كتاب النكاح الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: هذه الرواية مخالفة للمعلوم من مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وأصحابه في موضعين، أحدهما قوله: ولم يسلم مكانه لأن فيه دليلا على أنه لو أسلم مكانه لبقي معها، والمعلوم في المذهب أنه يفرق بينهما إلا أن يسلما معا، والثاني قوله: وهي تطليقة بائنة لأن المعلوم في المذهب من قول مالك وجميع أصحابه حاشا ابن الماجشون أن الفرقة بإسلام أحد الزوجين حيثما وجبت إنما هي فسخ بغير طلاق، وهو الصواب؛ لأن الفرقة إن كانت بإسلام الزوجة قبل البناء فهو كافر، والكافر لا يلزمه طلاق في مذهب مالك، وإن كانت بإسلام الزوج والزوجة مجوسية فهو لم يطلق، وإنما فعلت الزوجة فعلا أوجب الفرقة كالملك وما أشبهه، والله ولي التوفيق.
مسألة: سام على سوم أخيه بعد اتفاقهما على الثمن فدخل عليه فاشترى تلك السلعة
مسألة وسئل ابن وهب عن رجل سام على سوم أخيه بعد اتفاقهما على الثمن فدخل عليه فاشترى تلك السلعة ثم أراد التوبة وقد هلكت تلك السلعة أو هي قائمة ولعلها قد زادت أو نقصت، ورجل يخطب على خطبة أخيه بعدما رضوا به وثبت النكاح وسموا الصداق فدخل عليه فتزوج ثم ندم وأراد التوبة كيف يصنع؟ قال: أرى أن يتوب إلى الله ويستغفره، فإن كانت تلك السلعة لم تفت أو المرأة لم تفت فليعرض السلعة على الذي أراد أن يشتريها، فإن أراد إن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به فليسلمها إليه زادت أو لم تزد إلا إن كان أنفق عليها شيئا حتى زادت فليعطه نفقته مع الثمن، وإن كانت نقصت فإن أحب أن يأخذها بنقصانها أخذها ولا شيء له غيره، وأما المرأة فليسأله أن يحلله من دخوله عليه فيها، فإن حللها رجوت أن يكون مخرجا له، وإن لم يحلله فليخل سبيلها إن كان أفسد عليه بعد أن كانت قد رضيت بالأول، فإن تزوجها بعد فراق هذا إياها وإلا فليراجعها إن بدا له بنكاح جديد، وليس يقضى
بذلك عليه، وإنما هذا على وجه التنزه والاستحسان والخوف لله، قال ابن القاسم: وإن لم يحلله فليستغفر الله ولا شيء عليه، وسئل عنها سحنون فقال: سألت عنها ابن القاسم فقال لي: إذا باع على بيع أخيه أو خطب على خطبة أخيه لم أر أن يفسخ ورأيت أن يؤدب صاحب هذا، وأخبرني عبد الله بن نافع وأشهب أن مالكا سئل عن الرجل يخطب على خطبة أخيه بعدما اتفقا على صداق معلوم وتراضيا وهي تشترط لنفسها وعن الذي يبيع على بيع أخيه بعدما اتفقا على ثمن معلوم فهو يشترط لنفسه الوزن فقال: لا أرى أن يفسخ شيء من ذلك ولم أسمع بفسخ شيء هذا من ذلك لأنه يجحد ولا يعرف، وأما لو ثبت ذلك حتى يعلم فلا يشك فيه رأيت أن يغير ذلك فيفسخ البيع ويفرق بينهما.
قال محمد بن رشد: ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» ليس على عمومه في كل حال، وإنما معناه عند مالك وعامة العلماء إذا ركن المخطوب إليه إلى الخاطب، فلا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ما لم تركن المرأة إليه وتقارب الرضى به، ولا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة في الخطبة، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب، خطب امرأة من دوس على مروان بن الحكم، وعلى ابنه عبد الله وكانا سألاه ذلك فخطبها عليهما وعلى نفسه فرضيت [بذلك] بدليل حديث فاطمة بنت قيس قالت: لما حللت أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به» لأنه لما خطب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاطمة على أسامة بعد علمه بخطبة معاوية وأبي جهم علم بجواز ذلك في تلك الحال، وتخصص ذلك من الحديث الأول وثبت النهي فيه في الحال التي فيها الركون ومقاربة الرضى، وقوله بعدما رضوا به وثبت النكاح وسموا الصداق يدل على جواز الخطبة بعد الركون والمقاربة ما لم يسموا الصداق، وهو نص قول ابن نافع؛ وظاهر قول مالك في الموطأ خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب وحكاه عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب من أن ذلك لا يجوز إذا ركنا وتقاربا وإن لم يسميا الصداق؛ لأن النكاح جائز دون تسمية الصداق، وهو التفويض الذي جوزه القرآن، وكذلك أن يسوم الرجل على سوم أخيه هو على هذا المعنى بدليل ما روي «أن رجلا من الأنصار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشكا إليه الفاقة ثم عاد فقال: يا رسول الله لقد جئت من عند أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم، قال.
" انطلق هل تجد من شيء " فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه ويلتفون ببعضه، وهذا القدح كانوا يشربون فيه، فقال: " من يأخذهما مني بدرهم "؟ فقال رجل أنا، فقال: " من يزيد على درهم "؟ فقال رجل آخر: أنا آخذهما بدرهمين، فقال: " هما لك " فدعا بالرجل فقال: اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني ففعل ثم جاء فقال: انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعن فيه شوكا ولا حطبا ولا تأتني إلا بعد عشر " ففعل ثم أتاه فقال.
بورك فيما أمرتني به، فقال: " هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة وفي وجهك نكت من المسألة أو خموش من المسألة» الشك من بعض الرواة لأنه لما أجاز - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المزايدة في هذا الحديث وفيها سوم على سوم من غير ركون على أن الذي نهى عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السوم على السوم بعد الركون، ومن أهل العلم من لم يجز السوم على السوم بحال تعلقا بظاهر الحديث، وروي عن مجاهد أنه
أجازه في صحن السوق ولم يجزه فيمن خلا برجل يسومه، فمن خطب على خطبة أخيه أو سام على سومه في الموضع الذي لا يجوز له أن يفعل ذلك فقد ظلمه وأفسده ووجب عليه أن يتوب إلى الله من ذلك ويتحلل صاحبه لأن التوبة من الظلامات لا تكون إلا برد التباعات، فإن أبى أن يحلله فعليه أن يعطيه السلعة بالثمن الذي اشتراها به زادت أو نقصت إن شاء أن يأخذها ويترك المرأة فإن لم يتزوجها تزوجها هو بعد إن شاء، وقد اختلف في العقد فقيل إنه فاسد لمطابقة النهي له، وقيل ليس بفاسد، فعلى القول بأنه فاسد يفسخ في القيام والفوات، ويكون رد القيمة كرد العين، وقيل يفسخ ما كان قائما فإن فات مضى بالثمن ولم يفسخ، وكذلك يختلف في النكاح على السوم بأنه فاسد لمطابقة النهي له، فقيل يفسخ قبل البناء وبعده، وقيل يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، اختلف في ذلك قول ابن نافع.
مسألة: الرجل الفاسد يخطب المرأة فترضى فيتقدم لها الأحسن
مسألة وسئل عن الرجل المسخوط الفاسد في جميع حالاته يخطب المرأة فترضى بتزويجه وسموا الصداق ولم يبق لهم إلا الفراغ فأتاني من هو أحسن منه حالا وأرضى فسألني الخطبة عليه فهل يدخل علي شيء إن فعلت لحال ما جاء ألا يخطب رجل على خطبة أخيه فقال: أما أنا فكنت أشير على المرأة لو أني وليها أن تتزوج هذا الرجل الصالح المقبل على شأنه وتدع الفاسد الذي لا يعينها على دين ولا دنيا، وهي إلى نقصان دينها عند هذا الفاسق أقرب منها عند الصالح لأن الفاسق لا يعلمها إلا مثل ما هو فيه من الفسوق والشر وتقتدي به فيما ترى منه، وإن الصالح إنما هي معه في زيادة خير في كل يوم وليلة، والصالح عندنا أولى وأحق من الفاسق الذي قد علم ذلك منه في حالاته وما ظهر منه، ومصاحبة التقي أفضل من مصاحبة
الفاسق في دين الله وأرجو أن الحديث ما جاء إلا في الرجلين اللذين يشبه أحدهما صاحبه، فذلك الذي لا ينبغي أن يدخل عليه في خطبته حتى ينكح أو يرد إذا كانوا قد توافقوا على الفراغ أو شبه الفراغ.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يخطب أحد على خطبة أخيه» لفظ عام في كل حال وفي كل خاطب، والعموم يحتمل الخصوص، فكما خص من الأحوال الحال التي لا ركون فيها بحديث فاطمة المذكور، فكذلك يخص من الخطاب الخاطب الذي لا خير عنده ولا حظ للمرأة في نكاحه بما يلزم في الدين من النصح للمرأة في أن لا تتزوج فاسقا يرديها، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدين النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمن أخو المؤمن يشهده إذا مات ويعوده إذا مرض، وينصح له إن غاب أو شهد» فإذا خطب المرأة فاسق جاز للصالح أن يخطبها بعد أن تقارب الأمر بينهما وانبغى لمن علم بذلك أن يحضها على أن تتزوج الصالح وتدع الفاسق.
الرجل يواعد المرأة في عدتها من وفاة زوجها ثم ينكح
ومن كتاب الرهون وعن الرجل يواعد المرأة في عدتها من وفاة زوجها ثم ينكح أيفرق بينهما أم يمضي نكاحهما؟ قال: إن كان وعدها شبيها بالإيجاب فأرى أن يفرق بينهما بطلقة ثم لا ينكحها أبدا يريد إذا دخل بها، وإن كان إنما هو تعريض لا يشبه الإيجاب فالنكاح ثابت.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب مستوفى فلا معنى لإعادته مرة أخرى ههنا، وبالله التوفيق.
