كتاب الأيمان بالطلاق الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال إن زدت على رطل وربع فامرأتي طالق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سئل مالك عن رجل، قال: إن زدت على رطل وربع فامرأتي طالق وكان يبيع لحما وزنا فباع صدرا وزنا، ثم بدا له أن يبيع ما بقي بالأجزاء لا يدري باع بأكثر أو لا؟
قال: أراه حانثا إلا أن يعلم أن الأجزاء كانت أقل من رطل وربع، فإن علم أنها أقل أو مثل فذلك إلى نيته، وإن لم يعلم، وقال: لا أدري لعله أكثر، فهو حانث.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون أنه قال: يطلق عليه في هذه المسألة بالقضاء والفتيا لأنه شاك، والشك دخل عليه من نفسه لا من غيره، قال: وفيه اختلاف، وفى قوله نظر؛ لأنه أجمل، ولا بد فيه من التفصيل.
أما إذا باع جزافا وهو ذاكر ليمينه ولا يدري هل الأجزاء التي باع أقل أو أكثر فلا اختلاف في أنه يطلق عليه بالحكم إذا أقر بذلك على نفسه؛ لأنه كمن حلف بالطلاق على ما يشك فيه ولا يمكن معرفته.
وأما إن كان بالأجزاء وهو يعتقد بتقديره أن الذي باع أقل من رطل وربع ثم أتاه الشيطان فأدخل عليه الشك وقال له: لعلك قد غلطت في التقدير، فهذا لا يؤمر ولا يجبر.
وأما إن أتاه الذي باع منه اللحم فقال له: وجدت فيه أكثر من رطل وربع ولم يدر هل صدقه أو كذبه فهذا يؤمر ولا يُجْبر، وكذلك إن باع بالأجزاء وهو ناس ليمينه فلم يدر أن كان الذي باع أقل أو أكثر يؤمر ولا يجبر، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة من تقسيم الشك في الطلاق ما يبين هذا وبالله التوفيق.
مسألة: معه أخت لامرأته في بيت ساكنة فحلف بطلاق امرأته لا يساكنها
مسألة وسئل مالك: عن رجل كانت معه أخت لامرأته في بيت ساكنة، فحلف بطلاق امرأته لا يساكنها فخرج عنها وبقيت امرأته في البيت فجعل يطلب منزلا ينتقل إليه فأقاما فيه أياما حتى أصابا منزلا فجمع امرأته إليه فيه ثم إنه خرج يريد سفرا وترك امرأته في ذلك المنزل، ثم إن المنزل انهدم من بعده وهو غائب فرجعت امرأته إلى المنزل الأول فكانت مع أختها حتى قدم زوجها، أترى عليه حنثا؟
قال: أرى يُدَيَّن، إن كان لم ينو ألا تدخل امرأته لتزور أختها أو لتمرضها فلا أرى بأسا أن تدخل وتمرض ولا أرى عليه حنثا، وذلك أنه خرج ولم يسكن، وإنما كان ذلك منها على غير ما نوى زوجها، قال أصبغ: معنى هذه، المسألة إنما حلف ألا يساكنها هو بنفسه وهذا الذي نوى، فإما إن كان حلف منها ألا يساكنها فترك امرأته معها وخرج يطلب بيتا لكان حانثا في تركه إياها معها حتى وجد منزلا.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة خلاف قوله في المدونة وخلاف ما يأتي في رسم القطعان من سماع عيسى من أن من حلف ألا يسكن دارا فلم يجد ساعة حلف بعياله وأهله وولده ومتاعه وإن كان في جوف الليل حنث، وتأويل أصبغ عليه غير صحيح؛ لأنه لو تكلم على أنه نوى ألا يساكنها هو بنفسه لما قال إنه يحنث برجوع امرأته إلى منزل أختها وكونها معها على وجه السكنى، ولا يحنث إن فعلت ذلك على وجه الزيارة أو التمريض إلا أن يكون نوى ذلك، ووجه قوله أنه راعى مقصد الحالف دون الاعتبار لمقتضى لفظه؛ لأن من حلف ألا يساكن رجلا فمعنى لينتقلن عنه في أعجل ما يقدر، فإذا لم يغره في ارتياد منزل والانتقال إليه لم يحنث، وما في المدونة يأتي على اعتبار مقتضى لفظه دون مراعاة قصده؛ لأنه إذا حلف على ألا يساكن رجلا ولم ينتقل عنه تلك الساعة فقد ساكنه بعد يمينه، وقد بينا هذا الأصل والاختلاف فيه في رسم الثمرة ورسم جاع من سماع عيسى من كتاب النذور وفي غيره من
المواضع، وإيجاب مالك عليه الحنث برجوع امرأته إلى مساكنة أختها بغير علمه بعد أن انتقل بها عنها ليس ببيّن؛ لأنه لم يحلف عليها ألا تساكن أختها فيحنث برجوعها إلى مساكنتها، وإنما حلف ألا يساكنها هو، فإذا انتقل عنها بزوجته وجميع متاعه فقد بر ووجب ألا يحنث برجوعها إلى مساكنتها بغير علمه إلا أن يعلم بذلك فيقرها، كمن حلف ألا يدخل على فلان بيتا فدخل فلان عليه ذلك البيت أنه لا يحنث إن خرج عنه من ساعته باتفاق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يدخل عليه من قبل أخته هدية
مسألة وسئل: عمن حلف بطلاق امرأته ألا يدخل عليه من قبل أخته هدية وكان له ولد صغير أو كبير يدخل عليها فيصيب اليسير من الطعام وأشباه ذلك هل ترى ذلك منفعة فيكون حانثا؟ أم ما ترى في ذلك؟
قال: أما من خرج من ولاية أبيه من الكبار واستغنوا عنه فأصابوا شيئا منها فلا أرى عليه شيئا؛ لأنه لا يصل إليه من منفعة ولده شيء، وأما ولده الصغار فإن لم يكونوا يصيبون من عندها إلا اليسير الذي لا ينتفع به الأب في عون ولده مثل الثوب يكسوه إياه فيكون قد انتفع بذلك حين كفاه ذلك أن يشتري له ثوبا ويطعمه طعاما يغنيه ذلك عن مؤنته أو شبه ذلك، فإذا كان ذلك رأيت أن قد دخلت عليه منفعة فأراه عند ذلك حانثا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها، وتفرقته فيما أكل عندها ابنه الصغير من الطعام بين أن يكون يسيرا لا
يحط عنه به من مؤنة ولده شيء، أو كثير ينحط به عنه من ذلك يبين ما وقع في رسم العتق من سماع أشهب من كتاب النذور، ولو خرج من عندها بطعام فأكله لحنث يسيرا أو كثيرا على ما في المدونة في الذي يحلف ألا يأكل لرجل طعاما فدخل ابن له صغير فأطعمه خبزا فخرج به فأكله الحالف.
مسألة: قال لامرأته إذا أخرجت إلي متاعي فأنت طالق
مسألة وسئل مالك: عن رجل كانت بينه وبين امرأته محاورة فدعته إلى الفرقة وله عندها متاع فخاف أن تحبسه عنده، فقال لها: إذا أنت أخرجت إلي متاعي فأنت طالق فرضيت فقامت مجمعة للطلاق فأخرجت بعض المتاع ثم ندمت فكرهت فراق زوجها فأبت أن تخرج له بقية متاعه.
فقال: أرى أن تخرج له بقية متاعه، وأرى الطلاق قد وقع عليه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه لما خشي أن تجحد المتاع وتحبسه عنه فقال لها: إذا أخرجت إلي متاعي فأنت طالق يبين أن معنى يمينه أنت طالق إن أقررت لي بمتاعي وأخرجته إلي، فلما أقرت له بمتاعه وأخرجت له بعضه لزمها الطلاق؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، كمن قال لامرأته: أنت طالق إن أكلت هذا الرغيف فأكلت
بعضه، وكذلك لو أقرت له بمتاعه ولم تخرج إليه منه شيئا لوجب أن تطلق عليه؛ لأنها إذا أقرت له بمتاعه فقد حصل له غرضه الذي حلف عليه لقدرته على أخذ متاعه منها إن امتنعت عن إخراجه إليه وصار بمنزلة من قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار وصليت فيها، فدخلت الدار ولم تصل فيها، ولو أخرجت إليه بعض متاعه وجحدت الباقي لم يلزمه طلاق فيما بينه وبين الله؛ لأن غرضه الذي طلق عليه لم يتم له، كمن قال لامرأته: أنت طالق إن أعطيتني مائة دينار فأعطته خمسين دينارا ويطلق عليه إن قامت بذلك بينة؛ لأن الطلاق قد لزمه بظاهر الأمر إذا أخرجت إليه المتاع، والقول قوله أن ذلك جميع ما له عندها من المتاع، وفي رسم أبي زيد بيان هذا، ولو كانت مقرة له بمتاعه فقال لها: أنت طالق إذا أخرجت إلي متاعي لم يلزمه الطلاق إلا بإخراج جميعه؛ لأنه قد تبين هاهنا أنه أراد أن يطلقها إذا رجع إليه جميع ماله مخافة أن يحتاج في قبضه منها إلى عناء أو مخاصمة، فصار بمنزلة من قال لامرأته: أنت طالق إن أعطيتني مائة دينار، فلا تطلق إلا أن تعطيه جميع المائة، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق إن لم أضربك إلى شهر
مسألة وقال مالك: من قال لامرأته: أنت طالق إن لم أضربك إلى شهر، لم أر أن يعجل عليه حتى يأتي الشهر، وقال ابن القاسم: إن كان الذي حلف عليه من الضرب ضربا ليس مثله
يترك والبرنية، رأيت أن يطلق عليه الساعة ولا ينتظر به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف في أنه لا يعجل عليه الطلاق حتى يأتي الشهر؛ لأنه على بر، وإنما اختلف قول ابن القاسم هل له أن يطأ إلى الشهر أم لا على قولين؟ وقد مضى القول على هذا مستوفى في رسم يوصى لمكاتبه من سماع عيسى من كتاب الإيلاء، ولم يبين القدر الذي لا يباح له البر فيه من الضرب.
