كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقوله: إن كان النجم لم يحل فمن حق الموصي له أن لا يعجل له وأن يبقى حقه على المكاتب رجاء أن يعجز، فيكون له في رقبته حق، خلاف قوله في رسم الوصايا الصغير من سماع أصبغ من كتاب الوصايا في الذي يوصي لرجل بألف درهم على مكاتبه، فقال الورثة للموصى له: نحن نعطيك الألف وتكون جميع الكتابة لنا والعبد، فأبى ذلك، وقال: يكون لي في العبد والكتابة لعله يعجز.
قال: ليس ذلك له؛ لأن الظاهر من قوله فيها: إن الكتابة لم تحل، فإذا لم يكن للموصي له في ذلك حق وإن كانت لم تحل فأحرى أن لا يكون له في ذلك حق إن كانت قد حلت.
والاختلاف في هذا جار على الاختلاف فيمن وهب كتابة مكاتب فعجز، هل تكون له رقبته أو للواهب؟ وقد مضى ذكر ذلك في سماع موسى، وقد قيل: إن تفرقته في هذه الرواية بين أن يحل النجم أو لا يحل مبين لما في سماع أصبغ من كتاب الوصايا لا خلاف له، إذ لا نص فيه على أن الألف لم تحل، فمعناه أنها قد حلت.
فيأتي هذا فيمن وهب كتابة مكاتب فعجز عنه ثلاثة أقوال فيمن تكون له الرقبة؟ أحدها: أنها تكون للواهب بخلاف البيع، والثاني: أنها تكون للموهوب كالبيع، والثالث: الفرق بين أن يكون قد حلت الكتابة أو لم تحل، وبالله التوفيق.
: أوصى لهم الميت بالكتابة ولم يخص لواحد منهم نجما بعينه
ومن كتاب الوصايا الصغير وسئل ابن القاسم: عن المكاتب يموت سيده وعليه ثلاثة آلاف فيوصي لرجل بالأولى وآخر بالثانية، ولآخر بالثالثة، فيستوفي الأولان منه، ثم يعجز العبد، قال: إن ردا ما أخذا رجع أنصباؤهما في العبد، وإن لم يردا رجع ما كان نصيبهما من العبد إلى ورثة الميت
الموصي، قيل له: الذي يردان إلى من يردانه؟ قال: إلى العبد يكون في يديه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم من قولي في الرسم الذي قبل هذا أن معنى هذه المسألة أنه أوصى لهم بجميع الكتابة، ثم فسر ما يأخذ كل واحد منهم منها من النجوم.
وقوله في هذه المسألة: إنهما إن ردا ما أخذا رجع أنصباؤهما في العبد، وإن لم يردا رجع ما كان يصيبهما من العبد إلى ورثة الموصي - خلاف ما تقدم من قوله في الرسم الذي قبل هذا، ولكلا القولين وجه، وقد مضى وجه القول المتقدم ووجه هذا: أن الموصي لما أوصى لهم بالكتابة معا ثم بين ما يأخذ كل واحد منهم منها فقد ساوى بينهم في الوصية إلا فيما بدى بعضهم على بعض، فوجب إذا قبض الأولان نجميهما ثم عجز في النجم الثالث: أن لا يكون للأولين مشاركة الثالث في رقبة المكاتب، إلا أن يردا عليه ما يجب له مما قبضا من المكاتب، وهو ثلث ما قبضا منه، وهو معنى قوله: إنهما يردان ذلك إلى العبد؛ لأنهما إذا ردا ذلك إلى العبد ورجعا معه في رقبته فقد استووا جميعا فيه، وفيما قبضا منه، ولا يلزمهما أن يردا إلى الثالث ما يجب لهما مما قبضاه من المكاتب إذ لم يبدئهما بذلك، ومن حقهما أن يتمسكا بما قبضا منه ويرجع حظهما من رقبة العبد لورثة الموصي كما قال في الرواية، ولو أوصى لهم الميت بالكتابة ولم يخص لواحد منهم نجما بعينه، فحل النجم الأول والثاني، فبدأ أحدهم صاحبه بهما على أن يقبض هو النجم الثالث، فعجز فيه للزمهما أن يردا عليه ما يجب له من النجمين اللذين قبضاهما ويرجعا معه في رقبة المكاتب، على ما مضى في رسم الكبش من سماع يحيى في المكاتب بين الورثة، وهذا القول أظهر من القول الذي تقدم في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
: كاتب عبده ثم دبره
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم: عمن كاتب عبده ثم دبره، قال: ينظر إلى أدنى القيمتين من قيمة رقبته أو قيمة الكتابة فجعلت في ثلث الميت.
وإن دبره ثم كاتبه لم يجعل في ثلثه إلا قيمة رقبته.
قال محمد بن رشد: أما إذا كاتبه ثم دبره، فقوله: إنه يجعل في الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو قيمة الكتابة فهو بين على ما قاله، ومثله في المدونة في الذي يوصي بعتق مكاتبه، وقيل: الأقل من قيمة الرقبة أو عدد الكتابة، والقولان في المدونة.
وأما إذا دبره ثم كاتبه ففي قوله: إنه يجعل في الثلث قيمة رقبته نظر؛ لأنه إنما يقوم يوم ينظر في الثلث وهو مكاتب بعد، فلا فرق في القياس والنظر بين أن يدبره ثم يكاتبه، أو يكاتبه ثم يدبره فيما يجب أن يجعل في الثلث، وبالله التوفيق.
مسألة: مكاتب بين رجلين أوصى أحدهما صاحبه في مرضه
مسألة وقال، في مكاتب بين رجلين أوصى أحدهما صاحبه في مرضه، فقال: ثلث النصف الذي لي في فلان المكاتب لفلان أخي، والثلث حر، ثم هلك وهلك المكاتب عن مال، كيف يورث؟ قال: على خمسة أسهم، فيكون لشريكه ثلاثة أسهم من خمسة ويكون للذي أوصى له ثلث النصف سهم، ولورثته سهم من خمسة، وذلك بعدما يستوفون ما لهم فيه من الكتابة، وإن قال ذلك في صحته ثم هلك
المكاتب عن مال كان للذي لم يعتق ثلاثة أسهم من ستة، ولشريكه سهمان من ستة، وللذي تصدق عليه بسدس العبد سهم من ستة، وذلك بعد أن يستوفوا من ماله بقيمة كتابتهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين كله صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها لأن الثلث من نصف المكاتب الذي أوصى أحد الشريكين فيه بعتقه يعتق في ثلثه، وإن أعتق ثلث النصف منه بقي فيه من الرق خمسة أسداسه فيها يورث؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء، والعبد لا يورث بالحرية حتى لا يبقى فيه شيء من الرق.
وأما إذا قال ذلك في صحته فلا يوجب ذلك له عتقا؛ لأن عتق بعض المكاتب في الصحة وضع، وليس بعتق، فوجب أن يورث على أن جميعه رقيق، فيكون للشريك فيه نصف ميراثه، وللمتصدق عليه بثلث نصفه سدس ميراثه وللمتصدق المعتق ما بقي وهو الثلث؛ لأن عتقه ليس بعتق إنما هو وضع، والله الموفق.
مسألة: كاتب عبدا له ثم وهب لرجل نجما من نجومه ثم عجز العبد
مسألة وقال، في رجل كاتب عبدا له، ثم وهب لرجل نجما من نجومه، ثم عجز العبد.
قال: يكون له في رقبته حصة بقدر النجم الذي وهب له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه وهبه نجما من نجوم مكاتبه بغير عينه، فقد حصل شريكا معه في جميع كتابته على الإشاعة بما يقع ذلك النجم من جميع النجوم على قدر قيمة من قيمته جميعا، وصار ذلك كأنهما كاتباه جميعا، فوجب إذا عجز في آخر النجوم أن تكون رقبته بينهما كالمكاتب بين الشريكين يعجز، وهذا خلاف ما تقدم له من رواية أبي زيد عنه
في سماع موسى بن معاوية، إذ لا فرق في هذا بين هبة جميع الكتابة أو نجما بغير عينة، وقد مضى هنالك التكلم على ذلك فلا معنى لإعادته ولابن القاسم في كتاب ابن المواز، قال: فإن وهبه نجما منها بعينه في صحته فلا يكون له من رقبته شيء إن عجز، وكأنه هبة لمال ذلك النجم، وقد مضى في رسم الوصايا ورسم الوصايا الصغير أيضا من سماع أصبغ ما ظاهره أن الموصي له بنجم بعينه يصير له من رقبة المكاتب إن عجز بقدر ذلك النجم من جميع الكتابة، وهو بعيد في المعنى، فتأولناه على أنه إنما تكلم في ذلك على نجم بغير عينه، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: العتق إلى أجل
مسألة وقال، في رجل أعتق مكاتبه إلى عشر سنين.
قال: يخير المكاتب بين أن يسقط الكتابة ويعتق إلى عشر سنين أو يكون على كتابته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن العتق إلى أجل عقد لازم لا يبطله شيء يحدث بعد، فهو أوجب من الكتابة، إذ قد يعجز عنها فيرجع رقيقا، فلذلك قال: إنه يخير بين أن يسقط الكتابة عن نفسه ويبقى معتقا إلى أجل، وبين أن تبقى كتابته، وإنما يخير بين الأمرين ما لم ينفذ عتقه إلى الأجل، وأما إن أنفذه فإما أن يخير بين أن يسقط الكتابة وبين أن يبقى على كتابته مع العتق المؤجل، فإن أدى كتابته قبل الأجل خرج حرا بأداء الكتابة وإن حل الأجل قبل الكتابة سقط عنه ما بقي عليه منها وخرج حرا، وبالله التوفيق.