مسألة: تتزوجه المرأة على أن يطلق امرأة أخرى فيقول نعم
مسألة وقال في الذي تتزوجه المرأة على أن يطلق امرأة أخرى فيقول نعم، قال أرى أنه إذا طلقها واحدة وقالت المرأة التي تزوج لم أتزوجك إلا على أن تطلقها البتة، ولولا ذلك لم أتزوجك، قال: أراها طالقا البتة، قال ابن القاسم: ولو تزوجها على أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق مثل ذلك أيضا ثلاثا.
قال محمد بن رشد: جعل اليمين في هذه الرواية على نية المرأة المشترط لها الشرط كان الطلاق فيمن هي في عصمته ممن لا تبين منه بواحدة أو لا الداخلة التي تبين بواحدة، وكذلك لو كان الشرط تمليكا لم يكن له أن يناكر في الوجهين جميعا على هذه الرواية، بخلاف إذا تطوع لها بذلك من غير شرط يكون عليه في أصل العقد وهذا مذهبه في المدونة.
وفرق في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب التخيير في الشرط بين أن يكون الطلاق أو التمليك فيها أو في الداخلة عليها، وعلى ذلك فإن التي في عصمته لا تبين بالواحدة والداخلة تبين بها، فعلى تعليله لو كان الشرط فيها وتزوج عليها قبل الدخول لكانت اليمين على نيته ولكان له أن يناكرها ولو كان الشرط بالتمليك في الداخلة عليها فلم يعلم حتى دخل بها لما كان له أن يناكرها، وقد قيل: إن الشرط والطواعية سواء، واليمين على نية المرأة وليس للزوج أن يناكر في التمليك، وهذا يأتي على القول بأن اليمين على نية المحلوف له، وهو قول ابن الماجشون وسحنون ورواية عيسى عن ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، فلا اختلاف بينهم في الشرط حيث لا
تبين بواحدة أن اليمين على نية المرأة المشترط لها الشرط وأنه ليس للزوج أن يناكر فيما زاد على الواحدة إلا أن يدخل في ذلك الاختلاف بالمعنى من المسألة التي مضى القول عليها في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، فقف على ذلك.
مسألة: الرجل يتزوج المرأة بنكاح جائز ثم تناكره وقد تفرق شهوده
مسألة وقال في الرجل يتزوج المرأة بنكاح جائز ثم تناكره وقد تفرق شهوده فلا يقضى لها عليه بنكاح، هل له أن يتزوج أختها أو رابعة من النساء إن كان عنده ثلاثة معها، قال: لا أرى له أن يتزوج أختها حتى يطلق تلك التي قضي عليه فيها طلاقا بائنا لأنه يعلم أنها زوجته إلا أنه قضي بينهما على الظاهر من الأمر، فأرى أن لا ينكح أختها ولا الرابعة سواها حتى يطلقها، وأنا أستحب له أن يطلقها لأن تكون في سعة إن تزوجت رجلا، ولا يحرجها ولا يؤثمها تزوج أختها أو لم يتزوجها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر على ما هو عليه في الباطن عند من علمه، قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 188] الآية وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار» وهذا عام في الأموال وغيرها خلاف ما يذهب إليه أهل العراق من التفرقة في هذا بين المال والنكاح، وقد تبين مالك وجه استحسانه لطلاقها وهو في المسألة التي مضت في رسم نذر سنة أن
يصومها من سماع ابن القاسم آكد عليه منه في هذه لأنها هي المتعدية عليه في إنكارها النكاح، والحمد لله.
مسألة: العبد يتزوج بغير إذن مولاه ويقره سيده فهل يلزم السيد الصداق
مسألة وقال في العبد يتزوج بغير إذن مولاه فرآه مولاه يدخل على امرأته هل يلزم السيد الصداق حيث رآه ولم يكن أذن له في النكاح، قال: إن شهد على السيد أنه علم بنكاحه وأقره رأيت النكاح جائزا ورأيت الصداق على العبد بما أقر سيده له من ذلك بعد علمه به.
قال محمد بن رشد: أما إن شهد على السيد أنه أقر نكاحه بعد علمه بذلك فلا كلام في أن الصداق يلزم العبد في ماله ويثبت النكاح، وكذلك إن شهد عليه بأنه علم بدخوله على امرأته فسكت على ذلك ولم ينكره لأن سكوته على ذلك يسقط ماله من الحق في التفرقة بينهما، كمن ملك رجلا أمر امرأته فلم يقض حتى أمكنته من وطئها.
وإذا ثبت النكاح وسقط خيار السيد فيه وجب أن يلزم العبد الصداق في ماله فلا يدخل هذه المسألة الاختلاف في السكوت هل هو إذن أم لا؟ وستأتي هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد، والحمد لله.
مسألة: المسلم يغر اليهودية أو النصرانية فينكحها ويقول أنا على دينك
مسألة وقال في المسلم يغر اليهودية أو النصرانية فينكحها ويقول: أنا على دينك فيطلع عليه بعد أن دينه على غير ذلك إن فراقه بيدها.
قال محمد بن رشد: مثله لمالك في كتاب ابن المواز وله في المبسوط من رواية ابن نافع أن النكاح ثابت ولا خيار لها، وهو قول ربيعة إن الإسلام ليس بعيب، والأول أظهر أن لها الخيار من أجل الشرط وإن لم يكن الإسلام عيبا لأن لها في كونه على دينها غرضا قصدته فوجب أن يكون لها الرد بما شرطت، كالرجل يشتري الأمة على أنها نصرانية ليزوجها عبده النصراني أو ليمين عليه ألا يملك مسلمة فيجدها مسلمة أن له أن يردها.
ولو لم يغرها
وتزوجته وهي تظنه نصرانيا لم يكن لها خيار، وكذلك الرجل يتزوج المرأة نصرانية ولم يعلم فلا حجة في ذلك له حتى يشترط أنها مسلمة أو يظهر ويعلم أنه إنما تزوجها على أنها مسلمة لما كان يسمع منها من إظهار الإسلام فهذا كالشرط، قال ذلك في كتاب محمد.
مسألة: تزوج الحرة على الأمة والأمة على الحرة
مسألة وقال في الرجل تكون تحته الأمة: إنه لا بأس أن يتزوج عليها حرة، فإن كانت عنده حرة فلم تكفه ولم يكن له ما يتزوج به حرة أخرى فليتزوج أمة أخرى حتى يجتمع عنده أربع.
قال محمد بن رشد: قوله في الرجل تكون تحته الأمة إنه لا بأس أن يتزوج عليها حرة صحيح على مذهبه بأن الحرة ليست بطول يمنع بها من نكاح الأمة لأن من يراها طولا يمنع به من نكاح الأمة يقول: إنه إذا تزوجها على الأمة فرق بينه وبينها، ولم يذكر إن كان يكون للمرأة خيار إن لم تعلم أن تحته أمة أم لا، وينبغي أن يكون ذلك لها على قوله إنه لا يتزوج الأمة إلا أن يخشى العنت ولا يجد طولا لحرة، وهو قوله هاهنا خلاف ما تقدم له في رسم نقدها، وقد مضى هناك من القول على ذلك ما فيه كفاية.
مسألة: رجل تزوج امرأة واشترط عليها أنه لا نفقة لها عليه
مسألة وقال في رجل تزوج امرأة واشترط عليها أنه لا نفقة لها عليه أرى إن كان لم يدخل بها أن يفسخ نكاحه، وذلك أن مثل هذا الشرط لا ينبغي أن يقع في النكاح، وإن كان دخل بها فنكاحه جائز وشرطه باطل وعليه ما على المسلمين من النفقة على نسائهم، ولو شرطت عليه عند عقدة النكاح أن لي من القوت كذا وكذا في كل
شهر فإن دخل بها بطل شرطها عليه وكان لها عليه مثل ما لمثلها على مثله من النفقة، قلت: فإن لم يدخل بها أيفسخ أيضا أم لا؟ قال: نعم يفسخ أيضا.
قال محمد بن رشد: ويكون فيه صداق المثل لا المسمى، قال ابن المواز: لأنه كصداق مجهول، قال أصبغ: وإن لم يبن وترك الشرط ثبت النكاح كالنكاح بصداق بعضه معجل وبعضه إلى موت أو فراق، وساوى ابن القاسم فيما يأتي في رسم باع شاة بين الذي يتزوج على أن لا نفقة وعلى أن لا ميراث بينهما، فقال في ذلك: إنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ولم ينص هل يكون فيه الصداق المسمى أو صداق المثل وإرادته أنه يكون فيه صداق المثل، وقال أشهب: إنهما يفسخان جميعا قبل البناء وبعده، وفرق أصبغ بينهما فقال: يفسخ النكاح على أن لا ميراث بينهما قبل وبعد، ويفسخ النكاح على أن لا نفقة على الزوج قبل البناء ويثبت بعده، وهذا النوع من الأنكحة التي تنعقد على الشروط الفاسدة مثل أن يتزوج على أن الطلاق بيد غير الزواج أو على ألا يكون معها بالنهار أو على أنه بالخيار أو على أنه إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بينهما وما أشبه ذلك الاختلاف فيها كلها، قيل: إنها تفسخ قبل الدخول وبعده، وقيل: إنها تفسخ قبل وتثبت بعد، وإن كان بعضها أشد من بعض، والأظهر فيها كلها أن تثبت بعد الدخول ويكون فيها صداق المثل، وقد مضى هذا المعنى في رسم سن من سماع ابن القاسم وغيره.