وحكى ابن حبيب في الواضحة أنه إن كان حلف على عشرة أسوط ونحوها خلي بينه وبين البر ولم يطلق عليه إذا زعم أن ذلك لذنب أذنبته فيصدق في ذلك، قال: وإن حلف على أكثر من ذلك مثل الثلاثين سوطا ونحوها طلق عليه ولم يمكن من البر في ذلك إن كان لغير شيء تستوجبه، يريد: فإن كان لشيء تستوجبه مكن من البر، ومعنى ذلك عندي إذا ثبت عند السلطان أنها فعلت ما يوجب عليها ذلك المقدار من العقوبة لا أنه يصدق في قوله، قال: فإن لم يرفع إلى السلطان حتى فعل فقد أساء ولا عقوبة عليه إلا الزجر والسجن.
مسألة: قال امرأته خلية إن فرطت أو توانيت في حقي
مسألة وقال مالك: من قال: امرأته خلية إن فرطت أو توانيت في حقي على فلان حتى آخذه منه قال: إن توانى رجاء أن يأتيه بحقه حتى مرض فحال المرض بينه وبينه فقد حنث، وإن كان أقام يوما أو يومين ونحو ذلك وهو جاهد غير مقصر حتى جاءه المرض فشغله عنه فالله أعذر بالعذر.
قال محمد بن رشد: ولو كان يقدر على التوكيل في مرضه ففرط وتوانى ولم يفعل حنث، قاله ابن دحون، وهو صحيح.
مسألة: يحلف بطلاق امرأته ليضربنها إلى أجل يسميه
مسألة وقال مالك في الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم يضربها كذا وكذا أو يقول غلامي حر إن لم أضربه كذا وكذا، ثم تأتي المرأة أو العبد يدعيان أنه لم يضربهما، ويقول الرجل قد ضربت: إنه ليس على السيد ولا على الزوج البينة على ذلك ويصدق ويحلف، قال ابن القاسم: وذلك مخالف للحقوق في قول مالك؛ لأن الرجل لو حلف بطلاق امرأته ألبتة إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل سماه فحل الأجل وزعم أنه قد قضاه، قال مالك: إن لم يكن له بينة على القضاء طلق عليه بالشهود الذين أشهدهم على أصل الحق.
قال محمد بن رشد: أما الذي يحلف بطلاق امرأته ليضربنها إلى أجل يسميه أو بعتق عبد ليضربنه إلى أجل يسميه، فلا اختلاف في أن كل واحد منهما مصدق مع يمينه بعد الأجل على أنه قد ضرب قبل الأجل؛ لأن ضرب الرجل زوجته والسيد عبده ليس بحق لهما تسأله الزوجة من زوجها أو العبد من سيده؛ فيتوثق باليمين من الحالف على ذلك ويلزمه الإشهاد على تأديبه ولعله ضرب هذا فلا يسوغ للشاهد إن استشهد على ذلك أن يحضره ليشهد به، قال في الواضحة: وإن مات السيد فادعى العبد أنه لم يضربه وجهل الورثة ذلك فالقول قول العبد حتى يدعوا أنه قد ضربه فينزلوا بمنزلة السيد في ذلك.
وأما الذي يحلف بطلاق امرأته ألبتة إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل
سماه فحل الأجل وزعم أنه قد قضاه وزعمت المرأة أنه لم يقضه وأنه قد حنث فيها بطلاق البتات، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن القول قوله مع يمينه فيحلف ويبرأ من الحنث بمنزلة الذي يحلف على ضرب امرأته أو أمته وإن أنكر صاحب الحق القبض حلف وأخذ حقه، وهو قول مالك في رواية زياد عنه.
والثاني: أنه لا يصدق في القضاء ولا يمكن من اليمين ويبرأ من الحنث بما يبرأ من الدين من إقرار صاحب الحق بقبضه، أو شاهد ويمين، أو شاهد وامرأتين، وهو الذي يأتي على قول سحنون في كتاب ابنه.
والثالث: أنه لا يبرأ من الحنث بشاهد ويمين ولا بشاهد وامرأتين ولا بإقرار صاحب الحق، ولا يبرأ إلا بشاهدين عدلين، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك ورواية ابن القاسم هذه عن مالك ورواية ابن وهب عنه في رسم أسلم من سماع عيسى، وقد قيل: إنه يبرأ أيضا بإقرار صاحب الحق إذا كان مأمونا لا يتهم أن يوطئ حراما، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم في الواضحة.
قال ابن نافع في المبسوطة: مع يمينه، وزاد ابن القاسم في رسم أسلم من سماع عيسى: إذا كان من أهل الصدق ولا يتهم، وهذا كله إذا كانت على أصل اليمين بينة، وهو معنى قوله في هذه الرواية: طلق عليه بالشهود الذين أشهدهم على أصل الحق؛ لأنه يريد بقوله: على أصل الحق على أصل اليمين.
وأما إذا لم يكن على أصل اليمين بينة إلا أن الزوج أقر باليمين لما رفع فيها وطلب بها، فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن إقراره على نفسه باليمين كقيام البينة بها عليه.
والثاني: أنه يحلف لقد قضاه حقه قبل الأجل ويبرأ من الحنث ولا يبرأ من المال إذا لم يقر صاحبه بقبضه ولا شهدت بذلك بينة، وسواء كانت على أصل الدين بينة أو لم تكن، وذهب بعض الشيوخ وهو ابن دحون إلى أن قيام البينة على أصل الحق كقيامها على أصل اليمين
على ظاهر قوله في هذه الرواية: طلق عليه بالشهود الذين أشهدهم على أصل الحق، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الشهادة على أصل الحق لا تأثير لها في وجوب الطلاق، فالمعنى في ذلك ما ذكرناه، ولو أنكر اليمين ولم تقم عليه بها بينة لم تلحقه في ذلك يمين، ولو أنكر اليمين وأقر أنه لم يدفع الحق قبل الأجل فلما قامت عليه البينة باليمين أقام هو بينة على دفع الحق قبل الأجل قبلت منه بينته على اختلاف في هذا الأصل قائم من المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يكلم امرأته كذا وكذا فأراد أن يقبلها
مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف بالطلاق ألا يكلم امرأته كذا وكذا فأراد أن يقبلها.
فقال: أخشى أن تكون أن يعتزلها فإن كان كذلك فلا يفعل، قال: وإن لم يكن نوى اعتزالها فلا أرى بأسا أن يقبلها ويطأها.
وقال محمد بن رشد: لا يخلو الحالف في يمينه هذه من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينوي أن يعتزلها، والثاني: أن ينوي ألا يعتزلها، والثالث: ألا تكون له نية.
فإن نوى أن يعتزلها حنث إن وطئها أو قبلها، وإن نوى ألا يعتزلها لم يحنث بشيء من ذلك، وإن لم تكن له نية فالظاهر من قوله: وإن لم يكن نوى اعتزالها فلا أرى بأسا أن يقبلها أو يطأها أن يمينه عنده محمولة على غير الاعتزال حتى ينوي الاعتزال، وهو ظاهر قول ابن شهاب في أول كتاب الإيلاء من المدونة، ووجه ذلك ظاهر، وهو أن الكلام غير الوطء، كل واحد منهما بائن عن صاحبه ليس بداخل فيه،
فوجب ألا يحنث إذا حلف ألا يكلم امرأته فوطئها، كل يحنث إذا حلف أن يطأها فكلم بخلاف الذي يحلف إن هو يطأ فيثب عليها بذكره فيما دون فرجها، هذا هو محمول على الاجتناب حتى ينوي الفرج بعينه، على ما قال في كتاب الإيلاء: أن العبث عليها بالفرج داخل تحت الوطء، ألا ترى أنه لو حلف ألا يعبث عليها بذكره فوطئها لم يشك في أنه حانث، وأصبغ: يرى أنه إذا حلف ألا يكلمها فوطئها يحنث من جهة فهمها لما يريده منها كالذي يحلف ألا يكلم رجلا فيشير إليه، وقد مضى القول على ذلك في سماعه من كتاب النذور، وبالله التوفيق.
