البيان والتحصيلصفحات 113-152
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوضوء

صفحات 113-152
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة: الرجل يتوضأ وييبس ثيابه ثم تأتيه امرأته فتغلبه على نفسه

مسألة وسئل عن الرجل يتوضأ وييبس ثيابه ثم تأتيه امرأته فتغلبه على نفسه حتى تقبله وهو يشتمها ويكره ذلك منها ولا يجد له لذة ولا شيئا ولا يحب ذلك منها وهو له كاره، أترى عليه الوضوء؟ قال: نعم أرى عليه الوضوء، ولقد استفتاني ابن النبل عن ذلك فأمرته بالوضوء.
قيل له: فمس ساقها أو عضدها ألا ترى عليه الوضوء؟ قال: نعم إلا أن لا يجد لذلك لذة ولا شيئا والوضوء يسير.
قال مالك: وقد قالت عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كنت أغرف أنا ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إناء» . قال مالك: ولا خير في هذا التقزز والتنجس إنما هو من الشيطان، ولم أر أحدا كان أخف وضوءا من ربيعة.
قال مالك: وكان يقال: إن الشيطان إذا يئس أن يطاع أو يعبد أتى الإنسان من هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: أما إيجابه الوضوء عليه من القبلة وإن لم يلتذ بها ولا قصد الالتذاذ بها فهو دليل ما في المدونة، وقول أصبغ في الواضحة، ولا يحمله القياس؛ لأن القبلة من الملامسة التي عناها الله بقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] . والمعنى في وجوب الوضوء بها عند من أوجبه هو وجود اللذة بها وما يخشى من أن تكون اللذة قد حركت المذي من موضعه وأخرجته إلى قناة الذكر، فإن لم يلتذ بها ولا قصد الالتذاذ بها فالأظهر أن لا وضوء عليه، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم في الواضحة.
ووجه ما في الرواية من إيجاب الوضوء فيها وإن لم يلتذ بها

ولا قصد الالتذاذ اتباع ظواهر الآثار التي جاءت في إيجاب الوضوء من القبلة مجملة دون تفصيل، وكأنه يعد عنده أن لا يكون التذ بها.
وقوله بإثر ذلك: فمس ساقها أو عضدها أترى عليه الوضوء؟ قال: نعم إلا أن لا يجد لذلك لذة شيئا، معناه أنه مس ذلك منها لحاجة على غير شهوة ولا إرادة لذة؛ بدليل احتجاجه على ذلك بقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كنت أغرف أنا ورسول الله من إناء واحد» . وموضع الحجة في ذلك أنهما إذا كانا يغرفان من إناء واحد قد تتماس أيديهما فيتماديان على وضوئهما ولا يبتدئانه.
فلو قال في جواب المسألة قال: لا إلا أن يجد لذلك لذة شيئا لكان أليق وأولى، وإن كان ذلك عند الاعتبار والتحقيق سواء.
ولما ذكر قول عائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كنت أغرف أنا ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إناء واحد» تذكر قول من يقول في الرجل والمرأة: إنه لا يتوضأ أحدهما من فضل وضوء صاحبه، فقال: ولا خير في هذا التقزز والتنجس إنما هو من الشيطان إلى آخر قوله.
وقد مضى له نحو هذا والقول عليه في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" من سماع ابن القاسم.

الرجل يكثر عليه المذي أيتوضأ لكل صلاة

مسألة وسئل مالك فقيل له: أرأيت رجلا قد كثر عليه المذي فليس يفارقه منذ كذا وكذا سنة لا يفارقه، أيتوضأ لكل صلاة؟ قال: بلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: لو سال على فخذي ما انصرفت.
فقيل لمالك: فما تقول أنت؟ قال: أرى أن يترك هذا ولا يلتفت إليه، فإن هذا من الشيطان، وأرجو أن يكون في تركه ذلك قطع [له عنه] وقد كان من مضى يأمرون إذا كثر مثل هذا أن يترك

ويتهاون به ولا يلتفت إليه.
قال: وكان يقال: إن الشيطان إذا يئس أن يطاع أو يعبد أتى الإنسان من هذا الوجه حتى يُلَبِّس عليه دينه.
قال محمد بن رشد: هذا إنما هو إذا كثر عليه المذي ودام به من أبردة، وقد اختلف إذا كثر عليه ودام به وتكرر عليه من طول عزبة دون تذكر، فقيل: إن ذلك بمنزلة إذا كثر عليه من أبردة لا شيء عليه إلا أنه يستحب له أن يتوضأ لكل صلاة، وقيل: عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ واجبا بمنزلة إذا وجد ذلك عند التذكار، والقولان قائمان من المدونة من اختلاف الرواية فيها.
قال في الرواية الواحدة: وإن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر، فدل ذلك أنه إذا كثر عليه المذي من طول عزبة دون أن يتذكر فلا شيء عليه بمنزلة أن لو كان ذلك من أبردة، وقال في الرواية الأخرى: وإن كان من طول عزبة أو تذكر فدل ذلك على أنه إذا كثر عليه من طول عزبة فعليه أن يغسل ذكره ويتوضأ بمنزلة إذا وجد ذلك عند التذكار.

مسألة: الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذا

مسألة وسئل عن الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذا، فقال: إن مسه تلذذا فأرى أن عليه الوضوء، وإن مسه لغير ذلك استحسانا أو غيره لم أر عليه وضوءا، وما علمت أن أحدا يمس شعر امرأته تلذذا.
قال محمد بن رشد: الشعر لا لذة في لمسه بمجرده، فيحتمل أن يكون أراد بقوله: إن مسه متلذذا فأرى أن عليه الوضوء إذا مسه على جسمها فيكون في مسه بمنزلة من لمس امرأته أو جاريته على ثوب متلذذا بذلك فالتذ أن عليه الوضوء باتفاق في المذهب، إلا أن يكون الثوب كثيفا.
وأما إن مسه على غير جسمها فلا يجب عليه الوضوء وإن التذ بذلك واشتهى إلا على

ما ذهب إليه ابن بكير أن التذكار مع وجود اللذة دون لمس يوجب الوضوء، فهذا وجه هذه الرواية عندي، والله أعلم.

مسألة: الثوب يكون فيه الدم فيتجفف فيه المغتسل

مسألة وسئل عن الثوب يكون فيه الدم فيتجفف فيه المغتسل، أيغسل الثوب وما أصاب جسده منه؟ فقال: ذلك يختلف، أما الدم اليسير الذي لا يخرج منه بالتجفيف شيء فلا شيء عليه فيه ولا في جسده ولا في الثوب إلا غسل موضع الدم من الثوب.
وأما الدم الكثير الكثيف الذي يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بله فأخرج منه ما أصاب جسده فإني أرى أن يغسل جسده أو ما أصاب ذلك منه.
قيل له: أفيغسل الثوب؟ قال: ما أرى ذلك عليه إلا أن يكون خرج منه شيء فأصاب الثوب فيغسل ذلك الدم وما خرج منه فأصاب الثوب.
قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] . قال محمد بن رشد: قوله: وأما الدم الكثيف الذي يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بله فأخرج منه ما أصاب جسده فإني أرى أن يغسل جسده أو ما أصاب ذلك منه، يدل على أن من شك في نجاسة جسده يغسله ولا يجزيه نضحه بخلاف الثوب، وهو دليل رواية علي بن زياد في المدونة.
والدليل على أن ما شك في نجاسته من الجسد يغسل، قول النبي عليه

السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» ، وقوله للذي سأله لعلي: «اغسل ذكرك وأنثييك» . فأمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغسل أنثييه لما يخشى أن يكون قد أصابه من المذي لانفراشه.
والدليل على أن ما شُك في نجاسته من الثياب يجزئ فيه النضح، نضح أنس بن مالك للنبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، الحصير الذي صلى عليه، ونضح عمر بن الخطاب ما لم ير في ثوبه من الاحتلام إذ غسل ما رأى منه.

مسألة: الغسل من الماء الساخن من الحمام إذا أراد أن يخرج

مسألة وسئل عن الغسل من الماء الساخن من الحمام إذا أراد أن يخرج، فقال: ما يعجبني ذلك، والغسل من البئر أحب إلي.
فقيل له: إنه يكون الشتاء فيكون البرد فيغتسل لخروجه بماء الحمام السخن، فقال: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل من ذلك الماء؟ قال محمد بن رشد: أما كراهية الاغتسال من الماء السخن من الحمام فلوجهين: أحدهما: أنه يسخن بالأقذار والنجاسات، والثاني: أنه تختلف فيه أيدي الناس لأخذ الماء منه، فربما تناول أخذه بيده من لا يتحفظ بدينه.
وأما كراهيته لدخوله وإن دخله مستترا مع من يستتر فمخافة أن يطلع على عورته أحد بغير ظن؛ إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع الناس لقلة تحفظهم.
وأما دخوله غير مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ذلك، ومن فعله فذلك جرحة فيه وقدح في شهادته.
وقد سأل أصبغُ ابنَ القاسم عن دخول الحمام، فقال: أما إن وجدته خاليا أو كنت تدخل مع النفر يسترون ويتحفظون

لم أر بدخوله بأسا.
وإن كان يدخله من لا يبالي لم أر أن تدخله وإن كنت أنت متحفظا في نفسك.
قال أصبغ: وأدركت ابن وهب يدخله مع العامة، ثم ترك ذلك، ثم كان يدخله مخليا.
وقعت رواية أصبغ هذه في الجامع، وبالله التوفيق.

