كتاب الصلاة الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: أنستسقي في العام المرتين والثلاث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كتاب الصلاة الثالث
صلاة الاستسقاء من سماع أشهب مسألة وسئل عن أهل برقة فقيل له: إن أهلها يشربون من ماء الأمطار، إذا كانت سال لهم واد يشربون منه، وكانت أمطارنا تكثر فيزرع عليها، فيسيل بها وادينا فنشرب منه، حتى كان عندك حديثا قل علينا المطر، فنمطر ما يزرع عليه الزرع الكثير ولا يسيل وادينا، أفترى أن نستسقي؟ فقال: نعم استسقوا، ما بأس بذلك لا بأس به، فقيل له: إنه قيل: إنما الاستسقاء إذا لم يكن مطر وأنتم قد سقيتم وزرعتم عليه زرعا كثيرا؟ فقال: ما قالوا شيئا ولا بأس بذلك.
قال: وسئل أنستسقي في العام المرتين والثلاث؟ فقال: ما في هذا حد ينتهى إليه وما بذلك بأس، فاستسقوا ما بدا لكم، قيل له: أيحول الناس أرديتهم في الاستسقاء إذا حول الإمام رداءه؟ قال: نعم إن ذلك لحسن.
قال: وسئل عن الاستسقاء بعد المغرب والصبح، فقال: لا بأس به، وقد كان يفعل هاهنا وما هو من الأمر القديم.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل برقة: يستسقون إذا لم يسل واديهم الذي يشربون منه وإن كانوا قد مطررا ما زرعوا عليه الزرع الكثير، إنما يريد بذلك الدعاء لا البروز إلى المصلى على سنة الاستسقاء؛ لأن ذلك إنما يكون عند الحاجة الشديدة إلى الغيث حيث فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد روى أبو المصعب عن مالك أن البروز إلى الاستسقاء لا يكون إلا عند الحطمة الشديدة، فإذا كان ذلك وبرز الناس إلى الاستسقاء فتأخر السقيا والوه كما قال مالك، ولا حد في ذلك؛ لأن الدعاء عبادة، والله يحب من عباده أن يتضرعوا إليه عندما ينزل بهم كما أمرهم حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] ، وقد أثنى الله -عز وجل- على الداعين إليه فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90] ، وذم من قصر في ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: 76] ، وكذلك قوله أيضا في الاستسقاء بعد المغرب والصبح إنما يريد به الدعاء لا البروز إلى المصلى؛ لأن السنة في ذلك لا تكون إلا في الضحى.
مسألة: التكبير في الأذان
مسألة قال: وسأله ابن كنانة عن التكبير في الأذان أهو مثل الإقامة الله أكبر الله أكبر مرتين؟ أم الله أكبر الله أكبر أربع مرات؟ فقال: لا، هو مثله في الإقامة، اكتب إليه: هو مثل ما يؤذن الناس عندنا اليوم.
قال المؤلف: اختلف أهل العلم من الأذان في موضعين: أحدهما: التكبير في أوله هل هو مثنى أو مربع، والثاني: الترجيع في الشهادة، فذهب أهل العراق إلى أن التكبير في أول الأذان مربع على ما روي عن أبي محذورة
أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمه الأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... » الحديث إلى تمام الأذان، وإلى أنه لا ترجيع في الشهادة؛ إذ لم يذكره في حديث عبد الله بن زيد في الأذان.
قالوا: فلما لم يذكره فيه احتمل عندنا أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما أمر به أبا محذورة؛ لأنه لم يمد به صوته أولا على ما أراد، وذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -إلى أن التكبير في الأذان مثنى وإلى الترجيع في الشهادة، والحجة له مع أن ذلك قد روي عن أبي محذورة، فكان ما فيه من الترجيع زيادة على غيره من الأحاديث اتصال العمل به بالمدينة منذ وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما اتصل به العمل من الأخبار فهو أولى مما لم يتصل به عمل منها؛ لأن ذلك يقتضي أنه هو الناسخ لها، والله أعلم.
مسألة: التثويب في رمضان وغيره
مسألة قال: وسئل عن التثويب في رمضان وغيره، فقال: ليس ذلك بصواب، وقد كان بعض أمراء المدينة أراد أن يصنع ذلك حتى نهي عنه فتركه.
قال محمد بن رشد: التثويب الذي أنكره مالك وقال: إنه ليس بصواب، وحكى ابن حبيب وغيره عنه أنه قال فيه: إنه ضلال -هو ما أحدثه الناس بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال: بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح.
روي عن مجاهد أنه قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا وقد أذن، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه، وذلك بين من قوله في رواية ابن وهب عنه في " المجموعة "، وهو نحو مما كان يفعل عندنا بجامع قرطبة من أن يعود المؤذن بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله: حي على الصلاة حي
على الفلاح ثم ترك.
وقيل: إنه إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه حي على خير العمل؛ لأنها كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة.
وروي أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يقول ذلك في أذانه بعد حي على الفلاح.
قال ابن حبيب: وهو خاص، ومن أحب أن يقوله فلا حرج، ولا يحمل عليه العامة.
والأول هو التأويل الصحيح، يشهد له ما وقع في " المجموعة " وأن التثويب في اللغة هو الرجوع إلى الشيء، يقال: ثاب إلي عقلي، أي: رجع، وثوب الداعي: إذا كرر النداء، ومنه قيل للإقامة تثويب؛ لأنها بعد الأذان.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون» . وقد يقع التثويب على قول المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، روي عن بلال أنه قال: قال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر» . وليس هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم؛ لأنه من السنة في الأذان، وبالله التوفيق.
مسألة: كم الوقت الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة والعيدين
ومن كتاب الصلاة الأول مسألة قال أشهب: قيل لمالك: كم الوقت الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة والعيدين؟ فقال: أرى أن الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال فما دونها.
وإنما أخذنا ذلك من قبل أن أهل العالية كانوا ينزلون يوم الجمعة إلى الجمعة على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من العالية، وأقصى العالية على ثلاثة أميال،
ولم يعلم أن من وراءهم نزلوا ولا لزمهم ذلك.
قيل له: وكذلك النزول إلى العيدين؟ قال: نعم وأرى الذي يجب في النزول إلى العيدين ثلاثة أميال فدون ذلك، ولقد رأيت ناسا من ولد عمر بن الخطاب ينزلون للعيدين من ذي الحليفة، وما ذلك على الناس، وليس العيدان كالجمعة؛ لأن العيدين إنما يكونان في الزمان والجمعة تكون في كل سبعة أيام.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: " إن النزول يجب إلى الجمعة وإلى العيدين من ثلاثة أميال" فدون خلاف قوله في " المدونة ": إنها إن كانت زيادة يسيرة فأرى ذلك عليه، والذي في " المدونة " أولى؛ إذ ليس الحد في ذلك بنص، وإنما أخذ بالاجتهاد والتأويل من فعل أهل العالية.
وقد روى علي بن زياد عن مالك أنه إنما ينزل إليها من ثلاثة أميال؛ لأنه منتهى صوت المؤذن، وهذا لمن كان خارج المصر؛ لقوله عز وجل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] . وأما من كان في المصر الكبير فتجب عليه الجمعة، وإن كان بين منزله والجامع ستة أميال، وكذلك روى ابن أبي أويس وابن وهب عن مالك.
والثلاثة الأميال تعتبر على ظاهر رواية علي بن زياد عن مالك من موضع المؤذن، وقيل: إنها تعتبر من طرف المدينة حيث يقصر الخارج ويتم الداخل، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
وقد روي عن رجل من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أهل قباء أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نشهد الجمعة من قباء» . وروي عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» إلا أنه حديث لا يصح، قد
ذكره أحمد بن الحسن لأحمد بن حنبل فقال له: استغفر ربك استغفر ربك.
والخليقة بالقاف وهي خليقتان: خليقة آل عمر، وخليقة آل المنكدر، وبالله التوفيق.
مسألة: ما يعلق في أعناق النساء من القرآن وهن حيض
مسألة قال: وسئل عما يعلق في أعناق النساء من القرآن وهن حيض، فقال: ليس بذلك بأس إذا جعل في كن في قصبة حديد أو جلد يخرز عليه، وكذلك الصبيان فلا أرى بذلك بأسا.
قلت: أرأيت إن علق عليها هكذا ليس عليه شيء يكنه، فقال: ما رأيت من يفعل ذلك، وليس يفعل هذا، قيل له: أفرأيت الحبلى يكتب لها الكتاب تعلقه؟ قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس إذا كان ذلك من القرآن وذكر الله شيئا معروفا، وأما ما لا يدرى ما هو والكتاب العبراني وما لا يعرف فإني أكرهه، قيل له: أفترى أن يعقد في الخيط سبع عقد؟ فكرهه.
قال الإمام: إنما استخف ما يعلق في أعناق الصبيان والحيض من النساء من القرآن مع أن السنة قد أحكمت أن لا يمس القرآن إلا طاهر إكراما له من أجل أن ذلك شيء يسير منه.
