البيان والتحصيلصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع السادس

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في مس المرأة فرجها، فروي عنه في ذلك أربع روايات: سقوط الوضوء، واستحبابه، وإيجابه، والرابعة الفرق بين أن تلطف أو لا تلطف، وهي رواية ابن أبي أويس عنه.
والاستحباب راجع إلى سقوط الوضوء، فهي ثلاثة أقوال: سقوط الوضوء، ووجوبه، والفرق بين الإلطاف وغيره.
وقد تأول أن رواية ابن أبي أويس مفسرة للقولين، وأنه ليس في المسألة إلا قول واحد وهو الفرق بين أن تلطف أو لا تلطف.
وكذلك اختلف قول مالك في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فروي عنه إيجابه، وسقوطه، واستحبابه، والفرق بين أن يكون ناسيا أو متعمدا.
وقد ذكرنا الاختلاف في هذا محصلا مبينا في غير هذا الكتاب.
ولا اختلاف في أن الوضوء لا يجب من مس شرج ولا رفغ ولا عانة، وإن كان يكره ذلك للتقذر، والشافعي يوجب الوضوء من مس الدبر تعلقا بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من مس فرجه فقد وجب عليه الوضوء» ، وبالله التوفيق.

يسمع كلام الإمام في الخطبة وهو في الطريق

في الذي يسمع كلام الإمام في الخطبة وهو في الطريق قال مالك: بلغني «أن عبد الله بن رواحة أقبل إلى المسجد يوم الجمعة، فسمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول وهو على المنبر للناس: اجلسوا قال: فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في الطريق فجلس مكانه في الطريق لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجلسوا» . قال القاضي: في هذا دليل على أنه يستحب لمن أتى الجمعة أن

يترك الكلام في طريقه إذا علم أن الإمام في الخطبة وكان بموضع يمكن أن يسمع منه كلام الإمام؛ وقد قيل إن الإنصات لا يجب عليه حتى يدخل المسجد، وهو قول ابن الماجشون ومطرف؛ وقد قيل إنه يجب عليه منذ يدخل رحاب المسجد التي تصلى فيها الجمعة من ضيق المسجد، وبالله التوفيق.

وصف بعض شجرة الجنة

في وصف بعض شجرة الجنة قال مالك: بلغني أن في الجنة شجرة يسير الراكب تحتها مائة عام.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا إلا الإعلام بعظيم قدرة الله تعالى وما أعده لأوليائه في دار كرامته.
وقد جاء «عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال حاكيا عن ربه: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وبالله التوفيق.

فضل صدقة المقل

في فضل صدقة المقل قال: وحدثني مالك أن أبا هريرة كان يقول: سبق صاحب الدرهم صاحب مائة ألف درهم، فقيل لأبي هريرة لم ذلك؟ قال: يكون له مائة ألف درهم لا يتصدق منها ولا يكون لهذا إلا درهم واحد فيتصدق به.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن صاحب مائة ألف درهم إذا لم يتصدق منها إلا بما وجب عليه فيه من الزكاة فقد سبقه في الأجر صاحب الدرهم إذا تصدق بدرهمه كله.
ولو تصدق صاحب الألف درهم بدرهم سوى الزكاة لكان صاحب الدرهم قد سبقه لتصدقه بدرهمه الذي لا مال له سواه، بدليل ثناء الله عز وجل على من جاد بما عنده من اليسير فقال عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] . ولو لم يتصدق صاحب الدرهم بشيء من درهمه لكان صاحب المائة الألف الدرهم قد سبقه في الأجر بتأدية زكاة ماله.
وهذا يدل على فضل الغنى على الفقر، وقد مضى القول في هذا في رسم نذر سنة، وبالله التوفيق.

تقديم الخطبة في العيد قبل الصلاة

في تقديم مروان الخطبة في العيد قبل الصلاة قال مالك: خرج مروان يوم العيد إلى المصلى ومعه أبو سعيد الخدري فلما أتيا المصلى مضى مروان ليصعد المنبر، قال: فأمسك أبو سعيد بثوبه وقال الصلاة، فاجتبذ مروان منه جبذة شديدة حتى نزع ثوبه من يده فقال: قد ترك ما هنالك يا أبا سعيد، فقال أبو سعيد: أما ورب المشارق لا تأتون بخير منها.
قال القاضي: أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيد معاوية، وقيل عثمان أول من فعل ذلك، كان لا يدرك عامتهم الصلاة، فبدأ بالخطبة حتى يجتمع الناس.
وروى ابن نافع عن مالك ما يدل على ذلك قال: السنة أن تقدم الصلاة قبل الخطبة، وبذلك عمل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو

بكر وعمر وعثمان صدرا من ولايته.
ومن قال: أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيد مروان فإنما أراد بالمدينة لأنه كان أميرا عليها لمعاوية، ويدل على ذلك قوله لأبي سعيد الخدري قد ترك ما هنالك.
قال ابن حبيب في الواضحة: وأول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين هشام بن عبد الملك، أراد أن يؤذن الناس بالأذان لمجيء الإمام، ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان، ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة ليؤذن الناس بها بفراغه من الخطبة ودخوله في الصلاة، وذلك حين كثر الناس فكان يخفى عليهم مجيء إمامهم وفراغه من الخطبة ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه.
قال ولم يرد مروان وهشام إلا اجتهادا فيما رأيا، إلا أنه لا يجوز اجتهاد في خلاف سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.

الإتمام بمنى

في الإتمام بمنى قال مالك: حج معاوية بن أبي سفيان فصلى بمنى ركعتين فكلمه مروان في ذلك وقال له: أنت القائم بأمر عثمان تصلي ركعتين وقد كان عثمان صلى أربعا، فقال ويلك أنا صليتها مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعتين، فلم يزل به مروان حتى صلى أربعا.
قال القاضي: أما إتمام عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بمنى فقد روي «أن الناس لما أنكروا عليه الإتمام قال لهم: إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: من تأهل في بلدة فهو من أهلها» . ولعله تأول أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقصر بمنى إلا من أجل

أن إقامته بمكة لم تكن إقامة تخرجه عن سفره ولذلك قصر بها.
وأما معاوية بن أبي سفيان فالوجه فيما ذكر عنه في هذه الرواية، والله أعلم، أنه كان مقيما بمكة فقصر بمنى لأنه تأول أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصر بها وقد كان مقيما بمكة، فلم يزل به مروان حتى صرفه عن تأويله على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان مقيما بمكة إلى أنه إنما قصر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه لم يكن مقيما بمكة إقامة تخرجه عن سفره.
فالاختلاف هل كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقيما بمكة قبل خروجه من مكة إلى منى أو غير مقيم هو أصل الاختلاف في هذه المسألة، فذهب مالك إلى أنه قصر بمنى وقد كان مقيما بمكة، وذهب أهل العراق إلى أنه إنما قصر بمنى من أجل أنه لم يكن مقيما بمكة.
والصحيح ما ذهب إليه مالك لأنه قدم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بمكة إلى يوم التروية وذلك أربع ليال، ثم خرج فقصر بها.
وقد مضى هذا المعنى في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

مسح الوجه باليدين في الدعاء

في مسح الوجه باليدين في الدعاء وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء وقد بسطها قبل ذلك، فأنكر ذلك وقال: ما أعلمه.
قال محمد بن رشد: إنما أنكر ذلك مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - لأنه رآها بدعة، إذ لم يأت بذلك أثر عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولا مدخل فيه للرأي، وإنما أخذ ذلك من فعله والله أعلم للحديث الذي جاء «عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبي وجع قد كاد يهلكني فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: امسحه بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد.
قال ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل عني ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم؟» ولحديث عائشة «أن رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث.
قالت: فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيمينه رجاء بركتها» .