مسألة: يكون معه الماء القليل في السفر فيخاف إن توضأ به العطش أيتيمم

مسألة وسئل عن الرجل يكون معه الماء القليل في السفر فيخاف إن توضأ به العطش أيتيمم؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، إذا علم الله ذلك من قلبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن خوفه على نفسه الهلاك إن توضأ بالماء الذي معه يبيح له التيمم، كما لو كان الماء منه قريبا وخشي على نفسه إن ذهب إليه ليتوضأ منه لجاز له التيمم.
وهذا ما لا خلاف فيه، وقد تقدم هذا المعنى في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم.

مسألة: أيطلب الماء في الرفقة قبل أن يتيمم

مسألة قيل له: أفترى أن يطلب الماء في الرفقة قبل أن يتيمم؟ فقال: أما الشيء القريب والأمر المعروف فنعم.
قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في أول رسم من هذا السماع، ويأتي منه في سماع أبي زيد، وقد تقدم القول عليه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم.

مسألة: الجنب يدخل يده في ماء مركن قبل أن يغسل يده ثم يغتسل ويلبس ثيابه

مسألة وسئل عن جنب أدخل يده في ماء مركن قبل أن يغسل يده، ثم اغتسل ولبس ثيابه، أترى ذلك مجزيا عنه؟ قال: نعم، مجزئ عنه لا بأس به إذا لم يكن كان بيده دنس حين أدخلها الماء.

قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذا المعنى في رسم "كتب عليه ذكر حق" من سماع ابن القاسم، وفي رسم "البز" منه، ويأتي في هذا السماع بعد في موضعين، وفي سماع موسى بن معاوية.

مسألة: المتوضي للصلاة يوضئ ذراعه اليسرى أو رجله اليسرى قبل اليمنى

مسألة وسئل عن المتوضي للصلاة يوضئ ذراعه اليسرى أو رجله اليسرى قبل ذراعه اليمنى أو رجله اليمنى، أيجزئ ذلك أم يستأنف الوضوء؟ قال: بل أرى ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: قوله: بل أرى ذلك واسعا؛ أي أراه في سعة مما قد فعل فلا يستأنف الوضوء؛ إذ ليس ذلك من واجباته، وإن كان لا ينبغي له أن يفعل ذلك ابتداء.
وهو كما قال؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6] فذكر الوجه قبل اليدين، وذكر اليدين معا، وإنما بدئ اليمين منهما على الشمال استحبابا للسنة.
وقول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود: " ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا " معناه: لا نبالي بذلك مبالاة من قدم بعض أعضاء الوضوء على بعض، فلا يدل ذلك على نفي استحباب غسل اليمين قبل الشمال، وبالله التوفيق.

مسألة: لا تمسح الأرجل إنما تغسل

مسألة وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] أهي أرجلَكم أو أرجلِكم؟ قال: إنما

هو الغسل وليس بالمسح، لا تمسح الأرجل إنما تغسل.
قيل له: أفرأيت من مسح أيجزئه ذلك؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: أضرب مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عما سئل عنه من قراءة " وأرجلكم " إن كان بالنصب أو بالجر، وقصد إلى المعنى المراد بذلك، فقال: إنما هو الغَسْل وليس بالمسح؛ لأنه الذي ثبت عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قولا وعملا، وأجمع عليه علماء المسلمين في جميع الأمصار.
وما روي في ذلك مما يتعلق به من يذهب إلى إجازة المسح من المبتدعين لا يثبت، ولو ثبت لكان مما يقضي بنسخه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «تخلف عنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا» ومن زعم أن سقوطهما في التيمم يدل على أنهما يمسحان كالرأس؛ إذ لم يسقط فيه ما كان يغسل، ينتقض قوله بغسل البدن من الجنابة، فإنه يسقط في التيمم مع عدم الماء ويجب غسله بالماء عند وجوده.
وأما قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] ، فمن قرأها بالنصب عطفا على اليدين فهو الغسل لا كلام فيه؛ لأن الشيء يعطف على ما يليه وعلى ما قبله، وهو كثير موجود في القرآن ولسان العرب.
وأما من قرأ: " وأرجلِكم " بالخفض ففي قراءته لأهل العلم أربعة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على اليدين وإنما خفضت للجوار والاتباع، كما قالوا: جحر ضب خرب، وقد قرئ: " يرسل عليكما شواظ من نار ونحاسٍ " بالخفض، والثاني: أنهما معطوفتان على مسح الرأس وأن الغسل إنما وجب بالسنة، والثالث: أن المراد بذلك المسح على الخفين، والرابع: أن الغسل يسمى مسحا عند العرب؛ لأنها تقول: تمسحنا للصلاة، فبين النبي، عليه

السلام، أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] إمرار اليد عليه دون نقل الماء إليه، وأن مراده بأمره بغسل الرجلين إمرار اليد عليهما مع نقل الماء إليهما، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يتزوج المرأة النصرانية أيكرهها على الاغتسال من الجنابة

مسألة وسئل عن الرجل يتزوج المرأة النصرانية، أله أن يكرهها على الاغتسال من الجنابة؟ فقال: لا، ما علمت ذلك له.
قال: وسألته عن اغتسال النصرانية من الحيضة أيجبرها عليه زوجها؟ قال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: إن الرجل لا يجبر زوجته النصرانية على الاغتسال من الحيضة خلاف قوله في المدونة أن يجبرها على ذلك من أجل أن الحائض عنده لا توطأ إذا طهرت من الدم حتى تغتسل بالماء، والاختلاف في هذا جارٍ على اختلافهم في الكفار، هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؛ لأن المسلم أُمر أن لا يطأ من يجب عليها الغسل من الحيضة حتى تغتسل منها، فإذا كانت النصرانية لا يجب عليها الغسل منها على القول بأنها غير مخاطبة بذلك كانت في حكم من قد اغتسل، وجاز لزوجها وطؤها، فلم يكن له أن يجبرها على الاغتسال.
وإذا كان الغسل عليها واجبا منها على القول بأنها مخاطبة بالشرائع لم يكن للزوج أن يطأها حتى تغتسل كالمسلمة سواء، فكان له أن يجبرها على الاغتسال.
فإن قيل: فما فائدة إجبارها على الاغتسال والغسل لا يجزئ عنده إلا بنية والنصرانية لا تصح منها نية؟ قيل له: النية إنما تشترط في صحة الغسل للصلاة، وأما للوطء في حق الزوج فلا؛ لأنه متعبد بذلك فيها مأمور باغتسالها قبل الوطء، وما كان من

العبادات يفعلها المتعبد في غيره لم يفتقر في ذلك إلى نية، كغسل الميت وغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، ومن وضأ غيره فلا نية على الموضِّئ وإنما النية على الموضَّأ.
وكذلك لو كانت لرجل زوجة مسلمة فأبت من الاغتسال من الحيضة لجاز له أن يطأها إذا أكرهها على الاغتسال وإن لم يكن لها فيه نية وكانت هي قد خرجت دونه في ذلك ولزمها أن تغتسل غسلا آخر للصلاة بنية؛ إذ لا يجزئها الغسل الذي أكرهت عليه إذا لم يكن لها فيه نية.
وقد قيل: إنه إنما لم ير في هذه الرواية أن يجبرها على الاغتسال من أجل أن الغسل لا يجزئ إلا بنية وهي ممن لا تصح منها نية، وأنه إنما قال في المدونة: إنه يجبرها على الاغتسال مراعاة لقول من يقول: إن الغسل يجزئ بغير نية.
والتأويل الأول هو الصحيح.
وقد ذهب ابن بكير إلى أن الامتناع على مذهب مالك من وطء الحائض إذا طهرت من الدم إلى أن تتطهر بالماء استحبابٌ لتمضي النية خالصة للاغتسال من الحيضة دون الجنابة، بدليل رواية أشهب هذه؛ إذ أجاز له فيها وطء النصرانية إذا طهرت من الدم دون أن تغتسل بالماء، فلم ير من حقه أن يجبرها على الاغتسال، وليس ذلك بِبَيِّن؛ لأن المعنى في الرواية إنما هو ما ذكرناه من أنه أجاز له وطأها قبل أن تغتسل؛ إذ لا يجب الغسل عليها على القول بأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع.
والظاهر من مذهب مالك أن وطء المرأة إذا طهرت من الدم قبل أن تغتسل محظور لا مكروه، بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] ؛ لأن المعنى عنده في ذلك، والله أعلم: ولا تقربوهن حتى يطهرن بالماء، فإذا تطهرن به؛ إذ قد قرئ: " ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن " بتشديد الطاء والهاء، وهي القراءة المختارة؛ لأن المعنى يدل [على] أن الطهر الأول هو الثاني

إما من الدم وإما بالماء، فمن حملهما جميعا على أن المراد بهما التطهر بالماء؛ إذ هو الأظهر من التفعل أن يراد به الاغتسال بالماء لم يجز وطء الحائض حتى تغتسل بالماء وهو الظاهر من مذهب مالك على ما ذكرناه، ومن حملهما جميعا على أن المراد بهما الطهر من الدم؛ إذ قد يعبر عن الطهر من الدم بالتطهر، كما يقال تكسر الحجر وتبرد الماء، أجاز الوطء إذا ارتفع الدم قبل أن تغتسل بالماء، وإلى هذا ذهب ابن بكير؛ لأن الاستحباب راجع إلى نفي الوجوب، وهو الأظهر في المعنى والقياس؛ لأن العلة في منع وطء الحائض وجود الدم بها، بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] ، فإذا ارتفعت العلة بزوال الدم جاز الوطء.
وأما قول من قال: إن معنى قول الله، عز وجل: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي من الدم.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي بالماء، فهو بعيد؛ لأن الله أباح وطْأَهن إذا طهرن بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] ثم بين الوطء الذي أباحه إذا طهرن بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] أي على الوجه الذي أذن الله فيه، فلو كان الطهر الأول من الدم والثاني بالماء لجاز بالأول ما لم يجز بالثاني؛ لأنه أطلق الأول بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] ، وقيد الثاني بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] ، وهذا لا يصح أن يقال، ولا يستقيم في الكلام: لا تفعل كذا حتى يكون كذا فإذا كان كذا لشيء آخر فافعله، وهذا بَيِّن.
وعن مالك في إجبار النصرانية على الاغتسال من الحيضة ثلاث روايات: إحداها: رواية أشهب هذه أنه لا يجبرها على الاغتسال من الحيضة ولا من الجنابة، والثانية: أنه يجبرها على الاغتسال من الحيضة ولا يجبرها على الاغتسال من الجنابة، وهو قوله في المدونة، والثالثة: أنه يجبرها على الاغتسال من الحيضة والجنابة.
وقد مضى وجه الاختلاف في إجبارها على الاغتسال من الحيضة، وأما الاختلاف

على إجبارها على الاغتسال من الجنابة فليس على ظاهره، والمعنى في ذلك: أنه لا يجبرها على الاغتسال إذا لم يكن بجسدها أذى؛ إذ يجوز له وطؤها قبل أن تغتسل، ويجبرها على الاغتسال إذا كان بجسدها أذى من الجنابة ليباشرها طاهرة الجسم من النجاسة فلا ينجس بذلك، والله أعلم وبه التوفيق.