مسألة: مكاتب بين ثلاثة نفر قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني
مسألة وسئل: عن مكاتب بين ثلاثة نفر، قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني، ووضع الثالث، ثم عجز المكاتب.
قال: إن رد الذي قاطع نصف ما في يديه إلى الذي تمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى أن يرد شيئا لم يكن له في العبد شيء، وكان العبد بين الذي تماسك وبين الذي وضع بنصفين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الذي وضع منهم حظه من الكتابة لم يسقط بوضعه حظه منها حقه في الرقبة، إن عجز عما بقي منها لشركائه، فإن عجز وبقي الذي قاطع على ما قاطع به كان المكاتب بين الذي وضع وبين الذي تماسك بنصفين كما قال، وإن أراد الذي قاطع أن يرجع على حظه في رقبة المكاتب، قيل له: رد نصف ما قاطعت به؛ لأن الذي وضع لا حق له فيما قاطعت به، إذ قد كان وضع عن المكاتب ما كان له عليه، ولو كانت مقاطعته إياه بغير إذن شريكه لم يكن له أن يرد نصف ما قاطع به ويرجع في رقبة المكاتب، ولكان الخيار في ذلك إلى الذي تماسك بالكتابة، وبالله التوفيق.
مسألة: كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق
مسألة وقال، في رجل كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق أو بعيره الشارد: إن الكتابة جائزة، وعليه أن يأتي بالعبد أو بالبعير، فإن لم يأت به وأيس منه عجز.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والكتابة على هذا تشبيه للجعل الجائز، وهي جائزة، والأصل في جوازها ما جاء: من «أن سلمان الفارسي كاتب أهله على مائتي ودية يحييها لهم، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا غرستها فأذني"، فلما غرسها أذنه، فدعا له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم تمت منها ودية واحدة» وقد مضى هذا في رسم أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به
مسألة وقال، في الرجل يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به، أيكون مكاتبا مع أمه أم لا؟ قال لي مالك: نعم يكون مكاتبا مع أمه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ولا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» .
مسألة: يضع عن مكاتبه نجما من نجومه في الوصية
مسألة
قال أبو زيد: وسئل ابن القاسم: عن تفسير المسألة التي في كتاب المكاتب من الموطأ في الذي يضع عن مكاتبه نجما من نجومه أولها أو آخرها أو وسطها في الوصية وما ذكر فيها من قسمة قيمة العبد على تلك النجوم ويقدر قربها من الأجل وبعدها.
قال ابن القاسم: تفسير ذلك أن يكون على المكاتب ثلاثمائة دينار، في كل نجم مائة، فإن كان وضع المائة الأول نُظِرَ كَمْ قِيمَتُهَا نقدا إِنْ لو بيعت في قرب محلها؛ لأن النجم الأول ليس مثل آخرها في القيمة، ويقوم على ذلك على قدر مال العبد وملائه في الأداء، فإن كان قيمتها خمسون دينارا قلنا كم قيمة الثاني بعده؟ فإن قيل: ثلاثون دينارا، قلنا: كم قيمة الثالث الذي بعدهما؟ فإن قيل: عشرون دينارا كان للذي أوصى له من ذلك نصف رقبته، ثم ينظر إلى ذلك، فإن كان أقل في القيمة من نصف قيمة رقبته أو قيمة النجم الأول فيوضع ذلك في ثلث مال الميت، فإن خرج من الثلث عتق، ولا ينظر إلى قيمة الكتابة في النجم الأول إن كان قيمة نصف رقبته أقل، ولا إلى قيمة نصف رقبته إن كانت قيمة النجم أقل؛ لأنه إذا أعتق نصفه والذي أخذ من الكتابة نصفها فيوضع ذلك في ثلث مال الميت
على ما أحب ورثة الميت أو كرهوا، وإن وضع عنه الأوسط أو الآخر فعلى هذا يحسب، ويدخل في ثلث الميت الذي هو أقل أبدا، ولا يدخل في ثلث الميت قيمة النجم الأول ولا الثاني ولا الثالث، إن كان ذلك أكثر من قيمة ما يصيب من رقبته؛ لأنه لو وضع عنه ذلك كله لم يدخل في مال الميت إلا الذي هو أقل من قيمة الكتابة كان أو قيمة رقبته.
وكذلك النجم بعينه إنما يدخل في ثلث مال الميت قيمة أو قيمة ما يصيبه من قدر رقبته؛ لأن الوصايا تدخل معه فيكون ذلك خيرا لأهل الوصايا أن يتموا وصاياهم، وليس على الورثة في ذلك ضرر.
وإن كان النجم الأقل هو نصفه ولم يترك الميت مالا غيره خير الورثة بين أن يضعوا هذا النجم بعينه ويعتق الذي كان يصيبه من قيمة رقبته، وهو النصف، ويسقط ذلك النجم بعينه ويكون له النجمان الباقيان، فإن استوفوا فذلك، وإن عجز ورق عتق منه إلا نصفه، وإن أبوا أن يجيزوا ذلك عتق ثلثه، ووضع عنه من كل نجم ثلثه، فإن عجز كان ثلثه حرا وثلثاه رقيقا لهم، وهذا وجه ما سمعت وبلغني عنه ممن أثق به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح من قوله وَبَيِّنٌ من تفسيره على قياس ما في المدونة وغيرها من أن من أوصى بعتق مكاتبه يوضع في ثلث الميت الأقل من قيمة رقبته أو قيمة كتابته، وقد مضى هذا في أول سماع أبي زيد وغيره، فلا معنى لإعادته.
: نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون، في نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر، فأسلم المكاتب بعدما أدى نصف الخمر، قال: يكون على المكاتب نصف قيمته عبدا قنا، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية.
قيل له: فإن أسلم السيد ولم يسلم المكاتب؟ قال: هو كما أخبرتك، من أسلم منهما فهو على ما أخبرتك.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يكون عليه لسيده إذا أسلم أحدهما نصف قيمته أو نصف كتابة مثله - ليس على سبيل التخيير لأحدهما في ذلك، وإنما هو قولان، فمرة قال: إنه يكون عليه نصف كتابة مثله؛ لأن ما بقي من الكتابة هو الذي بطل بإسلام من أسلم منهما إذ لا يصح أن يقضي بالخمر لمسلم ولا على مسلم، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة: أن يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، فإن بقي نصف الخمر والخنازير طالبه بنصف كتابة مثله، إن ثلث فثلث، وإن ربع فربع، ومرة كان يقول: عليه نصف قيمة رقبته، ووجه ذلك: أن المكاتب لما كان عبدا ما بقي عليه من كتابته شيء، فبطل ما بقي من كتابته بإسلام من أسلم منهما، وجب عليه نصف قيمة رقبته إن كان بقي عليه نصف ما كاتبه عليه من الخمر والخنازير، إذ قد كان يمكن أن يعجز عنها فيرجع رقيقا، والقول الأول أظهر، والله أعلم.
مسألة: مكاتبة وطئها سيدها فحملت ولها مال كثير
مسألة وسئل: عن مكاتبة وَطِئَهَا سَيِّدُهَا فحملت ولها مال كثير، هل تكون بالخيار في أن تكون على كتابتها، أم تكون أم ولد؟ قال: نعم إن أرادت أن تكون أم ولد، فذلك لها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، إذ ليس ذلك منها كتعجيز المكاتب نفسه، وله مال ظاهر أن لا ترجع رقيقا باختيارها أن تكون أم ولد لسيدها ولا تنقل بذلك ولاءها عنه، ولا فيه ضرر على أحد إذا لم يكن معها أحد في كتابتها، فوجب أن يكون ذلك لها، ولو كان معها أحد في كتابتها لم يكن ذلك إلا برضاهم إلا أن تكون هي أقدر على السعي منهم وتخاف عليهم العجز بذلك، فلا يكون ذلك لهم وإن رضوا، وقال بعض الرواة: لا يكون ذلك لها وإن رضوا ورضيت، إذا كان قبلهم من السعي ما قبلها؛ لأنه لا يدري ما يئول إليه مالهم، وإذا رجعت أم ولد برضاها ورضاهم حط عنهم من الكتابة مقدار حصتها، وسواء على مذهب مالك وطئها طائعة أو أكرهها ويؤدب في الحالتين جميعا إلا أن يعذر بحبها له، وأدبه في استكراهه أشد.
وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي: إذا وطئ الرجل أمته فحملت كانت أم ولد له وبطلت كتابتها.
وقال ربيعة: إن طاوعته بطلت كتابتها وكانت أم ولده، وإن أكرهها فهي حرة، وَوَلَدُهَا على كل حال لَاحِقٌ به، وهذا كله في المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير
مسألة وسئل: عن رجل أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير، وليس له مال غير العبد.
قال: يقال للورثة: أتجيزون ما أوصى به الميت؟ فإن قالوا: نعم، نجيز ذلك، وإن قالوا: نحن نجيز الكتابة ولا نجيز ما أوصى به الميت لهذا الرجل، قيل لهم: كاتبوه، ثم يقال لهم: إنما لكم من هذا المكاتب الثلثان وليس لكم الثلث، فاختاروا، فإن شئتم فادفعوا إلى هذا
الموصى له بالعشرة دنانير ما أوصى له به، ولكم ثلث كتابته، وإلا فأسلموا إليه ثلث كتابة الكاتب.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله: إنهم إذا أجازوا الكتابة فهم يخيرون بين أن يسلموا ثلثها إلى الموصى له بالعشرة، أو يسلموا له العشرة؛ لأن ثلث الكتابة هي ثلث جميع مال الميت إذا لم يكن له مال سوى العبد الذي أجازوا وصية المكاتب بكتابته، ولو لم يجيزوا الكتابة أيضا لم يكن عليهم أكثر من أن يعتقوا ثلثه بتلا بما أوصى له به من الكتابة، وتبطل وصيته بالعشرة؛ لأن الوصية بالعتق مقدمة على الوصية بالمال، وبالله التوفيق.