الانتعال قائما

في الانتعال قائما وسئل مالك عن الانتعال قائما فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا وجه لكراهة ذلك إلا ما يخشى على فاعله من السقوط إذا قام على رجله الواحدة ما دام ينتعل الثانية، فإذا أمن من ذلك وقدر عليه جاز له أن يفعله ولم يكن عليه فيه بأس، وإن خشي أن يضعف عن ذلك كره له أن يفعله، لما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد الله «أنه نهى أن ينتعل الرجل قائما» وهو نهي أدب وإرشاد لهذه العلة، والله أعلم وبه التوفيق.

أهل الجيش أحق بغنيمتهم

في أن أهل الجيش أحق بغنيمتهم قال مالك: إن عمر بن الخطاب أتاه سفطا حلي من فارس فأراد أن يقسمه هاهنا في المدينة، فرأى في منامه أن الملائكة تدفع في صدره عنها، فلما استيقظ قال: ما أرى هذا يصلح أن أقسمه هاهنا، فبعث به إلى الجيش الذين افتتحوا ذلك الموضع أن يباع ثم يقسم

بينهم، وأمرهم ألا ينقصوا من أعطية أهل الكوفة أعطياتهم وأعطيات عمالهم، فاشتراها ابن حريث بذلك كله، فبلغني أنه باع أحدهما بما اشتراهما به وربح الآخر.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن الله عز وجل لما قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] دل على أن الأربعة الأخماس الباقية للغانمين، فعصم الله عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن الخطأ بما أراه الله في منامه مما نبهه على النظر الذي رأى به أن أهل الجيش أحق بأن يقسم بينهم بالسهمان (كذا) يريد بعدما أخرج الخمس منهما ورأى ذلك زيادة لهم على أعطياتهم فأمر أن لا ينقصوا منها شيئا بسببها لأنها غنيمتهم، وبالله التوفيق.

تسارع الناس إلى ما نهوا عنه

في تسارع الناس إلى ما نهوا عنه قال مالك: قالت عائشة لو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل: لو ذقته.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن الناس إذا نهوا عن شيء أتاهم الشيطان فوسوس إليهم في ذلك وزين لهم فعل ما نهوا عنه حتى يوقعهم في الإثم والحرج، كما فعل بأبويهم آدم وحواء إذ قال لهما ربهما: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 19] ، أي لا يفتنكما، فوسوس لهما الشيطان وقال لهما:

﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20] أي إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، فإن أكلتما منها كنتما ملكين من الملائكة وكنتما من الخالدين ولم تموتا أبدا، وحلف لهما أنه ناصح لهما ﴿فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 22] ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] . وبالله التوفيق.

تبدية الرجل أخاه على نفسه في الكتاب إليه وهو أصغر منه

في تبدية الرجل أخاه على نفسه في الكتاب إليه وهو أصغر منه وسئل مالك عن الرجل يبدأ باسم أخيه قبل اسمه وهو أصغر منه، قال: نعم إذا كان أهلا لذلك.
فقيل له: إن قوما يذكرون أن فيه حديثا أن الرجل يبتدئ باسمه قبل اسم أخيه، قال: لا شك أن هذا من الشيطان، وقال إذا كتب الرجل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فيكتب إلى أبي فلان أو لفلان، وقال ذلك واسع.
قال محمد بن رشد: أنكر مالك الحديث الذي ذكره أنه جاء في أن يبدأ الرجل إذا كتب إلى أخيه باسمه قبل اسم أخيه، ورأى أن التزام ذلك على كل حال كان أخوه أصغر منه أو أكبر من الشيطان.
والاختيار عنده إذا كتب إلى أخيه وهو أصغر منه أن يبدأ بنفسه فيقول في الكتاب إليه: من فلان إلى فلان، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كبر كبر» فإذا بدأ به بدأه على نفسه لكونه أهلا

لذلك لدينه وفضله لا لغرض من أغراض الدنيا فلا بأس بذلك، لأن الرجلين إذا كان أحدهما أسن والآخر أفضل فالأفضل أحق بالتقديم من الأسن.
وإنما يجب تقديم الأسن إذا استويا في الفضل، لأن زيادة السن زيادة في الفضل.
فإن كتب الرجل إلى من هو دونه في السن والفضل فبدأه في الكتاب على نفسه تواضعا لله ومخافة أن يكون عند الله أفضل منه فقد أحسن.
وأما إذا كتب إلى رجلين وأحدهما أفضل وأسن فواجب عليه أن يقدم منهما الذي هو أفضل وأسن، فإن استويا في السن قدم الأفضل، فإن استويا في الفضل قدم الأسن، وإن كان أحدهما أفضل والآخر أسن قدم الأفضل، وبالله التوفيق.

اشتراط ما في بطن الفرس العقوق إذا حبس في السبيل

في اشتراط ما في بطن الفرس العقوق إذا حبس في السبيل وقد كره مالك أن يحمل على الفرس العقوق في سبيل الله عز وجل ويشترط ما في بطنها.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك لأنه قد أبقى لنفسه منفعة فيما سبله في السبيل وهو إرضاعها ما في بطنها إذا أنتجته حتى يستغني عنها، فإن وقع ذلك نفذ ومضى وكان له شرطه، ونقص بذلك حظه من الأجر، إلا أن يكون كان حمل عليه في السبيل رجلا بعينه على القول بأن المحمول عليه يستحقه ملكا بالغزو عليه، فيكون الحكم في ذلك حكم مسألة الفرس الواقعة في كتاب الهبة والصدقة من المدونة في باب الرجل يهب النخل للرجل ويشترط تمرها لنفسه سنين على أحد التأويلين فيها، وبالله التوفيق.

إنزاء الحمر على الخيل

في إنزاء الحمر على الخيل وسئل مالك هل ينزى على الفرس العربية الحمار؟ قال: نعم لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية علي بن أبي طالب أنه قال: «نهى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن تحمل الحمر على البراذين» وهو نهي أدب وإرشاد، بدليل ما روي «عن ابن عباس أنه قال: ما اختصنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشيء دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل» . وروي «عن علي بن أبي طالب أنه قال: أهدي إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بغلة فركبها فقلت: لو حملنا الحمر على الخيل كان لنا مثل هذا فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» ومعناه الذين لا يعلمون قدر الثواب في ارتباط الخيل في سبيل الله فيزهدون في ذلك، فكان فيما اختص به بني هاشم من ذلك زيادة في الترغيب لهم على سائر الناس، لأن الخيل كانت فيهم قليلة على ما روي، فأحب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تكثر عندهم.
فقول مالك في هذه الرواية لا بأس بذلك معناه لا إثم فيه ولا حرج، وتركه مرغب مندوب إليه، لما في ارتباط الخيل من الأجر، وبالله التوفيق.

الرهبان في أرض العدو

في الرهبان في أرض العدو وسئل مالك عن الرهبان في أرض العدو، قال: أرى أن لا يهاجوا وأن يتركوا.

قال محمد بن رشد: لا اختلاف أحفظه في مذهب مالك أن الرهبان لا يقتلون ولا يسبون ولا تضرب عليهم الجزية إذا كانوا معتزلين لأهل دينهم في ديارات أو صوامع، لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتل الرهبان وعن قتل أصحاب الصوامع» . وإنما اختلف في النساء الرواهب هل يسبين أم لا، فقيل: إنهن تبع لرجالهن في أنهن لا يسبين، وقيل: إنهن يسبين وهو قول سحنون.
وقد مضى القول على هذا في أول سماع أشهب من كتاب الجهاد.
واختلف أيضا في أموال الرهبان هل يترك لهم أم لا.
وقد مضى القول على هذا في رسم التمرة من هذا السماع من كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.