وقد مضى وجه الفرق بين جملته وبعضه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
وإنما شرط في إجازة ذلك أن يكون في كن من قصبة حديد وشبه ذلك؛ صيانة له أن تصيبه نجاسة أو أذى؛ لأن لذلك عنده تأثيرا في جواز مسه على غير طهارة؛ لأنه لا يجوز لغير الطاهر حمل المصحف بعلاقته ولا على وسادة، وكره أن يعلق على الحبلى الكتاب بما لا يدرى، وبالعبراني الذي لا يعرف ما هو؛ لأن الاستشفاء إنما يكون بكلام
الله تعالي وبأسمائه الحسنى وبما يعرف من ذكره جل جلاله وتقدست أسماؤه.
وأما العقد في الخيط فكرهه؛ لأن الرقى إنما تكون بذكر الله لا بما أمر الله بالاستعاذة منه من فعل السواحر اللائي ينفثن على العقد يرقيها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] . وفي جواز تعليق هذه الأحراز والتمائم على أعناق الصبيان والمرضى والحبالى والخيل والبهائم إذا كانت بكتاب الله تعالى وما هو معروف من ذكره وأسمائه، للاستشفاء بها من المرض، أو في حال الصحة لدفع ما يتوقع من العين والمرض- بين أهل العلم اختلاف، فظاهر قول مالك في هذه الرواية إجازة ذلك، وروي عنه أنه قال: لا بأس بذلك للمرضى، وكرهه مخافة العين وما يتقى من المرض للأصحاء.
وأما التمائم بغير ذكر الله تعالى وبالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا يجيزه بحال، لا لمريض ولا صحيح؛ لما جاء في الحديث من أن «من تعلق شيئا وكل إليه» ، «ومن علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له» ؛ ولما رواه في موطاه من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث في بعض أسفاره رسولا والناس في مقيلهم: لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وبر أو قلادة إلا قطعت» . ومن أهل العلم من كره التمائم ولم يجز شيئا منها بحال ولا على حال؛ لما جاء من هذه الآثار، ومنهم من أجازها في المرض ومنعها في حال الصحة لما يتقى منه، أو من العين على ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: "ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة".
وقول مالك في هذه الرواية أولى الأقوال بالصواب من جهة النظر؛ إذ يبعد إجازة تعليق تميمة لا ذكر لله فيها في حال من الأحوال، ولا وجه من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها بذكر الله بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك، إذ لا تقوله رأيا، والله أعلم.
وقوله الثاني أتبع للأثر؛ لاستعمال الآثار كلها بحمل النهي على ما ليس فيه ذكر الله تعالى، وقول عائشة على ما كان منها بذكر الله، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: صلى خلف رجل فلما قضى صلاته وجد منه ريح نبيذ
مسألة وسئل عمن صلى خلف رجل، فلما قضى صلاته وجد منه ريح نبيذ، فقال: إن كان لم يستنكر شيئا من عقله ولا صلاته فلا أرى أن يعيد، لعله نبيذ لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان لم يستنكر شيئا من عقله ولا صلاته فلا أرى أن يعيد، يدل على أنه لو استنكر شيئا من ذلك لوجبت عليه إعادة الصلاة، وذلك صحيح؛ لأن السكران لا تجوز صلاته لنفسه، إذ لا تصح منه نية؛ لذهاب عقله، فلا تجوز صلاته لغيره، فمن صلى خلفه أعاد، قاله مالك في " المدونة ". وفي هذا الرسم متصلا بهذه المسألة في بعض الروايات يعيد في الوقت وبعده، قاله سحنون وأصبغ، وفي قوله: لعله نبيذ لا بأس به دليل على أنه لو تيقن أنه نبيذ مسكر لوجبت عليه الإعادة وإن لم يكن سكر منه، وهذا صحيح على أصل مذهبه في أن ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام كالخمر، يجب فيه الحد وإن لم يبلغ به حد السكر، وتسقط به شهادته، ويجب على من ائتم به إعادة صلاته كمن أتم بشارب الخمر على ما قال ابن وهب في سماع عبد الملك أو بفاسق معلن بالفسق من أجل أنه لا يؤتمن على ما لا تصح الصلاة إلا به من الوضوء والنية وشبه ذلك، ولا يراعى في ذلك مذهب أهل العراق فيعذر أحد به؛ لبعده عن الصواب ومخالفته لما صح وثبت من الآثار، وبعده في النظر والاعتبار.
مسألة: أيصلي بعد المغرب في الليلة المطيرة التي يجمع فيها بعد المغرب نافلة
مسألة وسئل: أحب إليك أن تصلي بعد المغرب في الليلة المطيرة التي يجمع فيها بين الصلاتين بعد المغرب نافلة؟ أم تثبت كما أنت حتى تصلي العشاء؟ قال: بل أثبت كما أنا ولا أتنفل حتى أصلي العشاء.
وإنما جمع بين المغرب والعشاء للرفق بالناس، ولئلا ينقلبوا ثم يرجعوا إلى العشاء.
قال محمد بن رشد: الوجه فيما اختاره مالك من ترك التنفل بعد المغرب إذا جمع بين الصلاتين هو أنه لو أبيح ذلك للناس لكثر ذلك من فعلهم، فكان سببا لتأخير صلاة العشاء ذريعة إلى ألا ينصرفوا إلا بعد الظلام، وإنما أريد بالجمع الرفق بالناس لينصرفوا وعليهم إسفار.
وهذا من نحو المنع من التنفل في المسجد بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يقرأ القرآن في اللوح وهو غير متوضئ
مسألة وسئل عن الرجل يقرأ القرآن في اللوح وهو غير متوضئ، فقال: لا أرى أن يمسه.
قال محمد بن رشد: معناه إذا كان يقرأ فيه على غير وجه التعليم؛ لأنه قد خففه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء إذا كان على وجه التعليم، ومضى هناك القول على وجه تخفيفه، وحمل كلامه على أن بعضه مفسر لبعض أولى من حمله على الخلاف ما أمكن ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: تفوته ركعة من صلاة الظهر فيقوم لقضائها قبل سلام الإمام
ومن كتاب الأقضية الثالث
مسألة قال: وسئل مالك عن الرجل تفوته ركعة من صلاة الظهر مع الإمام، فيصلي معه ثلاث ركعات، فإذا جلس الإمام في الرابعة قام فقضى تلك الركعة قبل أن يسلم، جهل ذلك، قال مالك: أرى أن لا يعتد بتلك الركعة، ثم ليجلس مع الإمام حتى يسلم، فإذا سلم قام فقضى تلك الركعة وسجد سجدتين بعد السلام.
قال محمد بن رشد: قوله: جهل ذلك، يريد أنه جهل أن الإمام لم يسلم وظن أنه قد سلم؛ لأنه جهل أن القضاء لا يكون إلا بعد سلام الإمام.
ولو جهل ذلك فصلى الركعة قبل سلام الإمام جهلا لأفسد صلاته.
وفي " المبسوطة " لابن نافع أنه يعتد بها ويجزيه، وهو نحو ما لابن القاسم في رسم "باع شاة" من سماع عيسى، وذلك شذوذ، وإنما الاختلاف المشهور فيمن صلى في حكم الإمام إذا لم يدرك في صلاته شيئا، ذكر ذلك ابن المواز في كتابه، فتدبر ذلك.
وقوله: "سجد سجدتين بعد السلام " خلاف ما في " المدونة " وخلاف المشهور في المذهب من أن كل سهو يكون من المأموم في حكم صلاة الإمام يحمله عنه الإمام، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يدخل المسجد فيجد الإمام في الركعة أيركع دون الصف
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد فيجد الإمام في الركعة، وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه مع الإمام من البعد، فيركع مع الإمام ويريد أن يمشي إلى أن يصل إلى الصفوف، قال: لا يمشي حتى يفرغ من سجود تلك الركعة، ولا يمشي فيما بين الركوع والسجود، ولا يجعل بينه عمل.
قال الإمام: قوله: وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه مع الإمام من البعد، أي: وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه معه من البعد، فيدب راكعا إلى الصف، فمعنى المسألة أنه إذا كان على هذا الحد من البعد فركع دون الصف، وعجل الإمام بالرفع قبل أن يصل إلى الصف، أنه لا يمشي حتى يفرغ من سجود تلك الركعة.
وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم "اغتسل " من سماع ابن القاسم، فقف على ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.
مسألة: الصلاة خلف الإباضية والواصلية
ومن كتاب الصلاة الثاني مسألة قال: وسئل عن الصلاة خلف الإباضية والواصلية، فقال: ما أحبه، فقيل له: فالسكنى معهم في بلادهم؟ فقال: ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: الإباضية والواصلية فرقتان من فرق الخوارج الذين أعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخروجهم على المسلمين ومروقهم من الدين.
وقوله في الصلاة خلفهم: لا أحبه، يدل على أنه لا يرى الإعادة على من صلى خلفهم، وهو قول سحنون وكبار أصحاب مالك، وقيل: إنه يعيد في الوقت، وهو قول ابن القاسم في " المدونة "، وقيل: إنه يعيد في الوقت وبعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقاله ابن حبيب، إلا في الوالي أو خليفته على الصلاة؛ لما في ترك الصلاة خلفهم من الخروج عليهم وما يخشى في ذلك من سفك الدماء.
