقول إنه سيد قومه
في الذي يقول إنه سيد قومه قال مالك: قال يحيى بن سعيد: دخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ قال أنا، فسكت عنه عمر ثم قال له: لو كنت سيدهم ما قلته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأن الرجل إنما يسود قومه بالتواضع فيهم، والبر بهم، والترفيع لهم، وترك التكبر عليهم، والاعتناء بأمورهم، والتهمم بأحوالهم؛ فإذا اعتقد أن له فضلا عليهم سادهم به فهو أدناهم مرتبة.
قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» . وقد مضى في رسم أخذ يشرب خمرا من