مسألة: الوضوء قبل الطعام

مسألة وقال لنا: دعا عبد المالك بن صالح بوضوء قبل الغداء فتوضأ ثم قال: ناولوا أبا عبد الله، فقلت: لا حاجة لي به ليس من الأمر، فقال لي: أفترى أن أتركه؟ فقلت له: نعم، فما عاد إليه.
قال محمد بن رشد: يريد أنه ليس من الأمر الواجب الذي يأثم من تركه بتركه، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على الترغيب فيه، من ذلك قوله: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم» ، وإجماعهم على أن النظافة مشروعة في الدين يدل على ذلك أيضا، وما جاء عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه كان إذا توضأ يغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه هو من هذا المعنى.

مسألة: الكعب الذي يجب إليه الوضوء

مسألة وسئل عن الكعب الذي يجب إليه الوضوء، فقال: هو الكعب الملتزق بالساق والمحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
قال محمد بن رشد: ما قال مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في هذه الرواية أصح ما قيل في الكعب، والدليل على صحته حديث النعمان بن بشير قال: «أقبل علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم، قال فلقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه» . وقد قيل: الكعب هو الظاهر في ظهر القدم، وقيل: هو الدائر بمغرز الساق، وهو مجتمع العروق في ظهر القدم.
وقال محمد بن الحسن: في القدم كعب وفي الساق كعب، ففي كل رجل كعبان، والعرقوب مجمع مفصل الساق من القدم، والعقب تحت العرقوب.

مسألة: الرجل يدنو من أهله فيصيبها ما دون الختان فينزل على ذلك منها

مسألة وسألته عن الرجل يدنو من أهله فيصيبها ما دون الختان فينزل على ذلك منها، فيداخلها من مائه ولم تلتذ هي بشيء من ذلك، أعليها فيما داخلها من مائه غسل؟ فقال لي: وما يدريها أن ذلك دخلها، هي لا تعلم هذا، ولكن إن كانت التذت بذلك فعليها الغسل.
فقلت له: إنها لم تلتذ بذلك ولكن ماء دخلها، أفترى عليها في ذلك غسلا؟ فقال: هي لا تعلم هذا أبدا ولا تعرفه، ولكن إن كانت التذت فلتغسل، فقلت له: أفرأيت إن كان هذا أمرا لا يُعلم فشكت أفترى تغتسل؟ فقال لي: لا، ولكن إن كانت التذت فلتغتسل.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الروايات أنها إن التذت بذلك وجب عليها الغسل، وقال في المدونة: إذا التذت يريد بذلك أنزلت.
وفي الآثار التي فيها عن يزيد بن أبي حبيب وعطاء بن دينار ومشايخ من العلماء والليث بن سعد أنه إذا دخلها من مائه شيء فقد وجب عليها الغسل، فالظاهر أنها ثلاثة أقوال، والأصح منها أنه لا غسل عليها إلا أن تنزل؛ لأنها لم توطأ، فلا يجب عليها الغسل إلا بالإنزال أو مجاوزة الختان، كما لا يجب على الرجل الغسل إلا بأحد هذين الوجهين وبالله التوفيق.

مسألة: وقت الدم وهل قليله وكثيره سواء

مسألة وسئل عن وقت الدم، فقال: ليس له عندنا وقت، فقيل له: فقليله وكثيره سواء؟ قال: لا، ولكن لا أجيبكم إلى هذا الضلال إذا كان مثل الدرهم، ثم قال: أرأيت إن كان الدرهم من هذه البغيلة، الدراهم تختلف، تكون وافية كلها وبعضها أكبر من بعض.
قال محمد بن رشد: هذا هو المعلوم من مذهبه أنه يكره الحد في مثل هذه الأشياء التي لا أصل للحد فيها في الكتاب والسنة، وإنما يرجع فيها إلى الاجتهاد.
وقد روى علي بن زياد عنه أن قدر الدرهم من الدم قليل.
وذكر ابن حبيب عنه أن قدر الدرهم منه كثير وأن قدر الخنصر منه قليل.
قال ابن حبيب: وقد كان عطاء وغيره من العلماء يرون أن الدرهم منه قليل، والاحتياط أحب إلي أن تعاد الصلاة من قدر الدرهم.
وقالوا: إن الأصل في حد يسيره بقدر الدرهم عند من رآه الاعتبار بالمخرج؛ لأن الأحجار لا تزيل عنه النجاسة، فوجب أن يقاس عليه الدم؛ لأنه أمر غالب كما أنه أمر غالب، وبالله التوفيق.

مسألة: مس إبطه ونتفه أترى أن يغسل يده

مسألة وسئل عمن مس إبطه ونتفه أترى أن يغسل يده؟ قال: نعم، فقيل له: من نتف إبطه غسل يده؟ قال: نعم، ذلك حسن.
قال محمد بن رشد: ما استحسن مالك [- رَحِمَهُ اللَّهُ - من هذا] حسن؛ لأنه مما شرع في الدين من المروءة والنظافة، وإن لم يكن ذلك واجبا كوجوب غسل النجاسة.

مسألة: أينزع الخاتم الذي فيه ذكر الله منقوش عند الاستنجاء

مسألة وسئل أينزع الخاتم الذي فيه ذكر الله منقوش عند الاستنجاء؟ فقال: إن نزعه فحسن، وما سمعت أحدا نزع خاتمه عند الاستنجاء.
قيل له: فإن استنجى وهو في يده فلا بأس به؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم، وتكررت في رسم "مساجد القبائل" منه، والحمد لله.

مسألة: ماء البيض إذا أصاب الثوب أترى أن يغسل

مسألة وسئل عن ماء البيض إذا أصاب الثوب أترى أن يغسل؟ فقال: لا إلا أن يكون له ريح، فقيل له: ليس له ريح، فقال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يُغسل إن كان له ريح، هو نحو ما تقدم له في غسل اليد من نتف الإبط، وقد تقدم القول فيه.

مسألة: الرجل يتوضأ للصلاة ثم يمس ذكره قبل أن يغسل قدميه

مسألة قال: وسئل مالك عن الرجل يتوضأ للصلاة ثم يمس ذكره قبل أن يغسل قدميه أينتقض وضوءه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن مس الذكر ينقض الوضوء ناسيا كان أو متعمدا؛ إذ لم يفرق بين ذلك، وأن الإعادة واجبة عليه إن صلى بذلك الوضوء أبدا، خلاف رواية أشهب عنه في كتاب الصلاة، وخلاف ما في سماع سحنون من هذا الكتاب.
وقد مضى في رسم "اغتسل على غير نية" من الكلام على هذه المسألة ما لا وجه لإعادته.

مسألة: الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجاف

مسألة وسئل عن الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجاف، قال: لا بأس بذلك، إن الله وسع على هذه الأمة، ثم تلا: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] . قال محمد بن رشد: معناه أنه موضع قذر لا يوقن بنجاسته، فحمله على الطهارة؛ لأن الاحتراس من مثل هذا يشق، فهو من الحرج الذي قد رفعه الله في الدين بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ولو كان الموضع يوقن بنجاسته لوجب أن يغسل قدميه؛ لأن النجاسة تتعلق بهما، وإن كان يابسا من أجل بللهما، وهذا بَيِّن.