الذبيح من هو من ابني إبراهيم عليه السلام

في الذبيح من هو من ابني إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وسئل مالك عن الذي فدي من الذبح، قال إسحاق.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في الغلام الذي أمر إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بذبحه، فقال قوم: هو إسحاق، وقال آخرون: هو إسماعيل.
فأما من قال إنه إسحاق فعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وكعب الأحبار، وجماعة من التابعين.
وأما من قال إنه إسماعيل فعبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب، وسعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. قال الفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أن الله عز وجل قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] ثم قال: ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 109] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 110] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: 111] قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112] ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: 113] ، أي على إسماعيل وعلى إسحاق، كنى عنه لأنه قد تقدم

ذكره، ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ [الصافات: 113] فدل على أنهما ذرية إسماعيل وإسحاق.
وليس يختلف الرواة أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - بثلاث عشرة سنة.
وأيضا فقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أن أعرابيا قال له: يا ابن الذبيحين» يعني إسماعيل وأباه عبد الله، لأن عبد المطلب كان نذر إن بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح على أن يذبح من قد خرج قدحه، وكتب اسم كل واحد على قدح، فخرج قدح عبد الله، ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه، ففداه بعشرة إلى أن تمت مائة، فخرج القدح على الجزور فنحرها وسن الدية مائة.
ومن الحجة لهذا القول أن الله عز وجل قال حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112] ، يقول: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] يقول بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبحه وله من الله عز وجل هذا الوعد.
وقال أبو جعفر الطبري: الذي يدل عليه ظاهر التنزيل قول من قال هو إسحاق، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدا صالحا بقوله: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100] ، فإذا كان المفدى بالذبح من ابنيه هو المبشر به وكان الله تعالى قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وكان كل موضع من القرآن يبشره إياه بولد فإنما هو يعني به إسحاق، كان بينا أن يبشر إياه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101] في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.
قال: وأما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل فإن الله عز وجل قد كان وعد إبراهيم بأن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلم يكن جائزا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي تقدم،

فإن الله تعالى ذكره إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير نكير أن يكون قد كان ولد لإسحاق فيها أولاد فكيف الواحد.
فمن ذهب إلى أن الذبيح إسحاق قال: كانت فيه أخبار لأن الأول قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101] ، ولما استسلم الذبيح واستسلم إبراهيم لذبحه قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112] . قال محمد بن رشد: وقول أبي جعفر الطبري: إن إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يسأل ربه أن يهب له من الصالحين إلا وهو لا ولد له، إذ لم يكن له من الصالحين.
فعلى ما ذهب إليه إسحاق أكبر من إسماعيل، خلاف ما قاله الفضل من أن الرواة لم يختلفوا في أن إسماعيل أكبر من إسحاق.
والذي ذهب إليه الفضل من أنه إسماعيل هو الأظهر، وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا.
والله أعلم.

الحصا يخرج بها الرجل من المسجد

في الحصا يخرج بها الرجل من المسجد وسئل مالك عن الرجل يخرج من المسجد بحصاة، أترى أن يطرحها؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن الحصاة الواحدة لا يضر المسجد إخراجها منه ولا ينفعه ردها فيه، فلا بأس أن يطرحها ولا يردها، وبالله التوفيق.

البيتوتة في المسجد

في البيتوتة في المسجد وسئل مالك عن البيتوتة في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قال لا بأس بذلك.

قال محمد بن رشد: معناه فيمن لم يكن له منزل يبيت فيه، وأما من له منزل فيكره له المبيت فيه.
وكذلك قال مالك في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وهذا المعنى متكرر في مواضع من كتاب الصلاة، ومضى الكلام عليه في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم منه، وبالله التوفيق.

تفسير قوله عز وجل وجعلنا لهم لسان صدق عليا

في تفسير قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] وسئل مالك عن تفسير قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] ، قال: كقوله للعبد الصالح النبي: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] . قال محمد بن رشد: قوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] يريد إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
قال الله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49] ، يقول الله عز وجل فلما اعتزل إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قومه وعبادة ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان أنسنا وحشته من فراقهم وأبدلناه منهم من هو خير منهم وأكرم علينا منهم، فوهبنا له ابنه إسحاق وابن ابنه يعقوب بن إسحاق - صلى الله عليهم وسلم - ﴿وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49] يقول وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنبياء، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] أي ورزقنا إبراهيم وإسحاق

ويعقوب من رحمتنا.
وكان الذي وهب لهم من رحمته ما بسط لهم في عاجل الدنيا من سعة رزقه وأغناهم بفضله.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] يقول: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس.
وإنما وصف جل وعلا اللسان الذي جعل لهم بالعلو لأن جميع أهل الملل يحسن الثناء عليهم، والعرب تقول: جاءني لسان فلان يعنون ثناءه أو ذمه، ومنه قول الشاعر، قيل هو عمرو بن الحارث، وقيل هو أعشى باهلة: إني أتاني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر يروى: لا كذب فيها ولا سخر

جاءت مرخمة قد كنت أحذرها ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذر فتفسير مالك لذلك بقوله: إنه مثل قول الله للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] تفسير صحيح.
ومن ترفيع ذكره في الدنيا الشهادة بالرسالة في الأذان للصلوات إلى يوم القيامة، وبالله التوفيق.

التسمي بجبريل

في التسمي بجبريل وسئل مالك عن الرجل يسمى جبريل، فكره ذلك ولم يعجبه وقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: 68] وهذه الأمة الذين اتبعوه.

قال محمد بن رشد: إنما كره أن يسمى الرجل جبريل لأن جبريل هو الروح الأمين الرسول من عند الله بالوحي إلى الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - فإذا تسمى الرجل بجبريل كان سببا إلى أن يقول الرجل: جاءني جبريل ورأيت جبريل وأشار علي جبريل برأي كذا في كذا، وهذا من الكلام الذي يستشنع سماعه.
وقد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية سمرة بن جندب أنه قال: «لا تسم غلامك رباحا ولا أفلح ولا بشيرا ولا يسارا يقال: ثم فلان فيقال: لا» . فإذا كرهت التسمية بهذه الأسماء ونحوها فأحرى أن تكره التسمية بجبريل لما ذكرناه من نحو هذا، وليس شيء من ذلك كله بحرام، وإنما هو مكروه فتركه أحسن والله أعلم.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن ينهى عن التسمية بنافع ويسار وبركة من أجل أن يقال: هاهنا بركة فيقال: لا، فسكت عن ذلك ولم ينه عنه حتى قبض، فدل ذلك على أن النهي لم يلحق التسمية بهذه الأسماء.
وقوله ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: 68] إلى آخر قوله، معناه الحض على الاقتداء بهم في ترك التسمية بذلك، وبالله التوفيق.

دخول آكل الكراث للمسجد

في دخول آكل الكراث للمسجد وسئل مالك عن الكراث يؤكل فيأتي آكله إلى المسجد، فقال إنه ليكره كل ما آذى الناس، وإن الناس في ذلك لمختلفون، منهم من لا يوجد له من ذلك شيء رائحة وإن أكله، ومنهم من يكون له رائحة إذا أكله.
قال محمد بن رشد: قوله إنه ليكره كل ما آذى الناس هو مثل ما في

رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب في هذا: وما أحب له أن يؤذي الناس، وذلك تجوز في الكلام، لأن إذاية الناس لا تجوز، فلا يصح أن يقال فيها إنها مكروهة.
وقد نص النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على أن العلة في منع آكل الثوم من دخول المسجد إذاية الناس، فإذا كان الكراث أو البصل تؤذي روائحها الناس فلا يجوز لآكلها دخول المسجد قياسا على الثوم لوجود العلة فيهما، وذلك بين من قول ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الصلاة، قال: والكراث والبصل إن كان يؤذي ويضير (كذا) فهو مثل الثوم ولا يقرب المسجد أصلا، وبالله التوفيق.

الأفضل من صلاة النافلة أفي البيت أم في المسجد

في الأفضل من صلاة النافلة أفي البيت أم في المسجد وسئل عن الصلاة في النوافل في البيوت أحب إليك أم في المسجد؟ قال: أما في النهار فلم يزل من عمل الناس الصلاة في المسجد يهجرون ويصلون، وأما الليل ففي البيوت.
قال وقد كان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يصلي الليل في بيته.
قال مالك: يستحب للذي يصلي بالليل في بيته أن يرفع صوته بالقرآن.
وقد كان الناس إذا أرادوا سفرا تواعدوا لقيام القراء وبيوتهم شتى، فكانت تسمع أصواتهم بالقرآن، فأنا استحب ذلك.
قال محمد بن رشد: استحب مالك صلاة النافلة بالنهار في المسجد على صلاتها في البيت، لأن صلاة الرجل في بيته بين أهله وولده وهم يتصرفون ويتحدثون ذريعة إلى اشتغال باله بأمرهم في صلاته.
ولهذه العلة كان السلف يهجرون ويصلون في المسجد.
فإذا أمن الرجل من هذه العلة فصلاته في بيته أفضل، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» لأنه حديث صحيح محمول على عمومه في الليل والنهار مع استواء الصلاة في الإقبال عليها وترك اشتغال البال فيها.
وقد سئل مالك في أول رسم حلف من سماع ابن القاسم في كتاب الصلاة عن الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النوافل، أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ فقال: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي "، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة، يدل هذا من قوله أن الصلاة بالنهار في البيوت لغير الغرباء أحب إليه من الصلاة في المسجد.
ومعنى ذلك إذا أمنوا من اشتغال بالهم في بيوتهم بغير صلاتهم.
وأما إذا لم يأمنوا ذلك فالصلاة في المسجد أفضل لهم، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ركع ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه» . وإنما كانت صلاة النافلة للغرباء في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أفضل منها لهم في بيوتهم بخلاف المقيمين، لأن الصلاة إنما كانت أفضل في البيوت منها في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وفي جميع المساجد من أجل فضل عمل السر على عمل العلانية.
قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] . وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سبعة يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر فيهم من ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ومن تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» . والغرباء لا يعرفون في البلد فلا يذكرون بصلاتهم في المسجد.
فلما لم يكن لصلاتهم في بيوتهم قربة من

ناحية السر وجب أن تكون صلاتهم في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أفضل، لما جاء من «أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» . فعلى هذا تتفق الروايات ولا يكون فيها تعارض ولا اختلاف.
ووجه استحباب مالك للذي يصلي الليل في بيته أن يرفع صوته بالقرآن ليشيع الأمر ويعلو ويكثر فيرتفع عنه الرياء، ويحصل بفعله الاقتداء، فيحصل له أجر من اقتدى به، وذلك من الفعل الحسن لمن صحت نيته في ذلك.
وقد مضى هذا في هذا الرسم في هذا السماع من كتاب الصلاة.

الدعاء في الركوع والسجود

في الدعاء في الركوع والسجود وسئل مالك عن الدعاء في الركوع، قال: لا أحب ذلك، قيل ففي السجود؟ قال: نعم، قد دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ساجد.
قال محمد بن رشد: كره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - الدعاء في الركوع، والله أعلم، لوجهين: أحدهما الحديث المأثور عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية ابن عباس أنه قال: «ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» . والثاني: أنه قد يوافق في دعائه ما في القرآن فيكون قد خالف ما نهى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قراءة القرآن في الركوع.
ولا اختلاف في أنه لا تجوز قراءة القرآن في الركوع، واختلف في

قراءته في السجود، فروي عن مالك إجازة ذلك إذ لم يأت النهي إلا في الركوع، ولم يجز ذلك غيره لحديث ابن عباس المذكور.
ولكراهة الدعاء في الركوع وجه بين من جهة المعنى، وهو أنه إذا كان من حسن الأدب فيمن كانت له إلى كبير حاجة ألا يبدأ بطلبها حتى يقدم الثناء عليه قبل ذلك، تعين في حق الله عز وجل أن لا يدعوه في السجود حتى يقدم التعظيم له في الركوع، وبالله التوفيق.

معنى قول عمر سجدة يحاجني بها عندك

في معنى قول عمر: سجدة يحاجني بها عندك وسئل مالك عن قول عمر بن الخطاب: اللهم لا تجعل قتلي عن يدي رجل سجد لك سجدة يحاجني بها عندك، قال يريد بذلك أنه ليس لغير أهل الإسلام حجة عند الله.
قال محمد بن رشد: المعنى في تفسير مالك لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أراد ألا يقتله إلا كافر ليكون مخلدا في النار، لأنه إن قتله مؤمن سجد لله سجدة لم يخلد في النار وخرج منها بإيمانه بعد أن يناله ما يستوجبه من العقاب على قتله.
وقد قيل إنه إنما أراد ألا يقتله أحد من أهل القبلة بتأويل يستحل به قتله فيكون له بذلك عند الله عذر بسبب أنه لم يقتله إلا وهو يعتقد الطاعة لله عز وجل بقتله فيخف عنه دينه، فهذا أظهر.

شأن عمر بن الخطاب مع الهرمزان وجفينة

في شأن عمر بن الخطاب مع الهرمزان وجفينة قال مالك: قدم بالهرمزان وجفينة على عمر بن الخطاب فأراد ضرب أعناقهما فكلمهما فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما.
ثم أراد عمر أن يقتلهما فقالا له: ليس ذلك لك قد قلت لا بأس عليكما.

قال محمد بن رشد: الهرمزان سيد تستر حاصرها أبو موسى الأشعري حتى دخل المدينة فتحصن الهرمزان في قلعة له بها وحصره أبو موسى فيها حتى نزل على حكم عمر.
روي عن أنس قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما انتهى إليه قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت، قال: تكلم فلا بأس.
قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نقصيكم ونقتلكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان.
قال عمر: يا أنس ما يقول؟ قلت: يا أمير المؤمنين يقول: تركت بعدي عددا كثيرا وشوكة شديدة فإن تقتله يئس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم.
قال عمر أستحيي قاتل البراء بن مالك ومجزأة ابن ثور.
فلما خفت أن يقتله قال: قلت: ليس إلى قتله سبيل قد قلت له تكلم فلا بأس، فقال: لتأتيني بمن يشهد به غيرك، فلقيت الزبير فشهد معي، فأمسك عنه عمر وأسلم وفرض له.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: أطافوا بالهرمزان فلم يخلصوا إليه حتى أمنوه ونزل على حكم عمر، فبعث به أبو موسى وأصحابه إلى عمر، وبالله التوفيق.

ما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز عامله في أمر الزكاة

فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز عامله في أمر الزكاة قال: وسمعت مالكا يذكر أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه: إن الناس قد أسرعوا في أداء الزكاة ورغبوا في ذلك لموضع عدلك، وأنه قد اجتمع عندي زكاة كثيرة، فكأن عمر كره ذلك من كتابه لمدحه، فكتب إليه ما وجدوني وإياك على ما رجوا وظنوا فاقتسمها.
قال ابن القاسم: قال عمر: وأي رأي لي فيها حتى كتب إلي.
قال محمد بن رشد: في هذا فضل عمر بن عبد العزيز - رضي الله

عنه - وقوله: وأي رأي لي فيها يريد أنه لا رأي لأحد في ذلك مع السنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الصدقة أن تؤخذ من الأغنياء فتفرق على الفقراء، وبالله التوفيق.

