كتاب جامع البيوع الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المجلوب من الرقيق، ويكره شراء رقيق البلد؛ وكذلك الدواب وغيرها قد يرغب في المجلوب منها ما لا يرغب في شراء غير المجلوب، وكذلك تركة الميت قد يرغب فيها ما لا يرغب في غيرها، لما يعلم من طيب كسبه ويؤمن فيها من الاستحقاق وما أشبه ذلك، والله الموفق.
اشترى قمحا بدينار فسأله رجل على أن يوليه نصفه
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وقال في رجل اشترى قمحا بدينار، فسأله رجل على أن يوليه نصفه؟
قال: يعطيه دينارا ويرد عليه نصفه دراهم، واستثقل أن يعطي في التولية إلا مثل ما أعطى إن كانت دراهم فدراهم، وإن كانت دنانير فدنانير، وذلك قبل أن يستوفى ويكال، فأما بعد الكيل والاستيفاء، فلا بأس بما أعطاه؛ لأنه بيع جديد، وليس بعد تولية.
قال محمد بن رشد: استحسانه أن يعطيه في التولية دينارا كما دفع هو ويرد عليه نصفه دراهم، لا وجه له؛ لأنه لم يأخذ مثل ما دفع إليه؛ لأنه قبض في الدينار الذي دفع عشرة أرادب حنطة في التمثيل، ودفع فيه إلى المولى خمسة أرادب حنطة ودراهم، ولا يجب على من عليه نصف دينار لرجل أن يدفع إليه دينارا ويأخذ نصفه دراهم، ولا على من له نصف دينار، أن يأخذ دينارا ويرد نصفه دراهم؛ وإذا لم يجب ذلك على واحد منهما، انبغى أن يكون ذلك في التولية مكروها، لتراضيهما فيها على خلاف ما يوجبه الحكم من الثمن، فيضارع البيع قبل الاستيفاء؛ والذي
أقول به في هذا أن إجازة التولية من نصف الطعام المشترى بدينار، يتخرج على اختلافهم فيمن وجب له على رجل جزء من دينار، هل يراعى فيه في وجه الصرف ما يوجبه الحكم، أو ما ثبت في الذمة؛ وقد مضت من هذا مسائل كثيرة في سماع ابن القاسم وغيره من كتاب الصرف، فتجوز التولية فيه على القول بمراعاة ما ثبت في الذمة ويعطيه دراهم؛ إذ لا يقدر أحدهما على الامتناع مما يوجبه الحكم، ولا يجوز على القول بمراعاة ما يوجبه الحكم؛ لأنه بمنزلة من ابتاع طعاما بدينار، فولاه بصرفه من الدراهم.
يجعل في الخل الماء الذي لا يصلح إلا به
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وقال مالك: لا بأس أن يجعل في الخل الماء الذي لا يصلح إلا به.
قال محمد بن رشد: وكذلك الماء يجعل في اللبن لاستخراج زبده لا بأس بذلك، قاله مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب السلطان؛ وليس ذلك من الغش، وإنما الغش ما يطرح في ذلك بعد ذلك من الماء ليكثر به، وأما ما يصلح به فلا بأس به؛ وقال سحنون في سماع أشهب من كتاب السلطان في مسألة الخل مثل قول مالك هاهنا قياسا على قوله في مسألة اللبن.
مسألة: يشتري حمل الماء ففيما يجيء معه
مسألة وسئل: عن رجل يشتري حمل الماء، ففيما يجيء معه
السقاء ينقطع رواياه وينكسر، قال له قبل أن يبلغ على من ترى الضمان؛ قال: أرى الضمان على السقاء؛ لأن هذا من الأمور التي تشترى على أن تبلغ وهو من أمر الناس.