وقد تأول بعض الشيوخ ما في " المدونة " لمالك على عكس تفرقة ابن حبيب؛ لقوله: وأرى إن كنت تتقيه وتخافه على نفسك أن تصلي معه وتعيد ظهرا أربعا، والتفرقة بين ذلك استحسان، وكذلك الإعادة في الوقت، فالخلاف في
ذلك على وجه القياس راجع إلى قولين: إيجاب الإعادة أبدا على القول بأنهم يكفرون بمآل قولهم، وإسقاط الإعادة جملة على القول بأنهم لا يكفرون بمآل قولهم، وهذا فيما كان من الأهواء والبدع محتملا للوجهين؛ إذ منها ما هو كفر صريح فلا يصح أن يختلف في أن الإعادة على من صلى خلفهم، ومنها ما هو هوى خفيف لا يؤول بمعتقده إلى الكفر، فلا يصح أن يختلف في أن الإعادة غير واجبة على من صلى خلفهم، هذا وجه القول في هذه المسألة، وإن كانت الروايات إنما جاءت في ذلك مجملة، وكره السكنى معهم في بلادهم؛ لوجوه ثلاثة: أحدها: مخافة أن ينزل عليهم من الله سخط فيصيبه معهم، والثاني: مخافة أن يظن أنه معهم فيعرض نفسه لسوء الظن به، والثالث: مخافة أن يسمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده لشبههم.
مسألة: الطويل الشعر يعتم على شعره بعمامة ثم يصلي بها
مسألة وسئل عن الطويل الشعر يعتم على شعره بعمامة ثم يصلي بها، فقال: أما أن يكتفه فإنه يكره، وأما أن يستدفئ فلا بأس به.
قال المؤلف: إنما كره أن يكتف شعره في الصلاة لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يصلي الرجل وشعره معقوص» ، ولقول ابن مسعود: إن الشعر يسجد معه وله بكل شعرة أجر، وذلك لا يكون رأيا، وهو مثل ما في " المدونة "، وبالله التوفيق.
مسألة: الركاب في السفينة لا يقدرون على الركوع والسجود
مسألة وسئل عن الركاب في السفينة لا يقدرون على الركوع والسجود إلا أن يركع أحدهم على ظهر صاحبه ويسجد، فقال
لم يركبونها؟ فقيل: إلى الحج والعمرة، فقال: ما أرى أن يركبوها لحج أو عمرة، أيركب حيث لا يصلي! ويل لمن ترك الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السجود من فرائض الصلاة، فإذا علم أنه لا يقدر في السفينة على السجود إلا على ظهر صاحبه، فلا ينبغي له ركوبها في حج ولا عمرة؛ لأنه لا يدخل على نافلة من الخير لمعصية، فإن فعل وصلى فيها وسجد على ظهر أخيه أعاد أبدا على قوله؛ لأنه قد جعل ذلك كتركه للصلاة، وهو يأتي على مذهب ابن القاسم في " المدونة " في الذي يقدح الماء من عينيه فيصلي إيماء أنه يعيد أبدا.
وقال أشهب: لا إعادة عليه، وكذلك يقول في الذي لا يقدر في الزحام على سجود إلا على ظهر أخيه: إنه لا يعيد إلا في الوقت.
ووجه ذلك أن الفرض عنده قد انتقل إلى الإيماء من أجل الزحام، فكان كالمريض الذي لا يستطيع السجود، فرفع إلى جبهته شيئا أومأ إليه فسجد عليه أن ذلك يجزيه، وهو عند مالك بخلاف المريض يعيد أبدا إن لم يسجد إلا على ظهر أخيه أو إيماء، فإن كان مع الإمام فلم يقدر على السجود إلا إيماء أو على ظهر أخيه حتى قام الإمام، سجد ما لم يعقد الإمام عليه الركعة التي تليها، وإن كان ذلك في الركعة الأخيرة سجد ما لم يسلم أو ما لم يطل الأمر بعد سلامه على الاختلاف في سلام الإمام هل هو كعقد ركعة أم لا.
مسألة: الجماعة إذا كانت بموضع فلا يجوز لها أن تفترق طائفتين
مسألة وسئل عن القوم يكونون في السفينة فينزل بعضهم ويبقى بعضهم، فيقيم الذين بقوا في السفينة الصلاة، ثم يجيء الذين كانوا نزلوا، أيجمعون تلك الصلاة في السفينة؟ فقال برأسه: لا، فروجع فيها فقال: إنما سأل الجمع مرتين فيها، ثم قال برأسه لا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين؛ لأن الجماعة إذا كانت بموضع
فلا يجوز لها أن تفترق طائفتين، فتصلي كل طائفة منها بإمام على حدة؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] . ألا ترى أن الله -تبارك وتعالى- لم يبح ذلك للغزاة مع شدة الخوف، وشرع لهم أن يجتمعوا على إمام واحد، وكذلك أهل السفينة لا يجوز لهم أن يفترقوا على طائفتين في الصلاة، فلما كان ذلك لا يجوز لهم كره للذين نزلوا إذا جاؤوا أن يجمعوا الصلاة لأنفسهم إذا كان الذين بقوا قد جمعوا تلك الصلاة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى ما لا يجوز من تفرقة الجماعة، لا سيما إن كان الذين بقوا إنما جمع بهم إمام راتب لهم، وأجاز في " المدونة " أن يصلي الذين فوق سقف السفينة بإمام والذين تحته بإمام آخر؛ لأنهما موضعان، فليس ذلك بخلاف لهذه الرواية، والله أعلم.
مسألة: حكم التبسم في الصلاة
مسألة وسئل عمن تبسم في الصلاة، فقال: يسجد سجدتي السهو، فقلت له: أقبل السلام أم بعده؟ فقال لي: قبل السلام.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية سجود السهو قبل السلام في التبسم، ولم يفرق بين أن يكون متعمدا أو جاهلا أو مغلوبا أو ناسيا يرى أنه في غير صلاة، ووجه ذلك أنه أسقط الخشوع فهو في النسيان أظهر فيما عداه، فيحتمل أن يكون ذلك وجه ما أراد على ما في " المدونة "، وفي رسم "البراءة" من سماع عيسى لا سجود عليه ناسيا كان أو متعمدا.
وقد نص على ذلك في سماع عيسى فقال: لو كان عليه سجود السهو إذا نسي لكان عليه إعادة الصلاة إذا تعمد، وهو الصواب؛ إذ لا سجود على من التفت في صلاته أو عبث فيها بيده أو سوى الحصباء بنعله، أو فعل ما أشبه ذلك مما يفعله في الصلاة ترك الخشوع فيها ناسيا كان أو متعمدا باتفاق، وسيأتي التكلم
على حكم القهقهة في الصلاة في رسم "استأذن" ورسم "البراءة" من سماع عيسى إن شاء الله، وبه التوفيق.
مسألة: دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام
مسألة وسئل عمن دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام، وربما كان ذلك يوم الجمعة، فسها عن الركوع حتى رفع الإمام رأسه من الركعة، فيعلم بذلك بعد أن يرفع الناس رؤوسهم، أيعتد بها؟ فقال: إن أدركه وهو ساجد فليعتد بها، وإن لم يدركه حتى رفع رأسه من السجود فأحب إلي أن يقضي الركعة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم "كتب عليه حق" من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته ها هنا، وتأتي متكررة في رسم "نقدها"، ورسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل
مسألة قال: وسئل عن الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل، فقال: لا والله إن الصلاة في السراويل لقبيحة، فقيل له: أرأيت لو توشح الرداء فصلى فيه؟ فقال: ما السراويل من لباس الناس، وكره ذلك، قال: وإنما يصنع ذلك ضعفة الناس، وليست السراويلات من ثياب الناس التي يظهرون إلا أن تكون تحت القميص.
قال: ولقد كنت ألبسه فما كنت ألبسه إلا بعد القميص، إن الحياء من الإيمان.
قال القاضي: هذا كما قال، إن تردي الرداء وتوشحه على السراويل دون قميص مما يستقبح من الهيئة في اللباس، ولا يفعله إلا ضعفة الناس؛ لأن السراويل تصف ولا تستر كما يستر الإزار الذي يعطف بعضه على بعض،
فلا ينبغي لأحد أن يصلي في المسجد الجامع في الرداء والسراويل دون قميص، تردى الرداء أو توشحه، وإن كان توشحه أخف لكونه أستر؛ لأن التجمل في الصلاة بحسن هيئة اللباس مشروع، قال الله- عز وجل-: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] . وروي عن مالك أنه قال في تفسير ذلك: معناه لتأخذوا لباسكم عند كل صلاة، قيل له: أفمن ذلك مساجد البيوت؟ قال: نعم.
وقد سئل عمر بن الخطاب عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: "إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه"، الحديث.
وقال عبد الله بن عمر لنافع مولاه، وقد رآه يصلي في ثوب واحد: إذا صليت فخذ عليك ثوبا آخر، فإن الله أحق من تجملت له.