ابتداء الكاتب باسم المكتوب إليه قبل اسمه

في ابتداء الكاتب باسم المكتوب إليه قبل اسمه قال: وحدثني مالك أن رجلا أتى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فسألها الكتاب إلى زياد، فكتبت إليه وبدأت باسمها، فسألها الرجل أن تبتدئ باسمه فإنه أقضى لحاجته، ففعلت وبدأت باسمه.
وبدأ ابن عمر عبد الملك بن مروان باسمه قبل اسمه، فقيل له: إن الناس يذكرون في ذلك أحاديث ويرفعونها، فأنكرها إنكارا شديدا وقال: قد سمعت يقولون: الحسن وغيره، وهذا من الباطل.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذا الرسم الكلام على هذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

وصف الرجل نفسه بما هو عليه

في وصف الرجل نفسه بما هو عليه قال ابن القاسم: وحدثني مالك عن قول سعيد بن عبد العزيز ما أبقى ذكر جهنم في صدري للدنيا حزنا ولا فرحا.
قال مالك: ما يعجبني أحد يقول مثل هذا في نفسه.
قال ابن القاسم وكان حدثه به سليمان بن القاسم أنه بلغه أن سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال هذا القول.
قال محمد بن رشد: هذا مكروه للرجل كما قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لأن الله عز وجل قد نهى عن ذلك بقوله:

﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32] . روي عن أبي بكرة أنة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله» . وروي عن الحسن أن رجلا قال عند ابن مسعود: لقد قرأت القرآن البارحة فقال: ما يقول؟ فأخْبَروه، فقال: فأخْبِروه أن حظه من ذلك الذي تكلم به.
وبالله التوفيق لا شريك له.

ما جاء في قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة

فيما جاء في قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة قال مالك: قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة قبل أن يستقيم الناس على أحد، فكان قد تكلم الناس في ذلك، فكان عثمان يقول: لا يقتل أبوه اليوم ويقتل هذا غدا، فتلكم في أمره فأرسل، فقيل لمالك: فعثمان أرسله؟ فقال: لا، أرسل قبل أن يلي.
قال محمد بن رشد: حكى ابن عبد البر في كتاب الصحابة عن الحسن أن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان بعد أن أسلم وعفا عنه عثمان، فلما ولي علي خشيه على نفسه فهرب إلى معاوية فقتل بصفين.
قال ابن عبد البر: وقصته في قتل الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة فيها اضطراب.
وهذا الذي قاله ابن عبد البر من أن عثمان عفا عنه هو الذي يدل عليه قوله في الرواية: فكان عثمان يقول: لا يقتل أبوه اليوم ويقتل هذا غدا.
ومعنى عفوه عنه أنه جعل ذلك دية، كذلك وقع في مصنف عبد الرزاق من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب - أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال حين قتل عمر: انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهم بحي فبغتهم فثاروا وسقط من بينهم خنجر له

رأسان نصابه في وسطه، فقال عبد الرحمن: فانظر بما قتل به عمر، فنظروا فوجدوه خنجرا على النعت الذي نعت عبد الرحمن.
قال: فخرج عبيد الله بن عمر مشتملا على السيف حتى أتى الهرمزان فقال: اصحبني تنظر إلى فرس، وكان الهرمزان بصيرا بالخيل، فخرج يمشي بين يديه، فعلاه عبيد الله بالسيف، فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله فقتله.
ثم أتى جفينة، وكان نصرانيا، فدعاه فلما أشرف له علاه بالسيف فصلب بين عينيه، ثم أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة تدعي بالإسلام فقتلها، فأظلمت المدينة على أهلها.
ثم أقبل بالسيف صلتا في يده وهو يقول: والله لا أترك في المدينة شيئا إلا قتلته وغيرهم، كأنه يعرض بناس من المهاجرين، فجعلوا يقولون له: ألق السيف ويأبى ويهابونه أن يقربوا منه، حتى أتاه عمرو بن العاص فقال: أعطني السيف يا ابن أخي، فأعطاه إياه.
ثم ثار إليه عثمان فأخذ برأسه فتناصبا حتى حجز الناس بينهما، ثم ثار إليه سعد بن أبي وقاص فتناصبا حتى حجز الناس بينهما.
فلما ولي عثمان قال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق، يعني عبيد الله بن عمر، فأشار إليه المهاجرون أن يقتله، وقال جماعة من الناس: أقتل عمر أمس، وتريدون تتبعون به ابنه اليوم، أبعد الله الهرمزان وجفينة، قال: فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر لك ولك على الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين.
قال: فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان الرجلين والجارية.
وقال معمر عن الزهري: لما ولي وبايعه أهل الشورى خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فخطب فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ الناس بكلام بليغ ثم قال لهم: قولوا فيما أحدث عبيد الله بن عمر، فقالوا: القود ونادى جمهور الناس من وراء ذلك: لعلكم تريدون أن تتبعوا عمر ابنه، الله الله، أبعد الله الهرمزان وجفينة، فلم يقل عثمان لهؤلاء ولا لهؤلاء شيئا وتمثل ببيتين فهم الناس عنه أنه سيقيد منه، فانصرفوا وهم

مؤمنون بذلك.
وروي أنه لما ولي أدى الهرمزان وجفينة وأبي قد جعلها دية.
وقد روي أن عثمان أقاد ابنه منه فعفا عنه، وأنه لما بلغه خوض الناس في هرمزان قال: أيها الناس، القتل على وجهين، فالإمام ولي قتل الباغي والعاري والمفسد دون الآباء والأبناء وسائر الإخوة والأولياء، وولاية ما كان في السائرة فان شاءوا تركوا وإن شاءوا باعوا وإن شاءوا قتلوا، ليس إلا المعونة وحبس الجاني، ثم دفع عبيد الله إلى ابن الهرمزان.
وروي أن صهيبا قال له: ما تقول في عبيد الله بن عمر؟ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، كتاب الله بينكم فيه حلاله وحرامه، فمن أتى حدا من حدود الله عز وجل فأراد أحد أن يعلم ما رأينا فيه فلينظر فيه ثم ليعلم منتهى إلى الكتاب ثم نقيمه فيه والله، فتفرق الناس وهم على اليقين من قتله فأقاده.
روي عن سيف عن أبي منصور قال: سمعت القناديان يحدث عن قتل أبيه قال: كانت العجم بالمدينة سرح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟ فقال: آنس به، فرآه رجل.
فلما أصيب عمر قال قد رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك فأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله.
قال: فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم إلى قتله، قالوا: نعم وسوءا لعبيد الله، فقلت لهم: أولكم أن تمنعوه؟ فقالوا: لا وسبوه، فتركته لله ولهم، فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم، وبالله التوفيق.

موت عمر في يومه الذي طعن فيه

في أن عمر مات في يومه الذي طعن فيه قال: وسمعت مالكا يذكر أن عمر مات من يومه الذي طعن فيه

قال محمد بن رشد: روي عن عمر بن ميمون قال: شهدت عمر يوم طعن وما منعني أن أكون في الصف المقدم إلا هيبته، وكان رجلا مهيبا، فكنت في الصف الذي يليه.
فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجى عمر قبل أن تستوي الصفوف ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب فإنه قد قتلني، وماج الناس وأسرعوا إليه، فخرج عليه ثلاثة عشر رجلا فانكفأ عليه رجل من خلفه فاحتضنه، وحمل عمر، فماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين في القرآن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: 1] ، و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1] ، واحتمل عمر ودخل عليه الناس، فقال لعبد الله بن عباس: أخرج فناد في الناس، أعن ملأ منكم هذا؟ فخرج ابن عباس فقال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين يقول: أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله، والله ما علمنا ولا اطلعنا.
وقال: ادع لي الطبيب، فدعي الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقال: النبيذ، فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: هذا دم هذا صديد، فقال: اسقوني لبنا، فسقي لبنا فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: ما أرى أن تمسي، فما كنت فاعلا فافعل، وذكر تمام الخبر في الشورى وتقديمه لصهيب في الصلاة.
وقد روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق وهو متكئ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال: ألا تكلم مولاي يضع عني من خراجي؟ قال: كم خراجك؟ قال دينار، قال ما أرى أن أفعل، إنك لعامل محسن وما هذا بكثير، ثم قال له عمر: ألا تعمل لي رحا؟ قال: بلى، قال فلما ولى قال أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحا يتحدث بها ما بين المشرق والمغرب، قال: فوقع في نفسي قوله.
قال: فلما كان في النداء لصلاة الصبح وخرج عمر للناس يؤذنهم الصلاة وقد اضطجع له أبو لؤلؤة عدو الله، فضربه بالسكين، وذكر تمام الخبر.
ولما أخبر بمن قتله قال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل

يحاجني بلا إله إلا الله.
وبالله التوفيق.

اللعب بالشطرنج

في اللعب بالشطرنج وسئل مالك عن لعب الشطرنج فقال: إن لكل عمل جزاء، فما ترى جزاء هذا؟ ثم قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله.
وقد مضى الكلام على هذا المعنى في آخر رسم طلق بن حبيب مستوفى ولا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة

في وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة وسئل مالك عن وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة أترفع إلى الصدر أم توضع دون ذلك؟ فقال: ليس فيه حد، وإنما يصنع مثل هذا في الصلاة التي يطول فيها، ولم ير أنه يصنع في الصلاة المكتوبة.
قال ابن القاسم: بلغني أنه قال في النافلة ترك ذلك أحب إلي، ولكن الذي جاء إنما هو في النافلة، ولم يعجبه ذلك في المكتوبة.
قال أشهب: لا بأس به في المكتوبة والنافلة، وقد جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه رئي واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة» وقد جاء عنه أنه قال: «استراحة الملائكة في الصلاة وضع اليمنى على كوع اليسرى في الصلاة» .

قال محمد بن رشد: إنما سأله عن وضع اليد اليمنى على اليسرى هل ترفع إلى الصدر أو توضع دون ذلك، إذ قد قيل في قول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] المراد بذلك وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة تحت النحر، وفي ذلك غير قول.
قال بعض أهل التأويل: حضه على المواظبة على الصلاة المكتوبة وعلى الحفظ عليها في أوقاتها بقوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: 2] وبوضع اليمنى على اليسرى عند النحر في الصلاة بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] أي واضممها إلى صدرك.
وقال بعضهم: إنما عنى بذلك فصل لربك المكتوبة، وبقوله وانحر نحر البدن بمنى.
وقال أنس بن مالك: إنما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينحر يوم العيد قبل أن يصلي العيد فقال الله له ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] ، فأمره أن يصلي ثم ينحر.
وقال محمد بن كعب القرظي: إنما قيل له ذلك لأن قوما كانوا يصلون وينحرون لغير الله، فقيل له: اجعل صلاتك ونحرك لله إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره.
وقال الضحاك: بل المعنى في ذلك فادع ربك واسأله.
وقال بعضهم: المعنى في ذلك واستقبل القبلة بنحرك.
وفي وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة خلاف، والذي يتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك جائز في المكتوبة والنافلة ولا يكره فعله ولا يستحب تركه، وهو قول أشهب في هذه الرواية وقول مالك في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة؛ والثاني أن ذلك مكروه فيستحب تركه في الفريضة والنافلة إلا إذا طال القيام في النافلة فيكون فعل ذلك فيها جائزا غير مكروه ولا مستحب، وهو قول مالك في هذه الرواية وفي المدونة، والثالث أن ذلك مستحب فعله في الفريضة والنافلة مكروه تركه فيهما، وهو قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في الواضحة.

قول الحسن في الصراف

في قول الحسن في الصراف قال مالك كان الحسن يقول: إن استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا تشربه.
قال محمد بن رشد: إنما قال الحسن ذلك لأن الغالب على الصيارفة العمل بالربا، فيستحب تجنب أكل طعامهم أو شرب شرابهم، وإن لم يعلم حال الذي يطعمه الطعام أو يسقيه الشراب منهم لأنه يحمل على الغالب من أهل صناعته حتى يعلم أنه ممن يتوقى الربا في عمله بالصرف، فقد قيل إن معاملة من خالط الحرام ماله من ربا أو غيره لا تحل ولا تجوز، فكيف بأكل طعامه أو شرب شرابه.
والصحيح أن ذلك مكروه وليس ذلك بحرام.
ولنا في هذا المعنى مسألة جامعة من أراد الشفاء منها طالعها.
وحكى ابن حبيب عن السكن بن أبي كريمة قال: صلينا مع أبي زبير الأيامي الجمعة، فلما خرجنا من المسجد مر بدار فاستسقى، فأتي بقدح، فقال: لمن هذه الدار؟ فقالوا: لفلان الصيرفي، فرده ولم يشرب منه.
قال: وسمعت أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي قال عبد المالك: لأن الغالب عليهم الربا، وهو نحو ما ذكرناه في معنى قول الحسن، وبالله التوفيق.

ما يحذر من عقوبة الله عند فساد الأعمال

فيما يحذر من عقوبة الله عند فساد الأعمال قال مالك: زلزلت الأرض على عهد عمر بن الخطاب، فصعد المنبر عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لقد أحدثتم ولقد عجلتم ولئن عادت لأخرجن من بين أظهركم.
قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك عمر لقول الله عز وجل:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59] . فلما زلزلت الأرض على عهده وقد تغيرت أحوال الناس عما كانت عليه في حياة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خشي أن يكون ذلك تخويفا من الله عز وجل وإنذارا بهلاكهم إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى ما كانوا عليه من الأحوال المستقيمة، وبالله التوفيق.

كراهة الصيد

في كراهة الصيد قال مالك: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فسلم عليه كأنه لم يعرفه، فانتسب وكان له موضع فقال لابن المسيب: إني أخرج إلى الصيد فأكون فيه، فقال له ابن المسيب: الصيد لا خير فيه وهو يلهيك.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك أن الصيد مكروه لما فيه من الالتهاء به إلا لمن كان عيشه منه أو قرم إلى اللحم.
واستخفه لأهل البادية لأنهم من أهله وأن ذلك شأنهم، ورأى خروج أهل الحاضرة إليه من السفه والخفة، ولم يجز قصر الصلاة لمن خرج مسافرا إلى الصيد على وجه التلهي لأنه سفر مكروه، لما في ذلك من اللهو والطرب وإتعاب البهائم في غير وجه منفعة.
وأباحه محمد بن عبد الحكم لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] على الوجه المباح، وبالله التوفيق.