قال محمد بن رشد: حمل هذه المسألة على عادة الناس من أنهم إنما يشترون الماء على البلاغ، وليس ذلك على الأصول؛ لأنه جزاف؛ ولو اشترى رجل زيتا في زق أو لبنا في زق فتلف في الطريق، لكان ضمانه منه؛ وفي المبسوطة لأصبغ في الماء أن الضمان من المشترى وهو القياس، ومعنى قوله أنه ضامن لما يجب من الثمن (للماء) الذي اشتراه به؛ لأنه اشتراه على أن يحمله له إلى داره، فإذا عثر به فذهب، لم يكن عليه في الماء ضمان، ولم يكن له فيما حمل كراء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في تلف الشيء المستأجر على حمله من قبل ما عليه استحمل؛ فيحتمل أن يكون معنى ما قاله ابن القاسم في الرواية، أن الضمان من السقاء إذا لم يكن للماء قيمة في الموضع الذي اشترى منه الحمل فيه، فيكون جملة الثمن إنما هو على توصيله فقط.
مسألة: اشترى غنما غائبة بغلام غائب على صفة
مسألة وقال في رجل اشترى غنما غائبة) بغلام غائب على صفة، فقدم بالعبد على الصفة ولم يقدم بالغنم، فمات العبد قبل أن تأتي الغنم؛ قال: ينظر، فإن جاءت الغنم على الصفة، أو على غير
الصفة، فأراد مشتريها أن يأخذها كما جاءت على غير الصفة، كان العبد من الذي كان إليه صائرا وذلك بائع الغنم؛ وإن لم تأت الغنم على الصفة، فالمصيبة من بائع العبد إن أبى بائع العبد أن يأخذها.
قال محمد بن رشد: موت العبد بعد قدومه على الصفة كتلف الثمن الموضوع بيد أمين في بيع الغائب، وفي المواضة؛ قيل: إنه من المبتاع، وهو قول مالك في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء وأمهات الأولاد؛ فعلى هذا القول ينفسخ البيع في الغنم بموت العبد، وإن جاءت الغنم على الصفة أخذها مبتاعها وكانت مصيبة العبد من بائع الغنم الذي كان إليه صائرا، وإن تلفت قبل أن تدخل في ضمان مبتاعها إما بالقبض وإما بإدراك الصفة لها على الاختلاف في ذلك، كانت مصيبة العبد من بائعه، وكذلك إن جاءت على غير الصفة، فأبى بائع العبد أن يأخذها تكون مصيبة العبد منه؛ واختلف على هذا القول إن جاءت على غير الصفة، هل له أن يأخذها بالعبد التالف، فتكون مصيبة من بائع الغنم؛ فقيل: ذلك له، وهو قوله في هذه الرواية على قياس قوله، وقول أشهب في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء في الثمن يتلف في المواضعة؛ وقيل: ليس ذلك له، ويفسخ البيع على كل حال، وهو الذي يأتي على ما ذهب إليه ابن حبيب في الثمن يتلف في المواضعة، وقد مضى تحصيل القول في هذا في أول سماع ابن القاسم من الكتاب المذكور.
مسألة: الحميل يبيع من الغريم سلعة ليبيعها فيقضي صاحب الحق ثمنها
مسألة وسئل ابن القاسم: هل يجوز للحميل أن يبيع من الغريم سلعة ليبيعها فيقضي صاحب الحق ثمنها؟ قال ابن القاسم: إن
كان بيعه بشرط على أن يبيعها فيقبضه، فلا خير فيه؛ وإن كان اشتراها منه شراء الناس ولا يدري أيبيعها في قضائه أم لا؟ فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله هل يجوز للحميل أن يبيع من الغريم سلعة ليبيعها فيقضي صاحب الحق ثمنها، معناه: هل يجوز (له) أن يبيع منه سلعة بثمن إلى أجل على أن يبيعها بالنقد ويؤدي ثمنها إلى الغريم الذي تحمل له به؟ فقال: إنه لا خير فيه، والمكروه فيه بين؛ وذلك أنه إذا باعه إياها على أن يبيعها (ويؤدي ثمنها فيما عليه من الدين الذي هو حميل به، فكأنه إنما وكله على بيعها) ليقضي عن نفسه وعنه ما تحمل به عنه، فهو بالتمثيل يبيعها بثمانية ويؤديها إلى الغريم في دينه، وهو قد باعها منه بعشرة إلى أجل؛ فكأنه أسلفه ثمانية في عشرة إلى أجل أو أدى عنه ثمانية على أن يأخذ منه عشرة إلى أجل، وذلك ما لا يحل ولا يجوز.