عبد كانت تحته أمة فحلف بطلاقها في شيء ألا يفعله ففعله
ومن كتاب سلعة سماها قال: وسئل مالك: عن عبد كانت تحته أمة فحلف بطلاقها في شيء ألا يفعله ففعله وسيد الجارية شاهد عليه، فقال: إنما حلفت بطلاقها واحدة ونسي سيد الجارية يمينه، فاستحلف الزوج فحلف أنه ما حلف إلا بتطليقة واحدة، أفترى ذلك يجزيه أم يستحلف عند المنبر؟
قال: لا يجزيه حتى يحلف عند المنبر.
قال محمد بن رشد: قوله وسيد الجارية شاهد عليه ليس بخلاف لما في المدونة من أنه لا يجوز شهادة السيد على عبده بطلاق زوجته؛ لأنه إنما ذكر ذلك وصفا للأمر على ما وقع، ولم يحلفه من أجل شهادته لا سيما وهو قد نسي يمينه، وإنما حلفه من أجل أنه قد أقر على نفسه أنه حلف بطلاقها وحنث فادعت عليه الزوجة من عدد الطلاق أكثر مما أقر به،
فوجب أن يحلف، بخلاف إذا ادعت أنه طلق وأنكر، وإيجابه عليه لليمين عند المنبر صحيح؛ لأنه إذا وجب عليه أن يحلف عنده في الحقوق بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من حلف على منبري إثما فليتبوأ مقعده من النار»، كان أحد أن يحلف عنده في الطلاق؛ لأن حرمة الفرج آكد من حرمة المال.
مسألة: حلف ألا ينفق على امرأته سنة
مسألة وسئل: عن الرجل يحلف لامرأته بطلاقها البتة إن أنفق عليها سنة فغاب عنها سنة، ثم أتى بعد ذلك فيريد أن يدفع لها في ذلك دنانير نفقة السنة.
قال: إذا دفع إليها ذلك فقد أنفق عليها، قال: إنه إنما دفع إليها بعد السنة؟ قال: وإن كان، فهو كذلك، إلا أن تكون له نية إن رفعت أمرها إلى السلطان، فيقضى عليه أن يقول لم أرد وإن قضي على، فلعلها أن ترفع أمرها إلى السلطان فيقضي عليه، فإذا قال: لم أرد هذا ولا نويته، إنما أردت ألا أنفق عليها طائعا، فإذا كان هذا نيته فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد: قوله في الذي حلف ألا ينفق على امرأته سنة فيدفع إليها بعد السنة دنانير عن نفقة السنة أنه حانث صحيح؛ لأن الذي يحلف أن لا ينفق على امرأته سنة إنما يريد توفير ماله على نفسه بترك الإنفاق عليها، فلا فرق بين أن ينفق عليها في السنة أو يدفع ذلك إليها بعد السنة، ولو ادعى أنه إنما نوى ألا ينفق عليها في السنة وأنه أراد أن يعطيها ذلك
بعد السنة لم ينوه في ذلك؛ لأنها نية مخالفة للمعنى الذي حلف عليه، ومن ادعى نية مخالفة لظاهر يمينه الحكم به عليه لم ينو إلا أن يأتي مستفتيا ونواه إذا ادعى أنه إنما نوى ألا ينفق عليها طائعا، يريد مع يمينه على ما قال في آخر سماع أشهب؛ لأنها نية محتملة، إذ قد قيل: إنه لا يحنث إذا قضى عليه السلطان وإن لم تكن نية، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، خلاف قول مالك هذا وقوله في سماع أشهب ودليل ما في التخيير والتمليك من المدونة، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يشتري لحما ثم اشتراه
مسألة وسئل مالك: عن رجل خرج يبتاع لأهله لحما فوجد على المجزرة زحاما فحلف بطلاق امرأته البتة إن اشترى لأهله ذلك اليوم لحما، فرجع إلى بيته فعاتبته امرأته في ذلك فخرج فاشترى كبشا فذبحه فأكلوا من لحمه.
فقال: ما أراه إلا قد حنث وأرى هذا لحما، قال ابن القاسم: إلا أن تكون إنما كانت كراهيته ذلك لموضع الزحام على المجزرة ووجد لحما أو كبشا في غير المجزرة فاشتراه فأرى أن ينوي في ذلك.
قال محمد بن رشد: لم يراع مالك البساط في هذه المسألة إذ رآه حانثا بشرائه الكبش من أجل أنه لحم، وذلك مثل قوله في رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك ومثل ما في سماع سحنون
من هذا الكتاب في مسألة البالوعة، ورعاه ابن القاسم فلم ير عليه حنثا بشرائه اللحم أو كبشا في غير زحام إذا كانت يمينه من أجل أنه كره الشراء في الزحام، وهو المشهور في المذهب، ألا تحمل اليمين إلا على مقتضى اللفظ إلا عند عدم البساط، ومثله في سماع أشهب بعد هذا في مسألة النقيب، وقد قيل: إن اليمين إذا لم يكن له بساط، تحمل على ما يعرف من عرف الناس في كلامهم ومقاصدهم بأيمانهم، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في رسم جاع من سماع عيسى من كتاب النذور.
وقول ابن القاسم في آخر المسألة، فأرى أن ينوى في ذلك معناه، فأرى أن يصدق أنه إنما حلف كراهية الزحام، ولا يمين عليه في ذلك إن شهدت بينة مصورة الحال أو أتى مستفتيا.
ولو شهد عليه أنه حلف بالطلاق ألا يشتري لحما ثم اشتراه، فقال: إنما كنت حلفت لأني خرجت لشرائه فوجدت على المجزرة زحاما ولم تعلم البينة ذلك لطلق عليه ولم يصدق فيما ادعاه من ذلك، وبالله التوفيق.
يحلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت على بيت أهلها إلا بإذنه
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك: عن الرجل يحلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت على بيت أهلها إلا بإذنه إن لم يضربها، فخرجت مرة فضربها، هل ترى عليه شيئا في ذلك إن هي خرجت؟
قال: لا، إلا أن يكون نوى ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة موافقة لما في كتاب النذور من المدونة أن من حلف ألا يكلم رجلا عشرة أيام فكلمه فحنث ثم كلمه مرة
أخرى بعد أن كفر أو قبل أن يكفر أنه ليس عليه إلا كفارة وحدة، وموافقة أيضا لجميع روايات العتبية، من ذلك ما في سماع أبي زيد بعد هذا من هذا الكتاب، وأول مسألة من سماع أشهب من كتاب النذور، وأول مسألة من رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة حاشا مسألة الوثر من رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، وقد مضى هناك من القول على توجيه كلا القولين ما أغنى عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
مسألة: رجل طلب بحق فقال امرأتي طالق ما له عندي حق
مسألة وسئل مالك: عن رجل استأجره رجل يعمل له، وادعى الذي استأجره أنه استأجره يعمل له معول وعمله على ذلك رجل، فقال المستأجر: حرم أهلي إن كنت استأجرته على معول وإن كان شهد على فلان لقد شهد بباطل، ثم سئل الشاهد فقال: ما أشهد بشيء، قال مالك: أليس أنت مستيقن أنك حلفت على حق؟ قال: نعم، قال: فلا شيء عليك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه موكول إلى أمانته في صدق ما حلف عليه ما لم يتبين كذبه بعد اليمين بشهادة شهود شهدوا عليه لم يكذبهما في يمينه، ولو أن الشاهد شهد عليه لم يضره؛ لأنه قد كذبه في يمينه، بمنزلة رجل طلب بحق، فقال: امرأتي طالق ما له عندي حق، ولئن شهد علي به فلان وفلان إنهما لكاذبان، فشهدا عليه عدلا أو عدم
الحق فلأنه لا حنث عليه لأنه قد كذبهما في يمينه، وسيأتي هذا المعنى في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى والقول فيه إن شاء الله.
مسألة: قال لرجل جاء يستسلفه سلفا فقال ما عندي
مسألة وحدثني عن ابن كنانة أن مالكا سئل عن رجل قال لرجل: جاء يستسلفه سلفا، فقال: ما عندي، قال الرجل: امرأتي طالق إن كان لك مني بد، فأعطاه الذي سأله من السلف، وقال: هذا أنا قد أعطيتك، ولكن انظر أنت في يمينك، فاختلف فيها أهل المدونة واضطربوا فيها اضطرابا شديدا، فسئل عنها مالك وأتى بها صاحبها إليه، فقال: ألم يأخذها على وزن صاحبه الذي سأله؟ قال: نعم، قال: لا أرى عليه حنثا إذا أراد وجه السلف، واحتج في ذلك وقال: إن منعه حنث، وإن أعطاه حنث، لا أرى عليه شيئا، وكأنه لم يره من وجه ما حلف عليه.