مسألة: الرجل يضطجع على الفراش الذي فيه الجنابة فتصيبه شدة هذا العرق

مسألة وسئل عن الرجل يضطجع على الفراش الذي فيه الجنابة فتصيبه شدة هذا العرق الذي ترى، فقال: أكرهه، أكره أن يضطجع عليه؛ ولأنه يعرق فيلتصق به، فأنا أكره ذلك، ولكن أرى أن يجعل من فوقه ثوبا ثم ينام عليه إن بدا له.
قيل له: أفترى إذا اضطجع عليه فعرق أن يجزئه الوضوء؟ قال: لا، ولكن لو نظر إلى الشق الذي اضطجع عليه فغسله، فقيل: إنه يتقلب إذا كان نائما، فقال: يغسل ما يخاف أن يكون قد أصابه منه شيء.
فقيل له: ألا ترى هذا بمنزلة الجنب يعرق في ثوبه؟ فقال: لا، هذا يلصق به والجنابة في الثوب هكذا يكون كثيفا، فإذا عرق فيه أصابه منه، وعرق

الجنب لا بأس به، والدابة لا بأس بعرقها، فكيف بعرق الجنب لا بأس بعرقه.
قال محمد بن رشد: قوله: يغسل ما يخاف أن يكون قد أصاب منه شيء هو مثل ما تقدم له في هذا الرسم في الذي يتجفف في الثوب يكون فيه الدم الكثيف، وذلك يدل على أن ما شك في نجاسته من الأبدان أن حكمه أن يغسل ولا يجزئ فيه النضح، وقد ذكرنا الدليل على الفرق في ذلك بين الثوب والجسد في مسألة الدم المذكورة، وفي كتاب ابن شعبان: أن النضح يجزي في الجسد كالثوب وهو شاذ، وقد ذهب ابن لبابة إلى أن النضح لا يجزئ في واحد منهما، وهو خروج عن المذهب جملة، وأما قوله في عرق الجنب: إنه طاهر إذا لم يكن بجسده نجاسة، فهو كما قال؛ لأن جسمه طاهر، وإنما يغتسل عبادة لا نجاسة، فعرق بني آدم تبع للحومهم في الطهارة.
وروي: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان يقيل عند أم سليم، وكان كثير العرق، فاعتدت له قِطْعًا يقيل عليه، فكانت تأخذ عرقه فتجعله في قارورة، فقال: ما هذا يا أم سليم، فقالت: عرقك يا رسول الله أجعله في طيبي، فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، فدل ذلك على طهارة العرق، وكذلك عرق سائر الحيوان وألبانها تبع للحومها، فلبن الحمارة نجس، قاله يحيى بن يحيى في سماعه، وإنما قال في المدونة: لا بأس بعرق البردون والبغل والحمار من أجل أن الناس لا يقدرون على التوقي منه، وأما ما يوكل لحمه فعرقه طاهر كلبنه، إلا أن يشرب ماء نجسا، فيختلف في عرقه ولبنه وبوله على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك كله طاهر، وهو قول أشهب.
والثاني: أن ذلك كله نجس، وهو قول سحنون.
والثالث: الألبان طاهرة، والأبوال والأعراق نجسة.
والرابع: الأبوال نجسة، والأعراق والألبان طاهرة.
وكذلك عرق السكران ولبن المرأة التي شربت الخمر، يتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن اللبن والعرق نجس

وهو قول سحنون، وذلك قوله في المدونة: إنما غذاء اللبن مما يأكلن، وهن يأكلن الخنزير ويشربن الخمر.
والثاني: أنهما جميعا طاهران وهو قول أشهب.
والثالث: اللبن طاهر، والعرق نجس.

مسألة: الذي يستيقظ من نومه فيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها

مسألة قال: وسئل عن الذي يستيقظ من نومه، فيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها، فيغسلها مرتين أو ثلاثا ناسيا ثم يذكر، أيتوضأ بذلك الماء؟ فقال: إن كان لا يعلم بيده بأسا ولا شيئا، فلا أرى بذلك بأسا أن يتوضأ به كما هو، وما كان الناس يشددون في هذه الأشياء من الوضوء والغسل، والإكثار منه كهيئة الناس اليوم ضيقوا ما لم ينبغ لهم تضييقه، وشددوا على أنفسهم في هذه الأمور، وما كذلك كان الناس، قال مالك: وقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان إذا أكل مسح يده بباطن قدمه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الماء الذي أدخل فيه يده إذا استيقظ من نومه قبل أن يغسلها طاهر يتوضأ منه؛ لأن يده محمولة على الطهارة حتى يوقن بنجاستها على الأصل، في أن الشك لا يؤثر في اليقين، وإن كان الاختيار أن يغسلها للحديث؛ إلا أن لا يمكنه ذلك في مثل المهراس على ما يأتي في آخر هذا السماع، خلاف ظاهر قول أبي هريرة في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، وقد مضى التكلم على هذه المسألة في رسم "كتب عليه ذكر حق" من سماع ابن القاسم.
ومعنى ما ذكر عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان إذا أكل مسح يده بباطن قدمه إنما هو في مثل التمر والشيء الجاف الذي لا يتعلق بيده منه، إلا ما يذهبه أدنى المسح.

وأما مثل اللحم واللبن، وما يكون له الدسم والودك فلا؛ لأن غسل اليد منه مما لا ينبغي تركه، وقد تمضمض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من السويق، وهو أيسر من اللحم واللبن؛ وغسل عثمان بن عفان يده من اللحم، وتمضمض منه، ذكر ذلك مالك في الموطأ، فهذا يدل على ما ذكرناه، والله أعلم.

مسألة: الوضوء بالدقيق والنخالة والفول

مسألة قال: وسئل مالك عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول أيتوضأ به؟ فقال: لا علم لي به، ثم قال: ولم يتوضأ به؟ إن أعياه الشيء فليتوضأ بالتراب، قال مالك: قال عمر بن الخطاب: إياكم وهذا التنعم، وأمر الأعاجم.
قال العتبي: وسئل سحنون وأنا أسمع عن الوضوء بالنخالة والغسل بها، فقال: لا يجوز، فقلت له: فهل يغسل الرجل رأسه بالبيض؟ فقال لي: لا، فقلت له: فالملح؟ فقال: لا يغسل بشيء مما يوكل.
وروى محمد بن خالد، عن ابن نافع: أنه لا بأس بالوضوء بالنخالة.
قال محمد بن رشد: تقدم هذا المعنى في رسم "النذور والجنائز والذبائح" من هذا السماع، ومضى القول في وجه الكراهية في ذلك، وجميع ما يعارض ظاهره ذلك من الروايات في آخر رسم "البز" من سماع ابن القاسم.

مسألة: الوضوء بالماء السخن

مسألة قال: وسئل مالك عن الوضوء بالماء السخن، فقال: لا بأس به، وإنا لنفعل ذلك كثيرا، فقيل له: إنما نحوط الوضوء مما مسته النار، قال: كيف يصنع بالدهن، والله ما يدهن إلا بعد الوضوء.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الماء القراح لا يخرجه عن حكم الطهارة، وجواز تأدية الفرض به مسيس النار إياه، كما لا يخرج شيئا من الطعام مسيس النار إياه عن حكم الطهارة وجواز أكله، والأمر بالوضوء منه كان عبادة قد نسخت، وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترك الوضوء مما مست النار» فلا وجه للاعتبار بذلك في كراهة الوضوء بالماء السخن، وإنما يعتبر بجواز الوضوء بالماء السخن في ألا وضوء مما مست النار.
وقد روي أن عبد الله بن عمر قال لأبي هريرة لما قال: إنه يتوضأ مما مست النار: ما تقول في الدهن والماء السخن يُتوضأ منه؟ قال: أنت رجل من قريش، وأنا رجل من دوس، قال: يا أبا هريرة، لعلك تلحق إلى هذه الآية ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] لا نتوضأ من شيء نأكله، وقد روي عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء السخن، فيحتمل أن يكون رأى ذلك من التنعم، ورأى الصبر على الوضوء بالماء البارد أعظم للأجر؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» ، فإن كان ذهب إلى هذا فقد أصاب، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: الذي يريد أن يبتدئ الوضوء أيغسل يديه أم يفرغ على يده

مسألة وسئل عن الذي يريد أن يبتدئ الوضوء، أيغسل يديه أحب إليك، أم يفرغ على يده؟ فقال: يفرغ على يده، قيل له: أي أحب

إليك أن يفرغ على يديه قبل أن يغسلهما، قال: نعم، أحب إلي أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلهما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الاختيار في غسل اليدين قبل الوضوء أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلهما جميعا اتباعا لظاهر الحديث، وإن أفرغ على يده اليمنى فغسلها وحدها، ثم أدخلها في الإناء، فأفرغ بها على يده اليسرى فغسلها أيضا وحدها أجزأه، ولم يكن عليه في ذلك ضيق، وفي أول سماع عيسى لابن القاسم مثل اختيار قول مالك هذا، واختلف اختيارهما هناك في تمام الوضوء هل يدخل يديه جميعا في الإناء أم يدخل الواحدة، ويفرغ بها على الثانية ويتوضأ على ما سنذكره إن شاء الله، ووقع في بعض الكتب، أم يفرغ على يديه، فقال: بل يفرغ على يديه، وهو خطأ؛ إذ لا يستقيم أن يفرغ على يديه معا، فتدبر ذلك.

مسألة: الذي ينام في الثوب فيه الجنابة حتى يعرق فيه ثم يقوم أيتوضأ

مسألة وسئل عن الذي ينام في الثوب فيه الجنابة حتى يعرق فيه، ثم يقوم أيتوضأ قط؟ فقال: بل يغتسل، أحب إليّ أن يغسل جلده، قيل له: أيغسل جلده؟ فقال: نعم، أو يغسل ذلك الموضع الذي أصابه ذلك من جسده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المني نجس عند مالك، فإذا عرق في الثوب الذي فيه الجنابة، فابتلت النجاسة وتعلقت بجسمه وجب غسله، وقوله: أحب إلي؛ ليس على ظاهره، بل غسل ما أصابه من الجنابة واجب عنده لا يراعي في ذلك قول غيره ممن ذهب إلى أن المني طاهر، والله أعلم.

مسألة: الرجل يكون في رأسه جراح فتصيبه جنابة أيغتسل

مسألة وسئل عن الذي يكون في رأسه جراح فتصيبه جنابة، أيغتسل وينكب عنها الماء؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، فقلت له: أرأيت إذا برأ، أيغسل رأسه؟ فقال: أو في هذا شك، إنه إذا برأ غسله، نعم يغسله.
قال محمد بن رشد: وهذا بَيِّن كما قال، لا إشكال فيه، إذا نكب الماء عن موضع الشجة في رأسه، فهي لمعة بقيت في رأسه من غسل الجنابة، يجب عليه إذا صح أن يغسلها كما لو نسيها سواء.