مسألة: قال لرجل ولني بيع دارك ولك عندي عشرة دنانير
مسألة قال ابن القاسم: من قال لرجل ولني بيع دارك ولك عندي عشرة دنانير، قال: إذا فعل وسمى للدار ثمنا فالعشرة لازمة، ولا بأس بهذا.
قال محمد بن رشد: قوله وسمى للدار ثمنا، يريد: أو فوض إليه الاجتهاد في بيعها بما يراه من الثمن؛ لأنه إنما بذل له العشرة على أن يتم
له ما أراد من بيعها لما له من الغرض في ذلك؛ فلو كان لم يسم له ثمنا ولا فوض إليه الاجتهاد فيما يبيعها به لما جاز ذلك؛ إذ لعله لا يرضى أبدا ببيعها بما يعطى فيها، فتذهب العشرة التي أعطى باطلا، أو ترد فيكون سلفا رجاء منفعة؛ وإذا ولاه بيع الدار على ما بذل له، فليس له أن يعزله عن ذلك قبل أن يبيع؛ إذ لا يتعلق بذلك حق لغيره، بخلاف النكاح الذي يتعلق به حق الولية المزوجة على ما مضى القول فيه في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح؛ وسيأتي في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وفي رسم البراءة من سماع عيسى، منه مسائل من هذا المعنى، نتكلم عليها إذا مررنا به.
مسألة: يشتري الرجل المتاع أو الجارية أو العبد ويشترط على الرجل حملانه إلى بلد
مسألة وقال: لا بأس أن يشتري الرجل المتاع أو الجارية أو العبد، ويشترط على الرجل حملانه إلى بلد، ولو قال: أشتري منك هذه السلعة بعشرين دينارا على أن تحمل لي هذا المتاع لمتاع آخر إلى بلد، لم يكن به بأس أيضا؛ لأنه إنما اشترى السلعة ببعض الثمن واكترى ببعضه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الشراء والكراء جائز أن تجمعهما الصفقة، وهو مما لا اختلاف فيه؛ ولو كان المبيع دابة واشترط أن يحمل عليها متاعا إلى بلد بعيد لم يجز، فإن لم يعين الحمل عليها؛ وضمن ذلك المشتري جاز، والله الموفق.
يبيع السلعة بمائة دينار على أن يعيره دابة بعينها إلى الإسكندرية
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
وسئل: عن الرجل يبيع السلعة بمائة دينار على أن يعيره دابة بعينها إلى الإسكندرية، هل يجوز هذا؛ وكيف إن جاز هذا فعطبت الدابة ببعض الطريق؛ هل عليه أن يخلف (له) دابة أخرى مكانها؟
قال: ذلك جائز، وليس عليه أن يحمله على دابة أخرى مكان الدابة التي عطبت، فأرى أن يرد من ثمن السلعة قدر ما قصرت الدابة حين عطبت عن الإسكندرية؛ قال أصبغ: ويقوم كراؤها إلى الموضع الذي شرط ركوبه إليه، فيعرف كم هو، فيضم إلى الثمن ثم يقسم قيمة الدابة المشتراة على قيمة الركوب؛ فما أصاب قيمة الركوب من قيمة الدابة، قسم على ما ركب وما لم يركب، ثم يرجع بما لم يركب من ذلك مما أصابه عينا، ولا يرجع في الدابة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يبيع السلعة بمائة دينار على أن يعيره دابة بعينها إلى الإسكندرية، إن ذلك جائز صحيح؛ وسواء كان المشتري هو المشترط لعرية الدابة إلى الإسكندرية على البائع، أو كان البائع هو مشترطها على المبتاع؛ والسؤال يحتمل الوجهين، فتكلم ابن
القاسم على أن المبتاع هو مشترطها على البائع، ولذلك قال: إن البائع يرد من ثمن السلعة قدر ما قصرت الدابة حين عطبت قبل بلوغها إلى الإسكندرية؛ ووجه العمل في ذلك أن ينظر إلى قيمة السلعة وإلى قيمة ركوب الدابة إلى الإسكندرية؛ فإن كانا سواء، علم أن الثمن وقع نصفه للسلعة ونصفه للركوب؛ فإن كان قد سار نصف الطريق، رجع المبتاع على البائع بربع الثمن الذي دفع إليه؛ لأنه هو الذي ينوب منه ما بقي له من الركوب؛ وعلى هذا الحساب إن كانت قيمة السلعة أقل من قيمة الركوب أو أكثر، أو كان قد سار أقل من نصف الطريق أو أكثر.