قال محمد بن رشد: إنما اضطرب في هذه المسألة أهل المدونة؛ لأن قوله إن كان لك مني بد لفظ يحتمل أن يراد به إن كان لك محيص عن أن تسلفني ما سألتك إياه من السلف، فمن حمل يمينه على هذا رآه حانثا وإن أسلفه؛ لأنه قد كان له محيص عن أن يسلفه، ويحتمل أن يراد به لألزمنك حتى تسلفني ما سألتك إياه من السلف شئت أو أبيت، وعلى هذا حمل مالك يمينه، فلذلك قال: إنه لا حنث عليه إذا أخذ السلف منه
على مثل الوزن الذي سأله إياه، وذلك بين من قوله إنما أراد وجه، ومن احتجاجه بأن قال إن أعطاه حنث وإن منعه حنث، وقوله في آخر المسألة وكأنه لم يره من وجه ما حلف عليه معناه وكأنه لم ير من أوجب عليه الطلاق وأعطاه السلف من وجه ما حلف عليه؛ لأن الوجه في ذلك عنده أنه مهد محيص له عن أن يسلفه، ويحتمل أن يراد باللفظ أنه لا بد لك أن تفتقر إلي كما افتقرت إليك فأقارضك بالحرمان كما فعلت، فمن حمل يمينه على هذا رآه أيضا حانثا لأنه حلف على غيب لا علم له به، والله أعلم.
قال لامرأته إذا كفلت ابني ثلاث سنين فأنت طالق البتة
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن رجل قال لامرأته إذا كفلت ابني ثلاث سنين فأنت طالق البتة، وكان بينه وبينها كلام، فقال لها: ما يمنعني من فراقك إلا مكان ابني، ولكن إذا كفلته ثلاث سنين فأنت طالق.
فقال: أراها طالقا البتة حين تكلم به.
قال ابن رشد: مثل هذا في سماع عبد المالك عن ابن القاسم، وإنما لزمه الطلاق في الوقت لأنه مطلق إلى أجل هو آت على كل حال، كمن قال لامرأته أنت طالق إلى ثلاث سنين، هذا مفهوم من قصد الحالف على بساط المسألة أنه إنما كره أن يطلقها وله منها ولد صغير يشقى بكفالته فأراد أن يوقع على نفسه طلاقها بعد ثلاثة أعوام كي إن عاش الولد إلى هذه المدة كان قائما بنفسه مستغنيا بذاته، ولم يكره حصانة الولد فيكون ذلك شرطا في الطلاق لا يقع عليه إلا باستيفائها مدة الحضانة كمثل أن يكره من زوجته حضانتها للصبي وتسأله أن يبيح لها ذلك، فيأبى ويقول: إن حضنته ثلاثة أعوام فأنت طالق، فهذا لا يقع عليه طلاق إن لم يستكمل حضانة الثلاثة الأعوام، كمن قال لزوجته: إن صحب فلان زوجته ثلاثة
أعوام فأنت طالق، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يفارقه حتى يذهب به إلى السلطان
مسألة وسئل: عن رجل وقع بينه وبين رجل خصومة فحلف بطلاق امرأته ألا يفارقه حتى يذهب به إلى السلطان أو إلى صالح فلقي حاطبا خليفة صالح، فقال: أرسله.
فقال مالك: حاطب ليس بصالح، ولو شاء لجلس معه حتى يصبح فيلقى صالحا، وكأنه رآه حانثا وشدد عليه في ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله حاطب ليس بصالح، يدل على أنه لم ير أن يبرأ إلا أن يذهب به إلى من سماه بعينه، وذلك على القول بمراعاة مقتضى حقيقة الألفاظ في الأيمان دون ما يظهر من المقاصد فيها؛ لأن الظاهر من مقصد الحالف بهذه اليمين أنه إنما أراد الإرهاب عليه بالذهاب به إلى من يهابه لمرتبته، وسمى صالحا لتوسمه ذلك فيه، فلو ذهب به على هذا إلى من هو فوق صالح من الحكام لبر كذلك لو حلف ألا يفارقه حتى يذهب به إلى السلطان أو إلى حاطب خليفة صالح فذهب به إلى صالح لبر، وهو الذي يأتي على ما في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب، وأما إذا ذهب به إلى حاطب خليفة صالح الذي سمى فلا اختلاف أنه لا يبر بذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لأمه بطلاق امراته ألا تأمره فيها ولا تمنعه أن ينفعها
مسألة وسئل: عن رجل قال لامرأته وعاتبته أمه في امرأته فقال لها هي طالق البتة إن كانت تأمرني فيك ولا تمنعني أن أنفعك
فانقلبت إلى امرأتي فقلت لها إني أخشى أن أكون وقعت في عظيم، فقالت: ما هو؟ قال: إني قد حلفت لأمي بطلاقك أنك لا تأمرني فيها ولا تمنعيني أن أنفعها، وإنما المال الذي في يد الرجل مال المرأة، فقالت له: قد قلت لك عام الأول لا تعطيها شيئا من مالي، قال: فذكرت له ذلك.
فقال مالك: أراها قد بانت منك بثلاث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أنه إنما حلف على يقينه ناسيا لقولها، فلما تذكره وجب عليه الحنث؛ لأن ذلك لغو وهو لا يكون إلا في اليمين بالله أو ما كان في معناه، وبالله التوفيق.
مسألة: يسلمه الرجل وديعة فقال امرأتي طالق البتة إن كانت في بيتي
مسألة وسئل مالك: عن رجل يسلمه الرجل وديعة كان استرفقه إياها قال قد دفعتها إليك، فما زال العداء بينهما حتى قال امرأتي طالق البتة إن كانت في بيتي، فلقيه رجل فقال له في علمك، فقال: في علمي.
قال مالك: إن كان استثناؤه ذلك نسقا متتابعا ليس فيما بينهما صمات وكان ذلك كلاما واحدا نسقا فلا أرى عليه حنثا، وله ثنياه.
قال محمد بن رشد: يريد أن ثنياه تنفعه إن وجدت الوديعة في بيته ولا يحنث، وهو صحيح لأنه قيد عموم قوله بالعلم، وغير العلم بالعلم، فخرج من ذلك غير العلم؛ لأن تقييد العموم بصفة يقتضي أن يخرج منه من ليس على تلك الصفة، فذلك في المعنى كالاستثناء بحرف من حروف الاستثناء، فوجب أن يكون له حكمه في أنه عامل بشرط تحريك اللسان واتصاله بالكلام، وقد مضى هذا المعنى مبينا في رسم الجنائز والذبائح والنذور من سماع أشهب من كتاب النذور وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا إلى السلطان فرفعه إلى صاحب الحرس
مسألة حلف بالطلاق ليرفعن أمرا وسئل مالك: عن رجل حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا إلى السلطان فرفعه إلى صاحب الحرس؟
فقال مالك: ليس صاحب الحرس سلطانا، قال ابن القاسم: يريد صاحب الحرس الذي يعس، فأما صاحب الشرط فهو سلطان، قال: ولا يكون صاحب المسلحة سلطانا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن لفظ اسم السلطان عام يقع على كل من له القضاء والحكم بين الناس، قال عز وجل: ﴿فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33]، فإذا رفع أمره إلى من إليه تنفيذ الحكم في ذلك الأمر فقد بر، والعسس ليسوا بحكام وإنما هم أعوان لهم يرفعون الأمور إليهم، فوجب أن لا يبر بالرفع إليهم من حلف أن يرفع إلى السلطان وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن قضاك شهرا فيستأذى عليه صاحب الحق
مسألة قال: وسئل مالك: عن الرجل يكون له الحق على رجل قد حل فخرج يطلبه بحقه ويقول المطلوب امرأته طالق إن قضاك شهرا فيستأذى عليه صاحب الحق فيأمر السلطان ببيع متاعه حتى يقتضي، كيف ترى الأمر فيه؟ قال: أرى أن يدين، إن قال لم أرد إلا ألا أقضي أنا ولم أرد
السلطان فذلك له وأدينه في ذلك ما الذي أراد بيمينه، فإن حاشا السلطان لم أر عليه شيئا وإن لم يحاش السلطان رأيته حانثا.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يدين يريد مع يمينه على ما يأتي في آخر سماع أشهب، وابن الماجشون لا يرى عليه حنثا إذا قضاه بأمر السلطان أو باع السلطان عليه ماله فقضاه إلا أن يريد مغالبة السلطان أو يحلف بين يديه فيتبين أنه أراد مغالبته، وقد مضى الاختلاف في هذه المسألة في رسم سلعة سماها قبل هذا فلا وجه لإعادته.
مسألة: يحلف بطلاق امرأته البتة ليقضينه حقه إلى شهر
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يكون له قبل الرجل الحق فيحلف بطلاق امرأته البتة ليقضينه حقه إلى شهر إلا أن يحب أن يؤخره في مثل يمينه الذي حلف له بها، فلما كان قبل الشهر بيوم وخاف صاحب الحق أن يحل الشهر فيحنث أنظره من قبل نفسه شهرا آخر وأشهد له، والذي عليه الحق حاضر لم يسأله ولم يستنظره.