مسألة: وطئ مكاتبة ابنه فأولدها
مسألة وسئل: عمن وطئ مكاتبة ابنه فأولدها هل تكون بالخيار إن شاءت كانت أم ولد للواطئ وإن شاءت كانت على كتابتها؟ قال: ليس ذلك لها.
قيل له: لم قال لأنه ليس لها أن تنقل ولاءها عن الابن الذي قد انعقد له إلى الأب؟ قيل: فإن عجزت؟ قال: يكون الابن بالخيار إن شاء قومها على أبيه فعل، وقد روى في كتاب العرية أن لها الخيار أن تمضي على كتابتها أو تكون أم ولد للأب.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها في رسم العرية من سماع عيسى فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: وطئ مكاتبة فأحبلها فاختارت أن تكون أم ولد
مسألة قيل له: فلو أن رجلا وطئ مكاتبة فأحبلها ولها مال كثير فيه وفاء بكتابتها وفضلة فاختارت أن تكون أم ولد أيكون لها الخيار في أن تكون على كتابتها أو تكون أم ولد؟ قال: نعم، قال سحنون:
وتكون نفقتها على السيد في حملها بمنزلة المبتوتة إذا كانت حاملا إذا اختارت أن تمضي على كتابتها.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذه النوازل القول على وجه رضاها برجوعها أم ولد وإن كان لها مال، وأما قول سحنون: إن لها النفقة في حملها فهو القياس على ما قاله، ولأصبغ في الواضحة أنه لا نفقة لها، والذي أقول به أن لها النفقة إن أكرهها على الوطء ولا نفقة لها إن طاوعته، ويحتمل أن يفسر قول سحنون وأصبغ على هذا فلا يكون في المسألة اختلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده هل يفسخ النكاح
مسألة قال سحنون، في مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده، هل يفسخ النكاح؟ ولمن يكون حقها من زوجها؟ قال: يفسخ النكاح ويكون الصداق للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن النكاح يفسخ إذا اشتراها، معناه: إذا اشتراها بإذن سيدها؛ لأنه إذا اشتراها بإذنه دخلت معه في كتابته فصارت مكاتبة له، ولا يجوز للرجل أن يتزوج أمته ولا مكاتبته.
وقوله: إن الصداق يكون للبائع إلا أن يشترط المبتاع - صحيح؛ لأنه مال لها، ومال العبد للبائع إلا أن يشترطه المبتاع على ما أحكمته السنة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ومعنى ذلك: إذا كان شراؤه إياها بإذن سيده بعد أن دخل بها، وأما لو كان اشتراها بإذنه قبل أن يدخل بها لم يكن لها صداق ولا نصف صداق؛ لأن كل نكاح يفسخ قبل الدخول لفساده فلا صداق فيه، ولو اشتراها بغير إذن سيده لم تدخل في كتابته، وإذا لم تدخل في كتابته فلا يفسخ النكاح بشرائه إياها فإن احتاج إلى بيعها في الأداء عن نفسه باعها، وإن أدى خرجت حرة، وإن عجز كانت أمة له وكان لسيده أن ينتزعها منه إن شاء؛
فإن فعل انفسخ نكاحه ووطئها بملك يمينه، وبالله التوفيق.
مسألة: مكاتب اشترى ابن مولاه هل يعتق عليه أم لا
مسألة وقال، في مكاتب اشترى ابن مولاه، هل يعتق عليه أم لا؟ قال سحنون: يكون رقيقا في يد المكاتب.
قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا من قول ابن القاسم في رسم يدير ماله من سماع عيسى والكلام عليه، فلا معنى لإعادته.
مسألة: المكاتب يموت ويترك مائة ديناردينا عليه من كتابته
مسألة وسئل: عن المكاتب يموت ويترك مائة دينار دينا عليه من كتابته ويترك ثلاث أمهات أولاد له من كل واحدة منهن ولد واحد فشح كل واحد منهم أن تباع أمه فيما عليهم من الكتابة، وقيمة كل واحدة منهن مائة دينار.
قال: يباع من كل واحدة منهن ثلثها، قيل: فلو كانت قيمتهن مختلفة، فكانت قيمة واحدة ثلاثمائة دينار، وقيمة الأخرى مائتان، وقيمة الأخرى مائة؟ قال: يباع من كل واحدة منهن سدسها، يباع من الثمن قيمتها، ثلاثمائة سدسها خمسون دينارا، ومن التي قيمتها مائة، سدسها ستة عشر وثلثان، ومن التي قيمتها مائتان، سدسها ثلاثة وثلاثون وثلث، فجميع ذلك مائة.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يقرع بينهن فيمن يباع في الدين اتفقت قيمتهن أو اختلفت، فإن اختلفت فخرج السهم على التي قيمتها مائة بيعت وعتقت الاثنان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها مائتان بيع نصفها وعتقت الاثنتان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها ثلاثمائة بيع ثلثها وعتق الباقيتان، وهذا القول أيضا لضرر الشركة في العتق في كل
واحدة منهن، وهو الذي يأتي على ما رواه سحنون في أنه إذا لم يكن ولد إلا لواحدة منهن إلا بالقرعة سوى الأم، ولا تدخل الأم في القرعة، وعلى ما في المدونة إنما بيع التي فيها نجاتهم كانت أمة أو غير أمة، ولم ير أن يبيع أمه إذا كان في سواها من أمهات أولاد أبيه كفاف لدينه، ولم يتكلم في المدونة إذا كان لكل واحد منهن ولد، والقرعة في ذلك أولى من قول سحنون في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
مسألة: كاتب عبيدا له ثلاثة كتابة واحدة
مسألة وسئل المغيرة: عن رجل كاتب عبيدا له ثلاثة كتابةً واحدةً، وبعضهم حملاء عن بعض، ثم إن بعض المكاتبين أَبِقَ وأبقى أصحابه على حالهم فعجزهم السلطان، ثم إن الآبق قدم ومعه قوة على أداء الكتابة كلها والسلطان الذي عجزهم قائم لم يمت ولم يعزل، هل يعتق لحصته من الكتابة، أو يعتق هو وأصحابه؟
قال: أرى أن الآبق من المكاتبين على كتابته إن جاء بها عتق الذين عجزوا من شركائه بما أدى عنهم من كتابتهم وكتابته.
قيل له: فهل يرجع المكاتب على شركائه في كتابته بما أدى عنهم بقدر حصصهم؟ قال: نعم، قيل: ذوو رحم كانوا أو غيرهم؟ قال: نعم، هو سواء في هذا الموضع؛ لأن المرء يتبع في دينه أباه وأخاه وابنه، ولو مات ورثوه، فهؤلاء كذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وبعضهم حملاء عن بعض، ظاهره: أنهم لا يكونون حملاء بعضهم عن بعض إذا كوتبوا كتابة واحدة إلا أن يشترطوا ذلك، وهو خلاف ما في المدونة وغيرها.
وأما قوله في آخرها: إنه يرجع الآبق الذي أدى الكتابة على من كان معه
فيها وإن كان ابنه أو أباه أو أخاه فهو خلاف نص مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذا في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
: يوصي أن يكاتب نصف عبده
من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قال أصبغ، في الرجل يوصي أن يكاتب نصف عبده، فقال: يقال للورثة: إما أن تكاتبوا هذا العبد كله حتى تجوز فيه وصية الميت، وإما أعتقتم من نصف العبد مبلغ ثلث مال الميت؛ لأنه لا يجوز أن يكاتب نصف عبده، ولا بد من أن ينفذ له ما أوصى به له، ويعتق ثلث ما بلغ مال الميت منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما يعتق ما حمل الثلث من نصفه وإن كان الثلث يحمل الرقبة كلها؛ لأن الميت لم يوص في الجميع وإنما أوصى في البعض، فللورثة حجة في أن لا يعتق منه بتلا أكثر مما أوصى به أن يكاتب منه، وهي وصية فيها قربة على وجه لا يجوز، فوجب أن تنفذ وصيته للقربة التي فيها على الوجه الذي يجوز، كما لو أوصى أن يحج عنه على أن يقدم السعي على الطواف ما أشبه ذلك من مخالفة أمر السنة في الحج، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي لرجل بثمن أبيه
مسألة وسئل: عن رجل يوصي لرجل بثمن أبيه، يقول: بيعوا فلانا وأعطوا فلانا ثمنه ابنه، أو يقول: أعطوا ثمن فلان لفلان، فقبل ذلك الابن، أترى أن يعتق عليه؟ قال: لا أرى ذلك، والوصية جائزة له، وأرى أن يباع ويدفع إليه ثمنه.
قلت له: أرأيت إن أوصى بكتابة مكاتبه وهو ابنه أو أبوه أو بعض من يعتق عليه، قيل: ولم رأيت ذلك في الكتابة ولم تره في ثمنه، إذا قال: أعطوا فلانا ثمن فلان؟ قال: لأنه إذا أوصى له بالكتابة أو أعطاه إياها فقد نزل منزلة الذي كاتبه إن أدى عتق، وإن عجز رق ولم يعتق عليه إن ملكه، فملك الكتابة كملك الرقبة.
وأما إذا قال: أعطوه ثمنه، فإنه يصير له الثمن بعد بيعه، ليس بيعه في يدي ابنه ولا رقبته، وإنما له ثمنه إذا بيع، فلا أرى عليه فيه عتقا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا أوصى له بكتابة من يعتق عليه، فقيل ذلك إنه يعتق عليه، معناه: أنه أسقط عنه الكتابة فيعتق بذلك ويكون ولاؤه للذي عقد كتابته، وهو بين من قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور من سماع يحيى.
وتفرقة أصبغ بين أن يوصي له بكتابة من يعتق عليه أو بثمنه بينة صحيحة، وقد مضى ذلك في سماع يحيى المذكور، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
تم كتاب المكاتب والحمد لله
: استودع وديعة فدفنها في أهله فهلكت
كتاب الوديعة من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، عن مالك: فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله وأشهد عليها، أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة ليست على ظاهرها، وفيها تقديم وتأخير، وتقديرها، قال ابن القاسم عن مالك فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه وأشهد عليها فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك، وإنما وجب أن يقدر هذا التقدير؛ لأن من أودع وديعة فدفنها في بيته أو خلفها عند أهله لا يجب عليه الإشهاد على ذلك، إذ هو مصدق في ذلك، قاله في المدونة وغيرها، وإنما يجب عليه الإشهاد إذا استودعها غيره لحاجة دعته إلى ذلك من إرادته سفرا أو خراب منزله أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي يعذر بها، فمعنى قوله في الرواية: أو استودعها بعض إخوانه، يريد: عند سفره أو خراب منزله مع أن يعلم ذلك، فإذا أودع الرجل وديعة فأودعها غيره فتلفت عنده، فهو ضامن لها إلا أن تكون له بينة إيداعها، ويعلم السبب الذي من أجله أودعها، إذ لا يصدق في شيء من ذلك دون أن يبينه، وإذا علم السبب صدق في أنه إنما أودع من أجله، وكان القول في ذلك قوله.
وقوله في هذه الرواية: إنه إذا خلف الوديعة عند أهله فتلفت إنه لا ضمان عليه - هو نص قوله في المدونة: إنه لا ضمان عليه في الوديعة إذا أودعها عند امرأته وخادمه، خلاف قول أشهب: إنه ضامن في ذلك، وقد قيل: إن قول أشهب ليس بخلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأن المعنى في ذلك أنه يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم على ذلك، ولا يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس يسترفعون أموالهم عند أهليهم ويأمنونهم على ذلك، فكل واحد منهم تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه؛ لأن قولهما مختلف، فعلى هذا الاختلاف في ذلك بينهما إذا علم العرف والعادة في البلد، وإنما يختلفان إذا جهل العرف في ذلك البلد، فأشهب يضمنه حتى يقيم البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس يأتمنون أهليهم على أموالهم ويسترفعونهم إياها، وابن القاسم لا يضمن حتى يقيم صاحب الوديعة البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم عليها، والأظهر أنه اختلاف من القول؛ لأن من حجة صاحب الوديعة أن يقول: أنا إنما رضيت أمانتك ولم نعلم أنك تأمر أهلك كما يفعل الناس.
ويتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ضمان عليه وإن كان الناس لا يأتمنون أهلهم إذا كان هو مؤتمن أهله بماله، وهو ظاهر ما في المدونة، ووجه هذا القول: أن المودع لما أودعه فقد علم أنه يحرزها في منزله كما يحرز ماله.
والقول الثاني: أنه ضامن وإن كان الناس يأتمنون أهلهم، وهو ظاهر قول أشهب، ووجهه: أن صاحب الوديعة يقول: إنما رضيت أمانتك لا أمانة سواك إذ لم أعلم أنك تأتمن أهلك كما يفعل الناس.
والقول الثالث: الفرق بين أن يكون العرف والعادة في البلد أن يأتمن الناس أهليهم أو لا يأتمنون، ولو كان الرجل لا يأمن أهله على ماله ولا يسترفعها إياه لضمن الوديعة، إن دفعها إليها فتلفت، وإن كان الفرق في البلد أن الناس يسترفعون أهليهم أموالهم ويأتمنونهم عليها قولا واحدا.
ولم يعط في المدونة جوابا بينا في العبد والأجير إذا كان في عياله فوضع عندهما ما أودع إياه فتلف، والذي يأتي على مذهبه فيها أنه لا ضمان عليه إذا كان يأتمنهما على ماله ويسترفعهما.
: الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل: عن الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه.
قال مالك: إن لهذه الأمور وجوها، أرأيتك لو تقادم هذا حتى يمر به عشرون سنة ثم مات فقام صاحبها يطلبها، ما رأيت له شيئا، وكأني رأيته إن كان قريبا أن يكون ذلك له، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، ولو كان إنما ذلك الأشهر والسنة وما أشبهه ثم مات ثم طلب ذلك الذي أقر به لرأيته في ماله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الرجل إذا أقر بالوديعة من غير أن يشهدها عليه، ثم مات وقام صاحبها يطلبها فلم توجد في ماله، إنه لا شيء له إذا طالت المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى ردها أو تلفها لكان القول قوله مع يمينه، فإذا كانت على الميت اليمين فقد سقطت عنه بموته، ويلزم من كان كبيرا من الورثة أن يحلف ما يعلم لها سببا، ولم يحمل عليه إذا لم يوجد بعد طول المدة أنه قد استسلفها له إن كانت دنانير أو أكلها إن كانت طعاما، أو استهلكها إن كانت عروضا؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين، ولأن ذلك كان يكون منه لو فعله عداء فعلى من ادعاه أن يثبته، وهذا كان القياس، وإن لم تطل المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى أنه ردها أو تلفت لكان القول قوله في ذلك مع يمينه.
فتفرقته بين القرب والبعد استحسان، ووجهه: أن الذي يغلب على الظن في البعد أنه ردها، وفي القرب أنه استسلفها؛ لأن الودائع في أغلب الأحوال لا تترك عند المودع الدهور والأعوام.
وقال، في العشرين سنة: إنه طول، وكذلك العشر سنين على ما قاله في موضع آخر، وقال في السنة وما أشبه ذلك: إنه يسير، فقيل: إن ذلك خلاف لما في آخر كتاب الشركة من المدونة في الشريكين يموت أحدهما، فيقيم شريكه البينة أنه قد كانت عنده مائة دينار من الشركة، فلم يوجد ولا علم لها مسقط أنها تكون في ماله، إلا أن تطول المدة، أرأيت لو كان ذلك مثل السنة لكان يؤخذ ذلك من ماله، وقيل: إنها ليست بخلاف لها وهو الصحيح؛ لأنها مسألة أخرى، والفرق بينهما أن للشريك التصرف في المال، وليس للذي يودع أن يتصرف فيما أودع إياه، وبالله التوفيق.
: يبيع من الرجل الجارية على أن ينفق عليه حياته
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل: عن جارية وضعها رجل عند رجل فأنفق عليها ثلاثين صاعا من تمر، ثم جاء سيدها، فقال: إنما لك ثلاثون صاعا، وقال المنفق: بل لي بسوق يوم أنفقت واشتريت، والطعام يوم جاءه صاحبها أرخص، قال مالك: يحسب يوم أنفق، يعطي بذلك دراهم، قال ابن القاسم: وذلك إذا كان المنفق اشترى بالثمن، فأما إن كان طعاما أخرجه من عنده فليس له إلا مكيلة طعامه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم تفسير لقول مالك: إنه إن كان اشترى الطعام فله قيمته يوم اشتراه؛ لأن الثمن الذي اشتراه به إذ قد تعين في الشراء فلا يلزم صاحب الجارية ما عين فيه، وهذا مثل ما في كتاب السلم
الثاني من المدونة في الذي يبيع من الرجل الجارية على أن ينفق عليه حياته: إن البيع يفسخ ويرجع المشتري على البائع بقيمة ما أنفق عليه، وفي رواية أبي زيد: أنه يغرم ما أنفق عليه، وليس ذلك باختلاف من القول، ومعناه: أنه يغرم له الثمن الذي اشترى به الطعام إن كان لم يكن في الشراء تغابن، وقيمته إن كان فيه تغابن، وقد قيل: إن ذلك اختلاف، والأول أظهر، والله أعلم، والحكم فيما يرجع به المنفق على الجارية الموضوعة عنده حكم الحميل يتحمل بالطعام، فيؤخذ به فيشتريه للمتحمل له، بخلاف من تطوع فأدى عن الرجل بغير أمره طعاما عليه اشتراه بذلك، يرجع بالأقل من مثل الطعام أو الثمن الذي اشتراه به.