مسألة ماء خليج الإسكندرية هل يتوضأ منه ويغسل فيه الثياب

مسألة وسئل مالك فقيل له: إن خليج الإسكندرية إذا كان جرى النيل جرت فيه السفن، وكان ماؤه أبيض صافيا، فإذا ذهب النيل ركد، فتغير لونه ورائحته طيبة، والسفن تجري فيه على حالها، والماء كثير فيه، والمراحيض تصب فيها، فهو يغسل فيه الثياب، ويتوضأ منه للصلاة، فقال: إذا كانت تصب فيه هذه المراحيض، وقد تغير لونه فما أحب ذلك، وكان ابن عمر من ائتمه الناس، وكان يقول: إني أحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال، قال مالك: فعليك أنت بالذي لا تشك فيه، ودع الناس عنك، ولعلهم في سعة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الماء وإن كان كثيرا صافيا تجري فيه السفن، لا ينبغي أن يتوضأ منه إذا ركد وتغير لونه، من أجل أن المراحيض تصب فيه؛ لاحتمال أن يكون تغير لونه من صب تلك المراحيض فيه، لا من ركوده وسكونه في موضعه، ولو علم أن لونه لم يتغير من صب تلك المراحيض فيه لجاز الوضوء منه، كما أنه لو علم أنه تغير من ذلك لم يحل الوضوء منه، وكان نجسا بإجماع، فإذا لم يعلم بم تغير لونه كان

الاحتياط أن يحمل على النجاسة، بخلاف أن لو وُجد متغير اللون، ولم يُعلم لتغيره سبب من نجاسة يشبه أن يكون تغير منه، فإنه يُحمل على الطهارة، وبالله التوفيق.

مسألة: بئر وجد ماؤها منتنا فنزفت ثم ماؤها منتن على حاله

مسألة وسئل عن بئر وجد ماؤها منتنا فنزفت، ثم ماؤها منتن على حاله، فقال: إني أخاف أن تكون تسقيها قناة مرحاض، فانزفوها يومين أو ثلاثة أيام، فإن طاب ماؤها توضأتم به، وإن لم يطب لم تتوضئوا به.
قال محمد بن رشد: وجه قوله أنه حمل الماء على أنه إنما أنتن من نجاسته لقنوات المراحيض التي تتخلل الدور في القرى والمدن بخلاف البئر والغدير، يجده الرجل في الصحراء قد أنتن، وهولا يدري مما أنتن، فإنه يحمل على الطهارة، وأنه إنما أنتن من ركوده وسكونه في موضعه؛ إذ لا يعلم لنجاستها سببا يشككه فيه، ولو علم أن نتن ماء البئر ليس من قناة مرحاض إلى جانبه لم يكن به بأس، وقد قاله في آخر هذا الرسم، فهو مبين لقوله هاهنا.

مسألة: الرجل يأتي المهراس بفلاة من الأرض فيريد أن يتوضأ منه

مسألة وسئل عن الرجل يأتي المهراس بفلاة من الأرض، فيريد أن يتوضأ منه، فلا يجد شيئا يأخذ به فيصب على يديه، أيدخل يده فيه؟ قال: نعم، يدخل يده فيه، وأين يجد مهراسا بفلاة من الأرض؟ ولكن

لو قال غديرا، فقيل له: إن بعض الناس يقول: يأخذ بفيه الماء، فيصب به على يديه حتى يغسلهما، ثم يدخلهما في المهراس، فقال: وما عسى أن يأخذ بفيه، وإنه ليكفي من هذا أنه لم يكن من عمل الناس أن يأخذ بفيه فيصب على يديه.
قال محمد بن رشد: يده محمولة على الطهارة حتى يوقن بنجاستها، ولذلك لم ير عليه أن يأخذ الماء بفيه ليغسلها، ورأى ذلك من التعمق والخلاف لما مضى عليه الناس من التخفيف وترك التشديد على أنفسهم في مثل هذه الأمور، وقد مضى هذا المعنى في الرسم قبل هذا، وفي رسم "كتب عليه ذكر حق" ورسم "البز" من سماع ابن القاسم، ولو كانت يده نجسة لكان عليه أن يحتال لغسلها قبل أن يدخلها في الماء بما يقدر عليه من أخذ الماء بفيه أو بثوب إن كان معه على ما يأتي في سماع موسى بن معاوية من هذا الكتاب.

مسألة: توضأ ومسح على خفيه فلما مشى وجد في أحدهما حصاة فنزعه

مسألة وسئل عمن توضأ ومسح على خفيه، فلما مشى وجد في أحدهما حصاة، فنزعه، فأخرجها ثم رد خفه مكانه في رجله ما ترى عليه؟ فقال: أحب إلي أن يغسل قدمه مكانه، قيل له: أيجزي عنه أن يغسل قدمه مكانه؟ قال: نعم.
قيل له: إن بعض أهل العراق يقولون: إذا نزعت خفيك انتقض وضوؤك، فقال: قال الله عز وجل:

﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: 150] ، وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: 55] . قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب قدمه، وفي بعضها قدميه في الموضعين، والذي تستقيم به المسألة على ظاهر اللفظ أن يكون الأول قدميه بالتثنية، والثاني قدمه بالإفراد، إذ يبعد أن يقول: أحب إلي أن يغسل قدمه بالإفراد؛ لأن ذلك عنده لا يجزئ دونه، ومتى لم يفعل انتقض وضوؤه، وإنما يصح أن يتعلق الاستحباب عنده بخلعهما جميعا، فلما استحب أن يخلعهما جميعا قيل له: أيجزئ عنه أن يغسل قدمه الواحدة مكانه الذي خلع الخف منه لإخراج الحصاة، قال: نعم.
فإذا جاز على هذه الرواية أن يغسل الرِّجْل التي خلع منها الخف، ولا يخلع صاحبه، فأحرى إذا لبس خفين على خفين، فمسح على الأعليين، ثم نزع فردا واحدا منها أن يجزئه أن يمسح على الخف الذي تحته ولا يخلع صاحبه.
وقال ابن حبيب: لا بد له من خلع صاحبه في المسألتين جميعا، ومذهب ابن القاسم الفرق بين المسألتين؛ لأن عيسى روى عنه في الخفين على الخفين إذا نزع فردا من الأعليين، وقد مسح عليهما أنه يجزئه أن يمسح على الذي تحته وحده ولا يخلع صاحبه، وروى عنه أبو زيد في الخفين على القدمين إذا مسح عليهما فانخرق أحدهما أنه ينزعهما جميعا ويغسل رجليه، فتحصل في الجملة ثلاثة أقوال، وفي كل مسألة على انفراد قولان، فقف على ذلك، وإنما قال إذا نزع خفيه وقد مسح عليهما: إنه يغسل رجليه ولا ينتقض وضوؤه خلافا لما حكي له عن بعض أهل العراق قياسا على الجبيرة إذا مسح عليها في غسله، ثم برأ أنه يغسل ذلك الموضع ولا ينتقض غسله.
وفي مختصر ما ليس في المختصر لمالك من

رواية زيد بن شعيب عنه أن من مسح على خفيه، ثم نزعهما استأنف الوضوء، ووجه ذلك أنه إن غسل رجليه فقد حصل وضوؤه متفرقا عن غير ضرورة، بخلاف الجبيرة، والأول أظهر.

مسألة: الوضوء من بيوت النصارى

مسألة وسئل عن الوضوء من بيوت النصارى، فربما كانوا عبيدا للمسلمين، فقال: إني لأكره ذلك، هم أنجاس لا يتطهرون.
قال محمد بن رشد: فإن فعل فلا إعادة عليه؛ لأنه أخف من سؤر النصراني الذي قد اختلف فيه قوله على ما قد تقدم القول فيه من أول سماع ابن القاسم.

مسألة: بئر ماتت فيه دابة

وسئل عن بئر ماتت فيه دابة، فكان أهلها يتوضئون منها، ويصيب ماؤها ثيابهم، فقال: إن كان ذلك الماء منتنا فاسدا، فأرى أن تغسل الثياب التي أصابها ذلك الماء، فإن كان ذلك فيه شيئا خفيفا، فأرى أن تنضح تلك الثياب نضحا ولا تغسل، فقيل له: إنما هي فارة ماتت فيها، فكان أهلها يتوضئون منها، ويصيب ماؤها ثيابهم، فقال: نعم، إذا كان ذلك الماء فاسدا جدا غسلت منه تلك الثياب، وإن كان ذلك منه شيئا خفيفا فيها، فأرى أن تنضح الثياب، فقيل له: أرأيت ما صلوا بذلك من صلاة؟ فقال: يعاد ما كان من ذلك في الوقت.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بين أهل العلم فيما علمت أن الماء إذا أنتن واشتدت رائحته من موت الدابة فيه أنه نجس، وأن من توضأ به يعيد

الصلاة في الوقت وبعده، وتغسل منها الثياب، ولا يجزئ فيها النضح.
فقوله في آخر المسألة: يعاد من ذلك ما كان في الوقت، لا يعود على جملة المسألة في الماء المنتن وغيره، وإنما يعود على ما اتصل به من قوله: وإذا كان ذلك منه شيئا خفيفا فيها، فأرى أن تنضح الثياب، ويحتمل أن يعود على جملة المسألة في الصلاة بالثياب التي أصابها ذلك الماء المنتن وغيره، لا في الوضوء من ذلك الماء، والتأويل الأول أظهر بظاهر الرواية، ومعنى قوله: وإن كان ذلك منه شيئا خفيفا، أي يشك في تغير رائحته لخفته، وأما لو تبين تغير رائحته لوجب أن يعيد من توضأ بذلك الماء في الوقت وغيره على مذهب مالك، خلاف ما ذهب إليه ابن الماجشون من ترك الاعتبار بالرائحة في صفة الماء، وقوله: فأرى أن تنضح الثياب، يحتمل أن يريد إن كانت ثيابا يفسدها الغسل على نحو ما ذهب إليه ابن حبيب، ويحتمل أن يكون خفف ترك غسلها، وإن كان الغسل لا يفسدها إذا لم يعفها ذلك الماء النجس، بخلاف المسألة التي تقدمت في رسم "النذور والجنائز"، والله أعلم.

مسألة: الذي يصب الماء لحماره في الشيء يشرب منه ويفضل أيتوضأ بفضله

مسألة وسئل عن الذي يصب الماء لحماره في الشيء يشرب منه ويفضل؛ أيتوضأ بفضله؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، وزاد فيها أنه وغيره سواء، قال ابن حبيب: وقد كره بعض العلماء الوضوء من سؤر الدواب التي تأكل أرواثها، ولم ير ابن القاسم بذلك بأسا، إلا أن يرى ذلك بأفواهها عند شربها، قال ابن حبيب: وأما المخلاة التي تقم المزابل، وتأكل الأقذار، فالتيمم خير من سؤرها؛ لأنه نجس.

مسألة: البئر ينتن ماؤها ثم ينزح والماء ما يزال منتنا

مسألة وسئل فقيل له: إن بئرا لنا قد أنتن ماؤها ونزحناه، وماؤها بعد منتن، فقال: لا أرى أن يتوضأ منه حتى يأتوا ببعض هؤلاء الذين ينظرون إلى الآبار، فإني أخاف أن يكون من قناة مرحاض إلى جانبه، قال: فقلت له: أرأيت إن لم يكن نتنه من ذلك؟ فقال: لو عُلم أن نتنه ليس من ذلك ما رأيت بأسا أن يتوضأ به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح؛ إنه إذا علم أن نتنه ليس من ذلك، ينبغي أن يحمل على الطهارة كالغدير الذي تجده في الفلاة قد أنتن، ولا يدرى من أي شيء أنتن، وقوله هذا يبين مسألة البئر المتقدمة في هذا الرسم قبل هذا.

مسألة: الرجل يقرأ القرآن في اللوح، وهو غير متوضئ

مسألة وسئل عن الرجل يقرأ القرآن في اللوح، وهو غير متوضئ، قال: لا أرى أن يمسه.
قال محمد بن رشد: معناه إذا كان يقرأ فيه على غير وجه التعلم؛ لأنه قد خففه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، إذا كان على وجه التعليم، وقد مضى هناك وجه تخفيفه، وحمل كلامه على أن بعضه مفسر لبعض إذا أمكن ذلك أولى من حمله على الخلاف، وبالله التوفيق.
كمل سماع أشهب والحمد لله رب العالمين، والصلاة الكاملة على مولانا محمد وآله.

الرجل يدخل الحمام لغسل جنابة فيتطهر وهو ناس لجنابته

كتاب الوضوء الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من سماع عيسى من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم عمن دخل الحمام لغسل جنابة، فخرج إلى الطهور فتطهر، وهو ناس لجنابته، أيجزئه؟ فقال: أرأيت من أمر أهله أن يضعوا له ماء يغتسل من الجنابة، فوضع فجاء فاغتسل، ونسي الجنابة، وذهب إلى البحر ليغسل الجنابة، فاغتسل ونسي الجنابة، أليس ذلك يجزيه في ذلك كله؟ قال محمد بن رشد: قد روي عن سحنون: أن ذلك يجزيه في النهر، ولا يجزيه في الحمام، ووجه ما ذهب إليه أن النية بعدت عنه لاشتغاله بالتحمم قبل الغسل، وكذلك لو ذهب إلى النهر ليغسل ثوبه قبل الغسل، فغسل ثوبه ثم اغتسل، لم يجزه الغسل على مذهبه، ولو لم يتحمم في الحمام لأجزأه الغسل كالنهر سواء.
ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لما خرج إلى الحمام بنية أن يتحمم ثم يغتسل، لم ترتفض عنده النية، ولا ضره بعدها لبقاء حكمها على ما نواه وخرج عليه، ولو خرج إلى الحمام قاصدا للغسل من الجنابة، ثم بدا له فتحمم، ولم يجدد النية عند الغسل لما أجزأه

عندهما جميعا، فالأمر في هذا على هذه الثلاثة الأوجه: إذا خرج إلى الحمام للغسل فاغتسل ولم يتحمم أجزأه الغسل باتفاق، وإذا خرج إليه للغسل ثم بدا له فتحمم، ثم اغتسل لم يجزه الغسل باتفاق، إلا أن يجدد النية، وإذا خرج ليتحمم ثم يغتسل ففعل أجزأه الغسل عند ابن القاسم، ولم يجزئه عند سحنون، إلا أن يجدد النية عند الغسل.
والأصل في جواز تقدم النية قبل أول الغسل بيسير إجماعهم على جواز تبييت الصيام من الليل قبل أول النهار؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» وكذلك يجب في الصلاة إذا تقدمت النية قبل الإحرام بيسير أن يجزئ، وقد فرق في هذا بين الغسل والصلاة بتفاريق لا تلزم، من ذلك مراعاة الخلاف في إيجاب النية في الوضوء والغسل، ومن ذلك أن الصلاة يبدأ فيها بتكبيرة الإحرام وهي فرض، والغسل والوضوء يبدأ فيهما بما ليس فرض من غسل اليد قبل إدخالها في الإناء وغير ذلك من السنن.

مسألة: في كيفية الوضوء

مسألة قال: فقلت لمالك: كيف الوضوء؟ أيدخل يديه في الإناء فيغسل وجهه؟ أم يدخل يده الواحدة فيفرغها ثم يتوضأ؟ قال: بل يدخل يديه في الإناء، قال ابن القاسم: في غسل اليد قبل أن يدخلها في الإناء فيفرغها ثم يتوضأ أحب إلي؛ لحديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه أفرغ على يده فغسل يديه ثلاثا» ، قال ابن القاسم: وإن أفرغ على يده فغسلها وحدها، ثم أدخلها في الإناء أجزأ عنه، وأحب إلي الحديث.
قال محمد بن رشد: اختيار ابن القاسم هاهنا في غسل اليد قبل أن يدخلها في الإناء أن يفرغ على يده الواحدة فيغسلهما جميعا؛ اتباعا لظاهر الحديث، هو مثل ما تقدم لمالك في آخر سماع أشهب، ورأى واسعا أن يفرغ على يده فيغسلها وحدها، ثم يدخلها في الإناء فيفرغ بها على الأخرى، فيغسلها أيضا وحدها، وان كان اتباع ظاهر الحديث أحب إليه، وأما في بقية وضوئه فاختار مالك في هذه الرواية أن يدخل يديه جميعا في الإناء، فيغرف بهما لوجهه ثم لسائر أعضاء وضوئه، وظاهر قول ابن القاسم أن يفعل في سائر وضوئه كما يفعل في غسل يده ابتداء، يدخل يده الواحدة في الإناء، فيفرغ بها على الثانية، فيغسل وجهه ثم يفعل كذلك لسائر أعضاء وضوئه؛ لقوله: فيفرغها ثم يتوضأ، وهو أحسن من قول مالك؛ لأن ما يغرف من الماء بيده الواحدة يكفيه لغسل وجهه، وهو أمكن له في الوضوء من أن يغرف بيديه جميعا، ولعل الإناء الذي يتوضأ منه يصغر عن ذلك، وإنما يغرف بيديه جميعا في الغسل؛ لقوله في الحديث: «ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه» والله أعلم.

مسألة: الرجل يكون عليه زوجا خفاف كيف يمسح

مسألة وسئل عمن كان عليه زوجا خفاف، قال: يمسح على

الأعلى، قيل له: فإن نزع الزوج الأعلى؟ قال: فليمسح على الزوج الأسفل إذا نزع الأعلى، قيل: أرأيت إن نزع فردا من الزوج الأعلى؟ قال: يمسح على الخف الأسفل من تلك الرجل وحدها، ويصلي ويجزئه، وهو قول مالك، قال ابن القاسم: فإن هو لبس الخف التي نزع، ثم أحدث بعد ذلك مسح عليها.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن كان عليه زوجا خفاف أنه يمسح على الأعلى منها، هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك في المدونة وغيرها، وقد حكى بعض البغداديين أن قول مالك اختلف في إجازة المسح على خف فوق خف، ووجه المنع من ذلك أن السنة إنما جاءت في المسح على الخفين على القدمين، وهو رخصة فلا يقاس عليها، ووجه الإجازة قياس الخفين على القدمين لاستوائهما في المعنى.
وأما قوله إن نزع فردا من الزوج الأعلى: إنه يمسح على الخف الأسفل من تلك الرجل وحدها ويصلي، قد تقدم القول عليه والاختلاف فيه في آخر سماع أشهب، وأما قوله: فإن هو لبس الخف التي نزع ثم أحدث بعد ذلك مسح عليهما، فإنه خلاف قول سحنون في المسألة التي بعدها مثل قول مطرف فيها؛ لأنه لما نزع الخف التي مسح عليها من الرجل الواحدة انتقضت طهارته، فلما مسح على الأسفل صار قد طهر بعد أن مسح على الخف من الرجل الأخرى.