قال مالك: عسى، يريد بذلك أن ذلك يجوز، قال سحنون: قال ابن القاسم: ورأيت مالكا يخففه، وقال: لا بأس به وإن لم يسأله، نظرته جائزة ولا حنث عليه، وهذا الذي أراد مالك، وروى عيسى عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: أما نظرته إياه دون أن يستنظره إذا حلف ليقضينه حقه إلى أجل كذا وكذا إلا أن يحب أن يؤخره فجائزة على ما يقتضيه اللفظ إذا لم يقل إلا أن يستنظره فيجب أن ينظره، وإنما قال مالك:
عسى أن يجوز وخففه ولم يقطع بجوازه مخافة أن يكون قصد الحالف إلا أن يستنظره فيجب أن ينظره، ولم يتكلم هل تبقى عليه اليمين إلى الأجل الذي أنظره إليه أم لا؟ ولا اختلاف في أنها تبقى عليه في هذه المسألة لقوله فيها: في مثل يمينه الذي حلف له بها، ولو قال إلا أن يحب أن يؤخره ولم يقل في مثل يمينه التي حلف له بها لتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن اليمين تُبْقِي عليه إلى الأجل الذي أخره إليه لأنه هو المعنى المفهوم من قصد الحالف، وهو قول مالك في رسم نذر سنة بعد هذا.
والثاني: أن اليمين تسقط عنه بالتأخير ولا يرجع عليه؛ لأنه هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ في حكم الاستثناء في اللسان، ويدل عليه قوله في هذه المسألة في مثل يمينه التي حلف له بها، ولو قال إلا أن يوسع له في الأجل أو يفسح له فيه لبقيت عليه اليمين إلى الأجل الذي أخره إليه على ما في سماع عيسى بعد هذا في رسم أوصى قولا واحدا؛ لأنه هو ذلك الأجل الذي حلف عليه إلا أنه مده له ووسع عليه فيه، والله أعلم.
قال لجارية أنت حرة إن لم أبعك فإذا هي حامل منه ولم يعلم
ومن كتاب طلق ابن حبيب وسئل مالك: عن رجل كان له سوط وأنه غاب عن أهله أشهرا فقدم عليهم فعتب عن غلام له أراد ضربه فسألهم أن يعطوه السوط، فقالوا: لا نعلم مكانه، فكأنه ظن أن ذلك منهم كراهية ضربه الغلام، وإنهم خبوه عنه، فقال: حرم علي ما حل لي إن لم تأتوني به، فطلبوه فلم يجدوه ووجدوا سوطا غيره فأتوه به، فقال الخادم وغيرها من أهل البيت: هو هو، ولم يعرفوه وأنكر أن يكون هو.
قال مالك: أرى إن لم تكن عرفته أن الطلاق قد لزمك وقد بانت منك، وقال: لم أره يذكر شيئا أراده.
قلت له: فإن ذكر نية أكنت تنويه؟ قال: لم أره يذكره، وكأن وجه قوله أن يكون ذلك له، ومعنى ذلك في رأيي أن يقول لم أرده، وإن لم تكن له نية إنما حلفت على أني أظن أنهم غيبوه.
قال ابن القاسم: ومثل ذلك كمثل الرجل يقول لجارية: أنت حرة إن لم أبعك، فإذا هي حامل منه ولم يعلم، فهل إن كانت له نية حين حلف وأراد، إلا أن تكون حاملا وإلا فقد عتقت عليه؛ لأنه لم يصل إلى بيعها، وكذلك قال إلى مالك، قال ابن القاسم: وكذلك السوط فيما رأيت من وجه قول مالك، إلا أن تكون له نية أن يقول: إنما حلفت وأنا أظن أنهم غيبوه، فإذا كانت نيته فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة خالف ابن القاسم فيها مالكا وذهب إلى أن تفسير قوله على مذهبه، فقال: ومعنى ذلك في رأيي أن يقول إلى آخر قوله: فالتبست المسألة بذلك وأشكلت، وقول مالك فيها: إنه حانث، إلا أن تكون له نية وإن كان حلف وهو يظن أنهم غيبوا عنه السوط، وذلك بين من قوله: لأنه قال أرى إن لم تكن عرفته، فإن الطلاق قد لزمك وبانت منك، وهو إنما حلف وهو يظن أنهم غيبوا عنه السوط كراهية لضرب الغلام، وقوله: لم أره يذكر نية يدل على أنه لو ذكر نية لنواه، والنية التي ينتفع عنده بها، وعلى مذهبه أن ينوي في حلفه عليهم أن يأتوه به إن كانوا خبوه وهم عالمون بموضعه على ما ظنه بهم على قياس قوله كالذي يحلف بحرية أمته فإذا هي حامل منه أنه حانث إلا أن يكون نوى إن لم تكن
حاملا، وأما قوله وأراد إلا أن تكون حاملا فهو كلام وقع على غير تحصيل، ومراده به وأراد إن لم تكن حاملا؛ لأن قوله: إلا إنما هو استثناء ولا اختلاف في أن الاستثناء بـ "إلا أن"، لا بد فيه من تحريك اللسان، وقول ابن القاسم فيها إنه لا حنث عليه إذا حلف وهو يظن أنهم غيبوه لأنه رأى أن حلفه وهو يظن ذلك بمنزلة النية التي رأى مالك أنه ينوي فيها وينتفع بها، وذلك خلاف لقوله، لا تفسير له كما ذهب إليه، وكذلك لا يحنث على مذهبه في مسألة الأمة التي حلف بحريتها ليبيعنها وإن لم تكن له نية؛ لأنه إنما حلف وهو يظن أنها غير حامل، وكذلك لو حلف بحريتها فألفاها الليلة فإذا هي حائض لم يحنث عند ابن القاسم وحنث على مذهب مالك، وهو قول أصبغ، وهذا على اختلافهم في مراعاة المقصد في الأيمان والاعتبار بمقتضى اللفظ دون مراعاة القصد.
ولو حلف ليطأنها الليلة فألفاها ميتة أو ماتت من ساعتها لم يحنث باتفاق، كمسألة الحمامات الواقعة في النذور من المدونة، وإنما لا يحنث في مسألة السوط إن لم يأتوه بالسوط على مذهب مالك إن كانت له نية، وعلى مذهب ابن القاسم إن كان حلف وهو يظن أنهم غيبوه عنه إذا تحقق أنهم لم يغبوه عنه، وأما إن لم يتحقق ذلك واتهمهم في قولهم أنهم لم يغيبوه عنه فهو حانث، إلا أنه لا يحكم عليه بالطلاق إذ لا يتحقق حنثه فيؤمر بذلك ولا يجبر عليه وبالله التوفيق.
مسألة: رفع الدراهم في بيته ثم طلبها فلم يجدها
مسألة وسئل مالك: عن رجل رفع دراهم له في بيته فالتمسها بين فرشه فلم يجدها، فقال لامرأته: أين الدراهم؟ فقالت: ما رأيتها، فقال: أنت طالق البتة إن كان أخذها أحد غيرك، ثم إنه خرج ورجع على مصلى كانت له في البيت فرفعه فإذا هو بالدراهم
تحت المصلى، وذكر أنه جعلها ثم نسيها.
قال: أرى أنها طلقت عليه البتة، قيل له: إنه يقول إنما حلفت ما أخذها غيرك، وإنها لم تأخذها هي ولا غيرها، ففكر فيها ثم تعجب فيمن يقول لم يحنث، ثم قال مالك: إنما ذلك بمنزلة ما لو قال لم يسرقها أحد غيرك لم يحركها أحد غيرك، فأراه حانثا.
وفي سماع عيسى من كتاب بع ولا نقصان عليك، قال ابن القاسم: في رجل افتقد بضاعة في بيته فاتهم امرأته، فقال لها: أين البضاعة؟ فقالت له: ما أدري، فقال لها: أنت طالق إن لم تأتني بها بعينها، ثم وجدها في مكان جعلها فيه، قال: هي طالق، ثم أتي بهذه المسألة التي فوقها، وقال: هي طالق، قال: ولقد كان بيني وبين ابن بر فيها كلام، فسألنا مالكا عنها، فقال: قد حنث في قوله في هذه المسألة، وعجب ممن يقول لم يحنث.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الذي رفع الدراهم في بيته ثم حلف لما طلبها فلم يجدها بالطلاق، أن امرأته أخذتها، ثم وجدها حيث جعلها إن الطلاق يلزمه، إلا أن تكون له نية أنه إن كانت أخذت هو على قياس قوله في المسألة التي قبلها؛ لأنه إنما حلف وهو يظن أنها قد أخذت فانكشف الأمر بخلاف ما ظن، وفي الثمانية من رواية ابن الماجشون عنه أنه لا حنث عليه، وأنها نزلت فسئل عنها عامة أهل المدينة فلم يختلفوا في أنه لا شيء عليه، وهو على قياس قول ابن القاسم في المسألة التي قبلها؛ لأن معنى يمينه إنما هي أخذتها إن كانت أخذت، وأما مسألة البضاعة لابن القاسم فهي كمسألة السوط المتقدمة بعينها، فقوله فيها خلاف قوله في مسألة السوط، مثل قول ابن دينار في مسألة البضاعة هذه، وقول مالك في مسألة البضاعة هذه على قياس قوله في مسألة السوط، وقد مضى من القول في مسألة السوط ما فيه بيان وشفاء، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يزوج ابنته لابن عمه ثم خطبها بعد ذلك
مسألة وسئل مالك: عن رجل كانت له ابنة متزوجة فكان بينها وبين زوجها كلام، فقال أبوها اتق الله يا عبد الله، فإما أمسكت بمعروف، وأما سرحت بإحسان، فقال له زوجها: احلف لي بطلاق امرأتك لئن أنا فارقتها ألا تزوجها فلانا لابن عم له، فقال: نعم امرأته طالق البتة إن أنت فارقتها إن زوجتها فلانا فأقامت معه بعد ذلك ما شاء الله ثم وقع بينه وبينها شر، فقال له أبوها: اتق الله يا عبد الله إنما بك ما أعطيتها مما هو عليك أو دفعته إليها، فأنا له ضامن وخل سبيلها، فقال زوجها لأبيها: فقد ملكتك ذلك، فوقف الأب إعظاما للتفرقة، ثم قال لابنته: يا فلانة، هذا زوجك قد كان من أمره كذا وكذا وملكني، فقالت: قد رددت عليه ما أعطاني وبرئت منه وبرئ مني، فقال الزوج: قد رضيت، فذهب بها، ثم إنها اعتدت فانقضت عدتها ثم خطبها الذي كان أبوها حلف فيه ولم يكن زوجها فارق ابنته يوم حلف ألا يزوج ابن عمه.
فقال مالك: أرى اليمين عليك، قيل له: فما لهذا حيلة؟ قال: بلى، إن هي استأذنت السلطان حتى يزوجها فإنها ثيب مالكة أمرها لم أر عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة إن اليمين عليه وهو لم يفارق ابنته يوم سأله طلاقها خلاف المشهور في المذهب من حمل الأيمان على بساطها، مثل قوله في رسم سلعة سماها، وقد تقدم القول على ذلك هنالك ولو لم يكن في هذه المسألة بساط تحمل عليه يمين الحالف من سؤال الأب إياه الطلاق لتخرج ذلك على الاختلاف في اليمين هل هي محمولة على التعجيل حتى يريد التأخير، أو على التأخير
حتى يريد التعجيل، والاختلاف في هذا جار على اختلاف أهل الأصول في الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟ وقد مضى هذا المعنى في كتاب النذور في رسم سن من سماع ابن القاسم ورسم المكاتب من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق أن يشق كبده إن شق ثوبه
مسألة وسئل مالك: عن رجل كانت بينه وبين رجل منازعة فجبذ بثوبه، وقال له: لأشقه، فامرأته طالق البتة إن لم يكن لو أنك شققته لشققت جربك، ثم قال له الثانية امرأته طالق إن لم يكن لو أنك شققته لشققت كبدك إلا ألا أقدر عليك، فردده مرتين.
ثم قال له مالك: استغفر الله ولا شيء عليك، قيل له: كأنك لم تر عليه شيئا إلا أن يشق الثوب؟ قال: نعم، ولم ير عليه شيئا، قال سحنون: هذه جيدة جدا يرد إليها كل رواية عن مالك مما يشبهها؛ لأنه قد اختلف في مثل هذا قوله.
قال محمد بن رشد: اختلف لو كان كذا وكذا لما لم يكن يفعل كذا وكذا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شيء عليه إذا لم يكن ذلك الشيء كان الذي حلف ليفعلنه مما يجوز فعله أو مما لا يجوز، وهو قول مالك هذا؛ لأنه لم ير عليه شيئا إذا لم يشق الثوب، وشق الكبد مما لا يجوز له أن يفعله، فهو فيما لا يجوز له أن يفعله، وهو قول أصبغ في الواضحة.
والثاني: أنه يحنث إن كان الذي حلف ليفعلنه مما لا يجوز له أن يفعله ولا يحنث إن كان مما يجوز له فعله، وهو قول مالك في رواية ابن الماجشون عنه، ودليل قوله في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة في
مسألة الذي حلف لو كان حاضرا لفقأ عين الذي شتم أخاه؛ لأنه قال فيها: إنه حانث لأنه حلف على ما لا يبر فيه ولا في مثله، فدل ذلك من قوله أنه لو حلف على ما يجوز له أن يبر فيه لم يحنث، فقول مالك في مسألة المدونة خلاف قوله في هذه المسألة، إذ لا فرق بين المسألتين، وهو الذي لجأ إليه سحنون، وقد دل على ذلك أيضا قول ابن القاسم في التفسير.
الثالث: إنه حانث في المسألتين جميعا، وذهب ابن لبابة إلى أن المسألتين مفترقتان وليس ذلك بصحيح إذ لا فرق بين أن يحلف على فقء عينيه لو كان حاضرا أو على شق كبده أو شق ثوبه، وقوله كأنك لم تر عليه شيئا إلا أن يشق الثوب معناه حلف بالطلاق أن يشق كبده إن شق ثوبه فيما يستقبل لم يختلف في أنه لا شيء عليه إن لم يشق الثوب ولا في أنه يعجل عليه الطلاق إن شقه، ولا يمكن من البر بشق كبده، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يركب حمارا في حج فخرج إلى جدة
مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف ألا يركب حمارا في حج فخرج إلى جدة وهو من أهل المدينة مرابطا، أفترى له أن يركب حمارا؟
قال: لا أرى له ذلك، ونهاه عنه، قال عيسى: إنما نهاه عن ركوب الحمار إلى جدة لأن طريقه على مكة، فأما لو كان طريقه على غير مكة فليركب حمارا إن شاء، وروى يحيى عن ابن القاسم إن كان نوى ألا يركبه في حج لشيء كرهه من ركوب الحمار في الحج فلا شيء عليه في ركوب الحمار في غير الحج إلى مكة وغيرها.
قال محمد بن رشد: رواية يحيى لم تثبت في جميع الأمهات،
وهي صحيحة في المعنى لا إشكال في أنه إنما حلف لكراهته معنى يختص بركوب الحمار في شيء من مناسك الحج، فلا حنث عليه في ركوب الحمار في غير حج إلى مكة وغيرها، وإن كان حلف لكراهية معنى يختص بركوب الحمار في طريق مكة إلى المدينة فهو حانث إن ركب في طريق مكة إلى جدة أو إلى غيرها، وإن كان حلف لكراهة معنى يختص بركوب الحمار في طريق مكة إلى الحج فيحنث بركوبه الحمار إلى جدة وإن كان طريقه على مكة على ما قاله عيسى من أجل أنه إذا مر بمكة وجب عليه أن يدخلها محرما بعمرة، والعمرة بعض عمل الحج فيصير قد ركب حمارا في بعض أعمال الحج والحنث يدخل بأقل الوجوه، وبالله التوفيق.
قال لرجل احلف ويميني على مثل يمينك
ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل مالك: عن رجل قال لرجل: احلف ويميني على مثل يمينك، فحلف بالعتق والطلاق، فأنكر ذلك.
قال مالك: إذا أنكره مكانه فذلك له، وإن صمت لزمته اليمين.
قال محمد بن رشد: قوله إن ذلك له إذا أنكر مكانه معناه إن ادعى أنه إنما ظن أنه يحلف بالله، وأنه لم يرد إلا ذلك على ما في رسم سلف من سماع عيسى وعلى ما حكى ابن حبيب في الواضحة، ويكون عليه اليمين في ذلك على ما حكاه ابن حبيب، وهذا إذا كانت للحالف زوجة إن كان حلف بالطلاق، أو عبيد إن كان حلف بالعتق على ما في رسم أبي زيد لأنه إنما أراد أن يكون عليه مثل ما عليه فإذا لم يلزم الحالف في يمينه شيء لم يلزمه هو شيء إلا أن يقول مثل قوله محاكاة له أو يقول على مثل ما حلفت به فيلزمه ذلك على ما قاله ابن حبيب في الواضحة، فالروايات كلها مفسرة بعضها لبعض لا يحتمل شيء منها على الخلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بتطليقة على موت ناقة أنها ماتت فيما بين الظهر والعصر
مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف بتطليقة على موت ناقة أنها ماتت فيما بين الظهر والعصر ثم شك في ذلك، فأتى يسأل مالكا بعد حين.
فقال مالك: إن كانت لم تحض ثلاث حيض من يوم حلفت فارتجعها وأشهد على ذلك فقد وقعت عليك تطلقة، وإن كانت قد حاضت ثلاث حيض من يوم حلفت كنت خاطبا من الخطاب وقد بانت منك إلا بنكاح جديد.
قال محمد بن رشد: يريد أن هذا يؤمر به ولا يجبر عليه إن أباه؛ لأن هذا من الشك الذي لا يحكم فيه في الطلاق، وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة تقسيم الشك في الطلاق على مذهب مالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
قال امرأته طالق لقد بعته منه بمحضر فلان وفلان
ومن كتاب أخذ يشرب خمرا وسئل مالك: عن عبد كانت له زوجة وأن سيده أرسل إليه في خرج كان للعبد، فأرسل إليه إني قد بعته من أخيك، فأتى سيده مغضبا يظن أنه كتمه إياه، فقال: أين الخرج؟ قال: بعته من أخيك، قال: فاحلف بطلاق امرأتك، قال العبد: امرأته طالق إن لم يكن أخوك أرسل إلي فيه وبعته إياه وانتقدت ثمنه، ثم إن العبد ذكر بعد ذلك فإذا أخو الرجل هو الذي لقيه في الخرج وباعه إياه وانتقد ثمنه، وأنه لم يأته فيه رسول.
قال مالك: لا أرى عليك في ذلك حنثا، إنما أراد وجه
الكتمان وأنه اتهمه ألا يكون باعه، وأنه غيبه، فما أرى في ذلك شيئا، قيل: إنه حلف لقد أرسل إلي وإنما لقيته؟ قال: ما أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه لا حنث عليه لأنه لم يقصد بيمينه إلا الحلف على ما استحلفه سيده عليه من أنه قد باع الخرج ولم يغيبه عنه، وما زاد في يمينه من أن أخاه أرسل إليه فيه لم يقع عليه فيه اليمين، إذ لم يستحلفه سيده على ذلك ولا قصد هو إلى الحلف عليه ولا إلى أن يحقق بيعه به إذ لا تأثير لذلك في تحقيق البيع، ولو كان لما زاده في يمينه تأثير في تحقيق البيع مثل أن يذكر أنه لم ينتقد الثمن وهو قد حلف أنه باعه وانتقد ثمنه وهو أن يقول امرأته طالق لقد بعته منه بمحضر فلان وفلان، ثم ذكر أنه لم يبعه منه إلا فيما بينه وبينه لتخرج ذلك على قولين في مسائل حكاها ابن حبيب من هذا النوع، وستأتي هذه المسألة متكررة وما يشبهها في رسم استأذن من سماع عيسى.
مسألة: طلاق السكران
مسألة وسئل: عن عبد سكران أتى إلى باب دار رجل فأغلق صاحب الدار بابه فزعزعه السكران من الليل، فقال وهو سكران متلطخ: قد قفلته كانت له امرأة حرة- فهي طالق، فقال له صاحب الدار: ويحك ما أظنك إلا وقد حرمت عليك، قال: إن كانت حراما فهي حرام، قيل له: ويحك ما نظنك إلا وقد طلقت منك، قال: إن كانت طالقا فهي طالق.
قال مالك: أراها قد بانت منه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن العبد السكران
أتى إلى باب دار رجل وهو يظن داره، فلما أغلق صاحب الدار باب داره دونه، ظن هو أن زوجته هي التي أغلقت الباب دونه، فقال: هي طالق طالق يريد امرأته، فخاطبه صاحب الدار بما خاطبه به وراجعه هو بما راجعه، فرأى مالك أنها قد بانت منه بثلاث من أجل قوله إن كانت طالق فهي طالق؛ لأنها قد كانت طالقا بطلقتين بقوله: هي طالق طالق، فوقعت عليه تطليقة ثالثة بقوله إن كانت طالقا فهي طالق، ولم يلزمه شيء بقوله إن كانت حراما فهي حرام، إذ لم تكن بعد حراما، وإنما كانت طالقا تطلقتين، وهو إذا أشهدت عليه بذلك بينة، وأما إن أتى مستفتيا فادعى أنه لم يرد بذلك طلقة ثالثة، وإنما أراد الإخبار بأنها طالق إن كانت طالقا فينوي في ذلك وينوي أيضا إن أتى مستفتيا في أنه لم يرد بقوله هي طالق طالق إلا طلقة واحدة، وإنما كرر اللفظ بالطلاق على سبيل التأكيد.
وإيجابه الطلاق عليه بقوله هي طالق وهو يشير إلى صاحب الدار يظن أنها امرأته معارض لأول مسألة من سماع عيسى أيضا من كتاب، والقولان في هذا المعنى قائمان من العتق الأول من المدونة: مسألة مرزوق وناصح، وقد تأول في هذه المسألة أن امرأة السكران هي التي أغلقت الباب دونه، وهو بعيد على ظاهر اللفظ، وبالله التوفيق.
مسألة: عبد بين أخوين فحلف أحدهما بطلاق امرأته إن لم يبع نصيبه منه
مسألة وسئل: عن عبد كان بين أخوين فحلف أحدهما بطلاق امرأته إن لم يبع نصيبه منه أو يشتريه منه أو يقاومه إياه، فقال أخوه: أنا أبتاعه منك بدين إلى سنة وأرهنك ما اشتريت منك فيه، واجعله على يدي رجل، فكيف ترى؟
فقال: لا أرى له أن يفعل هذا، لم يخرج منه بعد، كأنه في يديه، فلا أرى ذلك له، فقال له الرجل: فإن ذلك قد نزل، أفترى علي في يميني شيئا؟ قال: ارتجع الغلام فبعه من غيره وانتقد ثمنه، ولم ير عليه في يمينه شيئا، قال ابن القاسم: لست آخذ فيه بقول مالك إذا صح أصل البيع وسلم من الدلسة، فأراه قد بر وخرج من يمينه ارتهن ذلك الذي باع أو لم يرتهنه، وغيره من البيوع أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قول الحالف في يمينه: إن لم يبع نصيبه منه أو يشتريه منه أو يقاومه إياه معناه ليبيعن نصيبه من العبد إلا أن يشتريه منه أخوه أو يقاومه إياه، فخشي مالك لما اشتراه منه أخوه بدين إلى أجل على أن يرهنه إياه إلى ذلك الأجل ألا يبر بذلك البيع مخافة أن يكون إنما باعه منه هذا البيع ليأخذه منه عند الأجل فيما لو عليه من الثمن، فكأنه في يديه لم يبعه لكونه رهنا به بالثمن، وأمره أن يرتجع الغلام فيبيعه من غيره، ومعناه: إن طاع له أخوه المبتاع بذلك، إذ من حقه أن يتمسك ببيعه إذ ليس ببيع فاسد على مذهبه، وهذا إن كان قبض منه ما اشترى وجعله على يدي رجل كما ذكر، ولو كان لم يقبضه وتركه رهنا بيديه لكان البيع فاسدا، إذ لا يجوز أن يباع شيء من الحيوان أو العروض الذي لا يجوز تأخير قبضها على أن يبقى بيد البائع رهنا إلى أجل، لا يجوز أن يتأخر قبضها منه.
وقد قال ابن القاسم في المجموعة: إن مالكا إنما خاف أن يدخله البيع الفاسد فلا يبر الحالف، كمن باع عبدا إلى أجل على ألا يدفعه إليه إلا إلى الأجل، وليس قوله ببين، إذ قد ذكر أنه يجعله على يدي رجل.
وقوله ولم ير عليه في يمينه شيئا معناه أنه لا يحنث إذا ارتجع الغلام، إذ لم يفته البر بالبيع بعد حين لم يضرب له أجلا إلا على القول بأن اليمين على التعجيل حتى يريد التأخير، وقد مضى القول في ذلك في رسم طلق.
ورأى ابن القاسم أنه يبر بذلك البيع إذا صح أصله وسلم من الدلسة يريد من التواطي على رد العبد إليه، وإنما قال: إن غيره من البيوع أحب إليه للاختلاف
فيه، إذ قد قيل: إنه لا يجوز أن يشتري أحد شيئا بثمن إلى أجل على أن يرهن البائع ما أشتري، كان من الأصول التي يجوز تأخير قبضه أو من العروض والحيوان الذي لا يجوز تأخير قبضه، بشرط أن يجعل بيد عدل، وهو قول أشهب في سماع سحنون من كتاب السلم والآجال، وقد ذكر هناك العلة عنده في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: قال جاريتك طالق إن تزوجتها
مسألة وسئل: عن غلام قد ناهز الحلم تزوج جارية امرأة وكان يخلو بها ويغيب عليها ويغتسل منها، ثم إنه قال لسيدتها: أرسليها إلي، قالت: لا، أنت لعنت عليها وتضربها، فقال لها: أمسكي جاريتك فهي طالق إن تزوجتها.
فقال مالك: ما أرى من أمر بين، وإنه لأمر مشكل، وإن أحب إلي أن يفرق بينهما وتعتد منه، ثم قال: ما الذي أراد؟ فقالوا: قد سألناه: فقال: لا أدري، إنما هو كلام خرج مني لم أرد به شيئا، قال: هو أمر مشكل، أرى أن يفرق بينهما، قيل له: بالبتة أم بواحدة؟ قال: فرق بينهما وَأْمُرْهَا أن تعتد حتى أنظر في ذلك، ولم يفصل فيها شيئا، وكان رأيه فيما أظن أو قاله البتة في أول قوله، ثم وقف.
قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: إذا لم يعرف ما أراد فهي البتة، وهو أحب قوله إلي.
قال محمد بن رشد: إنما تطلق هذه الأمة بقوله أمسكي جاريتك لأنه أراد به وجه ردها على مولاتها، وبين ذلك بقوله هي طالق إن تزوجتها، لا بقوله هي طالق إن تزوجتها لأنها زوجته قبل ذلك فصار ذلك بمنزلة قول
الرجل في ثوب قد باعه: هو صدقة إن بعته، ولذلك ألزمه ابن القاسم البتة إذ لم يعلم ما أراد بقوله أمسكي جاريتك، ولو كان إنما أراد أنها طالق بقوله هي طالق إن تزوجتها على ما في نوازل أصبغ من أن من حلف ألا يشتري شيئا بعد أن اشتراه أنه حانث إلا ألا يلزمه البائع الأخذ، ولا يمكن ألا يلزم النكاح بعد انعقاده لما ألزمه البتة؛ لأن الواحدة في هذا ظاهرة، وقول ابن القاسم إنها البتة إذا لم يعرف ما أراد يدل على أنه لو ادعى نية لقبلت منه، والأظهر أنها ثلاث ولا ينوي بعد الدخول؛ لأن قوله لسيدتها أمسكي جاريتك كقوله لها قد رددتها إليك سواء، ولما قال أيضا هي طالق إن تزوجتها ولم يقل هي طالق إن راجعتها دل على أنه أراد إبانتها بذلك القول، وإلزامه الطلاق وهو قد ناهز الحلم قبل أن يحتلم، معناه إذا كان قد أنبت، قاله ابن أبي زيد، وهو خلاف ما في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة، وهذا الاختلاف جار على اختلاف قول مالك في المدونة في الإنبات، هل يحكم به بحكم الاحتلام فيما يلزمه من الحدود أو لا؟ وبالله التوفيق.
مسألة: ما زاده من الكلام بعد كمال يمينه
مسألة وسئل: عن رجل قالت له امرأته يا ابن الخبيثة، ثم جحدت أن تكون قالت له يا ابن الحبيشة، وقالت: إنما قلت له يا ابن الخبيثة، فقال لها: أنت طالق إن لم تكوني قلت لي يا ابن الخبيثة، ثم سكت قليلا فقال لها: لقد قلتها لي ثلاث مرات، ثم شك أن تكون قالتها له ثلاث مرات، إلا أنه تثبت أنها قالتها له وهو متيقن لذلك.
قال: أرأيت الكلام الأخير الذي كان بينه وبين كلام يمينك
التي حلفت بها أردت به طلاقا أو ذكرته؟ قال: لم أرد ذلك إلا أني حلفت إذ حلفت وأنا مستيقن قد قالته لي ثم سكت وقلت لها بعد ذلك بقليل لقد قلتها لي ثلاث مرات.
قال مالك: ما أرى عليك شيئا إلا أن تكون أردت بذلك طلاقا أو ذكرته.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما زاده من الكلام بعد كمال يمينه لا يقع عليه اليمين إلا أن يتصل باليمين، كما أن الاستثناء فيه لا يعمل بعد انقطاع الكلام، وبالله التوفيق.
حلف بطلاقها البتة أنها ما لها حق
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان وسئل: عن رجل كانت بينه وبين امرأته منازعة في بيت وكانت بنت عمه، فحلف بطلاقها البتة أنها ما لها حق، فجاءت بالبينة أنه لجدها، وجاء الرجل بالبينة - أن أباه كان يحوزه دون إخوته، وجاء بشاهد واحد يشهد أن أباه كان استخلصه من إخوته.
قال مالك: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إن حقه لحق، وما لها فيه من حق، وإن الذي حلف عليه بالطلاق لحق، ويخلى بينه وبين امرأته.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن
قوله لحق وما لها فيه من حق، وإن الذي حلفت عليه بالطلاق حق ويخلى بينه وبين امرأته مع أن له شاهدا يشهد له باستخلاص أبيه البيت ليس بكلام محصل.
والصواب: أن يحلف أن ما يشهد به الشاهد من استخلاص أبيه البيت حق، وأن ما حلف عليه من الطلاق حق، فإذا حلف على ذلك استحق البيت وخلي مع امرأته، ولو لم يكن له شاهد على الاستخلاص لحلف على ما نص ما ذكر وبقي مع امرأته ولم يستحق البيت؛ لأن الحيازة بين الأقارب ليست بعاملة إلا مع الهدم والبنيان، أو مع المدة الطويلة على اختلاف في ذلك، وفي آخر رسم الطلاق الأول من سماع أشهب بيان هذا الذي ذكرناه من أنه إذا لم يكن دليل على صدق دعواه من شاهد يحلف معه حلف وبقي مع امرأته ولم يكن له ما ادعاه، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لزوجته أنت طالق البتة إن رددت الثوبين
مسألة وسئل مالك: عن رجل كسا امرأته ثوبين وكان أحدهما عند الخياط فطرح إليه إزارا وهو أحدهما، فكرهته، فقال لها حين كرهته أنت طالق البتة إن رددتهما إلي إنهما لا يرجعان إليك إلا بعدو من السلطان فردته إليه فرده إليها، ثم إنها ردته إليه.
فقال مالك: ما أرى إلا وقد طلقت عليك، فقال الرجل: إنما نويتهما كليهما، فقال: قد فهمت ما تقول، أرأيت لو كانت عشرة أثواب فردت التسعة ألم تحنث؟ ما أراه إلا وقد حنث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه بحنث برد أحدهما إليه بعد أن ردته إليه على أصولهم فيمن حلف ألا يفعل شيئين ففعل أحدهما، أو لا يفعل شيئا ففعل بعضه؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، ولا ينوي فيما
زعم من أنه أراد كليهما فيما يحكم به عليه من الطلاق، إلا أن يأتي مستفتيا من أجل أنها نية مخالفة لظاهر لفظه؛ لأن من حلف ألا يفعل شيئين فقد حلف ألا يفعل واحدا منهما في ظاهر لفظه، وبالله التوفيق.
حلف بطلاق امرأته ألا يجاور أباه وهو يستطيع
ومن كتاب تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل: عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يجاور أباه وهو يستطيع، قال: هذا عندي أن يستأذي عليه السلطان أو حلف عليه لأنه مستطيع لترك مجاورته أباه، أو يحلف عليه أبوه أن يكون ذلك مخرجا له، وليس للسلطان أن يجبر على مثل هذا أحدا، وقال له: كم لك مذ حلفت؟ قال: منذ عشرة أيام، قال: كأني رأيته يرى إن كان أقام معه أن يكون قد حنث، وكأني رأيته يرى ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال له إنه يحنث بمجاورته وإن استعدى عليه أبوه السلطان مع ذلك كله، إذ لا يجبره السلطان على مجاورته.
ولو أجبره على ذلك وأكرهه بما يصح الإكراه به وإن كان لا يجوز له ذلك لكان له مخرجا من يمينه، ولو ادعى أنه نوى ألا يقدم عليه أبوه أو يحلف عليه، يستعدي عليه السلطان لما صدق في شيء من ذلك مع قيام البينة عليه باليمين، ولم يجعل حرجه في عقوق أبيه بتحنيثه بيمينه عدم استطاعة لأنه لما حلف على ترك مجاورته فقد قصد إلى إسخاطه.
ولو قصد بيمينه البر بأبيه مثل أن يكون له زوجة يخشى أن تضربه لقرب الجوار لكان له مخرج في يمين أبيه عليه في ذلك، والله أعلم، وقوله كأني رأيته يرى إن كان أقام معه أن يكون قد حنث معناه إن كانت
إقامته معه إقامة تمكنه الرحلة عنه فيما دونه، وهو على قوله في أول رسم من هذا السماع، خلاف ما في المدونة من أن من حلف ألا يساكن رجلا ينتقل عنه تلك الساعة وإلا حنث، وقد مضى القول على ذلك هناك، فلا معنى لإعادته.
مسألة: وقعت له خصومة فحلف بالطلاق ألا يتركها حتى يبلغ أقصى ما فيها
مسألة كتب عليه ذكر حق، وسئل: عن رجل وقع بينه وبين رجل خصومة في سلعة اشتراها، فحلف بالطلاق أو بالعتق ألا يتركه حتى يبلغ أقصى ما فيها، فخاصم فيها فأقام شاهدا وكانت الخصومة في بيع، فقضى عليه باليمين مع الشاهد، وأراد أن يرد اليمين عليه، قال مالك: لا أحب أن يرد اليمين عليه؛ لأني أرى أنه إذا ردها عليه لم يبلغ أقصى ما حلف عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا علم أن الشاهد شهد بحق، وأما إن علم أنه شهد بباطل فلا يحل له أن يحلف معه، ولا أن يحلف خصمه وهو حانث أيضا إن لم يحلف معه؛ لأنه لما حلف ألا يتركه حتى يبلغ أقصى ما فيها وهو يعلم أنه لا حق له فإنما قصد ألا يفارقه حتى يأخذ ما يدعيه قبله من الباطل إن حكم له به عليه، إلا أن يكون أراد غيظه وألا يأخذ منه شيئا، تلك نيته فلا يكون عليه شيء إن لم يحلف مع الشاهد حلف خصمه أو لم يحلفه هذا معنى.
قال ابن القاسم في رسم البراءة من سماع عيسى: وأما إن لم يدر أن كان ما ادعاه قبله حقا أو باطلا إلا بشهادة الشاهد، فقال في الرسم المذكور: إنه حانث إن لم يحلف معه، يريد: وإن كان لا يسوغ له أن يحلف معه ولا يدري صدقه من كذبه؛ لأنه لما حلف ألا يفارقه