البيان والتحصيلصفحات 327-366
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الثاني

صفحات 327-366
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

السهو قبل السلام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا كتاب الصلاة الثاني ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما مال وقال مالك في السهو قبل السلام إن عليه إذا سجد سجدتين تشهدا آخر، وروى أشهب عن مالك أنه لا تشهد لها.
قال محمد بن رشد: ابن وهب يستحب التشهد في ذلك، وذلك راجع إلى سقوط وجوبه، فوجه سقوطه ظاهر قوله في الحديث: سجد سجدتين ثم سلم ولم يذكر تشهدا ولا جلوسه بعد السجدتين من الجلوس قبلهما، إذ لم يفصل بينهما بسلام ولا ركوع، فلم يجب عليه تشهد آخر.
أصل ذلك لو ظن بعد التشهد أنه في ثالثة فلما قام ذكر أنها رابعة أنه يرجع فيسلم ولا يعيد التشهد.
ووجه وجوبه أن هذا جلوس بعد سجدتين فوجب فيه التشهد، أصله الجلوس الذي قبله، وأما السجدتان اللتان بعد السلام فلا اختلاف في أنه يتشهد بعدهما.

الناس ينصرفون من منى فيدركهم الوقت ويخافوا ذهابه قبل بلوغ مكة

مسألة وسئل مالك عن أهل منى إذا انصرفوا فأدركهم الوقت ولم يبلغوا الأبطح ولا مكة فيما بين منى ومكة وهم يريدون أن تكون لهم إقامة، وعن أهل مكة إذا أدركهم في ذلك الوقت، قال مالك: من

انصرف من أهل مكة من منى إلى مكة فأدركه الوقت وخاف ذهاب الوقت قبل أن يبلغ فإني أرى أن يصلي أربعا؛ لأن صلاة منى قد انقطعت ولا يكون في ميلين ولا ثلاثة ما تقصر فيه الصلاة.
قال مالك: ومن أقام منهم بمنى ليخف الناس عنه ويذهب زحامهم قال: أرى أن يتم الصلاة وإن كان بمنى، وأرى أهل الآفاق ومن كان منهم يريد الإقامة بمكة أكثر من أربعة أيام فأرى أن يقتدي بأهل مكة في ذلك، ومن أقام لمثل زحام الناس ومن خاف فوات الوقت فيما بين مكة ومنى أن يصلي أربعا.
قال ابن القاسم: ثم قال لي مالك ركعتين في ذلك كله.
قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي.
قال أصبغ: وبه أقول إنه يقصر حتى يأتي مكة، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم "شك في طوافه " فلا معنى لإعادته.

مسألة: الرجل يكبر في النافلة فتقام الصلاة

مسألة قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الرجل يكبر في النافلة فتقام الصلاة، قال: ليمض على نافلته ولا يقطعها إلا أن يخاف فوات الركعة.
قال ابن القاسم: إن خاف فوات الركعة قطع بسلام، فإن لم يقطع بسلام أعاد الصلاة لأنه على إحرامه الأول، ولا يخرج من الصلاة التي كان فيها إلا بسلام، ولا يجزيه أن يحرم وينوي بذلك القطع.
قال محمد بن رشد: كذا قال في المدونة في هذه المسألة، وقال فيها في الذي يحرم في الفريضة فتقام عليه الفريضة إنه يقطع، فذهب

عبد الحق إلى أن الفريضة تفترق من النافلة على مذهبه في المدونة، وأنه إنما قال فيها إنه يقطع في الفريضة بخلاف النافلة؛ لأن الفريضة إذا قطعها يعود إليها، والنافلة إذا قطعها لا يعود إليها؛ ولأن المريضة إذا تمادى عليها تحول نيته إلى نية النفل، والنافلة إذا تمادى عليها لم تحل نيته عما أحرم عليه.
والصواب أن لا فرق في هذا بين النافلة والفريضة، وأن الخلاف يدخله في كل واحدة منهما من صاحبتها؛ لأن نية الفرض مقتضية لنية النفل، فلا تأثير لتحول نيته من الفرض إلى النفل في إيجاب القطع؛ ولأن الفريضة وإن كان إذا قطعها يعود إليها فإنه وإن عاد إليها فقد أبطل على نفسه ما هو فيه، وإذا أتمها نافلة لم يبطل على نفسه ما دخل فيه وحصلت له نافلة وفريضة، فاستوت مع النافلة في أن الحظ له في أن لا يقطعها.
ويؤيد هذا الذي قلناه أن ابن حبيب قد قال في الفريضة إنه يتم على إحرامه ركعتين خفيفتين نافلة، ثم يدخل مع الإمام.
وقد حكى الفضل أن أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يقطع في الفريضة ويتم في النافلة، وأن عيسى بن دينار ساوى بين الفريضة والنافلة لقول ابن حبيب، وروى أشهب عن مالك أنه يتم في الفريضة ويقطع في النافلة ضد التفرقة المذكورة، فيحصل في المسألة أربعة أقوال: هذان القولان، والثالث أنه يقطع فيهما جميعا، والرابع أنه يتم ركعتين فيهما جميعا على ما صححناه.
وأما إذا أقيمت عليه الفريضة وهو في نافلة أو فريضة وقد عقد منها ركعة فإنه يتم إليها ثانية، ولا اختلاف في هذا إلا في المغرب على ما سيأتي في سماع سحنون إن شاء الله.
وإنما قال إنه يقطع بسلام ولا يجزيه أن يحرم وينوي بذلك القطع لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم» ، فإذا دخل مع الإمام قبل أن يتحلل من الصلاة التي دخل فيها بسلام أو كلام بطلت عليه، وهذا بين، وبالله التوفيق.

الدبيب في الركوع إذا كان على قدر صفين أو ثلاثة

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال في الدبيب في الركوع إذا كان على قدر صفين أو ثلاثة فلا أرى بالركوع بأسا والدبيب فيه، وأما إذا كان بعيدا فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة اختلف فيها قول مالك، والذي يتحصل فيها من اختلافه ثلاثة أقوال: أحدها: رواية ابن القاسم هذه عنه أن الركوع والدبيب جائز فيما كان على قدر الصفين أو الثلاثة إذا أمكنه أن يصل إلى الصف والإمام راكع، وهو مذهبه في المدونة، فلم يترجح عنده على هذا، القول أي الأمرين أفضل إن كان الركوع دون الصف، وإدراك الركعة أو ألا يركع حتى يأخذ مقامه في الصف وإن فاتته الركعة، لما جاء في ذلك من نهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الركوع دون الصف، ومن فعل زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود في ركوعهما دون الصف ودبيبهما راكعين إليه.
والقول الثاني: أنه لا يحرم حتى يأخذ مقامه في الصف، وهي رواية أشهب عنه في رسم "الصلاة" الثاني من هذا الكتاب، فرأى على هذا القول الإحرام في الصف مع فوات الركعة أفضل من الإحرام والركوع دونه مع إدراك الركعة.
والقول الثالث أنه لا يركع حتى يأخذ مقامه من الصف أو يقاربه، حكى هذا القول عنه ابن حبيب في الواضحة.
وهذا القول قريب من رواية أشهب عن مالك لأنه أستخف الركوع إذا قرب من الصف وكره الدبيب إذا بعد منه.
وأما إذا كان إذا ركع دون الصف لا يدرك أن يصل إلى الصف راكعا حتى يرفع الإمام رأسه فلا يجوز له عند مالك أن يركع دون الصف، وليتماد إلى الصف وإن فاتته الركعة قولا واحدا، فإن فعل أجزأته ركعته عنده وقد أساء، ولا يمشي إلى الصف إذا رفع رأسه من الركوع حتى يتم الركعة ويقوم في الثانية، قال ذلك في رسم "الأقضية" الثالث من سماع أشهب.
وقال ابن القاسم في المدونة إنه يركع دون الصف ويدرك الرابعة، فرأى المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف، ورجح أبو إسحاق التونسي قول ابن القاسم، وقول

مالك عندي أولى بالصواب، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي بكر لما ركع دون الصف: «زادك الله حرصا ولا تعد» ، ولما جاء عنه أنه قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» . وأما ركوعه على البعد من الإمام بحيث لا يمكنه أن يصل إلى الصفوف بعد قيامه من الركعة لكثرة المشي فلا ينبغي لأحد أن يفعله إلا أن تكون معه جماعة سواه، قاله مالك في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب، وفرق فيه بين الجماعة الكثيرة والقليلة استحبابا، وبالله التوفيق.

مسألة: الصور التي في الرقوم مثل الوسائد يتخذها الرجل

مسألة وسئل عن الصور التي في الرقوم مثل الوسائد يتخذها الرجل قال: ترك ذلك أحب إلي، ولا أحب أن يصلي على بساط فيه صور إلا أن يضطر إلى ذلك.
وقد كان ابن عمر يقول: إني لا أحب أن يجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: ذهب مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في كراهة اتخاذ الوسائد التي فيها الصور والصلاة على البساط الذي فيه الصور من غير تحريم إلى ما ذكره في موطئه «عن أبي طلحة الأنصاري: " إذ دخل على سهل بن حنيف فدعا إنسانا فنزع من تحته نمطا، فقال له سهل بن حنيف لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها ما قد علمت، فقال له سهل بن حنيف: ألم يقل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلا ما كان رقما في ثوب قال: بلى ولكنه أطيب لنفسي» ، واستظهر لما ذهب إليه بقول ابن عمر الذي ذكره، وهو حقيقة الورع؛ لأن الآثار لما تعارضت في الصور التي في البسط والثياب

صار ذلك من قبيل المشتبهات، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه» ، الحديث.
واختلف أهل العلم في هذا الباب على حسب اختلاف الآثار في ذلك، فيتحصل فيه من اختلافهم بعد إجماعهم على تحريم ما له ظل قائم كالصور المتخذة من الصفر والحديد والخشب ونحو ذلك أربعة أقوال: أحدها: إباحة ما عدا ذلك سواء كان التصوير في جدار أو في ثوب مبسوط أو منصوب؛ والثاني: تحريم جميع ذلك؛ والثالث: تحريم ما كان من الصور في الجدار والثوب المنصوب، وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط أو المنصوب الذي يوطأ أو يتوسد؟ والرابع تحريم ما كان منها في الجدار خاصة، وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط أو المنصوب، وبالله التوفيق.

مسألة: هل للإمام في العيدين تكبير ينتهي إليه يعني في الخطبة

مسألة قال مالك: ليس للإمام في العيدين تكبير ينتهي إليه، يعني في الخطبة على المنبر.
قال محمد بن رشد: هذا على مذهبه المعلوم في كراهية الحد في مثل هذه الأمور، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم "سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".

مسألة: أهل البادية يصيبهم كسوف الشمس أعليهم صلاة الكسوف

مسألة وقال مالك في أهل البادية يصيبهم كسوف الشمس، قال: إن تطوع أحد فصلى بهم صلاة الكسوف لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد أهل البادية الذين لا تجب عليهم صلاة

الجمعة، وأما من كان منهم تجب عليه الجمعة فلا رخصة لهم في ترك الجمع في صلاة الكسوف؛ لأن صلاة الكسوف سنة لا تترك كالعيد، وكذلك قال في المدونة.

جاء وقد فاتته الصلاة يوم الجمعة والناس قعود فكبر وجلس

مسألة وقال: ومن جاء وقد فاتته الصلاة يوم الجمعة والناس قعود فكبر وجلس، قال: أرى أن يعود بتكبيرة أخرى ولا يصلي بها، فقلت له: أيسلم أم يكبر؟ قال: لا، ولكن يستأنف بتكبيرة أخرى ثم يصلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في رسم "طلق" فلا وجه لإعادتها.

مسألة: الرجل يصلي في منزله المكتوبة أيصليها بزوجته وحدها

مسألة وسئل عن الرجل يصلي في منزله المكتوبة، أيصليها بزوجته وحدها؟ قال: نعم وتكون وراءه.
قال محمد بن رشد: قوله للرجل أن يصلي بزوجته وحدها وأنها تكون وراءه صحيح مما أجمع عليه العلماء ولم يختلفوا فيه؛ لأن من سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال وخلف الإمام لا في صف واحد معه ولا معهم، واحدة كانت أو اثنتين أو جماعة.
وإنما الكلام في الرجل أو الرجلين إذا كانا مع الإمام، فأما إذا كان معه رجل واحد فإنه يقوم عن يمين الإمام على ما ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ابن عباس وغيره، ولا خلاف في ذلك إلا ما يؤثر عن سعيد بن المسيب أنه يقوم عن يسار الإمام، وأراه تأول أن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ائتم بأبي بكر إذ خرج في مرضه الذي توفي فيه وهو يصلي بالناس، كما تأول مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فيما مضى في رسم "سن".
وقد

جاء في الحديث الصحيح: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلس عن يسار أبي بكر» ، وقع ذلك في البخاري وغيره، فجعله لما كان في مرضه الذي توفي فيه ناسخا لحديث ابن عباس وغيره.
وأما إذا كان معه رجلان فالجمهور من أهل العلم على أنهما يقومان خلف الإمام على ما في حديث أنس وغيره من قوله: «فصففت أنا واليتيم من ورائه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف» وذهب طائفة من أهل العراق إلى أن الإمام يقوم وسطهما، لما روي «أن عبد الله بن مسعود صلى بعلقمة والأسود فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله قالا: ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا بيده وطبق فلما فرغنا قال هكذا فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وقال أبو يوسف: الإمام بالخيار، إن شاء فعل كما روى ابن مسعود، وإن شاء كما روى أنس، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل في رمضان يكون منزله نائيا فيأتيه الطعام فيأكله في المسجد

مسألة وسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد ويكون منزله نائيا فيأتيه من أهله الطعام فيأكله في المسجد، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" أكمل من هذه، ومضى التكلم على ما كان في معناه في رسم "سلعة سماها " وغيره فلا معنى لإعادته.

مسألة: الرجل تحضره الصلاة فيريد أن يصلي وعنان فرسه قصير لا يبلغ الأرض

مسألة وقال مالك في الرجل تحضره الصلاة فيريد أن يصلي وعنان فرسه قصير لا يبلغ الأرض، قال: أرجو أن يكون في سعة،

ولا أحب أن يتعود ذلك ويكون ذلك شأنه، فأما الرجل يفعله وهو لا يعمد لذلك فأرجو أن يكون في سعة ". قال محمد بن رشد: الذي مضى في رسم "الشجرة " من تخفيف ذلك إذا لم يجد منه بدا أحسن من هذا، فتأمل ذلك وقف عليه.

مسألة: يؤم الرجل أصحابه في السفر بغير رداء ولا عمامة

مسألة وقال: لا بأس أن يؤم الرجل أصحابه في السفر بغير رداء ولا عمامة.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إذا كان مسافرا أو صلى في داره.
ومثل ذلك في كتاب ابن حبيب.
وقد سئل عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: " إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع عليه رجل ثيابه صلى في إزار ورداء "، الحديث.
ورأى عبد الله بن عمر نافعا يصلي في خلوته في ثوب واحد فقال له: ألم أكسك ثوبين؟ قال: بلى، قال: أفكنت تخرج إلى السوق في ثوب واحد؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له.

المساجد تكون بالأفنية يدخلها الكلاب ويمشى فيها ويدخلها الدجاج

ومن كتاب أوله البز وسئل مالك عن المساجد تكون بالأفنية يدخلها الكلاب ويمشى فيها ويدخلها الدجاج، أترى أن يصلى فيها؟ قال: نعم لا أرى بذلك بأسا.

قال محمد بن رشد: يريد - والله أعلم - ما لم يكثر دخول الكلاب والدجاج فيها ومشيهم فيها، بدليل قوله في أول رسم من هذا الكتاب في الكنائس وغيره أحب إلي لموضع وطء أقدامهم ونجسهم.

مسألة: الرجل أيقرأ خلف صلواته يعني الركعتين الآخرتين بأم القرآن وحدها

مسألة وسئل مالك عن الرجل أيقرأ خلف صلواته يعني الركعتين الآخرتين بأم القرآن وحدها أم يقرأ معها؟ قال: بل بأم القرآن وحدها.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك وجميع أصحابه، وهو مذهب أهل الحجاز، وخالف في ذلك أهل العراق، فمنهم من يقول: يسبح فيهما ولا يقرأ، وروي عن علي بن أبي طالب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه كان لا يقرأ فيهما، ومنهم من أجاز التسبيح ورأى القراءة فيهما أفضل.
[وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من أجاز القراءة ورأى التسبيح فيهما أفضل] . وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي؟ ومنهم من قال إن شاء قرأ فيهما بأم القرآن وزاد منه ما كان في معنى الدعاء على ما روي عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: سمعت أبا بكر الصديق قرأ في الركعة الثالثة من المغرب بأم القرآن وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] ، الآية، وإن شاء سبح فيهما ودعا ولم يقرأ.
ولم ير مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فيهما إلا القراءة، فقال في المدونة إنه لا يعرف التسبيح فيهما، وقد قال ابن القاسم في سماع أبي زيد: لو أعلم أن أحدا لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر ما صليت خلفه.

مسألة: الرجل يكلم وهو في الصلاة فيشير بيده أو برأسه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يكلم وهو في الصلاة فيشير بيده أو برأسه، قال: لا يكثر، فأما الشيء الخفيف فأرجو أن لا يكون فيه بأس، فأما أن يطول ذلك فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: أجاز من ذلك ما خف عند الحاجة والأمر ينزل، ونجد هذا في سماع زونان عن ابن وهب لما جاء من «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد إشارة على من سلم عليه وهو يصلي» . وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتيت عائشة زوج النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء وقالت: سبحان الله! فقلت آية؟ فأشارت برأسها أي نعم.
وكره ما كثر منه لأنه ترك للخشوع في الصلاة الذي أثنى الله تعالى على من التزمه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] .

مسألة: التنحنح في الصلاة

مسألة قيل له: فالتنحنح في الصلاة؟ قال: هذا منكر لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: يريد إذا تنحنح ليسمع رجلا أو لينبهه في شيء كما يفعل كثير من الجهال بالإمام إذا أخطأ في القراءة في قيام رمضان، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه على هذه الرواية.
قال أبو بكر الأبهري: لأن التنحنح ليس له حروف هجائية تفهم، وقد «روي عن علي بن أبي طالب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال: كان لي من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدخلان، فكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح، وروي سبح» وهو أولى لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:

«من نابه في صلاته شيء فليسبح» . ولمالك في المختصر أنه إذا تنحنح ليسمع رجلا أو نفخ في موضع سجوده فذلك كالكلام تفسد به الصلاة عليه، وسيأتي في سماع موسى لمالك نحو قوله هنا.

مسألة: الذي يرمي عن القوس وعليه الأصابع والمضربة

مسألة وسئل عن الذي يرمي عن القوس وعليه الأصابع والمضربة تحضره الصلاة، أترى أن ينزعهما؟ قال: نعم، قال عبد الله بن عمر: إن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، وأرى أن ينزعهما إلا أن يكون ذلك في حرب.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تبين مسألة الخضاب التي تقدمت في رسم "شك في طوافه " على ما ذكرناه فيه.

مسألة: الذي يقول في الصلاة إذا كبر سبحانك اللهم ربنا وبحمدك

مسألة وسئل مالك عن الذي يقول في الصلاة إذا كبر سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، قال: " قد سمعت ذلك يقال وما أرى به بأسا إن أحب أحد يقوله، فقيل له الإمام يكبر قط ويقرأ، قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا التوجيه وهو التسبيح والدعاء بعد الإحرام قبل القراءة قد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمما روي عنه أنه كان يقوله في ذلك: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» . «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي إلى قوله وأنا أول المسلمين» ، أي وأنا أول المسلمين من القرن الذي بعثت فيهم؛ لأنه قد

كان قبله أنبياء ومسلمون.
وأنكر ذلك مالك في المدونة ولم ير عليه العمل.
قال في المجموعة: ولو كان ما يذكر من ذلك حقا لعرف، قد صلى النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والخلفاء بعده والأمراء من أهل العلم فما عمل به عندنا، وأجازه في هذه الروايات واستحسنه في رواية محمد بن يحيى السبائي عنه.
وقال ابن حبيب: إنه يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام وذلك حسن، وبالله التوفيق.

مسألة: الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباح

مسألة وسئل مالك عن الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباح؟ قال: نعم إن قووا على التحفظ في مسه؛ لأن أهل البيت يمسون المصباح، ويأخذون القدح والقصبة وما أشبه ذلك، فإن قووا على التحفظ منه فلا بأس به.
فقيل له: فهل ينتفع به في غيره؟ قال مالك: قد قيل لي نعال يدهنونها به كأنه تجففه.
قال ابن القاسم: وزعم لي غيره أنها تغسل بعد ذلك وإنما ذلك في دباغها.
قال محمد بن رشد: إجازته الاستصباح بزيت الفارة صحيح على أصله الذي لم يختلف فيه قوله في المدونة وغيرها من إجازة الانتفاع بالأشياء النجسة، ودليله على ذلك قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الميتة: «ألا انتفعتم بجلدها» وتابعه على قوله جميع أصحابه إلا ابن الماجشون فإنه لم يجز الانتفاع بذلك في وجه من وجوه المنافع، لحما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمر أن لا يستمتع من الميتة بإهاب ولا عصب» . وما ذهب إليه ابن القاسم فيما حكاه عمن حكى قوله أن تخفيف مالك لدهن النعال به معناه في

الدباغ لأن الغسل يأتي عليها تفسير صحيح، وينبغي أن يحمل على التفسير أيضا لإجازته في سماع أشهب من كتاب الذبائح والصيد أن يدهن به الدلاء.
وقد مضى القول في سماع أصبغ من كتاب الوضوء في إجازة غسله، وأجاز ابن وهب من أصحاب مالك بيعه، وقد مضى لمالك نحوه بدليل في أول رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة ".

مسألة: يأتي من سفر فيقيم على رأس الميل والميلين أترى أن يقصر الصلاة

مسألة وسئل مالك عن الرجل يأتي من سفر فيأتي في سعة من النهار لو أحب أن يدخل نهارا دخل، ويكره أن يدخل نهارا حتى يمسي فيقيم على رأس الميل والميلين: أترى أن يقصر الصلاة أم يتم؟ قال: بل يقصر الصلاة إلا إن كان قريبا من القرية.
فقيل له: فما حد القرب؟ قال: ما نجد في ذلك حدا، وإنما يحد في مثل هذا أهل العراق.
قال محمد بن رشد: قوله إلا أن يكون قريبا من القرية معناه فيتم وإن كان لم يصل إلى بيوت القرية وبساتينها، وإنما ذلك من أجل أنه أقام بذلك الموضع لما أراده من حاجته، ولو مشى لكان قد بلغ إلى الموضع الذي يلزمه أن يتم فيه.
وكان القياس أن يقصر حتى يدخل بيوت القرية أو يقاربها وأن لا يعتبر إقامته فيما قرب من ذلك كما لا يعتبرها فيما بعد منه.
واستحسانه أن يتم إذا كانت إقامته بالقرب من بيوت القرية كنحو استحسانه لمن أقام بمنى في رجوعه من حجه إلى مكة وهو من أهل مكة، أو ينوي الإقامة بها أن يتم على القول الذي يرى أنه يتم في طريقه من منى إلى مكة، وقد مضت هذه المسألة في رسم "شك في طوافه " ورسم "الشريكين"، فقف على ذلك.

مسألة: قيام الخطيب على المنبر في الجمعة أعلى يمينه أم على شماله

مسألة وسئل مالك عن قيام الخطيب على المنبر في الجمعة لا يطلع

على المنبر أعلى يمينه أم على شماله؟ قال: إن جل من عندنا ليقومون على يسار المنبر، ولقد كان عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وغيره ليقومون على يمينه، وأرى ذلك واسعا.
فقيل له فالعصا؟ قال ما أدركت أحدا ممن أدركته ولا ممن كان عندنا إلا وهو لا يعيبها، وإن قائلا ليقول إن فيها لشغلا عن مس اللحية والعبث، فقيل له: أيمس الرجل لحيته في الصلاة؟ قال: نعم، إن الرجل يمس لحيته في الصلاة ولكن لا يعبث.
قال محمد بن رشد: المنبر يكون على يمين المحراب فالجهة التي تليه منه هي يمينه والجهة الأخرى هي يساره، فوجه القيام على يمينه أقرب إلى المحراب وأقل في التخطي إليه إذا فرغ من الخطبة، ووجه القيام عن يساره ليعتمد بيمينه على عمود المنبر فالاختيار عندي لمن لا يمسك بيده عصى يتوكأ عليها في خطبته أن يقوم على يسار المنبر ليعتمد بيمينه على عمود، ولمن يمسك بيده عصا أن يقوم على يمينه.
وظاهر هذه الرواية أن إمساك الخطيب بيده عصا مباح، والذي مضى في آخر رسم "سلعة سماها" أن ذلك مستحب هو الصحيح؛ لأنه الماضي من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء بعده.
وإنما قال إنه لا يعبث بلحيته في الصلاة لأن ذلك ترك للخشوع فيها، وقد روي ذلك عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، على ما مضى في أول من هذا السماع.

المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا

ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك عن المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا، قال: لا يعجبني ذلك، ولو أصابه بعد أن يأتي المسجد أمر وقد جاءه صحيحا لم أر به بأسا أن يصلي جالسا.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأنه إذا قدر على الإتيان من مسكنه إلى المسجد وإن كان قريبا لا يضعف عن القيام في الصلاة، وإن ضعف عن طول القيام مع الإمام فيلزمه أن يقف معه ما أطاق، فإذا ضعف عن القيام جلس في بقية ركعته، ويفعل ذلك في كل ركعة؛ لأن القيام عليه فرض في كل ركعة، ولا يسقط عنه وهو قادر عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: الذي يكثر عليه السهو في الصلاة

مسألة وقال مالك في الذي يكثر عليه السهو أرى أن سجدتيه إنما تكونان بعد السلام، وذلك أنه يكثر عليه السهو، وإنما هو شيء يقوله إني أتخوف أن أكون قد سهوت ولا يستيقن، فلا أحب أن يزيد في صلاته شيئا على الشك ولعله لم يسه، ولو كان يستيقن لأمرته أن يجعلهما قبل السلام.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الذي يستنكح بكثرة الشك في النقصان، فلا يدري أنقص شيئا أم لم ينقص، ومثل هذا لمالك أيضا في رسم "أوصى" ورسم "إن خرجت" من سماع عيسى، يريد ولا يبني على اليقين لأنه مستنكح بكثرة السهو.
وقال ابن حبيب في الواضحة: إنه يسجد قبل السلام، واختاره الفضل.
وقد روي عن مالك أنه لا سجود عليه في نحو هذه المسألة، فقال الفضل: إنها هذه المسألة، وإن ذلك اختلاف من قول مالك، وذهب محمد بن المواز أنها ليست هذه المسألة وإنما قال مالك: إنه لا سجود عليه في الذي يكثر عليه السهو في الصلاة لا الشك فيه، فهذا لا بد له من إصلاح ما سها إذ لا يشك فيه، ثم لا سجود عليه بعد إصلاحه لكثرة سهوه، ويسجد عند فضل في هذه المسألة بعد إصلاح سهوه على ما يوقن به، وبالله التوفيق.

مسألة: مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير كيف يصلي

مسألة وسئل عن الرجل مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير، فإذا أراد أن يصلي ويحول وجهه إلى دبر البعير، قال: لا أحب له أن يصلي إلا على سير البعير الذي يسير عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن قبلته التي يصلي إليها إذا صلى على بعيره وجهته التي يصير إليها، لقول الله عز وجل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] ، فإذا صلى ووجهه إلى دبر البعير فقد صلى إلى غير قبلته في تلك الحال وإن كان وجهه تلقاء الكعبة، وبالله التوفيق.

مسألة: صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله

مسألة قال مالك: لم أزل أسمع أن صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله، ولقد بلغني أن رجالا من أهل الفضل والفقه إن كانوا لينزلون بالرجل في منزله فيقدمونه فيه لأنه منزله، ولم أزل أسمع أن صاحب الدابة أولى بصدرها من الذي يردفه، ورأيته يستحسنه.
قال محمد بن رشد: المعنى في كون صاحب المنزل أحق بالإمامة فيه من غيره هو أنه ليس لأحد أن يصلي في منزل غيره حتى يأذن له في الموضع الذي يصلي فيه منه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعتبان بن مالك: «أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه» . فإذا لم يكن لأحد أن يتقدم في منزل رجل إلى موضع الإمام منه إلا بإذنه وكان هو أحق بالصلاة في ذلك الموضع من غيره ثبت أنه أحق بالإمامة فيه، غير أنه يستحب له إذا كان

في القوم أحق بالإمامة منه أن يقدمه، وكذلك صاحب الدابة هو أولى بصدر دابته إذا أباح للرجل أن يركب معه عليها، إلا أن يأذن له في ركوب مقدمها؛ لأن الذي يركب مقدمها هو الذي يملكها وهو الذي يحكم له بها لو تداعى فيها مع الذي يركب مؤخرها، فليس لأحد أن يزيله عن هذه المرتبة إلا باختياره وبالله التوفيق.

مسألة: النوم على الوجه وهو ساجد

مسألة وسئل مالك عن النوم على الوجه وهو ساجد، قال من طال ذلك منه فليتوضأ أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدم تفصيل القول في هذه المسألة وتبيين وجوهها قبل هذا في رسم "سن " فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: أناس يحيون الليل كله

مسألة فقيل له: يا أبا عبد الله، إن ناسا يحيون الليل كله، فكره ذلك كراهة شديدة وعابه وقال: إن أحدهم لا يدري ما يقرأ وينام في الصلاة، ولعله لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب.
قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] ، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه، فأحب للرجل إذا كان يصلي من الليل فأصابه النوم أن ينام حتى يذهب عنه النوم، ولا يصلي وهو يجد ذلك.
قال ابن القاسم: رجع بعد ذلك وقال لا بأس بذلك إذا قوي عليه إذا لم يضر ذلك بصلاة الصبح.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم "طلق" فلا فائدة لإعادته.

مسألة: القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين

مسألة وسئل مالك عن القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين، فقال: لا بأس بذلك وكرهه أيضا.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة إن شاء اعتمد وإن شاء لم يعتمد، وكان لا يكره الاعتماد.
وفي رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب أنه كره ترك الاعتماد، فمرة أجاز مالك ترك الاعتماد وفعله ورأى ذلك سواء، وهو مذهبه في المدونة، ومرة استحب الاعتماد وخفف تركه، وهو الذي يدل عليه قوله في هذه الرواية، لا بأس بذلك، أي لا بأس بتركه، ومرة استحبه وكره تركه، وهو قوله في هذه الرواية: وكرهه أيضا، أي كره تركه.
وقوله في سماع أشهب أيضا وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه قد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه ثم ركبتيه» فإذا أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في سجوده لئلا يشبه البعير في بروكه وجب بدليل قوله أن يضع يديه بالأرض إذا قام لئلا يشبه البعير في قيامه، وهذا بين وإلى هذا نحا بقوله في سماع أشهب ما يطيق هذا إلا الشاب الخفيف اللحم الذي يقول هاتوا من يضع جنبي، فكأنه رأى الاعتماد من السكينة في الصلاة، والله أعلم.
وفي البخاري: " عن ابن عمر أنه كان إذا سجد وضع يديه قبل ركبتيه "، وحكى عنه ابن حبيب خلاف ذلك أنه كان إذا سجد أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم وجهه، وإذا رفع رفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه.
قال محمد بن رشد: وقد روي عن وائل بن حجر أنه قال: " رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ذلك ". قال ابن حبيب: ومن تحرى هذا فحسن، ومن

لم يطقه فلا حرج، وذلك شأن لا يطيقه إلا الشاب الصحيح الجسم الخفيف اللحم كما قال مالك، والذي ذكر عنه البخاري أحسن وأقرب إلى السكينة، والله أعلم.

القوم يتذاكرون الفقه القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه، القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة؟ قال: بل الصلاة، فقلت له: فما بين الظهر والعصر؟ قال: قيل لسعيد بن المسيب إن قوما يصلون ما بين الظهر والعصر، فقال سعيد: ليست هذه عبادة إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكير في أمر الله.
قال مالك: وإنما كانت صلاة القوم بالهاجرة والليل ولم تكن هذه صلاة القوم.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك أن العناية بالعلم أفضل من الصلاة، وهو الذي تدل عليه الآثار.
روي أن رسول الله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قال: «مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع» ، وقال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر» ، ورأى في هذه الرواية أن الصلاة في الأوقات المرغب في الصلاة فيها كالهواجر وآخر الليل أفضل من الجلوس لمذاكرة العلم فكأنه ذهب إلى أن محافظة العلماء على الصلاة في هذه الأوقات وإيثارهم لذلك على الجلوس فيها لمذاكرة العلم إجماع منهم على أن ذلك أفضل، فخصص عموم الآثار الواردة في أن طلب العلم أفضل أعمال البر بهذا الإجماع فرأى

الصلاة فيها أفضل ورأى فيما سواها الجلوس لمذاكرة العلم أفضل، لا سيما بين الظهر والعصر، لقول سعيد بن المسيب فيها ليست عبادة، أي ليست عبادة من العبادات المرغب فيها، لا أنها ليست عبادة أصلا، ولما جاء من أن عمر بن الخطاب كان إذا صلى الظهر جلس للناس يحدثهم بما يأتيه من أخبار الأجناد ويحدثونه عن أحاديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهو قول له وجه والله أعلم.
وروي عن سحنون أنه قال: يلزم أثقلهما عليه.
ووجه قوله أن الأدلة استوت عنده من ناحية السمع في الأفضل من ذلك، فرجع إلى ما يوجبه النظر مما قد قرره الشرع من أن الأجود في الأعمال يكون على قدر النصب والعناء فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: الذي يصيبه الوعك أيجمع الصلوات كلها

مسألة وسئل مالك عن الذي يصيبه الوعك، أيجمع الصلوات كلها؟ فقال: إن أصابه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر جميعا، فإن أفاق من الليل صلى المغرب والعشاء جميعا فيما بينه وبين طلوع الفجر.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الوعك الشديد الذي يشبه المغلوب على عقله فلا يقدر معه على الصلاة.
وقوله إن أصابه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر، معناه إن كان من عادته أن يصيبه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر جميعا إذا زاغت الشمس قبل أن يصيبه مخافة أن يصيبه فلا يقدر على الصلاة.
ويدل على هذا التأويل قوله في آخر المسألة: فإن أفاق من الليل صلى المغرب والعشاء جميعا فيما بينه وبين طلوع الفجر؛ لأن الذي يقدر على الصلاة مع مرضه إلا أن الجمع به أرفق لا يباح له أن يؤخر المغرب والعشاء إلى عند طلوع الفجر، ويؤمر أن يجمع بينهما عند مغيب الشفق، إلا أن هذا الذي معه عقله إن خشي مغيب الشمس ولم يصل الظهر والعصر أو طلوع الفجر ولم يصل المغرب والعشاء

يصلي كيفما أمكنه، ولا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها جملة، وستأتي هذه المسألة في آخر سماع موسى وبالله التوفيق.