هذا هو المختار المستحب عند أهل العلم كلهم، ولو صلى في ثوب واحد إزارا كان أو قميصا أو سراويل لأجزأته صلاته، وروي عن أشهب أن من صلى في السراويل وحدها وهو يجد الثياب، يعيد في الوقت، قال: وكذلك من أذن في السراويل وحدها أعاد أذانه ما لم يصل، فإن صلى لم يعد، وكان كمن صلى بغير أذان.
مسألة: العجمي يصلي ولا يعرف القرآن
مسألة قال: وسئل عن العجمي يصلي ولا يعرف القرآن، قال: ينبغي أن يتعلم، فأما أن يصلي ولا يعرف فهو يصلي ولا يعرف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن العجمي الذي لا يعرف القرآن- أي: لا يحفظ شيئا منه- ينبغي له أن يتعلم ما يصلي به ولا يتوانى في ذلك؛ لأن القرآن من فروض الصلاة، وينبغي له أن لا يصلي وحده ما لم يتعلم ما يصلي به، فإن صلى وحده بغير قراءة وهو يجد من يأتم به ممن
يحسن القرآن أي: يحفظه، لم تجزه صلاته وأعادها، قاله ابن المواز.
وإن ائتم به أحد أعاد الصلاة، قاله ابن القاسم في " المدونة ". وكتاب ابن المواز في الذي لا يحسن القرآن أي: لا يحفظ شيئا منه ولا يعرفه، قال ابن المواز: ويعيد هو أيضا؛ لتركه الائتمام به.
وقد اختلف في الذي يحسن القرآن، أي: يحفظه ولا يحسن قراءته ويلحنه على أربعة أقوال: أحدها أن الصلاة خلفه لا تجوز، وإن لم يلحن في أم القرآن إذا كان يلحن في سواها، قاله بعض المتأخرين تأويلا على ما لابن القاسم في " المدونة " في الذي لا يحسن القرآن؛ لأنه حمله على الذي لا يحسن القراءة، وقال: إن لم يفرق فيها بين أم القرآن وغيرها، وهو بعيد في التأويل غير صحيح في النظر، والثاني: أن الصلاة خلفه جائزة إن كان لا يلحن في أم القرآن، ولا تجوز إن كان يلحن في أم القرآن، والثالث: أن الصلاة لا تجوز خلفه إن كان لحنه لحنا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] بكسر الكاف، و ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] برفع التاء، وما أشبه ذلك، وتجوز إن كان لحنه لحنا لا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] بكسر الدال من الحمد ورفع الهاء من الله، وما أشبه ذلك، وهذا قول ابن القصار وعبد الوهاب، والرابع: أن الصلاة خلفه مكروهة ابتداء، فإن وقعت لم تجب إعادتها، وهذا هو الصحيح من الأقوال؛ لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن، بل يعتقد بقراءته ما يعتقد بها من لا يلحن فيها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب.
ومن الحجة له ما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المسجد يوما، فمر بالموالي وهم يقرؤون ويلحنون فقال: نعم ما قرأتم، ومر بالعرب وهم يقرؤون ولا يلحنون فقال: هكذا أنزل» . وأما الألكن الذي لا تتبين قراءته والألثغ الذي لا يتأتى له النطق ببعض الحروف، والأعجمي الذي لا يفرق بين الطاء والضاد والسين والصاد وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه لا إعادة على من ائتم بهم، وإن كان الائتمام بهم مكروها إلا ألا يوجد من
يرضى به سواهم.
وسيأتي في آخر سماع موسى القول في صلاة الذي لا يحسن القرآن مستوفى، وبالله التوفيق.
مسألة: النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام يجمعون الجمعة
مسألة وسئل عن النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام، يجمعون الجمعة؟ فقال: إن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، إنما يكون الجمع على أهل القرى.
فقيل له: فإن لم يؤمر عليهم؟ فقال: إي والله وإن لم يؤمر عليهم ربما صلى أبو المثنى الجمعة بالناس بغير أمر الإمام، يمرض الإمام أو يموت أو تصيبه علة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، ظاهره خلاف ما في أول رسم من سماع عيسى أن الخصوص والمحال إذا كانت مساكن لأهلها كمساكن القرى في اجتماعها، لم يحل لهم أن يتركوا الجمعة، وعلى ذلك كان يحملها الشيوخ عندنا، ويحتمل أن يكون أراد بأهل العمود في الرواية الذين ينتجعون الكلأ ولا يستقرون بموضع، فتتفق الروايات ولا يكون بينها تعارض.
والأظهر أن ذلك اختلاف من القول، وأن لا جمعة على أهل العمود؛ لأن الأصل أن الظهر أربع، فلا ينتقل عن ذلك إلا بيقين وهو المصر؛ لأنه المتفق عليه؛ لأنه أصل ما أقيمت الجمعة فيه، فوجب أن لا يجمع إلا في المصر أو فيما يشبه المصر من القرى التي فيها الأسواق والمساجد؛ إذ قد اشترط ذلك مالك في بعض الروايات عنه.
وأما الوالي فليس من شرائط إقامة الجمعة عند مالك، وقد روي عن يحيى بن عمر أنه قال: الذي أجمع عليه مالك وأصحابه أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة: المصر، والجماعة، والإمام الذي تخاف مخالفته، وهو قول عمرو بن العاص، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، روي أن قوما أتوه فسألوه أن يأذن لهم في الجمعة، فقال: هيهات، لا يقيم الجمعة إلا من أخذ بالذنوب وأقام الحدود وأعطى الحقوق.
وفي
" المبسوط " لمحمد بن مسلمة أنه لا يصليها إلا سلطان أو مأمور أو رجل مجمع عليه، وهو قريب من ذلك كله خلاف المعلوم من مذهب مالك في " المدونة " وغيرها، وبالله التوفيق.
مسألة: الصلاة بعد الجمعة في المسجد
مسألة وسئل عن الصلاة بعد الجمعة في المسجد أمكروه؟ فقال: أما الناس فلا، وأما الأئمة فينصرفون ولا يصلون فيه، وقد كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأئمة ينصرفون إذا فرغوا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الصلاة الثاني من " المدونة " في الإمام أنه لا ينبغي له أن يركع في المسجد يوم الجمعة على إثر صلاة الجمعة، وخلاف قوله فيه في الناس؛ لأنه استحب لهم فيه أن لا يركعوا، ورأى ذلك لهم واسعا إن ركعوا، وخلاف قوله في الصلاة الأول منها؛ لأنه كره لهم فيه أن يركعوا ولى يوسع في ذلك.
فتحصل في ركوع الناس يوم الجمعة في المسجد لمالك ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا كراهة في الركوع ولا استحباب في الجلوس، فإن جلس لم يؤجر، وإن ركع كان له أجر صلاته كاملا، كما لو صلى في غير ذلك الوقت من الأوقات التي لا تكره فيها الصلاة، وهو الذي يأتي على هذه الرواية، والثاني أن الجلوس مستحب والركوع واسع، فإن جلس ولم يصل أجر على جلوسه، وإن صلى أجر على صلاته، والله أعلم أيهما أعظم أجرا، وهو الذي يأتي على قول مالك في الصلاة الثاني من " المدونة "، والثالث أن الركوع مكروه والجلوس مستحب، فإن جلس ولم يصل أجر، وإن صلى لم يأثم، وهذا الذي يأتي على ما في الصلاة الأول من " المدونة "، فالجلوس على هذا القول أولى من الصلاة، والصلاة على القول الأول أولى من الجلوس.
وإنما جاء هذا الاختلاف لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا صلى الجمعة لم يركع في المسجد حتى ينصرف فيركع في بيته ركعتين» فاحتمل أن يكون هذا من فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصا للأئمة، واحتمل أن يكون عاما لجميع الناس، بدليل ما روي أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتين بعد الجمعة، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعا؟! وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا» ، فاستحب بعض العلماء أن يصلي بعد الجمعة أربعا وكره أن يصلي بعدها ركعتين؛ ليجمع بين الحديثين، والله أعلم بالصواب.
مسألة: أوتر بالناس في رمضان أيسلم بين الاثنتين والواحدة
مسألة وسئل عمن أوتر بالناس في رمضان، فقال: لو كنت صانعه لم أسلم بين الاثنتين والواحدة؛ لأن بعض الناس قد قالوا: يوتر بثلاث، وإنه ليقال: إن معاذا القارئ كان يوتر بثلاث يفصل بين الاثنتين والواحدة.
قال محمد بن رشد: كذا وقعت الرواية: لو كنت صانعه لم أسلم بين الاثنتين والواحدة، وحكاها ابن حبيب: لو كنت صانعه سلمت بين الاثنتين والواحدة، على ما يوجبه مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -. والصحيح في الرواية: لم أسلم بين الاثنتين والواحدة، بدليل اعتلاله لذلك بقول الذين قالوا: إنه يوتر بثلاث، فأراد أنه لو أوتر بثلاث لا يفصل بينهن لما خالف فعله في ترك الفصل؛ إذ من الناس من يقول ذلك.
وهذا نحو قول ابن القاسم في رسم
"لم يدرك" من سماع عيسى في الذي يدرك الإمام في آخر ركعة من الوتر، وهو ممن لا يسلم أنه يضيف إليها ركعتين بغير سلام، ونحو قوله في " الواضحة " فيمن فاتته الركعة الأولى من شفع الوتر، والإمام ممن لا يفصل بين الشفع والوتر أنه لا يسلم مع الإمام إذا سلم من الوتر، ويقوم إلى الثالثة دون سلام لئلا، يخالف فعل الإمام في ترك الفصل بالسلام وإن كان قد فارقه في الوتر، إذ لم يدخل معه في أول الشفع خلافا لابن مطرف وابن الماجشون في قولهما: إنه يسلم مع الإمام إذا كان الإمام ممن يفصل أو لا يفصل؛ إذ قد فارقه ولم يدخل معه من أول الشفع.
وقد اختلف الناس في الوتر، فقيل: إنه ركعة واحدة، وقيل: إنه ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام، وقيل: إنه ثلاث ركعات يسلم في الاثنتين منهن وفي آخرهن.
وذهب مالك إلى أن ركعة واحدة عقب شفع أدناه ركعتان على ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية ابن عمر قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» ، وبالله التوفيق.
مسألة: مس الذكر أتعاد منه الصلاة
مسألة وسئل عن مس الذكر أتعاد منه الصلاة؟ فقال: لا أوجبه، وأبى، فروجع فيه فقال: يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا.
قال سحنون: لا أرى على من مس ذكره وصلى إعادة، لا في وقت ولا في غيره، ولقد قال لي ابن القاسم غير مرة: إن إعادة الوضوء عندي من مس الذكر ضعيف.
قال محمد بن رشد: هذا كله من رواية أشهب عن مالك، وقول سحنون وروايته عن ابن القاسم يرجع إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء
بحال، خلاف ظاهر ما في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب من كتاب الوضوء.
ورواية ابن وهب عن مالك في سماع سحنون منه في الفرق بين أن يمسه عامدا أو غير عامد قول ثالث، وإليه ذهب ابن حبيب.
وقد مضت هذه المسألة موعبة في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: وقت الدم
مسألة قال: وسئل عن وقت الدم، فقال: ليس له عندنا وقت، فقيل له: فقليله وكثيره سواء؟ فقال: لا، ولكن لا أجيبكم إلى هذا الضلال، إذا كان مثل الدرهم، ثم قال: أرأيت إن كان الدرهم من هذه البغيلة، الدراهم تختلف تكون وافية كلها وبعضها أكبر من بعض.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب الوضوء، ومضى القول عليها هناك بما أغنى عن إعادته.
مسألة: الإمام يكبر في العيدين على المنبر
مسألة وسئل عن الإمام يكبر في العيدين على المنبر، أيكبر الناس بتكبيره؟ فقال: نعم، فقيل: أفينصتون كما ينصتون يوم الجمعة؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهم يكبرون بتكبير الإمام، يريد سرا في أنفسهم، وذلك حسن وليس بواجب، قال ذلك في الحج الأول من " المدونة "، وهو مفسر لما هاهنا.
وقد مضى القول في وجوب الإنصات في خطبة
العيدين، وما في ذلك من الاختلاف في أول هذا السماع وفي رسم "تأخير صلاة العشاء" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: من لم يسمع قراءة الإمام للفاتحة أيقول آمين
مسألة قال ابن نافع عن مالك: ليس على من لم يسمع قراءة الإمام أن يقول آمين إذا قال الإمام: ولا الضالين.
قال محمد بن رشد: قوله: ليس ذلك عليه، يدل على أن له أن يقوله وإن لم يكن ذلك عليه، بأن يتحرى الوقت كما يتحرى المريض الذي ترمى عنه الجمار وقت الرمي عنه فيكبر.
وذهب محمد بن عبدوس إلى أن ذلك عليه، وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك، فهي ثلاثة أقوال، أظهرها قول يحيى؛ لأن المصلي ممنوع من الكلام، والتأمين كلام أبيح للمصلي أن يقوله في موضعه، فإذا تحرى قد يضعه في غير موضعه.
مسألة: أدرك الإمام يوم الجمعة ساجدا فلم يسجد معه في الركعة الآخرة
مسألة قال: وسئل عمن أدرك الإمام يوم الجمعة ساجدا فلم يسجد معه في الركعة الآخرة، أيقيم الصلاة لنفسه؟ قال: نعم، لا يجزيه إقامة الناس.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه لم يحرم مع الإمام، ولو أحرم معه لبنى على إحرامه وأجزأته إقامة الناس، ولم يصح له أن يقيم إلا أن يقطع الصلاة ثم يستأنفها، ولو فعل ذلك في هذه المسألة لأخطأ؛ إذ لا اختلاف في أنه لا يصح له أن يبني فيها على إحرامه، بخلاف الذي قد يجد الإمام ساجدا في الركعة الثانية، فيحرم معه وهو يظن أنه في الركعة الأولى، وقد مضى القول على هذا في رسم " طلق بن حبيب " من سماع ابن القاسم.
مسألة: يقول في دعائه يا سيدي
مسألة وسئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي، فكرهه وقال: أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وبما دعت به الأنبياء: يا رب، وكره الدعاء بـ"يا حنان".
قال محمد بن أحمد بن رشد: إنما كره الدعاء بذلك للاختلاف الحاصل بين أهل السنة من أيمة المتكلمين في جواز تسمية الله تعالى بسيد وحنان وما أشبه ذلك من الأسماء التي فيها مدح وتعظيم لله تعالى، ولم تأت في القرآن ولا في السنن المتواترة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا أجمعت الأمة على جواز تسميته بها؛ إذ منهم من لم يجز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو أسماه به رسوله أو أجمعت الأمة على جواز تسميته به، ومنهم من أجاز تسميته بكل اسم لله فيه مدح وتعظيم ما لم تجمع الأمة على أنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى به، كعاقل وفهيم ودار وما أشبه ذلك.
وأما الدعاء بـ"يا منان" فلا كراهة فيه؛ لأنه من أسماء الله تعالى القائمة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: 11] .
مسألة: تأخير الصلاة بسبب غسل الثياب
مسألة قال: وقيل لعمر بن عبد العزيز: أخرت الصلاة شيئا، فقال: إن ثيابي غسلت.
قال محمد بن رشد: يحتمل إن لم يكن له غير تلك الثياب لزهده في الدنيا وتقلله منها فلذلك أخر الصلاة شيئا بسبب غسلها، أو لعله ترك أخذ سواها مع سعة الوقت تواضعا لله؛ ليقتدى به في ذلك ائتساء بعمر بن الخطاب
إذ جعل يغسل الاحتلام من ثوبه حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب فدع ثوبك يغسل، فقال: واعجبا لك يا ابن العاص! إن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر.
فقد كان أتبع الناس لسيرته وهديه في جميع الأحوال، وأيا ما كانت فهي منقبة جليلة وفضيلة عظيمة لا تستغرب منه، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
مسألة: المستحاضة ينقطع عنها الدم في غير أيام حيضتها
مسألة وسئل عن المستحاضة ينقطع عنها الدم في غير أيام حيضتها، فقال: إذا انقطع عنها الدم اغتسلت وصلت.
قال: وسألته عن المستحاضة تصلي صلاتين بوضوء واحد، أتعيد الصلاة؟ فقال: لا، قلت له: في الوقت ولا في غير الوقت؟ قال: لا تعيد في الوقت.
قلت: أفيتوضأ لكل صلاة؟ فقال: ذلك أحب إلي، ولا أدري أواجب ذلك عليها أم لا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا انقطع عنها الدم، يريد دم الاستحاضة الذي كانت تصلي به.
وقوله: اغتسلت وصلت، يريد اغتسلت استحبابا وصلت كما كانت تصلي قبل انقطاعه، وذلك معلوم من مذهبه ومذهب جميع أصحابه.
وسواء كان انقطاعه في غير أيام حيضتها أو في أيام حيضتها، إذ لا فرق بين الموضعين، فمالك لا يرى على المستحاضة غسلا إلا في أول أمرها بعد الاستظهار أو بلوغ الخمسة عشر يوما، ويستحب لها الوضوء لكل صلاة، فإن صلت صلاتين بوضوء واحد لم تعد، وقيل: إنها تعيد الآخرة في الوقت، حكى القولين ابن المواز عن مالك.
ومن أهل العلم من يوجب عليها الغسل لكل صلاة، ومنهم من يوجبه من طهر إلى طهر، ومنهم من يوجب عليها أن تغسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، على ما جاء في ذلك من الآثار، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تخرج من البحر عريانة أتصلي قائمة
مسألة وسئل عن المرأة تخرج من البحر عريانة، أتصلي قائمة؟ قال: نعم في رأي، إلا أن يراها أحد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنها مأمورة بالصلاة قائمة مستقبلة القبلة، وقد سقط عنها بعدم الثياب ما يختص بالصلاة من فرض ستر العورة عن عيون من سوى الآدميين، فوجب أن تصلي قائمة إلا أن يراها أحد، كما لها أن تغتسل في الفضاء قائمة إلا أن يراها أحد.
مسألة: يتعمد إسقاط آية من قراءته في الصلاة
مسألة وذكر يحيى بن سعيد «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلاة ترك في قراءته آية، فلما انصرف قال للناس: ما أنكرتم من قراءتي شيئا؟ فقيل: نعم، فكأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يجرب حفظ الناس» قال مالك: «وكان أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء يصلي فاضطرب فرسه اضطرابا شديدا، فنظر ما يزعرها فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فرأى شيئا يظله، فذكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: تلك الملائكة استمعت لقراءتك.
» قال محمد بن رشد: قوله: فكأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يجرب حفظ الناس، هو تأويل من الراوي ليس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعلى القول بتصحيحه يجوز للرجل أن يتعمد إسقاط آية من قراءته في الصلاة، فعلى هذا لا ينبغي أن يفتى في الصلاة من أسقط في قراءته شيئا من القرآن أو خرج من سورة إلى سورة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، خلاف ما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من «قوله لأبي بن كعب حين أسقط آية من سورة الفرقان: " ما منعك أن تفتح علي؟ قال: خشيت أنها نسخت، قال: فإنها لم تنسخ» . وفيه أيضا دليل على صحة ما ذهب إليه مالك من أن الذي يقرأ السجدة وهو على غير وضوء أو في غير وقت صلاة يختصرها، والصواب أن يختصر جملة الآية لا موضع ذكر السجود خاصة، على ما حكى عبد الحق عن بعض شيوخه؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يتسق الكلام وتغير معناه، وقصة أسيد بن الحضير هذه وقعت هاهنا مختصرة، وهي في المصنفات بكمالها، من ذلك قوله فيها: «فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فعرجت إلى السماء حتى لم أرها.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم"، ثم قال: "لقد أوتيت يا أسيد من مزامير آل داود» ، يعني حسن الصوت، وهذه كرامة عظيمة لأسيد بن الحضير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلا أنها وما كان مثلها على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنما هي ببركة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهي معدودة من آياته ومن جملة معجزاته.
وفي القصة التحريض على تفريغ البال لاستماع القراءة؛ ولذلك أدخلها مالك عقب حديث يحيى بن سعيد، وبالله التوفيق.
مسألة: يكون له ثوب واحد أترى أن يعقد طرفيه إذا صلى لئلا يسقط عنه
مسألة وسئل عن الذي يكون له ثوب واحد، أترى أن يعقد طرفيه إذا صلى لئلا يسقط عنه؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن له غيره ولم يكن محرما، فإذا كان محرما فلا يفعل، وإن كان له ثوب غيره فأحب إلي أن يأخذ ثوبا آخر أوسع منه، وأحب إلي أن يتزر ويتردى إذا وجد، وكل من لم يجد فيجزئ عنه ما وجده.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن السنة في الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن قميصا أن يخالف بين طرفيه على عاتقيه، فإن شاء رد طرفيه بين يديه، وإن شاء تركهما على عاتقيه، فإن لم يثبت لقصره إلا أن يعقده عقده، إلا أن يكون محرما فلا يعقده، وليتزر به؛ لأن العقد للمحرم مكروه، وإن قصر عن أن يعقده على قفاه فليتزر به، ولا شيء عليه في صلاته مكشوف الظهر والبطن إذا لم يجد، فإن صلى كذلك وهو يجد فقد أساء ولا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت.
وقد مضى ذلك في صدر هذا الرسم والاختيار إذا وجد ألا يصلي في أقل من ثوبين وإن لم يكن في جماعة الناس.
يريد أن المصلي بالمدينة يستقبل من البيت الميزاب
مسألة وقال: يقال: إن قبلة المسجد مسجد رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبالة الميزاب.
قال محمد بن رشد: يريد أن المصلي بالمدينة يستقبل من البيت الميزاب؛ لأنه هو الذي يتفق، فليس في هذا معنى يشكل.
مسألة: آكل الثوم أيكره له المشي في السوق
مسألة قال: ولقد سألت مالكا عن آكل الثوم أيكره له المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد، فقلت له: أرأيت من يأكل البصل والكراث أيكره له من دخول المسجد ما يكره من الثوم؟ فقال: لم أسمع ذلك إلا في الثوم، وما أحب له أن يؤذي الناس.
قال المؤلف: في قوله: ما سمعت ذلك إلا في المسجد، دليل على أنه لا حرج عنده على آكل الثوم في المشي في الأسواق، وإن كره له ذلك في
مكارم الأخلاق.
والوجه في ذلك أن النهي إنما ورد في المسجد، وله حرمة يختص بها دون الأسواق؛ لقول الله- عز وجل-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] ، ولما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أن تنظف وتطيب، فلم يصح قياس الأسواق عليه في منع آكل الثوم من دخوله، وأما قياس الكراث والبصل على الثوم في منع آكلها من دخول المسجد فصحيح إن كانت تؤذي رائحتها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد نص على أن العلة في الثوم هي الإذاية، فوجب أن يعتبر بها حيثما وجدت، وذلك بين من مذهب ابن القاسم في رسم "أوصى" من سماع عيسى.
وعلى هذا يجب أن يحمل قول مالك؛ لأن قوله: وما أحب له أن يؤذي الناس، تجاوز في اللفظ، ومراده به ما يجوز له أن يؤذي الناس؛ لأن ترك إذاية الناس من الواجب لا من المستحب، وبالله التوفيق.
مسألة: ينسى الظهر ثم يذكرها وهو في العصر مأموما
مسألة قال: وسألته عن الذي ينسى الظهر ثم يذكرها وهو في العصر، يصلي لنفسه ليس مع الإمام؟ فقال: يتم ركعتين ثم ينصرف فيصلي الظهر ثم يصلي العصر.
قيل له: وإن كان إنما أحرم في العصر قط؟ فقال: نعم يتم ركعتين.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إنه يتم ركعتين ولا يقطع، ركع أو لم يركع، وكذلك لو ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة مكتوبة لأتم أيضا ركعتين ركع أو لم يركع.
وفي " المدونة " أنه يقطع ما لم يركع، وسواء على مذهبه فيها ذكر وهو في العصر صلاة الظهر من يومه أو صلاة قد خرج وقتها.
وقد قيل: أنه يقطع أيضا في المسألتين جميعا ركع أو لم يركع، قاله مالك في أحد قوليه في " المدونة " في النافلة، ولا فرق بين النافلة والفريضة في القياس.
وقد قيل: إن الفريضة في هذا بخلاف النافلة، فيقطع في النافلة ركع
أو لم يركع، ولا يقطع في النافلة ركع أو لم يركع، وقد قيل: إنه إن كان معه ركعة أتم ركعتين، وإن كان لم يركع شيئا أو ركع ثلاث ركعات قطع، وهو اختيار ابن القاسم في " المدونة ". وفرق ابن حبيب بين أن يذكر الظهر في العصر أو المغرب في العشاء، وبين أن يذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة، فقال: إنه إن ذكر الظهر في العصر أو المغرب في العشاء قطع، ركع أو لم يركع، كان مع الإمام أو وحده، وإن ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة تمادى إن كان مع الإمام، وإن كان وحده أتم ركعتين ركع أو لم يركع.
وقد قيل: إنه إن كان في خناق من الوقت قطع ما لم يركع، وإن يكن في خناق منه تمادى وإن لم يركع، فيتحصل في المسألة من الاختلاف سبعة أقوال.
وهو كله اختلاف اختيار؛ إذ لا يتعلق بمن فعل شيئا من ذلك حكم عند من رأى خلافه إلا انتقاص الفضيلة.
وقد قيل: إنه يخرج من قطع عند من رآى أن يتم ركعتين؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ، ويخرج من أتم ركعتين عند من رأى أن يقطع؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، فإن الله- عز وجل- يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] ، فصار من أخر الصلاة المنسية عن وقت ذكرها فيه بالتمادي على التي ذكرها فيها آثما، والأول أظهر أنه لا يأثم بدليل «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ركعتي الفجر يوم الوادي بعد أن طلعت الشمس قبل أن يصلي الصبح» . وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم فيمن ذكر صلاة، وهو في صلاة فتمادى عليها حتى أتمها، أو ذكرها فبدأ بالتي حضر وقتها قبلها، هل يعيد أبدا أو في الوقت؟ وأما من فرق بين أن يذكر الصلاة وهو في صلاة أو قبل أن يدخل فيها، فوجهه اتباع ظاهر ما جاء
من أن من ذكر صلاة وهو في صلاة فسدت عليه الصلاة، وهو حديث مروي، وبالله التوفيق.
مسألة: يتنفل فيتعيا بالقرآن أفيقف فيفكر أو ينصرف يسلم وينظر
مسألة وسئل عن الذي يتنفل فيتعيا بالقرآن، أفيقف فيفكر أو ينصرف يسلم وينظر؟ قال: يتفكر تفكرا خفيفا يتذكر ولا يسلم.
ولكن يخطرف ذلك أو يستفتح بسورة أخرى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القرآن كله حسن سواء، فما قرأ منه كفى وأجزأ، قال الله- عز وجل-: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] ، فإذا تعايا في قراءته تذكر يسيرا؛ لأن التذكر الكثير يخرجه عن الإقبال على صلاته، فإن ذكر وإلا خطرف أو استفتح بسورة، إذ ليس موالاة القراءة بواجب، فقد جاء أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسقط آية من قراءته ليجرب حفظ الناس وإن شاء ركع وسجد، ولا يسلم لينظر؛ إذ لا ينبغي لأحد أن يقطع صلاته إلا من ضرورة، قال الله- عز وجل-: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] . ولو كان المصحف إلى جنبه ونظر فيه وتمادى على صلاته لكان قد أساء ولم يكن عليه شيء، وجائز للذي لا يحفظ القرآن أن يصلي في المصحف، والفرق بين الموضعين أن الذي يشك في الحرف إذا نظره في المصحف احتاج إلى فتش موضعه، فكان ذلك شغلا في صلاته، والذي يصلي في المصحف يفتحه قبل أن يدخل في الصلاة، ويجعل أمامه الموضع الذي يريد أن يقرأه في صلاته، فينظر من غير أن يشتغل بشيء إلا بتحويل الورقة التي أكمل قراءتها، وذلك يسير.
مسألة: الذي يركع فيتطأطأ جدا
مسألة وسئل عن الذي يركع فيتطأطأ جدا، فقال: ما ذلك بحسن، وأحسن الركوع اعتدال الظهر، لا يرفع رأسه جدا ولا يخفضه جدا وينصب قدميه أحسن.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، فقد جاء أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان إذا ركع لو وضع على ظهره ماء لاستقر» .
مسألة: دخول الكنائس للصلاة والأكل فيها
مسألة قال: سمعت نافعا يذكر أن عمر بن الخطاب صنع له طعام بالشام في كنيسة، فأبى أن يجيب إليه وكره دخول الكنائس وقال: لا أرى أن يصلى في الكنائس.
قال: وسئل عن الصلاة في الكنائس، فقال: لا أحب أن يصلى فيها إذا وجد غيرها، هي نجس، قد دعي عمر بن الخطاب إلى طعام بالشام في كنيسة فلم يأته وقال: أرى أن لا تدخل هذه الكنائس التي فيها الصور.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم في هذه المسألة، فتأمله هناك.
صلى إلى غير القبلة متعمدا أو جاهلا بوجوب استقبال القبلة
مسألة قال يحيى بن سعيد: سمعت ابن المسيب يقول: حولت القبلة بعد بدر بشهرين، قال ابن المسيب: إنهم صلوا إلى بيت
المقدس ستة عشر شهرا، ثم حولت القبلة بعد بدر بشهرين، قال: قال مالك: ذكر لي عبد الله بن دينار «عن عبد الله بن عمر أن الناس بينما هم قيام في الصلاة إلى بيت المقدس، فجاءهم آت فقال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أنزل عليه أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فاستداروا إلى القبلة» .
قال محمد بن رشد: وقع هاهنا بعد بدر بشهرين، وفي " الموطأ ": قبل بدر بشهرين، فيحتمل أن يريد بما هاهنا بدرا الأولى وبما في " الموطأ " بدرا الثانية؛ لأنه كان بينهما نحو أربعة أشهر، تحولت القبلة بعد الأولى بشهرين وقبل الثانية بنحو شهرين.
وقد قيل: إن ما في " الموطأ " هو الصواب، والذي وقع هاهنا غلط؛ لأن بدرا إذا أطلقت دون وصف فالمراد بها الثانية المشهورة المذكورة في القرآن، وقول ابن المسيب: إنهم صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، صحيح، لا اختلاف في أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إلى بيت المقدس منذ قدم المدينة حتى حولت القبلة، وإنما اختلفت الآثار في صلاته بمكة قبل قدومه المدينة، فروي أنها كانت إلى مكة وهو دليل قول سعيد بن المسيب هذا، وروي أنها كانت إلى بيت المقدس، وقيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس ومكة بين يديه، فكانت صلاته إليهما جميعا، وفي استدارتهم إلى القبلة في صلاتهم معنى يجب الوقوف عليه، وذلك أن أهل العلم بالأصول اختلفوا في الحكم إذا نسخ، فقيل: إنه يكون منسوخا بورود الناسخ جملة، وقيل: إنه لا يكون منسوخا عند من لم يعلم ورود الناسخ إلا بوصول العلم إليه، فيلزم على القول بأنه منسوخ بنفس ورود الناسخ جملة أن يستدير في صلاته إلى القبلة من علم فيها أنه إلى غير القبلة على ما فعل الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بقباء، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وقول مالك:
إنه يقطع ويبتدئ بخلاف ما فعل الصحابة يدل على أنه لم ير الحكم منسوخا عنهم إلا بوصول العلم إليهم، إلا أن يفرق بين الموضعين، فإنهم وإن كان الحكم منسوخا عنهم بنفس ورود النسخ قبل دخولهم في الصلاة، فلم يكن منهم تقصير، بخلاف الذي اجتهد في القبلة فبان له بعد الدخول في الصلاة أنه على غير القبلة، وقد اختلف فيمن صلى إلى غير القبلة مستدبرا لها، أو مشرقا أو مغربا عنها، ناسيا أو مجتهدا، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فالمشهور في المذهب أنه يعيد في الوقت من أجل أنه يرجع إلى اجتهاد من غير يقين، وقيل: إنه يعيد في الوقت وبعده، وهو قول المغيرة وابن سحنون، كالذي يجتهد فيصلي قبل الوقت، وكالأسير يجتهد فيصوم شعبان، وقاله الشافعي إذا استدبر القبلة.
وذكر عن أبي الحسن القابسي أن الناسي يعيد أبدا بخلاف المجتهد.
وأما من صلى إلى غير القبلة متعمدا أو جاهلا بوجوب استقبال القبلة، فلا اختلاف في وجوب الإعادة عليه أبدا، وكذلك من صلى بمكة إلى غير الكعبة وإن لم يكن مشاهدا لها فهو كالمشاهد لها في وجوب الإعادة عليه أبدا، من أجل أنه يرجع إلى يقين يقطع عليه، إذ يمكنه أن يصعد على موضع يرى الكعبة منه فيعلم بذلك حقيقة القبلة في بيته.
واختلف فيمن صلى بمكة إلى الحجر، فقيل: لا تجزئه صلاته؛ لأنه لا يقطع أنه من البيت، وقيل: تجزئه صلاته؛ لتظاهر الأخبار أنه من البيت، وذلك في مقدار ستة أذرع منه؛ لأن ما زاد على ذلك ليس من البيت، وإنما زيد فيه لئلا يكون مركنا فيؤذي الطائفين، وبالله التوفيق.
مسألة: رفع المصلي صوته بالقراءة في المسجد
مسألة [في رفع المصلي صوته بالقراءة في المسجد] قال مالك: وكان عمر بن عبد العزيز يخرج في الليل- أراه
في آخره، وكان حسن الصوت -يصلي، فقرأ، فقال سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القارئ عني فقد آذاني، فسكت برد، فقال: ويحك يا برد! اطرد هذا القارئ عني فقد آذاني، فقال له برد: إن المسجد ليس لنا، إنما هو للناس، فسمع ذلك عمر فأخذ نعليه ثم تنحى.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذا ما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج على الناس وهم يصلون في المسجد وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» . فلا يجوز لمن تنفل في المسجد وإلى جنبه من يصلي أن يرفع صوته بالقراءة؛ لأنه يخلط عليه صلاته، وفي ذلك إذاية له، وكذلك من فاته من صلاة الإمام ما يجهر فيه بالقراءة فلا يجوز له أن يفرط في الجهر إذا كان إلى جنبه من يعمل مثل عمله لئلا يخلط عليه صلاته فيؤذيه بذلك.
ومن حق من أوذي أن ينهى من آذاه عن إذايته؛ فلذلك أمر سعيد بن المسيب بردا بما أمره به من طرد القارئ عنه، يريد من جواره لا من المسجد جملة، ولم يهبه لمكانه من الخلافة؛ لجزالته وقوته في الحق وقلة مبالاته بالأيمة، ولا أنف عمر بن عبد العزيز من قوله؛ لتواضعه وخيره وفضله وانقياده للحق، وأخذ نعليه وتنحى عنه.
وقد استدل بعض الشيوخ بهذه الحكاية على أن الأصوات من الضرر الذي يجب الحكم على الجار بقطعه على جاره، كالحدادين والكمادين والندافين وشبه ذلك، وليس بدليل بين؛ لأن ما يفعله الرجل في داره من ذلك فيتأذى به جاره، بخلاف ما يفعله في المسجد من رفع صوته بالقراءة لتساوي الناس في الحق فيه، ولو صلى رجل في داره فرفع صوته بالقراءة لما وجب لجاره أن يمنعه من ذلك، والرواية منصوصة عن مالك في أنه ليس
للرجل أن يمنع جاره الحداد من ضرب الحديد في داره وإن أضر به سماعه، فكيف بهذا؟ والله أعلم.