مسألة: الرجل يتوضأ ويغسل إحدى قدميه ويلبس خفه ثم يغسل الأخرى

مسألة قيل لسحنون: ما تقول في رجل توضأ فلما فرغ من وضوئه ولم يبق عليه إلا غسل رجليه غسل إحداهما ثم لبس خفه، ثم غسل الأخرى، ثم لبس خفه الأخرى، فأحدث بعد ذلك، أيكون له أن يمسح؟ قال: لا يجوز له أن يمسح، قلت: لم؟ قال: من قبل أنه أدخل

إحدى رجليه في الخف قبل استكمال الوضوء.
قلت: أرأيت إن هو خلعهما قبل أن يحدث، ثم لبسهما بعد ذلك، فأحدث أيجوز له أن يمسح؟ قال: نعم إذا كان خلعهما ثم لبسهما قبل أن يحدث جاز له أن يمسح.
قلت له: وكذلك لو غسل رجليه ثم لبس خفيه وقد نسي مسح رأسه ثم ذكر وقد جف وضوؤه فمسح برأسه، ثم أحدث بعد ذلك لم يكن له أن يمسح، قال: نعم، هي نظيرة ما سألت عنه، إلا أن يخلع خفيه بعد أن مسح برأسه ثم لبسهما قبل أن يحدث، فإنه يمسح.
وسئل مطرف بن عبد الله عن الرجل يتوضأ فإذا فرغ من جميع وضوئه ولم يبق عليه إلا غسل رجليه غسل رجله الواحدة، ولبس خفه قبل أن يغسل الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى بعد ذلك ولبس خفه، ثم انتقض وضوؤه أيجوز له المسح على الخفين؟ قال: نعم، جائز له ذلك، ولا بأس عليه بالمسح على خفيه؛ لأنه لبس خفيه ووضوؤه تام، لا يضره أن يغسل الرجل الواحدة فيدخلها في الخف قبل أن يغسل الأخرى، وكل ذلك واحد.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في هذه المسألة جار على اختلافهم في المتوضئ للصلاة؛ هل يطهر كل عضو من أعضائه ويرتفع الحدث عنه كلما غسله بتمام غسله، فإذا أكمل وضوءه ارتفع الحدث عنه جملة، وطهر للصلاة؟ أم لا يطهر شيء من أعضائه إلا بتمام الوضوء؟ فمن رأى أنه كلما غسل عضوا من أعضاء الوضوء طهر ذلك العضو، أجاز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما بعد أن غسل رجليه للوضوء، وإن كان ذلك قبل أن يستكمل وضوءه؛ لأنه قد لبسهما عنده ورجلاه طاهرتان بطهر الوضوء على ما جاء في

الحديث، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول ابن القاسم عن مالك في سماع موسى عنه في هذا الكتاب، ومن رأى أنه لا يطهر عضو من أعضاء المتوضئ إلا بتمام وضوئه لم يجز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما قبل استكمال طهارته؛ لأنه ما لبسهما عنده إلا ورجلاه غير طاهرتين بطهر الوضوء، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول سحنون.
وجواز المسح أظهر على القول بأن كل عضو من أعضاء المتوضئ يطهر بتمام غسله؛ بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض؛ خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه» الحديث، وظاهر قول مطرف أنه لو لم يكمل وضوءه لما جاز له أن يمسح، ووجه قوله أن ما غسل المتوضئ من أعضائه يحكم له أنه قد طهر بتمام غسله إن أكمل وضوءه، ولم ينتقض قبل تمامه، فهي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمسح على خفيه إلا أن يكون قد لبسهما بعد إكمال وضوئه.
والثاني: أنه يمسح عليهما إن لبسهما بعد أن غسل رجليه للوضوء، وإن لم يتم وضوءه بعد ذلك.
والثالث: أنه لا يمسح عليهما إلا أن يتم وضوءه ذلك.
وقال.
ابن لبابة: إن الاختلاف في هذه المسألة إنما هو من أجل أن طهارة القدمين بطهر الوضوء ليس بلازم، إذ لم يثبت عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولا عن عمر بن الخطاب في القدمين أن تكونا طاهرتين بطهر الوضوء، وإنما الذي ثبت عنهما طاهرتان لا أكثر.

مسألة: الرجل يسيل عليه ماء العسكر فيسأل أهله فيقولون إنه طاهر

مسألة وسئل ابن القاسم، عن الرجل يسيل عليه ماء العسكر، فيسأل أهله فيقولون: إنه طاهر، قال: يصدقهم، إلا أن يكونوا نصارى، فلا أرى ذلك.

قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يصدقهم، وإن لم يعرف عدالتهم؛ لأنه محمول على الطهارة على ما مضى في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم من قوله: أراه في سعة ما لم يستقين بنجس، فسؤالهم مستحب، وليس بواجب، ولو قالوا له لما سألهم: هو نجس؛ لوجب عليه أن يصدقهم؛ لأنهم مقرون على أنفسهم بما يلزمهم في ذلك من الحكم، فالظن يغلب على صدقهم.
ولو كان محمولا على النجاسة لما وجب أن يصدقهم في أنه طاهر إلا أن يعرف عدالتهم، مثل أن يكون العسكر للنصارى فيسأل من كان قاعدا معهم من المسلمين، إذ لا يقبل الخبر حتى يعلم عدالة نقلته، كما لا تقبل شهادة الشهود حتى تعرف عدالتهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] ، وقول عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده، لا يوسر رجل في الإسلام بغير العدول.
وأما إن عرف أنهم غير عدول، فلا إشكال في أنه لا يقبل قولهم؛ لقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] الآية، وبالله التوفيق.

الرجل في حضر ومعه بئر وهو إن عالجها طلعت عليه الشمس أيتيمم

ومن كتاب أوله عبد استأذن سيده في تدبير جاريته وقال: إذا كان الرجل في حضر ومعه بئر إلا أن رشاءها بعيد، وهو إن عالجها طلعت عليه الشمس، قال: يعالجها وإن طلعت عليه الشمس، وقد قال: يتيمم ويصلي إذا خاف طلوع الشمس.
قال محمد بن رشد: قوله: وقد قال: يتيمم ويصلي إذا خاف طلوع الشمس، هو على القول بأن الصبح ليس له وقت ضروري؛ وأما على القول بأن له وقت ضرورة وهو الإسفار، فإنما يعالجها ما لم يخف أن يسفر؛ لأن الذي

لا يجد الماء ينتقل إلى التيمم إذا خشي أن يفوته وقت الاختيار، والاختلاف في هذه المسألة إنما هو على اختلافهم في الحاضر العادم للماء، هل هو من أهل التيمم أم لا؟ فقوله: يعالجهما وإن طلعت الشمس على القول بأنه ليس من أهل التيمم، وقوله: يتيمم ويصلي إذا خاف طلوع الشمس على القول بأنه من أهل التيمم.
وفي المدونة لمالك قول ثالث: أنه يعيد بعد الوقت إذا قدر على الماء، ويتخرج في المسألة قول رابع وهو: أن تسقط عنه الصلاة إذا طلعت الشمس عليه قبل أن يصل إلى الماء.
وقد اختلف في الذي يكون معه الماء إلا أنه إن توضأ به فاته الوقت، وإن تيمم أدرك الوقت، فقيل: إنه يتوضأ به على كل حال، وإن فاته الوقت؛ لأنه واجد للماء فليس من أهل التيمم، وقيل: إن له أن يتيمم إذا خاف ذهاب الوقت، والأمر محتمل، فانظر ذلك، وبالله التوفيق.

المستحاضة إذا جاءها أيام الدم التي كانت تحيض فيهن فرأت دما كثيرا تنكره

ومن كتاب العرية وسئل ابن القاسم عن المستحاضة إذا جاءها أيام الدم التي كانت تحيض فيهن، فرأت دما كثيرا تنكره، فأقامت قدر الأيام التي كانت تحيض، ثم رجعت إلى الدم الذي كانت تصلي به، أو تكون رأت ذلك الدم يوما أو يومين، ثم رجعت إلى الدم الذي كانت تعرفه، هل ترى أن تستظهر بثلاثة أيام أم لا؟ فقال ابن القاسم: إذا رأت دما تنكره لا تشك أنه دم حيضة، فإنها تترك الصلاة، فإذا طال بها الدم الذي تستنكر استظهرت بثلاثة أيام، وإن كان عاودها دم الاستحاضة بعد أيام حيضتها صلت بغير استظهار.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنها تستظهر في الدمين جميعا، وهو

قول ابن الماجشون وأصبغ، وقيل: إنها لا تستظهر في الدمين جميعا، قاله في كتاب ابن المواز، فوجه قوله في الرواية: إنها لا تستظهر إن عاودها دم الاستحاضة هو أنها كانت تصلي به قبل أن ترى الدم الذي استنكرته، وكانت به في حكم الطاهر وجب إذا رجعت إليه أن تكون فيه أيضا في حكم الطاهر فلا تستظهر.
ووجه قول ابن الماجشون وأصبغ: إنها تستظهر وإن عاودها دم الاستحاضة أن هذا دم اتصل بدم الحيض، فوجب أن تستظهر منه كما لو لم تتقدم لها استحاضة.
وأما ما في كتاب ابن المواز من أنها لا تستظهر وإن تمادى بها الدم الذي استنكرت، فلا وجه له من النظر إلا الاحتياط للصلاة؛ مراعاة لقول من لا يرى الاستظهار أصلا، ولقول مالك أيضا في كتاب ابن المواز إن المستحاضة عدتها سنة، وإن كانت تميز ما بين الدمين؛ لأن الاستحاضة ريبة.
فإذا كانت الرواية مبنية على هذا من الاحتياط فيجب إذا تركت الاستظهار فصلت وصامت أن تقضي الصيام، وكذلك المعتدة على هذا القياس.
وقد قيل: إنها تتمادى في الدمين جميعا إلى خمسة عشر يوما، وهو قول مطرف.

المستحاضة لم تر الدم في كل يوم إلا في وقت صلاة واحدة ثم انقطع ذلك عنها

ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه قلت: أرأيت إن لم تر الدم في كل يوم إلا في وقت صلاة واحدة، ثم انقطع ذلك عنها في غيرها من الصلوات، أتعد ذلك اليوم يوما تاما؟ وكيف إن رأت الدم صلاة الظهر، فتركت الصلاة، ثم رأت الطهر قبل العصر أتعيد الصلاة؟ قال ابن القاسم: إن رأته وإن كان ساعة، فإنها تعد ذلك يوما، وأما الظهر فإنها تعيدها إذا رأت الطهر نهارا.

قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أن الحيضة إذا انقطعت ولم يكن بين الدمين من الأيام ما يكون طهرا فاصلا، فإنها تلفق أيام الدم وتعد اليوم الذي رأت فيه الدم من أيام الدم، وإن لم تره إلا ساعة أو لمعة، وإنما اختلف هل تلفق أيام الطهر، فالمشهور أنها تلغيها ولا تلفقها، وقد قيل: إنها تلفقها إن كانت مثل أيام الحيض أو أكثر منها، فتكون في أيام الدم حائضا، وفي أيام الطهر طاهرا أبدا، وهو قول محمد بن مسلمة.
وإن انقطع عنها وقد بقي من النهار قدر خمس ركعات قبل غروب الشمس أو أكثر صلت الظهر والعصر، وإن كان لم يبق من النهار إلا أربع ركعات فأقل صلت العصر، وسقطت عنها صلاة الظهر، واختلف إذا انقطع عنها لمقدار أربع ركعات من الليل قبل طلوع الفجر، فقيل: إنه يجب عليها صلاة المغرب والعشاء، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: إنه لا يجب عليها إلا صلاة العشاء الآخرة، وهو مذهب ابن الماجشون، وأما قوله: فإنها تعيدها، فإنه تجاوز في اللفظ؛ لأن حقيقة الإعادة إنما هو لما قد فعل، وهي لم تصلها بعد، وقد جاء مثل هذا في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20] ، وقال الشاعر، وهو النابغة الجعدي: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

مسألة: المرأة ترى الدم عند وضوئها

مسألة قال ابن القاسم: سألت مالكا عن المرأة ترى الدم عند وضوئها، فقال مالك: تشد وتصلي، وليس عليها غسل، ولا تترك الصلاة كما تصنع المستحاضة في أول ما يصيبها.

قال محمد بن رشد: يريد ولا تترك الصلاة في أول ما يصيبها كما لا تتركها المستحاضة.
وقوله: وليس عليها غسل، يبين قول مالك في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم، ويرد تأويل ابن أبي زيد عليه، وقد تكلمنا هناك على وجه قول مالك بما أغنى عن رده، والمعنى في هذه المسألة أنه حكم لها بحكم المستحاضة لما كان الدم يتكرر عليها عند كل وضوء؛ لأن معنى قوله: ترى الدم عند وضوئها، أي تراه عند كل وضوء، فإذا قامت ذهب ذلك عنها على ما قاله في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم.
ولا إشكال في أن الدم إذا تمادى بها على هذه الصفة يكون حكمها حكم المستحاضة، وحكم المستنكحة أيضا لتكرر الدم عليها في أوقات معلومة، وإنما الذي يشكل من المسألة قوله فيها ولا غسل عليها في أول ما يصيبها؛ لأن ما تراه المرأة من الدم ابتداء هو محمول على أنه حيض حتى يعلم أنه استحاضة، فقوله: إنه لا غسل عليها في أول ما يصيبها معناه إذا كان أول ما يصيبها ذلك في مدة الاستحاضة، مثل أن تكون قد رأت الدم خمسة عشر يوما، ثم جعلت تراه عند كل وضوء، فوجب ألا يجب عليها غسل عند أول ما تراه؛ لأنه استحاضة، إذ لا يمكن إضافته إلى الدم الأول، إذ قد تمادى بها خمسة عشر يوما، ولا أن تجعله حيضة ثانية؛ إذ لا فاصل بينهما من الأيام.
وكذلك كل ما تكرر على هذه الصفة إلا أن ترى دما تنكره، وتميز أنه دم حيضة على ما قال في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم.
ومعنى ذلك إذا رأت هذا الدم الذي تنكره بعد أن مضى من الأيام ما يكون طهرا فاصلا من بعد انقضاء الخمسة عشر يوما، وهو الوقت الذي حكم فيه باستحاضتها، وبالله التوفيق.

تفسير يتيمم بجدار

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل ابن القاسم عن تفسير يتيمم بجدار، فقال:

تفسيره من ضرورة، بمنزلة المريض لا يكون عنده أحد يوضئه ولا ييممه، فيمد يده إلى الجدار بجنبه إذا كان جدارا أسود، يريد أن يكون الجدار من طوب نيء.
قال محمد بن رشد: وجه هذا السؤال أنه سأله عن تفسير ما روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلم عليه رجل في سكة من السكك، وقد خرج من بول أو غائط، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فتيمم» ، فقال تفسيره من ضرورة، أي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفعل ذلك إلا من ضرورة، إذ لم يصل إلى الصعيد الطيب؛ لكونه في السكك والطرق التي لا تنفك عن النجاسات، وخشي أن يفوته الرد الذي قد أوجبه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] إن أخره إلى أن يجد الماء فيتوضأ، إذ لا يكون ردا إلا بالقرب، وذلك أن ذكر الله تعالى على غير طهارة كان في أول الإسلام ممنوعا ثم نسخ، فأراد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تيمم الجدار من ضرورة، وهي ما ذكرنا، كما يتيممه المريض من ضرورة إذا لم يكن عنده أحد يوضئه أو ييممه.
وقوله إذا كان الجدار أسود، يريد أن لا يكون قد كسي بجص أو جير، فإن كان كذلك لم يجز التيمم عليه، قاله في كتاب ابن المواز، وهو صحيح، وقوله: من طوب نيء صحيح؛ لأنه إن كان آجرا مطبوخا لم يجز التيمم عليه، وقد قال ابن حبيب: إن المريض يتيمم الجدار آجرا كان أو صخرا أو حجارة أو حصبا إذا لم يجد من يناوله ترابا، ولا من ينقله إلى موضع الصعيد، وهو بعيد إلا أن يريد آجرا غير مطبوخ، والله أعلم، وبه التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
مسألة: الرجل يتوضأ وييبس ثيابه ثم تأتيه امرأته فتغلبه على نفسهالرجل يكثر عليه المذي أيتوضأ لكل صلاةمسألة: الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذامسألة: الثوب يكون فيه الدم فيتجفف فيه المغتسلمسألة: الغسل من الماء الساخن من الحمام إذا أراد أن يخرجمسألة: يكون معه الماء القليل في السفر فيخاف إن توضأ به العطش أيتيمممسألة: أيطلب الماء في الرفقة قبل أن يتيمممسألة: الجنب يدخل يده في ماء مركن قبل أن يغسل يده ثم يغتسل ويلبس ثيابهمسألة: المتوضي للصلاة يوضئ ذراعه اليسرى أو رجله اليسرى قبل اليمنىمسألة: لا تمسح الأرجل إنما تغسلمسألة: الرجل يتزوج المرأة النصرانية أيكرهها على الاغتسال من الجنابةمسألة: الوضوء قبل الطعاممسألة: الكعب الذي يجب إليه الوضوءمسألة: الرجل يدنو من أهله فيصيبها ما دون الختان فينزل على ذلك منهامسألة: وقت الدم وهل قليله وكثيره سواءمسألة: مس إبطه ونتفه أترى أن يغسل يدهمسألة: أينزع الخاتم الذي فيه ذكر الله منقوش عند الاستنجاءمسألة: ماء البيض إذا أصاب الثوب أترى أن يغسلمسألة: الرجل يتوضأ للصلاة ثم يمس ذكره قبل أن يغسل قدميهمسألة: الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجافمسألة: الرجل يضطجع على الفراش الذي فيه الجنابة فتصيبه شدة هذا العرقمسألة: الذي يستيقظ من نومه فيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلهامسألة: الوضوء بالدقيق والنخالة والفولمسألة: الوضوء بالماء السخنمسألة: الذي يريد أن يبتدئ الوضوء أيغسل يديه أم يفرغ على يدهمسألة: الذي ينام في الثوب فيه الجنابة حتى يعرق فيه ثم يقوم أيتوضأمسألة: الرجل يكون في رأسه جراح فتصيبه جنابة أيغتسلمسألة ماء خليج الإسكندرية هل يتوضأ منه ويغسل فيه الثيابمسألة: بئر وجد ماؤها منتنا فنزفت ثم ماؤها منتن على حالهمسألة: الرجل يأتي المهراس بفلاة من الأرض فيريد أن يتوضأ منهمسألة: توضأ ومسح على خفيه فلما مشى وجد في أحدهما حصاة فنزعهمسألة: الوضوء من بيوت النصارىمسألة: بئر ماتت فيه دابةمسألة: الذي يصب الماء لحماره في الشيء يشرب منه ويفضل أيتوضأ بفضلهمسألة: البئر ينتن ماؤها ثم ينزح والماء ما يزال منتنامسألة: الرجل يقرأ القرآن في اللوح، وهو غير متوضئالرجل يدخل الحمام لغسل جنابة فيتطهر وهو ناس لجنابتهمسألة: في كيفية الوضوءمسألة: الرجل يكون عليه زوجا خفاف كيف يمسحمسألة: الرجل يتوضأ ويغسل إحدى قدميه ويلبس خفه ثم يغسل الأخرىمسألة: الرجل يسيل عليه ماء العسكر فيسأل أهله فيقولون إنه طاهرالرجل في حضر ومعه بئر وهو إن عالجها طلعت عليه الشمس أيتيممالمستحاضة إذا جاءها أيام الدم التي كانت تحيض فيهن فرأت دما كثيرا تنكرهالمستحاضة لم تر الدم في كل يوم إلا في وقت صلاة واحدة ثم انقطع ذلك عنهامسألة: المرأة ترى الدم عند وضوئهاتفسير يتيمم بجدار
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل