كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
العدول من المسلمين، فكيف نجيزه من النصارى ممن أراده منهم: وقال: أن نتوارث وأهل ديننا هكذا لم يحل بينهم وبينه، وإن كان الذي أعتقه مسلما فإن أسلموه، ولم يطلبه منهم طالب، أدخلناه بيت مال المسلمين معزولا، لا يكون فيئا حتى يرثه الله، أو يأتي طالب.
قال محمد بن رشد: حكم المخزومي في هذه الرواية في ميراث النصراني يعتقه المسلم بحكم ميراث الذمي على ما وقع لمالك في المبسوطة من أن الذمي إذا مات ولا وارث له لم يعرض لماله؛ لأنهم قد عوهدوا على أن لا يعرض لأموالهم.
قال مالك: لا أرى أن يؤخذ مال الذمي الذي يموت ولا يدع إرثا، وقد فرق بينهما، واختلف في كل واحد منهما اختلافا كثيرا، فالذي يتحصل في ميراث النصراني يعتقه المسلم ثلاثة أقوال؛ أحدها: قول المخزومي هذا: أن ميراثه لأهل دينه لا يعرض لهم فيه، وإن لم يكن له ورثة.
والثاني: أن ميراثه لورثته من أهل دينه على ما يقوله أساقفتهم، فإن لم يكن له وارث من أهل دينه كان لجماعة المسلمين يجعل في بيت مالهم قياسا على الذمي يموت، أن ماله يكون لورثته من أهل دينه، فإن لم يكن له ورثة، كان ميراثه لجميع المسلمين.
والثالث: أن ميراثه لجماعة المسلمين دون ورثته من أهل دينه، وهو نص قول محمد بن مسلمة المخزومي في المبسوطة، ومذهب ابن القاسم فيما يتناول عليه إلا أن تكون له قرابة من عتاقة
المسلمين، فيكونون أحق بميراثه من جماعة المسلمين على ما قاله ابن كنانة في سماع أبي زيد من كتاب الولاء والرابع: أن ميراثه لمولاه المسلم المعتق له، قاله عبد الله بن نافع في المبسوطة، وهو بعيد، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» والذي يتحصل في ميراث الذمي من أهل الجزية ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ميراثه لأهل دينه لا يعرض لهم فيه- وإن لم يكن له ورثة، وهو قول مالك في المبسوطة، وقول المخزومي؛ لأنه إذا قال ذلك في النصراني الذي يعتقه المسلم، فأحرى أن يقوله في الذمي من أهل الجزية.
والثاني: أن ميراثه لورثته من أهل دينه، فإن لم يكن له ورثة من أهل دينه، فميراثه للمسلمين وهو قول ابن حبيب.
والثالث: الفرق بين أن تكون الجزية مجملة عليهم أو على جماعتهم، وهو قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: عبد كانت تحته حرة فولدت منه غلاما
مسألة قال: وأخبرني ابن وهب أنه سمع مالكا يسأل عن عبد كانت تحته حرة فولدت منه غلاما، فكبر فصار رجلا، ثم اشترى أباه فعتق عليه، أترى ولاء أبيه يرجع إلى ولاء ابنه؟ فإن ناسا شكوا في ذلك وقالوا: ما نراه، إلا كالسائبة، فقال: ولاؤه لموالي ابنه ينتقل ذلك إليهم، وإنما جر ابنه إليهم ما يجره غيره، ولو اشتراه فأراهم مواليه، يرجع ولاء الأب والابن إليهم.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الأمهات ولاؤه لموالي أم ابنه وهو صواب؛ لأن موالي ابنه هم موالي أم ابنه؛ لأن ولاء ولد الحرة من
العبد لموالي الأم، قال سحنون في كتاب ابنه: وهذا قول جميع أصحابنا، إلا ابن دينار، فإنه قال: هو كالسائبة، وولاؤه للمسلمين، والذي قاله مالك وتابعه عليه جمهور أصحابه من أن ولاء أبيه يرجع إلى موالي ابنه هو الصحيح؛ لأن من اشترى من يعتق عليه، فولاؤه له، فإذا اشترى هذا الرجل أباه فعتق عليه كان ولاؤه له وانجر إلى مواليه وهم موالي أمه؟ وإن مات الأب بعد أن مات ابنه ولم يترك ولدا ولا عصبة، وترك مولاه الذي أعتق أمه، كان ميراث الأب له، ولو كان هذا الذي اشترى أباه فعتق عليه معتقا، لجر ولاءه إلى مولاه الذي أعتقه، ولوجب إن مات الأب بعد أن مات ابنه ولم يترك ولدا ولا عصبة وترك مولاه الذي أعتقه، أن يكون ميراث الأب لموالي الابن الذي أعتقه؛ لأن الرجل يرث بالولاء من أعتق من أعتقه (وولد من أعتق من أعتقه) ومولى من أعتق من أعتقه، ووجه ما ذهب إليه ابن دينار أنه لما كان الابن لا يرث أباه بالولاء، وإن أعتق عليه من أجل أن النسب مقدم على الولاء، لم ير أن يجره إلى مواليه وليس بصحيح، وبالله التوفيق.
مسألة: عبد له امرأة حرة فولدت له أولادا فمرض مرضا شديدا فأعتقه سيده غدوة
مسألة قال: وأخبرني ابن وهب أنه سمعه يسأل عن عبد له امرأة حرة فولدت له أولادا فمرض مرضا شديدا فأعتقه سيده غدوة، ومات العبد عشية، لمن ولاء ولده من الحرة؟ فقال: ولاء ولده منها للذي أعتق أباهم إذا أعتقه وهو حي قبل أن يموت، فذلك أبين لشأنه أن يكون الولاء لسيده الذي أعتقه، ويرثه ورثته الأحرار، فقيل لي: إنه أعتقه عند موته، فقال له هو كما قيل لك إن ولاء ولده لموالي أبيهم الذي كان أعتقه دون موالي أمه إذا كان أعتقه، وهو حي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا أعتقه وهو حي قبل أن يموت وإن كان في حال اليأس من الحياة، فإنه يكون له بذلك ولاء ولده من الحرة، ويكون أحق بميراثه من موالي أمه؛ لأنه لو كان حرا فمات له وارث وهو في حال اليأس من شدة المرض لورثه، ولو أعتقه وهو مجروح منفوذ المقاتل قبل أن يموت، لتخرج ذلك على قولين، وبالله التوفيق.
: كتاب العتق الثاني
قال لرجل في غلام له هو حر إن لم آخذه بخمسة وعشرين دينارا
(كتاب العتق الثاني) من سماع عيسى بن دينار من كتاب نقدها نقدها وسئل: عن رجل قال لرجل في غلام له هو حر- إن لم آخذه بخمسة وعشرين دينارا- إن أعطيتني إياه، فأعطاه إياه وقال: هو لك، قال: فذلك له، قال ابن القاسم -: إن شاء أخذه وإن شاء تركه ولا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا أعطاه إياه وقال: هو لك، فله أن يأخذه وأن يتركه، فإن أخذه بر في يمينه- ولم يكن عليه شيء، وإن تركه، حنث ولم يلزمه شيء؛ لأنه إنما حنث بما في ملك غيره، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» فإذا لم يلزمه النذر فيما لا يملك، فأحرى ألا يلزمه الحنث فيه، فقوله وإن شاء تركه ولا حنث عليه، معناه وإن شاء تركه ولا شيء عليه، وقد رأيت لابن دحون أنه قال في هذه المسألة: البيع لازم للمشتري، إلا أن يعفو عنه البائع، وإنما أجاب فيها على الحنث أنه لا يحنث اشتراه أو تركه، فأما البيع
فقد لزمه، قال: المسألة المتصلة تبين هذا، وليس قوله بصحيح؛ لأنه لم يلزم نفسه الأخذ، وإنما حلف أن يأخذ، ومن حلف على شيء فله أن يبر، وأن يحنث، فليس للبائع أن يلزمه ما قد جعل لنفسه فيه الخيار، والمسألة التي بعدها لا تشبهها؛ لأنه لما قال له: بعني غلامك وهو حر، كان قد أوجب ذلك على نفسه، وفي ذلك اختلاف حسبما نذكره، وأما هذه المسألة فخارجة من الاختلاف، إذ لم يلزم نفسه الأخذ، وإنما حلف عليه، (وبالله التوفيق) .
مسألة: قال بعني غلامك بعشرة دنانير على أنه حر
مسألة ومن قال: بعني غلامك بعشرة دنانير على أنه حر، فقال: نعم، فقال: قد بدا لي أن ذلك لازم له.
قال محمد بن رشد: اختلف في الرجل يقول للرجل: بعني سلعتك بكذا وكذا، فيقول له: قد فعلت، فيقول: قد بدا لي، أو يقول له: خذ سلعتي بكذا وكذا، أو اشتر سلعتي بكذا وكذا، فيقول: قد فعلت، فيقول: قد بدا لي، فقيل: إن ذلك كالمساومة يدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في المساومة، وقيل: إن قوله بعني سلعتك، إيجاب منه على نفسه شراءها بمنزلة أن لو قال: قد اشتريتها، وإن قوله خذ سلعتي بكذا أو لشرائها بكذا، إيجاب منه لبيعها بمنزلة أن لو قال قد بعتها منك بكذا.
فقوله: إن ذلك لازم له هو (على) أحد هذين القولين؛ لأن قوله على إنه حر، لا تأثير له في إيجاب الشراء على نفسه، تخرج به المسألة من الخلاف، وقد مضى تحصيل
القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع أشهب وكتاب العيوب، وبالله التوفيق.