: امرأة أعطتني ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت وسألني زوجها إعطاءه
من سماع أشهب وابن نافع من كتاب الأقضية قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قالا: سئل مالك، فقيل له: امرأة أعطتني ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت، وسألني زوجها إعطاءه الذكر، وهو زوجها ومولاها ولا وارث لها غيره، فقال: يسأل فإن كان على المرأة دين فلا تعطيه إياه، وإن كانت لا دين عليها فأشهد عليه وأعطه إياه، قيل: إن المرأة قد أوصت بوصايا، فقال له هذه المقالة: أشهد عليه وأعطه إياه.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه فرق بين الدين والوصايا، فقال: إنه لا يعطيه ذكر الحق إن كان عليها دين، ويعطيه إياه ويشهد وإن كان عليها وصايا إذا لم يكن عليها دين، وذلك لا يصح، إذ لا فرق في هذا بين الدين والوصايا، والواجب في هذا أن ينظر إلى ما عليها من الدين، فإن كان لا يفي به ما تركت من المال سوى ما لها من الحق على زوجها لم
يدفع ذكر الحق إليه، وإن كان يفي به دفع ذكر الحق إليه وأشهد به عليه، وكذلك الوصايا أيضا ينظر إليها فإن كان لا يفي بها ثلث ما تخلفت من المال سوى ما لها على زوجها لم يدفع ذكر الحق إليه، وإن كان يفي بها دفع إليه ذكر الحق وأشهد عليه، والأولى أن لا يدفعه إليه بحال، ويضعه على يدي عدل مخافة أن يطرأ عليها ديون لم يعلم بها.
فقوله: إن كان على المرأة دين فلا يعطيه إياه - معناه: دين لا يفي به ما تخلفت من المال سوى ما لها على زوجها في ذكر الحق، وبالله التوفيق.
مسألة: بيده مال ليس له أله أن يسلفه
مسألة وسئل: عمن بيده مال ليس له، أله أن يسلفه؟ قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس فراجعه فيها، فقال: إن كان مال فيه وفاء وأشهدت على ذلك، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله: إن ترك ذلك أولى وأحسن، ومعناه: إذا كان له مال فيه وفاء، وأشهد بذلك، وأما إذا لم يكن له مال فيه وفاء فلا يجوز له ذلك وإن أشهد، ومثله في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب البضائع والوكالات من قول ابن وهب.
وقد اختلف إذا تسلف منها بغير أمر ربها ثم رد ما تسلف، هل يصدق في الرد ويبرأ بذلك من الضمان أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يصدق في ذلك ويبرأ من الضمان، وهو أحد أقوال مالك، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
والثاني: أنه لا يبرأ إلا أن يرد بإشهاد، قال ذلك مالك أيضا، وبه أخذ ابن وهب وابن كنانة.
ولمالك قول ثالث: أنه لا يبرأ وإن أشهد؛ لأنه دين قد ثبت في ذمته، رواه المدنيون عنه، ورواه عنه المصريون أيضا ولم يقولوا به.
ولابن الماجشون قول رابع: وهو تفرقته بين أن يكون المال مصرورا أو منثورا.
ولو قال له صاحبها: تسلف منها إن شئت، فتسلف لم يبره رده إياها إلا إلى ربها، قال ذلك في كتاب ابن شعبان، وهو صحيح لا اختلاف فيه، وبالله التوفيق.
: أقر أنه كانت له عليه ثلاثة وعشرون دينارا
ومن كتاب الأقضية وسئل، فقيل له: كانت لي عند رجل ثلاثة وعشرون دينارا وديعة، فكنت آخذ منها الشيء بعد الشيء حتى بقيت لي عنده ثمانية عشر دينارا، فسألته إياها، فقال: وضعتها في بعض حاجتي، ولكن اكتبها علي فكتبتها عليه بالشهود والبينة مؤرخة فغبت ثم رجعت فتقاضيته إياها، فجاء علي ببراءة فيها مكتوب براءة لفلان ابن فلان من أربعة دنانير ليست إلا ربعة مؤرخة ولا منسوبة من الثمانية عشر ولا من الثلاثة وعشرين، فهو يقول: هي من الثمانية عشر، وأنا أقول: من الثلاثة وعشرين التي كانت لي عليك قبل أن أكتب عليك الثمانية عشر.
قال مالك: ليست البراءة مؤرخة ولا منسوبة إلى ثمانية عشر ولا إلى ثلاثة وعشرين؟ وذكر حقي عليه مؤرخ بثمانية عشر، فقال له: أيقر لك بأنه قد كان لك عليه ثلاثة وعشرون دينارا؟ فقال: لا، فأطرق طويلا، ثم قال: إن أقمت البينة أنه قد كانت لك عليه ثلاثة وعشرون دينارا حلفت بالله ما هذه البراءة من الثمانية عشر، وكانت لك عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا أقر أنه كانت له عليه ثلاثة
وعشرون دينارا أو أقام عليه بذلك البينة كان القول قوله: إِنَّ البراءة ليست من الثمانية عشر وإنما من الثلاثة وعشرين، ولو لم يقر بذلك ولا قامت عليه به بينة لكان القول قول المطلوب إن البراءة من الثمانية عشر باتفاق إن كان لم يكن بينهما مخالطة، وعلى اختلاف إن كانت بينهما مخالطة.
وقد مضى هذا في أول سماع أبي زيد من كتاب الشهادات بزيادات لها بيان، وبالله التوفيق.
مسألة: البينة على ما ادعى واليمين على ما أنكر
مسألة وسئل: عمن استودع صبرة حنطة فاستنفق المستودع الحنطة، فلما جاءه الرجل فطلب قمحه، قال: قد استنفقته، أنا أعطيك مثله، قال الرجل: إني قد كنت قد صورت دينارا وطرحته في صبرة القمح، أترى له أن يحلف ويأخذ الدينار منه أم يحلف المستودع ويبرأ؟ فقال: أرأيت لو قال: جعلت فيها مائة دينار؟ أرى أن يحلف ويبرأ، قيل له: كيف يحلف؟ أيحلف أنه لم يكن في الصبرة شيء؟ أم يحلف على عمله؟ فقال: لا، ولكن يحلف ما أخذت شيئا ولا علمت لك فيها شيئا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا اختلاف؛ لأن صاحب الطعام مُدَّعٍ، وقد أحكمت السنة أن البينة على ما ادعى واليمين على ما أنكر، هذا إن حقق الدعوى عليه أنه وجد الدينار وأخذه، وإما إن لم يحقق عليه الدعوى أنه وجده، يجري الأمر على الاختلاف المعلوم في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.
: استودع رجلا متاعا فعدا عليه عاد
من سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: قال ابن القاسم: لو أن رجلا استودع رجلا متاعا
فعدا عليه عاد، فأغرمه على ذلك المتاع غرما لم يكن على صاحب المتاع غرم شيء مما غرم عن متاعه.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن له أن يرجع على صاحب المتاع بما أغرم على متاعه، وعلى هذا يأتي قول ابن وهب في المبسوطة في الخليطين يكون لأحدهما مائة وعشرون شاة، وللثاني ثلاثون شاة، فيأخذ الساعي منه شاتين: إن الشاة الواحدة تكون على صاحب العشرين ومائة، والثانية يتراداها بينهما على عدد غنميهما، وقد مضى بيان هذا هنالك، وهذا الاختلاف إنما هو فيما لم يعلم صاحب المتاع به، وأما ما علم به مثل المتاع يتوجه به الرجل من بلد إلى بلد مع رجل، وقد علم أن بالطريق مكانا يؤدي الناس على ما يمرون عليه من المتاع، فلا ينبغي أن يختلف في أنه يجب على رب المتاع للرجل ما أغرم على متاعه.
وقد رأيت ذلك لابن دحون، وقال: إنه بمنزلة الرجل يتعدى عليه السلطان، فيغرمه يتسلف ما يغرم، فذلك بين لازم، وهو حلال لمن أسلفه، ووجه ما ذهب إليه: أنه لما علم إذا بعث المتاع معه أنه سيغرم عليه فكأنه سأله أن يسلفه ما لزم إياه من الغرم على متاعه.
ومن هذا المعنى ما قال سحنون في الرفاق في أرض المغرب يعرض لهم اللصوص، فيريدون أكلهم فيقوم بعض أهل الرفقة فيصالحهم على مال، عليه وعلى جميع من معه، وعلى من غاب من أصحاب الأمتعة، فيريدون من غاب أن يدفع ذلك عن نفسه، قال: إذا كان ذلك مما قد عرف من سنة تلك البلاد أن إعطاء المال يخلصهم وينجيهم، فإن ذلك لازم لمن حضر ولمن غاب ممن له أمتعة في تلك الرفاق وعلى أصحاب الظهر من ذلك ما ينويهم، وإن كان يخاف أن لا ينجيهم ذلك وإن أعطوا، وكان فيهم موضع لدفع ذلك، فما أحب لهم إلا أن يدفعوا عن أنفسهم وأموالهم، فإن لم يفعلوا وأعطوا على ذلك شيئا لم يرجع بذلك على من غاب من أصحاب الأمتعة، وبالله التوفيق.
: يكون في يديه الودائع للناس وهويعلم أنه ينفق منها فيموت فيوصي بودائع
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
قال عيسى: وسئل: عن الرجل يكون في يديه الودائع للناس وهو يعلم أنه ينفق منها فيموت فيوصي بودائع فيوجد في تابوته وتحت غلقه كيس فيه دنانير، وفي الكيس مكتوب: إنها لفلان وعددها كذا وكذا، فيوجد العدد الذي كتب فيه أكثر من عدد ما وجد فيه من الدنانير، هل ترى نقصان عدتها مما في الكتاب في ماله؟ فقال: إن قال شهيدان: إن الخط خطه كان ذلك في ماله، وإن لم يشهد على ذلك أحد حلف الورثة أنهم لا يعلمون من ذلك شيئا ولا شيء عليهم.
قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس.
وزاد أصبغ هناك: وكذلك لو وجد عليها خط صاحب الوديعة أنها له مع كونها في حوز المستودع وتحت غلقه لقضي له بها، وقد رأيت لابن دحون: أنه لا يُقضى له بها لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له فكتب عليها اسمه وأخذ على ذلك جعلا.
ولا اختلاف في أنه لا يُقضى له بها إذا وجد عليه اسمه ولا يُدرى من كتبه على ما يأتي في سماع أبي زيد بعد، ولا في أنه يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه بخط يد المتوفى المستودع إلا على مذهب من لا يرى الحكم بالشهادة على الخط في موضع من المواضع، وقد مضى تحصيل القول في الشهادة على الخط في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، فمن أحب الوقوف على ذلك تأمله هناك.
مسألة: استودع رجلا قمحا فاحتمله المستودع إلى بلد فأراد بيعه فأدركه صاحبه
مسألة قال مالك: لو أن رجلا استودع رجلا قمحا فاحتمله المستودع إلى بلد فأراد بيعه فأدركه صاحبه والقمح بيده لم يغيره لم يكن له أن يأخذه منه إلا بالمكان الذي استودعه فيه، وكذلك السلف، وكذلك السارق لو سرق بالمدينة طعاما فأخذه بمصر لم يكن عليه أن يؤديه إلا بالمدينة، ولو وجد بيده طعاما بعينه، قال عيسى: إذا كان الطعام هو طعام المسروق بعينه فله أن يأخذه حيث أدركه إن أحب.
قال محمد بن رشد: ساوى مالك في هذه الرواية بين الوديعة والسلف والسرقة في أنه ليس للمودع ولا للمقرض ولا للمسروق منه أن يأخذ طعامه إلا في البلد الذي أودعه فيه أو أسلفه فيه أو سرق منه فيه.
فأما السلف فلا خلاف فيه؛ لأنه إن لو حكم له بأخذه في غير البلد الذي أسلفه فيه لكان قد ربح الحملان.
وأما الطعام الذي أودعه أو سرق منه فاختلف إن وجده بعينه في غير البلد الذي أودعه فيه أو سرق وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
والثاني: أنه مخير بين أن يأخذ طعامه بعينه أو مثله في البلد الذي أودعه فيه أو سرق منه فيه، وهو قول عيسى بن دينار في هذه الرواية من رأيه وقول ابن نافع وأشهب في رواية أصبغ عنه من كتاب الغصب.
والثالث: تفرقة أصبغ من رأيه في سماعه من الكتاب المذكور بين أن يكون البلد قريبا أو بعيدا، فقال في القريب بقول أشهب، وفي البعيد بقول ابن القاسم، قال: والظالم يحمل عليه بعض الحمل، ولكن قاله في السرقة، والوديعة مثله، وفرق ابن القاسم بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام ما ذكر عنه من أنه ليس له إلا
طعامه بالموضع الذي أخذ منه، وقال في الرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي الدواب ليس له إلا أخذهم حيث وجدهم، وقال في الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي البز والعروض: إنه مخير بين أن يأخذ ذلك في الموضع الذي وجده فيه وبين أن يأخذ قيمته في الموضع الذي أخذ منه، وساوى أشهب بين ذلك كله في أنه بالخيار بين أن يأخذه حيث ما وجده، وبين أن يأخذ مثل الطعام في الموضع الذي أخذه منه وقيمة العروض والحيوان في الموضع الذي أخذها فيه يوم أخذها.
وفرق أصبغ بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه إلا أن يكون قريبا على ما ذكرناه عنه من تفرقته في ذلك بين القريب والبعيد.
وقال في العروض والحيوان بقول أشهب: إنه مخير أن يأخذ ذلك منه أو قيمته في الموضع الذي أخذه منه.
وفرق سحنون أيضا بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه، وقال في العروض والحيوان: إنه ليس له إلا أخذ متاعه بعينه في الموضع الذي وجده فيه.
فيتحصل في العروض والحيوان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا أن يأخذها حيث وجدها، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه مخير بين أن يأخذها وبين أن يأخذ قيمتها في البلد الذي أخرجها، وهو قول أصبغ، وظاهر روايته عن أشهب في سماعه من كتاب الغصب.
والثالث: تفرقة ابن القاسم بين العروض والرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، ويين الدواب والرقيق الذي لا يحتاج على الكراء عليهم.
وفي الطعام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا مثل طعامه في الموضع الذي أخذ منه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه له الخيار في أن يأخذه بعينه إن شاء.
والثالث: تفرقة أصبغ بين القريب والبعيد، فلا يقول أحد منهم في
الطعام: إنه يلزمه أن يأخذه حيث وجده، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذه بعينه حيث وجده، أو ليس له إلا مثله في الموضع الذي أخذ منه، ولا في العروض والحيوان أنه ليس له أن يأخذها، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذها أو هل يلزمه أن يأخذها، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
: يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه فهو ضامن للمال فلا يوافه
ومن كتاب جاع فباع امرأته
وسألته: عن الرجل يستودع الرجل الوديعة فيقبضها منه، فيقول: نقصت وديعتي، ويقول المستودع: بل هي وديعتك كلها، فيتداعيان إلى السلطان، فيقول له المستودع: أنا أريد سفرا فلا تشغلني عنه، فإذا انصرفت مما ادعيت مما حلفت عليه فهو لك قبلي، فيدعه على ذلك، فلما انصرف، قال: ما لك قبلي شيء، وإنما قلت ذلك لئلا تقطعني عن سفري، قال: لا يلزمه ذلك، ويغرم له كل ما حلف عليه المدعي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن اليمين كانت واجبة له على المودع، فرضي بردها عليه، فلزمه ذلك، فلم يكن له عنه رجوع، ولو قال: دعني أخرج إلى سفري، فإن لم أرجع إلى وقت كذا وكذا فأنت مصدق فيما تدعي مع يمينك، لم يلزمه ذلك؛ لأنه مخاطرة خلاف هذه المسألة، حكى التفرقة بين الوجهين ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ من أن ذلك لا يلزمه في الشرط هو على قياس قول ابن القاسم في الكفالة من المدونة في الذي يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه به عند الأجل فهو ضامن للمال فلا يوافه به عند الأجل أن المال لا يلزمه إن أتى به بعد ذلك قبل أن يحكم عليه، ومحمد بن
عبد الحكم يقول: إن ذلك لا يلزم المودع وإن كان قوله على وجه الشرط ويحلف ويبرأ، فإن نكل عن اليمين حلف رب المال وأخذ تمام وديعته، ووجه قوله: أنه عذر المودع بما اعتذر به من أنه إنما قال ذلك لئلا يقطع به عن سفره، ولو رد عليه اليمين دون سبب للزمه ذلك قولا واحدا، وإنما يختلف إذا نكل عن اليمين، فقال: لا أحلف، ولم يصرح بردها على المدعي ثم أراد أن يحلف بعد ذلك، هل يكون ذلك له أم لا؟ على قولين، وأهل المشرق لا يرون رد اليمين على المدعي، فإذا نكل المدعى عليه عندهم عن اليمين كان نكوله كالإقرار ولزمه الحق، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: إنما يصح هذا الجواب على أن الوديعة كانت ببينة، أو على قول من رأى اليمين على المودع إذا انتقصت الوديعة، فإن لم تكن ببينة فكأنه رضي برد اليمين على المودع فلزمه ذلك، ولم يكن له عنه رجوع، وهو غير صحيح؛ لأنه لا خلاف في وجوب اليمين على المودع في دعوى النقصان إن لم يكن على الوديعة بينة، ولا في أن الغرم يلزمه دون أن يحلف رب الوديعة إذا كانت عليها بينة، وبالله التوفيق.
مسألة: قال هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان
مسألة وسئل: عن الرجل يستودع الرجل ثلاثين دينارا وبين يديه ثلاثون دينارا فيجعلها في قرب التي بين يديه، فتذهب منها عشرة فلا يدري من أي ذهبت؟ قال: عليه أن يدفع إلى المستودع ثلاثين تامة.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أدري من أين ذهبت - معناه: لا أدري الثلاثين التي ذهبت منها العشرة أن كانت في المودعة أو التي كانت بين يديه، إذ لو عرف المودعة من التي كانت بين يديه لعرف من أين ذهبت بوجودها ناقصة إذا وزنت، وجوابه هذا في هذه المسألة إنما يصح على قول من قال، في رجل قال: هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان: أنه يغرم لهما مائتين مائة لكل واحد منهما.
وأما على قول من قال: إنهما يحلفان جميعا
ويقتسمان المائة ولا يكون على المقر شيء، فيأتي على قياس قوله في هذه المسألة: إن ادعى المدع الثلاثين التي لم يذهب منهما شيء كانت له، قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين، على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإن لم يدعها وقال لا أدري أيتهما لي، إن كانت التي لم يذهب منها شيء أو الأخرى التي ذهبت منها العشرة، فتكون مصيبة العشرة منها، ويقتسمان الخمسة الباقية بينهما بنصفين دون يمين، وقيل: بعد أن يحلف كل واحد منهما؛ لأنه لا يدري إن كانت العشرة ذهبت من متاعه أو من متاع صاحبه، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا عن اليمين على هذا الوجه كانت الخمسون بينهما بنصفين، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانت الثلاثون للحالف بينهما، وهذا الاختلاف في اليمين على اختلافهم في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.
: دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته فضاع من ذلك ديناران
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألته: عن الرجل يكون معه عشرة دنانير لنفسه فيدفع إليه رجل دينارا استودعه إياه فيذهب منها دينار، كيف يكون ضمانه عليهما؟ قال: يأخذ صاحب العشرة تسعة دنانير ويقتسمان العاشر ويكون ضمان الذاهب بينهما بنصفين، قلت له: فقول مالك: إن صاحب الدينار يكون شريكا في الأحد عشر دينارا على حساب الدينار، ولا يكون عليه من ضمان الدينار الذاهب إلا سهم من أحد عشر سهما، أيؤخذ به؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب تضمين الصناع من المدونة وفي غيره من المواضع، هو اختلاف مشهور معلوم، وسواء في هذا كان المودع صاحب العشرة الدنانير أو صاحب الدينار، وسواء تقارا على تلف
الدينار أو علم ذلك ببينة إذا دعاه المودع فصدق في ذلك بغير يمين أو بيمين إن كان متهما.
ولو دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته، فضاع من ذلك ديناران، كان لصاحب العشرة ثمانية ولصاحب الثلاثة دينار، ويقتسمان الدينارين الباقيين بينهما بنصفين، ولو ضاع من ذلك ثلاثة دنانير لكان لصاحب العشرة سبعة، ويقتسمان الثلاثة بينهما على نصفين، وعلى قول مالك: يقتسمان الأحد عشر، إن كان ضاع منها ديناران، أو العشرة إن كان ضاع منها ثلاثة دنانير على ثلاثة عشر جزءا.
والحكم في الشيء يتداعى فيه الرجلان، فيقول أحدهما: لي جميعه، ويقول الآخر: لي عشره - يجري على هذا الاختلاف إذا لم يكن في يد واجد منهما باتفاق، واختلف إن كان بأيديهما جميعا، فقيل: إنه يجري على هذا الاختلاف أيضا بعد أيمانهما، وقيل: إن القول قول الذي ادعى العشر مع يمينه؛ لأنه حائز للنصف، فعلى من ادعى عليه أن له أكثر من النصف إقامة البينة، وبالله التوفيق.
: دفع إلى رجل مائة دينار وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة
ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب: عن رجل دفع إلى رجل مائة دينار يستودعه إياها وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة أعلمه بها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال ومات المستودع صاحب أصل المال، فقام ورثته إلى الذي قبض المال بالأمارة، فقالوا: قد وصل إليك مالنا فما الذي صنعت به، فقال: صنعت به الذي أمرني أبوكم به، وهو صاحب المال، قالوا: فما أمرك به؟ قال: ليس علي أن أخبركم بالذي أمرني به، غير أني قد صنعت بأمره، قال: أرى أن يحلف قابض المال بالأمارة بالله الذي
لا إله إلا هو لقد فعل الذي أمره به في المال لم يتعد إلى غيره، ثم يبرأ، وسألت عن ذلك ابن القاسم، فقال لي مثل ما قال ابن وهب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر؛ لأن القياس كان فيها إذا لم يدع الورثة علم ما أمره به موروثهم قابض المال بالأمارة أن يصدق فيما زعم أن رب المال أمره أن يفعله فيه، ولا يصدق أنه قد فعله حتى يعلم ما هو، إذ من الأشياء ما لا يصدق المأمور فيها أنه قد فعله حتى يقيم البينة على ذلك، فكان الواجب أن يسأل قابض المال بالأمارة عما أمر به في المال، وهل فعله أم لا؟ وإن ذكر أنه أمره أن يفعل فيه ما هو مصدق على فعله صدق مع يمينه في أنه أمر بذلك وفي أنه قد فعله، وإن ذكر أنه أمره أن يفعل فيه ما لا يصدق على فعله حتى يقيم البينة على ذلك صدق مع يمينه في أنه أمر بذلك، ولم يصدق في أنه قد فعله حتى يقيم البينة على ذلك.
وأما إن ادعى الورثة معرفة ما أمره به موروثهم في المال فينزلون منزلته في الدعوى، ويكون القابض للمال مدعيا فيما زعم أنه أمره به فيما مما لم يقر له به الورثة وكذبوه فيه، فما لهذه المسألة عندي وجه إلا أن يتأول على أن قبض المال بالأمارة لم يعلم إلا من قبل قابضه بأن يأتي الورثة فيقول لهم كان أبوكم قد أمرني أن أقبض مالا له عند فلان بأمارة أعلمني بها فقبضته وصنعت فيه ما أمرني أبوكم، فليس عليه إذا كان الأمر على هذا أن يبين لهم ما أمره به أبوهم إذ لو شاء أن لا يقر بشيء لفعل، وبالله التوفيق.
: يستودع الوديعة ثم يتصدق بها على رجل
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: سألت ابن القاسم: عن الرجل يستودع الوديعة ثم يتصدق بها على رجل يقول أشهدكم أني قد تصدق بالوديعة التي
عند فلان على فلان لا يكون منه أكثر ولم يأمره أن يقبض له، ثم مات.
قال: إن علم المستودع أنه يصدق بذلك فأراها للمتصدق عليه، وإن لم يعلم فلا أرى للمتصدق عليه شيئا، قلت: من أي وجه قال؟ من قبل أنه إذا علم أنه تصدق بما في يديه فقد صار قابضا للمتصدق عليه حتى لو أراد صاحب الوديعة أخذها لكان يبتغي للمستودع أن لا يدفعها إليه، فإن دفعها إليه ضمنها.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الرواية بعينها في هذا السماع من كتاب الصدقات والهبات وشرط فيها في صحة الحيازة معرفة المستودع خلافا لما في المدونة؛ لأنه جعل فيه قبض المستخدم والمستعير قبضا للموهوب له، ولم يشترط معرفتهما، ويخرج في المسألة قول ثالث، فالقياس على ارتهان فضلة المرهن أن الحيازة لا تصح إلا أن يعلم المستودع ويرضى أن يكون حائزا للموهوب له إلا أن يفرق في ذلك بين الرهن والصدقة حسبما مضى القول فيه مجودا في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الرهون، وإنما يكون قبض المستودع قبضا للمتصدق عليه إذا علم على هذه الرواية أو علم أو لم يعلم على مذهبه في المدونة، إذا قبل الموهوب له الهبة، فأما إذا لم يعلم منه قبول حتى مات الواهب، فلا شيء له، ولا شيء على المستودع في ردها قبل قبول الموهوب له الهبة وعلمه بها، هذا إذا كان الموهوب له حاضرا، وأما إن كان غائبا تصح حيازة المستودع له وإن مات الواهب قبل أن يقبل الموهوب له، وسواء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له أو بيد حائز يحوزه له وهو حاضر إن لم يقبل حتى مات الواهب بطلت الهبة، وقال أشهب: إذا كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له صحت له الحيازة، وإن لم يقبل حتى مات الواهب؛ لأن كون ذلك في يديه أحوز الحوز، وبالله التوفيق.
: أتى رجلا يستودعه مالا فقال له ادفعه إلى عبدي هذا فدفعه فاستهلكه العبد
من سماع عبد الملك بن الحسن من أشهب قال عبد الملك بن الحسن: سئل أشهب: عن رجل أتى رجلا يستودعه مالا، فقال له الرجل: ادفعه إلى عبدي هذا، فدفعه فاستهلكه العبد.
فقال: هو في ذمة العبد، قيل: فإن كان السيد غره من العبد؟ قال: ليس عليه إلا ما قلت لك.
قال محمد بن رشد: ولا يكون ذلك في ذمة العبد بإقراره حتى تقوم بينة باستهلاكه، قال ذلك محمد بن عبد الحكم، وهو صحيح، وقد قيل: إن السيد ضامن إذا غره، وذلك على الاختلاف المعلوم في الغرور بالقول، وإذا ضمن السيد ذلك على هذا القول بيع في ذلك العبد وغيره من ماله، وبالله التوفيق.
: سأله وديعته فإن أبى أن يعطيه إياها في ذلك الوقت لعذر
من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم قال أصبغ: وسئل ابن القاسم: عن رجل جعل عند رجل مالا وديعة فأتاه يوما يتقاضاه، فقال: إني مشغول وراكب إلى موضع كذا وكذا فانتظرني إلى غد، فأبى فتصايحا حتى حلف أن لا يعطيها إياه الليلة فلما أتاه من الغد يتقاضاها إياه، قال: ذهبت، هل عليه غرمها؟ قال: إن كان إنما ذهبت من قبل أن تلقاني ضمن؛ لأنه قد أقر
بها ولا يقبل قوله، وإن قال لا أدري متى ذهبت، وإنما عهدي بها منذ كذا وكذا أحلف وكان القول قوله، ولا ضمان عليه، وقاله أصبغ ويحلف ما علم بذهابها حين منعه ولا منعه لذلك، ولقد كان علمه على أنها ثم فيما يرى ساعتئذ ولا يعلم غير ذلك.
قال ابن القاسم: وإن قال ذهبت مني بعد ما حلفت وفارقتك رأيته ضامنا؛ لأنه قد تعدى عليه حين لم يدفع إليه حقه ساعتئذ، إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع الرجوع فيه، ويكون في رجوعه عليه ضرر، فلا ضمان عليه إذا كان كذلك.