وجوه من الحكمة لبعض الحكماء

في وجوه من الحكمة لبعض الحكماء قال مالك: قال حكيم من الحكماء: إذا صليت فصل صلاة مودع يظن أنه لا يعود، وإياك والطمع وتطلب الحاجات فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى.
واعلم أنه لا بد من قول وفعل، فإياك وما يعتذر منه.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله، لأن الرجل إذا صلى الصلاة لا يدري هل يتراخى به الأجل إلى وقت صلاة أخرى، فينبغي أن يستشعر فيها الخوف لله والفكرة في الوقوف بين يدي خالقه، فإنه إذا فعل ذلك خشع في صلاته وكان من المفلحين الذين قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] . وإذا كثر طمع الرجل وتطلبه للحاجات فهو بذلك في حكم الفقير وإن كان ذا مال، إذ ليس الغنى من الكثرة، وإنما الغنى غنى النفس، لأن فائدة المال في الدنيا أن يستغني به عن الناس، فإذا لم يستغن به عن الناس فهو في حكم الفقير.
وإذا استغنى الفقير عن الناس بغنى نفسه فهو في حكم الغني بالمال.
وما يعتذر منه من قول أو فعل من الحظ أن يجتنب، إذ لا يدري المعتذر من الشيء هل يقبل فيه عذره أم لا، وبالله التوفيق.

ما يكره أن تستر به البيوت من الثياب

فيما يكره أن تستر به البيوت من الثياب وقال مالك: دخل أبو أيوب صاحب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بيتا قد ستر بثياب جنادية، فقال: لا أطعم فيه طعاما حتى أخرج منه، فخرج ولم يطعم.

قال محمد بن رشد: الثياب الجنادية يحتمل أن تكون ثياب حرير قد ستر بها البيت أي فرش بها.
والحرير لا يحل للرجال لباسه ولا الجلوس عليه، إذ الجلوس في معنى اللباس عند عامة العلماء، وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه.
ويحتمل أن تكون الثياب الجنادية ثيابا من غير حرير فيها صور فَكَرِهَ أبو أيوب الدخول في البيت والأكل فيه لما جاء من أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو تصاوير، شك إسحاق في قول الراوي للحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وقد اختلف أهل العلم فيما ليس له ظل قائم من الصور على أربعة أقوال: أحدها إباحة ذلك سواء كان التصوير في جدار أو ثوب مبسوط أو منشور، والثاني تحريم ما كان من الصور في الجدار والثوب المنصوب وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط الذي يوطأ ويتوسد، والرابع تحريم ما كان منها في الجدار خاصة وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط أو المنشور، وبالله التوفيق.

إباحة تعجيل السير في السفر

في إباحة تعجيل السير في السفر قال مالك: سار ابن عمر من مكة إلى المدينة في سفر سائره ثلاثة أيام، وأن سعيد بن أبي هند سار في ثلاثة أيام، وكان من خيار المسلمين وعبادهم، ولقد كان يقعد هو وموسى بن هبيرة ونافع مولى بن عمر بعد الصبح حتى يقوموا وما كلم أحد منهم صاحبه، يذكرون الله.
ثم قال: لا خير في كثرة الكلام، واعتبروا ذلك بالنساء والصبيان، إنما هم أبدا يتكلمون لا يصمتون.

قال محمد بن رشد: أجاز مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يسرع الرجل في السير في سفره لحاجة تعرض وإن تجاوز في ذلك المراحل المعهودة في المشي، ولم ير عليه حرجا في إتعاب دابته في ذلك، واستدل على جواز ذلك بسير عبد الله بن عمر من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام وهي مسيرة عشر مراحل على السير المعتاد، وأن سعيد بن أبي هند قد فعل ذلك على خيره وعبادته وفضله، وأنه كان من اجتهاده في العبادة يقعد مع أصحابه في المسجد بعد الصبح وما يكلم أحد منهم صاحبه اشتغالا بذكر الله، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا أخبركم بساعة من ساعات الجنة الظل فيها ممدود والعمل فيها مقبول والرحمة فيها مبسوطة؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: من أذان صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.» وإذا جاز للرجل حمل المشقة على نفسه في إسراع السير جاز له أن يحملها على دابته، لما أباح الله عز وجل من تسخيرها وعدد النعمة بذلك على عباده فقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 7] . ومما يدل من الحديث على أنه يكره له أن يفعل ذلك من غير حاجة ويجوز له أن يفعله لحاجة قوله في الحديث الصحيح المأثور حديث الموطأ: «إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها فإذا كانت الأرض جذبة فانجوا عليها بنقيها وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار» الحديث.
ولا خير في الكلام كما قال مالك، لأن كلام المرء كله محصى عليه ومسئول عنه.
قال الله عز وجل:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] وجاء عن عيسى ابن مريم أنه كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فان الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.
وكانت عائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول ألا تريحون الكتاب.

التنفل بالصيام في السفر

في التنفل بالصيام في السفر وسئل مالك عن التنفل بالصيام في السفر فقال: حسن.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قاله، لأن التطوع بالصيام جائز في الحضر والسفر، إذ ليست الإقامة شرطا في صحة الصيام.
وإنما أباح الله عز وجل للمسافر الفطر في رمضان تخفيفا ورحمة، والصيام فيه أفضل، وقد قيل إن الفطر به أفضل.
وشذت طائفة من أهل الظاهر فقالت: إن الصيام في السفر كالفطر في الحضر، وبالله التوفيق.

قول الحسن في الصراف

في قول الحسن في الصراف فقيل لمالك لما حدث حديث الحسن إذا استسقيت فسقيت من بيت صراف فلا تشرب، قال فقال بكير: رب صراف خير من الحسن.
قال مالك: ليس كما قال بكير، إنما ينظر إلى الأمر الذي شمل الشيء كثرته فيجتنب لذلك.

قال محمد بن رشد: قد مضى فوق هذا بيسير القول في قول الحسن فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق..

اختلاف الحكم في القضاء

في اختلاف الحكم في القضاء قال: قال مالك: كتب ابن حريم الجحمي إلى عمر بن الخطاب لا تقضين في أمر واحد بقضائين فيختلف عليك أمرك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا عندي أنه أمره أن لا يقضي فيما سبيله الاجتهاد إلا بعد بلوغه الغاية في الاجتهاد، لأنه إن قضى في أمر قبل أن يبلغ غاية الاجتهاد فيه سيقضي مرة أخرى فيه بقضاء آخر يؤديه إليه بلوغ الغاية في الاجتهاد، فأمره أن يفعل أولا ما يفعل آخرا حتى لا يختلف عليه أمره، والله أعلم وبه التوفيق.

سيرة معاذ بن جبل وعمله على الصدقة

في سيرة معاذ بن جبل وعمله على الصدقة لعمر بن الخطاب قال مالك: إن عمر بن الخطاب بعث معاذ بن جبل مصدقا وحمله على بعير، فلما رجع رد البعير إلى عمر ورجع إلى أهله بثوبه، فقالت له امرأته: ما جئتنا بشيء، فقال: إنه كان معي حافظان يحفظان علي.
فلما قال هذا معاذ خرجت امرأته إلى عمر بن الخطاب فقالت له: يا أمير المؤمنين أما علمت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث معاذا مصدقا؟ قال: بلى، قالت: أفجعل معه حافظا؟ قال: لا، قالت: فإنه قد ذكر لي أنه كان معه حافظان يحفظان عليه، فقال عمر: وأنا معي حافظان يحفظان علي.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين من عدل وفضل معاذ، وأنه فعل الواجب من قبض الواجب قبض الصدقات من الأغنياء وتفريقها على الفقراء ورجع دون شيء كما خرج، وبالله التوفيق لا شريك له.