مسألة: البكر تخطب من وليها فتدس إلى خطيبها شيئا من مالها
مسألة وقال في البكر تخطب إلى وليها فيسأل صداقا كثيرا فيكره الخاطب أن يتزوجها بذلك الصداق فتدس إليه المرأة شيئا من مالها يستعين به على صداقها وهو يجعل مع ذلك الذي أرسلت به شيئا من ماله يتحلل به النكاح، قال: لا يجوز ذلك لأنها مولى عليها لا يجوز لها أمر في مالها حتى يدخل بها زوجها، ولا أراه إلا لها إن رجعت فيه حين يدخل عليها، قال: وإن كانت ثيبا جاز.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وفي قوله هاهنا لا أراه إلا لها إن رجعت فيه نظر؛ لأن عطية البكر لا تجوز على حال، وإن لم ترجع هي فيه فللولي أن يقوم في ذلك، فإن لم يفعل فلا يجوز له هو أن يمسكه وعليه أن يرده، ومعنى ذلك بعد دخول زوجها بها وملكها أمر نفسها فحينئذ تكون مخيرة بين أن ترجع فيه على الزوج أو تتركه له، والله أعلم.
مسألة: تزوج امرأة فاشترطت عليه رأسين في صداقها بمائة دينار
مسألة وعن رجل تزوج امرأة فاشترطت عليه رأسين في صداقها بمائة دينار كل رأس بخمسين دينارا وكانت الرقيق يومئذ رخيصة يباع الرأس الرضي بخمسين دينارا ثم غلت الرقيق بعد ذلك فلا يوجد الرأس إلا بمائة دينار إنه إن كانوا وصفوا الرأس بخمسين وإنما كانت الخمسون صفة للرأس بمنزلة ما يوقت بصفة معلومة مما يتواصف الناس بينهم إذا أسلفوا في الرقيق وابتاعوا، كقول الرجل: هو لك صبيحا تاجرا فصيحا فإني أرى هذه الصفة لازمة غلت الرقيق أو رخصت، وإن كانوا إنما سموا الخمسين دينارا لكيما لا يزول غلت الرقيق أو رخصت فأرى الرجل حينئذ بمنزلة وكيل وكلوه أن يبتاع لهم رأسا بخمسين دينارا فلا أرى عليه غير الخمسين غلت الرقيق أو رخصت، قال ابن القاسم: وإن وقعت بالرأسين صفة فالصفة لازم غلت الرقيق أو رخصت والخمسون لغو.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال: إنهم إن كانوا أرادوا بالخمسين صفة الرأس فالصفة هي اللازمة، وإن كانوا إنما سموا الخمسين لكي تكون ثابتة على الزوج لا ينقصهم شيئا منها فهو بمنزلة الوكيل على الشراء بها.
وإن لم يتبين هل أرادوا بالخمسين الصفة أو العدد، فأمرهم محمول على مراعاة
العدد الذي سموه حتى يعلم أنهم قصدوا به الصفة، وقد مضى في رسم مرض من سماع ابن القاسم في هذه المسألة زيادة بيان لها لا معنى لإعادتها.
مسألة: الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر
مسألة وقال في الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر إنه يفرق بينهما ولا يتراجعان أبدا بمنزلة النكاح في العدة.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو تزوجها في استبرائها من الزنى ودخل بها على هذه الرواية، وهو قول مطرف وروايته عن مالك، ويرجع بالصداق مثل العيوب التي ترد منها، قاله في المختصر الكبير، وذهب ابن الماجشون إلى أنها لا تحرم عليه بالتزويج في الاستبراء من الزنى ولا من الاغتصاب، وكذلك الحمل منهما على قوله، وهو أحد قولي ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، ثم رجع فقال: أما في الحمل فلا يتزوجها وأما في غير الحمل فلا بأس، وفي هذه التفرقة لابن القاسم نظر، ولا يحملها القياس، وإنما قال بها لرواية يرويها ابن وهب عن مالك مجردة في الحمل إنه لا يتزوجها، والقياس أن يكون بالعكس لأن في تزويجها في الاستبراء اختلاط الأنساب، وليس ذلك في تزويجها حاملا، ألا ترى أن بعض أهل العلم قد أجاز لمن زنت زوجته وهي حامل منه ظاهرة الحمل أن يطأها قبل الوضع لأمنه من اختلاط الأنساب، فيتحصل في المسألة على هذا أربعة أقوال، واستحب أصبغ ألا يتزوجها أبدا إذا تزوجها ودخل بها وهي حامل من زنى أو في الاستبراء منه، فإن فعل لم يمنع من ذلك بقضاء.
مسألة: رجل تزوج امرأة وأصدقها أباها وأعطته خمسين دينارا
مسألة وقال في رجل تزوج امرأة وأصدقها أباها وأعطته خمسين دينارا: لا خير في هذا النكاح ويفسخ إن لم يدخل بها لأن مالكا قال
لي: لا خير في أن يتزوج الرجل المرأة بمائة دينار وبخادم يأخذها منها قيمتها أدنى من المائة ولا يكون ذلك، وقال غيره من أهل العلم فالذي أصدقها أباها وأخذ منها دنانير مثل هذا سواء، فهو نكاح مفسوخ، وإن دخل بها فعسى أن يكون لها صداق مثلها، قلت: فالأب حين ملكته وأعتق عليها أيرد إلى الزوج؟ قال: كيف يرد؟ إذا فات كان عليه قيمته، ألا ترى أنه قد فات حين ملكته لأن ملكها إياه عتق.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بينهم في أن النكاح جائز إذا تزوجها على أبيها أو على أخيها أو على أحد ممن يعتق عليها، فلا فرق على هذا بين أن يصدقها أباها على أن تعطيه خمسين دينارا أو يصدقها عبدا على أن تعطيه خمسين دينارا إلا فيما يجب من عتق أبيها عليها ووجوب قيمته عليها إذا فسخ النكاح لما اقترن به من البيع، وقد مضى في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده القول في حكم اجتماع البيع مع النكاح في صفقة واحدة موعبا مستوفى فلا وجه لإعادته هنا، وبالله التوفيق.
يقول للرجل ولني إنكاح وليتك ولها كذا وكذا أو يجعل ذلك إليه
ومن كتاب الجواب قال: وسألته عن الرجل يقول للرجل ولني إنكاح وليتك ولها كذا وكذا أو يجعل ذلك إليه ولا يأخذ عليه شيئا ثم يريد أن يعزله عما جعل إليه من ذلك، قال ابن القاسم في الذي جعل ذلك بجعل لا يحل ذلك ولا يصلح ويرد الجعل على كل حال وهو يعزله عن ذلك إن شاء في الوجهين جميعا كان بجعل أو بغير جعل، فإن فات ذلك ووقع النكاح رد الجعل على كل حال ونظر فإن كانت الوليه مالكة لأمرها وقد كانت عرفت الزوج وسمي لها قبل العقد ورضيت به أو كانت بكرا في ولاية أبيها ثبت النكاح ولم
يرد، وإن كانت مالكة لأمرها ولم يسم لها الزوج ولم تعرفه فسخ النكاح إن كان لم يدخل بها لأن مالكا قال في المرأة تفوض أمرها إلى وليها ينكحها وتجعل ذلك إليه ولا تسمي له الرجل ولا يسميه لها فيزوجها رجلا فإذا بلغها ذلك أنكرت ذلك وقالت: لم أكن أريد هذا ولا أرضى به، قال مالك: ذلك لها ولا يلزمها ذلك النكاح حتى يسمى لها وتعرفه، وإن كان في مسألتك قد دخل بها رأيت أن يثبت لأن ذلك منها رضى، قال سحنون: إذا فوضت إليه نكاحها ليزوجها ممن شاء فزوجها كفؤا فالنكاح جائز سمي لها أم لا، بكرا كانت أو ثيبا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز الجعل في هذا وقال: إنه لا يحل ولا يصلح من أجل أن للمجاعل أن يعزله عما جعل إليه من ذلك لأنه إن لم يعزله تم له ما أراد وأعطى عليه الجعل من تزويج وليته ممن أحب لما له من الغرض في ذلك والرغبة فيه، وإن عزله لم يتم له ما أراد فكان غررا، وإن ارتجع ماله عاد سلفا فكان حراما لأنه سلف جر منفعة إذ لم يسلفه لله وإنما أسلفه رجاء أن يتم له ما أراد من تزويج وليته لمن يحب.
ولو لم يكن له أن يعزله عما جعل إليه من ذلك من أجل الجعل الذي جعل له فيه لجاز ذلك على مذهب سحنون في البكر والثيب وإن لم يسم لها الزوج إذا رضيت بالأمر وعلى مذهب مالك في البكر ذات الأب وفي الثيب إن كان سمى لها الزوج وعرفته؛ لأن غرضه الذي أعطى عليه المال من تزويج ولية الرجل لمن يحب يتم له فيرتفع الغرر والحظر والحرام في ذلك، وقد أجاز ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع العيوب أن يقول الرجل للرجل ولني بيع دارك بكذا وكذا ولك كذا وكذا، والوجه في إجازة ذلك أنه لم ير للمجعول له رجوعا فيما جعل إليه بما أعطاه إذ لم يتعلق بذلك حق لغيره بخلاف النكاح الذي يتعلق فيه حق الولية المتزوجة، وقد كان بعض الشيوخ يذكر في الفرق بين المسألتين فرقا يغرب به ويزهى باستنباطه إياه واهتدائه إليه
وهو أنه في النكاح جعل على ما لا منفعة فيه للجاعل، وفي البيع جعل على ما له فيه منفعة، إذ قد يشترط على المشتري في البيع أكثر من الجعل فيكون قد انتفع بالزيادة التي صارت إليه، وإن اشترط على الزوج في النكاح شيئا لم يكن له وكان للزوجة؛ لأن كل ما اشترطه الولي من حباء أو كرامة فهو للزوجة، فصار قد أعطى الجعل على ما لا منفعة له فيه، وهو وهم من قائله إذ لا فرق في هذا بين النكاح والبيع؛ لأن من وكل رجلا على أن يبيع له سلعة فباعها واشترط لنفسه على المشتري شيئا يأخذه منه فلا حق له فيه، وهو لرب السلعة كما يشترط الولي على الزوج سواء، فالفرق بين المسألتين هو ما ذكرناه لا ما سواه، والله أعلم.
وتشبيه ابن القاسم في هذه المسألة مسألة الذي يوكل الرجل أن يزوج وليته المالكة لأمر نفسها يزوجها دون أن يسمي لها الرجل وتعرفه بمسألة مالك في التي تفوض أمرها إلى وليها وتجعل إليه إنكاحها فيزوجها دون أن يسمي لها الزوج أو تعرفه ليس بصحيح؛ لأن مسألة مالك قد قدمت المرأة فيها وليها والمسألة الأولى لم تقدم وليها فهما مسألتان مفترقتان، أما الذي زوج وليته قبل أن يستأمرها أو وكل رجلا فزوجها قبل أن يستأمرها فلا اختلاف أن النكاح لا يلزمها إذا لم ترض به، واختلف إن رضيت به فقيل: إن النكاح جائز، وهو دليل قوله في آخر المسألة وإن كان في مسألتك قد دخل بها رأيت أن يثبت لأن ذلك منها رضى، وقيل: إنه لا يجوز وهو ظاهر قوله في صدر المسألة فسخ النكاح إن كان لم يدخل بها إذ لم يفرق في ذلك بين قرب ولا بعد، وقيل: يجوز في القرب ولا يجوز في البعد، وهو المشهور حسبما مضى بيانه في أول رسم من سماع ابن القاسم، واختلف إن وقع النكاح في البعيد أو في القريب على القول بأنه لا يجوز، فقيل: إنه يفسخ ما لم يدخل، وهو قول ابن القاسم هاهنا واختيار محمد بن المواز، وقيل: يفسخ ما لم يطل بعد الدخول، وقيل: يفسخ أبدا وإن طال على ما مضى القول فيه في سماع ابن القاسم أيضا، وأما الذي وكلته وليته أن يزوجها فزوجها ولم يسم لها الزوج فقيل: إن النكاح يلزمها وإن لم ترض، وهو قول سحنون هنا وفي سماع
أشهب، وقيل: لا يلزمها ويجوز إن رضيت في القرب والبعد، وهو ظاهر قول مالك هنا وفي المدونة، وقيل: إنما يجوز إذا أجازت بقرب ما عقد عليها الولي النكاح، وأما إن بعد الأمر فلا يجوز وإن أجازته إلا أن يجدد نكاحا جديدا بعد فسخ الأول، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وبالله التوفيق.
مسألة: الذي يصيبه الجذام فتصبر عليه امرأته سنين ثم تريد فراقه
مسألة وسألته عن الذي يصيبه الجذام فتصبر عليه امرأته سنين ثم تريد فراقه أو ترفع أمرها إلى السلطان ليخيرها، فلما أراد ذلك كرهت فراقه وقالت: أنا أقيم على زوجي ثم أرادت فراقه بعد ذلك، وكيف إن لم يكن ذلك منها عند السلطان إلا عند قوم أشهدتهم على إقامتها معه ثم أرادت فراقه بعد ذلك؟ قال ابن القاسم: إن زاد جذامه ذلك على ما كان يوم أقامت عليه وتغير عن حاله تلك إلى ما هو أضر منه وأدنى كان ذلك لها لأنها تقول: ظننت أنه لا يزيد على حالته وأنه سينقص ويذهب، فأما إذا زاد فلا أرضى أن أقيم عليه فذلك لها، ويفرق بينهما إذا طلبت ذلك، وإن كان على حالته يوم أقامت عليه لم يزد فليس لها بعد ذلك كلام ولا حجة بأن تقول ظننت أنه سيذهب، فأما إذا لم يذهب فأنا لا أريد الإقامة فليس ذلك لها، وسواء كان صبرها عليه وإقامتها معه عند سلطان أو غير سلطان فذلك سواء إذا أشهدت أو شهد عليها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل القول فيها في رسم نقدها من هذا السماع، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: يزوج أمته عبد قوم على أن أول ولد تلده فهو حر
مسألة قال: وسألت عن الرجل يزوج أمته عبد قوم أو رجلا حرا
على أن أول ولد تلده فهو حر ثم يصدقها امرأته أو يبيعها والأمة حامل أو حملت بعد أن باعها وأصدقها فلا يعلم بذلك حتى تضع عند المشتري أو عند المرأة؟ قال ابن القاسم: ما حملت بعد أن أصدقها أو باعها في ملك المشتري أو المرأة فهو رقيق ولا حرية له لأن بيعه إياها أو إصداقه إياها قطع للشرط الذي في الولد وفسخ له لأنه بمنزلة رجل جعل لجاريته أن ما ولدت أو أول ولد تلده فهو حر، فإذا باعها قبل ذلك سقط ما كان جعل لها من ذلك ما دامت عنده وفي ملكه، وهو يبيعها إن شاء، فإذا باعها بطل ذلك، والنكاح مفسوخ في مسألتك على كل حال، وأما إن حملت في ملك السيد الذي زوجها على ذلك ثم باعها أو أصدقها وهي حامل فالولد حر على كل حال، وولاؤه للبائع، وتقوم الجارية على المشتري إن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق أو شيء من وجوه الفوت فيها يوم قبضها بحالها يومئذ على أن الولد مستثنى أن لو كان يحل بيعها على ذلك وإن لم تفت ردت وإن فاتت بيد المرأة التي أصدقها إياها بشيء مما ذكرت لك من وجوه الفوت رجعت على الزوج بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وقد فاتت في يدها، وإن لم تفت في يديها ردتها ورجعت عليه بقيمتها.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يزوج أمته عبد قوم أو رجلا حرا على أن أول ولد تلده فهو حر إن النكاح يفسخ على كل حال هو مثل ما في رسم الكبش من سماع يحيى، وقال ابن الماجشون في الواضحة إنه إذا لم يعثر عليه حتى ولدت فلا يفسخ النكاح لأن الشرط قد ذهب، وقوله يأتي على رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في نكاح المريض والمريضة إنهما إذا صحا قبل أن يفسخ النكاح ثبتا على نكاحهما لذهاب علة الفسخ، وأما إن زوجها على أن كل ولد تلده فهو حر فلا اختلاف في أن النكاح يفسخ أبدا إلا أن يدخل في ذلك الاختلاف بالمعنى على ما ذكرناه في رسم سن من سماع ابن
القاسم، وقوله: إن بيع السيد إياها أو إصداقه إياها قبل أن تحمل قطع للشرط في الولد صحيح مثل ما في المدونة إلا أن مالكا استثقل فيها بيعها وقال: يفي لها بما وعدها.
وأما إذا حملت فلا يجوز له أن يبيعها إلا أن يرهقه دين فتباع في دينه، قاله في المدونة ومثله في رسم الكبش من سماع يحيى، وقد قيل: إنها لا تباع في الدين، وهو قول سعيد بن عبد الله المعافري وقال: لأن أخطئ في البيع أحب إلي من أن أخطئ في العتق، وهو قول أصبغ، وكذلك اختلف أيضا إذا مات سيدها قبل أن تضع هل للورثة أن يقتسموها ويبطل العتق في الجنين أم ليس ذلك لهم؟ فقال ابن القاسم: ذلك لهم، وقال أصبغ: ليس ذلك لهم إلا أن يطول الأمر ويخاف على الميراث التلف، وذلك عنده إذا حمل الثلث الأمة على أصله في أن الجنين لا يعتق إذا وضعته في مرض سيدها أو بعد موته إلا من الثلث، وأما إن لم يحملها الثلث فيوافق ابن القاسم في أنه يخلى بينهم وبين بيعها واقتسامها.
ووجه قوله أنه لما كان عتق الجنين من الثلث لم ير أن يوقف على الورثة الجارية بسبب جنينها إذا كانت قيمتها أكثر من الثلث، وقد كان القياس على قوله إنها لا تباع في حياة سيدها في الدين حتى تضع ألا تباع بعد الوفاة إذا حملها الثلث حتى تضع طال الأمر أو لم يطل إذ لا حجة للورثة إذا لم يوقف أكثر من الثلث، وأما ابن القاسم فجرى على أصله بأن قال.
لا يلزم الورثة بعد الوفاة أن يتربصوا بها حتى تضع كما لا يلزم الغرماء في حال الحياة أن يتربصوا بها حتى تضع وتباع في الوجهين ويبطل العتق في الجنين، والقياس على القول بأنه حر من رأس المال وإن وضع بعد موت السيد كالمعتق إلى أجل وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة ألا تباع حتى تضع في حال من الأحوال إلا أن يسبق الدين العتق، وقد روي عن ابن القاسم أنه لا يعتق إلا من الثلث إذا وضعته في مرض السيد أو بعد موته، فإن باعها بعد أن حملت ولا دين عليه أو أصدقها امرأة فقال في هذه الرواية: إنها إن كانت قائمة بيد المشتري أو الزوجة لم تفت بحوالة سوق فما فوقه ردت بعينها ورجع المشتري على البائع بالثمن والزوجة على الزوج بقيمتها، وإن كانت قد فاتت بشيء من ذلك كان على المشتري قيمتها يوم قبضها على أن الولد مستثنى أن
لو كان يحل بيعها على ذلك لأن الجنين قد ثبتت حريته على البائع قبل أن يبيعه ورجعت الزوجة على الزوج بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وقد فاتت في يديها، هذا معنى قوله وفيه نظر، أما قوله في البيع فإنما يستقيم إذا كان البيع فاسدا إما بأنه باعها بجنينها وأعلم المبتاع أنه قد كان أعتقه، وإما أن يكون باعها على أن جنينها حر لأنه لو باعها ولم يعلم المبتاع أنه قد كان أعتق جنينها لما كان البيع فاسدا ولوجب إن كانت قائمة لم تفت بالعيوب المفسدة أن ترد على كل حال، إذ لا يجوز للمبتاع أن يمسكها على أن جنينها مستثنى وإن فاتت بالعيوب المفسدة أن يكون مخيرا بين أن يرجع بما بين القيمتين من الثمن وبين أن يرد وما نقصه العيب المفسد عنده ويرجع بجميع الثمن.
وأما قوله في النكاح بها فلا يستقيم بحال لأنه إن كان تزوج بها على أن يكون الجنين للمرأة وأعلمها أنه قد كان أعتقه أو على أن جنينها حر فالنكاح فاسد يفسخ قبل البناء ويرد إلى صداق مثلها بعد البناء وترد الأمة إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت فائتة على أن الجنين مستثنى أن لو كان يحل بيعه على ذلك، وإن كان تزوج بها ولم تعلم المرأة بعتق جنينها لوجب أن تردها إن كانت قائمة لم تفت بشيء من العيوب المفسدة وترجع بقيمتها، وإن كانت قد فاتت بالعيوب المفسدة كانت مخيرة بين أن ترجع بما بين القيمتين بمنزلة عيب وجدته فيها وبين أن تردها وما نقصها العيب المفسد عنده وترجع بقيمتها صحيح، فقوله: إنها تفوت بما يفوت به البيع الفاسد بعيد غير صحيح، وساوى ابن حبيب في البيع بين أن يبيعها على أن جنينها حر وبين أن يبيعها ويكتم المبتاع ذلك، ولم ير أن تفوت في الوجهين جميعا إلا بالعيوب المفسدة، قال الفضل: وإنما لم ير أن تفوت في البيع الفاسد بحوالة الأسواق لأن القيمة كانت تكون فيها على المبتاع على أن الجنين مستثنى، وذلك لا يجوز في البيع، وفرق بين الوجهين في النكاح بها على ما ذكرناه، وقد قيل: إنه إذا أعتق الجنين في بطن أمه جاز أن يبيع الأمة على أن جنينها حر، وأن يتزوج بها على أن جنينها حر، وليس ذلك باستثناء للجنين إذ لا يقدر على بيعه مع أمه لتقرر الحرية فيه قبل البيع، وقيل: لا يجوز ذلك إلا في التفليس، والثلاثة الأقوال في بيع الحائط المساقى.
مسألة: الرجل يزوج وليته بنقد مائة دينار ورأس بمائة دينار ولم يوصف الرأس
مسألة قال: وسألت عن الرجل يزوج وليته بنقد مائة دينار ورأس بمائة دينار ولم يوصف الرأس؛ أيجوز هذا النكاح؟ قال ابن القاسم: نعم جائز صحيح، والتسمية صفة يجتزى بها، وإن طلقها قبل الدخول عليها غرم نصف الأمرين جميعا، وهو مائة دينار؛ لأن النقد مائة والرأس مائة، فلها نصف هذه وهي خمسون، ونصف ثمن الرأس وهو خمسون، ولو تزوجها بأرؤس ولم يصف لها صفة ولا سمى لها ثمنا كان جائزا وكان لها وسط من ذلك، إن كانوا حمرانا كان لها وسط من الحمران وإن كانوا سودانا كان لها وسط من السودان، ينظر إلى أرفع الحمران أو السودان وإلى أوضع الحمران والسودان فتعطى ما بين ذلك، وإن طلقها قبل الدخول أعطيت نصف ذلك على ما فسرت لك، وإن لم يسموا حمرانا ولا سودانا وقد تزوج بأرؤس فهو على رقيق تلك البلدة الذين يزوجون عليهم الغالب من ذلك عليهم إن حمران فحمران وإن سودان فسودان، وإن كان رقيق البلدة حمرانا وسودانا جميعا فنكح بهم ولم يسموا حمرانا ولا سودانا نظر إلى وسط الحمران ووسط السودان فضم ذلك كله ثم أعطيت نصف ذلك والقيمة في ذلك الوسط من الرقيق إنما هي يوم وقعت العقدة أمسك أو طلق.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم الرهون القول في تسمية العدد في الرأس المنكح به فلا معنى لإعادة ذلك، ومضى في أول رسم وفي رسم سن ما يبين معنى قوله والقيمة في ذلك إنما هي يوم وقعت العقدة أمسك أو طلق، فلا معنى لإعادة ذلك أيضا والحمد لله.
مسألة: الرجل يتزوج بمال ولد ولده ثم يقوم عليه ولد الولد بعد زمان
مسألة قال: وسألت عن الرجل يتزوج بمال ولد ولده ثم يقوم عليه ولد الولد بعد زمان هل يأخذ ماله؟ قال ابن القاسم: نعم يأخذه إن وجده بعينه لم يفت أخذه حيث وجده، وإن لن يجده بعينه ووجده قد استهلكته المرأة لم يكن على المرأة شيء إذا لم يكن طعاما أكلته أو ثيابا أبلتها، فإن كان ذلك كذلك غرمته علمت أو لم تعلم وكذلك الولد الكبير مثل ذلك سواء، وأما الولد الصغير الذي في حجره فليس لهم إليه سبيل، وإن وجده بعينه لم يكن لهم أخذه وكانت المرأة أحق به واتبعوا الأب بقيمته يوم أخذه وأصدقه إن لم يكن له مال، علمت المرأة أن المال لولده الأصاغر أو لم تعلمه فهي أحق به، ولا يؤخذ منها شيء، ولا سبيل للولد إليه على حال.
قال محمد بن رشد: فراق ابن القاسم بين أن يعتق [الرجل] عبد ابنه الصغير أو يتصدق به أو يتزوج به فقال: إن العتق ينفذ إن كان موسرا ويغرم القيمة لابنه ويرد إن كان معدما إلا أن يطول الأمر فلا يرد، قال أصبغ: لاحتمال أن يكون حدث له في خلال ذلك يسر لم يعلم به، وأما إن علم أنه لم يزل عديما في ذلك الطول فإنه يرد، وقال: إن الصدقة ترد موسرا كان أو معدما، وقال في التزويج: إن المرأة أحق به موسرا كان الأب أو معسرا ويتبع الابن أباه بقيمته، قال في المدونة: الرواية يوم أخذه وأصدقه امرأته يريد يوم تزوج عليه لا يوم دفعه لأنه بيع من البيوع، كذا قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب، فظاهره وإن لم تقبضه المرأة، وفي سماع أصبغ أن الابن أحق به من المرأة ما لم تقبضه المرأة وما لم يطل في يديها بعد القبض، وأما إن قام بعد القبض باليوم واليومين والأمر القريب فهو أحق به ويكون كالاستحقاق، وتتبع
المرأة الأب بقيمته، وسواء على مذهب ابن القاسم دخل الأب بالمرأة أو لم يدخل بها، وفرق مطرف بين أن يدخل بها أو لا يدخل، ورواه عن مالك وقال ابن الماجشون: الابن أحق دخل الأب أو لم يدخل، قبضت الزوجة أو لم تقبض، طال الأمر أو لم يطل، وهذا الاختلاف إنما هو إذا كان الأب معسرا، وأما إن كان موسرا فالزوجة أحق قولا واحدا، ولا اختلاف بينهم فيما تزوج به من مال ولده الكبير أو ولد ولده أنهم أحق به من الزوجة في يسر الأب وعدمه، وأجاز أصبغ فعل الأب كله في مال ابنه من الهبة والصدقة والعتق والإصداق في القيام والفوات والعسر واليسر لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «أنت ومالك لأبيك» فعلى ظاهر الحديث لا فرق بين الصغير والكبير، وبالله التوفيق
مسألة: الرجل يخطب على ابن له صغير إلى رجل ابنته صغيرة
مسألة وسألت عن الرجل يخطب على ابن له صغير إلى رجل ابنته صغيرة فزوجه وأطرقا قليلا ثم قال الرجل لأبي الصبي: هذا الأمر عليك إن هلك أو هلكت، فقال أبو الصبية: من هلك منهما فلا يتبع بعضنا بعضا بشيء، فقال أبو الصبي: نعم، قال ابن القاسم: النكاح ثابت لا يضره ما تكلما به من ذلك بعد ذلك لأن العقدة وقعت صحيحة، وما اشترطا فيه بعد ذلك فهو باطل، والصداق ثابت عاشا أو ماتا، وهو على الأب إن كان تحمل به وإن لم يكن تحمل به فهو في مال الصبي إن كان له مال يوم زوجه أبوه، فإن لم يكن له مال فهو في مال الأب، فإن وقع النكاح بهذا الشرط وكان نسقا واحدا فهو نكاح مفسوخ متى ما أدرك قبل البناء فإن دخل ثبت النكاح وكان لها صداق مثلها، وإن مات أحدهما في الصغر توارثا لأنه من النكاح الذي يثبت بعد الدخول، والصغيران والكبيران في ذلك سواء على ما فسرت لك، وكذلك لو اشترطا على أن لا ميراث
بينهما على مثل ذلك سواء، ويفسخ النكاح فيه أيضا إذا لم يدخل بمنزلة الذي ينكح على أن لا نفقة عليه وما أشبهه، قال عيسى: ويبطل الصداق إن ماتا إذا كان على ذلك وقع الشرط.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن تكلما به بعد تمام العقد وكماله لا يلزم ولا يفسد العقد، وإن شرطا ذلك في العقد أفسده وفسخ قبل الدخول وثبت بعده وكان فيه صداق المثل لأنه نكاح فسد لصداقه بما اشترطا فيه، وقول عيسى بن دينار: إن الصداق يبطل إن مات إذا كان على ذلك وقع الشرط صحيح على المعلوم في المذهب إذ المنصوص عليه من أن النكاح الذي فسد لصداقه لا شيء للمرأة فيه إلا بالدخول، وقد روي عن أصبغ فيمن تزوج بغرر ثم مات قبل الدخول أن لها صداق مثلها وإن طلق فلا شيء لها فراعى التسمية الفاسدة وجعله كنكاح التفويض على مذهب من يرى أنه يجب فيه بالموت صداق المثل، وليس هذا معروفا في مذهبنا، وكذلك يبطل الصداق المسمى في النكاح على أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك من الأنكحة الفاسدة إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول على القول بأنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون فيه صداق المثل، وهو الصحيح من الأقوال إلا على مذهب أصبغ وهو شذوذ.
امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته وهي تدعي أنهما جميعا زوجاها
ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك قال عيسى: وكتب إلى ابن القاسم صاحب الشرط يسأله عن امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته وهي تدعي أنهما جميعا زوجاها، كان أحدهما زوجها فزعمت أنه أجاعها وضرها فهربت من عنده وظنت أن ذلك فراقه وزعمت أن الآخر تزوجها إلا أنه طلقها، قال ابن القاسم: يسأل الأول فإن كانت له بينة بأنها
امرأته فارددها إليه بعد أن يحلف بالله ما طلقها، ولا يطأها حتى يستبرئ رحمها بثلاث حيض، فإن لم تكن له بينة فلا يقبل قوله ولا إقرارها بأنها امرأته ويفرق بينهما، ويسأل الآخر البينة على نكاحها فإن ثبتت له بينة فارددها إليه واستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو ما طلقها ولا صالحها إن قامت له بينة على أصل النكاح، وإن لم تقم له بينة فرق بينهما ولتكن أولى بنفسها تنكح من أحبت.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن المرأة التي ادعى كل واحد منهما أنها زوجته بائنة عنهما، منقطعة بنفسها، ليس في ملك أحدهما وتحت حجابه، وقوله: يسأل الأول البينة يريد الأول على ما أقرت له به الزوجة من ذلك وإن لم تصدق في إقرارها له بذلك، ويحتمل أن يريد الأول على دعواهما مثل أن يقول أحدهما تزوجتها في المحرم من سنة كذا ولا أدري ما يقول هذا، ويقول صاحبه تزوجتها في رجب من تلك السنة ولا أعلم له فيها نكاحا، قيل: الأول أظهر، وإنما حلف الأول ما طلقها إذا كانت له بينة أنها امرأته وإن لم تدع عليه امرأته الطلاق لأن سكوته على خروجها من عنده وبينونتها بنفسها وتصيرها إلى غيره على ما زعمت من أنه تزوجها بشبهة تدل على أنه قد طلقها لعله أقوى من الشاهد الواحد على الطلاق ويمين الثاني أبين لدعوى المرأة عليه الطلاق مع كونها خارجة عن ملكه منقطعة بنفسها، وكذلك تقول على هذا لو انتقلت امرأة عن زوجها وبانت بنفسها ولم يظهر منه إنكار لذلك حتى طال الأمر فتزوجت أو أرادت التزويج وزعمت أنه طلقها فأنكر أن اليمين لازمة له وإن لم يكن لها شاهد لأن هذه الأسباب تقوم لها مقام الشاهد، ولو أقام كل واحد منهما بينة ولم تؤرخ لم يكن لواحد منهما نكاح إذا كانتا عدلتين وإن كانت إحداهما أعدل من الأخرى، ولو كانت هذه المرأة التي تداعيا فيها في ملك أحدهما وعياله وتحت حجابه وهما طارئان أو مقران بالنكاح مع اشتهار ذلك وإعلانه لكانت البينة على الآخر، فإن لم يأت ببينة على ما ادعى من أنها زوجته بقيت تحت الذي هي في ملكه وتحت حجابه ولم تجب عليه يمين على معنى ما في رسم الكبش من سماع يحيى، وسيأتي الكلام على ذلك هناك إن شاء الله.
مسألة: تعلقت برجل وزعمت أنه زوجها وزعمت أن نبطية زوجتها إياه
مسألة قال عيسى: وكتب إليه أيضا يذكر أن امرأة تعلقت برجل وزعمت أنه زوجها وزعمت أن نبطية زوجتها إياه فادعت بشهود فجحد الشهود ما ادعت، قال: إن أقر بالدخول فأحسن أدبهما وفرق بينهما دخل أو لم يدخل لأنه لو ثبتت لهما بينة لم يثبتا على النكاح لأن أصل النكاح حرام لا يقران عليه، ولم يمنعني أن أعاقب في المسألة الأولى إلا أن ذلك أمر قد طال الذي ذكروا وعسى الشهود أن يكونوا قد ماتوا أو غابوا، فلذلك وقفت في عقوبتهم.
قال محمد بن رشد: إنما رأى الأدب عليهما دون الحد لإظهارهما الأمر قبل أن يعثر عليهما فيه، ولو وجدا يزنيان أو أخذا في بيت فأقرا بالوطء وادعيا أنهما زوجان لحدا إن لم يأتيا بالبينة على النكاح على ما في كتاب الرجم والحدود في القذف من المدونة، ولو لم يقرا بالوطء ولا شهد عليهما به لأدبا ولم يحدا، وعلى هذا يحمل ما في كتاب النكاح الأول من المدونة.
ويحتمل أن يكون سقط الحد عنهما في مسألة المدونة لشهادة الأب والأخ أن الأب زوجها إياه، فرأى ذلك شبهة تسقط الحد وإن لم يقبل قولهما، يريد بالمسألة الأولى التي قبلها لأن كل واحد من الرجلين أقر بالدخول بالمرأة وادعى أنها زوجته، فلم ير على من لم يثبت منهما أنها امرأته حدا لأنه أقر طائعا بأمر لا ريبة عليه فيه ولا رأى عليه أدبا لما ذكر من طول الأمر، والله الموفق.
فوض إليه أمر امرأته فبعث إلى أهلها بشيء فسخطوه فقال إن لها صداق مثلها
ومن كتاب القطعان قال: وسئل عن رجل فوض إليه أمر امرأته فبعث إلى أهلها بشيء فسخطوه فقال: إن لها صداق مثلها ثم طلق فلم يدخل
بها، قال ابن القاسم يرجع عليه بنصف صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه قد أوجب لها على نفسه صداق مثلها بقوله فإن لها صداق مثلها، ولو لم يقل ذلك لما وجب عليه أن يتم لها صداق مثلها على ما كان بعث به ولكان له أن يرد النكاح عن نفسه ويرجع بما كان بعثه به على ما قاله في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الشفعة لأن نكاح التفويض لا يجب فيه الصداق إلا بالتسمية أو الدخول، والله الموفق.
مسألة: تزوج امرأة فدخل بها وهي حائض فأصابها حائضا ثم طلقها
مسألة وسئل عن رجل تزوج امرأة فدخل بها وهي حائض فأصابها حائضا ثم طلقها بعد أن طهرت طلقة هل يملك رجعتها؟ فقال: لا أرى ذلك له، وأراها طلقة بائنة بمنزلة ما لو طلقها قبل أن يبني بها لأن ذلك الوطء ليس بوطء.
قال محمد بن رشد: قوله لأن ذلك الوطء ليس بوطء معناه ليس بوطء جائز لأنه وطء يوجب الغسل والحد والصداق باتفاق، وإنما يختلف هل يحصن الحرة المسلمة ويحل المطلقة أم لا على ما يأتي القول فيه في أول سماع سحنون، فعلى القول بأنه يحل ويحصن يوجب الرجعة، والله أعلم.
ينكح المرأة ويشترط عليه أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا فلا نكاح
ومن كتاب أوله باع شاة واستثنى جلدها قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح المرأة ويشترط عليه في عقدة النكاح أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بيننا وبينك، قال: هذا نكاح حرام لا يقران عليه ويفرق بينهما دخل أو لم يدخل، وقد قال: إذا دخل بها ثبت النكاح ولم يفسخ، قلت: فالرجل يتزوج المرأة على أن لا ميراث بينهما؟ قال
هذا ومن تزوج على أن لا نفقة بينهما وعلى أن لها من القوت كذا وكذا هذا ونحوه من الوجوه التي تشترط في النكاح إذا أدرك قبل البناء فسخ، وإن فات ببناء ثبت وسقط الشرط، وهما يتوارثان فيه قبل أن يفسخ قبل البناء وبعده، قلت: هل سمعت من مالك في هذا بعينه شيئا في النكاح الذي لو أدركته قبل البناء فسخته وإذا مات أحدهما قبل البناء أنهما يتوارثان؟ قال ابن القاسم: كذلك قال لي مالك فيه بعينه، وكذلك نكاح أهل مصر إنما صداقهم إلى موت أو فراق، وكان مالك يفسخه قبل البناء ويرى الميراث بينهما إذا مات أحدهما قبل البناء، قلت: فالرجل ينكح المرأة وتشترط عليه أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فأمرها بيدها؟ قال: قال مالك يفسخ، ولم يقل دخل أو لم يدخل، وأنا أرى إذا دخل ألا يفسخ.
قال محمد بن رشد: أما الذي ينكح المرأة وتشترط عليه أنه إن لم يأت إلى أجل كذا وكذا بصداقها فلا نكاح بينهما فهو نكاح خيار لأن الأمر يرجع إلى أن الزوج بالخيار بين أن يأتي بالصداق إلى الأجل فيجب له النكاح أو لا يأتي إليه فلا يجب له، فاختلاف قوله في وجوب فسخه بعد الدخول على اختلاف قول مالك في وجوب الفسخ بالخيار بعد الدخول، وقد نص على ذلك في المدونة، وهذا الاختلاف إنما يتصور إذا أتى بالصداق إلى الأجل واختار الزوج النكاح قبل انقضاء أيام الخيار أو اختارته المرأة إن كان الخيار لها قبل انقضاء أيام الخيار وأما إن لم يأت الزوج بالصداق إلى الأجل أو لم يختر من له الخيار من الزوجين حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما، والقول بأن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده على القول بأن البيع على الخيار يجب إذا اختار من له الخيار يوم العقد، والقول بأنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده على القول بأن البيع على الخيار يجب إذا اختار من له الخيار يوم الاختيار، وهو المشهور في المذهب، والقول الثاني قائم من كتاب الشفعة من المدونة.
والعلة في أن الخيار لا يجوز في النكاح هو أنه عقد قد لزم أحدهما ولا ميراث فيه
مع أنه قد قيل: إنه عقد مترقب ينكشف بامضائه وجوبه يوم عقده.
وقوله فيه بأنه نكاح حرام تجوز في اللفظ إذ لم يأت بتحريمه كتاب ولا سنة ولا إجماع، والتعليل بأنه لو مات أحدهما لم يتوارثا ضعيف؛ لأن الأغلب الأمن من الموت فيما قرب مثل اليوم واليومين ونحوهما مع أن الأشهر أنه غير منعقد حتى يمضي، فلو تزوج رجل امرأة على أنهما جميعا بالخيار الزوج والمرأة والولي لانبغى أن يجوز إذ لم يلزم النكاح واحدا منهم وإنما يجب يوم يمضي، فالنكاح في باب الصداق أوسع من البيع لأنه يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيع، والبيع في باب العقد أوسع من النكاح لأنه يجوز فيه من الخيار ما لا يجوز في النكاح، والنكاح أوسع من الصرف لأنه يجوز فيه الخيار في المجلس وأن يعقداه على مشورة فلان إذا كان حاضرا بالبلد قريبا فأرسلا إليه في فورهما ليعلما رأيه يريد قبل أن يفترقا من مجلسهما، وسيأتي ذلك في آخر سماع أصبغ، ولا يجوز شيء من ذلك في الصرف، وقد قيل: إن الخيار في المجلس جائز في الصرف.
فعلى هذا القول يجوز في النكاح اليوم واليومان ونحوهما لما ذكرناه من أنه أوسع منه، وأما الذي يتزوج المرأة على أن لا ميراث بينهما أو على أن لها من القوت كذا وكذا فقد مضى القول فيه في رسم الرهون.
وقسم في هذه الرواية الأنكحة الفاسدة لعقودها قسمين: أحدهما أن يكون أصله حراما، والثاني أن يكون أصله حلالا ويشترط فيه شرطا حراما، وهو تقسيم فيه نظر لأن ما كان أصله حراما ينقسم إلى قسمين: إذ منه ما يتفق على تحريمه كنكاح المرأة في عدتها [أو على عمتها] أو على خالتها أو على أمها وإن لم يدخل بها وما أشبه ذلك، ومنه ما يختلف في تحريمه كنكاح المحرم والنكاح بغير ولي وما أشبه ذلك، فالأول لا ميراث فيه ولا طلاق، ولا يكون الفسخ فيه طلاقا، ولا يجب فيه الصداق المسمى إلا بالدخول، والثاني يختلف في وجوب الميراث والطلاق فيه فيجب عند مالك في أحد قوليه مراعاة لقول من
يراه نكاحا جائزا، ووجوب الصداق المسمى فيه إن مات أحد الزوجين قبل الفسخ يجري عندي على هذا الاختلاف، ولأن ما كان أصله حلالا واشترطوا فيه شرطا حراما ينقسم إلى أقسام، منه ما يفسخ قبل وبعد باتفاق في المذهب مثل نكاح المحلل ونكاح أمة على أن كل ولد تلده فهو حر وما أشبهه، ومنه ما يفسخ قبل الدخول باتفاق وبعده على اختلاف مثل النكاح على الخيار وعلى أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك، ومنه ما يفسخ قبل الدخول ويثبت بعد الدخول باتفاق، ومنه ما يثبت بعد الدخول ويختلف في فسخه قبل الدخول مثل أن يتزوج الرجل المرأة على أنه إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فأمرها بيدها، وقد مضى القول على هذه المسألة في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، واختلف فيما فسخ من هذه الأنكحة بعد الدخول هل يكون فيه صداق المثل أو الصداق المسمى، وكذلك ما لم يفسخ منها بعد الدخول وقد ذهب الشرط مثل النكاح على الخيار على أحد قولي مالك، ونكاح الأمة على أن أول ولد تلده فهو حر إذا لم يعثر على ذلك حتى ولدت على مذهب ابن الماجشون.
وأما ما لم يفسخ منها بعد الدخول مما الشرط فيه قائم مثل النكاح على أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك فأبطل فإن المرأة ترد إلى صداق مثلها.
مسألة: أفيستخلف الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة يعقد له نكاحه
مسألة قلت لابن القاسم: أفيستخلف الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة يعقد له نكاحه؟ قال: لا بأس به، ولا بأس أن تزوج المرأة عبدها ولا تزوج أمتها ولكن من ولي من النساء أو العبيد شيئا من أمور النساء فليستخلفوا من يزوجهن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما يأتي في آخر هذا الرسم، وهو صحيح لا اختلاف فيه، وقد مضى بيانه في رسم سن من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
مسألة: أفيزوج المسلم النصرانية
مسألة قلت: فيزوج المسلم النصرانية؟ قال ابن القاسم: لا يزوج المسلم النصرانية كانت أخته أو ابنته أو مولاته، لا يزوج المسلم النصرانية مسلما ولا نصرانيا، قلت: فالسلطان ترفع إليه النصرانية أمرها أترى للسلطان أن يستخلف عليها من يزوجها؟ قال: لا يستخلف عليها من يزوجها وليردها إلى أهل دينها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم موعبا فلا معنى لإعادته.
مسألة: الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها في عقدة النكاح أن ينفق عليها
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها في عقدة النكاح أن ينفق عليها ما يصلح مثلها فإن لم يفعل فأمرها بيدها هل ترى هذا النكاح جائزا؟ وإن رأيته جائزا فأنفق عليها ما يصلح مثلها سنين ثم رقت حاله فقصر عن نفقة مثلها سنين فقرت ورضيت بذلك ثم بدا لها فأحبت أن تختار أيكون ذلك لها؟ قال ابن القاسم: لا أرى هذا النكاح جائزا وأرى أن يفسخ إن لم يدخل وإن دخل لم يفرق بينهما وكانت على شرطها إن لم يقدر على شيء كان أمرها بيدها، قال: وإن رقت حاله فقصر عن نفقة مثلها فقرت على ذلك ورضيت فليس لها بعد ذلك قول، ليس في يديها مما جعل لها شيء لأن هذا فعل واحد، وهو بمنزلة الذي يقول: إن لم أعطك بقية صداقك إلى أجل كذا وكذا فأمرك بيدك فيأتي الأجل فيعسر بالمهر وتقيم معه ويصيبها ولا يقضي شيئا ثم تطلب بعد ذلك فلا شيء لها لأن النفقة أمر واحد وليس هو فعل يأتي بعد فعل، ألا
ترى أنه لو قال: إن نكحت عليك إلا بإذنك فأمرك بيدك فتأذن له فينكح ويدخل بها ثم يبدو لها فلا يكون لها بعد ذلك في تلك المرأة قول إلا أن يريد أن ينكح غيرها فتحلف أنها إنما كان ذلك إذنا منها في هذه ولم تكن تركت ما كان في يديها.
قال محمد بن رشد: قوله في التي شرطت على زوجها أن ينفق عليها ما يشبه مثلها فإن لم يفعل فأمرها بيدها إن النكاح يفسخ قبل الدخول أو تكون على شرطها بعد الدخول ليس بمعتدل على أصولهم، إذ لا يخلو الشرط من أن يكون جائزا أو فاسدا، فإن كان جائزا فينبغي أن تكون على شرطها قبل الدخول وبعده، ولا يفسخ النكاح كسائر الشروط المقيدة بتمليك أو طلاق، وإن كان فاسدا يجب فسخ النكاح به قبل الدخول، فينبغي إذا لم يفسخ به بعد الدخول أن يبطل الشرط وترد إلى صداق مثلها، والقول الأول أظهر أن يكون النكاح جائزا والشرط لازما كسائر الشروط، وهذه الرواية تأتي على ما يروى عن سحنون أن الشروط المشترطة في أصل العقد المقيد بتمليك أو طلاق يجب بها فسخ النكاح قبل الدخول ولمراعاة قوله مضى العمل على كتاب الشروط في الصدقات على التطوع، وقد مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم على المسألة التي ساقها عليه من شرط التمليك في النكاح فلا معنى لإعادة ذلك.
مسألة: الرجل يتزوج الحرة على أنه حر فإذا هو عبد
مسألة وعن الرجل يتزوج الحرة على أنه حر فإذا هو عبد، هل يكون لها الخيار قبل أن يرفع ذلك إلى السلطان؟ أو هل يفوض إليها السلطان إذا رفع ذلك إليه أمرها إلى نفسها فتطلق ما شاءت؟ وعن الذي يجذم هل تطلق زوجها ما شاءت أو يفرق السلطان بينهما بواحدة ولا يفوض إليها شيئا؟ وكيف إن طلقتا أنفسهما ثلاثا امرأة
المجذوم وامرأة الذي غر من نفسه قبل أن يرفع ذلك إلى السلطان هل يلزمها ذلك؟ قال: أما الذي غر من نفسه فلامرأته أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان، فما طلقت به نفسها جار عليها، وأما الذي يجذم فليس لامرأته الخيار حتى ترفع ذلك إلى السلطان، فإذا رفع ذلك إليه فليس له أن يفوض أمرها إليها تطلق ما شاءت ولكن على السلطان إذا كرهته وأرادت فراقه أن يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه، وكذلك المجنون إلا أن المجنون يضرب له أجل سنة، وكذلك سمعت من مالك من يوم ترفع، قلت: فأيهم يضرب له أجل سنة، الموسوس وحده أو الذي يغث مرة ويفيق أخرى، وهو إذا أفاق صحيح، قال ابن القاسم: سبيلهما واحد، وقد قال لي مالك: وأي شيء أشر من أن يعث الرجل مع المرأة في بيت واحد فينخلع قلبها، قال ابن القاسم: والذي حفظت عن مالك في المعتوه أنه يضرب له أجل سنة ولا يخلى بينه وبينها في هذا الأجل: قال محمد بن رشد: أما قوله في الذي غر الحرة من نفسه وزعم أنه حر فانكشف أنه عبد إن لامرأته أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان يريد أنها إن فعلت جاز ذلك لها إن كان الزوج مقرا بأنه غرها ولم يدع أنه أعلمها أنه عبد، وأما إن نازعها في ذلك فليس لها أن تختار نفسها إلا أن يحكم لها السلطان بذلك، وهذا معنى قوله في المدونة أو رضي الزوج بذلك ورضيت المرأة وإلا فرق بينهما أو أبى الزوج إذا اختارت فراقه، فليس ما في المدونة بخلاف لما ههنا في هذا إذ لا معنى لاشتراط رضى الزوج بالفرقة إذ أقر بغروره إياها، فإن اختارت نفسها وهو منكر فرفع ذلك إلى السلطان وثبت
عنده غروره إياها مضى الطلاق بما عند السلطان من أنها فعلت ما لها أن تفعل.
وقوله: فما طلقت به نفسها جاز عليها هو على أحد قولي مالك في المدونة في الأمة تعتق تحت العبد أن لها أن تختار ثلاثا على حديث زبراء، وقد قال في المدونة في المجبوب يغر المرأة من نفسه: إنها ليس لها أن تطلق نفسها إلا واحدة وتكون بائنة، وذلك على قوله الثاني في أن الأمة المعتقة تحت العبد ليس لها أن تطلق نفسها إلا واحدة وتكون بائنة بها، وقوله في امرأة المجذوم والمجنون: إنها ليس لها أن تختار نفسها حتى ترفع ذلك إلى السلطان، وإنها إذا رفعت ذلك إليه لم يفوض إليها الأمر في الطلاق، ولكنه هو يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه صحيح؛ لأن ذلك حكم من السلطان باجتهاده ليس فيه سنة قائمة كما في الأمة التي تعتق تحت العبد فذلك بخلاف العبد يغر الحرة من نفسه، وقال هاهنا: إنه سمع من مالك أنه يضرب للمجنون أجل سنة في علاجه، وقال في المدونة: إنه لم يسمع ذلك منه، وإنما بلغه ذلك عنه، وقوله ههنا: إنه يفرق بينهما بعد أن يضرب له أجل سنة، وإن لم يكن جنونا مطبقا لما يصيبها منه من الفزع هو خلاف ما في سماع زونان لابن وهب وأشهب، وخلاف قول ربيعة في المدونة، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم "نقدها" من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل زوج ابنه صغيرا والابن لا مال له فكتب الصداق على الابن
مسألة قال ابن القاسم في رجل زوج ابنه صغيرا والابن لا مال له فكتب الصداق على الابن فيدخل الابن ثم يكبر أو لا يدخل، وقد بقي عليه من الكالئ، قال ابن القاسم: إن لم يدخل حتى يبلغ فهو
مخير إن شاء دخل عليها بما كتب عليه، وإن شاء فارق ولا شيء عليه، وأما إن دخل قبل أن يبلغ أو يجوز أمره فالصداق على الأب أو دخل بعد أن كبر ولم يعلم فالصداق على الأب إذا دخل والشرط باطل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا زوج ابنه، وهو صغير لا مال له إن الصداق على الأب، وإنه إن كتبه عليه لم يلزمه إلا أن يلتزمه بعد البلوغ، وإنه إن دخل قبل البلوغ أو بعد البلوغ، ولم يعلم سقط عنه ولزم الأب وكان شرطه باطلا صحيح؛ إذ ليس للأب أن يوجب على ابنه دينا ويلزمه إياه، وهو على معنى ما في النكاح الثاني من المدونة لمالك وربيعة وعلى ما في سماع أبي زيد لابن القاسم فيما يشترط من الشروط على ابنه، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أن اشتراطه الصداق عليه إذا كان صغيرا أو كبيرا سفيها لا مال له لازم له، وهو ظاهر قول أبي الزناد في المدونة، وعليه يأتي قول ابن وهب في سماع أبي زيد إنه يلزمه ما جعل عليه أبوه من الشروط؛ إذ لا فرق بين المسألتين.
مسألة: هل للرجل المسلم أن يستخلف النصراني في الزواج
مسألة قال: وسألته عن الرجل المسلم يستخلف النصراني هل تجوز خلافته؟ [أو هل له إن أجزت له خلافته] في تزويج بنات الذي أوصى إليه أمر أو نهي؟ أو هل له أن يستخلف من يزوجهن ولا يكون ذلك إلا برضاه، وهل للنصراني في تزويج ابنته المسلمة أمر أو نهي؟ أو هل يستخلف من يزوجها؟ والعبد هل يستخلف من يزوج ابنته الحرة أو يطلب في هذا رضى واحد منهم في نكاح من ذكرت حتى لا يكون ذلك إلا برضاهم؟ وإن كنت لا تراه جائزا في واحد منهم ففعل من لا يجوز له ذلك منهم فلم يدرك إلا بعد البناء
أو قبله؟ قال ابن القاسم: لا أرى أن تجوز وصية المسلم إلى النصراني إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، قلت: فإن أجازها السلطان هل ترى أن يستخلف النصراني مسلما يزوج بنات الذي أوصى إليه المسلمات؟ قال: نعم ذلك له، وأما النصراني فليس له من ولاية ابنته المسلمة قليل ولا كثير، ولا يزوجها ولا يستخلف من يزوجها ولا يطلب في ذلك رضاه، وأما العبد المسلم في ابنته الحرة فإنه إن كان عبدا ينظر لابنته مثل العبد الفاره الناقد فأرى أن يحضره وينظر في قوله، فإن رأى في قوله سدادا رأيت أن يُتبع، وليس له في الاستخلاف في البضع قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قوله في وصية المسلم إلى النصراني إنها لا تجوز إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، الوجه في ذلك هو مثل أن يكون قريبه أو مولاه أو زوجته، فيرى أنه إنما أوصى إليه لما رجاه من حسن نظرهم له بسبب ما في الجبلة من العطف والمودة والإشفاق على ذوي الرحم والقربى، وهو خلاف ظاهر ما في المدونة من أنه لا تجوز الوصية إلى المسخوط ولا إلى الذمي، وقال أصبغ: إذا كان قريبا ورأى أنه إنما أوصى إليهم لما رجاه من حسن النظر لابنه فلا يعزل عن الوصية ويجعل معه من عدول المسلمين من ينظر معه ويكون المال بيده، وهو أحسن الأقوال وأولاها بالاتباع، وإليه ذهب ابن حبيب وحكاه [عن] مطرف وابن الماجشون، وقد مضى في رسم "سن" من سماع ابن القاسم تحصيل القول فيمن يجوز للنصراني والعبد والمرأة أن يلي [عقد] النكاح عليه، وفيمن لا يجوز لواحد منهم أن يلي عقد النكاح عليه ويجوز له أن يستخلف على ذلك وفيمن لا يجوز له أن يلي عقد النكاح عليه إلا أن يستخلف على ذلك فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
مسألة: الرجل يكون في حجره يتيم له مال فيريد أن يزوجه ابنته
مسألة وسئل عن الرجل يكون في حجره يتيم له مال فيريد أن يزوجه ابنته، قال: إن كانت ابنته لا مال لها، وإنما رغب في مال اليتيم فإن ذلك نكاح غير جائز، وإن كان لابنته من المال مثل الذي لليتيم هما سواء ومثلها كانت تصلح له فذلك جائز.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إن ظهر السداد في فعله لليتيم جاز، وإن ظهر أنه غير سداد لم يجز، وهو محمول على غير السداد حتى يعلم في ذلك السداد؛ لأنه متهم في ابنته وفي نفسه، فواجب على السلطان إذا رفع إليه ذلك أن ينظر فيه فإن كانت ابنته دنية لا تشبه مناكحه فسخ النكاح، وإن كانت تشبه مناكحه إلا أنه استكثر لها من ماله في الصداق أمضى النكاح وطرح عنه الزيادة دخل أو لم يدخل، بخلاف تزويجه إياه من امرأة أجنبية لأن فعله في ذلك محمول على السداد حتى، يثبت خلافه كبيعه [عليه] وشرائه له، والرواية بما دل على ذلك منصوصة قال مالك في كتاب ابن المواز: لا أحب أن يزوج الوصي يتيمته من نفسه، قال في الواضحة ولا من ابنه لأن ذلك من ناحية ما كره له من الاشتراء من مالها، فإن وقع نظر فيه السلطان فإن كان صوابا مضى وإلا فسخ، قال ابن المواز: إلا أن يتم لها ما يشبهها أو ينزل بها بعد النكاح ضرر في بدن أو مال حتى يصير الفسخ ليس بنظر فيمضي استحسانا.
قال ابن حبيب: إذا فات بالبناء قضى لها بتمام صداق مثلها في قدرها ومالها.
وإنما يمضي قبل الدخول إذا أتم لها ما يشبهها إذا كان كفوا لها فقصر فيما فرض لها من الصداق، ولو كانت ثيبا لا ولاية له
عليها مضى النكاح ولم يكن للسلطان فيه نظر، ولو كانت ثيبا له عليها ولاية مضى النكاح ووفيت تمام صداق مثلها إن كان قصر لها في الصداق.
مسألة: الرجل يكون وصي الرجل فتحضره الوفاة فيوصي إلى امرأة أو عبد
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يكون وصي الرجل فتحضره الوفاة فيوصي بماله وبولده وبما في يده من الوصية إلى امرأة أو عبد هل تزوج المرأة والعبد ذكور ولد من أوصى إليهما؟ قال ابن القاسم: نعم تزوج المرأة والعبد ذكور ولد من أوصى إليهما ولا يزوجان الإناث إلا أن يستخلفا.
قال ابن القاسم: انظر من كان يوما يجوز إنكاحه نفسه مثل الصبي والسفيه والعبد فإن أولئك لا بأس أن تزوجهم امرأة أو عبد أو نصراني إذا فوض أمرهم إليه، وكل من لا يجوز له إنكاحه نفسه على حال من الأحوال من النساء فأولئك لا يزوجهن عبد ولا امرأة ولا نصراني.
قال محمد بن رشد: قوله إن المرأة والعبد والنصراني يزوجون ذكور ولد من أوصى إليهم ولا يزوجون الإناث ويستخلفون من يزوجهن صحيح مبين لما مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم ولما في المدونة ولما وقع في كتاب ابن المواز، وقد مضى بيان ذلك كله والقول فيه في رسم سن المذكور، وبالله التوفيق، لا رب غيره، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تم كتاب النكاح الثالث.