مسألة: ينسى تكبيرة الإحرام وهو إمام فيذكر بعدما قرأ صدرا من قراءته
مسألة وسئل مالك عن الذي ينسى تكبيرة الإحرام وهو إمام، فيذكر بعدما قرأ صدرا من قراءته، فقال: يبتدئ تكبيرة الإحرام، قلت له: أترى أن يؤذن من خلفه؟ قال: نعم، يقول لهم: إني لم أكن ذكرت تكبيرة الإحرام، فهذا حين دخولي في الصلاة، فادخلوا معي، ثم يقول: الله أكبر، فإن كانوا هم قد كبروا، فإن ذلك لا يجزئهم.
قال محمد بن رشد: قوله: يبتدئ تكبيرة الإحرام، يريد بغير سلام، ولا اختلاف في هذا، بخلاف ما لو لم يذكر إلا بعد ركعة.
وقوله: إنه يؤذن من خلفه، صواب؛ لأن تكبيرهم قبله لا يجزئهم، إلا أنه يختلف، هل يقطعون بسلام؟ أو يكبرون ولا يقطعون؟ فقيل: إنهم بمنزلة من لم يكبر يكبرون ولا يسلمون، وهو مذهبه في " المدونة "، وقيل: إنهم يسلمون ويكبرون، ولو لم يؤذنهم فتمادوا معه لأعادوا الصلاة على مذهب مالك.
ولو علموا ذلك بعد ركعة وقد كبروا للركوع لكان الاختيار أن يتمادوا مع الإمام ويعيدون، بمنزلة من نسي تكبيرة الإحرام وهو مع الإمام فذكر بعد أن ركع وقد كبر للركوع، وإن شاءوا قطعوا بسلام وأحرموا، وكانوا كالداخلين في الصلاة معه يقضون ركعة بعد سلامه، ولا يجزئهم أن يحرموا بغير سلام.
مسألة: صلاة الخسوف إذا رفع رأسه من الركعة الأولى أيقرأ بأم القرآن
مسألة وسئل مالك عن صلاة الخسوف والكسوف] إذا رفع رأسه من الركعة الأولى أيقرأ بأم القرآن في الركعة الثانية؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في" المدونة " أنه يقرأ أم القرآن في الأربع ركعات، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يرى أن يقرأ أم القرآن إلا في الركعة الأولى والثانية، وهو القياس؛ لأن القراءة الثانية من الركعة الأولى؛ إذ لم يفصل بينهما سجود، ألا ترى أن من أدرك الركوع الثاني مع الإمام حمل عنه الإمام القراءتين جميعا وإن كان بينهما ركوع؛ لأنهما في حكم القراءة الواحدة.
وقول مالك استحسان، وبالله التوفيق.
مسألة: المصلي لنفسه في المكتوبة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة وسئل عن المصلي لنفسه في المكتوبة، فقال: لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
[قلت له: أرأيت الذي يقرأ لنفسه في النافلة بعد المغرب ركعتين أو غيرها من الصلوات، فقال: لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] إلا أن يكون رجلا يقرأ القرآن عرضا، يعني بذلك عرضه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم مستوفى، فلا وجه لإعادته هنا.
مسألة: الصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان يقوم بالناس
مسألة وسئل عن الصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان يقوم بالناس، فقال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، إن كان بأس فعليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا بأس بالصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان؛ لأن الإجارة ليست عليه حرام، فتكون جرحة فيه تقدح في إمامته، وإنما هي له مكروهة، فتركها أفضل، ولا تكره إمامة من فعل ما تركه أفضل، كما لا تكره إمامة من ترك ما فعله أفضل من النوافل، ولم يحقق الكراهية في هذه الرواية، إذ قال فيها: إن كان بأس فعليه، وخففها
في غير ما كتاب من " المدونة "، ورأى ذلك في المكتوبة أشد لحرمتها ووجوبها عليه، فلم يبح الإجارة فيها على الإطلاق، إلا أن يكون في حيز التبع مما ينضاف إليها من الأذان والقيام على المسجد لعمارته.
وقد روى علي بن زياد عن مالك أنه لا بأس أن يأخذ الرجل الإجارة على صلاة الفريضة؛ لأنه يلزمه أن يصليها لنفسه، ولا يأخذ ذلك في النافلة، حكى هذه الرواية بكر القاضي، ووجهها أن صلاة الفريضة لما كانت تلزمه علم أنه لم يعط الأجرة على ما يلزمه، وإنما أعطيها على ما لا يلزمه من أن يصليها في مسجدهم حيث يأتمون به، ولما كانت صلاة النافلة لا تلزمه خشي أن يكون إنما صلى بسبب الأجرة، ولولاها لم يصل، فكرهها لذلك.
ووجه ما في " المدونة " من أن ذلك في الفريضة أشد هو أن الصلاة الفريضة، وإن كانت لا تلزمه في مسجد بعينه، فيلزمه من مراعاة أوقاتها وحدودها ما يخشى أن يكون لولا الأجرة لقصر في بعضها، والنافلة لا تلزمه أصلا، فكانت الإجارة عليها أخف؛ لأن الإجارة على ما لا يلزم الأجير فعله جائزة، وإن كان في ذلك قربة، أصل ذلك الأذان وبناء المساجد، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: الإمام إذا قال سمع الله لمن حمده أيرفع يديه
مسألة وسئل عن الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده، أيرفع يديه؟ قال: نعم، يرفع يديه ويرفع من وراءه أيديهم إذا قالوا: سمع الله لمن حمده، قيل: أيرفع يديه إذا قال: سمع الله لمن حمده أم يرجئ ذلك حتى يقول: ربنا ولك الحمد؟ فقال: إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وكذلك يفعل من وراءه، وليس رفع الأيدي بلازم، وفي ذلك سعة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في رسم "المحرم يتخذ الخرقة لفرجه"، من سماع ابن القاسم، ومضى منه شيء في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
مسألة: صلى بالناس فقرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقال رجل كذلك الله
مسألة قال: وسئل مالك عن إمام صلى بقوم فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] ، فقال رجل من ورائه: كذلك الله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا.
قال أبو الوليد محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إقرار لله بالتوحيد وبما عليه من صفات التنزيه، ولا يفسد الصلاة إلا ما كان من كلام الناس بغير ذكر الله، وسيأتي هذا المعنى قرب آخر هذا الرسم وفي سماع موسى بن معاوية، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل ذرعه القيء في المسجد النبوي يوم الجمعة
مسألة وسئل مالك عن رجل ذرعه القيء في مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة، فقاء قيئا كثيرا ليس فيه طعام، إنما هو ماء، أترى أن ينصرف من ذلك؟ فقال: لا والله أعلم، ما أرى أن ينصرف إن كان ليس إلا ماء، وأرى أن يأمر من ينزع ذلك من المسجد.
قلت له: أرأيت من كان يصلي وهو أمامه أينصرف عنه؟ قال: ما ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: قوله أترى أن ينصرف من ذلك، يريد أترى أن ينصرف عن صلاته ويقطعها لما أصابه فيها من ذلك؛ لأن معنى المسألة أن ذلك أصابه في الصلاة، فلم ير أن ذلك يقطع عليه صلاته إن كان ماء، ويقطعها إن كان طعاما، هذا الذي يدل عليه قوله، وهو له في " المجموعة " نصا من رواية ابن القاسم عنه، فأفسد الصلاة بما لا يفسد به
الصيام.
والمشهور أن من ذرعه القيء لا تفسد صلاته كما لا يفسد صيامه، بخلاف الذي يستقيء طائعا، وهو قول ابن القاسم في أول رسم "استأذن" من سماع عيسى.
واختلف قوله إن رده [بعد وصوله في فساد صلاته وصيامه، يريد إن رده ناسيا أو مغلوبا، وأما إن رده طائعا غير ناس فلا اختلاف في أن ذلك يفسد صومه وصلاته.
وقد قيل: إن المغلوب أعذر من الناسي في فساد صومه وصلاته، ولا يوجب ذلك الوضوء وإن كان نجسا بتغيره عن حال الطعام إلى حال الرجيع أو ما يقاربه، إذ لا يوجب الوضوء على مذهب مالك إلا ما خرج من السبيلين من المعتاد على العادة باتفاق، أو على غير العادة باختلاف.
وقوله: أرى أن يأمر من ينزع ذلك من المسجد، يريد على التنزيه للمسجد مما يستقذر لا على أن ذلك واجب، إذ ليس بنجس.
وقد حكى مالك في " موطأه " أنه رأى ربيعة يقلس في المسجد مرارا وهو في المسجد، فلو كان القلس نجسا لما قلس في المسجد، فإذا لم يكن نجسا وهو ماء قد تغير عن حال الماء إلى أن صارت فيه حموضة، فكذلك يجب أن لا يكون القيء نجسا، وإن تغير عن حال الطعام، ما لم يكن تغيرا شديدا يشبه الرجيع أو يقاربه، والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: الصلاة على البسط
مسألة وسئل عن الصلاة على البسط، فقال: ما يعجبني، ولو صلى لم أر عليه شيئا، ويصلي على غيرها أحب إلي، وما البسط إلا مثل الثياب الأكسية والسيجان، ولكن يصلي على الحصر والتراب والخشب.
قيل فالصلاة على ثياب الكتان؟ فقال: ثياب الكتان مثل الكرسف، وكره الصلاة عليها.