مسألة: قال للرجل بكم عبدك قال بعشرة قال هو حر إن بعتنيه بذلك
مسألة وسئل: عن رجل قال للرجل: بكم عبدك؟ قال: بعشرة، قال: وتبيعه بعشرة، قال: نعم، قال هو حر إن بعتنيه بذلك - إن لم آخذه، فقال: قد بعتك، فقال: أحب إلي أن يشتريه وينقده ثم يستقيله.
قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: أحب إلي أن يشتريه وينقده ثم يستقيله- زيادة على قوله فيها في أول رسم إن شاء أخذه، وإن شاء تركه- ولا حنث عليه، وإنما استحب له ذلك؛ لأنه إذا اشتراه بر في يمينه، وإن لم يشتره حنث، وإذا حنث احتمل أن يعتق عليه إن رضي صاحبه أن يمضيه له بقيمته، وقد قال ذلك ابن القاسم في أحد قوليه في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات في العبد بين الشريكين يتصدق أحدهما بجميع العبد على غير شريكه، فلا يبعد أن يقال بالقياس على ذلك من أعتق عبد رجل يلزمه عتقه- إن رضي صاحبه أن يأخذ منه فيه قيمته، ويحمل عليه بأن هذا هو الذي أراد العبد أن يعتق ما ليس له، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل سأل ابنا له امرأته أو أجنبيا أن يهب له غلاما ليعتقه
مسألة وقال في رجل سأل ابنا له امرأته، أو أجنبيا من الناس في مرضه أن يهب له غلاما له على أن يعتقه يتقرب به إلى الله ففعل به ذلك على ذلك وأعتقه، ثم مات فقام أهل الدين يريدون أن
يردوا عتقه، أن عتقه ماض، وليس لأهل الدين فيه شيء؛ لأنه ليس بمال له، وإنما أعطاه الذي أعطاه على أن يعتقه.
قال عيسى: وهو في الصحة كذلك، وهو خارج من رأس المال في المرض، كل ذلك من رأس المال يكون.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه لم يتقرر له عليه ملك إذ وهبه إياه بشرط العتق وولائه له؛ لأن الولاء كان يكون له لو أعتقه عنه فكذلك إذا أعتقه هو بما اشترط عليه من عتقه، وبالله التوفيق.
مسألة: دفع إليه رأس ليبيعه فأعطي به عطاء فقال هو حر من مالي إن بعته ثم باعه
مسألة وقال فيمن دفع إليه رأس ليبيعه فأعطي به عطاء، فقال: هو حر من مالي إن بعته ثم باعه، أنه لا شيء عليه، ولا يعتق عليه، ولو استعين به في شراء رأس فسام به، فقيل له بكذا وكذا، فقال: هو حر من مالي إن أخذته بهذا، ثم أخذه بذلك- والمشتري له واقف، قال: لا شيء عليه أيضا؛ لأنه إنما وجبت الصفقة لغيره.
قال محمد بن رشد: هذا على قياس قوله في المدونة في الذي يقول لعبد لا يملكه: أنت حر من مالي إنه لا يعتق عليه، وإن رضي سيده أن يبيعه منه؛ لأنه إذا قال ذلك في غير اليمين، فأحرى أن يقوله في اليمين، والقياس أن يلزمه في غير اليمين إذا قال في مالي ورضي سيده أن يبيعه منه بقيمته، وأما إذا قال: عبدي فلان حر- إن فعلت كذا وكذا- ولم يقل في مالي، فالقياس ألا يعتق عليه- وإن رضي سيده أن يبيعه منه بقيمته على ما قاله في هذه الرواية في الذي باع عبدا لغيره فحلف بحريته- إن باعه أو اشترى
عبدا لغيره فحلف بحريته إن اشتراه؛ لقول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» . ويشبه أن يعتق عليه إن رضي الذي باعه منه، أو الذي اشتراه له أن يمضيه بقيمته على أحد قولي ابن القاسم في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات في العبد بين الشريكين يتصدق أحدهما بجميعه على غير شريكه فيه أنه يكون له إن رضي شريكه أن يسلم حظه منه بقيمته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لجاريته هي حرة إن وجد بها الثمن أو أكثر
مسألة وفيمن قال لجاريته: هي حرة إن وجدبها الثمن أو أكثر- اليوم- إن لم يبعها، فبعث بها مع رجل يبيعها له وبجارية أخرى صغيرة فباعها الرسول وأرسل إليه يستأمره في الخيار، فقال للرسول: قل له يشترط الخيار في الصغيرة فأخطأ الرسول فقال للموكل يقول لك اشترط الخيار في الكبيرة ففعل، وباع على ذلك، فقال: هو حانث، ورأيته فيها قويا لا يشك.
يريد إذا كان اليوم الذي حلف عليه قد انقضى وبقي له الخيار، قال: ولو أن الموكل باعها واشترط الخيار ولم يأمره أن يشترط ذلك، ثم رجع إليه وأخبره بذلك، فقال: اذهب فأنفذ له البيع، فرجع الوكيل فلم يجد المشتري، وغابت الشمس وانقضى ذلك اليوم، قال: إن أشهد الوكيل أنه قد أنفذ له البيع، لم أر على الرجل شيئا، وإن كان لم
يشهد على ذلك حين لم يجده وانقضى ذلك اليوم وغابت الشمس، خفت أن يحنث.
قال محمد بن رشد: قال في المسألة الأولى: إنه حانث، لذا كان اليوم الذي حلف عليه قد انقضى وبقي له الخيار مستبصرا في ذلك قويا فيه لا يشك، وقال في المسألة الثانية: إنه إن لم يشهد الوكيل على إمضاء البيع للمشتري حتى انقضى ذلك اليوم وغابت الشمس، خفت أن يحنث، والحنث في الثانية أبين منه في الأولى، وذلك أنه لم يكن من الحالف في المسألة الأولى تفريط في ترك البيع حتى انقضى النهار، بل كان مغلوبا عليه في ذلك بخطى الرسول عليه، وأما المسألة الثانية فالتفريط جاء من قبل الحالف، إذ كان قادرا على أن يشهد هو على إمضاء السلعة للمشتري بالخيار الذي اشترطه الوكيل فيها فإذا لم يفعل وصرف الأمر في ذلك إلى الوكيل، فقد فرط ووجب أن يحنث بلا شك، إلا أن قوله في المسألة الأولى إنه حانث هو المشهور في المذهب المنصوص عليه في المدونة وغيرها: أن من حلف ليفعلن فعلا لا يعذر في تركه بالغلبة على ذلك، إلا أن تكون له فيه نية (بخلاف الحالف أن لا يفعل فعلا هذا يعذر فيه بالإكراه على الفعل- وإن لم تكن له فيه نية) وقد قيل: إنه لا يعذر بالإكراه على الفعل إلا أن ينويه، وهو الذي يأتي على قول مالك الذي تقدم في رسم الأقضية من سماع أشهب، وقد مضى القول على ذلك هنالك وما يتحصل في المسألة من الاختلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول متى ما حدث بي حدث الموت كل مملوك لي حر
مسألة وعن الرجل يقول: متى ما حدث بي حدث الموت، كل مملوك لي حر - وله مماليك، وكسب أيضا مماليك بعد، ثم يموت، قال: يعتقون كلهم ما كان عنده، وما أفاد إذا وسعهم الثلث.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا عم فقال في وصيته ثيابي، أو رقيقي لفلان أو رقيقي أو عبيدي، أو مماليكي، أو كل مملوك لي حر، أن الوصية تكون فيما كان له من الثياب، أو العبيد، يوم يموت، كانوا هم أو غيرهم، أو هم وغيرهم، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب الوصايا، وتكررت المسألة أيضا في مواضع من سماع أشهب منه وفي سماع عيسى في رسم باع شاة منه أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: تكون لها الجارية المولدة الرائعة فتحلف بعتقها ألا تبيعها ولا تهبها ولا تزوجها
مسألة وعن المرأة تكون لها الجارية المولدة الرائعة فتحلف بعتقها ألا تبيعها ولا تهبها ولا تزوجها، فتأتي الجارية السلطان فتخبره أنها لا تقدر على الصبر بغير رجل، وأنها تخاف على نفسها، قال: لا أرى أن تحنث إلا أن يكون الذي عملت برا- أنها أو أدق به ضررا، فتمنع من ذلك، فإن كان لها نية أني لا أبيعها طائعة، فباعها السلطان، فلا أرى عليها حنثا، وإن لم تكن لهانية، فلا تباع عليها.
قال محمد بن رشد: ليس على الرجل أن يزوج عبده ولا أمته إذا
سأله واحد منهما ذلك؛ لأن قوله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ليس على الوجوب في العبيد والإماء، بدليل قوله: "والصالحين"، إذ لم يكن عاما في جميعهم كالمعتقة التي لم تحمل على الوجوب، لقوله فيها: حقا على المتقين وعلى المحسنين فلهذا لم ير في هذه الرواية أن تحنث المرأة في يمينها ألا تبيع جاريتها ولا تهبها ولا تزوجها، إلا أن يتبين أنها أرادت بذلك الضرر، فإن تبين ذلك، منعت منه كما قال: بأن تباع عليها إذا كانت لها نية أنها إنما حلفت ألا تبيعها طائعة يريد وتصدق في ذلك مع يمينها على ما قاله في أخر سماع أشهب من كتاب الإيمان بالطلاق: وإن لم تكن لها نية، أعتقت عليها ولم تبع لوجوب العتق عليها فيها ببيعها.
وهذا معنى قوله: وإن لم تكن لها نية فلا تباع عليها وتعتق.
وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها إتباعا لظاهر قوله فيها ألا يبيع السلطان الجارية إلا باجتماع شيئين أن يعلم أنها قصدت الضرر، وأن يعلم أنها أرادت: لا أبيع طائعة، فحينئذ يبيع، وإن انفرد أحدهما، لم تبع عليها: وليس ذلك بصحيح؛ لأن النية لا تعلم إلا من قبلها، فإذا تبين إرادتها الضرر (بمنعها) حنثت وأعتقت عليها، إلا أن تكون لها نية تدعيها فتصدق فيها وتباع عليها، وهذا الذي قلناه من أنه ليس على الرجل أن يزوج عبده ولا أمته إذا سأله واحد منهما ذلك، هو نص ما في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وبالله التوفيق.
مسألة: قال اشهدوا أن غلامي فلان حر بخمسين دينارا
مسألة وقال ابن القاسم في رجل قال: اشهدوا أن غلامي فلان حر بخمسين دينارا، وهو حر إن رضي أن يبيعه بخمسين دينارا، فقال فلان قد رضيت، فقال: هو حر وهو بيع، فإن قال: لا أرضى وقد بدا لي، قال: ليس ذلك له وهو حر، قال: فإن قال صاحبه: قد بدا لي بعد ما قال قد رضيت، قال: ليس ذلك له قد باع، قال: وإنما الذي قال مالك الذي يقول: اشهدوا أن غلامي فلان حر من مالي، إن فعلت كذا وكذا- فيفعله، قال: ليس عليه شيء، قال ابن القاسم: والذي يقول لرجل: تبيعني غلامك بخمسين دينارا وهو حر على الإيجاب، فقال: نعم، فقال: قد بدا لي، فقال: ليس ذلك له وهو حر، وهو بمنزلة ما لو قال: غلامي فلان لي بخمسين دينارا إن رضي وهو حر فرضي، فالبيع له لازم، ولم تزده الحرية إلا قوة.
قال محمد بن رشد: إنما الذي قال: اشهدوا أن غلام فلان لي بخمسين دينارا، وهو حر إن رضي فلان أن يبيعه بذلك، فهو كما قال من أنه حر ولا رجوع لواحد منهما فيما رضي به؛ لأنه بيع قد انبرم بينهما وتم بما أشهد به المبتاع على نفسه من التزامه العبد بالخمسين، وإمضاء البائع له البيع فيه بذلك لقوله: قد رضيت، وإذا التزم المبتاع الشراء لزمته الحرية، وأما قول مالك في الذي يقول: اشهدوا أن غلام فلان حر من مالي، فإن فعلت كذا وكذا، فقد مضى الكلام فيه فوق هذا في هذا الرسم وما يدخله من الاختلاف، فلا معنى لإعادته؟ وأما الذي يقول لرجل: تبيعني غلامك
بخمسين دينارا- وهو حر على الإيجاب، فقال: نعم، فقوله فيه: إن ذلك يلزمه، بمنزلة ما لو قال غلام فلان لي بخمسين دينارا- إن رضي- صحيح، وإنما كان بمنزلته، من أجل قوله على الإيجاب، ولو قال: تبيعني غلامك بخمسين دينارا أو هو حر- ولم يقل على الإيجاب، فقال له: نعم، لما كان بمنزلة قوله: غلام فلان لي بخمسين دينارا؛ لأن قوله: غلام فلان لي بخمسين دينارا إن رضي، إيجاب منه على نفسه شراءه بخمسين دينارا.
وقوله: تبيعني غلامك بخمسين دينارا مساومة، يختلف إن قال له البائع: قد بعتك إياه بالخمسين، هل يلزمه الشراء أم لا؟ وقد مضى بيان هذا في أول الرسم، وقد مضى تحصيل القول فيه في أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يدفع إلى رجل مائة دينار ويقول له اشترني لنفسي من سيدي
مسألة وسألته: عن العبد يدفع إلى رجل مائة دينار، ويقول له: اشترني لنفسي من سيدي، فيشتريه لنفس العبد، ويستثني ماله، قال: يكون حرا ولا يرجع السيد البائع على العبد، ولا على المشتري بشيء، ويكون ولاؤه للبائع، ومن سماع أصبغ بن الفرج قال ابن القاسم: ولا ينظر في هذا أعتقه بعد الاشتراء أو لم يعتقه، ليس للمبتاع في هذا عتق، قال عيسى بن دينار قلت: فلو كان قال: اشترني ولم يقل لنفسي، فاشتراه المشتري لنفسه وليس للعبد واستثنى ماله، قال: يكون عبدا له ولا يرجع البائع على المشتري بشيء، فإن أعتقه المشتري كان ولاؤه له؛ لأنه اشتراه بمال قد كان استثناه، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يستثن ماله فعتقه المشتري ثم عثر
على ذلك، قال مالك: يرجع البائع فيأخذ من المشتري مائة دينار أخرى، ويكون ولاؤه للمبتاع، فإن لم يكن عنده شيء، بيع من العبد المعتق قدر المائة، فإن فضل من رقبته فضل عن المائة، عتق منه ما بقي، وإن نقصت رقبته عن المائة، كان ما نقض دينا يتبع به المشتري، وإن قال: اشترني بهذه المائة لنفسك، فاشتراه ولم يستثن ماله، كانت المائة للسيد واتبعه بمائة أخرى، قال أصبغ: وإن اختلف المشتري والعبد ولم يستثن ماله، فقال العبد: أعطيته للمشتري لنفسي، وقال المشتري: أعطاني اشتريه لنفسي، فالقول قول المشتري؛ لأنه ضامن غارم، وأن الولاء قد وجب له والشراء قد عرف والعبد مدع، وكذلك إن كان استثنى ماله أيضا، فالقول.
قول المستثني بظاهر الاشتراء حتى يعرف خلافه ببينة للعبد على معاملته على ذلك، أو على إقرار من المشتري بذلك قبل اشترائه، قال أصبغ: وإن اختلف السيد والمشتري إذا لم يستثن ماله فتداعيا، فقال السيد: إنما أعطيتني من مال عبدي، ولم يعرف كيف كان ذلك، فأنكر المشتري فالقول قول المشتري؛ لأن السيد مدع عليه للمائة ليغرمه إياه ثانية، وعلى المشتري اليمين، فإن حلف برئ وإن نكل حلف السيد واستحق، ورد بذلك عتق العبد حتى يباع له فيها إذ لم يكن له مال غيره، عرفت بينهما مخالطة وملابسة قبل ذلك، أو لم تعرف؛ لأن هذا سبب قد أوجب اليمين عليه.