مسألة: يصلي في بيته فدخلت عليه شاة فأكلت ثوبا أو عجينا أيطردها

مسألة وسئل عن الذي يصلي في بيته فدخلت عليه شاة فأكلت ثوبا أو عجينا، أيطردها ينحرف إليها؟ قال مالك: إن كان في المكتوبة فلا يفعل.
قال محمد بن رشد: قال هاهنا فلا يفعل، ووقع من قوله في سماع موسى بن معاوية فلا يقطع، ولا يؤدي ذلك إلى اختلاف.
وإنما المعنى في ذلك أنه يتمادى على صلاته ولا يشتغل فيها بطرد الشاة عن ثوبه أو عجينه إن كان طردها يسيرا لا تفسد عليه به صلاته، ولا يقطع أيضا صلاته لطردها على ذلك إن كان في طردها عنه شغل كثير تفسد عليه به صلاته.
ولم يفرق مالك في هاتين المسألتين بين أن.
يكون الذي يخشى عليه من فساد ثوبه أو عجينه ما له بال وقدر وقيمة أو ما لا بال له ولا قدر لقيمته.
وإلى الفرق بين ذلك ذهب ابن القاسم في سماع موسى عنه فقال في الرجل يخطف رداؤه وهو يصلي إنه لا بأس أن يقطع ويذهب في طلب ردائه ثم يستأنف صلاته.
وقال في الذي يخاف على الشيء من متاع البيت أن ينفسد مثل زقاق الزيت والخل يخاف عليها أن تنشق ما دل على أنه يسعه أن يسويها ويصلحها ويتمادى على صلاته، خلاف ما ذهب إليه مالك من كراهة الاشتغال في صلاته بنحو هذا، وهو أظهر عندي من قول مالك؛ لأنه إن ترك ذلك الشيء يفسد وله قدر وقيمة كثيرة وتمادى في صلاته ولم يشتغل بإصلاحه دخل عليه من اشتغال باله بتلفه وفساده ما هو أشد عليه من اشتغاله بتلافيه وإصلاحه ورفع الفساد عنه، مع ما في ذلك من إضاعة المال الذي قد نهى عنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

مسألة: القرية والثغر يكون فيه قوم يرابطون ستة أشهر أو أكثر أيجمعون الجمعة

مسألة وسئل مالك عن القرية والثغر يكون فيه قوم يرابطون ستة أشهر أو أكثر، أيجمعون الجمعة؟ قال: إن كانت قرية فيها بيوت متصلة وسوق فإني أرى لهم جمعة، وإن لم يكونوا كذلك فلا أرى لهم جمعة.
قال محمد بن رشد: يريد إن كان للقرية التي يقيم فيها المرابطون بيوت متصلة لها عدد وسوق دون القوم المرابطين بها، وجبت عليهم الجمعة، وأما إن لم يبلغوا العدد المشترط في وجوب الجمعة إلا بمن فيها من المرابطين فلا تجمع فيها الجمعة.
واختلف قول مالك في اشتراط السوق في ذلك، فمرة ذكره ومرة تركه، فليس بشرط في ذلك على أصل مذهبه.
وقد مضى نحو هذا في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة ".

مسألة: الذي يقيم الصلاة لنفسه ثم يسمع الإقامة في بعض المساجد

مسألة وسئل مالك عن الذي يقيم الصلاة لنفسه ثم يسمع الإقامة في بعض المساجد، أترى أن يقطع ويخرج لفضل الجماعة؟ قال لا أرى ذلك إن دخل في الصلاة المكتوبة أن يخرج إلى جماعة، وليتم على صلاته.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أنه لا يقطع ويتمادى على صلاته.
والوجه في ذلك أنه لما دخل في الصلاة وجب عليه إتمامها ولم ينبغ له أن يقطعها إلا لعذر، لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ، ولا عذر له في الخروج لفضل الجماعة، إذ ليس إتيانها بواجب عليه، فلا ينبغي له ترك واجب لما ليس بواجب، وبالله التوفيق.

خرج من الفسطاط وهو مقيم ثم اليوم واليومين أيتم الصلاة أم يقصر

مسألة وسئل عمن خرج من الفسطاط إلى بئر عميرة وهو مقيم ثم اليوم واليومين، مثل ما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس ويفرغوا، أيتم الصلاة أم يقصر؟ قال: بل يقصر.
قال محمد بن رشد: قد تكلمنا على هذه المسألة عندما تكلمنا على المسألة الواقعة قرب آخر رسم "حلف "، وذكرنا هناك الفرق الصحيح عندنا بين المسألتين فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.

مسألة: جمعتان في مدينة واحدة في يوم واحد

مسألة وسئل مالك عن إمام بلد نزل منها في أقصى المدينة فصلى بمكانه الجمعة واستخلف خليفة على القصبة يصلي بهم، فكان يجمع بمن حضره ويصلي خليفته بأهل المدينة فتكون جمعتان في مدينة واحدة في يوم واحد، قال مالك: لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة؛ لأنه ترك الجمعة في موضعها.
قال محمد بن رشد: الظاهر من قول مالك هاهنا أن الجمعة إنما تكون لأهل القصبة وأنه لا جمعة للإمام ولمن صلى معه في أقصى المدينة، وأن عليهم الإعادة ظهرا أربعا.
وهذا المعنى هنا أبين مما هو في المدونة، وإن كان ظاهرا فيها؛ لأنه لا يكون عنده على هذه الرواية جمعتان في مصر واحد.
وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك أن صلاتهما جميعا جائزة.
وسئل عن ذلك لشك من شك في جواز صلاة من لم يصل مع الإمام، فقال صلاتهم جائزة.
قال ابن وهب: ولم يشكوا في جمع الجمعة في موضعين، وإنما شكوا أن تكون الجمعة مع الإمام أوجب منها مع خليفته.
وقد قال يحيى بن عمر ومحمد بن عبد الحكم.
أما الأمصار العظام مثل مصر

وبغداد فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين للضرورة، وقد فعل ذلك والناس متوافرون فلم ينكروه.

مسألة: القوم يبرزون من مكة إلى ذي طوى أيقصرون بها

مسألة وسئل عن القوم يبرزون من مكة إلى ذي طوى يريدون المسير، أيقصرون بها؟ قال لا أرى ذلك، ولكن أرى لهم أن يتموا حتى يسيروا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الحج الثالث من المدونة، وزاد لأن ذا طوى عندي من مكة، فذكر العلة في ذلك وبان بذلك أن ذلك ليس بمعارض لمسألة جب عميرة التي تقدمت في هذا الرسم.

مسألة: يكونون في المسجد يوم عرفة فيكبرون ويدعون أيدخل معهم

مسألة وسئل عن القوم يكونون في المسجد يوم عرفة فيكبرون فيه ويدعون حتى لا يجد بدا من كان فيه إلا أن يدخل معهم، قال: أرى له أن يخرج حتى إذا حضر الوقت رجع فصلى.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مساجد القبائل يصلى فيها بغير أردية

ومن كتاب أوله مساجد القبائل قال: وسئل مالك عن مساجد القبائل يصلى فيها بغير أردية، فكرهه وقال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] .

قال محمد بن رشد: قد استدل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - لما ذهب إليه من كراهة ترك الرداء في الصلاة في المساجد بالآية التي تلاها.
وهو دليل ظاهر؛ لأن الرداء من الزينة، فكان الاختيار أن لا يترك في مسجد من المساجد تعلقا بالعموم والظاهر، وإن كانت الآية إنما نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فالفرض من اللباس ما يستر العورة منه، قال الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: 26] ، والاختيار منه في الصلاة في المساجد بلوغ الزينة المباحة، قال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] الآية وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل ينام بعد المغرب وبعد الصبح

مسألة وسئل مالك عن الرجل ينام بعد المغرب، قال ذلك يكره، قيل له فالنوم بعد الصبح؟ قال ما أعلم حراما.
قال الإمام: إنما كره النوم بعد المغرب؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي برزة الأسلمي أنه نهى «عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها» . والمعنى في النهي عن النوم قبل صلاة العشاء مخافة أن يغلب النائم النوم فتفوته صلاتها في الجماعة أوفي وقتها المختار، وفي النهي عن الحديث بعدها إراحة الكتاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أخبر أن القلم مرتفع عن النيام، وكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السمر إلا لمصل أو مسافر.
وقال مجاهد: لا يجوز السمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر أو مذاكر.
ووجه السؤال عن النوم بعد

الصبح ما روي عن عبيد بن عمير أن عبد الله بن الزبير قال: يا عبيد أما علمت أن الأرض عجت إلى ربها عز وجل من نومة العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم، وما روي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الصبحة تمنع بعض الرزق» ، وهو حديث يضعفه أهل الإسناد، فلم يصح عند مالك شيء من ذلك، ولذلك قال ما أعلم حراما.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: النوم ثلاثة، فنوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق، فأما نومة خرق فنومة الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نومة خلق فنومة القائلة، وأما نومة حمق فنومة حين تحضر الصلوات وقد كره بعض الناس النوم بعد العصر لما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه» . وقد عارض ذلك ما روت أسماء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل عليا في حاجة بعد أن صلى الظهر بالصهباء فرجع وقد صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العصر فوضع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم إن عبدك عليا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه شرفها قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض ثم قام علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس» . وهذا من أجل علامات النبوءة، وفيه الرتبة الجليلة لعلي بن أبي طالب، فتحفظ هذا الحديث واجب، فمن اجتنب النوم في هذه الأوقات لما جاء فيها مما يتقى منها فما أخطا، والله أعلم.

مسألة: الرجل يركع فيرفع رأسه فلا يعتدل قائما حتى يهوي إلى السجود

مسألة وسئل مالك عن الرجل يركع فيرفع رأسه فلا يعتدل قائما حتى

يهوي إلى السجود، أترى أن يعيد تلك الركعة؟ قال: لا، ولكن لا يعود.
قال ابن القاسم: وهو رأيي.
قال المؤلف: مثل هذا في رسم "التفسير" من سماع عيسى، فالاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها، وإن لم يعتدل قائما في رفعه من الركوع ولا جالسا في رفعه من السجود أعاد الصلاة، ودليله ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود» وأنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه إذا رفع رأسه من الركوع والسجود» . وهذا ليس بدليل قاطع لاحتمال أن يريد لا صلاة له متكاملة الأجر ولا تجزئ الإجزاء الذي هو أعلى مراتب الإجزاء.
واستدل أيضا بما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للذي صلى ولم يتم الركوع والسجود: «ارجع فصل فإنك لم تصل» مرة وثانية.
وهذا أيضا محتمل أن يكون إنما أمره أن يعيد ليعلمه سنة الصلاة، لا لأن الصلاة كانت فاسدة لا تجزئه، ويكون معنى قوله فإنك لم تصل، أي لم تصل الصلاة على السنة والهيئة التي ينبغي أن تصلى عليها.
وسيأتي في الرسم المذكور من سماع عيسى القول فيمن خر من ركعته ساهيا ولم يرفع رأسه أصلا إن شاء الله.

مسألة: قوم في السفر وفيهم الفقيه وذو السن والقارئ من يؤمهم

مسألة وسئل عن القوم يكونون في السفر، من ترى أن يؤمهم وفيهم

الفقيه وذو السن والقارئ؟ قال: الفقيه في رأيي أرى أن يؤمهم، وإن لذي السن حقا.
فقيل له أفرأيت الرجل يؤم عمه وهو أصغر منه؟ قال: العم والد فلا أرى أن يؤمه وإن كان العم أصغر منه.
قال ابن القاسم إلا أن يقدمه.
قال سحنون: وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثل ابن الأخ.
قال محمد بن رشد: قوله إن الفقيه أولى بالإمامة من القارئ صحيح؛ لأنه أعلم بأحكام الصلاة وما تفسد به مما لا تفسد منه، وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت له الحال الحسنة.
قيل له فأقرؤهم؟ قال: قد يقرأ من لا ترضي حاله.
هذا معنى قوله، ومعنى ما روي «يؤم القوم أقرؤهم» إن أقرأهم في ذلك الوقت كان أفقههم لأنهم كانوا يقرؤون القرآن بأحكامه من حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يؤم القوم أقرؤهم» ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا.
فإذا اجتمع الفقيه وصاحب الحديث والمقرئ والعابد وذو السن فالفقيه أولى بالإمامة، ثم المحدث، ثم المقرئ الماهر، ثم العابد، ثم ذو السن.
وإنما كان الفقيه أولى بالإمامة من المحدث وإن كان أفضل منه لأنه أعلم بأحكام الصلاة منه.
وإنما كان المحدث أولى بالإمامة من المقرئ وإن كان أفضل منه أيضا لأنه أعلم بسنن الصلاة منه.
وإنما كان المقرئ الماهر بالقراءة إذا كانت له الحال الحسنة أولى بالإمامة من العابد لأن القراءة مضمنة بالصلاة وليست العبادة مضمنة بها.
وإنما كان العابد أولى بالإمامة من ذي السن لزيادة فضله عليه لكثرة قرباته.
وإنما كان

ذو السن أحق بالإمامة ممن دونه في السن لأن أعماله تزيد بزيادة سنه فهي زيادة في الفضل، فلو كان الأحدث سنا أقدم إسلاما لكان أولى بالإمامة منه إذ لا فضيلة في مجرد السن.
ألا ترى إلى ما في الحديث من تقديم الأقدم هجرة على الأقدم سنا.
والإمامة تستوجب أيضا بأربعة أشياء سوى ما ذكرنا، وهي الأبوة، والعمومة، والإمارة، واستحقاق موضع الصلاة.
فالأب يؤم ابنه إذا كانت له الحال الحسنة وإن كان أدنى مرتبة منه في العلم والفضل، وكذلك العم أيضا يؤم ابن أخيه، قال في الرواية وإن كان دونه في السن، فإذا جعله أحق منه بالإمامة وإن كان دونه في السن مع أن الزيادة في السن زيادة في الفضل فليلزم على قياس قوله أن يكون أحق منه بالإمامة وإن كان دونه في الفضل والعلم إذا كانت له الحال الحسنة، خلاف قول سحنون.
ويلزم على قياس قول سحنون أن يكون الابن أحق بإمامة أبيه وإن كانت له الحال الحسنة إذا كان الابن أظهر حالا منه في المعرفة أو الصلاح، وذلك بعيد لحق الأب على ابنه.
وأما الأمير وصاحب المنزل فلا كلام في أنهما أحق بالإمامة إذا كانت لهما الحال الحسنة وإن كان غيرهما أعلى مرتبة منهما في العلم والفضل.

مسألة: العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة

مسألة وسئل عن العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة، أيتخلف عن الجمعة؟ قال لا، ولا عن الظهر والعصر لا يتخلف عنهما ويخرج إليهما.
ثم قال إذا كان من ينظر إليه يفتي بالجهالة جرت في الناس.
قال سحنون: وقد قال بعض الناس لا يخرج لأنه حق لها من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقال مالك: ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها.

قال محمد بن رشد: قول مالك إن العروس ليس له أن يتخلف عن الجمعة، ولا عن الصلاة في الجماعة هو الحق الذي لا وجه لسواه، إذ لا حق للزوجة عليه في منعه من شهود الجمعة والجماعة، ولا له بالمقام عندها عذر في التخلف عنهما، وإنما معنى قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «للبكر سبع وللثيب ثلاث» أن يكون معها ويبيت عندها دون سائر أزواجه إن كانت له أزواج سواها، وليس عليه أن يلزم المقام عندها ليله ونهاره فلا يخرج إلى الصلاة ولا يتصرف فيما يحتاج إليه من حوائج دنياه، ولا لها ذلك عليه إن سألته إياه، وإنما الذي لها من الحق أن يقيم عندها المدة التي وقتها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها دون غيرها من نسائه.
قيل عليه وعلى سائر أزواجه، وقيل بل على سائر أزواجه لا عليه.
وعلى هذا الاختلاف يختلف أيضا إن لم تكن له زوجة سواها، هل لها عليه حق في المقام معها والمبيت عندها المدة التي وقتها لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما جاء في الحديث أم لا؟ فعلى القول بأن ذلك حق لها عليه وعلى سائر أزواجه يكون ذلك لها، وعلى القول بأن ذلك حق لها على أزواجه لا عليه لا يكون ذلك لها، إذ الحق لها إنما هو على أزواجه إن كانت له أزواج لا عليه.
وقد قيل إن ذلك إنما هو حق له على سائر أزواجه لا حق لها، والأول أظهر.
وظاهر ما حكى سحنون عن بعض الناس أن لها من الحق عليه أن لا يخرج إلى جمعة ولا إلى غيرها، وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وغلطة غير خافية.
وقول مالك ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها، معناه عندي ما يعجبني أن يخفف للعروس ترك الصلاة كلها في الجماعة مع الناس في المسجد، وإنما الذي يعجبني أن يخفف له ترك بعضها للاشتغال بزوجه والجري إلى تأنيسها واستمالتها، وهذا فيما عدا الجمعة التي شهودها عليه فرض، وبالله التوفيق.

النبر في القرآن في الصلاة

مسألة وسئل مالك عن النبر في القرآن في الصلاة، قال إني لأكرهه وما يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالنبر إظهار الهمزة في كل موضع على الأصل، فكره ذلك في الصلاة، واستحب فيها التسهيل على رواية ورش، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم تكن من لغته الهمزة.
روي: " أنه «أتي بأسير يرعد فقال أدفوه "، يريد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدفئوه من الدفء، " فذهبوا به فقتلوه فوداه» رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عنده ". ولو أراد قتله لقال: دافوه ودَافُّوا ودَافُّوا عليه بالتثقيل.
ولهذا المعنى كان العمل جاريا بقرطبة قديما أن لا يقرأ الإمام في الصلاة بالجامع إلا برواية ورش، وإنما تغير ذلك وتركت المحافظة عليه مند زمن قريب.
ويحتمل أن يريد بالنبر في القرآن في الصلاة الترجيع الذي يحدث في الصوت معه نبر في غير موضع النبر ويحتمل أن يريد التحقيق الكثير في الهمزات إلى ما سوى ذلك مما يأخذ بعض المقرئين القرأة عليهم من الترقيق والتغليظ والروم والشم وإخفاء الحركة وإخراج جميع الحروف من حقيقة مخارجها، ولا يتأتى ذلك إلا بالعناء وتقطيع بعض الحروف؛ لأن الاشتغال بذلك في الصلاة يشغل عن تدبره وتفهم حكمه والاعتبار بعبره.

مسألة: أيهم أوجب أركعتا الفجر أم الوتر

مسألة وسئل مالك أيهم أوجب، أركعتا الفجر أم الوتر؟ قال بل الوتر بكثير.
قال مالك: إن ابن عمر لم يكن يركع ركعتي الفجر في السفر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في سماع أبي زيد، ومثل ما يقوم في المدونة أن ركعتي الفجر سنة خلاف ما في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب، وخلاف ما لأصبغ في سماع عيسى من كتاب المحاربين أنهما ليستا بسنة.
وأصل هذا الاختلاف اختلافهم في المعنى الذي من أجله تسمى النافلة سنة، إن كان لكونها مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، أو لكون الاجتماع لها والجماعة فيها مشروعين لها وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها فيقرأ معه بغيرها إذا ختمها، وربما قرأ بالسورتين والثلاث قبل أن يفرغ الإمام، قال نعم يقرأ بذلك.
قال ابن القاسم: يعني أن يقرأ إذا فرغ من السورة غيرها ولا يقيم ساكتا.
قال محمد بن رشد: هو مخير إن شاء قرأ كما قال، وإن شاء سكت، وإن شاء دعا، الأمر في ذلك كله واسع.

مسألة: الرجل إذا فاتته ركعتان أهي أول صلاته أم آخرها

مسألة وسئل مالك عن الرجل إذا فاتته ركعتان، أهي أول صلاته أم آخرها؟ فقال هي آخر صلاته، ويقضي ما فاته بأم القرآن وسورة.

قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة في رسم "الجواب "، واختلاف قول مالك فيها، وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله.

مسألة: يدخلان المسجد وتقام الصلاة فيحرم الإمام وهما يتحدثان

مسألة وسئل مالك عن الرجلين يدخلان المسجد وهما في مؤخر المسجد وتقام الصلاة وهما في مؤخر المسجد مقبلان إلى الإمام، فيحرم الإمام وهما يتحدثان، قال أرى أن يتركا الكلام إذا أحرم الإمام.
قال أبو الوليد: وهذا كما قال؛ لأن تحدثهما والإمام في الصلاة وهما في المسجد مقبلان إلى الصلاة من المكروه البين؛ لأنه لهو عما يقصدانه من الصلاة وإعراض عنه، وبالله التوفيق.

صلى الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسئل مالك عن رجل صلى في بيته الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم وظن أن عليهم ركعتين، فكبر ثم قعد فسلم الإمام، قال: يسلم وينصرف ولا أرى عليه شيئا.
قال ابن القاسم: وقد سمعته يقول لو ركع ركعتين يريد بذلك إذا كانت صلاة يصلي بعدها، وإن انصرف ولم يفعل فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنما خفف له القطع إذا لم يعقد ركعة من أجل أنه لم يدخل على نية النافلة، وإنما دخل على نية الفريضة، فلم يلزمه ما لم ينو.
وقد مضى في رسم "سلف " ما يشبه هذا المعنى.

مسألة: نسي التشهد حتى سلم الإمام وهو معه

مسألة قال مالك من نسي التشهد حتى " سلم الإمام وهو معه، قال يتشهد ويسلم ولا يدعو بعد التشهد.
قال محمد بن رشد: يريد ولا سجود سهو عليه؛ لأنه قد تشهد قبل سلامه وإن كان بعد سلام الإمام؛ لأنه لا يخرج من الصلاة بسلام الإمام حتى يسلم هو، وبالله التوفيق.

: قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل عن قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد، قال: قد كتب إلي الأمير في ذلك فأجبته أني لا أعرف هذا.
فقيل له فلا تراه؟ قال: لا.
فقيل له فإذا أمكن سجوده وركوعه فقد تم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة إنه لا يوقت في ذلك تسبيحا، وإنه إذا أمكن يديه من ركبتيه في ركوعه وجبهته من الأرض في سجوده فقد تم ركوعه وسجوده، وكان يقول: إلى هذا تمام الركوع والسجود.
وقوله: لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله إنه لا يراه، معناه لا يراه من حد السجود الذي لا يجزئ دونه لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع.
وقد روي «أنه لما نزلت في سورة الواقعة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم» . وروي عنه أنه قال: «من ركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه.
ومن سجد وقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه» . قال ابن حبيب: يريد أن ذلك أدنى التخفيف الذي ينبغي في الركوع والسجود.
وقد روي عن يحيى وعيسى بن دينار أنهما قالا: من صلى الفريضة فركع وسجد ولم يذكر الله تعالى في ذلك أعاد صلاته في الوقت وبعده، وهذا على طريق الاستحسان لا على طريق الوجوب، والله أعلم.

مسألة: قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما

مسألة وسئل مالك عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما، قال: ليس هذا بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله.
وسئل أيضا عن الدعاء عند خاتمة القرآن، فقال: لا أرى أن يدعو ولا نعلمه من عمل الناس.
وسئل عن الرجل ينصرف هو وأصحاب له فيقفون يدعون فأمر بهم، أترى أن أقف معهم؟ قال لا ولا أحب لهذا الذي يفعل هذا أن يفعله ولا يقف يدعو.
قال محمد بن رشد: الدعاء حسن، ولكنه إنما كره ابتداع القيام له عند تمام القرآن وقيام الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم واجتماعهم لذلك عند خاتمة القرآن، كنحو ما يفعل بعض الأئمة عندنا من الخطبة على الناس عند الختمة في رمضان والدعاء فيها وتأمين الناس على

دعائه، وهي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف، «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . وهذا من نحو ما مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، ورسم "صلى نهارا ثلاث ركعات "، من كراهيته للاجتماع للدعاء يوم عرفة بعد العصر في المساجد، فرحم الله مالكا فما كان أتبعه للسنة وأكرهه لمخالفة السلف.

مسألة: تنقيض الأصابع في المسجد

مسألة وسئل مالك عن تنقيض الأصابع في المسجد، قال: ما يعجبني ذلك في المسجد ولا في غير المسجد.
قال محمد بن رشد: وقع في المدونة كراهية ذلك في الصلاة خاصة، ولم يتكلم على ما سوى الصلاة، وكرهه مالك هاهنا في الصلاة وفي المسجد وفي غير المسجد؛ لأنه من فعل الفتيان وضعفة الناس الذين ليسوا على سمت حسن، وكرهه ابن القاسم في المسجد دون غيره من المواضع؛ لأنه من العبث الذي ينبغي أن لا يفعل في المساجد، وبالله التوفيق.

مسألة: تشبيك الأصابع في المسجد

مسألة وسئل عن تشبيك الأصابع في المسجد أسمعت فيه شيئا؟ قال: إنهم لا يذكرون شيئا ولا أعلم به بأسا.
وأخبرنا محمد بن خالد عن عبد الله بن نافع قال: جلس داوود بن قيس إلى مالك ومالك مشبك بين أصابعه، فأومأ داوود إلى يدي مالك ليطلقهما وقال ما هذا؟ فقال له مالك: إنما يكره هذا في الصلاة.

قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النهي عن تشبيك الأصابع في الخروج إلى المسجد للصلاة وفي المسجد وفي الصلاة.
روي عن أبي أمامة قال: لقيت كعب بن عجرة وأنا أريد الجمعة وقد شبكت بين أصابعي، ففرق بينها وقال: «إنا نهينا أن يشبك أحدنا بين أصابعه في الصلاة» ، فقلت: إني لست في صلاة، فقال: ألست قد توضأت وأنت تريد الجمعة، قال قلت: بلى، قال فأنت في صلاة.
وروي عنه أنه قال: «سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: إذا توضأ أحدكم وخرج يريد المسجد فهو في صلاة ما لم يشبك بين أصابعه» . وروي عنه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: يا كعب بن عجرة إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى الصلاة فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة» . ولم يصح عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك ولم ير بما سواه بأسا.
وإلى هذا ذهب البخاري في كتابه، فإنه بوب باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وأدخل حديث أبي موسى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه» ، وحديث أبي هريرة: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سلم من ركعتين فقام إلى خشبة معروضة في المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على يده اليسرى وشبك بين أصابعه» وذكر تمام الحديث.
فأما حديث أبي موسى فلا حجة فيه لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما فعله للمعنى الذي ذكره على التمثيل والبيان، وأما حديث أبي هريرة فالحجة لمالك فيه قائمة، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة وسئل عن الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو يقرأ الحمد لله رب العالمين؟ قال: يقول الحمد لله رب

العالمين ويقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في السورة في كل سورة إذا أراد أن يتابع سورا بعضها فوق بعض، فأما في المكتوبة فلا يفعل، وليبدأ بالحمد لله رب العالمين، ولا يقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك أنه لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة لا في أول الحمد ولا في أول السورة التي بعدها؛ لأنها ليست عنده آية من الحمد، وإنما تثبت في المصحف في أولها للاستفتاح لا لأنها منها كسائر السور، فبسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن عند مالك إلا في سورة النمل فإنه فيها بعض آية.
وذهب الشافعي إلى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من الحمد فأوجب قراءتها في الصلاة في أول الحمد.
ومن أهل العلم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد، وهو مذهب محمد بن مسلمة من أصحاب مالك.
ومنهم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد سرا، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال: أحدهما إيجاب قراءتها، وهو مذهب الشافعي ومن تبعه؛ والثاني كراهة قراءتها، وهو من مذهب مالك، والثالث استحباب قراءتها، وهو مذهب محمد بن مسلمة؛ والرابع الإسرار بقراءتها.
فوجه كراهة قراءتها لئلا يظنها الجاهل من الحمد فيراها واجبة؛ ولأن ترك قراءتها هو المروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء بعده.
وروي عنهم أنهم كانوا يفتتحون القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
ووجه استحباب قراءتها مراعاة قول من يراها آية من الحمد فتكون الصلاة مجزية تامة بإجماع.
ووجه من رأى الإسرار بها مخافة أن يظن أنها من الحمد وأن قراءتها واجبة.
وأما قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في النافلة فلمالك في ذلك في الحمد قولان: أحدها أنه لا يقرأ فيها، والثاني أنه يقرؤه فيها.
والقولان قائمان من هذه الرواية.
وله في ذلك فيما عدا الحمد من السور ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقرؤه في كل سورة، وهو قوله في هذه الرواية.

والثاني: لا يقرؤه في شيء منها إلا أن يكون رجلا يقرأ القرآن عرضا يريد بذلك عرضه في صلاته، وهو رواية أشهب عنه في رسم "الصلاة" الثاني.
والثالث: أنه مخير إن شاء قرأه وإن شاء تركه، وهو قوله في المدونة.

مسألة: الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم

مسألة وسئل عن الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم إذا سلم واحدة أو ينتظر حتى يسلم تسليمتين؟ قال إن كان ممن يسلم تسليمتين انتظره حتى يفرغ من سلامه كله ثم يقوم.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم آخر رسم "شك في طوافه " نحو هذه المسألة والقول عليه بما بين معنى هذه، وبالله التوفيق.

مسألة: البيع يوم الجمعة

مسألة وسئل مالك عن البيع يوم الجمعة، هل يمنع الناس من ذلك؟ قال: لا أنكره، فقلت له فإذا أذن المؤذن؟ قال: نعم أرى أن يمنعوا.
قيل له فأي الأذان هو؟ قال: الذي يكون عند قعود الإمام، ويمنع من ذلك كل من تجب عليه الجمعة ومن لا تجب عليه.
قال محمد بن رشد: السنة في الآذان يوم الجمعة أن يكون بعد قعود الإمام على المنبر، وقوله إن الأذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر هو الآذان الذي يعتبر به في منع الناس من البيع، إنما يعني أنه إذا أحدث الإمام قبل ذلك أذانا مثل الأذان الذي زاده عثمان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، في الزوراء عند أول الزوال على ما ذكرناه في آخر رسم "سلعة سماها" لم يعتبر به في ذلك، وقد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول رسم "حلف بطلاق امرأته " فلا معنى لإعادته.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
السهو قبل السلامالناس ينصرفون من منى فيدركهم الوقت ويخافوا ذهابه قبل بلوغ مكةمسألة: الرجل يكبر في النافلة فتقام الصلاةالدبيب في الركوع إذا كان على قدر صفين أو ثلاثةمسألة: الصور التي في الرقوم مثل الوسائد يتخذها الرجلمسألة: هل للإمام في العيدين تكبير ينتهي إليه يعني في الخطبةمسألة: أهل البادية يصيبهم كسوف الشمس أعليهم صلاة الكسوفجاء وقد فاتته الصلاة يوم الجمعة والناس قعود فكبر وجلسمسألة: الرجل يصلي في منزله المكتوبة أيصليها بزوجته وحدهامسألة: الرجل في رمضان يكون منزله نائيا فيأتيه الطعام فيأكله في المسجدمسألة: الرجل تحضره الصلاة فيريد أن يصلي وعنان فرسه قصير لا يبلغ الأرضمسألة: يؤم الرجل أصحابه في السفر بغير رداء ولا عمامةالمساجد تكون بالأفنية يدخلها الكلاب ويمشى فيها ويدخلها الدجاجمسألة: الرجل أيقرأ خلف صلواته يعني الركعتين الآخرتين بأم القرآن وحدهامسألة: الرجل يكلم وهو في الصلاة فيشير بيده أو برأسهمسألة: التنحنح في الصلاةمسألة: الذي يرمي عن القوس وعليه الأصابع والمضربةمسألة: الذي يقول في الصلاة إذا كبر سبحانك اللهم ربنا وبحمدكمسألة: الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباحمسألة: يأتي من سفر فيقيم على رأس الميل والميلين أترى أن يقصر الصلاةمسألة: قيام الخطيب على المنبر في الجمعة أعلى يمينه أم على شمالهالمريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسامسألة: الذي يكثر عليه السهو في الصلاةمسألة: مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير كيف يصليمسألة: صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزلهمسألة: النوم على الوجه وهو ساجدمسألة: أناس يحيون الليل كلهمسألة: القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدينالقوم يتذاكرون الفقه القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاةمسألة: الذي يصيبه الوعك أيجمع الصلوات كلهامسألة: يصلي في بيته فدخلت عليه شاة فأكلت ثوبا أو عجينا أيطردهامسألة: القرية والثغر يكون فيه قوم يرابطون ستة أشهر أو أكثر أيجمعون الجمعةمسألة: الذي يقيم الصلاة لنفسه ثم يسمع الإقامة في بعض المساجدخرج من الفسطاط وهو مقيم ثم اليوم واليومين أيتم الصلاة أم يقصرمسألة: جمعتان في مدينة واحدة في يوم واحدمسألة: القوم يبرزون من مكة إلى ذي طوى أيقصرون بهامسألة: يكونون في المسجد يوم عرفة فيكبرون ويدعون أيدخل معهممساجد القبائل يصلى فيها بغير أرديةمسألة: الرجل ينام بعد المغرب وبعد الصبحمسألة: الرجل يركع فيرفع رأسه فلا يعتدل قائما حتى يهوي إلى السجودمسألة: قوم في السفر وفيهم الفقيه وذو السن والقارئ من يؤمهممسألة: العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعةالنبر في القرآن في الصلاةمسألة: أيهم أوجب أركعتا الفجر أم الوترمسألة: الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأهامسألة: الرجل إذا فاتته ركعتان أهي أول صلاته أم آخرهامسألة: يدخلان المسجد وتقام الصلاة فيحرم الإمام وهما يتحدثانصلى الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهممسألة: نسي التشهد حتى سلم الإمام وهو معه: قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهدمسألة: قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائمامسألة: تنقيض الأصابع في المسجدمسألة: تشبيك الأصابع في المسجدمسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بسم الله الرحمن الرحيممسألة: الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوممسألة: البيع يوم الجمعة
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل