كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
العشرة لابن القاسم وأشهب، يرى أنه يعتق منه كما حمل المال الحاضر معجلا، ولا ينتظر المال الغائب، وإن قرب أمره، فكلما حضر منه شيء زيد في عتقه بقدر ثلثه.
والقول بالتوفيق حتى يجتمع المال أقيس؛ لأنه إذا أعتق ثلثه ومبلغ ثلث المال الحاضر، فقد أخذ أكثر من ثلثه؛ لأنه أخذ ثلث المال الحاضر، وصار باقي العبد موقفا على الورثة، وبالله التوفيق.
مسألة: توفي وأوصى لرجل بخمسين دينارا له عليه وترك مالا ناضا والثلث ثلاثون
مسألة قال ابن القاسم في رجل توفي وأوصى لرجل بخمسين دينارا له عليه، وترك مالا ناضا، والثلث ثلاثون، فقال الورثة: نحن نقطع له بالثلث فيما عليه من الدين.
قال ابن القاسم: ذلك لهم، إلا أن يكون على الموصى له دين، فإن كان عليه دين، خير الورثة بين أن يجيزوا ما أوصى له به، فإن فعلوا فليس للموصى له إلا ذلك، وإن أبوا قطعوا له بالثلث، مما عليه، وثلث الناض؛ لأن الغرماء يدخلون فيه يحاصونه، ويدخل معهم الورثة فيما بقي لهم عليه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة: إن للورثة أن يعطوا للموصى له بالخمسين، التي عليه بالثلاثين، التي عن الثلث، إلا أن يكون عليه دين، ظاهره وإن كان معدما بالخمسين إذا لم يكن عليه دين، وذلك معارض لقوله في أول مسألة من الرسم في الذي أوصى لرجل باثني عشر دينارا له عليه، وهو معدم: إنه يحاص بقيمته لا بعدده، وعلى خلاف أصله فيها؛ لأنه حكم فيها للدين على المعدم، بحكم العرض، فالذي يأتي على قياس قوله هذا في هذه المسألة أن يكون الورثة بالخيار، بين أن يجيزوا له الوصية بالخمسين ويقطعوا له بالثلث.
مسألة: أوصى بعتق غلام لولد له صغار
مسألة وعن رجل أوصى بعتق غلام لولد له صغار؛ أنه إن كان له مال جاز عتقه عنه بالقيمة في ثلثه، وأعطى ولده القيمة، فإن لم يكن له مال، لم يجز عتقه.
قال ابن القاسم: وإنه إن سمى له ثمنا يشتري به من ولده، لم يجز من ذلك إلا القيمة أيضا، ولم يكن ينظر إلى ما سمى.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم الكبش من سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات؛ أن الوالد إذا أوصى بعتاقة عبد ابنه الصغير، أو بتل عتقه؛ جاز ذلك على الابن، إذا كان للأب مال، وأعطى الولد قيمة عبده، ولا أحفظه في هذا اختلافا من قول ابن القاسم؛ لأن الوصية بعتق عبد ابنه الصغير كعتقه سواء، إن حمله الثلث جاز، وكانت له قيمته في مال الأب، وكذلك ما حمل الثلث منه، وإن لم يحمل جميعه.
وقوله: إنه إن سمى له ثمنا يشترى له به من ولده، لم يجز من ذلك إلا القيمة أيضا صحيح بين؛ لأنه إذا سمى أكثر من قيمته كان الزائد على قيمته وصية له، والوصية للوارث لا تجوز، وإن سمى أقل من قيمته، لم يكن ذلك له؛ إذ ليس للأب أن يأخذ مال ابنه الصغير.
وقد مضى في رسم استأذن، من سماع عيسى، من كتاب الصدقات والهبات حكم صنيع الأب في مال ابنه الصغير من عتق أو هبة أو صدقة أو تزويج مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تحضره الوفاة فيقول خذ من عبدي فلانا مائة دينار ثم هو حر
مسألة وعن الرجل تحضره الوفاة فيقول للرجل: خذ من عبدي فلانا مائة دينار، ثم هو حر، أتنجم عليه؟ قال: لا أرى أن تنجم عليه، ولكن تؤخذ منه جميعا، إلا أن يكون أمر أن تنجم عليه.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إذا قال خذوا من عبدي كذا وكذا وهو حر؛ أنها لا تنجم عليه، وفي العتق الثاني من المدونة إذا قال لأمته: أدي إلى ورثتي ألف دينار وأنت حرة؛ أنها تنجم عليها، كما تنجم الكتابة، فقيل: إن ذلك اختلاف من القول، وقيل: إنه فرق بين اللفظين وهو الأولى من التأويلين، وإنما ينفذ ذلك من وصيته إذا حمل العبد الثلث، فإن لم يحمله الثلث، فالورثة مخيرون، بين أن يجيزوا له الوصية، أو يعتقوا منه ما حمل الثلث بتلا، ويقر ماله بيده، ولم يتكلم في الرواية هل يلزم العبد ذلك ويجبر عليه إن أباه أم لا؟ ويتخرج ذلك على الاختلاف في هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة أم لا؟ والقولان قائمان من المدونة ولو أوصى أن يؤخذ مال عبده ويعتق، لزمه ذلك إن حمله الثلث دون ماله، وبالله التوفيق.
: قال أعتقوا عبدي في ثلثي أو ما حمل الثلث منهما
ومن كتاب أوله يدير ماله قال: ومن قال: أعتقوا عبدي في ثلثي، أو ما حمل الثلث منهما، فذلك كله سواء، يسهم بينهما، فيبدأ من خرج سهمه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إنه إذا أوصى بعتق عبده، فلا فرق بين أن يقول أو ما حمل الثلث منهما، أو يسكت عن ذلك؛ لأنه المعلوم من قصده وإرادته؛ إذ ليس له سواه لو قال: أعتقوهما، حملهما الثلث، أو لم يحملهما لم ينفذ له ذلك له على الورثة، إلا أن يشاءوا، فإذا لم حملهما الثلث، فإنه يعتق منهما ما حمله الثلث بالقرعة، كان أحدهما كاملا أو أحدهما وبعض الآخر، أو بعض أحدهما.
وابن كنانة يقول: إنما يسهم بينهما إذا لم يقل: أو ما حمل الثلث منهما، وأما إذا قال: أعتقوهما في ثلثي أو ما حمل الثلث منهما، فقد أراد بقوله: أو ما حمل الثلث منهما لا يحيطهما
جميعا العتق، فهما يتحاصان في ثلث ماله.
ولقوله وجه.
وقول ابن القاسم أظهر.
: رجل يموت عن الزرع حين ينبت وقد أوصى بوصايا
ومن كتاب الجواب وسألته عن رجل يموت عن الزرع حين ينبت، وقد أوصى بوصايا، وضاق الثلث عنها، هل لأهل الوصايا في الزرع شيء؟ وكيف إن كان لهم في الزرع شيء؟ هل يوقف الرقيق إلى استحصاد الزرع؟ قال ابن القاسم: نعم، وصاياهم في الزرع، وفي كل ما ترك الميت من ثمرة صغيرة أو زرع صغير، فإن كانت الوصايا، إنما هي وصايا مال لم يوقف الرقيق ويبعث، وكان لأهل الوصايا ثلث ما نص، واستوفي بالزرع حتى يصلح، فيباع، فيكون لهم ثلثه، وإن كان في الوصايا عتق، أو أوصى ببعض الرقيق لأحد لم يبع الدين أوصى فيهم، ووفقوا حتى يحل بيع الزرع، فيباع، ولم يقسم شيء من المال، لا ثلث ولا غيره، حتى يستحصد الزرع فيباع، إلا أن يخير الورثة الوصايا بذلك، فيقتسمون بقية المال، ويوقفون الزرع حتى يحل بيعه فيبيعونه، وإن أوصى بعتق الرقيق كلهم لم يعتق منهم أحد حتى يحل بيع الزرع ويباع ويعتق منهم ما حمل الثلث، ويرق ما بقي فيباع.
وفي سماع أصبغ، من كتاب الوصايا، عن ابن القاسم مثله.
وقاله أصبغ، إلا أن يطول أمر الزرع، ويكون ذلك في أول بذره، وازدراعه، ويتأخر حصاده وبلوغه الأشهر الكثيرة، وفي ذلك عطب الحيوان، والضرر على العبيد، فأرى أن يترك الزرع كالمال الغائب الذي لا يجمع بفور ذلك، فأرى أن يعتق منه ما
حمل الثلث معجلا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الوصايا في الزرع في كل ما ترك الميت من ثمرة صغيرة أو زرع صغير، وإن الوصايا إن كانت وصايا ما لم يوقف الرقيق وبيعت، وكان لأهل الوصايا ثلث ما نص، واستوفي بالزرع حتى يصلح فيباع، فيكون لهم ثلثه، بين لا إشكال فيه.
وأما قوله: وإن كان في الوصايا عتق، وأوصى ببعض الرقيق لأحد، لم يبع الذين أوصى فيهم، ووقفوا حتى يحل بيع الزرع فيباع؛ فمعناه في الذي أوصى ببعض الرقيق لأحد، إذا دعاه الذي أوصى له بهم إلى توقيفهم حتى يصلح الزرع فيباع.
وأما إن دعا إلى بيعهم، وأخذ ما حمل ثلث المال الحاضر منهم، فلا اختلاف في أن ذلك له، بخلاف الوصية بعتق الرقيق، فقال في هذه الرواية: إنهم يوقفون حتى يحل بيع الزرع، ولا اختلاف في ذلك عندي، وإن دعا العبيد إلى أن يعتق منهم ما حمل الحاضر، ويوقف الباقي إلى أن يحضر، ورضي بذلك الورثة من أجل الغرر في تكرير القرعة فيهم مرة بعد أخرى، وإن كان عبدا واحدا، فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أنه يوقف ولا يعتق منه شيء حتى يحضر المال الغائب، قال ابن القاسم: وإن دعا العبد إلى أن يعتق منه ما حمل الثلث منه من المال الحاضر مخافة أن يتلف، فإن جاء المال الغائب استتم عتقه فيه، أو زيد في عتقه بمقدار ما بلغ ثلثه، لم يكن ذلك له، يريد: إلا برضا الورثة؛ لأن الميت يكون إذا فعل ذلك، قد أخذ أكثر من ثلث المال الحاضر؛ لأنه يعتق ثلثه فيه، ويوقف باقيه، وأشهب يرى أن يعتق منه مبلغ الحاضر، يوقف باقي العبد، فكلما حضر شيء من الغائب زيد في عتقه، ولو لم يكن إلا العبد وحده عتق ثلثه ووقف باقيه.
وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الحجة في ذلك للورثة بينة.
وقول أصبغ: إلا أن يكون
ذلك في أول ازدراع الزرع، فيطول الأمر، ويخاف في ذلك الضرر على العبيد بعطب الحيوان وما أشبه ذلك؛ مفسر لقول ابن القاسم؛ إذ هو نص قوله في المدونة: إلا أن يكون في ذلك ضرر على الموصي والموصى له، ومثله أيضا في التفسير لابن القاسم؛ أنه إن كانت الديون بعيدة الآجال، والمال الغائب في بلد بعيد، لا يصل إلا بعد طول زمان، فإنه يعتق منه ثلث ما فضل، فإذا جاء المال الغائب، أو حل أجل المؤجل فاقتضى، أعتق منه مبلغ ثلث جميع ذلك.
وقد وقع في رسم جاع فباع امرأته، من سماع عيسى، من كتاب المدبر؛ أن الدين إذا كان إلى الأجل البعيد؛ العشرة الأعوام ونحوها، أنه يباع بعرض إن كان عينا، أو بعين إن كان عرضا، ويعتق المدبر في ثلثه أو ما حمل الثلث منه، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عز وجل.
مسألة: يعتق عند الموت أو يكون له مدبرون فيموت
مسألة وسألته عن الرجل يعتق عند الموت، أو يكون له مدبرون فيموت، فيقول الورثة: قوموا علينا ما ترك الميت من عقار أو غير ذلك، ولا تبيعوا علينا، ويقول المدبرون وأهل الوصايا: بل نبيع، كأن البيع أزيد لنا في الثلث من القيمة.
قال ابن القاسم: ذلك للمدبر وأهل الوصايا يباع لهم إذا طلبوا البيع وسخطوا القيمة، وإن دعا الورثة إلى البيع وكرهوا القيمة، فذلك لهم الذي لا شك فيه، ولا كلام فيمن دعا إلى البيع فهو أولى، أصحاب الثلث كانوا أو الورثة.
وأما الورثة فيما بينهم إذا ورثوا ميراثا، ثم طلب بعضهم البيع، وكره بعضهم، فإنهم إن كان فيما ورثوا ما ينقسم، قسم بينهم، وما كان مما لا ينقسم، بيع لمن طلب ذلك منهم، إلا أن يقاومه صاحبه، أو يأخذه بما يعطى به بمنزلة الشريك بالاشتراء سواء، ومن كتاب
الوصايا من رواية أصبغ مثله عن ابن القاسم، وقاله أصبغ في التقويم يأباه المدبر وأهل الوصايا.
قال: لا أرى ذلك، إذا أقاموا ذلك قيمة عدل على قيمة الاشتراء والبيع، فهو إنصاف، وليس على الموصي أن تبيع لهم الأسواق، ولا على الورثة الزيادة الخاصة، وأنهم يعرضون عرضا لا ينفذ ولا يتمم، فالقيمة في جميع ذلك عدل لهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم الوصايا، من سماع أشهب، وبينا أنه يتحصل فيها خمسة أقوال، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يكون له مدبرون ويعتق عند الموت
مسألة وسألته عن الرجل يكون له مدبرون، ويعتق عند الموت، ويقول في جنان له، أو في شيء من ماله لورثته: امضوا هذا لابني فلان، أو لابنتي فلانة، وهما وارثان فيفعلون، والثلث يضيق عن العتق والوصايا، من أين يكون الجنان، والذي سمى للوارث، أمن سهام الذين أمضوا أم من رأس المال أم من الثلث؟ قال ابن القاسم: إن كانت الجنان، والذي سمى شيء زعم أنه لابنه عنده أو في يديه، أو دينا لهما عليه بدى به، وخرج من رأس المال، ثم كانت الوصايا في ثلث ما بقي بعده، ثم رد ذلك، بين الورثة جميعا ميراثا للتهمة في الوصية لوارث، إلا أن يجيزه له الورثة، أو يكونوا صغارا أو سفهاء غير جائزي الأمر، أو مثل الزوجات والبنات، ومن هو تحت يده وفي ولايته، فإن ذلك لا يجوز، وإن كانوا كبارا مالكين أنفسهم، فأجازوه في حياة الميت، فلا مرجوع لهم فيه إذا كانوا مالكين لأنفسهم باثنين عنه، والدين إذا أقر به في مرضه، فهو
من رأس المال قبل كل شيء، كان لوارث أو لغير وارث؛ لأنه إنما أراد أن تكون الوصايا في ثلث ما بعده، وإن كان إنما هي وصية أوصى له بها في مسألتك، فهو من الثلث، والعتق مبدأ عليه وعلى غيره من الوصايا، ثم يتحاص هو وأهل الوصايا في بقية الثلث بعد العتق، فإن كان الورثة قد أجازوا ذلك كله، وأمضوه في حياة الموصي، كان عليهم تمامه من مواريثهم، كما أجازوا، وأسلم له كله إذا كانوا مالكين لأمورهم، ولم يكن الذين أجازوا بحال ما وصفت لك من الزوجات والبنات، ومن هو في ولايته وتحت يده، وإن لم يكونوا أجازوا ذلك له، ولا أمضوه في حياة الموصي ولا بعد ذلك، فما صار للوارث الموصى له في المحاصة من الثلث، فهو مردود عليهم على الفرائض، إلا أن يشاءوا أن يسلموا ذلك له، ومن شاء منهم أجازه، ومن شاء لم يجزه، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: سأله عن الذي يكون له مدبرون، ويعتق عند الموت، يريد على سبيل الوصية، ويقول في جنان أو في شيء من ماله لورثته: امضوا هذا لابني، فيفعلون، يريد في حياته، بأن يقولوا له: قد أمضيناه له، بدليل قوله: إنه لا يلزمهم إمضاء ذلك إن كانوا صغارا أو سفهاء، أو مثل الزوجات والبنات اللاتي لم يبن عنه؛ إذ لو أمضوا ذلك له بعد موته، للزمهم إذا كانوا مالكين لأمرهم، وإن كانوا بناته وزوجاته لم يبينوا عنه، فقال: إنه إن كان قال في الجنان وما أشبهه أن يمضوه لابنه على سبيل الإقرار له به؛ أنه حقه، أخرج ذلك من رأس المال، وكانت الوصايا والعتق في ثلث ما بقي بعده، ولم يتكلم على المدبرين، والحكم فيهم إن كانوا مدبرين في الصحة أن يخرجوا من رأس المال قبل الجنان الذي أوصى به في مرضه على سبيل الإقرار له به أنه حقه؛ إذ ليس له أن يرجع على المدبر، وكذلك روى عن ابن القاسم فيمن مرض، وله مدبر في الصحة، فقال في
مرضه: قد كنت أعتقت عبدي فلانا في صحتي لعبد له آخر؛ أنه يعتق المدبر في ثمن العبد وغيره، ولا يضر المدبر ما ذكر من عتق العبد في الصحة قال: وليس المدبر هنا بمنزلة الوصايا التي تكون في ثلث ما بقي بعد الغلام؛ لأنه يتهم على المدبر في انتقاصه، فلا يقبل قوله.
فكذلك، كل من يقدر يرجع فيه فهو مثل المدبر.
قال محمد بن رشد: والذي هو مثل المدبر في الصحة؛ أنه لا يجوز له أن يرجع فيه المدبر في المرض باتفاق، والمبتل في المرض على اختلاف؛ إذ قد نص في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم، من كتاب الحبس؛ أن للرجل أن يرجع في مرضه عما حبسه في مرضه، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك.
وقوله في الرواية: وإن كان إنما هي وصية أوصى له بها في مسألتك إلى آخر قوله، إشارة منه إلى قوله في الجنان وما أشبهه من ماله أمضوه لابني؛ أنه إن كان قال ذلك على سبيل الوصية، كان الحكم فيه ما ذكره من أنه يتحاص هو وأهل الوصايا في بقية الثلث بعد العتق، وأما قوله: فإن كان الورثة قد أجازوا ذلك كله وأمضوه في حياة الموصي، كان عليهم تمامه من مواريثهم كما أجازوا، وأسلم له كله.
فمعنى ذلك عندي، إذا كان قد أعلمهم بالوصايا، فقال لهم: إني قد أوصيت بكذا وكذا، وأوصيت بالجنان لابني، فأمضوه له، فقالوا له: قد أمضيناه له، وهم على تلك الحال من ملكهم لأمر أنفسهم، والبينونة بها، وأما إن لم يعلمهم بالوصايا، وإنما سألهم أن يمضوا الجنان لابنه على سبيل العطية والوصية، ففعلوا، فليس عليهم ضمان ما انتقصه منه أهل الوصايا؛ لأن ذلك كالاستحقاق لبعض ما أوصى له به، فلا يلزم الورثة ضمانه على ما قاله في كتاب الزكاة الثاني من المدونة، في الذي يوصي بزكاة زرعه، وهو أخضر؛ أن
للمصدق أن يأخذ منه الزكاة إن كان فيه ما تجب فيه الزكاة، ولا يكون للمساكين الرجوع على الورثة بما أخذه المصدق؛ لأن ذلك كالاستحقاق لبعض ما أوصى لهم، وبالله التوفيق.
: يوصي للرجل بعشرة ولآخر بعشرة ويوصي بعتق عبد له آخر
ومن كتاب إن أمكنتني وسألت ابن القاسم عن الذي يوصي للرجل بعشرة، ولآخر بعشرة، ويوصي بعتق عبد له آخر، أو يوصي بالعبد لرجل، ويوصي لرجل ببقية الثلث، فيموت العبد قبل أن يعرف ثلث الميت، قال: ينظر كم ثلث الميت بقيمة العبد؟ فإن كان ثلثه مثل قيمة العبد، والعشرون وصيه للرجلين هو الثلث، لم تزد ولم تنقص، أخذ الرجلان وصيتهما العشرين، ولم يكن للذي أوصى له ببقية الثلث شيء، وإن فضل من الثلث شيء بعد قيمة الغلام الهالك، وبعد العشرين، كان للذي أوصى له، ولم يكن ثلثه إلا قيمة العبد سواء رجع صاحبا العشرين إلى ثلث المال الذي بقي بعد قيمة العبد، فأخذا منه وصيتهما إن حملها الثلث، أو ما حمل منها، وكان العبد كشيء لم يكن له في مال، ولم يكن للذي أوصى له ببقية الثلث شيء، فعلى هذا فقس ما يرد عليك من هذا الوجه، فليس تنظر في قيمة العبد الهالك للذي أوصى له ببقية الثلث، ليعلم بذلك مبلغ وصيته، كأن وصيته إنما كانت بعد العبد، ولو لم يوص ببقية الثلث؛ لكان العبد ملغى من جميع المال، وردت الوصايا في ثلث المال.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى على ما تقدم في رسم أسلم وغيره، فلا اختلاف فيها.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز في وجه العمل فيها: أن يأخذ أهل التسمية ما سمي لهم من ثلث ما بقي بعد العبد، كأنه لم يكن، ثم يحيي العبد الميت بالذكر، فتضم قيمته إلى ما ترك الميت، ثم يخرج من ثلث الجميع العبد والوصايا، فإن بقي بعد ذلك من الثلث شيء، كان لصاحبه باقي الثلث، وإلا فلا شيء له، وهو صحيح على ما قاله ابن القاسم في الرواية، وبالله التوفيق.
: أوصى في أمة له أن تباع إن أحبت البيع
ومن كتاب القطعان وسئل ابن القاسم عن رجل أوصى في أمة له أن تباع إن أحبت البيع، أو تعتق إن أحبت العتق، فاختارت البيع، فبيعت ثم ردت، فقالت: أنا أحب أن أعتق الآن.
فقال: ليس ذلك لها، وإنما لها أن تعتق ما لم تبع.
وقال ابن وهب: ذلك لها ينفذ.
قال أبو زيد: قلت لابن القاسم: فإن أرادت البيع، هل يوضع لمن أحبت أن يشتريها شيء من ثمنها إذا أرادت البيع؟ قال: لا، ولا درهم واحد.
قال محمد بن رشد: قوله: ثم ردت، معناه: ردت بعيب، فجواب ابن القاسم: إن الرد بالعيب ابتداء بيع، وجواب ابن وهب على أنه نقض بيع، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب، فالمشهور من قول ابن القاسم في المدونة وغيرها أنه ابتداء بيع، وقد روي عنه أنه نقض بيع، فجوابه في هذه المسألة على المشهور عنه من أنه ابتداء بيع، وقد اختلف في ذلك قول أشهب، فجواب ابن وهب في هذه المسألة على المشهور من قول أشهب، وأحد قولي ابن القاسم، من أنه نقض بيع، ولو
بدا لها قبل البيع فاختارت العتق؛ لكان ذلك عندهما جميعا، بدليل هذه الرواية، وهو نص قول ابن القاسم في أول سماع سحنون، وفي أول سماع أصبغ أيضا، وزاد فيه، وأرى ألا يعجل بيعها حتى يردد عليها مرة بعد مرة، فإن أبت بيعت، وإن قبلت بعد أن كرهت، فذلك لها، ما لم يمض فيها حكم بيع أو قسمة بعد أن ردد الأمر عليها ولم تقبل، ورضيت بالبيع فبيعت أو قسمت، وأما قوله في الرواية: إنه لا يوضع لمن أحب أن يشتريها شيء من ثمنها، فهو صحيح لا اختلاف فيه؛ إذ لم يوص أن تباع من رجل بعينه، فيكون ذلك وصية له، ولا ممن أحبت، فتكون وصية لمن أحبت أن تباع منه، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى عند موته فكلم في رجل فقال قد أوصيت له
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل أوصى عند موته، فكلم في رجل، فقال: قد أوصيت له، أو قال: قد كنت أوصيت له كذا وكذا.
هل يثبت ذلك له، وإن لم يقل: فأعطوه؟ قال: نعم؛ لأنها وصية.
قال محمد بن رشد: أما إذا قال: قد أوصيت له فبين أنها وصية، وإن لم يقل أعطوه؛ لأنه لو قال ذلك ابتداء من غير أن يكلم فيه؛ لكانت وصية، وإن لم يقل أعطوه؛ لأنه مفهوم من قوله، وإن لم يلفظ به، وأما إذا قال: كنت أوصيت له بكذا وكذا، فإنما رآها وصية له، لما دل عليه من تكليمهم إياه فيه؛ لأن المعنى فيه؛ أني قد كنت أوصيت له قبل أن تكلموني فيه، لاهتمامي بأمره، ولو قال ابتداء: قد كنت أوصيت لفلان بكذا وكذا لما كانت وصية له؛ لأن المفهوم من قوله ذلك ابتداء: قد كنت فعلته، وأنا اليوم لا أفعله، وبالله التوفيق.
: يقول اشتروا عبد فلان بستين دينارا فأعتقوه
ومن كتاب أوله باع شاة واستثنى جلدها وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول: اشتروا عبد فلان، بستين دينارا، فأعتقوه وأعطوا العبد عشرين دينارا، فلا يريد سيده أن يبعه
بأدنى من ثمانين، فيقول العبد: اجعلوا العشرين التي أوصى لي بها سيدي في ثمني، واشتروني وأعتقوني، قال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك أن يزاد العشرين؛ لأن سيده لم يرد أن يكون في ثمنه، ولعله إنما أراد أن يكفيه ويعالج بها، ولا يكون عديما يسأل الناس، ولكن لو أن العبد أداها من مال هو بيده، لم أر به بأسا قال: ولو وقع أمضيته، ولم أرده، ولم يكن للعبد حجة يرجع بها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ماله من أن ذلك لا ينبغي أن يفعل ابتداء للعلة التي ذكرها مما يخشى أن يكون السيد أراده، فإذا وقع ذلك ونفذ العتق، لم يصح أن يرد؛ إذ لا يتحقق إرادة الموصي لذلك تحققا يصرح أن يجعل ذلك كالشرط، ولعل للعبد المال الكثير، أو إنما يعيش من صنعة له يحاولها بيده، ولو لم يقبل العبد العشرين، لوجب أن يرد إلى الورثة، ولم يكن ذلك مما يمنعه العتق، فكذلك إذا رضي أن يجعل في ثمنه، ففعل ذلك، ونفذ العتق له لم يصح رده، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول في وصيته رقيقي أحرار
مسألة وعن الرجل يقول في وصيته: رقيقي أحرار، فيبيعهم ويشتري غيرهم، فيموت، والوصية كما هي، أو يقول: عبدي حر، ولا يسميه وليس له إلا عبد واحد، فيبيعه ويشتري غيره، أو يقول: عبدي النوبي حر، فيبيعه ويشتري نوبيا آخر، أو يقول: عبدي الصقلبي حر، فيبيعه ويشتري صقلبيا آخر، فيموت والوصية على حالها، هل يعتق من مات عنه في هذا كله؟ قال ابن القاسم: أما من قال: رقيقي أحرار فباعهم واشترى غيرهم، فإنهم يعتقون، ومن قال: عبدي النوبي أو الصقلبي، فباع في ذلك كله، واشترى عبدا غيره، أو اشترى عبدا نوبيا أو صقلبيا، لم يعتق منهم أحد، وما
يبين ذلك لك في الذي قال رقيقي أحرار؛ أنهم يعتقون إذا باعهم واشترى غيرهم، أنه لو لم يبعهم واشترى غيرهم معهم عتقوا كلهم، وإن الذي قال: عبدي النوبي أو عبدي الصقلبي، أو عبدي ثم اشترى عبدا غير عبده، أو نوبيا أو صقلبيا لم يعتق إلا أولئك الذين أراد، وكذلك إذا باعهم، فإنما العتق فيهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في آخر رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: يهلك وله ثلاثة أعبد وقد أوصى بعتق اثنين
مسألة وسئل عن الذي يهلك وله ثلاثة أعبد، يشهد شاهدان أنه أعتق اثنين منهم يعرفانهما في وصيته، فلم يحمل الثلث إلا واحدا قال ابن القاسم: يسهم بينهم، فمن خرج سهمه عتق إن حمله الثلث، أو ما حمل الثلث منه.
قلت: فلو قال أحد ورثته للعبد الثالث: قد أوصى أبي بعتق هذا، ثم ملكه، قال ابن القاسم: يسهم على تسميتهم ثلاثتهم، فإن خرج سهمه نظر في الثلث، فإن كان الثلث يحمله عتق، أو ما حمل الثلث منه، وإن لم يخرج سهمه، فلا عتق له، ويجبر على ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على ما في المدونة وغيرها من قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن من أوصى بعتق رقيق له لا يحملهم الثلث، يقرع بينهم، فيعتق منهم ما حمل الثلث بالقرعة، وفي أنه إذا أقر أحد الورثة بأن الميت أوصى بعتق عبد له لا يعتق عليه حظه منه، من أجل الضرر الداخل في ذلك على سائر الورثة، إلا أن يملكه فيعتق كله عليه إن حمله الثلث، أو ما حمل منه، فإذا قال أحد الورثة في العبد الثالث: إن
أباه قد أوصى بعتقه أيضا لم يعتق عليه حظه منه.
وأسهم بين العبدين اللذين شهد الشاهدان الوصية لهما بالعتق، فأعتق ما حمل الثلث منهما، فإن ملك الوارث بقية العبد الذي أقر أن أباه أوصى بعتقه أيضا، وجب أن يسهم عليهم ثلاثتهم، فإن خرج السهم عليه أعتق إن حمله الثلث، أو ما حمل الثلث منه؛ لأن هذا هو الذي كان يجب لهذا العبد لو ثبت ما أقر به الوارث من أنه أوصى بعتق الثلاثة الأعبد جميعا.
وقد قال عيسى بن دينار من رأيه في رسم العتق من سماع عيسى، من كتاب العتق: إنه يعتق عليه منه إذا ملكه ما كان يحمل الثلث منه مع الذي أعتق بالشهادة أو تحاصا فيه.
وقول ابن القاسم هو الصحيح، ولو كان هو الوارث وحده؛ لكان هذا الحكم فيه يوم مات الميت؛ إذ لا يشركه فيه غيره، ولو كان الوارث مكذبا لشهادة الشاهدين؛ لوجب أن يعتق عليه العبد كله إن حمله الثلث أو ما حمل منه إن كان وحده، ولم يكن معه وارث غيره، أو إذا ملك جميعه إن لم يكن وحده، وكان معه وارث غيره بعد أن يسهم بين العبدين، فيعتق منهما ما حمل الثلث بالشهادة على ما في رسم من سماع عيسى، من كتاب العتق، وهو الصحيح في النظر، خلاف ما يأتي بعد هذا في رسم العتق.
وقد قيل: إنه إذا أقر أحد الورثة بأن الميت أوصى بعتق عبد، يعتق عليه نصيبه منه إن حمله الثلث، أو ما حمل منه.
وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في أول سماع ابن القاسم، من كتاب الشهادات.
وقيل أيضا: إنه يعتق عليه نصيبه منه، ويقوم عليه أيضا أنصبا سائر الورثة.
وقد مضى ذكر هذا الاختلاف وتوجيه كل قول منه هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي بعتق عبده وبوصايا
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يوصي بعتق عبده وبوصايا، فيوجد العبد الثلث بعينه فيعتق، وتسقط الوصايا، ثم يستحق العبد، إما عبدا وإما حرا من أصله، فيأخذ الورثة ثمنه من بائعه،
أو لا يأخذوا له ثمن، هل يرجع أهل الوصايا بوصاياهم على الورثة؟ قال ابن القاسم: أرى أن يرجع أهل الوصايا بوصاياهم في مال الميت، أخذ له ثمن ولم يؤخذ، وتكون وصاياهم في ثلث ما وصل إلى الورثة، وفي ثلث ثمن العبد، قبض أو لم يقبض.
وقد قال ابن القاسم: لا شيء لأهل الوصايا في ثلث ثمن العبد، وهو كما طرأ لم يعلم به الميت.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها أول رسم أسلم من هذا السماع قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
: قال عند موته إن فلانا وكلني بهذه الدار أحفظها وغلتها عليه
ومن كتاب العتق
وسئل ابن القاسم عن رجل قال عند موته: إن فلانا وكلني بهذه الدار أحفظها وغلتها عليه، وإني كنت جحدته ذلك، فأسلموا إليه داره وغلته من سنة كذا وكذا.
وأشهد على نفسه بهذا، ثم مات، أيكون ذلك من ثلثه؟ أم تسلم الدار ولم يكن له غيرها؟ قال: أرى أن ينظر في ذلك، فإن كان له ولد أسلمت إليه الدار، وإن كان لا ولد له، وإنما يورث كلالة، وكان الذي أقر له ممن يتهم عليه بصداقة أو قرابة لا يرث بها، لم أر أن يقبل قوله، وإن كان ممن لا يتهم عليه من الأباعد، رأيته أولى، وكان إقراره جائزا،
ويقبل قوله، كان عليه دين أو لم يكن، إذا كان الإقرار يلحقه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة، أن الدار التي أقر بها في مرضه لفلان، لم يعرف أصل ملكها له، ولو كان أصلها معروفا له، لما جاز إقراره بها لفلان في مرضه، وإن كان له ولد، على ما تقدم في آخر رسم الوصايا من سماع أشهب، ومضى الكلام على توجيهه.
وقوله: فإن كان له ولد أسلمت الدار إليه، يريد: كان ممن يتهم عليه أو مما لا يتهم؛ لأن الولد يرفع التهمة عنه في ذلك، وذلك إذا لم يكن عليه دين، وأما إذا كان عليه دين يغترق ماله، فلا يجوز له الإقرار إذا كان قريبا أو صديقا ملاطفا، وهو نص ما في كتاب الكفالة من المدونة، وقوله إذا ورث كلالة: إنه إن كان الذي أقر له من يتهم عليه بصداقة أو قرابة لا يرث بها، لم أر أن يقبل قوله، هو المشهور في المذهب.
وقد قيل: إن ذلك يكون في الثلث، وهو قول ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى، من كتاب العتق، ومثله في كتاب المكاتب من المدونة، وإن كان ممن لا يتهم عليه من الأباعد، رأيته أولى، وكان إقراره جائزا، يريد: بالدار، وهو صحيح بين إن لم يكن عليه دين، وأما إن كان عليه دين لا يفي به ما بقي من ماله بعد الدار، فلا يصح إقراره بالدار على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة في أن المريض لا يجوز له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، فقوله: ويقبل قوله، كان عليه دين أو لم يكن، معناه: إن كان الدين الذي عليه يفي به ما بقي من ماله بعد الدار، وأما إن كان لا يفي به ما بقي من ماله بعد الدار.
فإنما يصح أن ينفذ إقراره له بالدار، على قياس القول بأن للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض في مرضه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المديان من المدونة، وإن حمل قوله: ويقبل قوله كان عليه دين أو لم يكن، على أنه إنما أراد أنه يقبل قوله فيما أقر له به من الغلة كان عليه دين أو لم يكن، صح على ما فيه من بعد التأويل؛ إذ لا اختلاف في أن إقرار المريض بالدين لمن لا يتهم عليه جائز، وإن كان عليه دين يحيط بماله، والله الموفق.
مسألة: حضره الموت وفي يده أرض فقال إن هذه الأرض لفلان
مسألة وسئل عن الرجل حضره الموت، وفي يده منزل أو أرض أكثر فيها من الغراس والبنيان، فقال عند موته: إن هذه الأرض والقرية لفلان، وإنما كانت في يدي بخلافة منه، وأنكر ذلك عليه ولده، وقالوا: إنها لك، وليس لغيرك قال: أرى أن يدفع القرية إلى من أقر له بها، ولا ينظر في ذلك إلى قول الولد، ولا يتهم الرجل على ولده الأجنبي.
قال محمد بن رشد: قد أتى القول على هذه المسألة في المسألة التي قبلها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال عند موته إني كنت قتلت فلانا عمدا أو خطأ فأعطوا ورثته الدية
مسألة وسئل عن رجل قال عند موته: إني كنت قتلت فلانا عمدا أو خطأ، فأعطوا ورثته الدية، وأعتقوا عني رقبة، أيكون ذلك من الثلث أم من جميع المال؟ قال: فأما العمد فإنما يكون فيه القصاص، والذي أمر به من المال في ذلك، أراد به وجه الكفارة، فأرى أن ينفذ ذلك في ثلثه، قال: وأما الخطأ فإنما هو شيء أقر به مما كانت تحمله عاقلته، فأراه في الثلث أيضا، وكذلك العتق إنما هو من الثلث، ولو كانت عليه بينة تحق ذلك كان من الثلث أيضا، وهو قول مالك.
قلت: ولم لا تكون دية الخطأ على العاقلة؟ يقبل إقراره به أولا حيا، ولا يقبل عند موته، قال: لأنه أوصى بها، فكأنه حملها على العاقلة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: لأنها وصية في العمد والخطأ، فتكون في ثلثه، ولا تكون دية الخطأ على العاقلة، وإن كان هو
المقر بالقتل على القول بأن من أقر بقتل خطأ، تكون الدية بإقراره على العاقلة؛ لأنه قد أوصى بها كما قال، ولو لم يوص بها لم تكن على العاقلة عند من رآها عليها إلا بعد القسامة؛ لأنه جعل قوله لوثا يستحق الورثة الدية به مع قسامتهم.
وقد قيل: إن الدية تكون في ماله قيل بقسامة، وقيل بغير قسامة، اختلف في ذلك قول مالك، وبالله التوفيق.
مسألة: هلك وترك عبدين فأدعى كلا منهما عتقه
مسألة
قال: وسألت ابن القاسم عن رجل هلك وترك عبدين وابنين، وقيمة أحدهما ألف درهم، وقيمة الآخر ألفا درهم، فأتى الذي قيمته ألفان بشاهدين يشهدان له بالعتق، وأتى الآخر بابني سيده، يشهدان له أنه هو المعتق دون صاحبه، قال: أرى أن يبدأ الذي شهد له الأجنبيان، فيعتق في الثلث، ثم يرجع على الابنين، فيعتق عليهما الذي شهدا له بما حمل الثلث منهما جميعا إذا كان قولهما تكذيبا منهما للشاهدين اللذين شهدا على عتق الآخر قال: ولو إن الشاهدين شهدا على الميت أنه أعتق هذا في مجلس، وبتل عتقه حين أوصى، وشهد الابنان أنه أعتق هذا في مجلس آخر، وقال: لا علم لنا بما أشهدهما، إلا أنه أشهدنا على هذا، رأيت أن تثبت الشهادتان جميعا، وأن يسهم بينهما إذا كان للعبد الذي يشهد الابنان له لا يتهمان في جر ولائه لرداءته، فأيهما خرج سهمه عتق منه ما حمل الثلث، ورق ما بقي؛ لأنهما لم يرفعا شهادة الشهدين بأمر كذباهما فيه.
قال: وإن اتهما في جر ولاء لم تجر شهادتهما، وذلك إذا شهدا أنه أعتق بعد الموت، وإن كان أعتق أحدهما بتلا، والآخر بعد الموت،
كان المبتل مبدأ قبل صاحبه كان أو بعده، فإذا كانا جميعا مبتلين بدئ بالأول فالأول.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: من أنه يبدأ الذي شهد له الأجنبيان، فيعتق في الثلث؛ لأنه إذا شهد الشاهدان للذي قيمته ألفان بالوصية، وشهد ابنا الميت لآخر أنه هو الذي أوصى الميت بعتقه، وجب أن تكون شهادة الشاهدين أعمل من شهادة الابنين؛ لأنهما يتهمان على رد الوصية للعبد الذي قيمته أقل، وكذلك لو شهدا للذي قيمته أكثر أنه هو الذي أوصى أبوهما بعتقه، إن كان عبد يرغب في ولائه، فإذا بطلت شهادتهما بأخذ هذين الوجهين، وجب أن يعتق العبد الذي شهد له الأجنبيان بشهادتهما إن حمله الثلث، أو ما حمل منه، ثم يرجع بعد ذلك إلى الابنين، فيعتق عليهما من العبد الذي قال: إنه هو الموصي بعتقه ما حمل الثلث منه بإقرارهما له بالوصية لا بالشهادة.
وقال هاهنا في الرواية: إنه يعتق عليهما الذي شهدا له بما حمل الثلث منهما جميعا، وذلك بعيد؛ لأنهما مقران أن هذا العبد وحده هو الذي أوصى أبوهما بعتقه، فوجب أن يعتق كله عليهما إن حمله وحده الثلث، أو ما حمل الثلث منه، وكذلك قال في رسم العتق، من سماع عيسى، من كتاب العتق، في نظير هذه المسألة، ولو كانت قيمة العبدين سواء، أو قال الابنان في الذي قيمته أكثر منهما: إن هذا هو الذي أوصى أبونا بعتقه، وكان لا يرغب في ولائه؛ لكان الحكم في ذلك على مذهب ابن القاسم، أن ينظر إلى أعدل البيِّنتين، فإن كان الابنان أعدل من الشاهدين الآخرين، ثبتت الوصية للذي شهدوا له، ولم يجب للآخر شيء.
وإن كان الشاهدان الآخران أعدل من الابنين، ثبتت الوصية للعبد الذي شهدا له، ورجع العبد الآخر على الابنين، فأعتق عليهما منه ما حمل الثلث بإقرارهما له بالوصية لا بالشهادة، ولو تكافيا جميعا في العدالة لسقطا، ورجع على الابنين العبد الذي شهدا له بالوصية، فأعتق عليهما ما حمل الثلث بإقرارهما له بالوصية بالشهادة، ومعنى ذلك، إذا
لم يكن للميت وارث غيرهما، ولو كان له وارث غيرهما لم يعتق عليه منه بإقرارهما ما حمل الثلث على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك من أجل الضرر الداخل في ذلك على سائر الورثة، إلا أن يملكاه أو يملكه أحدهما بعد ذلك، فحينئذ يعتق على من ملكه منهما ما حمل الثلث من نصيبه، ولو كانت الشهادتان في مجلسين، لثبتا جميعا، وأسهم بينهما كما قال، إذا كان العبد الذي شهد له الابنان، لا يتهمان في جر ولائه لرداته، فأيهما خرج سهمه عتق منه ما حمل الثلث.
ورق ما بقي وإن اتهما في جر ولائه، لم تجز شهادتهما، وكان الحكم في ذلك على ما تقدم في أول المسألة.
وقوله في آخر المسألة: وذلك إذا شهدا أنه أعتق بعد الموت يبين أنه إنما تكلم في المسألة على أن الشهادة إنما هي بالوصية، فقوله: وبتل عتقه حين أوصى معناه بتل الوصية بالعتق.
وقوله: وشهد الابنان أنه أعتق هذا في مجلس آخر، معناه شهدا أنه أوصى بالعتق في مجلس آخر، وقوله: إنه إن كان أعتق أحدهما بتلا، والآخر بعد الموت، كان المبتل مبدأ به، اختلاف قد مضى تحصيله في رسم طلق ابن حبيب، من سماع ابن القاسم.
وأما قوله: وإن كانا جميعا بتلين، بدئ بالأول فالأول، فلا أعرف فيه نص خلاف، إلا أن الخلاف يدخل فيه بالمعنى، فيتحاصان على القول بأن له أن يرجع عما بتله في مرضه إن مات منه على ما وقع فيه رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، من كتاب الحبس، وبالله التوفيق.
مسألة: قال عند موته قد كنت أعتقت رقيقي إن لم أتصدق بمائة دينار
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل قال عند موته: قد كنت أعتقت رقيقي إن لم أتصدق بمائة دينار، وإني قد فعلت والحمد لله، ويميني في كتاب من كتبي، فأخرجوا ذلك الكتاب، ثم هلك، فوجد الكتاب بيمينه، وليس فيه ذكر إنفاذ الصدقة، وقال الرقيق: لم يرد
شيئا، قال: القول في ذلك قوله، وليس يشهد في مثل هذا أحد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، كأنه لم يقر على نفسه بشيء يلزمه فيه شيء، لارتباط أول الكلام بآخره، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لورثته عند موته قد كنت حلفت بعتق رقيقي إن لم أعط فلانا مائة دينار
مسألة وسألته عن رجل قال لورثته عند موته: قد كنت حلفت بعتق رقيقي إن لم أعط فلانا مائة دينار، فادفعوها إليه من ثلثي، فإن نقص الثلث خفت الحنث، فقال الورثة: نحن نتم ذلك من ميراثنا منك، وقال الرقيق: قد حنث.
قال: لا أرى عليه حنثا، وهي مثل التي قبلها.
قال محمد بن رشد: قوله: وهي مثل الذي قبلها، ير يد أنها مثلها في أنه لا حنث عليه فيها؛ لأنها مثلها في المعنى الذي به، يسقط الحنث عنه فيها تلك سقط الحنث عنه فيها بتصديقه أنه قد بر؛ إذ لم تعلم يمينه إلا من قبله، وهذه سقط الحنث عنه فيها؛ لأن الثلث له حيا وميتا، وكذلك ما زاد الثلث، أذن له بذلك الورثة في حياته، فوجب أن يبدأ بالوصية في ذلك؛ لأن الموصى كالوكيل له على الدفع، ومن حلف ليعطين رجلا مالا، أو ليقضينه حقه إلى أجل، فوكل رجلا على ذلك، يبر بفعل الوكيل إذا أعطاه أو قضاه قبل الأجل، وهو قول ابن القاسم في رسم أسلم، من سماع يحيى، من كتاب الأيمان بالطلاق، ولا خلاف في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: قال عند موته إني قد كنت حلفت بعتق
مسألة قلت له: فرجل قال عند موته: إني قد كنت حلفت بعتق
رقيقي إن لم أعط فلانا مائة دينار، وعليه بذلك بينة، فما رأيكم وأنا اليوم لا دينار عندي ولا درهم؟ قال الورثة: نحن نضمن له ذلك في أموالنا، ولا تدخل علينا حنثا، فبعث إلى الرجل الذي حلف له، فكتب له على نفسه ذكر حق بالمائة ثم هلك الرجل، وقال العبيد: قد حنث، وعتقنا.
قال: إن كانت المائة الدينار هبة، وترك مالا يحمل ثلثه المائة، رأيت ذلك مخرجا له؛ لأن الثلث له حيا وميتا، وإن كانت المائة دينا فقضاه في مرضه، فقد بر، قضاه من ماله أو من مال غيره، وإن ضمن له ذلك أحد، وارث أو غيره، فهو حانث، ومن ذلك، لو أن رجلا حلف بعتق رقيقه ليقضين فلانا حقه إلى أجل، ثم أحاله بما كان حلف له عليه، فإن مضى الأجل قبل أن يدفع إليه الذي أحيل عليه، فهو حانث.
قال محمد بن رشد: في قوله في هذه الرواية: إن كانت المائة الدينار هبة، وترك مالا يحمل ثلثه المائة، رأيت ذلك مخرجا له، دليل بين ظاهر على أنه لا يكون له في قول الورثة: نحن نضمن له ذلك في أموالنا مخرج إن لم تخرج المائة من الثلث، وذلك صحيح؛ إذ لا يبر الميت فيما حلف ليعطينه من ماله إذ لم يعطه في حياته، إلا أن يوصي أن يعطي بعد وفاته، ويحمل ذلك ثلثه، فإن لم يحمل ذلك ثلثه لم يبر، إلا أن يجيز له الورثة الوصية بذلك في حياته على ما قاله في المسألة التي قبل هذه إذا قال الورثة: نحن نتم ذلك من ميراثنا منك، وأما إذا قالوا: نحن نضمن له دلك في أموالنا، فلا يبر بذلك، كما لا يبر إذا أخرجوها من الثلث أن يوصي بذلك، وفي قوله: وأنا اليوم لا دينار عندي ولا درهم، دليل على أن له مالا سوى العبيد، ولا ناض له، وذلك سواء كان له مال سواهم أو لم يكن؛ لأن الاعتبار في ذلك، إنما هو هل تخرج المائة من ثلثه أو لا تخرج؟ فإن خرجت من ثلثه وأوصى بإخراجها بر بذلك، وإن لم يكن له مال سوى العبيد، وإن لم
يوص بإخراجها حنث، وإن كان له مال سوى العبيد، يخرج منه، وان لم يخرج من ثلثه، فلا يبر بالوصية بإخراجها، إلا أن يجيز ذلك الورثة في حياته كما تقدم.
وقوله: وإن كانت المائة دينا فقضاه في مرضه إلى آخر قوله صحيح، واحتجاجه على ذلك بالحوالة بين؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بإخراجها كلها، فإذا حلف ألا يقضيه يحنث بالحوالة، وإذا حلف ليقينه، لا يبرأ بالحوالة.
وقد مضى هذا في رسم حمل صبيا، ورسم بع من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
مسألة: قال عبدي فلان حر وما بقي من ثلثي فلفلان فأبق العبد
مسألة وسألته عن رجل قال: عبدي فلان حر، وما بقي من ثلثي فلفلان، فأبق العبد، قال: يقوم، فإن كان هو الثلث، فلا شيء للموصى له ببقية الثلث، وإن كان الثلث أكثر من قيمته، أعطى ما فضل عن قيمته.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: هذه مسألة تحتاج إلى نظر: هل يقوم للعبد على إباقه ويعتق؟ أو يدخل في المال فيؤخذ ثلثه؟ أو تحال الوصية إذا قوم، ولعل العبد ميت، ومثل هذا يحتاج إلى نظر وشرح.
والذي يوجبه النظر في هذه المسألة عندي أن يقوم العبد يوم ينظر فيه على الصفة التي أبق فيها بعيب إباقه، وتنفذ له الحرية، فإن بقي من الثلث شيء، كان للموصى له ببقية الثلث، وإن لم يفضل من الثلث شيء عن قيمته، لم يكن للموصى له ببقية الثلث شيء، وإن انكشف أنه كان ميتا يوم قوم، وأنفذ له العتق، لم يكن للموصى له ببقية
الثلث في ذلك حجة؛ إذ لم يوص له إلا بما بعد قيمته، نفذت له الحرية أو لم تنفذ، وإنما كانت تكون له في ذلك حجة، لو أوصى له بمال، فلم يحمل الثلث العبد والوصية بالمال، مثل أن يكون ترك الميت مائتي دينار، وأوصى بعتق عبد قيمته مائة دينار، وأوصى لرجل بمائة دينار، فأبق العبد، وقيمته مائة دينار، فإن الواجب في هذا أن يوقف للموصى له ثلث ما بقي بعد العبد، فإن انكشف أنه كان حيا يوم أعتق رد ما وقف إلى الورثة؛ لأن العتق قد نفذ فيه، وقيمته الثلث، فسقطت الوصية بالمال، لتبدئه العتق عليه، وإن انكشف أنه كان ميتا يوم أعتق بطل العتق فيه، وكان ما وقف للموصى له، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن يخدم فلانا عبده عشر سنين ثم هو حر
مسألة قال: وسألته عن رجل أوصى أن يخدم فلانا عبده عشر سنين، ثم هو حر، وأوصى بوصايا عتق وغير ذلك، متى يقوم المخدم أيوم أوصى له، أم يوم مات سيده؟ أم قيمته بعد عشر سنين؟ قال: قال مالك: تكون قيمة الذي أعتق بعد خدمة عشر سنين يوم تنفذ الوصايا، وينظر فيها، فإن كان في الوصايا عتق رقيق له بدئوا عليه، فإن فضل، يخرج المخدم فيها، ووصايا من أوصى له، أنفذت، وإن قصر الثلث عن المخدم، خير الورثة بين أن ينفذوا ما أوصى به من عتق المخدم إلى أجله، وإنفاذ الوصايا، وإن أبوا عتق من المخدم ما حمل الثلث بتلا، وسقطت الوصايا من الخدمة فيه، وعجل له العتق ساعتئذ، ولا يؤخر، وإن كان المخدم بعد من بتل له العتق، هو كفاف الثلث، أخرج وتحاص أهل الوصايا والمخدم في خدمته، على ما فسرت لك في المسألة الأولى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على الأصول؛ لأن القيمة في الوصايا إنما تكون يوم النظر في تنفيذها، لا اختلاف في ذلك أيضا،
إلا أن يكون الأجل قريبا كالشهر ونحوه، فقيل: إنه يبدأ عليه، وقيل: إنهما يتحاصان، فإن حمل ما بقي من الثلث بعد عتق الرقيق العبد المخدم خاصة، أو العبد المخدم وبعض الوصايا تحاص الموصى له بالخدمة مع أهل الوصايا في الخدمة خاصة، أو في الخدمة وما حمل بقية الثلث من الوصايا، وإن لم يحمل بقية الثلث بعد عتق الرقيق العبد الموصى بخدمته؛ خير الورثة كما قال بين أن ينفذوا جميع الوصايا، وبين أن يعتقوا ما حمل الثلث من العبد المخدم بتلا، وتسقط الوصايا، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصي بمائة دينار ينفق منها عليه كل سنة منها كذا وكذا وعليه دين
مسألة قال محمد بن رشد: قال وسألته عن رجل أوصي بمائة دينار ينفق منها عليه كل سنة منها كذا وكذا وعليه دين، فقال أهل الدين: عمره لنا، ثم أعطنا الفضل، فإن عمره لا يستتم المائة، قال ابن القاسم: ليس ذلك لأهل الدين؛ لأن ما فضل بعد موته، يرجع إلى ورثة الموصي إن لم يستكملها في حياته.
قال: وكذلك قال مالك: إن فضلتها ترجع إلى ورثة الموصي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك لا يجب للغرماء؛ لأنه إن عمر قد ينقضي الأجل الذي عمر إليه وهو حي، فيكون من حقه أن ينفق عليه بما أوصى له به حتى يموت، فإن قضيت للغرماء بالفضل، كنت قد قضيت لهم بما هو أحق به منهم؛ إذ لا حق لهم فيما أوصى له به أن ينفق عليه، ولأن ما فضل بعد موته يرجع إلى ورثة الموصي كما قال، فلا حق للغرماء في ذلك في حال.
وقد قال إسحاق: إن ذلك لا يرجع إلى ورثة الموصي إلا بتفسير، والذي ذهب إليه والله أعلم أنه إنما يرجع إلى ورثة الموصي ما فضل بعد موته إذا كان الثلث قد حمل الوصية بالعدد الذي سمى له
في النفقة عليه، أو لم يحملها، فأجاز ذلك الورثة، وأما إن لم يحملها الثلث، فقطعوا له بالثلث، فلا يرجع شيء من ذلك للورثة، ويصير له بتلا، يورث عنه ما فضل منه على ما مضى قبل هذا في رسم العرية، ولو أراد الغرماء هاهنا أن يعمر لهم فيأخذوا الفضل لم يكن ذلك لهم عندي لما ذكرته من أنه قد يعيش أكثر مما عمر إليه، فيكون من حقه أن ينفق عليه من ذلك المال حتى يموت، ولو أراد الغرماء في هذه المسألة أن يأخذوا ما فضل عن نفقته في كل سنة مما سمى أن ينفق عليه فيما كان ذلك لهم على ما قاله في المسألة التي بعدها، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى له بنفقة دينار كل شهر
مسألة قال: وسألته عن رجل أوصى له بنفقة دينار كل شهر، فأجرى عليه ذلك عليه، وعليه دين، فقال أهل الدين: أعطنا فضل الدينار، فإن فيه فضلا عنه.
قال: أرى ذلك لهم؛ لأن ما فضل عن نفقته مال له، ولا يرجع إلى ورثة الذي أوصى به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال بين يبين، ما لم يتكلم عليه في المسألة قبلها، والله الموفق.
مسألة: أوصي له بمائة دينار سلفا
مسألة قال: وسألته عن رجل أوصي له بمائة دينار سلفا، ثم مرجعها إلى فلان، فوسع الثلث المائة، أو ضاق عنها.
قال: إن حمل الثلث المائة التي أوصى بها للرجل، دفعت إليه إلى الأجل الذي أوصى بها له، ثم هي رد على فلان الموصى له بها سلفا، ضامن لما نقص من المائة، وإن لم يسعها الثلث نظر إلى ما حمل الثلث منها، فدفع إليه، وكالت على حالها في يديه إلى الأجل الذي جعل فيها، تم ترجع إلى من بتلت له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه لو أوصى في الدنانير أن تحبس عليه مدة ما من الزمان أو حياته؛ لكانت سلفا، ولكان لها ضامنا، وإن لم ينص على الضمان، ولا قال: إنها سلف على ما في كتاب العارية من المدونة.
وقد مضى الكلام على هذا مجردا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس، فكيف إذا نص على أنه إنما أوصى له بالسلف، وبالله التوفيق.
مسألة: قال في مرضه إن مت من مرضي هذا فغلامي مدبر
مسألة وسئل عمن قال في مرضه: إن مت من مرضي هذا فغلامي مدبر، فقال: إن مات منه فهي وصية، وليس تدبيرا، وإن عاش فهي أيضا وصية يصنع فيها ما شاء، إلا أن يكون أراد تدبيرا.
قال محمد بن رشد: أما إذا صح من مرضه، فلا إشكال ولا اختلاف في أنها وصية، له الرجوع عنها، وتنفذ إن لم يرجع عنها، وقد كان كتب بذلك كتابا وضعه عند غيره، أو أقره عند نفسه، على أحد قولي مالك إذا أقره عند نفسه، وأما إن لم يكن كتب بذلك كتابا، فلا ينفذ حسبما مضى تحصيله في أول رسم من سماع ابن القاسم، وأما إذا مات من ذلك المرض، فقال في هذه الرواية: إنها وصية، وليست تدبيرا، يريد أن لها حكم الوصية في جواز الرجوع له عنها في مرضه ذلك، فلا ينفذ إن مات منه، وفي أنه لا يبدأ على ما أوصى بعتقه من عبيده سواه، ولابن القاسم في كتاب ابن المواز ليس له الرجوع عن ذلك، وقد ثبت له التدبير، يريد أنه ليس له الرجوع عن ذلك، ويبدأ إن مات منه على ما أوصى به، ويعتق من عبيده، وبالله التوفيق.
مسألة: قال في مرضه قد كنت حلفت بعتق رقيقي إن لم أتصدق له بمائة دينار
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل قال في مرضه: قد كنت حلفت
بعتق رقيقي إن لم أتصدق له بمائة دينار، فأخرجوها من ثلثي، فقال الرقيق: قد حنث حين مات.
وقال الورثة: ثلثه بعد موته، بمنزلة ماله في حياته.
قال: إن حمل الثلث المائة رأيته قد بر؛ لأن حاله في ثلثه ميتا، كحاله في ماله حيا، وليس هو بمنزلة من قال: قد كنت حنثت في صحتي؛ لأن المقر بالحنث في الصحة إنما أراد أن يكون ذلك من رأس المال، وأن هذا إنما أقر بيمينه في المرض، فكأنه إنما أراد أن يجعلهم في الثلث، فهو حانث إلا أن يسع الثلث المائة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والتكلم عليها في هذا الرسم بعينه، فلا معنى لإعادته، وأما الذي يقر في مرضه بالحنث في صحته، فقد مضى الكلام عليه في رسم أمهات الأولاد وغيره، وبالله التوفيق.
: يتصدق في مرضه بثلث دار له وفي الدار طوب وخشب
ومن كتاب الثمرة وسألته عن الرجل يتصدق في مرضه بثلث دار له، وفي الدار طوب وخشب، أراد أن يبني به، فقال المتصدق عليه: لي ثلث الطوب والخشب، وأبى الوارث أن يكون ذلك له، قال: ليس له في الطوب والخشب شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الصدقة في هذا كالبيع، فلا يدخل في الصدقة إلا ما يدخل في البيع.
وقد مضت هذه المسألة متكررة في الرسم من هذا السماع، من كتاب الصدقات والهبات، ومضى عليها هناك، وبالله التوفيق لا شريك له.
تم الثالث من الوصايا بحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.
: كتاب الوصايا الرابع
قالت في مرضها وهي توصي ثلث مالي حر فلان غلامي حر
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم
من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن امرأة قالت في مرضها وهي توصي: ثلث مالي حر، فلان غلامي حر، قال: أرى أن يعتق الغلام، ويبدأ في ثلث المال، فإن فضل منه شيء، اشتريت منه رقاب، فأعتقت، قلت: فإن كان لها رقيق، أترى قولها ثلث مالي حر يوجب لهم وصية بعتاقة؟ قال: نعم، ويقرع بينهم بعد عتق الذي نصت، إن لم يحمل الثلث عتقهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن العتق المعين يبدأ على ما سواه مما ليس بمعين، ولا اختلاف في هذا أحفظه، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي بثلث ماله لأم أولاده
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يوصي بثلث ماله لأم أولاده، وله منها أولاد، أو ولد له منها.
قال: ذلك جائز لها.
قلت: أما ترى أنه أراد بذلك غنى ولدها منه إن كان منها ولد؟ فكأنه أوصى لولده، قال: لا ولكن يحمل من ذلك ما تحمل؛ لأنها تعتق بعده، وتكون أحق بما أوصى لها به، ولعلها أن ترث جميع ولدها، والأمر الذي خيف عليه في الوصية لها غيب محجوب، ولا
ترد الوصايا بالظن، قال: ومثل ذلك المرأة توصي لابن زوجها من غيرها، وقد سمعت مالكا يجيزه، ولا يرى رده.
قلت: والمرأة توصي لأم ولد زوجها أتجوز الوصية لها؟ قال: أما الشيء التافه اليسير الذي يرى أنها لم ترد به إلا الأم ولو لقلته، ومثل ذلك يوصي به لمثلها، فهو جائز وإن كان كثيرا يرى أنها إنما أرادت به المحاباة لزوجها، فهو مردود على الورثة؛ لأن مال أم الولد هو للسيد إن أحب نزعه منها نزعه.
وأما ما أوصت به المرأة لأبوي زوجها أو لإخوته، أو لأخواته، أو بعض قرابته، أو بعض أخواته المصافين له، أو كل ما يخشى أن يكون إنما أرادت رد ذلك على زوجها حين أوصت به لبعض هؤلاء، غير أن الذي يتهم به لا يعرف، ولم يظهر شيء من سبب يدل عليه إلا ظنا؛ فإنه ماض لمن أوصى له به، ولا ترد وصيتها لسوء الظن بها، ولعل الذي أوصت له لا يريد أن يعطى الزوج من ذلك قليلا ولا كثيرا.
قال: وسواء أوصت للذي توصي له بالمهر الذي على زوجها أو غيره.
قال أصبغ مثله، وكذلك وصية الرجل لولد ولده، وأبوهم وارث حي، فهي جائزة، ولا ترد بالظنة؛ قيل لأصبغ: فهل على الموصى له يمين في هذه المسائل كلها، أن ذلك لم يكن توليجا من الميت إليه ليرده على وارثه؟ قال: لا يمين عليه، وهو مدين، وسواء كانت وصيته على أجنبيين أو ذوي قرابة، لا يمين عليهم، ولا يرد ما كان من فعل الميت في ذلك بالظنة والتهمة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة كلها صحيحة لا اختلاف فيها، حاشا قول أصبغ: إنه لا يمين على الموصى له؛ أن الوصية إليه لم
يكن يرد ذلك على الوارث؛ لأنها يمين تهمة يدخل فيها الاختلاف المعلوم في لحوق يمين التهمة، ولو حقق أحد الورثة عليه الدعوى بذلك لحقته اليمين باتفاق، وكان له ردها، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال لفلان كذا وكذا ولفلان كذا من مالي في ثلثي
مسألة قال يحيى، وسألت ابن القاسم عمن أوصى فقال: لفلان كذا وكذا، ولفلان كذا من مالي في ثلثي، ثم فلان غلامي حر.
قال: يبدأ الأول، ثم الثاني بوصيتهما في الثلث، ثم يعتق العبد في فضله إن بقي بعد وصيتهما شيء، قال: وإن ضاق الثلث عن وصيتهما تحاصا.
ولم يبدأ الذي قال له كذا وكذا في ثلثي على الآخر، الذي قال له كذا وكذا، ولم يقل في ثلثي.
قال: ولو قال أيضا لفلان كذا في ثلثي، ولفلان كذا وكذا، ولم يقل في ثلثي، ولفلان ثلث مالي أو سدسه، أو جزء من أجزائه، تحاصوا أجمعون في الثلث، إلا أن يكون الموصي أمر بتبدئة أحد منهم، فيبدأ بالذي نص له في الوصية جزءا من ماله، أو عدة من الدنانير والدراهم، أو أوصى له بشيء بعينه، ذلك كله عندنا سواء، يتحاصون جميعا بحساب ما أوصى لهم إلا أن يبدئ أحدا منهم فيبدأ اتباعا لأمره، وإنفاذا لوصيته، والعتاقة مبدأة أبدا، إلا أن يؤخرها الموصي فتوضع حيث رضي، وتؤخر حيث جعلها، ولا يخالف فيها ما أوصى به؛ لأنه أحق بثلثه، يضعه حيث أحب.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله، صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف في شيء منه إلا فيما قاله من أن الوصية بالجزء وبالعدد أو بالشيء بعينه سواء، يتحاصون في ذلك كله، فإن فيه اختلافا قيل: إنه يبدأ العدد على الجزء، وقيل: إنه يبدأ الجزء على
العدد، وقيل: إنهما يتحاصان وهو المشهور في المذهب، والثلاثة الأقوال لمالك، إلا أن يقول لفلان ثلثي، ولفلان منه كذا وكذا، فيبدأ العدد على الجزء، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وفي رسم الوصايا من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: يقول في وصيته ثلث عبدي فلان حر وأعطوه ثلث بقية مالي
ومن كتاب الصبرة
وقال في رجل يقول في وصيته: ثلث عبدي فلان حر، وأعطوه ثلث بقية مالي؛ أنه لا يعتق منه إلا الثلث الذي جعله عتيقا من رقبته، ولا يعتق ما بقي منه في بقية الثلث، ولا يعطاه إلا ما لا يجعل في رقبته منه شيء، وليس هو مثل العبد الذي يوصي له سيده بثلث جميع ماله، فيجعل ذلك الثلث في عتق رقبته.
قال محمد بن رشد: في قوله: إنه لا يعتق من العبد إلا ثلثه الذي أوصى السيد بعتقه، وهو قد أوصى له بثلث بقية ماله نظر؛ لأن ثلثي رقبته الباقيين منه من ماله، وهو قد أوصى له بثلث بقية ماله، فوجب على قياس قوله أن يعتق على نفسه ثلث الثلثين الباقيين من رقبته؛ لأنه قد ملكه ذلك؛ إذ أوصى له بثلث ما بقي من ماله، وإذا أعتق على نفسه شيء منه وجب أن يقوم عليه بقيته في ماله، على قياس قوله، فلم يعرف في هذه الرواية بين أن يوصي له بعتق ثلثه، وبثلث ما بقي من ماله، وبين أن يوصي له بعتق ثلثه وبقية ثلث ماله، وهما مفترقان في وجه القياس.
وقد مضى هذا في رسم أسلم من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
: يوصي فيقول أعطوا فلانا مائة ولا يذكر دراهم ولا دنانير
ومن كتاب الصلاة وسئل عن الرجل يوصي فيقول: أعطوا فلانا مائة، ولا ينص
دنانير ولا دراهم، قال: سمعت مالكا يقول: يعطى مائة درهم، فإن أوصى في وصيتين، فقال في إحداهما: أعطوه عشرين دينارا، وقال في الأخرى: أعطوه ثلاثين دينارا، لم يعط ما في الوصيتين، ولكن يعطى الأكثر مما في الوصيتين، وذلك ثلاثون دينارا، قال: وإن قال في إحدى الوصيتين: أعطوه مائة درهم، وقال في الأخرى: أعطوه مائة دينار، أعطي ما فيهما جميعا؛ المائة درهم والمائة دينار.
قال: وكذلك لو أوصى له في إحداهما بفرسين، وفي الأخرى بثلاثة، أعطي ثلاثة، ولم يعط ما في الوصيتين، ولو أنه أوصى له في إحداهما بفرسين، وفي الأخرى بجملين، أعطى ما في الوصيتين جميعا قال: وعلى هذا النحو الذي بينت لك، يحمل كل ما أوصى به المرء في وصيتين، يختلف ما فيهما من الثياب والحيوان والدنانير والدراهم، وجميع العروض، إذا كان ما في الوصيتين من صنف واحد مختلف العدد، أعطي الأكثر ولم تجمع له الوصيتان، وإذا كان ما فيهما من صنفين مختلفين، اتفق العدد أو اختلف، فله ما فيهما جميعا.
قال محمد بن رشد: أما إذا أوصى له بمائة، ولم يقل دنانير ولا دراهم، فقوله: إنه يعطى الدراهم، معناه إذا كان البلد إنما يجري فيه الدراهم، أو كان تجري فيه الدراهم والدنانير، ولم يكن في وصية الميت ما يدل على أنه أراد الدنانير، مثل أن يقول: لفلان عشرون دينارا، ولفلان مائة، ولا يسمي دنانير ولا دراهم، فله الدنانير: هذا كله قاله في سماع أصبغ في أول رسم منه، وهو مفسر لهذه الرواية، وكذلك إذا أوصى له بعدد محدود من الطعام، ولم يقل قمحا ولا شعيرا يجري على هذا القياس، إن كان غالب ما يتقوت به الناس في البلد القمح، أو كان في وصيته ما يدل على أنه أراد القمح، فله القمح، وإلا فله الشعير، وأما إذا أوصى له بوصيتين، في
الأولى بعشرين دينارا، وفي الثانية بثلاثين دينارا، فقوله في هذه الرواية: إنه يعطى الأكثر منهما ولا يعطهما جميعا، هو نص قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وسواء على مذهبه كانت الأولى هي الأقل أو الأكثر، وسواء أيضا كانتا في كتاب واحد، أو في كتابين، وقال مطرف: إن كانت الأولى هي الأكثر، أو كانتا متساويين، فله الوصيتان جميعا؛ لأن أمره يحمل على أنه استقل ما أوصى له به أولا، فزاده عليه ما أوصى له به في الثانية، وإن كانت الأولى هي الأقل، فله الثانية وحدها؛ لأن أمره يحمل على أنه استقل ما أوصى له به أولا، فرجع إلى ما أوصى له به آخرا؛ إذ لا يزاد الكثير على القليل، وسواء كان ذلك في كتاب واحد أو في كتابين، وقال ابن الماجشون كما قال ابن القاسم: إن كانت الوصيتان في كتابين، وكما قال مطرف: إن كانت في كتاب واحد، قال: وذلك إذا كان بين الوصيتين وصايا لغيره، وأما إن لم يكن بينهما إلا كلام من غير الوصية، فذلك بمنزلة إذا نسق الوصيتين، أحدهما بعد الأخرى، فقال لزيد عشرة، ولزيد عشرون، فإنه يكون له العشرة والعشرون، قال: ولو قال لزيد عشرة لزيد عشرون بغير ولو لم يكن له إلا العشرون، وكذلك على مذهبه لو قال: لزيد عشرون لزيد عشرة، بغير واو، لم يكن له إلا العشرة، قال ذلك تأويلا على ما رويناه عن مالك، من أن له الوصيتين إن كانت الأولى أكثر.
والثانية وحدها إن كانت الأولى أقل؛ إذ لم يسهما منه تفرقة بين أن تكون الوصيتان في كتابين، أو في كتاب واحد، ولا مساواة بين ذلك، ووجه قول ابن القاسم: إن له الأكثر من الوصيتين كانت الأولى أو الآخرة، هو أنه إن كانت الأولى أكثر، فقد تحققت الوصية بها، وشككنا في الثانية إن كانت ناسخة لها، أو زيادة عليها، فلم تنسخ الأولى بالشك، ولا حكمنا للثانية بأنها زيادة على الأولى بالشك أيضا فبطلت، وأما إن كانت الثانية أكثر، فالوجه ما قاله مطرف، وأما إذا أوصى له بوصيتين، إحداهما دنانير، والأخرى دراهم، فاختلف قول ابن القاسم في ذلك، قال في هذه الرواية، وهو قوله في رواية سحنون عنه: إنهما له
جميعا كالصنفين، وروى عيسى عنه في المدونة: أن له الأكثر منهما، كالصف الواحد، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة: إنهما كالصنف الواحد، فإن كانت الثانية الأقل، كانتا له جميعا، وإن كانت الأكثر، لم يكن له سواها على أصلها في الوصيتين من الدنانير والدراهم، إحداهما أكثر من الأخرى، ويعتبر ذلك بمعرفة الصرف والقولان قائمان من المدونة والحيوان والعروض والدور والمكيل والموزون من الطعام وغيره عند ابن القاسم، سواء إن أوصى له بوصيتين من صنف واحد من ذلك كله، كان له الأكثر من الوصيتين، كانت الأولى أو الآخرة، وإن أوصى له بوصيتين من صنفين من ذلك كله، كانت الوصيتان جميعا، كان ذلك في كتاب واحد أو في كتابين، أو في لفظ بغير كتاب.
وذهب مطرف وابن الماجشون، إلى أنه إن كانت الوصيتان من العروض، فله الوصيتان جميعا، كانتا من صنفين أو من صنف واحد، اتفق عددهما أو اختلف، بمنزلة إذا أوصى له بعين وعرض، سواء كانت الوصيتان في كتابين، أو في كتاب واحد، ولابن الماجشون في ديوانه، أنه إذا أوصى له بعرضين مختلفين، فإن كان ذلك في وصية واحدة، كانتا له جميعا، وإن كان ذلك في وصيتين كان له الأكثر من قيمتهما، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي للرجل بعشرة دنانير ولآخر بعشرين
مسألة وقال في الرجل يوصي للرجل بعشرة دنانير، ولآخر بعشرين، ثم يقول: وبقية ثلث مالي لفلان، ثم يوصي بعد يوم أو أيام بوصايا ينصها من تسمية مال أو شيء بعينه، مثل العبد أو الدار أو الثوب أو الدابة، إن الذي أوصى ببقية الثلث، لا يعطي شيئا حتى يكون في الثلث فضل عن الوصايا المسماة للذين أوصى لهم حين جعل لهذا ببقية الثلث، والوصايا والآخرة التي أوصى بها بعدما جعل لهذا بقية الثلث، تنفذ للأولين وللآخرين وصاياهم، فإن فضل من الثلث
بعد، فهو للموصى له ببقية الثلث.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم أسلم، من سماع عيسى، ويفسره ما ذكره محمد بن المواز، وقد مضى الكلام عليه هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال في وصيته ثلث مالي في سبيل الله ثم قال يقسم ثلثي أثلاثا
مسألة قال: وإن قال رجل في وصيته: ثلث مالي في سبيل الله، ثم قال بعد ذلك بيوم أو بيومين: يقسم ثلثي أثلاثا فثلثه للمساكين، وثلثه في الرقاب، وثلثه يحج به عني، قال: الثلث يقسم نصفين، فنصف في سبيل الله، ويقسم النصف الثاني أثلاثا على ما نص في وصيته، وذلك لأنه يحاص بين الوجه الذي أوصى فيه بالثلث كاملا، وبين الوجوه التي أوصى فيها بالثلث، فيصير لأهل كل ثلث نصفه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، من أن الرجل إذا أوصى بشيء بعينه لرجل، ثم أوصى به بعد ذلك لرجل آخر؛ أنه يكون بينهما، إلا أن يكون في الوصية الثانية ما يدل أنه قد رجع عن الأولى، ومثل أن يقول: الشيء الكذا الذي أوصيت به لفلان، فهو لفلان رجل آخر بخلاف الحرية؛ إذ لا يشترك فيها، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول في وصيته وفروا لأمي لضعفها سهما في كتاب الله
مسألة وقال في الرجل يقول في وصيته: وفروا لأمي لضعفها سهما في كتاب الله، وثلثي ما عدا ما ينقص الثلث بتوفير سهم أمي صدقة على فلان، يريد: أن يخرج الثلث من جميع ما له، إلا سهم أمه،
لا يخرج منه ما يقع عليه من قسمة الثلث.
قال: ويخرج الثلث للموصى له على حال ما أوصى به، ثم ترد الأم سهما، فيضاف إلى بقية المال، فيقسم على الورثة على كتاب الله، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وصية لوارث» ، فهو يريد أن يفضل أمه لتوفير سهمها، فلا يدخل عليها أهل الوصايا، ويدخلون على سواها فينقصون كلهم سواها، فهذا لا يجوز، قيل له: فلو قال: أعطوا أمي سهمها، ثم قال: لفلان سدس مالي.
قال: تنفذ الوصية على حال ما قال، ثم يجمع سهم الأم إلى بقية المال، فتعاد فيه القسمة على كتاب الله.
قال محمد بن رشد: هاتان المسألتان بيِّنتان لا اختلاف فيهما، ولا إشكال في شيء من معانيهما، وما قاله من وجه العمل فيهما صحيح، إذا لم يجز الورثة للأم الوصية بتوفير سهمها، وبالله التوفيق.
مسألة: كاتب جميع رقيقه في مرضه فلم يجز ذلك الورثة
مسألة قلت لابن القاسم: أرأيت إن كاتب جميع رقيقه في مرضه، فلم يجز ذلك الورثة، والثلث بهم ضيق، أليس يعتق من كل واحد منهم ثلثه؟ قال: بلى، قلت: ولم لا يقرع بينهم في الثلث؟ قال: أرى إذا قطع الورثة الثلث أن يسهم بينهم فيه كالموصى لهم بالعتق.
قال محمد بن رشد: قوله: والثلث بهم ضيق، يدل على أن له مالا سواهم، وإذا كان له مال سواهم، فلم يحملهم الثلث، ولا أجاز الورثة الوصية بكتابتهم، فالواجب إذا قطع الورثة لهم بالثلث أن يعتقوا فيه بالحصص، مثال ذلك: أن يترك ثلاثة أعبد، قيمة كل واحد منهم ثلاثون دينارا، وله سواهم ثلاثون دينارا، فجميع المال مائة وعشرون الثلث من ذلك أربعون، يكون بين العبيد بالحصص، فيعتق من كل واحد منهم أربعة أتساعه؛ لأن الأربعين من قيمة العبيد، وهي تسعون، أربعة أتساعها، وإنما يعتق من كل واحد منهم ثلثه على ما قال، إذا لم يكن له مال سواهم، وهذا على قوله أولا.
وقوله آخرا: إنه يسهم بينهم في الثلث إذا قطع لهم به الورثة، خلاف قوله أولا، فوجه قوله أولا: إنه لا يقرع بينهم، ويعتقون بالحصص في الثلث، هو أن السنة في القرعة إنما جاءت في الوصية بالعتق، وقيس المبتلون في المرض عليهم، والوصية بالكتابة بخلاف ذلك، ووجه قوله آخرا: إنه يقرع بينهم، هو أن الوصية بالكتابة لما لم تنفذ إذ لم يحملها الثلث، ورجعت إلى العتق في الثلث، كانت كالوصية بالعتق، وأيضا فإنها أعدل؛ لأنه إذا أعتق من كل واحد ثلثه، إذا لم يكن له مال غيرهم، أو أعتق منهم بالحصص مبلغ الثلث إن كان له مال غيرهم، فقد أخذ الميت أكثر من ثلث ماله؛ لأن العبد إذا أعتق بعضه نقصت قيمته، وبالله التوفيق.
: يقول في وصيته ساجي الطرازي لفلان
ومن كتاب أوله يشتري الدار والمزارع وسألته عن الرجل الذي يقول في وصيته: ساجي الطرازي لفلان، أو عبدي فيوجد له عبيد بذلك الاسم، أو سيجان طرازية.
قال: ينظر إلى عدة السيجان أو العبيد، فإن كانوا خمسة، فله
خمس قيمة كل واحد منهم، وإن كانوا ثلاثة، فله ثلث قيمتهم، ويعطى ثلث القيمة في العبيد أو السيجان بالسهم بالغا ما بلغت، صار له فيها ساج أو ساجان، أو عبد أو عبدان.
قلت: ولم أمضيت له الوصية، والشهود لم يثبتوا العبد بعينه، والساج بعينه؟ قال: إنما ترد هذه الشهادة التي ذكرت، إذا شهدوا عليه في صحته أنه أعتق عبده فلانا، أو تصدق به على رجل، وله عبيد بذلك الاسم، وهو منكر لما شهدوا به عليه، فيقال لهم: أي عبد تشهدون أنه أعتقه أو تصدق به على فلان؟ فيقولون: لا نعرفه بعينه، إلا أنه قال: عبدي فلان، وله عبيد بذلك الاسم، فتسقط شهادتهم، فلا يثبت العتق، ولا تجوز الصدقة لإنكاره إذا لم يقطعوا الشهادة عليه، فأما في الوصية، فإنه إذا قال: ساجي الطرازي، أو عبدي فلان، فلا يعرف بعينه، فهو كمن قال: ساج من سيجاني، أو عبد من عبيدي صدقة على فلان، فيكون شريكا فيهم أجمعين، فإن كانوا عشرة فبعشرهم، وإن كانوا عشرين فبنصف عشرهم.
قال: وإنما هذا عندنا من نحو الرجل يوصي بعتق عبد من عبيده ولا ينصه، فإن كانوا عشرة عتق عشرهم بالسهم، وإن كانوا خمسة عتق خمسهم بالسهم، بالغا ما بلغ من عددهم، قلت: أتجريه في الصدقة مجرى العتاقة إذا هلك بعض السيجان أو بعض العبيد، فيكونون شركاء فيما بقي منهم بقدر السهم الذي كان وجب لهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إذا سمى الشهود العبد أو الثوب، ولم يعينوه من جملة الثياب والعبيد، ولا عينه الميت لهم، واتفقت أسماء العبيد أو