قال محمد بن رشد: تلخيص قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه إن اشترى العبد للعبد بالمائة التي دفعها إليه فاستثنى ماله، كان حرا ولم يكن للسيد في ذلك كلام، وإن لم يستثن ماله، (كان للسيد إذا علم أن يأخذ عبده وتكون المائة له، وإن اشتراه المشتري لنفسه لا للعبد، فاستثنى ماله، كان العبد له، ولم يكن للسيد في ذلك كلام، وإن لم يستثن ماله، كان للسيد، إذا علم أن يرجع عليه بالمائة- ولا اعتراض في ذلك- إذا لم يستثن ماله) اشتراه لنفسه أو للعبد، وأما إن استثنى ماله ففي ذلك نظر من أجل أن المشتري علم بالمائة التي للعبد وجهل ذلك السيد، فمن حجته أن يقول لو علمت أن له هذه المائة لما بعته بماله، فيكون له أن ينقض البيع ويأخذ عبده على ما قالوا في الصبرة إذا علم المشتري كيلها وجهل ذلك البائع- قال ذلك ابن أبي زيد، ووجه قول ابن القاسم، أن المال لم يقع عليه حصة من الثمن لأنه ملغى، فلكلا القولين وجه، ومرض الأصيلي هذا الشراء من وجه أخر، وهو أن وكالته العبد على شرائه من سيده لا تجوز إلا بإذن سيده، فإن اشتراء العبد- على قياس قوله- للعبد بالمائة التي دفعها إليه، واستثنى ماله- ولم يعلم السيد أنه إنما يشتريه للعبد، كان للسيد ألا يجيز ذلك، وإن أعلمه بذلك، لم يكن له فيه كلام؛ لأنه هو البائع للعبد من نفسه، وأما إذا اشتراه بالمائة لنفسه لا للعبد، فلا كلام في ذلك للسيد على ما ذهب إليه الأصيلي، خلاف ما ذهب إليه ابن أبي زيد، وقول ابن أبي زيد هو الصحيح في المسألة، وأما قول أصبغ: إنه إن اختلف المشتري والعبد- ولم يستثن ماله، فقال العبد: أعطيته يشتريني لنفسي، وقال المشتري: أعطاني اشتريه لنفسي، فالقول قول المشتري؛ لأنه ضامن غارم، والولاء قد وجب له، فهو الصحيح، إلا أنه لم يبين أن كان يكون القول قوله بيمين أو غير يمين، والذي يأتي في ذلك على أصولهم أنه إن كان المشتري قد أعتقه، كان القول قوله بغير يمين؛ لأن العبد يريد إرفاق نفسه لسيده بما يدعيه من أنه أعطاه المائة ليشتريه بها لنفسه؟ ولو أقر له المشتري بذلك بعد أن أعتقه، لوجب ألا
يصدق؛ لأنه يريد إرفاق العبد، فوجب أن يكون القول قوله أنه اشتراه لنفسه دون يمين، وأما إن كان لم يعتقه، فالقول قول المشتري مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، حلف العبد وكان القول قوله ورجع العبد إلى سيده، فإن نكل العبد عن اليمين كان للسيد أن يحلف ويأخذ عبده، فإن نكل عن اليمين أيضا بقي العبد للمشتري، وأما قوله وكذلك إن كان قد استثنى ماله أيضا، فالقول قول المشتري، فمعناه دون يمين؛ لأن العبد في دعواه إنما أعطاه المائة ليشتريه بها لنفسه لا للمشتري، مدع للعتق، فلا يمين له عليه في ذلك، إلا أن يأتي بشاهد واحد أنه عامله على ذلك، ولو كان المشتري قد أعتق العبد، لكان الولاء له، إلا أن يقيم سيده البينة على أن العبد إنما أعطاه المائة على أن يشتريه بها لنفسه لا للمشتري، ولو أقام على ذلك شاهدا واحدا لم يحلف معه؛ لأن الولاء لا يستحق باليمين مع الشاهد، ولو مات العبد بعد أن مات المشتري ولا ولد له عصبة لكان للسيد أن يحلف مع الشاهد الواحد ويستحق المال على مذهب ابن القاسم، خلاف قول أشهب؛ لأنه لا يستحق المال إلا بعد ثبات الولاء، وأما قول أصبغ: إنه إن اختلف السيد والمشتري فتداعيا في المائة، زعم السيد أنه أعطاه إياها من مال عبده فالقول قول المشتري، فهو بين لا إشكال فيه ولا اختلاف، وأما قوله: إنه إن نكل عن اليمين وكان ذلك بعد أن أعتق العبد ولا مال له غير العبد، أن السيد يحلف ويرد بذلك عتق العبد، فهو قول ضعيف ينحو إلى قول مالك في موطئه، والذي روى ابن القاسم عن مالك أنه لا يرد عتق العبد بالنكول هو القياس؛ لأنه يتهم على أن ينكل عن اليمين ليرد عتق العبد بيمين السيد، ألا ترى أنه لو أقر
له بما ادعاه من أنه دفع إليه المائة من مال عبده، لما صح أن يرد بذلك عتق العبد كما لو أعتق رجل عبده ولا مال له غيره، ثم أقر لرجل بدين لم يرد عتقه بإقراره، وأما لو اختلف السيد والمشتري وقد استثنى ماله، لكان القول قول المشتري دون يمين، كان المشتري قد أعتق العبد أو لم يعتقه؛ لأنه إن كان قد أعتقه فهو مدع لولائه، وإن كان لم يعتقه فهو مدع لحريته، ولا يمين في واحد من الوجهين، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يكون بين الرجلين فيأذن له أحدهما بعتق عبد له
مسألة وسألت ابن القاسم في العبد يكون بين الرجلين فيأذن له أحدهما بعتق عبد له، فيعتقه فيغير ذلك الآخر ويأباه، قال يرد عتقه، ولا يجوز إلا باجتماع منهما على الآخر، قلت: ولا يقوم حظ شريكه على الذي أذن له، قال: لا يقوم عليه ويرد عتقه، قلت لعيسى أرأيت إن حلف أحدهما بعتق عبد من عبيد عبيدهما فحنث أيقوم عليه أم لا؟ قال: أرى أن يقوم عليه، قيل: وكذلك لو ابتدأ عتقه من غير حنث وقع عليه، قال: يقوم عليه أيضا، قيل: وكيف تؤخذ القيمة منه أقيمته كلها أم نصف القيمة، قال: ذلك إلى شريكه إن شاء أخذ نصف القيمة، وإن شاء أخذ القيمة كلها وأقرت في يد العبد؛ لأنه لا ينتزع أحدهما ماله دون صاحبه.
قال محمد بن رشد: قول عيسى ليس بخلاف لقول ابن القاسم، والفرق بين أن يأذن له في عتق عبده فيعتقه، وبين أن يعتقه هو أو يحلف بعتقه فيحنث هو، أنه إذا أذن له في عتقه فالعتق في حظه منه، إنما هو من العبد والثواب له، ألا ترى الولاء يكون له إذا لم يعلم الشريك بذلك، أو علم
فلم يرده حتى عتق؛ لأنه أذن له في عتقه في حال لا يجوز له فيه انتزاع ماله على الأصل الذي تقدم في رسم من سماع ابن القاسم، وإذا أعتقه هو أو حنث بعتقه، فالعتق منه لا من العبد، والثواب له لا للعبد، وفي رسم المدبر والعتق من سماع أصبغ مسألة كان الشيوخ يحملونها على الخلاف لهذه، وليست بخلاف لها؛ لأنها مسألة أخرى، تلك إنما الشركة فيها في العبد المعتق لا في العبد المعتق، وهذه الشركة فيها في العبد المعتق، فقف على الفرق بين المسألتين فإنه بين، ولو أعتق نصف عبده بإذن أحد الشريكين، فأجاز ذلك الشريك الآخر، لتخرج ذلك على قولين؛ أحدهما: أنه يعتق جميعه عليهما، والثاني: أنه لا يعتق منه إلا النصف الذي أعتق على الذي أعتقه- على اختلافهم في الدار بين الرجلين يبيع أحدهما نصفها على الإشاعة، هل يقع البيع على نصف حظه ونصف حظ شريكه، أو على النصف الذي له؟ ولو أعتق نصفه بإذنهما جميعا، لعتق جميعه، كما لو أعتق عبد لرجل نصف عبده، بإذن سيده، لعتق جميعه، وبالله التوفيق.
مسألة: يعتق عبد مدبره أو أم ولده عند الموت
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يعتق عبد مدبره أو أم ولده عند الموت، هل يجوز عتقه؟ قال ابن القاسم: إن كان له مال، أخرج قيمته له من ثلث ماله ولم يرد عتقه، وإن لم يكن له رد عتقه، قلت: ولم يجوز عتقه وإن كان له مال وهو في حال لا يجوز له أخذ مال واحد منهما؟ قال لي: أرأيت الرجل أيجوز له أن يأخذ مال ابنه الذي يلي في حياته أو عند موته، أو يجوز له أن يعتق عبده إذا لم يكن له مال، قلت لا، قال: فلو أن رجلا أعتق عبد ابنه الذي يليه عند
الموت، أما كان يجوز عتقه إذا كان له مال ويعطي الابن قيمة العبد من الثلث؟ قلت: بلى، قال: فالمدبرة وأم الولد أقوى في أن يجوز العتق عليهما إذا كان له مال، ويعطيان القيمة؛ لأن المدبرة وأم الولد قد يجوز له يوما ما أن يأخذ اموالهما، وأما مال الولد، فلا يجوز له أخذه أبدا إلا على وجه الفرض له فيه بالمعروف إذا احتاج، ولأن المدبر وأم الولد قد قال جل الناس وعامة أهل المشرق ومن مضى من فقهائهم: النخعي وغيره- أنهما لا يتبعهما أموالهما، وإنما يعتقان بأبدانهما، فهو في مال المدبر، وأم الولد، أجوز منه في مال ابنه، قال عيسى وقال أشهب يرد عتقه فيما أعتق من رقيقهما، وإن كان له مال.
قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه مثل قول أشهب: أنه لا يجوز عتقه عند موته لعبيدهما، قال: وكذلك إن أوصى بعتقهم؛ لأنه لا ينتزع حينئذ أموالهم، فإن قيل يعطون أثمانهم من ثلثه، قيل: هذا غلط؛ لأن الميت لم يرد هذا، وقول أشهب وسحنون هو القياس على المذهب، وقول ابن القاسم استحسان مراعاة للاختلاف- حسبما ذكره، وبالله التوفيق.
: يعتق العبد وعليه دين
- ومن كتاب العرية- وسألته: عن الرجل يعتق العبد- وعليه دين إن بيع العبد كله- كان فيه أكثر من دينهم، وإن بيع بعضه لم يكن فيه قضاء الدين إلا أن يباع كله؛ لأنه إذا دخله شعبة من حرية، نقص ذلك من ثمنه،
قال: إذا لم يكن فيما بيع منه قضاء الدين، وليس يكون فيه قضاء الدين إلا أن يباع كله، بيع كله وجعل ما بقي بعد الدين في حرية، وذلك رأيي أن يجعل ما بقي منه في حرية، وقد سمعت عن مالك أنه ليس عليه ذلك أن يجعله في رقبة بواجب، ولكن أستحب ذلك وأستحسنه.
وسئل عنها سحنون فقال: قولي في هذه المسألة كقولي في رجل دبر عبده في مرضه ثم مات وعليه دين ولا مال له غيره، والذي عليه من الدين أقل من قيمته، يكون ربعه أو ثلثه، فإن بيع ذلك الجزء منه لم يبع إلا بأقل من قيمته، فالذي آخذ به فيها- وهو الحق إن شاء الله- أن ينظر إلى ما على الميت من الدين، فإن كان عشرة أو عشرين، والعبد قيمته مائة دينار إذا بيع كله، فإنه يوقف العبد ويقال: من يشتري من هذا العبد بما على صاحبه من الدين- وهو دينار أو عشرة، أو ما كان من الدين، فإنه الآن يقول: من يريد أن يشتري أنا آخذ ربعه بعشرة، ويقول آخر: أنا آخذ خمسه بعشرة، ويقول آخر: أنا آخذ سدسه بعشرة، فإذا وقف على شيء لا ينقص منه، بيع منه حينئذ، هكذا يكون أرفع لثمنه، وأزيد لقيمة ما بيع منه، وأعدل من أن يقال من يشتري ربع هذا العبد، أو خمسه أو جزءا منه؛ لأن ذلك يكون أكثر لثمنه بجزء هذا- على ما قلت لك، فإنه قول كثير من أصحاب مالك.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا هو قول ابن القاسم بعينه، وإنما قلب السوم، فابن القاسم يقول: إذا كان عليه عشرة دنانير دينا، من يشتري ربع هذا الغلام بعشرة، فإن لم يجد مشتريا، قال: من يشتري ثلثه بعشرة، ثم يزيد في الجزء حتى يجد مشتريا، وسحنون يقول: كم تشترون
من هذا الغلام بعشرة دنانير؟ فيقول مشتر ثلثه، وآخر ربعه، وآخر خمسه، حتى يقف على حد مسمى لا يجد من ينقص منه، فكلا القولين واحد في المعنى، وبالله التوفيق.
مسألة: الأمة تكون بين الرجلين ولها ولد هو بينهما أيضا
مسألة وسألته: عن الأمة تكون بين الرجلين ولها ولد هو بينهما أيضا، فيعتق أحدهما نصيبه من الجارية ويستلحق الآخر الولد ويدعي أنه ولده، قال: يلحق به الولد ويكون عليه نصف قيمته لصاحبه، ويعتق نصيبه في الأمة.
قال محمد بن رشد في كتاب ابن حبيب: إنه لا قيمة عليه في الولد ولا في الأمة؛ لأن إقراره بالولد لو علم منه قبل العتق، لم يكن عليه في الولد قيمة، وإنما كانت تكون عليه نصف قيمة الأمة، فلما لم يعلم ذلك منه إلا بعد العتق سقطت عنه القيمة في الأمة، وهو أظهر من قول ابن القاسم؛ لأن استلحاق الولد يرفع عنه التهمة، فوجب أن يكون استلحاقه للولد بمنزلة أن لو أقر أنه وطئها فجاءت بولد لا يلزمه إلا نصف قيمة الأمة، ووجه قول ابن القاسم، أنه لم ير استلحاقه له يرفع التهمة عنه فيما يلزمه من نصف قيمته لو أعتقه، فعلى قياس قوله لو استلحق الولد قبل العتق، لوجب أن يكون عليه الأكثر من نصف قيمة الأمة، أو نصف قيمة الولد، فلا يلزم ابن القاسم على هذا التعليل ما ألزمه ابن حبيب من قوله؛ لأن إقراره بأن الولد له لو علم قبل العتق لم يكن عليه في الولد قيمة، وإنما كانت تكون عليه نصف قيمة الأمة، إذ لا يوافقه على أصله في أن استلحاقه للولد يرفع التهمة عنه، وسيأتي في رسم إن خرجت بعد هذا عكس هذه المسألة- إذا وطئ أحدهما
الجارية فولدت، فقال الآخر: قد كنت أعتقتها قبل ذلك، ونتكلم عليها إذا وصلنا إليها إن شاء الله، وبالله التوفيق.
مسألة: يعتق نصف عبده والعبد خالص له
مسألة وسألته عن الرجل يعتق نصف عبده، والعبد خالص له، فيجهل أمره، فلا يستتم عتقه عليه؛ ثم يقول له بعد ذلك أعطني كذا وكذا، وأتم لك عتقك ففعل العبد؛ ثم يعلم العبد بأنه لم يكن عليه غرم شيء، وأن استتمام عتقه كان على سيده واجبا، وقد أفلس السيد، وقام عليه غرماؤه، أو مات وهو مليء أو معدم؛ قال: أرى أن يرجع عليه بما دفع إليه إن مات فيما ترك، وإن فلس دخل مع الغرماء؛ وإن كان مليئا غرم له ذلك نقدا، وإن كان عديما، أتبعه به دينا.
قال محمد بن رشد: هذا أصل قد اختلف فيه: من دفع ما لا يجب عليه دفعُه جاهلا، ثم أراد الرجوع فيه؛ من ذلك الذي يثيب على الصدقة، ثم يريد الرجوع في الثواب، ويدعي الجهل، ولها نظائر كثيرة؛ في المدونة والعتبية، قد تكلمنا عليها في غير ما موضع، وأشبعنا القول فيه في رسم أوصى، من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات، وقلنا هناك: إنها مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه ليس له أن يرجع فيما أنفذ بحال، وإن علم أنه جهل؛ إذ لا عذر له في الجهل.
والثاني: أن له أن يرجع في ذلك إن ادعى الجهل، وكان يشبه ما ادعاه مع يمينه على ذلك، وقيل بغير يمين.
والثالث: أنه ليس له أن يرجع في ذلك، إلا أن يعلم أنه جهل، بدليل يقيمه على ذلك، وهو قول سحنون في نوازله، من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
مسألة: يحلف بعتق غلامه في دين عليه أن يقضيه إلى شهر
مسألة وسئل عن الرجل يحلف بعتق غلامه في دين عليه أن يقضيه إلى شهر، فلم يقضه، فأعتق السلطان عليه؛ أيتبعه ماله أم لا؟ وعمن مثل بعبده، هل يتبعه ماله أم لا؟ قال ابن القاسم: قال مالك: كلاهما يعتق بماله، ورواها أشهب في كتاب العتق أيضا عن مالك.
قال محمد بن رشد: العبد يملك على مذهب مالك، فماله له ما لم ينتزعه منه سيده، أو يبعه؛ لأن بيعه إياه انتزاع منه لماله بالسنة الثابتة في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - من قوله: «من باع عبدا، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» .
فإذا أعتقه ولم يستثن ماله، تبعه على ما مضى من السنة في ذلك؛ إذ ليس له أن ينتزعه منه وهو حر بعد أن أعتقه، وكذلك إذا حنث فيه بالعتق يتبعه ماله، كما قال في الرواية؛ إذ ليس له أن ينتزعه منه بعد أن حنث فيه بالعتق، فصار حرا وإن كان ذلك قبل أن يعتقه عليه السلطان؛ لأن أحكامه أحكام حر من يوم الحنث، لا من يوم الحكم، وكذلك الذي يمثل بعبده فيعتقه عليه السلطان يتبعه ماله كما قال في الرواية؛ إذ ليس له أن ينتزعه منه وهو حر بعتق السلطان عليه إياه بالمثلة، ولو انتزعه بعد أن مثل به قبل أن يعتقه عليه السلطان، لجاز له انتزاعه منه؛ إذ ليس هو حرا بنفس المثلة، وأحكامه أحكام عبد حتى يعتق عليه، إلا أن ينتزعه منه بعد أن أشرف السلطان على الحكم عليه بالعتق، فلا يكون ذلك له، قاله أصبغ فيما حكاه عنه ابن حبيب، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يكون نصفه حرا ونصفه مملوكا
مسألة قال عيسى: سئل ابن القاسم عن العبد يكون نصفه حرا ونصفه مملوكا، فيعتق بإذن الذي له فيه الرق، أو بغير إذنه؛ فقال: إذا أعتقه بغير إذنه، فإنه يرد عتقه إن شاء؛ وأما إن أعتق بإذنه فولاء ما أعتق بينه وبين الذي أعتق النصف، فيكون ولاء ما أعتق هذا العبد الذي نصفه حر بين الذي له فيه الرق، وبين الذي أعتق النصف، ما كان الذي نصفه حر فيه الرق؛ وإن مات على ذلك وفيه الرق، فهو بينهما أيضا؛ فإن أعتق العبد الذي نصفه حر يوما ما، رجع إليه ولاء ما أعتق؛ لأنه مما لا يجوز للذي فيه الرق انتزاع ماله، فكل من لا يجوز لسيده انتزاع ماله، فما أعتق بإذنه فولاؤه يرجع إليه إذا أعتق؛ وقد قال في سماع يحيى، من كتاب الصلاة: إن ميراث ما أعتق هذا العبد الذي نصفه حر بإذن الذي له فيه الرق، للذي تمسك بالرق خالصا، وهو أحق بميراث مواليه من الشريك المعتق الأول.
قال محمد بن رشد: رواية يحيى أصح في النظر؛ لأنه لما لم يصح أن يرث هذا العبد المعتق سيده الذي أعتقه، من أجل أن بعضه عبد؛ وجب أن يكون ميراثه لمن يرث سيده الذي أعتقه، وهو الذي له بعض رقبته؛ لأن العبد إذا كان بعضه حرا، وبعضه رقيقا، فميراثه للذي له فيه الرق، فكما يرثه بالرق الذي له فيه دون الذي أعتق بعضه، فكذلك يرث مولاه بالرق الذي له فيه دون الذي أعتق بعضه؛ ووجه رواية عيسى أنه لما كان الرجل يرث معتق عبده، وجب إذا كان له بعض عبد ألا يرث من معتقه إلا بقدر ما له من
رقبته؛ ولما كان الباقي من ميراثه لا يصح أن يرثه الذي أعتقه من أجل ما فيه من الرق، جعله للذي أعتق بقيته، وليس ذلك ببين، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لعبده يوم أعتق فأنت حر فأعتق العبد في ملكه
مسألة قال عيسى: وسئل عن عبد قال لعبده: يوم أعتق فأنت حر، فأعتق العبد في ملكه؟ قال: يعتق عليه، قيل له: فإن قال: اخدمني عشر سنين، وأنت حر فعتق؛ هل يلزمه ما جعل له؟ قال: نعم يلزمه، قلت: فلمن يكون ولاؤهما، وإنما عتقا بما عقد لهما في ملك سيده؛ قال: ولاؤهما له، وإنما هما بمنزلة ما أعتق، فلم يعلم به سيدهما حتى أعتقه، ولم يستثن ماله فولاؤه له؛ وإنما هذا إذا صنع ذلك بغير إذن سيده، وأما إن كان ذلك بإذن سيده فولاؤهما لسيده، وإن لم يعتقا إلا بعد عتق العبد الذي جعل لهما ذلك؛ قلت: فإن كانت جارية ففعل ذلك بإذن سيده، قال: أما الجارية فإذا أذن له سيده، فليس للعبد ولا لسيده أن يطأها، ولا أن يبيعها؛ لأنها معتقة إلى أجل؛ وأما الذي قال لجاريته: يوم أعتق فأنت حرة، فهذا يطأ، ويبيع إن شاء، قال ابن نافع: الولاء في مثل جميع هذه للسيد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسائل بين، والأصل فيها أن من أعتق عبده وهو عبد، أو فيه بقية من رق، فلم يعلم بذلك سيده حتى عتق، فالولاء له؛ وإن علم فأجازه، أو كان العتق بإذنه؛ أفترى في ذلك من له أن ينتزع ماله، ممن ليس له ذلك؟ وقد مضى القول على هذا المعنى مجودا في رسم من سماع ابن القاسم، والله الموفق.
مسألة: تحضره الوفاة فيدخل عليه أحد ولديه فيشهده أنه أعتق فلانا
مسألة قال عيسى بن دينار: ثم سألت ابن القاسم عن الذي تحضره الوفاة وله ولدان، فيدخل عليه أحدهما، فيقول له أبوه: اشهد أني قد أعتقت غلامي فلانا، ثم يخرج فيدخل عليه الآخر فيسأله أن يوصي، فيقول له: اشهد أن رأسا من رقيقي حر، ولم يترك إلا ثلاثة أرؤس، ويكون ماله كثيرا، أو لا يكون له مال غيرهم، قال ابن القاسم: لا أرى لواحد منهما شهادة يقطع بها، ويؤمر للذي شهد على عبد بعينه أن يشتري بحصته منه رقبة، إن باعه أشراكه، وإن أمسكوا فلا يستخدم حصته منه؛ فإن صار له كله، عتق عليه، ويؤمر الذي شهد على رأس منهم في ثلث قيمة أولئك الأرؤس الثلاث مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى لواحد منهما شهادة؛ معناه أنها لا تلفق؛ لأنها مختلفة؛ وإذا لم تلفق بطلت؛ إذ لا يثبت العتق بشهادة واحد؛ وقد قيل: إنه يقرع بين العبيد بشهادة الذي شهد أنه أعتق رأسا من رقيقه، ولم يعينه، فإن خرجت القرعة على العبد الذي سماه الشاهد الآخر، لفقت الشهادة؛ لأنها قد اتفقت فيما يوجبه الحكم؛ وقد مضى هذا في نوازل سحنون، من كتاب الوصايا، ومضى في رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب الشهادات، تحصيل القول فيما تلفق فيه الشهادات مما لا تلفق فيه.
وقوله: إذا بطلت الشهادة؛ أن الشاهد يؤمر أن يشتري بحصته من العبد الذي شهد بعتقه رقبة يعتقها إن باعه أشراكه، فإن لم يبيعوا وأمسكوا، فلا يستخدم حصته
منه؛ معناه إذا لم يجد من يشتري منه حصته منه على انفراد، ولو وجد من يشتريها منه إذا لم يرد أشراكه البيع، لاستحب له أيضا أن يبيعها ويجعل ذلك في عتق، وكذلك قال في المدونة وغيرها.
وقوله: إنه إن صار له كله عتق عليه صحيح؛ لأنه إنما منع أن تعتق عليه حصته منه من أجل الضرر الداخل في ذلك على أشراكه؛ وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يراعي هذا الضرر، فرأى أن تعتق عليه حصته منه، قاله في أول رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب الشهادات، ومثله للمغيرة في نوازل سحنون منه؛ ويتخرج في المسألة قول ثالث، وهو أن يعتق عليه حظه منه، ويقوم عليه حظ أشراكه؛ لأنه يتهم أن يكون أراد أن يعتق حظه، ولا يقوم عليه حظ أشراكه.
وقد مضى بيان ذلك في أول رسم، من سماع ابن القاسم، من الكتاب المذكور؛ فإن رجع عما شهد به بعد أن ملكه كله، لم يعتق عليه عند أشهب، وهو قول غيره في العتق الثاني من المدونة؛ وما يلزم الذي شهد على عتق عبد بعينه من عتقه عليه إن ملكه كله ويؤمر به من أن يجعل ثمن حصته منه في عبد يعتقه، يلزم مثله الذي شهد على رأس منهم بغير عينه في ثلث قيمة أولئك الأرؤس، وذلك بأن يقوموا، فإن كانت قيمتهم سواء، أسهم بينهم على أيهم تخرج وصية الميت، فالذي يخرج السهم عليه يؤمر أن يبيع حصته منه فيجعله في رقبة، وإن ملكه كله عتق عليه، وذلك إن حمله الثلث؛ وإن لم يحمله الثلث، فيكون هذا الحكم فيما حمله منه، إلا أن تكون الشهادة عليه بالعتق في الصحة، فلا ينظر في ذلك إلى الثلث، وبالله التوفيق.
مسألة: قال إن دخلت هذه الدار فجاريتي حرة
مسألة وأما الذي قال: إن دخلت هذه الدار فجاريتي حرة، فولدت
قبل أن يدخلها، ثم دخلها ولها ولد، فإنها تعتق بولدها كذلك؛ قال لي مالك عن الاستثقال للعتق.
قال محمد بن رشد: القياس ألا يدخل والدها معها في العتق؛ لأنه فيها على بر، وله أن يطأ ويبيع، إلا أن قول مالك قد اختلف في ذلك، مرة كان يقول يعتق ولدها، ومرة كان يقول تعتق بغير ولدها؛ ولكن الذي ثبت عليه واستحسنه على كره أن تعتق هي وولدها على ما قاله في هذه الرواية، وما تقدم في رسم باع غلاما، من سماع ابن القاسم، وما يأتي في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى، وفي رسم المدبر والعتق من سماع أصبغ؛ وقد مضى الكلام على هذه المسألة في رسم باع غلاما المذكور، من سماع ابن القاسم، وفي رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب الوصايا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: بتلت عتق نصف جارية لها وهي صحيحة وكاتبت نصفها
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يسأل عن امرأة بتلت عتق نصف جارية لها، وهي صحيحة، وكاتبت نصفها، ولم تعلم بذلك حتى ماتت؛ قال: لا يعتق منها إلا النصف التي أعتقت، وتمضي على الكتابة بالنصف، وسئل عن الرجل دبر نصف عبده، وكاتب نصفه، فقال: إن علم به قبل الموت كان مدبرا كله، وإن لم يعلم به حتى مات، عتق نصفه في ثلث الميت، ومضى على الكتابة في نصفه؛ قال: ولو لم يعثر على ذلك إلا وهو مريض، فإنهما يعتقان جميعا في ثلث الميت؛ فإن خرجا سقطت الكتابة، وإن لم يخرجا عتق منهما ما أعتق، وكان ما بقي منهما على الكتابة.
قال محمد بن رشد: سقطت مسألة التدبير في بعض الروايات،
ولا تصح المسألة إلا بثبوتها؛ لأن قوله قال: ولو لم يعثر على ذلك إلا وهو مريض إلى آخر المسألة، إنما هو تمام مسألة التدبير، ولا يصح أن تعاد إلى مسألة المرأة فتجعل من تمامها، لاستحالة ذلك في اللفظ؛ إذ هو بلفظ التذكير وخطابه في المعنى؛ إذ لا يصح أن يكون في ثلثها ما أعتقه في صحتها؛ وقد أصلح من الشيوخ من سقطت من كتابه مسألة التدبير المسألة بأن ردها على التأنيث فطرح قوله، وهو مريض إلى آخر المسألة، وجعل مكانه، وهي مريضة، فإنه يعتق جميعها في ثلث الميت إن حملها، وسقطت الكتابة؛ وإن لم يحملها عتق منها ما عتق من مبلغ الثلث، وكان ما بقي منها على الكتابة، وذلك خطأ؛ لأن الواجب إذا أعتقت نصف جارية لها، وهي صحيحة فلم يعثر على ذلك حتى مرضت؛ أن يكون ذلك بمنزلة إذا لم يعثر على ذلك حتى ماتت، يعتق منها النصف الذي أعتقت ويمضي على الكتابة في النصف على القول بأن من أعتق نصف عبد له وهو صحيح، فلم يعثر على ذلك حتى مرض، لا يعتق عليه باقيه في الثلث إلا بعد الموت؛ وعلى القول بأن من أعتق نصف عبد له في صحته، فلم يعثر على ذلك حتى مرض، يعتق عليه باقيه في الثلث؛ يعتق عليها النصف الذي أعتقت في صحتها؛ فإن ماتت من مرضها، والثلث يحمل النصف الذي كاتبت، أعتق في ثلثها، وسقطت عنه الكتابة؛ وإن لم يحمل الثلث جميعه، أعتق منه ما حمل ثلثها، وسقط عنه من الكتابة بقدر ذلك؛ وكان ما
بقي منه على الكتابة؛ وقد قال بعض من ذهب إلى تصحيح هذا الإصلاح، معنى ذلك أنها كانت ذات زوج؛ ولذلك قال: إن النصف الذي أعتقت في صحتها يكون في ثلثها، وذلك أيضا خطأ من التأويل؛ لأنه إن كان ثلث مالها لا يحمله فأجازه الزوج، وجب أن يجوز وتكون من رأس المال؛ وإن لم يجزه، وجب أن يبطل كله، ولا يجوز منه قدر الثلث؛ وهذا أمر متفق عليه في العتق؛ وأما في غير العتق، فقد قيل: إن الزوج إذا لم يجزه جاز الثلث، وبطل الزائد عليه، فساوى بين من أعتق بعض عبده، أو دبر بعضه بين التدبير والعتق في ألا يلزمه عتق الباقي ولا تدبيره حتى يحكم عليه به؛ فإن لم يحكم به عليه حتى مات لم يحكم به عليه بعد الموت؛ لأن تتميم عتقه عليه، إذا أعتق بعضه ليس فيه أثر؛ وإنما قيس على ما جاءت به البينة من أنه من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل، فعتق الرجل بعض عبده مقيس على عتقه شقصا له في عبد، وتدبير الرجل بعض عبده مقيس على عتق بعض عبده، فإن عثر عليه في حياته كان مدبرا كله، وإن لم يعثر عليه حتى مات، لم يكن منه مدبرا إلا ما دبر، وكذلك إذا دبر بعض عبده وكاتب بقيته، فعثر على ذلك قبل أن يموت، تبطل الكتابة في نصفه؛ إذ لا يجوز للرجل أن يكاتب نصف عبده، ويكون مدبرا كله، وبالله التوفيق.
مسألة: باع شقصا له في عبد واستثنى ماله
مسألة وقال: من باع شقصا له في عبد، واستثنى ماله، فسخ البيع.
قال محمد بن رشد: دليل هذه الرواية أنه لو لم يستثن ماله، لم يفسخ البيع إن سلم البائع المال للمشتري، على قياس ما في رسم كتب عليه ذكر حق، من سماع ابن القاسم، من كتاب جامع البيوع، خلاف ما في رسم استأذن، من سماع عيسى منه، وخلاف ما في سماع أشهب أيضا من كتاب الشركة، وبالله التوفيق.
: الولد يشهد أن أباه أعتق عبدا سماه
ومن كتاب له أوصى بمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسألته عن الولد يشهد أن أباه أعتق عبدا سماه، وشهد بذلك غير ولد ممن يرث الميت، قال: لا تجوز شهادة واحد في العتق، ولا يعتق منه قليل ولا كثير، لا ما ينوبه ولا غيره، غير أنه إن ملكه يوما ما، أو ملك منه شيئا عتق عليه جميع ما يملك، فإن الذي ملك منه كله أو بعضه، فإنه يعتق عليه، ولا يحل له أن يسترق عبدا يزعم أنه حر، قلت: ولم لا يعتق منه مصابته فيه، وإن لم يملك منه شيئا؟ قال: كذلك قال مالك: لا يعتق منه شيء إلا أن يملكه، قال ابن القاسم: وما صار منه في حظه من دنانير، أو دراهم، أو غير ذلك من العروض، فإنه لا يأكله ويؤمر أن يجعله في عتق رقبة إن كان يبلغ رقبة، أو في شركة عبد يعتق إن لم يبلغ رقبة، أو في قطاعة مكاتب يجعله في عتق ولا يأكله، يؤمر بذلك وله أن يقضي عليه به، فإن ملكه يوما ما عتق عليه إن كان يحمله ثلث الميت يوم
مات، أو ما كان يحمل منه، ليس عليه أن يعتق منه أكثر مما كان يحمل منه ثلث الميت يوم مات، إن كان إنما زعم أنه أعتقه في المرض، ولو كان شهد أنه أعتقه في الصحة، لم يجز له أن يملك منه شيئا أبدا؛ ومتى ما ملك منه شيئا؛ عتق عليه، غير أنه إن كان إنما يزعم أنه أعتقه في المرض، فإنه إن ملك منه شيئا نظر، فإن كان هو ثلث الميت بعينه، ولم يكن معه من الوصايا شيء إلا وهو مبدأ عليه، فإنه متى ما ملك منه شيئا، عتق عليه إن ملكه كله عتق عليه كله؛ وإن ملك بعضه عتق عليه ما ملك منه؛ وإن كان معه من الوصايا من العتق أو غيره ما يكون غيره مبدأ عليه، أو يكون هو وإياه في الثلث، إسوة الغرماء، فإنه إذا ملكه يوما ما نظر إلى ما كان يعتق منه في ثلث الميت مع تلك الوصايا، لو ثبت عتقه يومئذ بشاهد آخر، فأعتق منه إذا ملكه مبلغ ذلك إن كان يعتق جميعه مع تلك الوصايا عتق جميعه، وإن كان نصفا فنصفا، وإن كان ثلثا فثلثا، يعتق منه مبلغ ما كان يعتق منه معهم لو ثبت عتقه بشاهدين؛ وأما إذا لم يملكه، وإنما صار له منه دنانير، أو دراهم أو غير ذلك من العروض، فإنه ينظر إلى ما صار إليه من قيمته؛ فإن كان قدر ما يعتق منه في الثلث أو أدنى، جعل جميع ذلك في عتق؛ قال ابن القاسم: إن كان كله، وإن كان أكثر مما كان يعتق منه أخرج مقدار الذي كان يعتق منه، فجعله في عتق واحتبس الفضلة، فهكذا يصنع فيما يصير له من شهد في عتق عبد من جميع الورثة
ولدا كان أو غير ذلك، امرأة كان أو رجلا، قاطع الشهادة كان أو غير قاطعها، إذا كان يملك ماله، ويجوز فيه قضاؤه، ويقبض ما ورث، ولا يولى عليه؛ فهذا الذي يجب عليهم أن يفعلوه من غير أن يقضى عليهم فيه، فكم من ليس بقاطع الشهادة، ولا يولى عليه في ماله لإصلاحه في ماله، وحسن نظره، وعسى أن يكون والد الميت، أو أخا، أو غير ذلك، فأولئك كلهم إذا شهدوا في عبد أن صاحبهم المالك أعتقه، فعليهم أن يصنعوا فيما يصير لهم مثل ما ذكرت لك، ولو شهد رجلان منهم ممن ليس بقاطع الشهادة، إلا أنهما ليس يولى عليهما في أموالها، فإن العبد لا يعتق بشهادتهما، ولكن كل من ردت شهادته، كان عليه أن يصنع فيما يصير له فيه مثل ما وصفت لك، وكذلك أيضا الرجلان العدلان من ولده يشهدان لعبد أن أباهما أعتقه، فإنه إن كان العبد ممن لا يتحمل بولايته ولا يتهمان في جر ولاء مثله لدناءته، فإن شهادتهما جائزة، ويعتق بشهادتهما.
وإن كان ليس معهما غيرهما ممن يرث ولاء الميت إنما معهما بنات ونساء ومن لا يرث ولاء، فإن شهادتهما جائزة، ولا يتهمان في جر ولاء العبد الدني ويعتق بشهادتهما؛ وإن شهدا في عبد نبيل يرغب في ولائه ويتحمل بولايته، أو في عبد دني إلا أن له أولادا من امرأة حرة مثلهم يرغب في ولائهم، فإنه إن كان كل من ورث الميت يرث الولاء، جازت شهادتهما، وإن كان معهما بنات أو أخوات أو من لا يرث ولاء، لم تجز شهادتهما وردت؛
لأنهما يجران إلى أنفسهما، ويتهمان في جر الولاء، ولا يعتق منه قليل ولا كثير، لا من مصابتهما ولا غيره، ويصنعان فيما يصير لهما منه من رقبته أو من ثمنه مثل ما وصفت لك في الشاهد الواحد، والشاهدين اللذين هما غير قاطعي الشهادة، فكل من ردت شهادته عدلا كان أو غير عدل إذا كان مالكا لماله، لا يولى عليه فيه صنع فيما يصير له من العبد، مثل ما وصفت لك، قال: ولو شهد رجل واحد من ورثته في عبد بعضه حر، أن الميت أوصى بعتقه، عتق من العبد نصيب الشاهد منه فقط، ولم يعتق منه غيره؛ لأنه لا يتهم هاهنا، ولم يدخل فسادا بشهادته إذا كان بعضه حرا.
قلت: أرأيت إن شهد رجل أو رجلان من ورثته في عتق عبد نصفه حر، أن صاحبهم أعتق بقيته، والعبد مما يتحمل بولايته، ويرغب فيه، ومعهم من الوراث من لا يرث ولاء، أتجوز شهادتهم أم لا؟ قال ابن القاسم: لا تجوز شهادتهم إذا كان العبد يتهمون فيه على جر ولائه، وكان معهم من الورثة من لا يرث ولاء، وإن كان بعضه حرا؛ لأن جر قليل الولاء وكثيره سواء، قال ابن القاسم: لا يعتق من العبد إذا ملك شقصا أحد ممن شهد له، وردت شهادته أكثر مما ملك منه، ولا يعتق عليه نصيب شريكه فيه بالقيمة، وإنما يعتق منه الذي ملك، فلا يعتق عليه غيره.
وما ملكوا من العبد فعتق، فإن ولاء ما عتق منه للميت، ولمن ورث الميت، قال ابن القاسم: ولو كان الذي شهد ليس للميت وارث غيره، جازت شهادته وعتق بشهادته وحده العبد في ثلث الميت، أو ما حمل الثلث منه، كان جائز الشهادة، أو غير
جائز الشهادة، إذا كان لا يولى عليه في ماله؛ وكذلك أيضا الشهيدان إذا لم يكن معهما وارث غيرهما جازت شهادتهما، وأعتق العبد بشهادتهما في ثلث الميت، كانا جائزي الشهادة، أو غير جائزي الشهادة إذا كان لا يولى عليهما في أموالهما، قال: وكل من ملك ممن ذكرت لك في هذه المسألة من الشهداء من رقبة العبد شيئا، فإنه يجبر على عتق ما ملك منه على حال ما وصفت لك، ومن لم يملك منه شيئا، وإنما صار له في مصابته منه دراهم أو دنانير، فإنه يؤمر أن يجعل ذلك في رقبة، ولا يجبر على ذلك كما يجبر على عتق ما يملك منه؛ قلت: فالسفيه مولى عليه، والصغير والبكر من النساء المولى عليهما، يشهد أحدهم بهذه الشهادة في حال ولايته، ثم ملك من ذلك العبد شيئا، هل يعتق عليه؟ قال: لا؛ لأن مالكا قال لي في السفيه يحلف بعتق بعض رقيقه في شيء ألا يفعله، فتحسن حاله، ثم يفعل وهو حسن الحال؛ أترى أن يعتق عليه؟ قال: لا، ولا أراه يخرج من المأثم، ولا يقضى عليه بذلك؛ لأن الأيمان يوم تقع.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها صحاح بينة، مثل ما في المدونة، وما فيها من الزيادة عليها مفسرة لما فيها؛ ولما سأله عن الابن يشهد أن أباه أعتق عبدا له سماه، لم لا يعتق عليه حظه منه؟ قال له كذلك قال مالك، فاكتفى بذلك منه دون أن يبين له العلة؛ والعلة في ذلك هي الضرر الذي يدخل على سائر الوراث بعتق بعض العبد؛ لأن ذلك ينقص قيمته إذا أعتق ربعه، قد لا تساوى ثلاثة أرباعه إلا نصف ثمن جميعه، ولهذه
العلة جاءت السنة فيمن أعتق شقصا له في العبد، أن يقوم العبد على أن جميعه مملوك، فيعطي شركاؤه حصصهم منه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه منه على أن نصيبه حر، ألا ترى أنه إذا شهد على موروثه بعتق عبد بعضه حر، عتق عليه نصيبه منه على ما قاله في الرواية؛ لارتفاع علة الضرر في ذلك، فقوله في الذي شهد أن أباه أعتق عبدا سماه، أنه إن ملكه يوما ما، أو ملك منه شيئا، أعتق عليه جميع ما يملك، كان الذي يملك منه كله أو بعضه صحيح؛ لأنه إذا ملكه كله، لم يكن على أحد ضرر في عتقه عليه، وإذا ملك منه بعضه باشتراء أو هبة، فوجب أن يعتق عليه ما اشترى، لإقراره أنه حر، وجب أن يعتق عليه ما ورثه منه أيضا لارتفاع علة الضرر في ذلك بدخول العتق فيه بما اشتراه منه، أو وهب له؛ مثال ذلك أن يكون للرجل ثلاثة من الولد، فيشهد أحدهم على أبيه أنه أعتق عبدا له سماه، فلا يعتق عليه حظه منه، فإن اشترى حظ أخيه الثاني عتق عليه ثلثا العبد، الثلث الذي ورثه والثلث الذي اشتراه، ولا يقوم عليه حظ أخيه الثالث على ما قاله في الرواية، وقد قيل: إنه يقوم عليه، وهو الذي يأتي على قول أصبغ في نوازله، من كتاب الشهادات، في الرجلين يشتريان العبد من الرجل، ثم يشهد أحدهما على البائع أنه كان قد أعتقه، والاختلاف في تقويمه عليه جار عندي على اختلافهم في ولاء ما أعتق عليه منه بإقراره أن غيره أعتقه، هل يكون له أو للذي زعم أنه أعتقه، فمن يرى أن الولاء يكون للمشهود عليه بالعتق، لا يقوم عليه حظ الشريك، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، ومن يرى أن الولاء يكون للذي أعتق عليه، وهو مذهب أشهب والمخزومي، يرى أن يقوم عليه.
وإلى هذا ذهب أصبغ، والله أعلم، وقد قيل: إنه يعتق عليه ما ورثه منه، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة، في أول رسم من سماع ابن القاسم، من كتاب
الشهادات، والمغيرة في نوازل سحنون منه، فهي ثلاثة أقوال في المسألة، وكان القياس على مذهب ابن القاسم وروايته عنه إذا لم يعتق عليه حظه الذي ورثه منه للضرر الداخل في ذلك على أشراكه، ألا يعتق عليه ما اشتراه منه أيضا للضرر الداخل في ذلك أيضا على أشراكه، إلا أن يشتري جميعه، وقوله في السفيه المولى عليه، والبكر من النساء المولى عليه، والصغير يشهد أحدهم بهذه الشهادة، ثم يملك من ذلك العبد شيئا في حال ملكه لأمر نفسه، أنه لا يعتق عليه، فقد مضى القول عليه في رسم العتق، من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف في جارية له بحريتها إن لم يبعها بعشرين دينارا إن وجد
مسألة وسألته عن رجل حلف في جارية له بحريتها، إن لم يبعها بعشرين دينارا إن وجد، وإن لم يبعها بنقصان عشرة دينار من رأس ماله إن وجد من يشتريها، فعرض فلم يجد من يأخذها بوضيعة عشرة دنانير، ولا من يشتريها بعشرين دينارا، قال: لا يحال بينه وبين وطئها، ويعرضها أبدا ما عاش؛ فإن لم يجد من يأخذها بذلك حتى مات، فلا حرية لها، ولا حنث عليه، وإن وطئها فحملت منه، عتقت عليه ساعة حملت.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة يختلف منها في موضعين؛ أحدهما: هل له أن يطأ في حال العرض أم لا؟ والثاني: إن عرض فوجد الثمن الذي حلف عليه، هل يحنث إن لم يبعها، أو لا يحنث؟ ويكف عن وطئها؛ لأنه على حنث، ولم يبعها حتى مات، عتقت في ثلثه، والاختلاف في هذا إنما
هو إذا لم تكن له نية في التعجيل ولا في التأخير، على أي الوجهين تحمل يمينه من ذلك، وأما إذا عرض فلم يجد الثمن الذي حلف عليه، فلا اختلاف في أن له أن يطأ، فإن مات قبل أن يجد الثمن، فلا شيء عليه ولا عتق لها، ويلزمه أن حال السوق بزيادة، أن يعود إلى العرض على القول بأن يمينه تحمل على التأخير إذا لم تكن له نية، وهو مذهبه في هذه الرواية، بدليل قوله، فإن لم يجد من يأخذها بذلك حتى مات، فلا حرية لها ولا حنث عليه، وإن وطئها فحملت منه عتقت عليه ساعة حملت؛ إذ لو حمل يمينه على التعجيل؛ لكان قد بر إذا عرضها في ذلك السوق، فلم يجد بها الثمن الذي حلف عليه، وقد مضى في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب الإيلاء، ما يبين ما قلناه في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: باع من عبده نفسه بمائة دينار نقدا
مسألة وسئل عن رجل باع من عبده نفسه بمائة دينار نقدا، ومائة ثوب موصوف إلى أجل، هل يكون الآن حرا، ويكون ذلك دينا عليه يتبع به؟ قال ابن القاسم: هو حر الآن، كان للعبد مال أو لا مال له؛ لأنه حين باعه نفسه، قد علم أنه سيعتق بملكه نفسه وهو بمنزلة رجل باع عبدا إلى سنة فأعتقه مشتريه، والبائع يعلمه فلم يعثر على ذلك حتى حلت السنة، فلم يجد عنده شيئا، فأراد رده، فليس ذلك له، وهو القياس بعينه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن البيع ينقل الملك، فإذا ملك العبد نفسه بالشراء عتق، ووجب عليه ما التزم من الثمن إلى أجله، فلا يدخل في هذه المسألة الاختلاف الحاصل بينهم فيمن قال لعبده: أنت حر على
أن عليك كذا وكذا نقدا، أو إلى أجل كذا وكذا حسبما نذكره إن شاء الله في رسم الصبرة، من سماع يحيى، من كتاب المكاتب، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لعبده أنت حر قبل موتي بيوم أو يومين
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لعبده: أنت حر قبل موتي بيوم أو يومين، أو شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين ما كان من الأجل، قال ابن القاسم: إن كان سيده مليئا أسلم العبد إلى السيد واختدمه حتى يموت، ثم ينظر في موته والأجل، فإذا كان الأجل في حين كان يجوز للسيد فيه القضاء في ماله كله، عتق العبد من رأس المال، ونظر إلى كراء خدمته بعد الأجل، فأعطيه من رأس مال سيده، وإن كان حل الأجل في مرض السيد، وفي حين كان لا يجوز للسيد القضاء في ماله إلا في الثلث، فإنه لا يعتق العبد إلا من الثلث، ويرده الدين ولا كراء له في خدمته، وإن كان السيد غير مليء خرج العبد ووقف خراجه، فإذا مضت السنتان أو الأجل ما كان حبس ذلك الخراج، فكلما مضى شهر بعد السنتين، أعطى خراج شهر من أول السنتين الماضيتين بقدر ما ينوب لكل شهر من الخراج، فعلى هذا يكون العمل فيها قرب الأجل أو بعد.