وقوله وليس عليه أن يحمله على دابة أخرى مكان الدابة التي عطبت لفظ ليس على ظاهره؛ لأن فيه دليلا على أنه لو أطاع بذلك وإن لم يكن واجبا عليه لجاز، وليس ذلك بجائز على حال؛ لأنه فسخ الدين في الدين، من أجل أن الواجب للمبتاع على البائع أن يرد عليه من الثمن ما ينوب منه لما بقي من الركوب؛ فإذا أخذ منه بذلك دابة يركبها، كان قد فسخ ما وجب له به الرجوع عليه من الثمن في الركوب؛ وذلك لا يحل ولا يجوز على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إلا عند الضرورة التي تحل أكل الميتة، مثل أن يكون ذلك في صحراء حيث لا يجد كراء، أو يخشى على نفسه الهلاك إن لم يأخذ من البائع دابة فيبلغ عليها فيما (وجب) له عليه من الثمن، وذلك منصوص عليه في رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب؛ وأشهب يجيز أن يأخذ منه دابة بما بقي له من الثمن وإن لم تكن ضرورة، وتكلم أصبغ على أن البائع هو مشرط العرية على المبتاع، ولذلك قال: إن الكراء يقوم فيضم إلى الثمن... إلى آخر
قوله؛ ووجه العمل في ذلك على ما حمل المسألة عليه من أن البائع هو مشترط كالعرية، أن ينظر إلى قيمة ركوب الدابة إلى الإسكندرية وإلى الثمن؛ فإن كانا سواء، علم أن السلعة وقع نصفها للركوب ونصفها للثمن؛ وإن كان البائع قد سار نصف الطريق، رجع على المبتاع في السلعة التي باع منه، فكان شريكا معه بربعها؛ لأنه هو الذي يجب منها لما بقي له من الركوب، إلا أن تكون السلعة المبيعة مما تضر فيه الشركة كالجارية والدابة والثوب الذي يشترى للباس، وما أشبه ذلك؛ فيأخذ منه قيمة ربعها، ولا يكون معه شريك فيها، لضرر الشركة على مذهب ابن القاسم، وهو قول أصبغ هاهنا؛ وأشهب لا يراعى ضرر الشركة، فيقول: إنه يرجع في عين السلعة ما كانت، فيكون فيها شريكا معه؛ وقد قيل: إنه يرجع فيها فيكون شريكا معه إلا أن لا يرضى المبتاع بضرر الشركة فيفسخ البيع في الجميع، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الشفعة؛ فمتى كان المشتري هو مشترط الركوب على البائع، سميت قيمة الركوب من قيمته مع قيمة السلعة، فرجع المبتاع على البائع بذلك الجزء من الثمن.
ومتى كان البائع هو مشترط الركوب على المبتاع سميت قيمة الركوب من قيمته مع الثمن، فرجع البائع على المبتاع بذلك الجزء في السلعة، أو في قيمتها إن كانت قد فاتت، أو كانت مما يضر بالمبتاع الشركة فيها على ما ذكرناه في ذلك من الاختلاف.
مسألة: باع رداءه أو كساءه بدينار وانتقد الدينار
مسألة وسئل ابن القاسم: عن رجل باع رداءه أو كساءه بدينار وانتقد الدينار، فقال البائع للمشتري: أبلغ البيت به آخذ على نفسي
ثوبا ثم آتيك بكسائك، فاختلس منه الكساء، ممن تكون المصيبة؟ قال: المصيبة من المشتري، وليس على البائع شيء إذا قامت بينة على ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن سؤال البائع المشتري بعد أن باع منه الثوب أو الكساء وانتقد ثمنه، أن يذهب به إلى بيته، ثم يأتيه به استعارة منه له؛ ومن استعار ما يغاب عليه من ثوب أو غيره، فقامت بينة على تلفه، فالمصيبة من المعير على المشهور في المذهب، وهو نص قول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ ولو لم تكن له بينة على أن الكساء أو الثوب اختلس منه، لوجب أن تكون عليه قيمته للمبتاع بالغة ما بلغت، كانت أقل من الدينار الذي باعه به أو أكثر.
وقد روي عن مالك، وهو قول أشهب أن المستعير ضامن لما يغاب عليه، وإن قامت له بينة على تلفه؛ فعلى هذا يكون البائع ضامنا لقيمة الكساء وإن كانت له بينة على أنه اختلس منه؛ ويتخرج في المسألة على قول من رأى على البائع في العروض حق توفية، وأنها في ضمانه وإن انتقد الثمن وطال الأمر ما لم يقبضها المبتاع، أو يدعه البائع إلى قبضها فيأبى؛ وهو قول ثالث وهو أن المصيبة تكون من البائع في الكساء وإن قامت له بينة على أنه اختلس منه، وينتقض فيه، فيرد على المبتاع ديناره.
مسألة: باع من رجل سلعة بنصف دينار من صرف العشرين درهما بدينار
مسألة وسئل: عن رجل باع من رجل سلعة بنصف دينار من صرف العشرين درهما بدينار، فقال له: عشرة دراهم غلا الصرف أو نقص، فإن قال أبيعكها بعشرة دراهم من صرف عشرين درهما
بدينار، قال له: نصف الدينار غلا الصرف أو نقص؛ وقد قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب: إذا قال أبيعك بعشرة دراهم من صرف عشرين درهما بدينار، أن له نصف دينار؛ وروى أشهب عن مالك مثله، يعطيه نصف دينار ما بلغ، كان أقل من ذلك أو أكثر إن كانت العشرة من بيع باعه؛ وأما إن كانت من سلف أسلفه، فلا يأخذ إلا مثل ما أعطى.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، أنه إذا باع بنصف دينار من صرف عشرين درهما بدينار، أنه ليس له نصف الدينار الذي سمى إذ لم يسمه إلا ليبين به عدد الدراهم التي باع بها؛ وأنه إذا باع بعشرة دراهم من صرف عشرين درهما بدينار، أنه ليس له الدراهم التي سمى، إذ لم يسمها إلا ليبين بها الجزء الذي باع به من الدينار؛ وقد مضى هذا كله في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب الصرف، وفي سماع يحيى منه.
وقوله: فأما إن كانت من سلف أسلفه، فلا يأخذ منه إلا مثل ما أعطى، معناه: فليس له أن يأخذ منه إلا مثل ما أسلفه، إلا أنه لا يجوز له أن يأخذ منه دنانير إذا أسلفه دراهم، أو دراهم إذا أسلفه دنانير، بل ذلك جائز إذا حل الأجل ولم يكن في السلف شرط ذلك؛ والسلف في هذا بخلاف البيع، لا يجوز لمن خرجت من يده دنانير على سبيل البيع أن يأخذ بها دراهم، ولا لمن خرجت من يده دراهم على سبيل البيع إن لم يأخذ بها دنانير؛ والفرق بينهما أن السلف معروف، فلا يتهمان فيه على القصد إلى العمل بالربا، والبيع على سبيل المكايسة، فإنهما على القصد إلى ما آل إليه أمرهما من الربا.
مسألة: اشترى مائة إردب من طعام بعينه ونقده الثمن فيكيله
مسألة وسئل: عن رجل اشترى مائة إردب من طعام بعينه ونقده الثمن فيكيله، فلا يجد فيه إلا ثمانين؛ هل ترى أن يأخذ منه بثمن العشرين طعاما غيره أو تمرا أو زبيبا أو شيئا غير الطعام؛ قال: لا بأس بذلك، وإنما هو بيع مستأنف؛ لأنه لم يكن طعاما مضمونا، ولم يكن له على صاحبه إذا نقد الطعام أن يأتيه بطعام غيره؛ وإنما كان يجب عليه رد بقية الثمن، وليس بذلك بأس، وله أخذ ما تحول إليه مكانه، فإن أخره، كان الكالئ بالكالئ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، وقد مضت والقول فيها في أول رسم من السماع، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
يشتري الثمرة قبل أن يبدو صلاحها
ومن كتاب الثمرة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يشتري الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، والزرع قبل أن يبدو صلاحه، ليجد الثمرة للعلوفة ويحصد الزرع للعلوفة؛ ثم يشتري الأرض من أصلها، والحائط من أصله؛ فيريد أن يقر الزرع ويقر الثمرة حتى تطيب؛ قال ابن القاسم: إذا اشترى ذلك للعلوفة، ثم اشترى الأصل
فلا بأس به أن يقر ذلك؛ لأن الصفقتين جميعا كانتا حلالا، ولو اشترى الزرع قبل أن يبدو صلاحه ليقره حتى يحبب، أو اشترى الثمرة قبل أن يبدو صلاحها ليقرها حتى تطيب؛ ثم اشترى الحائط وأصل الأرض، ثم أراد أن يقره؛ لم يجز ذلك وانفسخ بيع الثمرة، فكان الثمر لبائعه، ورد ثمن الثمرة إلى مشتري الحائط؛ لأنها كانت صفقة حراما، قلت: فلو كان اشتراه على هذه الصفقة ثم ورث الأصل من بائعه، هل يكون له أن يقره؟ قال: إذا ورثه فلا بأس أن يقره.
قال محمد بن رشد: أجاز إذا اشترى الأصل وقد كان اشترى الثمرة قبل أن تزهي على أن يقطعها، أو يقرها إن شاء؛ ومثله في كتاب كراء الأرضين من المدونة وهو بيّن في الجواز؛ لأن الثمرة قد حصلت في ضمانه تكون الأصول له، وارتفع بذلك الغرر عنها؛ فإن شاء جدها؛ وإن شاء تركها، وكذلك يجب إذا صار إليه الأصل بأي وجه كان من وجوه الملك؛ وأما إذا اشترى الثمرة على أن يقرها ثم صار إليه الأصل بوجه من وجوه الملك، فلا بد من فسخ البيع فيها؛ لأن الصفقة وقعت فاسدة، فلا يصلحها تصيير الأصل إليه بوجه من وجوه الملك؛ فلا بد من فسخ، إلا أن يصير الأصل إليه بميراث من الذي ابتاع منه الثمرة فيمتنع الفسخ فيها؛ إذ لا يمكن أن يردها على نفسه، كمن
حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل، فمات المحلوف عليه قبل الأجل والحالف وارثه (أنه) لا حنث عليه بحلول الأجل؛ إذ لا يمكن أن يقضي نفسه لوجوب الحق له بالميراث؛ وقد استحسن مالك في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق أن يرفع ذلك إلى السلطان فيقضيه، ثم يرده عليه للبراءة من الحنث، وهو استحسان بعيد؛ لأن قضاء السلطان على أن يرده عليه كالإقضاء، فلا يدخل في هذه المسألة؛ ولو صار إليه الأصل بميراث من غير الذي اشترى منه الثمرة، لوجب الفسخ فيها وردها على الذي باعها منه؛ ولو ورث بعض الأصل من الذي اشترى منه الثمرة، لوجب أن يفسخ البيع منها في مقدار ما صار، لإشراكه في الميراث من الأصل؛ ولو اشترى الثمرة على أن يبقيها ثم اشترى الأصل، فلم يفطن لذلك حتى أزهت الثمرة، لم يفسخ البيع فيها؛ وكان على المبتاع قيمتها يوم اشترى الأصل؛ لأنه باشتراء الأصل يكون قابضا للثمرة، ويكون ما حدث من النماء فيها بعد القبض يفوتها، قاله أبو إسحاق التونسي.
وكذا يجب وإن لم تزه إذا نمت بعد شراء الأصل، فقف على ذلك؛ ولو اشترى الثمرة قبل أن تؤبر على ترك الجد ثم اشترى الأصل قبل أن تؤبر الثمرة، لفسخت الصفقة الأولى والثانية؛ بخلاف إذا اشترى الأصل بعد إبار الثمرة؛ إذ لا يمكن أن يفسخ البيع في الثمرة خاصة قبل الإبار، فيكون بمنزلة من اشترى نخلا قبل أن تؤبر على أن تبقى الثمرة للبائع، وذلك مما لا يجوز.
مسألة: اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها حتى أثمرت
مسألة وسئل: عمن اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها
حتى أثمرت، لمن تكون الثمرة؛ قال: الثمرة لمشتري الشجرة.
قال محمد بن رشد: قوله حتى أثمرت، يريد حتى صار لها ثمرة؛ والمعنى فيها: أنه اشتراها ولا ثمرة فيها أصلا، أو فيها ثمرة إلا أنها لم تبلغ حد الإبار، وهو في الزيتون وشبهه اللقاح، فلم يقطعها المشتري حتى ألقحت عنده وبلغت بعد اللقاح مبلغا ينتفع بها بعد قطع الأصل؛ وأما لو اشترى الزيتونة بعد أن ألقحت ثمرتها على أن يقطعها، فلم يقطعها حتى طابت ثمرتها، لكانت الثمرة للبائع باتفاق؛ وفي قوله إن الثمرة لمشتري الشجرة، دليل على أن قطعها على المشتري، إذ لو كان قطعها على البائع، لكان الضمان منه، ولكانت الثمرة له؛ وذلك معارض لما مضى في رسم سلف من سماع ابن القاسم في مسألة الضأن يباع صوفها، وقد مضى من القول عليها هناك ما فيه شفاء لمن تأمله؛ وإذا كانت الثمرة لمشتري الشجرة، فيكون عليه للبائع أجر قيامه عليها إن كان يسقيها ولم يكن المطر يسقيها، قاله ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر عنه؛ ويكون له عليه كراء موضعها من الأرض إن كان غائبا باتفاق، وإن كان حاضرا على اختلاف؛ إذ قد قيل: إنه يحلف إن كان حاضرا ويكون له الكراء، وهو قول عيسى بن دينار في رسم القطعان من سماعه من كتاب الشركة، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم.
وقال ابن عبدوس: إن كان البائع اشترط الأغصان فالثمرة له، وإن لم يشرط ذلك وكان البيع مجملا، فذلك للمبتاع، وقاله سعيد بن حسان؛ ويلزم على قياس ما قلناه أن يكون عليه لمشتري الشجرة كراء العمود إن كان غائبا؛ وإن كان حاضرا، فعلى ما ذكرناه من الاختلاف؛ وقد قال ابن لبابة على قياس ما قلناه: ولو اشترى عمود الزيتونة، واشترى آخر الفروع، ثم استؤتي بقطعها حتى أثمرت، فإن الثمرة لصاحب الفروع، وعليه كراء العمود، وعلى صاحب العمود كراء الأرض؛ قال:
وذلك إذا كان صاحب الأرض وصاحب العمود غائبين، فإن كان صاحب الأرض غائبا وصاحب العمود حاضرا لم يكن لصاحب العمود الكراء، وكان لصاحب الأرض كراؤها على صاحب العمود، وقد روى سحنون في مسألة الزيتونة: تشترى على القطع فتثمر قبل ذلك، أرى الضمان على البائع فالغلة له، وذلك يدل على ما ذكرناه من معارضتها لمسألة الضأن يباع صوفها.