قال أصبغ: ليس في هذا تعدي وليس عليه ضمان إذا كان أمره ذلك الذي منعه واحفزه عذرا غالبا عليه فيه ضرر، ولم يكن الأمر كان يمكنه عند بابه أو هو في يديه ونحوه هاهنا، وليس عليه في أخذه ومناولته تطويل ولا أمر، ولا فتح وغلق ولا استخراج ولا أمر لا يصح إلا به وبنظره وبرجوعه، فإن كان هذا كله هكذا رأيته ضامنا ومتهما بدفعه إياه له عنه، وإلا فلا ضمان عليه، فقد يعوق الرجل ما يعوق وقد ينتقل في الحين الذي يأتي فيه إعطاؤه، وقد يرد الناس الناس مثل هذا ويشتغلون ويكلمون وهم أعلم بأنفسهم وأهوائهم ومرافقهم وشأنهم، فأرى أن يحلف ويبرأ إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا اختلاف بينهم أنه إذا سأله وديعته فإن أبى أن يعطيه إياها في ذلك الوقت لعذر ذكره ثم أتاه بعد ذلك فيها فذكر أنها قد كانت تلفت قبل أن يلقاه فيها أولا أنه ضامن لها؛ لأنه لما اعتذر في دفعها إليه في ذلك الوقت فقد أقر أنها باقية لم تتلف فكذب ذلك دعواه الآن أنها قد كانت تلفت فلا يقبل قوله في ذلك إلا أن يقول: لم أعلم في ذلك الوقت أنها قد كانت تلفت ولذلك اعتذرت إليه في دفعها إليه في ذلك
الوقت ووعدته لوقت آخر، فيحلف على ذلك كما قال أصبغ، ويسقط عنه ضمانها، وكذلك إن قال: لا أدري متى تلفت إن كان قبل طلبك إياها أو بعد ذلك، فيحلف على ذلك ويسقط عنه الضمان.
وأما إن قال: تلفت بعد ذلك، فإن كان منعه إياها لعذر ألجأه إلى ذلك، ولم يكن متعديا في منعه إياها في ذلك الوقت، فلا ضمان عليه، فإن كان منعه إياها لغير عذر تعديا منه في ذلك فهو ضامن لها.
واختلف هل هو محمول على العذر حتى يثبت التعدي أو على التعدي حتى يثبت العذر؟ وظاهر قول ابن القاسم أنه محمول على التعدي حتى يثبت العذر، وظاهر قول أصبغ أنه محمول على العذر حتى يثبت التعدي لا اختلاف في هذه المسألة إلا في هذا الوجه.
وقد وقع في النوادر لمحمد بن عبد الحكم: أنه لا ضمان عليه تلفت قبل أو بعد، وليس ذلك بخلاف لشيء مما تقدم؛ لأن معنى قوله: إذا لم يعلم بذلك إلا بعد، ومعنى قوله: أو تعدى إذا كان له في صنعه عذر ولم يكن متعديا في ذلك، قال محمد بن عبد الحكم: ولو أبى أن يدفعها إليه إلا بالسلطان فتلفت في خلال الدفع لم يكن عليه في ذلك ضمان؛ لأن له في ذلك عذر، يقول: خفت شغبه وأذاه، وسيأتي القول على هذا في آخر سماع أبي زيد إن شاء الله.
مسألة: يستودعه وديعة يبعث بها المستودع إلى صاحبها فيعدوا عليها اللصوص
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل: عن الرجل يستودع الرجل وديعة يبعث بها المستودع إلى صاحبها فيعدوا عليها اللصوص فينزعونها، فيقول المستودع: لم آمرك أن تبعث بها إلي، ويقول المستودع: بل أنت أمرتني أن أبعث بها إليك، ولا بينة بينهما.
قال: المستودع ضامن؛ لأنه مُتَعَدٍّ وهو مُدَّعٍ، فإذا تعدى كان عليه الضمان، ولكن لو كان قال سقطت مني أو دفعتها إليك،
أو سرقت مني فذهب بها لم يكن عليه شيء.
قال محمد بن رشد: إنما يضمن المودع الوديعة إذا ادعى أن ربها أمره أن يبعث بها إليه بعد يمينه أنه إنما أمره أن يبعث بها إليه ولقد تعدى عليه في البعث بها إليه بغير أمره فيحق عليه التعدي بيمينه، وهو معنى قوله في الرواية: المستودع ضامن؛ لأنه متعدٍ، فإنما قال فيه: إنه متعدٍ؛ لأن العداء قد ثبت عليه بيمين رب الوديعة.
وقوله: ولكن لو قال: سقطت مني أو دفعتها إليك أو سرقت مني فذهب بها، لم يكن عليه شيء، معناه: لم يكن عليه غرم؛ لأن اليمين عليه في دعوى الرد باتفاق، وفي دعوى التلف على اختلاف إن لم يحقق عليه الدعوى، قيل: إنه يحلف، فإن نكل عن اليمين غرم، قيل: بعد يمين رب الوديعة، وقيل: إن اليمين لا يرجع عليه، وقيل: إنه لا يمين عليه على اختلافهم في لحوق يمين التهمة وفي ردها، وقيل: إن كان من أهل التهم أحلف وإلا لم يحلف، وهو المشهور في المذهب، وأما إن حقق عليه الدعوى فلا اختلاف في وجوب اليمين عليه، وفي أن له أن يردها، وبالله التوفيق.
مسألة: استودع وديعة وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه فذهبت
مسألة قال: وسألته عن رجل استودع وديعة وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه فذهبت، أعليه ضمان؟ فقال: ما أرى عليه ضمانا، قلت: ولا تراه متعديا؛ لأنه إنما أعطاه إياها يحوزها، فليس هذا حوزا؟ قال لي: فإنه الآن يقول: لم يكن معي خيط أربطه به، قلت: يربطها في طرف ردائه، قال: فإنه يقول: ليس علي رداء علي برنس، قلت: فإن كان عليه رداء؟ قال: ما أرى عليه شيئا بحال.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا دفع إليه الوديعة وهو في مسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه، يريد: بين يديه حيث ينظر إليها،
فتلفت - إنه لا ضمان عليه؛ لأن ذلك هو وجه الحوز لها في ذلك الموضع على ما جرت به العادة، فوجب أن لا يضمن، قال مطرف وابن الماجشون: ولو نسيها في الموضع الذي دفعت إليه فيه وقام ضمنها، وكذلك لو كانت في داره فأخذها فأدخلها كمه يظنها دراهمه فسقطت فإنه يضمن، قالا: وهذه جنايات، فضمناه بالنسيان ولم يعذراه بذلك، وقد يتخرج في هذا اختلاف بالمعنى من مسألة الرجلين يدعيان مائة دينار وديعة عند رجل، فيقول المدعى عليه: لا أدري من دفعها إلي منكما؛ لأنه عذر بالنسيان على القول بأنه لا يلزمهما أكثر من أن يغرم لهما المائة فيحلفان ويقتسمانها بينهما، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك في رسم يدير من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، وبالله التوفيق.
: تكون عنده الوديعة فتطلب منه فيقول قد ضاعت مني منذ سنين
ومن كتاب القضاء المحض قال أصبغ: سألت ابن القاسم: عن رجل تكون عنده الوديعة فتطلب منه فيقول قد ضاعت مني منذ سنين إلا أني كنت أرجو أن أجدها وكنت أطلبها وما أشبه ذلك ولم يسمع ذلك منه، وصاحبه الذي استودعه أيضا حاضر، ألا يذكر ذلك له؟ فقال: هو مصدق ولا ضمان عليه إلا أن يكون قد طلبت منه فأقر بها أنها عنده كما هي، ثم زعم أنها قد ضاعت منه سنين، فهو هاهنا ضامن وإلا فلا شيء عليه، والقراض مثل ذلك سواء، قال أصبغ: لا يعجبني وهو ضامن إذا أمسك، ولا يعرف طلبا منه ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره، ولا وجه مصيبة تطرق ولا سماع سرقة ولا غرق ولا غير ذلك قبل ذلك، وحضور الطالب أشد وأبين بإمساكه عنه، وكل سواء إذا طال هذا جدا وادعى أمرا قريبا لا ذكر له.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم عندي أظهر من قول أصبغ؛ لأن الأصل براءة الذمة، فالواجب فيها سببا إلا بيقين، وهو قول محمد بن عبد الحكم، قال: أصحابنا يقولون: إن سمع ذلك منه قبل ذلك الوقت الذي يسألها فيه قبل منه، وإن لم يسمع ذلك منه إلا ذلك الوقت لم يقبل، قال محمد: وأنا أرى أن يحلف ولا شيء عليه، وبالله التوفيق.
: استودع رجلا سيفا وضمنه إياه فعدا عليه ابن له فقاتل به فانكسر
ومن كتاب الكراء والأقضية وسئل ابن القاسم: عمن استودع رجلا سيفا وقيمته أربعة دنانير وضمنه إياه فعدا عليه ابن له فقاتل به فانكسر وقيمته يوم تعدى الابن عشر دنانير.
فقال: أرى عليه قيمته يوم استودعه إلا أن يكون القيمة يوم تعدى عليه أكثر، قال أصبغ: إن كان الضمان إنما ضمن أربعة التي هي القيمة فليس عليه غيرها والفضل على الابن المتعدي، وإن كان ضمن السيف ضمانا فعليه قيمته الكبرى كانت الأولى أو الآخرة.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ إن كان الضمان إنما ضمن أربعة التي هي القيمة فليس عليه غيرها والفضل على الابن المتعدي صحيح لا اختلاف فيه ولا كلام، وقوله: وإن كان ضمن السيف ضمانا فعليه قيمته الكبرى كانت الأولى أو الآخرة هو مثل قول ابن القاسم سواء وذلك بعيد جدا، والذي يوجبه النظر على أصولهم أن تكون عليه قيمته يوم دفعه إليه على الضمان إلا أن تعلم قيمته يوم تعدى عليه الابن فيكون ذلك عليه، كان أقل من قيمته يوم دفعه إليه أو أكثر ويرجع بذلك على الابن، وإنما يصح أن يكون عليه الأكثر من القيمتين إذا لم يعلم قيمته يوم تعدى عليه الابن إلا بقوله؛ لأنه إن ادعى أن قيمته