ورع عمر بن عبد العزيز

في ورع عمر بن عبد العزيز قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يكتب في أمور الناس على الشمع، فإذا كتب لنفسه دعا بمصباحه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين من ورعه وفضله، وبالله التوفيق لا شريك له.

سن معاذ بن جبل

في سن معاذ بن جبل وقال مالك: توفي معاذ بن جبل وهو ابن اثنين وثلاثين سنة.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، [وقيل توفي وهو ابن ثمان وثلاثين سنة] ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها.
وكان سمحا لا يمسك، فلم يزل يدان حتى أغلق ماله كله في الدين، فبعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الجند من اليمن، وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قسم اليمن على خمسة رجال، واليا ومعلما وجعل إليه قبض

الصدقات من العمال الذين باليمن، «وقال له حين وجهه بم تقضي؟ قال: بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال فبما في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله.» وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنه أعلمهم بالحلال والحرام، وإنه يأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة» . ولما قدم من اليمن بعد وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليجبره، ولست بآخذ منه شيئا إلا أن يعطيني، فانطلق إليه عمر إذ لم يسعده أبو بكر فكلمه في ذلك وأبى قال: وإنما بعثني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليجبرني.
ثم لقي معاذ عمر فقال: قد أطعتك وأنا فاعل ما أمرتني به، إني رأيت في المنام أني في حومة ماء قد حسبت الغرق فخلصتني منه يا عمر.
فأتى معاذ أبا بكر فذكر ذلك له وحلف أنه لا يكتمه شيئا، فقال أبو بكر: لا نأخذ منك شيئا قد وهبته لك، فقال عمر: هذا حين حل وطاب، واستعمله عمر على الشام حين مات أبو عبيدة فمات من عامه ذلك في طاعون عمواس بدعائه ربه في ذلك.
روي عن ابن شهاب قال: أصاب الناس طاعون بالجابية فقام عمرو بن العاص فقال: تفرقوا عنه فإنما هو بمنزلة

نار، فقام معاذ بن جبل فقال: لقد كنت نبيا ولأنت أضل من حمار أهلك، سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «هو رحمة لهذه الأمة» . اللهم فاذكر معاذ وآل معاذ فيمن تذكر بهذه الرحمة.
وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي ومسروق، ولفظ الحديث لفروة الأشجعي قال: كنت جالسا مع ابن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقلت يا أبا عبد الرحمن: إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120] فأعاد قوله إن معاذا.
فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الأمة الذي يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى به، والقانت المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير مطيعا لله عز وجل ولرسوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ويكنى معاذ أبا عبد الرحمن بابن كان له، وقيل إنه لم يولد له قط، وبالله التوفيق.

الشفعة على قدر الحصص

في أن الشفعة على قدر الحصص قال مالك حدثني ابن الدراوردي عن سفيان الثوري أن علي بن أبي طالب قضى أن الشفعة بين الشركاء على قدر حصصهم.
قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك وجميع أصحابه وعامة العلماء أن الشفعة على قدر الأنصباء، خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة أنها على عدد الرءوس.
والحجة لمالك ومن قال بقوله أن الشفعة لما كانت تجب بالملك وجب أن يكون على قدر الأملاك كالعلل، ولما كانت لرفع المضرة عن الإشراك وكانت المضرة عليهم على قدر حصصهم وجب أن تكون الشفعة

التي ترفع الضرر عنهم على قدر حصصهم، وهذا بين والحمد لله وبه التوفيق.

بيع كتابة المكاتب

في بيع كتابة المكاتب قال: حدثني ابن القاسم عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه كره أن يباع كتابة المكاتب ويقول وهو خطار إن عجز كان عبدا له، وإن أدى كان له أربعة آلاف درهم.
قال محمد بن رشد: الغرر في هذا بين كما قاله، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، إلا أن مالكا وأصحابه أجازوا ذلك استحسانا واتباعا على غير قياس.
وله وجه وهو أن المشتري للكتابة يحل فيها محل سيده الذي كاتبه في الغرر، لأنه إذا كاتبه لا يدري هل يؤدي ما كتبه عليه أو يعجز فيرجع رقيقا له، وذلك جائز، لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم من كتابته» .

المكاتب بين الشريكين يقاطعه أحدهما

في المكاتب بين الشريكين يقاطعه أحدهما وحدثني عن ابن القاسم ابن الدراوردي عن أنس عن أبي يحيى أن رجلا من قريش أرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن عبد بين رجلين مكاتب، فقاطع أحدهما على نصيبه ويمسك الآخر، ثم

إن المكاتب مات وترك مالا، فقال سعيد: للذي تمسك بالكتابة بقية كتابته ثم يقتسمان ما بقي بعد ذلك بينهما.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح مثل قول مالك في موطئه إذا كانت مقاطعته له بإذن شريكه.
وقد وقع في رواية يحيى فيه أن الذي قاطع بالخيار بين أن يتمسك بقطاعته وبين أن يرد نصف ما أخذ من القطاعة ويكون المال بينهما، وأن الذي تمسك بالكتابة إن كان الذي قبض ما قاطع عليه شريكه أو أفضل فالميراث بينهما، لأنه إنما أخذ حقه، وهو غلط.
وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم الكيس من سماع يحيى من كتاب المكاتب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في العبادة

فيما كان عليه أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الاجتهاد في العبادة قال: وحدثني ابن القاسم عن مالك قال: لما دخل أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشر وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا فوق هذا في هذا الرسم والكلام عليه، وبالله التوفيق.

القصد والتؤدة والسمت

في القصد والتؤدة والسمت قال ابن القاسم: قال مالك بلغني أن ابن عباس قال: التؤدة والقصد والسمت جزء من كذا وكذا جزءا من النبوءة.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
يسمع كلام الإمام في الخطبة وهو في الطريقوصف بعض شجرة الجنةفضل صدقة المقلتقديم الخطبة في العيد قبل الصلاةالإتمام بمنىمسح الوجه باليدين في الدعاءالانتعال قائماأهل الجيش أحق بغنيمتهمتسارع الناس إلى ما نهوا عنهتبدية الرجل أخاه على نفسه في الكتاب إليه وهو أصغر منهاشتراط ما في بطن الفرس العقوق إذا حبس في السبيلإنزاء الحمر على الخيلالرهبان في أرض العدوالذبيح من هو من ابني إبراهيم عليه السلامالحصا يخرج بها الرجل من المسجدالبيتوتة في المسجدتفسير قوله عز وجل وجعلنا لهم لسان صدق علياالتسمي بجبريلدخول آكل الكراث للمسجدالأفضل من صلاة النافلة أفي البيت أم في المسجدالدعاء في الركوع والسجودمعنى قول عمر سجدة يحاجني بها عندكشأن عمر بن الخطاب مع الهرمزان وجفينةما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز عامله في أمر الزكاةابتداء الكاتب باسم المكتوب إليه قبل اسمهوصف الرجل نفسه بما هو عليهما جاء في قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينةموت عمر في يومه الذي طعن فيهاللعب بالشطرنجوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاةقول الحسن في الصرافما يحذر من عقوبة الله عند فساد الأعمالكراهة الصيدوجوه من الحكمة لبعض الحكماءما يكره أن تستر به البيوت من الثيابإباحة تعجيل السير في السفرالتنفل بالصيام في السفرقول الحسن في الصرافاختلاف الحكم في القضاءسيرة معاذ بن جبل وعمله على الصدقةورع عمر بن عبد العزيزسن معاذ بن جبلالشفعة على قدر الحصصبيع كتابة المكاتبالمكاتب بين الشريكين يقاطعه أحدهماما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في العبادةالقصد والتؤدة والسمت
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل