كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولم يحملها الثلث، فمن يبدأ منهما.
قال: يتحاصان جميعا.
يريد العبدين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الخدمة تسقط إذا لم تحمل ثلث العبدين، ولا أجاز ذلك الورثة وقطعوا لهما بالثلث، لوجوب تبدية العتق عند ضيق الثلث عن الوصايا بالمال والخدمة، وإذا وجبت المحاصة في الثلث، لم يبد أحدهما فيه على صاحبه، إذ لا مزية له عليه، من أجل أن كل واحد منهما إنما أوصى له بالعتق بعد سنة وبالله التوفيق.
مسألة: قال في مرضه دبروا عبدي فلانا وأعتقوا عني رقبة وجبت على من ظهار
مسألة وسئل عن رجل قال في مرضه: دبروا عبدي فلانا وأعتقوا عني رقبة وجبت على من ظهار، قال: يبدأ بعتق الظهار إذا لم يحمل الثلث غيره.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ لم يختلف قول ابن القاسم في أن كفارة الظهار تبدأ على المدبر في العرض، فكيف على الوصية بالعتق؟ لأن قوله دبروا عبدي فلانا وصية له بالعتق من الثلث على حكم التدبير في المرض في ذلك إن صح من مرضه كان له أن يرجع فيه؛ لأنه لم يدبره، وإنما أوصى أن يفعل ذلك بعد موته، فله حكم الوصية لا حكم التدبير وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال لفلان ما بقي من ثلثي
مسألة وسئل عن رجل أوصى فقال: لفلان ما بقي من ثلثي، ولم يوص بشيء غيره.
قال: لا شيء له، وكذلك قال لي مالك وهو من مسائل السر.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة من قول مالك
في مواضع من سماع عيسى ومضى الكلام عليها في رسم أوصى منه فلا وجه لإعادته، ولا لقوله.
وهي من مسائل السر.
وبالله التوفيق.
مسألة: وصى أن يدفع ثلث ماله إلى أقاربه
مسألة وسئل عن رجل هلك وترك أباه وعمه وجده وأخاه، وأوصى أن يدفع ثلث ماله إلى أقاربه، الأقرب فالأقرب.
قال: أرى أن يبدأ بأخيه أولا يعطى أكثر من الجد، وإن كان الأخ أيسر من الجد، ثم يعطى الجد أكثر من العم، وإن كان أيسر منه، ثم يعطى العم، قيل: ولا ترى أن يدفع إلى أخيه كلمة؟ قال: لا، إلا أن يكون ترك دارا أو حائطا فيحبسها على أقاربه، الأقرب فالأقرب، فإنه يدفع إلى أخيه، فإذا هلك دفعت إلى جده ثم يدفع بعد موت الجد إلى العم.
محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى مثلها في الرسم الأول من سماع أصبغ، بزيادات على هذه.
فتكلم عليه بما يغني عن الكلام في هذه، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى وقال مائة دينار لبني يزيد
مسألة وقال في رجل أوصى وقال: مائة دينار لبني يزيد، فإنها تدفع كلها إلى كل من كان من بني يزيد.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ القول مستوفى فيمن أوصى لولد فلان أو لبنيه فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: نصراني هلك وأوصى بجميع ماله في الكنيسة
مسألة وسئل عن نصراني هلك، وأوصى بجميع ماله في الكنيسة ولا وارث له قال: يدفع إلى أسقفهم ثلث ماله، يجعله حيث
أوصى، ويكون ثلثاه للمسلمين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن النصراني إذا لم يكن له وارث من أهل دينه، فليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه؛ لأن ورثته المسلمون وقوله: إنه يدفع ثلث ماله إلى أسقفهم، يجعله حيث أوصى معناه: إن شاء، فإنما يدفع إليه ثلث ماله، ليفعل فيه ما شاء على حكم دينه.
وقوله: ويكون ثلثاه للمسلمين، معناه: يصرفه الولي في وجوه منافعهم على حكم الفيء حكى ابن المواز عن ابن القاسم من رواية أبي زيد عنه قال في الذي يموت ولا وارث له، قال: يتصدق بما ترك، إلا أن يكون الوالي يخرجه في وجهه، مثل عمر بن عبد العزيز فليدفع إليه، وإنما يكون ميراث من مات من أهل الذمة، ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين، ولا يجاز له من وصيته أكثر من الثلث إذا كان من أهل العنوة أو من أهل الصلح والجزية على جماجمهم، وأما إن كان من أهل الصلح، والجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها لموت من مات، ولا لعدم من عدم، فيجوز له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء؛ لأن ميراثه لأهل مودة، على مذهب ابن القاسم، وهو قول سحنون خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أن ميراثه للمسلمين، إذا لم يكن له وارث من أهل دينه على كل حال.
وقد قيل في أهل العنوه: إن مالهم للمسلمين فلا يرثهم ورثتهم، ولا يجوز لهم وصية بثلث ولا غيره، وهو الذي يأتي على قياس ما في سماع سحنون، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، من أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال لفلان وفلان وفلان ثلثي ولفلان مالي
مسألة وسئل عن رجل أوصى فقال: لفلان وفلان وفلان ثلثي، ولفلان مالي.
قال: يقسم ثلث ماله على اثنا عشر
جزءا، فيعطى من أوصى له بماله تسعة أجزاء، ولكل واحد من الثلاثة سهم سهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الواجب أن يتحاصوا في الثلث على قدر وصاياهم، فيضرب فيه للموصى له بجميع المال، بثلاثة أمثال ما يضرب به للموصى لهم بالثلث، فيصير لهم ثلاثة أرباع الثلث، وهو ثلاثة من ربعه وللموصى له بالثلث ربعه، وهو واحد من أربعة، لا ينقسم عليهم، إلا بأن يضاعف إلى ثلاثة، بأن يضرب فيه ثلاثة، ويأخذ كل واحد منهم سهما من الثلاثة، ويضرب ثلاثة فيما بيد الموصى له بجميع المال، فيضرب له تسعة أسهم من اثني عشر كما قال.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن عليه دينا لفلان لرجل لا يعرف
مسألة وقال في رجل أوصى أن عليه دينا لفلان، لرجل لا يعرف قال: إن كان له ولد فأرى الدين يخرج من رأس المال، ويستأنسا به، فإن لم يأت له طالب تصدق به، وإن لم يكن له ولد وكان الدين الذي أوصى به شيئا تافها، أخرج وأوقف، واستوفي به، فإن لم يأت له طالب تصدق به، وإن كان الدين الذي أوصى به كثيرا يكون نصف ماله أو أكثر، لم يخرجونه قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: هذا أحسن الأقوال في هذه المسألة وقد مضى تحصيل الاختلاف فيها في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم وقال ابن القاسم في رسم نفذها من سماع عيسى: إن التافه اليسير في نحو هذا: الخمسة والعشرة ونحوها.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى وقال إن رقيقي أحرار فأعتقوا ثم طرأ على الميت دين
مسألة وقال في رجل أوصى وقال: إن رقيقي أحرار، فوجد الرقيق
الثلث، فأعتقوا ثم طرأ على الميت دين، وقد اقتسم المال، قال: يكون ثلث الدين على العبيد الذين أعتقوا يسهم بينهم حتى يباع منهم ثلث الدين الطارئ، ويكون ثلث الدين على الورثة معدمين كانوا أو أمليا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة، وهي تدل على صحة ما اعترضت به قول ابن القاسم، في سماع موسى.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال عبدي فلان يدفع إلى فلان عشرة دنانير ثم هو حر
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: عبدي فلان يدفع إلى فلان عشرة دنانير، ثم هو حر، وأوصى بوصايا فإذا العبد الثلث قال: يؤمر العبد أن يدفع إلى فلان عشرة، ثم هو حر، ويتحاص في العشرة أهل الوصايا، فإن كان لا يخرج من الثلث خير الورثة بين أن يجيزوا ما أوصى صاحبهم به يدفع العشرة ويكون حرا ويتحاص فيها أهل الوصايا أو يعتق ما حمل الثلث منه الساعة، ولا شيء له عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على أصولهم في أن العتق بعينه مبدأ على الوصايا وفي أن من أوصى بعتق عبد إلى أجل، أو على مال يؤديه، فلم يحمله الثلث، إن الورثة مخيرون بين أن يجيزوا الوصية، وبين أن يعتقوا منه ما حمل الثلث منه بتلا وبالله التوفيق.
مسألة: شهدا على رجل أنه أوصى فقال إن مت من مرضي فغلامي ميمون حر
مسألة وقال ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنه أوصى، فقال: إن مت من مرضي فغلامي ميمون حر، وشهد رجلان آخران أنه قال في مرضه: إن صحت من مرضي هذا فمرزوق حر، فشهد الشاهدان اللذان شهدا لمرزوق أنه صح من مرضه ذلك،
والشاهدان اللذان شهدا لميمون وشهدا أنه مات من مرضه ذلك، ولم يصح منه، وهم كلهم عدول، قال: يعتق نصف ميمون، ونصف مرزوق، وكذلك لو أن رجلا هلك وترك ولدا مسلما وولدا نصرانيا، فشهد رجلان أنه مات على الإسلام، وشهد رجلان آخران أنه مات على النصرانية، وهم كلهم عدول.
قال: إن كان بعضهم أعدل من بعض قضي بشهادة العدول، وإن كانوا كلهم عدولا وكانوا في العدالة سواء أعطي المسلم نصف مال الميت، وأعطي النصراني نصف المال الباقي.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الأولى: إنه يعتق نصف ميمون ونصف مرزوق، معناه: إذا تكافأت البينتان في العدالة؛ لأنه إذا تكافئا سقطا جميعا، ويعلم أن العتق قد وجب لأحدهما يقينا فأعتق من كل واحد منهما نصفه، إذ لا يعلم من هو المعتق منهما، ولو كانت البينة الواحدة أعدل من الأخرى لقضي على مذهبه بالتي هي أعدل، وهو نص قوله في سماع أصبغ من كتاب العتق.
وقال أصبغ فيه: إن شهادة الصحة أعمل وهو في هذه المسألة أظهر لأنها علمت من صحته ما جهلته الأخرى، ومثل قول أصبغ لابن القاسم في سماع أبي زيد عنه من كتاب الشهادات في التي أوصت في مرضها فشهد شهود أنها كانت صحيحة العقل، وشهد آخرون أنها كانت موسوسة؛ لأنه إذا قال في تلك: إن شهادة الصحة أعمل فأحرى أن يقول ذلك في هذه، وإذا قال في هذه: إنه ينظر إلى أعدل البينتين، فأحرى أن يقول ذلك في تلك وقد ساوى أصبغ في سماعه من كتاب العتق بين المسألتين فيتحصل في مجموع المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: إنه ينظر فيهما جميعا إلى أعدل البينتين.
والثاني: إن شهادة الصحة أعمل فيهما جميعا.
والثالث: إن شهادة الصحة أعمل في هذه وينظر إلى أعدل البينتين في مسألة سماع أبي زيد من كتاب الشهادات، ويتخرج في مسألة سماع أبي زيد قول ثالث: إن
شهادة المرض أعمل، ولا يقال ذلك في مسألتنا، إذ لا يصح فيها سوى القولين المذكورين.
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
وأما قوله في الذي هلك وترك ولدا مسلما وولدا نصرانيا فشهد رجلان أنه مات على الإسلام، ورجلان أنه مات على النصرانية، إنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استويا في العدالة كان المال بينهما بنصفين، فهو مثل قوله في المدونة خلاف قول غيره فيها: إن شهادة الإسلام أعمل، ومعنى ذلك إذا قال الشاهدان: عرفنا أنه على الإسلام، ولم نعرف أنه تنصر فشهادتنا أنه مات على الإسلام بغالب ظننا.
وقال الآخران: عرفناه نصرانيا على دين النصرانية، ولم نعرف أنه أسلم، فشهادتنا أنه مات على النصرانية بغالب ظننا، وكذلك لو حصروا جميعا موته، فقال الاثنان منهم: تكلم عند الموت بكلمة الإسلام، ومات عليها، وقال الآخران: بل إنما تكلم بكلمة الكفر ومات عليها ولم يعرف في الأصل على كفر ولا على إسلام ينظر إلى أعدل البينتين أيضا فإن استويا في العدالة سقطتا، وقسم المال بينهما بنصفين بعد أيمانهما.
وأما لو علم في الأصل كافرا فقالت إحدى البينتين: إنه أسلم ومات على الإسلام، وقالت الأخرى: ما أسلم، بل مات على الكفر لكانت البينة التي شهدت بإسلامه أعمل من الأخرى، وإن كانت أقل عدالة منها.
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
وبالله التوفيق.
مسألة: مريض باع عبدا بمائة دينار وقيمته ثلاث مائة دينارثم مات ولا مال له غيره
مسألة وقال في رجل مريض باع عبدا بمائة دينار وقيمته ثلاث مائة دينار، ثم مات ولا مال له غيره، قال: يكون للمشتري ثلثا العبد، ثلث يكون له بالوصية، وثلث بالمائة التي دفع في ثمنه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يمضوا للمشتري من العبد ثلثه بالوصية وثلثه بالمائة التي دفع.
وهذا
إذا كانت قسمته على حالها، والمائة باقية فهذا معنى قوله فيها.
والقول الثاني إنه يمضي منه للمشتري بالثمن، قدر ما لا محاباة فيه، ثم يخير الورثة في المحاباة، فإن شاؤوا أجازوها وأمضوها وإلا قطعوا له بثلث الثلث.
وهو ثلث العبد، إذ لا مال له غيره.
وهذا قول عيسى بن دينار وهو قريب من القول الأول، إذ لا فرق بينها وبينه إلا في تخير الورثة هل يكون ابتداء أو بعد أن يمضي منه لنشتري بالثمن قدر ما لا محاباة فيه؟ وتأول ذلك إلى اختلاف في المعنى.
والقول الثالث: إن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يردوه ويعطوا المشتري مائته التي كان دفع ويقطعوا له بثلث الميت في العبد المبيع وهو ثلثه، إذ لا مال له سواه.
وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الشفعة، ورواية أصبغ عن ابن القاسم عن مالك في الواضحة ولا يكون على هذا القول للورثة أن يلزموا المشتري أن يأخذ من العبد بالمائة التي دفع ما يجب لها منه بغير رضاه، ولا له أن يلزمهم ذلك بغير رضاهم، خلاف ظاهر هذه الرواية، وليس للمشتري على ظاهر هذه الرواية أن يزيد ما حاباه به الميت زائدا على الثلث، ويستخلص البيع، خلاف قول ابن القاسم في سماع سحنون ويحتمل عندي ألا يحمل شيء من هذه الرواية في هذه المسألة على ظاهره مما يوجب الاختلاف.
وتفسير بعضها ببعض فلا يكون في المسألة خلاف، وترجع الروايات كلها إلى شيء واحد، فنقول على هذا: إن الحكم في المسألة أن يخير المشتري ابتداء، فإن أراد أن يزيد المحاباة ويستخلص البيع كان ذلك له، على ما في سماع سحنون من كتاب الشفعة، وإن أبى من ذلك واتفقوا جميعا على أدت يمضوا للمشتري من العبد بالثمن قدر ما لا محاباة فيه، ثم يكون الورثة بعد ذلك في المحاباة بالخيار بين أن يجيزوها أو يقطعوا له بثلث الميت، وهو ثلث العبد، إذ لا مال له غيره فعلوا ذلك على قول عيسى بن دينار، وإن لم يتفقوا على ذلك خير الورثة ابتداء بين أن يجيزوا الشراء على ما وقع عليه من المحاباة وبين أن يردوا إليه ماله، ويقطعوا له ثلث مال الميت، وهو ثلث
العبد، إذ لا مال له غيره، على ما في سماع سحنون من كتاب الشفعة، وعلى ما حكى ابن حبيب عن مالك من رواية أصبغ عن ابن القاسم عنه إلا أن يريد المشتري أن يكون له من العبد بقدر المائة، ويرضى بذلك الورثة، فيكون له حينئذ ثلثا العبد، ثلث بالمائة التي دفع، وثلث بالوصية، إذ لم يجيزوا له الشراء، وقطعوا له بثلث العبد، إذ هو ثلث مال الميت، وهو أحسن ما يقال في هذه المسألة لأن حمل الروايات على الاتفاق أولى من حملها على الاختلاف.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال لفلان علي دنانير
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: لفلان علي دنانير فقال: يعطى ثلاثة دنانير؛ لأن الدنانير لا تكون أقل من ثلاثة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الثلاثة يقين، وما زاد عليها شك، ولا تكون الوصايا بالشك، كما لا يكون الميراث به.
وبالله التوفيق.
مسألة: قالت ثلث مالي لأبي ثم قالت ثلث مالي لأخي
مسألة وعن امرأة قالت: ثلث مالي لأبي، ثم قالت: ثلث مالي لأخي وهي صحيحة.
قال: يأخذ الأب ثلث مالها وليس عليها غيره، ولا يكون لأختها شيء؟ أرأيت لو قال الرجل: دابتي لفلان، ثم قال: دابتي لفلان صدقة؟ إن الأول أولى بها.
قال محمد بن رشد: قوله: ثلث مالي لأبي معناه: هبة له أو صدقة عليه، والهبة والصدقة في الصحة لازمة ولذلك لم ير لأخيها شيء؛ لأنها إنما تصدقت عليه بما قد وجب لأبيها بالقول المتقدم؛ لأنه حمل الثلث محمل الشيء المعين، يعطيه لرجل ثم يعطيه بعد لغيره.
والأظهر أن يكون لأخيها ثلث الثلثين الباقيين من مالها.
ووجه قوله: إنه صدقها في أنها لم تعط لأخيها إلا ذلك الثلث بعينه التي كانت أعطته لأبيها وبالله التوفيق.
مسألة: أوصت بثلث مالها لأمها وأوصت أن لأختها عليها عشرين دينارا
مسألة وعن امرأة مسلمة هلكت وتركت أما لها نصرانية، وأختا لها مسلمة، وأخا مسلما، وأوصت بثلث مالها لأمها، وأوصت أن لأختها عليها عشرين دينارا ولم تترك إلا عشرين دينارا.
قال: ليس لأمها شيء والعشرون الدين بين الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين إلا أن يكون فيما تركت فضل عن العشرين، فتعطى أمها ثلث ما فضل بعد العشرين.
قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله؛ لأن وصيتها لا تدخل فيما أقرت به لأختها وإن كانت الوصية لها بذلك غير جائزة وإنما يكون فيما سوى ذلك من مالها وهو معنى ما في المدونة وغيرها وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لبنت ابنه من ثلث ماله بمثل نصيب أحد بناته
مسألة قال: وسئل عن رجل هلك وترك بنات وغيرهن، وأوصى لبنت ابنه من ثلث ماله بمثل نصيب أحد بناته قال: يعزل الثلث، ثم يقسم الثلثان على فرائض الله، فتنظر ما صار لأحد بناته، فيعطى بنت الابنة مثله من الثلث، فإن فضل شيء عن أهل الثلث قسم على أهل الفرائض كلهم، وتجعل بنت الابن مع البنات، كأنها منهن مثل ما لو كانت بنت ممن يرث الميت.
قال الإمام القاضي: الظاهر من قول ابن القاسم من هذه المسألة أنه راعى قول الموصي من ثلث ماله وأعمله، وجعله دليلا على أنه إنما أراد أن يعطي الموصى لها من ثلث ماله، مثل نصيب أحد بناته من ثلثي ماله، ليكون
لها بالوصية مثل ما لأحد بناته بالميراث، فلا يكون لها بذلك أكثر من حظها الواجب لها بالميراث، فلذلك قال: إنه يعزل الثلث ثم يقسم الثلثان على فرائض الله، فيعطي الموصى لها من الثلث، مثل ما صار لأحد بناته من الثلثين ثم إن فضل بعد الوصايا من الثلث فضل كانت فيه مع البنات كأنها منهن، ولو أوصى لها بمثل نصيب أحد بناته، ولم يقل من ثلث ماله، لقال: إنها تعطى مثل نصيب أحد بناته من جميع ماله ابتداء ثم يقسم الباقي على الفرائض على ما قال في المدونة وغيرها، فالذي يوصي لرجل بمثل نصيب أحد بنيه، وله ثلاثة بنين، إنه يكون للموصى له الثلث، ثم يقسم الثلثان على البنين ثلاثة فيصح للموصى له أكثر مما صار لكل واحد منهم.
ومن الناس من ذهب إلى أن قول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف لما في المدونة وأنه لا فرق بين أن يقول الموصي: ثلث مالي، أو يسكت عن ذلك؛ لأنه قد علم أن الوصايا لا تكون إلا من ثلث المال، فإذا قال: أعطوا فلانا مثل نصيب أحد ولدي فإنما معناه: أعطوه من ثلث مالي، مثل نصيب أحد ولدي والاحتمال أن يريد مثل نصيب أحد ولده من جميع ماله، فيكون له أكثر مما يصير لكل واحد منهم بالميراث، واحتمل أن يريد مثل نصيب أحد ولده مما بقي بعد الوصية، فيكون له مثل ما يصير لكل واحد منهم بالميراث، مثل قول ابن القاسم في هذه الرواية كما لو قال: هو من عدد ولدي، فإنما محمله في المدونة على الوجه الأول، وحمله في هذه الرواية على الوجه الثاني.
والأظهر أن قول ابن القاسم لم يختلف في ذلك، وإنما فرق بين أن يقول من ثلثي، أو يسكت عن ذلك.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال عبدي ميمون يخدم فلانا سنتين ثم هو حر
مسألة وسئل عن رجل قال: عبدي ميمون، يخدم فلانا سنتين، ثم هو حر، ثم قال: ميمون أيضا يخدم فلانا سنة قال ابن القاسم: يتحاصان في خدمة سنتين، فيكون للذي أوصى له بخدمة سنة
خدمة ثلثي سنة، وللذي أوصي له بخدمة سنتين، خدمة سنة وثلث قيل له: أرأيت إن قال: ميمون غلامي يخدم فلانا سنة ثم هو حر وقال أيضا: ميمون ذلك الغلام بعينه، يخدم فلانا سنتين؟ قال: يتحاصان في خدمة سنة، ثم هو حر، للذي أوصى له بخدمة سنتين ثلث سنة وللذي أوصى له بخدمة سنة خدمته ثلث سنة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العبد إذا حمله الثلث فقد وجب له العتق، بعد خدمة السنة أو السنتين، والخدمة وصية بمال، يجب التحاص فيها إذا ضاقت الوصايا بالخدمة عنها، ولو لم يحمل الثلث العبد، يخير الورثة بين أن يجيزوا الوصية، فيكون الحكم فيها على ما تقدم، وبين أن يعتقوا منه ما حمل الثلث بعد الخدمة، فيتحاص الموصى لهما بالخدمة في خدمة ما حمل الثلث منه؛ لأن الموصي قد يرى الخدمة على العتق.
وهذا كله على معنى ما في المدونة وغيرها وبالله التوفيق.
مسألة: الثلث مائة فأوصى فقال لفلان وفلان وفلان ثلث مالي
مسألة وسئل عن رجل أوصى، فقال: لفلان وفلان وفلان ثلث مالي، لفلان عشرة، ولفلان عشرون، ولفلان ثلاثون.
أولئك المسمين أولا بأعيانهم.
قال: فوجد الثلث مائة على من يرد الفضل؟ قال: على من أوصى لهم بالثلث على عدد الدنانير.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية تفسير روايته عن مالك الواقعة في رسم سلعة سماها من سماعه على الصحيح من التأويل فيها حسبما مضى بيانه هناك.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بعبد له لرجل ثم مات فإذا العبد نصف ماله
مسألة وسئل عن رجل أوصى بعبد له لرجل، ثم مات، فإذا العبد
نصف ماله، وقال الذي أوصي له بالعبد للورثة: إما أن يسلموا إلي العبد وإما أن يقطعوا لي بالثلث من كل شيء، قال: ذلك إلى الورثة، قيل: فإن قال الورثة: لا نسلم إليك العبد، ونحن نقطع لك بثلث كل ما ترك الميت، فمات العبد قبل أن يقضي للذي أوصي له بشيء، قال: فلا شيء له، إلا أن يكون حكم له بقضاء أن يقطع له ثلث ما ترك الميت، فأما إذا لم يكن يقضي فيه إلا بقول كذا ثم مات العبد فلا شيء له.
قال محمد بن رشد: قوله: إلا أن يكون حكم له بقضاء أن يقطع له ثلث ما ترك الميت يريد: أو بلفظ بات مثل أن يقول: قد قطعنا له بالثلث.
وأما إن قالوا: نحن نقطع ثم مات العبد فلا شيء وقال سحنون في نوازله التي تقدمت: إنه إذا قيل للورثة تخيروا فأبوا، فقيل لهم: أقطعوا فقالوا: نعم: إن ذلك قطع له بالثلث، يكون له ثلث ما بقي بعد العبد إن مات العبد على القول بأنه يقطع له الثلث في جميع مال الميت، ولا يكون له في العبد وهو خلاف ظاهر هذه الرواية عن ابن القاسم، والاختلاف في قولهم نعم، بعد أن قيل لهم: اخلعوا بلفظ الأمر، على قياس اختلاف قول مالك في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع في الذي يكون له العبدان فيسام بهما، فيقول الرجل: هذا العبد بأربعين إلى سنة، وهذا العبد بأربعين إلى سنة وهذا العبد الآخر بخمسين إلى سنة خذ أيهما شئت، حسبما مضى بيانه هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى له بوصيتين إحداهما أكثر من الأخرى
مسألة وسئل عن رجل أوصى قال: لفلان علي مائتي دينار، وأوصى في تلك الوصية بعينها: إن لفلان ذلك الرجل بعينه علي مائة دينار، قال: يعطى ثلاثمائة، كان ذلك في وصية واحدة، أو في وصيتين
مختلفتين، قيل له: أرأيت لو قال: لفلان علي مائة دينار ثم أوصى له أيضا بمائة دينار، يتصدق بها عليه؟ قال: يعطي مائتين، كان ذلك في وصية واحدة أو وصيتين.
قال: إلا أن يكون أوصى لرجل في مرضه بمائة دينار، وأوصى له أيضا في وصية أخرى بمائتي دينار، فإنه يعطي الأكثر منهما، كان ذلك في الوصية الأولى أو في الآخرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا أوصى له بوصيتين إحداهما أكثر من الأخرى: إنه يكون له الأكثر منهما كانت الأولى أو الآخرة، هو مثل ما تقدم من قوله في رسم الصلاة من سماع يحيى مثل قوله في المدونة وغيرها، لم يختلف في ذلك قوله، وكذلك إذا كان الوصيتان مستويتين، يكون له الواحدة منهما.
وقد مضى هناك توجيه قوله.
وذكر ما في ذلك من الاختلاف، فلا وجه لإعادته.
وأما إذا أوصى له بدين بعد دين، أو بوصية ودين، فلا اختلاف أحفظه في أنهما يكونان له جميعا والله الموفق.
مسألة: قال في وصيته بيعوا جاريتي ممن يرفق بها
مسألة قال ابن كنانة وابن القاسم في رجل قال في وصيته: بيعوا جاريتي ممن يرفق بها، قالا: تباع ممن يرى أنه يرفق بها من غير شرط ولا شيء، قيل له: فإن أبى أن يشتريها حتى يوضع له من ثمنها قال: أرى أن لا يوضع عنه شيء لأن الناس سواه كثير، فيختار لها رجل صالح، قال: ولو كان قال بيعها ممن أحبت إذا لوضع عنه ما بينه وبين ثلث قيمتها.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أوصى أن تباع جاريته ممن يرفق بها، إنه لا يوضع عن المشتري الذي يظن أنه يرفق بها شيء من ثمنها صحيح، لا اختلاف فيه أحفظه.
وأما الذي أوصى أن تباع جاريته ممن
أحبت، فلا اختلاف أحفظه في أنه يوضع عن الذي أحبت رجل صالح، قال: ولو كان قال: بيعوها ممن أحبت إذا لوضع عنه ما بينه وبين ثلث قيمتها.
قوله: في الذي أوصى أن تباع جاريته أن تباع منه إذا أبى أن يشتريها إلا بوضيعة ثلث ثمنها وإنما الاختلاف هل هي وصية لها أو للمشتري فيما يتعلق بذلك من الأحكام؟ حسبما مضى القول فيه رسم الوصايا من سماع أشهب والله الموفق.
مسألة: الجارية يوصى فيها أن تباع ممن يعتقها فتختار البيع
مسألة وقال في الجارية يوصى فيها أن تباع ممن يعتقها، فتختار البيع قال: إن كانت رائعة كان ذلك لها أن يحسبها الورثة مملوكة، أو يبيعوها بغير شرط، وإن كانت دنية، فليس ذلك لها، وأثمان الستين ليست برائعة، قيل له: فاليوم على رخص الرقيق قال: نعم.
واليوم ليس هي برائعة يريد في هذا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول عليها في رسم حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان، فلا وجه لإعادته.
مسألة: أوصى بوصيتين في مرض واحد
مسألة وقال في الذي أوصى بوصيتين في مرض واحد، أوصى في إحداهما لرجل بعشرة دنانير وعبد وأوصى له في الأخرى بخمسة دنانير وبردون، قال: يعطى العشرة والغلام والبردون، إن وسع ذلك الثلث، فإن لم يسع حاص بذلك، وإن لم يكن معه وصايا أخذ ما حمل الثلث، إلا أن يجيزوا وصاياه، وذلك أن مالكا قال: إذا أوصى له بوصيتين في وصية واحدة مختلفة من الدنانير، كان له الأكثر من العدة، كانت الأولى أو الآخرة، وسواء عندي كان مع
العين وصية غيرها، أو لم تكن، يعطى الأكثر مما أوصى له من العين، وأما غيره فإنه يأخذ ما في كل وصية إذا كان مختلفا على ما ذكرت، ولو أوصى له في واحدة بعبدين، والأخرى بعبد، كان محمله عندي محمل الدنانير، ولم يعطه إلا عبدين، الأكثر من الوصيتين، إلا أن يسمى العبيد بأعيانهم مختلفين فيكون له جميعا.
محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم قبل هذا في هذا السماع ومثل ما في المدونة وغيرها.
وقد مضى في رسم الصلاة من سماع يحيى توجيه قول ابن القاسم، وذكر الاختلاف في ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: وصي اشترى رقبة فأعتقها فإذا هي نصرانية
مسألة وقال في رجل وصي اشترى رقبة فأعتقها، فإذا هي نصرانية، قال: إن كانت من ظهار أو قتل خطأ أو شيء واجب، فأرى أن يضمن؛ لأنه فرط حين لم يسأل ويستحسن.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في تضمين الوصي فيما أخطأ فيه في أول سماع أصبغ، وقرب آخر الرسم منه، وفي رسم الأقضية من سماع أشهب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال أعتقوا عني رقبة فأعتقوها ولم يسم من أي شيء
مسألة قلت: فإن قال: أعتقوا عني رقبة فأعتقوها ولم يسم من أي شيء، أهي على الواجب حتى يعلم غير ذلك؟ قال: لا بل على غير الواجب حتى يعلم الواجب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال مائة دينار لبني عمي فلان على فقرائهم فوجدوا كلهم أغنياء
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: مائة دينار لبني عمي فلان: على فقرائهم، فوجدوا كلهم أغنياء، قال: يوقف عليهم، فإن افتقر منهم أحد دفع إليه، قيل له: فإن لم يفتقر منهم أحد.
قال: يرجع ميراثا إلى ورثة الذي أوصى بها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة.
وقوله فإن لم يفتقر أحد معناه: حتى مات وبالله التوفيق.
مسألة: قال أعتقوا عبيدي القدماء وله عبيد منذ عشر سنين
مسألة وقال في رجل قال: أعتقوا عبيدي القدماء، وله عبيد منذ عشر سنين، وعبيد منذ خمس سنين، ومنذ ثلاثة سنين وسنة، قال: إن حملهم الثلث، عتقوا كلهم، وإن كان له عبيد منذ أقل من سنة، فليسوا بقدماء.
قيل له: فإن لم يكن له عبيد قبل السنة، وإنما هم بعد السنة منذ خمس وأربع وأكثر وأقل ولم يحملهم الثلث، كيف يصنع فيهم؟ قال: يتحاصون كلهم، فيعتق منهم ما حمل الثلث.
قال محمد بن رشد: إنما قال فيمن قال: أعتقوا عبيدي القدماء، إنهم يعتقون كلهم إن حملهم الثلث، إذا كان أحدثهم ملكا له عنده سنة فأكثر؛ لأنه رأى السنة حدا للقدم، وهو قول ربيعة، واستدل على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] وهي سنة تامة.
وله في
كتاب ابن المواز والمجموعة: إنه إن قال: أعتقوا قدماء رقيقي، عتق الأول فالأول، حتى ينفذ الثلث، وإن وسعهم الثلث كلهم، نظر إلى الذي يظن أنه أراد في قدم الكسب وحدوثه، فليبدأ القدماء، ولا شيء للمحدثين، وإن اشتراهم جملة واحدة عتق ثلثهم.
وقوله: فالسهم، يريد: إن لم يكن له مال غيرهم، وأما إن كان له مال غيرهم، فإنما يعتق بالسهم ما حمل الثلث منهم.
وقوله: قدماء رقيقي على قياس ما تقدم من قوله في أول رسم من سماع أصبغ.
وفي كتاب ابن المواز في الذي يقول: في خيار رقيقي ففرق بين أن يقول: عبيدي القدماء أو قدماء عبيدي لافتراق اللفظين في المعنى وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلث مالي لعبدي وثلث مالي لفلان أجنبي
مسألة وقال في رجل أوصى، فقال: ثلث مالي لعبدي وثلث مالي لفلان أجنبي، قال: يكون الثلث بين الأجنبي وبين عبده، فما صار للعبد عتق منه بقدر نصف الثلث.
قال محمد بن رشد قوله: إنه يعتق من العبد بقدر نصف الثلث الذي صار له، صحيح على مذهبه وروايته عن مالك في المدونة وغيرها؛ لأنه قد ملك من رقبته نصف ثلثها، فوجب أن يعتق عليه ما ملك من رقبته وبقيته فيما صار له من الثلث إن حمل ذلك بقيته، وإن لم يحمل ذلك بقيته وله مال سواه عتق عليه ما بقي منه في ذلك، بمنزلة العبدين الشريكين، يعتق أحدهما حظه فيقوم عليه حظ شريكه.
مثال ذلك أن يكون قيمة العبد ثلاثين، ويترك الميت سواه ستين، فيكون ثلث الميت، وهو ثلاثون بينهما للعبد خمسة عشر، يجعل له في رقبته، فيعتق منه نصفها، ويكون للموصى معه خمسة وللورثة بقية العبد، وخمسة وأربعون، وإن كان للعبد مال من غير الوصية، قوم فيه بقيته على
الورثة، فيدفع إليهم من ماله خمسة عشر، قيمة نصفه، وأعتق جميعه.
وقد مضى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم ما في هذا من الاختلاف.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى إن باع ورثته بعده الدار فثلثها للمساكين
مسألة وسئل عن رجل أوصى عند موته، ولم يترك إلا دارا وأوصى إن باع ورثته بعده الدار فثلثها للمساكين، ومن باع منهم نصيبه فثلث ما يصير له للمساكين، قال: هو على ما أوصى.
قيل له: فإن الدار قوم سفليها بمائة دينار، وقوم علوها بمائة وأربعين، فأراد النساء أن يأخذن العلو، ولهن عشر قراريط من الدار، فقال النسوة: نحن نرد على الورثة أربعين دينارا أو يكون العلو لنا.
قال ابن القاسم: لا نرى أن يترادا بالدنانير، ولكن يقسم للنساء بحقهن، ولو ربع بيت أو أقل أو أكثر، ولا يترادان بشيء من الدنانير.
قيل: فإن القاضي قد قضى بارتداد النساء على الرجال، أتراه؟ ولا يكون على الرجال في أربعين التي أخذوها بشيء؛ لأنه ليس ببيع، فإن النساء أردن بيع ما كان لهن في الدار.
قال: يكون عليهن أن يتصدقن بثلث ما كان لهن مما ورثن فقط، ولا يكون عليهن في العشرين شيء يخرجن العشرين.
قال: لا ثم يتصدقن بما بقي، فإن باع الرجال الذي لهم، أخرجوا لهم ثلث ما باعوا به، وثلث العشرين التي أخذوها.
قلت: أرأيت إن احتاج النساء إلى بيع فبعن تلك العشرين التي رددنها على الرجال قط، أثرى عليهن فيها شيئا أو على الرجال حين باع النساء؟ قال: لا ليس على أحد منهم شيء.
قال محمد بن رشد: كان القياس في هذه المسألة على ما يقتضيه ظاهر لفظ الموصي، فحمله على عمومه، إذ قال: ومن باع منهم نصيبه بثلث ما يصير له للمساكين أو لم يفرق بين أن يبع نصيبه من أجنبي، أو من بعض الورثة، فيوجب على الرجال الصدقة بثلث الأربعين التي قبضوها من النساء؛ لأنهم قد باعوا بها من النساء بعض حظهم الواجب لهم بالميراث من الدار، إلا أنه رأى أن الموصي إنما أراد ألا يخرج الدار عنهم، ولا يبيعوها ولا شيئا منها من غيرهم.
فرأى وجه ما أوصى به، أنهم إن باعوا الدار كان عليهم أن يتصدقوا بثلث الثمن، وإن باع أحد منهم حظه الواجب له بالميراث في الدار من أجنبي كان عليه أن يتصدق بثلث ثمن ذلك، وعلى هذا أتى جوابه في المسألة فقال: إنه لا شيء على الرجال في الأربعين التي أخذوها من النساء في الزيادة على حظهن من العلو، وقوله: أفترى رد النساء على الرجال بيعا؟ معناه: أتراه بيعا يجب به على الرجال الصدقة بثلث الأربعين، قال: لا فإن باع النساء العلو من أجنبي بعد أن استخلصوه بأربعين التي زادها، كان على الرجال في الأربعين التي أخذوها من النساء في الزيادة عليهن، أن يتصدقن بثلث ما كان لهن بالميراث في الدار، ولم يجب عليهن شيء فيما ناب من الثمن، ما يجب منه لما صار إليهن من قبل الرجال بالأربعين التي زادها.
فهذا معنى قوله: ولا يجب عليهن في العشرين شيء، وكان حقه أن يقول: ولا يجب في الأربعين شيء أي فيما يجب من الثمن، لما صار إليهن من قبل الرجال بالأربعين؛ لأنه لم ينزل المسألة إلا على أنهن رددن أربعين لا على أنه رددن عشرين.
وقوله: يخرجن العشرين ثم يتصدقن، بما بقي، لفظ خرج على التجاوز، ومعناه: يخرجن ما يجب من الثمن لما اشتروه من الرجال بالعشرين، إن كن رددنهم عشرين ثم يتصدقن بثلث ما بقي، لا بما بقي.
وكذلك قوله: إن باع الرجال الذي لهم أخرجوا ثلث ما باعوا به، وثلث العشرين التي أخذوها.
معناه: إن كانوا أخذوا من النساء في خروجهن العلو عشرين، كما ذكر في أول المسألة، وهو صحيح؛ لأن النساء لما بعن
جميع حظهن من الدار، ثم باع الرجال جميع حظهم منها وجبت الصدقة بجميع الثمن.
وقد تصدق النساء بثلث ثمن ما ورثته، فوجب على الرجال أن يتصدقوا بثلث جميع ما ورثوه أيضا، ما باعوه من الأجنبي، وما كانوا باعوه من النساء؛ لأن الذي باعوه من النساء قد خرج عن أيديهم بالبيع، ولو باع النساء ما وجب لهن بالميراث ... لأنفسهم ما وجب لهم لما أخذنه من الرجال بالأربعين، ثم باع الرجال الذي لهم لم يجب عليهم أن يتصدقوا بثلث الأربعين؛ لأن الذي باعوا من الدار باق بأيدي النساء.
فمتى ما باعوه وجب على الرجال الصدقة بثلث الأربعين.
وقوله: إنه احتاج النسوة إلى بيع، فبعن ملك العشرين التي رددنها على الرجال، أي ما يجب لهن من الدار، فلا شيء عليهن في ثمن ذلك صحيح؛ لأن ما ورثنه من الدار لم يبعنه، فلا شيء عليهن في ثمن ما بقي مما اشترينه من الرجال.
وأما قوله: إنه لا يجب على الرجال في ذلك شيء حين باعه النساء ففيه نظر، وكان الأظهر أن يجب عليهم إذا باع النساء ذلك، الصدقة بثلث الأربعين التي قبضوها من النساء في ذلك، أو في ثلث العشرين، إن كانوا إنما قبضوا منهن عشرين ووجه ما ذهب إليه أنه لما كان قد بقي بين يدي النساء من الدار قدر ما باعوه منهن أو أكثر لم يجب عليهم في الأربعين أو العشرين شيء؛ لأن الذي باعوه بها لم يخرج على الورثة وفيه نظر، وكان القياس أن يكون ذلك مقبوضا؛ لأن ما بعنه مشاعا فينظر ما يقع ما بعنه من الدار، مما ورثنه واشترينه من الرجال مجموعا، وهو السبعان على ما نزل عليه المسألة، فيكون على الرجال أن يتصدقوا بثلث سبع الأربعين أو العشرين التي قبضوها من النساء وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلث مالي لابن عبدي ولعبده ابن حر
مسألة وعن رجل أوصى عند موته، فقال: ثلث مالي لابن عبدي
ولعبده ابن حر، قال: إن كان ابن عبده كبيرا فقبل تلك الوصية، عتق عليه أبوه، وإن لم يقبلها عتق عليه ثلثه يريد أباه، وإن كان صغيرا أعتق عليه ثلثه فقط، وإن كان الثلث أكثر من رقبة أبيه أعطيه الابن.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إن قبل الوصية عتق عليه أبوه صحيح على ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف في ذلك؛ لأنه لما أوصى له بثلث ماله، والعبد من ماله، فقد أوصى له بثلث العبد، وبثلث ما بقي من ماله، فإن قبل عتق عليه باقيه في بقية الثلث الذي أوصى له به.
وفيما سوى ذلك من ماله.
وأما قوله: إذا لم يقبل إنه يعتق ثلثه ففي ذلك اختلاف، قيل: إنه إذا لم يقبل سقطت الوصية، وهو الذي يأتي على قول مالك في رواية علي بن زياد عنه في المدونة.
وقيل: إنه يعتق عليه ثلثه، ويكون الولاء له.
وهو قول ابن القاسم في المدونة وقيل: إنه يعتق، ويكون الولاء للموصي، وهو قوله في سماع سحنون في رسم القطعان، من سماع عيسى من كتاب العتق.
وقد مضى توجيه هذا الاختلاف في سماع سحنون المذكور في رسم المكاتب، من سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
وقوله: إن كان الثلث أكثر من رقبة ابنه أعطيه الابن، معناه: في الكبير إذا قبل، وأما الصغير إذا أعتق عليه ثلث أبيه فيعطى ثلث سائر مال الموصي وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى الرجل عند موته فقال حاسبوا ابني بما أنفقت عليه
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: إذا أوصى الرجل عند موته فقال: حاسبوا ابني بما أنفقت عليه.
قال: إن كان مال ابنه عينا لم يجز قوله؛ لأنه لو أراد أن يحاسبه بما أنفق عليه أخذه قبل موته، وإن كان ماله إنما هو عرض حوسب به.
قال محمد بن رشد: كان من أدركنا من الشيوخ يحملون هذه الرواية على الخلاف لما في أول سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة؛ لأنه قال في هذه الرواية: إنه لا يحاسب إذا كان المال عينا، وإن أوصى الأب أن يحاسب.
وقال في تلك: إنه يحاسب إذا لم يقبل ذلك عند موته، فدل ذلك على أنه لو أوصى أن يحاسب لحوسب.
والذي أقول به: إن ذلك ليس باختلاف من القول، والفرق بين المسألتين أنه لم يكتب عليه النفقة في هذه الرواية، ولذلك قال: إنه لا يحاسب وإن أوصى أن يحاسب.
وكتبها عليه في ذلك، ولذلك قال: إنه يحاسب إن أوصى بذلك.
وقد مضى هناك القول على هذه المسألة بتفريع وجوهها مستوفى فأغنى ذلك عن إعادته.
مسألة: أقر بدين لمن يتهم عليه وأوصى بزكاة
مسألة وقال في رجل أقر بدين لمن يتهم عليه، وأوصى بزكاة؟ قال: يبدأ بالدين من رأس المال، ثم تكون الزكاة من ثلثي ما بقي.
قال الإمام القاضي: هذا بين صحيح على ما في المدونة وغيرها؛ لأنه لما أقر بالدين، فقد أراد أن تكون الزكاة التي أوصى بها في ثلث ما بقي من ماله (بعدما) أقر به من الدين، وإن رد بعد موته للتهمة؛ لأنه لم يعمل هو على أن يرد وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلثي لأهلي
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: ثلثي لأهلي، قال: لا تدخل الخالة ولا الخال.
قال: وأرى العمة تدخل مع العصبة؛ لأنها لو كانت رجلا ورث.
قيل له: ولو لم يكن بقي من أهله إلا الخال والخالة، لم تر لهما شيئا قال: نعم.
إذا إنما يكون للعصبة دونهما.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في رسم أسلم من سماع عيسى وبالله التوفيق.
مسألة: يقض المريض بعض غرمائه دون بعض
مسألة وقال: لا يقض المريض بعض غرمائه دون بعض؛ لأنه في حالة يحجب فيها عن ماله، بمنزلة المفلس سواء.
قال محمد بن رشد: يريد: المريض الذي يحجب فيه عن القضاء في ماله، وكذلك روى أصبغ عنه.
وقوله بمنزلة المفلس سواء، يريد: أنه لا يجوز قضاؤه فيه عنده، كما لا يجوز في المفلس لا أن له حكم المفلس إذ لا اختلاف في أن إقراره بالدين لمن يتهم عليه جائز في المرض ما لم يفلس، والرهن بمنزلة القضاء لا يجوز عنده، وأجاز ذلك غيره في المدونة رهنه وقضاؤه كما يجوز بيعه وشراؤه وإقراره بالدين لمن لا يتهم عليه والفرق عند ابن القاسم بين القضاء والرهن، وبين الإقرار أنه في الإقرار، لم يحاب بعض الغرماء على بعض، وفي القضاء والرهن قد حابا بالذي قضاه أو رهنه على غيره، فإقرار المديان بالدين لمن لا يتهم عليه، يجوز في الصحة والمرض عند جميعهم، وقضاؤه ورهنه بعض غرمائه دون بعض لا يجوز عند مالك وابن القاسم في المرض.
واختلف قولهما في ذلك في الصحة، وكذلك إقراره لمن يتهم عليه في الصحة، اختلف قولهما في ذلك، ولا اختلاف في أن ذلك لا يجوز في المرض.
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق..
مسألة: يقول في مرضه عبدي لعبد الرحمن ثم يقول بعد ذلك عبدي لعبد الله
مسألة وعن الرجل يقول في مرضه: عبدي لعبد الرحمن، ثم يقول بعد ذلك: عبدي لعبد الله بتلا قال: لا أرى لعبد الرحمن وصية إلا أن يقول: عبدي لعبد الله بتلا بعد موتي، فإذا قال هذا تحاصا في
العبد: عبد الله وعبد الرحمن جميعا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا بتله لعبد الله، فقد نقض وصيته فيه لعبد الرحمن؛ لأن الهبة رجوع في الوصية.
وأما إذا ابتله له بعد الموت فهي وصية له أيضا، يشتركان فيها.
قال: وهو مثل ما تقدم له قبل هذا في هذا السماع وغيره ومثل ما في المدونة وغيرها.
وقد مضى في رسم الصلاة من سماع يحيى توجيه قول ابن القاسم في هذا وذكر الاختلاف فيه.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال عرصتي لعبد الرحمن في مرضه ثم بناها في مرضه
مسألة قلت: فإن قال: عرصتي لعبد الرحمن في مرضه، ثم بناها في مرضه، أترى ذلك انتزاعا؟ قال: لا ولكنه يحاص بقيمة العرصة مع أهل الميراث، ويضرب أهل الميراث بقيمة البناء.
وسئل عنها سحنون: فقال: أرى هذا نقضا لوصيته؛ لأنه قد أحال العرصة عند حالها فقد نقض وصيته.
قيل له: فلو أوصى لرجل بداره في مرضه، ثم هدمها هل ترى ذلك نقضا لوصيته؟ قال: الذي أقول أنا به: فأرى له قاعة الدار؛ لأن القاعة لم تزل على حالها، وأما غير البنيان وإزالته عن حاله فقد نقض وصيته في البنيان.
قلت له: فإن قال: ثوبي لعبد الرحمن، ثم قطعه قميصا فلبسه في مرضه قال: هو لعبد الرحمن، وليس بتقطيعه إياه، ولا لبسه انتزاعا.
قال: وإن قال: شقتي لعبد الرحمن، ثم قطعها قميصا في مرضه وسراويلات رأيت ذلك انتزاعا لأنه إذا أوصى ثم حوله عن اسمه حتى يسمي اسما آخر رأيت ذلك انتزاعا؛ لأنه إذا قال: شقتي ثم قطعها قميصا فقد صار اسمها خرقة ولأنه إذا قال:
ثوبي في هذا ثم قطعه قميصا، فاسمه ثوب أيضا، وليس تقطيعه إياه بالذي يحوله عن أن يكون اسمه ثوب.
قلت له: فإن أوصى بثوب، ثم صبغه صبغا يزيد في ثمنه، كيف يكون الثوب؟ قال: يضرب بقيمته أبيض، ولا شيء له في الصبغ.
قال محمد بن رشد: قد مضى بعض هذه المسألة والقول عليها في رسم الوصايا والأقضية، ورسم الوصايا الصغير، من سماع أصبغ.
ومضى تحصيل القول فيها مستوفى في نوازل سحنون فلا وجه لإعادته.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصي له بجارية بعد موته ثم وطئها
مسألة وقال في رجل أوصي له بجارية بعد موته، ثم وطئها أترى ذلك انتزاعا؟ قال: لا.
قيل له: فإنها وقفت حين مات خوفا من أن تكون حاملا فحمل عليها رجل فقتلها لمن تكون جنايتها؟ قال: ليستردها الذي مات لأنه يخاف أن يكون بها حمل، ولا يكون للموصى له من جنايتها شيء.
قيل له: أرأيت لو لم يطأها حتى مات ... بجميع ما له فمات الذي أوصى له بها أيضا.
قال: يكون ورثته يقومون مقامه.
قال محمد بن رشد: قوله: يخاف أن يكون بها حمل، يدل على أنه إنما جعل الجناية عليها لسيدها الموصي بها، مخافة أن تكون حاملا منه، ولو تيقنت براءتها من الحمل لكانت الجناية عليها للموصى له بها.
وهو معنى ما في كتاب الوصايا الثاني من المدونة فحملها ابن القاسم على الحمل حتى
يعلم براءتها منه على أصله في غير ما مسألة.
من ذلك قوله في سماعه من كتاب الاستحقاق في الذي يستحق أمة له عند رجل اشتراها ويقيم عليها البينة، فتموت بعد ذلك: إن مصيبتها منه، ويرجع المبتاع بالثمن على البائع، إلا أن يكون قد وطئها فتكون المصيبة منه، من أجل ... فيها، ويرجع المستحق على البائع بالأكثر من القيمة أو الثمن إن كان عاصيا.
وقد قيل: إنها محمولة على السلامة من الحمل حتى يعلم أنها حملت، فعلى هذا تكون الجناية عليها للموصى له بها وإن كان الموصي قد وطئها، إلا أن يعلم أنها كانت حاملا منه.
وهو مذهب مالك في رواية أشهب عنه في الذي يشتري الأمة فيطؤها، ثم يظهر على عيب فيها، فيردها إلى البائع، فتموت قبل أن تحيض إن ضمانها من البائع المردود عليه بالعيب، إلا أن يعلم أنها كانت حاملا، فتلزم المشتري، ويرد عليه ما نقص العيب من ثمنها.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال لفلان عشرة دنانير ولفلان عشرون دينارا ولفلان ثلاثون دينارا
مسألة وعن رجل قال: لفلان عشرة دنانير، ولفلان عشرون دينارا، ولفلان ثلاثون دينارا ثم قال في مرضه ذلك: ولفلان ولفلان ولفلان الذي أوصى لهم بعدد تلك الدنانير، لهم ثلث مالي ثم هلك، قال: يعطى الذي سمي له عشرة عشرته، والذي سمي له عشرين عشرينه، والذي سمى له ثلاثين ثلاينه، ثم ينظر إلى ما فضل بعد ذلك من الثلث، فيكون بينهما بالسوية، وقال مرة: تكون على الحصص.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على خلاف أصله فيمن أوصى لرجل بوصيتين، إنه يكون له الأكثر منهما، كانت الأولى أو
الآخرة، وقياس قول مطرف في أن من أوصى لرجل بوصيتين: إنه يكونان له جميعا إن كانتا متساويتين، أو كانت الثانية أقل؛ لأنه يحمل عليه عنده أنه استقل ما أوصى له به في الأول، فزاده ما في الثانية، وكذلك حمل ابن القاسم على الموصي في هذه المسألة أنه استقل ما أوصى به لكل واحد منهم من التسمية التي أوصى له بها، فزادهم بقية الثلث بقوله: لهم ثلث مالي، فمرة قال: إن ذلك يكون بينهم على السوية إذا لم يقل فيها: إنها تكون بينهم على قدر ما أوصى لهم به، ومرة قال: إنما يكون بينهم على قدر ما أوصى لهم به أولا؛ لأنه لما فضل بعضهم على بعض فيما أوصى لهم به أولا، ثم زادهم زيادة حكم للزيادة بحكم المزيد عليه من التفضيل.
والقولان محتملان، وهو أظهر.
والله أعلم.
والذي يأتي في هذه المسألة على أصل ابن القاسم في الذي يوصى له بوصيتين، أن له الأكثر منهما.
أن يقتسموا جميع الثلث بينهم على أكثر ما أوصى به لكل واحد منهم من التسمية التي سماها له، أو ثلث الثلث.
وإن كان في المال عروض جرى الحكم في ذلك على الاختلاف الذي قد ذكرناه في رسم الوصايا الصغير، من سماع أصبغ، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى في مرضه فقال ثوبي هذا بيعوه وتصدقوا بثمنه فإنه ليس لي
مسألة وسئل عن الذي أوصى في مرضه، فقال: ثوبي هذا بيعوه وتصدقوا بثمنه، فإنه ليس لي، وثوبي هذا الآخر بيعوه وتصدقوا بثمنه فإنه ليس لي، وإنما اغتصبته، ونحو هذا، ولفلان علي مائة دينار، ولفلان أيضا مائة لقوم سماهم معروفين، ولفلان علي خمسون دينارا وهم يسكنون في بلد كذا وكذا لقوم لا يعرفون، ولو طلبوهم لأعجزوهم.
قال ابن القاسم: إن لم يكن على ما ذكر بينة إلا إقراره، فإنه يبدأ بالثياب التي أوصى بها أن تباع، ويتصدق بثمنها تباع،
ويتصدق بثمنها بها، ثم يتحاص أصحاب الدين الذين يعرفون، والذي لا يعرفون، وإن قامت البينة على ما ذكر، فإنه يحاص في الثياب وفي الدين الذي ذكر لقوم يعرفون، ولقوم لا يعرفون جميعا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لم يكن على ما ذكر بينة معناه: إن لم يكن ما ذكر من الديون التي أقر بها بينة؛ لأنه إذا لم يكن لهم بينة على ديونهم، لم يكن لهم حجة فيما أقر به من الثياب، أنه لا شيء له فيها، إذ لو شاء لم يقر لهم بشيء، كما أقر لابنه بمائة دينار، ولرجل أجنبي بمائة، فليبدأ بالثياب التي أوصى أن تباع ويتصدق بثمنها، وتكون الديون التي أقر بها للذين يعرفون، والذين لا يعرفون فيما بقي من ماله بعدها، فيتحاصون في ذلك، فما ناب الذين يعرفون أخذوه، وما ناب الذي لا يعرفون وقف لهم، فإن لم يأت له طالب تصدق به، وهذا إذا كان له ولد، على قياس ما مضى من قوله في هذا السماع، وفي غيره من المواضع، وأما إن لم يكن له ولد فالذين يعرفون أحق بما بقي بعد ثمن الثياب التي أوصى أن تباع، ويتصدق بثمنها؛ لأن إقراره لمن لا يعرف لا يجوز إذا كان يورث كلالة، وإن فضل من المال فضل بعد دين الذين يعرفون وقف الدين على الذين لا يعرفون إن كان يسيرا، وإن كان للورثة إن كان كثيرا على قياس ما مضى في صدر هذا السماع وفي غيره أيضا.
وقوله: فإن قامت البينة على ما ذكر، معناه: فإن قامت البينة على الديون التي أقر بها يحاص في ثمن الثياب بالديون التي ذكر لقوم يعرفون ولقوم لا يعرفون، ذلك بين على ما قاله؛ لأنه إذا كانت لأرباب الديون بينة على ديونهم لم يصدق فيما أقر به من أن الثياب لا شيء له فيها، وبطلت وصيته بالتصدق بها.
وقوله: يحاص في الثياب وفي الديون الذي ذكرها خطأ في الرواية، وصوابه فإنه يحاص في الثياب بالدين الذي ذكر لقوم يعرفون، ولقوم لا يعرفون.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلثي لعبد الله ومحمد وأحمد
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: ثلثي لعبد الله ومحمد وأحمد، لمحمد عشرة، ولأحمد عشرين.
وسكت عن عبد الله، فلم يسم له تسمية أكثر من الوصية الأولى.
قال: ينظر إلى عدة الثلث كم هو فيضرب عبد الله بثلث الثلث، وأحمد ومحمد، وأحمد لعبد الله عشرة، ولمحمد عشرين، ولأحمد ثلاثين، ضرب عبد الله بعشرة أجزاء، ومحمد بعشرين، وأحمد بثلاثين، كان لعبد الله سدس الثلث، ولمحمد ثلث الثلث، ولأحمد نصف الثلث.
وإنما ثلث الثلث إن سكت عن التسمية بمنزلة التسمية سواء يضرب معهم بعدة ثلث الثلث.
قلت: قصر الثلث أو زاد، فعلى هذا يكون في جميع هذه الوجوه، قال: نعم.
قيل له: فإن قال: ثلثي لعبد الله ولمحمد وأحمد لعبد الله عشرة ولأحمد عشرة، ولمحمد عشرة.
قال: هذا بينهم أثلاثا كما هو، وليس في ذلك تفضيل، إنما هو إذا فضل بعضهم على بعض في التسمية.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد بين كيف يكون الثلث بينهم بقوله: لمحمد عشرة، ولأحمد عشرين، وسكوته عن عبد الله؛ لأنه لما سكت عنه بقي على ما يجب له بقوله: ثلثي لفلان وفلان وفلان وهو ثلث الثلث.
فبذلك يحاص الموصى لهما بالتسمية.
وهذه المسألة تبين المسألة التي مضت في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم حسبما ذكرناه.
تم جميع كتاب الوصايا والحمد لله.
: كتاب الصدقات والهبات الأول
وهب لرجل لثواب فأفلس
من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال: من وهب لرجل لثواب، فأفلس فهو على هبته، بمنزلة من باع سلعته، إلا أنها تقوم يوم وهبها.
قال سحنون: يريد بذلك: إذا أراد الغرماء حبسها ودفع القيمة إليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا أفلس الموهوب له الهبة للثواب قبل دفع الثواب، فرب الهبة أحق بها من الغرماء؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها.
قال في هذه الرواية: يوم وهبها، ومثله في رسم العتق من سماع عيسى، وفي رسم البيوع من سماع أصبغ، وفي آثار المدونة وفي الموطأ يوم قبضها، ومثله في الشفعة من المدونة.
وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في ضمان السلعة المحتسبة بالثمن.
وقد اختلف في ذلك قول مالك فعلى القول بأن ضمانها من البائع تكون القيمة في السلعة الموهوبة يوم القبض، وعلى القول بأن ضمانها من المبتاع تكون القيمة فيها يوم الهبة، وهو اختيار ابن القاسم.
واختار ابن المواز أن تكون القيمة فيها يوم القبض، إلا أنه اعتل في ذلك بعلة غير صحيحة، فقال: لأنه بالخيار في ردها قبل أن يقبضها وهو بالخيار أيضا في ردها بعد قبضها ما لم تفت، فيلزم على تعليله أن تكون القيمة فيها يوم
الفوت، وهذا ما لم يقولوه، ولا يوجد لهم.
وهذا على القول بأن من حق الواهب للثواب أن يمسك هبته حتى يقبض عوضه كالبيع، وهو نص ما في كتاب الهبة من المدونة.
وأما على القول بأنه ليس له أن يمسكها، ويلزمه دفعها بخلاف البيع؛ لأنها مكارمة فضمانها بعقد الهبة من الموهوب له على كل حال، ولا يدخل فيها من الاختلاف ما يدخل في المحبوسة بالثمن، وتلزمه القيمة إن فاتت يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق.
مسألة: أفلس رجل وقد رهن سلعة اشتراها بدين
مسألة قال مالك: وإن أفلس رجل، وقد رهن سلعة اشتراها بدين، فإن صاحبها مخير بين أن يقرها في يد المرتهن، ويحاص بثمنها الغرماء فذلك له، وإن أحب أن يفتدي سلعته من يد المرتهن، ويحاص الغرماء بما فداها به فعل، والمرتهن أولى بما في يديه من الرهن حتى يستوفي حقه، وما فضل فهو للغرماء.
قال الإمام القاضي: زاد في رسم الأقضية الأول من سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس في هذه المسألة إنه إن افتداها من المرتهن كان الغرماء بالخيار، إن شاءوا دفعوا إليه، وإن شاؤوا أعطوه ثمنها، فإن أعطوه ثمنها وتركها حاص في جميع ذلك بما افتداها به، ولا يحاص بثمنها إلا في إسلامها للمرتهن وتركها، وهي زيادة بينة؛ لأن بائع السلعة إذا أعطي ثمن سلعته فلا حجة له عليه، وكذلك لا حجة لهم عليه في محاصته إياهم بما أهابه؛ لأنه لو لم يفتدها لكان المرتهن أحق بها، ولزمهم معهم أن يفتدوها منه بما ارتهنها به من مال الغريم، فإذا افتداها هو منه على أن يحاصهم بما افتداها به فقد نفعهم.
المسألة كلها بينة صحيحة.
وقد قيل: إنه لا يضرب بما افتك به الرهن، كافتكاك رقبة العبد الجاني إذا كان قد باعه وجنى، وفلس المشتري قبل أن يفتكه، وهو بعيد.
والفرق بينهما أن العبد الجاني لا
يلزم سيده أن يفتكه بجنايته، وله أن يسلمه بها، والرهن يلزم الراهن أن يفتديه بما رهنه، وليس له أن يسلمه بذلك وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ولده فاقتسمه الذكور دون الإناث ثم طالب النساء بحقهن
مسألة وقال مالك في صدقة تصدق بها على رجل من نخل أو غلة على ولده فرأى أن النساء ليس لهن فيها حق، فاقتسموها بين الذكور زمانا، ثم بلغ النساء: أن لهن فيها حقا، فطلبن ذلك، قال: يأخذن فيما يستقبلن ولا يكون لهن فيما مضى من الغلة شيء، قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
ونزلت فرأيت ذلك، وإنما هو بمنزلة ما قال لي مالك في الدار يرثها الولد فيسكنون فيها الزمان، ثم يأتي أولاد له آخرون لم يكونوا علموا بهم أنهم لا شيء عليهم فيما سكنوا.
قال سحنون: أخبرني علي بن زياد عن مالك أن الغيب يرجعون على الحضور بكراء حصتهم مما سكنوا، علموا أن ثم وارث غيرهم أو لم يعلموا.
أو محمل الغلة عندي محمل السكنى.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة: إن النساء يأخذن فيما يستقبلن، ولا يكون لهن فيما مضى من الغلة شيء، معناه: في الصدقة المحبسة، لا في الصدقة المبتولة على ولده بأعيانهم: ذكورهم وإناثهم، وتابع ابن القاسم مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ما قاله في غلة الحبس، قياسا على ما قاله في السكنى في غير الحبس.
والغلة في غير الحبس مخالفة عنده وعند مالك للسكنى يجب لمن جهله حقه فيها مدة، فلم يأخذه أن يأخذه فيما مضى وفيما يستقبل، وذلك منصوص عليه لابن القاسم في المبسوطة وخالفت رواية علي بن زياد عن مالك لرواية ابن القاسم في السكنى في غير الحبس، فراءه في رواية علي بن زياد عن مالك كالغلة في غير الحبس ورأى في رواية ابن القاسم عنه بخلاف ذلك، كالغلة في الحبس فيتفق في الغلة في غير
الحبس، على أنه يأخذ حقه فيما مضى وفيما يستقبل، ويتفق أيضا في السكنى في الحبس، على أنه لا شيء له فيما مضى، بل لا يأخذ فيما يستقبل إلا ما فضل عن الساكن؛ لأن حكم السكنى في الحبس لا يخرج فيه أحد لأحد، ويختلف في الغلة في الحبس، وفي السكنى في غير الحبس على قولين: أحدهما لا شيء لهم في شيء من ذلك إلا فيما يستقبل، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، والثاني إنهن يأخذن حقهن فيما مضى وفيما يستقبل، وهو الذي يأتي على رواية علي بن زياد، عن مالك في غلة الحبس، ونص قوله في السكنى في غير الحبس.
والفرق على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، بين الحبس وغير الحبس في الغلة، هو أن الحبس إنما يقسم على الحبس عليهم بالاجتهاد ويفضل فيه فقيرهم على غنيهم، ومن مات منهم قبل طيب الثمرة، أو قبل القسم، وإن كان ذلك بعد طيب الثمرة على الاختلاف في ذلك سقط حقه، ورجع على بقيتهم، إذ ليس حقه فيه ثابتا، بخلاف الملك الذي يعرف حق كل واحد من الأشراك فيه، ويورث عنه طاب أو لم يطب، أبر أو لم يوبر.
والفرق على مذهبه بين السكنى والغلة هو ما قاله في المدونة من أنه إنما سكن ولم يعلم بأخيه، ولو علم لكان في نصيبه ما يكفيه، فلم ينتفع بحظ أخيه بشيء أخذه، والغلة بخلاف ذلك.
وبالله التوفيق.
مسألة: الأب يجوز لابنه الصغير ما تصدق به عليه
مسألة وقال مالك: ومن تصدق على ولده وهو صغير، بدين كان له على أحد، ثم اقتضاه الأب بعد ذلك، فهو بمنزلة العبد، يتصدق به عليه، ثم يبيعه فالثمن للابن، ولا يكون بمنزلة الذهب إذا تصدق بها وهي في يديه، فليست للابن إذا لم يجعلها على يدي غيره.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الأب يجوز لابنه الصغير
ما تصدق به عليه أو وهبه من الأصول والعروض التي تعرف بأعيانها باتفاق.
والأصل في ذلك قول عثمان بن عفان من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يجوز نحله، فأعلن ذلك وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه.
وأما الذهب والورق، وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه من المكيل كله والموزون كان مما يوكل أو مما لا يوكل، كالحديد والرصاص والكتان، فقيل: إنه لا يجوز الأب لابنه الصغير وإن عن له وطبع عليه بحضرة الشهود ولا تكون حيازته له، إلا أن يضعه له بيد غيره، وهو قوله في هذه الرواية وفي رسم طلق ورسم اغتسل بعد هذا من هذا السماع وروى مطرف عن مالك: أنه إذا صرها بحضرة الشهود، وختم عليها بخاتمه، ثم رفعها عن نفسه، فوجدت كذلك بعد موته، إنها جائزة ماضية لابنه، وإن لم يختم عليها الشهود، ولو ختموا عليها كان أحرى وأحسن.
وهو قول ابن الماجشون، وابن نافع، والمدنيين، ومثله في الموطأ لمالك، وهو قوله فيه: إنه من نحل ابنا له صغيرا ذهبا أو ورقا ثم هلك وهو يليه إنه لا شيء للابن من ذلك، إلا أن يكون عزلها بعينها أو دفعها إلى رجل وضعها لابنه عنده، واللؤلؤ والزبرجد، بمنزلة الذهب والفضة في ذلك، إذ لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، والدين حكمه حكم العرض، فإذا وهب لابنه الصغير دينا له على رجل، ثم اقتضاه منه بعد ذلك فهو كما قال بمنزلة العرض، يتصدق به عليه ثم يبيعه بعد ذلك، إن الثمن يكون للابن في ماله في حياته وبعد وفاته، وجده أو لم يجده؛ لأن تنصيص العرض المتصدق به بالبيع كقبض الدين، وسواء باع العرض لابنه باسمه، أو جهل ذلك فلم يعلم أن كان باع لنفسه أو لابنه.
وأما إن باع ذلك لنفسه نصا على سبيل الرجوع فيها والبيع لها فالبيع مردود، والصدقة جائزة.
ويتبع المشتري الأب بالثمن في حياته وبعد وفاته وجده أو لم يجده؛ لأن الصدقة قد كانت حيزت للابن، ولو كانت الصدقة دارا يسكنها الأب فباع قبل أن يرحل عنها بنفسه استرجاعا لصدقته، واستخلاصا لفسخ البيع إن عثر عليه في حياته، ومضت الصدقة للابن، وإن لم يعثر على ذلك
حتى مات الأب بطلت الصدقة، فلم يكن للابن فيها حق ولا في الثمن وصح البيع للمشتري.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لبني فلان مثل بني زهرة ومن يعرف ومن لا يعرف
مسألة قال مالك: من قال: كذا وكذا من مالي صدقة على بني فلان مثل بني زهرة، ومنهم الغائب والحاضر، ومن يعرف ومن لا يعرف.
قال: يقسم بين من كان منهم معروفا من حاضر أو غائب، فإن جاء أحد بعد ذك لم يكن عرف مكانه ردا عليه الآخرون قدر حصته.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن بني الرجل الذين أوصى بصدقة المال عليهم، يحاط بهم لغلتهم، فهم الذين يقسم عليهم المال بالسواء، حاضرهم وغائبهم، على هذه الرواية، وأحد قولي ابن القاسم في المدونة في الذي يوصي لإخوانه وأولادهم فإن جاء بعد ذلك أحد منهم لم يعرف رد عليه الآخرون قدر حصته كما قال، ومن مات منهم على هذه الرواية بعد موت الموصي، كان حقه لورثته، ومن ولد منهم بعد موته لم يكن فيها حق.
وقد قيل: إن الوصية تقسم عليهم بالاجتهاد لا على السواء، فيكون لمن أدرك القسم منهم الأحق فيها لمن مات قبل ذلك أو جهل فلم يعرف، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة ورواية ابن وهب فيها.
وأما إذا كان بنو فلان الذين أوصى لها لا يحاط بهم لكثرتهم مثل بني زهرة، وبني تميم فلا اختلاف في أنهم كالمساكين، يقسم ذلك بالاجتهاد على من أدرك القسم منهم، ولا شيء لمن غاب منهم إن أتى بعد ذلك، ففي قوله في هذه الرواية: مثل بني زهرة نظر؛ لأن بني زهرة لا يحاط بهم لكثرة عددهم، فينبغي أن يتأول على ما يصح، فيقال: إنه لم يرد مثل بني زهرة بن كلاب بزمرة الذي ينتسب الزهريون إليه؛ لأن عددهم كثير لا يحاط بهم،
وإنما أراد مثل أن يقول بني فلانة لامرأة تسمى زهرة.
وأما إذا أوصى لبني فلان، وسماهم بأسمائهم فلا اختلاف أنه يقسم عليهم بالسواء، حاضرهم وغائبهم.
وإن غاب أحد منهم فينسى، ثم جاء رجع على كل واحد منهم حتى يستوفي حقه، فالوجهان متفق عليهما.
والوجه الثالث مختلف فيه كما ذكرت لك.
وبالله التوفيق.
: وهب هبة للثواب فمات الموهوب له وبقي الواهب
ومن كتاب أوله
حلف ألا يبع رجلا سلعة سماها قال مالك: ومن وهب هبة للثواب، فمات الموهوب له، وبقي الواهب يطلب حقه فذلك له ما لم يطل ذلك حتى يرى أنه قد تركه، وإن هلك الواهب فورثته على حقه، ما لم يطل ذلك حتى يرى أنه قد تركه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، فوجب أن يحل ورثة كل واحد من الواهب والموهوب له محله، ولا تبطل الهبة بموت الواهب، ولا حقه في الثواب؛ لأن ورثته يحلون محله في ذلك ما لم يطل، حتى يتبين أنهم قد تركوا الثواب، وكذلك أيضا إن مات الموهوب له وبقي الواهب، فهو على حقه في العوض قبل الورثة ما لم يطل ذلك أيضا حتى يرى أنه قد رضي بترك حقه في الثواب؛ لأنها هبة طريقها المكارمة لا المكايسة.
وبالله التوفيق.
مسألة: الأب يحوز لبنيه الصغار ما وهبه لهم
مسألة وسئل عن رجل حلى صبيا له حليا فمات أبوه، فقال الورثة: نحن نأخذ هذا الحلي فنقتسمه ميراثا، قال مالك: لا أرى ذلك، وأراه للصبي دونهم ومثله الصبايا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الأب يحوز لبنيه الصغار ما وهبه لهم، وما حلاهم إياه من الحلي فقد وهبه لهم؛ لأنه بمنزلة ما كساهم من الثياب؛ لأنه مما يلبس كما يلبس الثياب.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18] فهو محمول على الهبة، إلا أن يشهد الأب أنه لم يحلهم إياه إلا على سبيل الإمتاع.
وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على ابنه الصغير بالعبد ويشهد له عليه
مسألة وسئل عن الرجل يتصدق على ابنه الصغير بالعبد، ويكتب له بذلك كتابا، ويشهد له عليه، فيقيم العبد على ذلك ما شاء الله السنتين أو أكثر، ثم يتبع نفس السيد العبد فيشتريه من ابنه بثمن، ويشهد له على ذلك، ويقول: قد ابتعته بكذا وكذا فهي له عندي، ثم يموت الأب ويطلب ذلك الغلام الثمن، أتراه له على أبيه؟ فقال لي: ما أحرى مثل هذا إذا صح أن يجوز ذلك.
وقال عيسى: قال لي ابن القاسم: وأنا أرى ذلك جائزا فقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية إذا تبعت نفسه العبد الذي تصدق به على ابنه أن يشتريه منه كما قال في المدونة في الجارية، وهو في الجارية أعذر منه في العبد، إذ قد تعلق نفسه بها، فيتأذى بفراقها، فلو تصدق بالجارية على أجنبي ثم تبعتها نفسه، وتعلقت بها لما بعد أن يجوز شراؤه لها، والعبد بخلاف ذلك.
فدلت هذه الرواية على أنه يجوز له أن يشتري ما تصدق به على ابنه، بخلاف الأجنبي، للشبهة التي له في مال ابنه.
يقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت ومالك لأبيك» ألا ترى أنه قد جاز في
رسم نذر سنة بعد هذا إذا تصدق على ابنه بالغنم أن يكتسي من صوفها ويأكل من لحومها، ويشرب من ألبانها، ومثله لمالك أيضا في رسم شهد من سماع عيسى.
قال في رسم نذر سنة: وإذا تصدق عليه في مال ابنه بالحائط فله أن يأكل من ثمره إذا أطعم.
وقال في كتاب ابن المواز: إذا رضي ابنه بذلك، وكان كبيرا ممن يصح منه الرضا.
قال ابن القاسم: ولم أره يراه مثل الأجنبي، يريد أنه لا يجوز في الأجنبي أن يشتري منه شيئا مما تصدق به عليه، ولا أن يأكل من غلته بغير شراء لنهي النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - المتصدق أن يعود في صدقته وأن يشتريها.
وقال في الفرس: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه.
واختلف هل يجوز أن يشتري من المتصدق عليه غلة ما تصدق به عليه؟ فقيل: إن ذلك جائز، قياسا على العرايا التي أجيز المعرى أن يشتري ما أعرى بخرصه إلى الجداد.
وكره أشهب ذلك، وهو الصواب؛ لأن العرايا هي نفس ما أعرى فإنما جاز شراؤها للمعري للسنة القائمة فيها، ولأنها هبة ليست بصدقة، فلا يصح قياس شراء غلة الصدقة، على شراء ثمر العرية، ويجوز شراء غلة الصدقة من غير الذي تصدق به عليه دون خلاف أذكره في ذلك.
واختلف هل يجوز شراء أصل الصدقة من غير الذي تصدق عليه ففي المدونة إن ذلك لا يجوز، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بذلك، وأما قوله في ثمن العبد الذي تصدق به على ابنه ثم اشتراه منه فمات ما
أحراه أن يجوز إذا صح، فصحة ذلك تبين بأن يتصدق بالعبد عليه، ثم يشتريه منه بعد مدة، فيعلم أنه شراء صحيح بعد صدقة متقدمة؛ لأنه إن تصدق عليه بالعبد ثم اشتراه منه في فوره ذلك اتهم على أنه لم يتصدق عليه بالعبد، وإنما أراد أن يكتب له على نفسه دينا يأخذه بعد موته، فتحيل لجواز ذلك بإظهار الصدقة، ويحتاج أيضا إلى معرفة السدس للابن، كي لا يشتريه منه بأقل من قيمته؛ لأن الأمر فيما بينه وبينه، فهو فيه محمول على غير السداد، بخلاف ما بيع له ويشترى من غيره، وذلك بين من قول ابن القاسم في كتاب الجعل والإجارة من المدونة وفي رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح؛ لأنه شرط في شراء الأب لنفسه الرأس يساق إلى ابنته البكر في صداقها أن يكون الشراء صحيحا بينة وأمر معروف.
وبالله التوفيق.
: الرجل يعطى الشيء يوصل به يستحب له أخذه أم تركه
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن الرجل يعطى الشيء يوصل به، يستحب له أخذه أم تركه؟ قال: بل تركه أفضل له إن كان عنه غنيا إلا أن يخشى الهلاك، ويكون محتاجا، فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الأفضل له الأولى به أن لا يأخذه وأن يتركه إذا لم يكن إليه محتاجا لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا، قيل: ولا منك يا رسول الله.
قال: ولا مني» .