كتاب الأيمان بالطلاق الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة واضحة لا إشكال فيها ولا احتمال في شيء من معانيها؛ لأن صاحب الجارية إنما حلف ليبيعنها بمائة دينار قائمة، فمعنى يمينه إن شاء الله أن يأخذها، فإذا أمكنه منها بالمائة فقد بر ذ لم يحلف عليه أن يشتريها منه بالمائة، والمشتري حانث لأنه حلف أن يشتريها بالمائة إن أمكنه صاحبها منها بالمائة ثم لم يشترها إذ لم يأخذها بالمائة إلا على شرط أن يقيله منها، وهذا بين وبالله التوفيق.
مسألة: قال لغريمه امرأته طالق إن لم يوفه حقه في شعبان ورمضان
مسألة وسئل عن رجل قال لغريمه امرأته طالق إن لم يوفه حقه في شعبان ورمضان.
قال إن قضاه في شعبان الحق كله أو بعضه وقضاه بقيته في رمضان فلا حنث عليه، وإن لم يقضه في شعبان شيئا وقضاه جميع الحق في رمضان فهو حانث، وكان أحب إلي أن لو قضاه نصف الحق في شعبان ونصفه في رمضان، ولكن لا حنث عليه إذا قضاه ثلثا أو ربعا أو بعضه في شعبان وقضاه بقيته في رمضان، وأما إذا قضاه جميع الحق في شعبان فلا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: لا إشكال في أنه إذا قضاه جميع الحق في شعبان أو قضاه منه في شعبان الثلث فما فوق وقضاه بقيته في رمضان فقد بر ولا حنث عليه؛ لأن الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير، وأما إذا لم يقضه منه في شعبان إلا يسيرا لا قدر له ولا بال فهو حانث وقوله في الرواية ثلثا أو ربعا أو بعضه يدل على أنه يبر إذا قضاه منه في شعبان أقل من الربع وهو الخمس ونحوه.
ومعنى ذلك عندي في المال الكثير الذي يكون الخمس منه ونحوه له قدر وبال استحسانا أيضا على غير قياس، وأما إن
كان المال يسيرا فلا يبر إلا أن يقضيه في شعبان الثلث فأكثر، والقياس أن يكون المال القليل والكثير في ذلك سواء لا يبر إلا أن يقضيه منه في شعبان الثلث فأكثر؛ لأنه إذا ثبت الفرق في ذلك بين القليل والكثير ووجب الفصل بينهما لم يوجد في ذلك حد يصار إليه إلا الثلث الذي قام الدليل من كتاب الله وسنة نبيه على أنه آخر حد اليسير وأول حد الكثير، وقد قالوا في الرجل يحلف ليرضين رجلا من حقه أنه يبر بأن يقضيه ثلث حقه فأكثر حسب ما مضى القول فيه في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النذور، وهذا من معناها؛ لأن الحالف لما علم أن صاحب الحق لا يرضى منه أن يقضيه حقه حلف ليقضينه إياه في شعبان فوجب ألا يبر إلا بأن يقضيه منه في شعبان ثلثه وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق اليوم إن دخل فلان غدا الحمام
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق اليوم إن دخل فلان غدا الحمام.
قال: لا يطلق عليه حتى يدخل، قال ويمسها.
قال محمد بن رشد: هذا كلام فيه تجوز، وقد وقع مثله في كتاب الظهار من المدونة في باب الظهار إلى أجل، فليس على ظاهره؛ لأن فيه تقديما وتأخيرا، ومعناه على الحقيقة دون تقديم وتأخير: وسئل عن رجل قال اليوم لامرأته أنت طالق إن دخل فلان غدا الحمام، فهذا صواب الكلام وعليه أتى الجواب لأنه قال لا يطلق عليه حتى يدخل.
وقوله قال ويمسها يريد فيما بينه وبين غد، وهو صحيح لأنها يمين بالطلاق هو فيها على بر، فلا اختلاف في أن له أن يطأ إلى الأجل وبالله التوفيق.
مسألة: يقول إن أكلت من طعام أخي فامرأته طالق فيصحبه في سفر فيشتريان طعاما
مسألة وسئل عن الرجل يقول إن أكلت من طعام أخي فامرأته
طالق، فيصحبه في سفر فيتمازجان فيشتريان طعاما فيكون طعامهما واحدا.
قال ابن القاسم أحب إلي ألا يفعل، قيل قد فعل، قال فإن كان لم يتفضله في النفقة وكانت النفقة بينهما سواء فلا حنث عليه، وإن تفضله بالنفقة فقد حنث.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم أوله يدير ماله من سماع عيسى من كتاب النذور، فمن أحب الوقوف على ذلك تأمله وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يستخدم عبد فلان وعتق العبد فاستخدمه
مسألة وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يستخدم عبد فلان وعتق العبد فاستخدمه، قال إن كانت له نية ما دام في ملكه فلا حنث عليه وينوى وإن لم تكن له نية فهو حانث.
قال محمد بن رشد: رأيي في هذه الرواية أن العبد يتعين بإضافته إلى سيده إذ قال عبد فلان وإن لم يسم العبد باسمه ولا أشار إليه فقال إنه يحنث إن استخدمه بعد العتق إلا أن ينوي ما دام في ملكه، ومثله يأتي في رسم الرهون من هذا السماع خلاف ما في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى في مسألة الجنان، وخلاف ما في كتاب النذور من المدونة من أن ذلك لا يتعين إلا بالتسمية له أو الإشارة إليه وكذلك إذا قال الرجل للكري أكتري منك دابتك وليس له إلا دابة واحدة فتتعين على هذا القول، ولا تتعين على القول الأول إلا أن يقول دابتك هذه أو دابتك الفلانية.
وأما إذا كانت لرجل دواب كثيرة أو عبيد كثيرة فلا اختلاف في أنه لا يتعين منهم شيء إلا بتسمية أو إشارة إليه، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف أن يطأ امرأته فوطئها وهي حائض
مسألة قال ومن حلف أن يطأ امرأته فوطئها وهي حائض أو في يوم رمضان نهارا فلا يبر، ومن حلف ألا يطأها فوطئها وهي حائض أو نهارا في رمضان فقد حنث.
قال محمد بن رشد: تفرقته في هذه المسألة بين البر والحنث ليس بجيد؛ لأن ذلك إنما يفترق في معنى الخصوص والعموم حسب ما مضى القول فيه في أول هذا الرسم.
وقد ذكر ابن المواز عن ابن القاسم أنه تزول يمينه عنه بذلك الوطء ويأثم ولا حنث عليه، وهذا هو الصواب أن يبر بهذا الوطء كما يحنث به، أو ألا يحنث به كما لا يبر به، فمن حمل يمينه على مقتضى اللفظ رأى أنه يحنث به إذا حلف ألا يفعل ويبر به إذا حلف ليفعلن؛ لأنه وطأ في كلا الحالتين على الحقيقة، وإن كان الشرع قد حظر أحدهما.
ومن حمل يمينه على الوطء الحلال لأنه رأى أن ذلك هو مقصد الحالف بيمينه لم ير الحنث بالوطء في الحيض إذا حلف ألا يطأ، ولا أن يبر به إذا حلف ليطأن وبالله التوفيق.
حلف لرجل فقال امرأته طالق البتة إن لم أقضك حقك غدا يوم الجمعة وهو يظن أنه الجمعة
ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب
وقال في رجل حلف لرجل فقال امرأته طالق البتة إن لم أقضك حقك غدا يوم الجمعة وهو يظن أنه الجمعة فإذا هو الخميس، قال إن لم يقضه ذلك يوم الخميس حنث لأن يمينه كانت على الخميس حين قال غدا، فكانت يمينه على غد، قيل له فإن قال يوم الجمعة غدا فإذا هو الخميس فقال: هذا ضلال أهل العراق يقولون إذا قدم أو أخر؟ ورأى ابن القاسم ذلك كله واحدا؛ لأن يمينه على غد حين سمى غدا.
وقاله أصبغ وقال هو أحب ما سمعت إلي، وهو رأيي إلا أن يستثني إن كان غدا الجمعة استثنى تحرك به لسانه ويسمع نفسه فأراه ينفعه.
قال محمد بن رشد: قوله ورأى ابن القاسم ذلك كله واحدا يدل على أن الجواب المتقدم لمالك، يدل على ذلك أيضا قوله: هذا ضلال أهل العراق، ولأنه يعرف من مذهبه الطعن عليهم، وأما ابن القاسم فكثير ما يميل إلى مذاهبهم في مسائله ويراعي أقوالهم فيها، وقوله في هذه المسألة صحيح على أصل مذهبه في ترك الاعتبار بمجرد الألفاظ في الأيمان إذا ثبتت المعاني المقصودة بها وعدمت من النيات؛ لأن المعلوم من قصد الحالف ليقضين أو ألا يقضي تعجيل القضاء أو تأخيره لا تسمية اليوم، فإذا قال الرجل امرأتي طالق إن لم أقضك حقك غدا أو بعد غد يوم كذا أو يوم كذا غدا أو بعد غد فإنما تحمل يمينه على غد إن كان ذكر غدا أو على بعد غد إن كان ذكر بعد غد، ولا يلتفت لتسمية إياه بيوم كذا أصاب في ذلك أو أخطأ فيه، إلا أن يريد اليوم الذي يسمى بذلك الاسم ويأتي مستفتيا فينوى في ذلك، وأما مع قيام البينة عليه فلا تقبل منه النية ولا يصدق فيها، وهو قول أصبغ ألا أن يستثني إن كان غدا الجمعة استثناء يحرك به لسانه ويسمع نفسه فأراه ينفعه، يريد فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فلا إلا أن يشهد على ذلك من استثنائه، وقول أهل العراق في تفرقتهم بين أن تقول غدا يوم الجمعة ويوم الجمعة غدا هو صحيح على أصولهم في الاعتبار بما يقتضيه مجرد الألفاظ دون مراعاة المعاني والمقاصد؛ لأنه إذا حلف ليقضينه حقه غدا يوم الجمعة فاليمين إنما وقعت في مقتضى اللسان على القضاء غدا، ووصفه لغو في يمينه بأنه يوم الجمعة غلط منه فلا يلتفت إليه، وإذا حلف ليقضينه حقه يوم الجمعة غدا فاليمين إنما وقعت في مقتضى اللسان على القضاء يوم الجمعة، ووصفة ليوم الجمعة في يمينه بأنه غذ غلط، فلا يلتفت إليه، فهذا وجه القول في هذه المسألة والله أعلم.
مسألة: حلف على قريب له ألا يعيره ثوبا أبدا فوهبه له
مسألة وسئل عن رجل حلف على قريب له ألا يعيره ثوبا أبدا فوهبه له.
قال إن كان رأى ألا ينفعه هو حانث، وإن لم يكن أراد المنفعة فالهبة غير العارية فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تكررت في رسم يدير ماله من هذا السماع من كتاب النذور، ومضى القول عليها هناك مستوفى فليتأهله من أحب الوقوف عليه وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق إن قبلتني فتستغفله وتقبله
مسألة وقال: من قال لامرأته أنت طالق إن قبلتني فتستغفله وتقبله أنه حانث إلا أن يكون قال إن قبلتك فتستغفله فتقبله فلا حنث عليه، وكذلك إن قال إن فارقتني أو فارقتك أو تركتني أو تركتك فتنتزع منه بشدة أو بسرعة أو بفك يده فتهرب منه، المسألة الأولى سواء، وكذلك ضاجعتني وكذلك إن قال إن دخلت عنده الدار فيوثق حتى يدخلها فلا شيء عليه، كأنه يقول يحنث في أحدهما ولا يحنث في الأخرى، والحنث في الذي يقول إن فعلت، والبر في الذي يقول إن فعلت فتستغفله حتى تفعل ذلك أو يكره عليه.
قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية بين أن يقول إن قبلتني أو قبلتك أو تركتني أو تركتك أو فارقتني أو فارقتك أو ضاجعتني أو ضاجعتك وقال إنه إذا قال إن قبلتك أو تركتك أو فارقتك أو ضاجعتك فقبلته هي أو تركته أو فارقته أو ضاجعته ولم يفعل هو بها شيئا من ذاك بل غلبته عليه بقبلة أو قهرة أو ما أشبه ذلك أنه لا حنث عليه، وهو صحيح وان كانت المفارقة والمضاجعة مفاعلة من الحالف والمحلوف عليه، والتقبيل والترك فعل من الحالف وحده لأن المفاعلة من غير المفاعلة إنما تفترق فيما يقتضيه اللفظ في حكم اللسان، لا فيما يقع به الحنث مما لا
يقع في حكم الشرع، وذلك أن الذي يحلف ألا يضاجع امرأته لا يحنث على ما يقتضيه اللسان إلا بتضاجعهما معا، ولا يحنث إن ضاجع أحدهما صاحبه الآخر ولم يضاجعه الآخر وفي حكم الشرع يحنث إذا ضاجع امرأته ولم تضاجعه كما يحنث إذا ضاجعها وضاجعته؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، ولا يحنث إذا ضاجعته ولم يضاجعها إذ لم يكن منه شيء يحنث به، فلما كان يحنث بمضاجعته إياها ضاجعته هي أو لم تضاجعه ولا يحنث بمضاجعتها إياه إذا لم يضاجعها هو صار حلفه ألا يضاجع امرأته بمنزلة حلفه ألا يضطجع إلى جنبها وألا يقبلها وألا يتركها، وكذلك القول في المفارقة كالقول في المضاجعة وفرق في المدونة بين الذي يحلف ألا يضاجع امرأته وألا يفارق غريمه من جهة المعنى لا من جهة افتراق اللفظ؛ لأن المضاجعة مفاعلة كالمفارقة فقال في الذي يحلف ألا يضاجع امرأته إنه لا يحنث إن ضاجعته ولم يضاجعها مثل قوله هاهنا، وقال في الذي يحلف ألا يفارق غريمه فهرب وفر منه إنه حانث إلا أن ينوي غلبته إياه؛ لأنه إذا فر عنه وهو قادر على منعه فقد فارقه، وكذلك أيضا لو ضاجعته امرأته وهو قادر على منعها لكان قد ضاجعها ولزمه الحنث، فتفرقته في المدونة بين المفارقة والمضاجعة إنما هو لافتراق المعنى عنده في قصد الحالف فحمله في المفارقة على أنه إنما أراد أن يمنعه من مفارقته إياه فرآه حانثا إذا فارقه إلا أن ينوي أنه إنما فارقه بغلبته إياه على ذلك، وحمله في المضاجعة على ما يقتضيه اللفظ فلم يره حانثا إذا ضاجعته إلا أن يكون تراخى لها في مضاجعتها إياه حتى أمكنها من ذلك والله أعلم.
مسألة: حلف بالله أو بالطلاق أو غيره أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل شيئا
مسألة وقال في الرجل يحلف بالله أو بالطلاق أو غيره أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل شيئا: إنه لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنه إنما قال إنه لا شيء عليه لأن الأكل ناسيا لا يخرجه عن أن يكون صائما، بخلاف ما لو أصبح مفطرا ناسيا، وقد قال ابن دحون: إنها مسألة حائلة، والحنث يلزمه على أصولهم فيمن حلف ألا يفعل شيئا ففعله ناسيا، وليس ذلك بصحيح؛ لأن أكثر أهل العلم لا يوجبون القضاء على من أفطر في رمضان ناسيا للحديث الوارد في ذلك، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في سماع عيسى من كتاب الصيام ومن كتاب النذور وتأتي في سماع أبي زيد من هذا الكتاب.
مسألة: حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها إلا كفؤا
مسألة وقال في رجل حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها إلا كفؤا، فاشترى جارية فاعتقها ثم تزوجها وهو ناس ليمينه وهو في نيته من الموالي: إنه إن كان أراد الكفؤ في الحسب ولم يرد الكفؤ في الدين فهو حانث لأن مولى الرجل الذي يعتق ليس كفؤا.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه إن أراد الكفؤ في الحسب، ولم يرد الكفؤ في الدين أنه حانث وإن أراد الكفؤ في الدين فلا حنث عليه إن كانت كفؤا له في الدين، وإن لم تكن له نية ولا كان ليمينه بساط تحمل عليه لوجب أن تحمل يمينه على الكفاءة في الدين لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] ، وهو قول عمر بن الخطاب: كرم المؤمن تقواه ودينه حسبه، وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الإنسان مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب» ، وقال: «ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو عمل صالح» . وروي «أن أبا الدرداء توفي له أخ من أبيه وترك أخا له من أمه.
. فنكح امرأته فغضب حين سمع ذلك، وأقبل إليها فوقف عليها وقال: أنكحت ابن الأمة؟ فردد ذلك عليها، فقالت: أصلحك الله إنه كان أخ زوجي، وكان أحق بي وبمصابي وولده، فسمع بذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأقبل إليه حتى وقف عليه، ثم ضرب على منكبيه فقال: يا أبا الدرداء يا ابن ماء السماء، طف الصاع، طف الصاع، طف الصاع» ، وطفاف الصاع هو نقصانه على أن يمتلئ، فأعلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتساويه معه ومع الناس في النقصان بقوله طف الصاع طف الصاع وأن يتباينوا بالنقصان بقدر أعمالهم المحمودة إذ لا يدرك أحد بنفسه درجة الكمال.
مسألة: يقول لامرأته إذا قدم أبي فأنت طالق
مسألة قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال للذي يقول لامرأته: إذا قدم أبي فأنت طالق إنه لا شيء عليه حتى يقدم أبوه.
قال القاضي: هو صحيح.
ومثله في المدونة وغيرها لا اختلاف في ذلك لأنه مطلق إلى أجل قد يكون وقد لا يكون وليس الأغلب منه أن يكون ومثله في إلا أن يكون، ولو كان الأغلب منه أن يكون لعجل عليه الطلاق عند ابن القاسم خلافا لأشهب، ولو كان لا بد أن يكون قبل انقضاء ما يعمران إليه لعجل عليه الطلاق بإجماع في المذهب، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إذا قدمت بلد كذا فأنت طالق
مسألة قال ابن القاسم ولو أن رجلا قال لامرأته إذا قدمت بلد كذا
فأنت طالق كانت بمنزلته لأنه ضرب أجلا لا يدري أيبلغه أم لا، وليس هو بمنزلة من يقول أنت طالق يوم يموت أبي.
قال محمد بن رشد: في أول سماع زونان عن ابن القاسم في رجل قال لامرأته إذا بلغت معي موضع كذا فأنت طالق.
فال: هي طالق تلك الساعة، كالرجل يقول لامرأته وهي حامل إذا وضعت فأنت طالق، فذهب ابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من قوله، وأن معنى رواية عيسى إذا لم يخرج ولا عزم على المسير.
ومعنى رواية زونان إذا كان قدا خرج وعزم على المسير.
والصواب أن ذلك اختلاف من قوله؛ لأن في المدونة عنه من رواية عيسى أنه لا يقع عليه الطلاق وإن خرج متوجها حتى يقدم الموضع، وله في رسم يدير ما له من سماع عيسى من كتاب العتق في الذي يقول لعبده: إذا بلغت الإسكندرية فأنت حر ثم بدا له في الخروج، أنه حر إلى ذلك القدر الذي يبلغ خرج أم لم يخرج، فعلى هذا يعجل عليه الطلاق وإن لم يخرج.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يعجل عليه الطلاق وإن لم يخرج، وهو ظاهر ابن القاسم في سماع زونان، والذي يأتي على ما في سماع عيسى من كتاب العتق، والثاني أنه لا شيء عليه حتى يقدم البلد وإن خرج، وهو قول ابن القاسم في المدونة وظاهر قوله في هذه الرواية، والثالث الفرق بين أن يكون قال ذلك قبل أن يخرج أو بعد أن خرج وروى ذلك زياد بن جعفر عن مالك في المدنية وهو الذي ذهب إليه ابن لبابه وبالله التوفيق.
مسألة: طلق إلى أجل يعلم أنه لا يبلغه عمر أحد
مسألة قال ابن القاسم: ومن طلق إلى أجل يعلم أنه لا يبلغه عمر أحد مثل أن يقول مائة سنة أو مائتي سنة فهذا لا شيء فيه ولا طلاق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك، والحد في ذلك بلوغ أجل التعمير على الاختلاف فيه من السبعين إلى مائة وعشرين وبالله التوفيق.
مسألة: يقول كل امرأة أتزوجها بالمدينة طالق
مسألة وقال في الذي يقول كل امرأة أتزوجها بالمدينة طالق قال لا بأس أن يواعدها إذا تزوجها بغير المدينة وعقد نكاحها بغيرها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن المواعدة ليست بعقد فإذا واعدها بالمدينة وعقد نكاحها بغيرها لم يلزمه شيء، ولا يدخل في هذا الاختلاف فيمن واعد في العدة وتزوج بعد العدة إذ لا يقوى قوته؛ لأن النكاح في العدة محرم بالقرآن والإجماع، والمواعدة فيها مكروهة لنهي الله تعالى، وحلف الرجل بطلاق ما يتزوج وإن خص مختلف في لزومه بين أهل العلم، وقد مضى في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب الاختلاف في حد ما يلزمه، أن يتباعد من المدينة إذا أراد عقد نكاحها فلا معنى لإعادة ذكره، وبالله التوفيق.
مسألة: قال كل امرأة أتزوجها اثني عشر شهرا فهي طالق
مسألة وقال في رجل قال كل امرأة أتزوجها اثني عشر شهرا فهي طالق فتزوج امرأة ثم قال لها إن طلقتك إلى كذا وكذا فكل مملوك لي حر، فشهد شاهدان على أصل يمينه، قال: لا عتق عليه في رقيقه لأنها طالق من أول ما تزوجها ولم [يبتدئ] لها طلاقا.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه أنه لا يلزمه في عبيده
شيء؛ لأنه إنما حلف بطلاقها فيما يستقبل، وهي مطلقة من أول ما تزوجها بائنة منه؛ لأن الطلاق يقع عليها بالعقد، فهي مطلقة قبل الدخول، ولو تزوجها ثانية للزمه فيها طلقة بائنة، وعتق عليه بذلك عبيده وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته أنت طالق بعد أن أموت أو تموت
مسألة وقال ابن القاسم في الذي يقول لامرأته أنت طالق بعد أن أموت أو تموت: فليس ذلك بشيء؛ لأن مالكا قال: لا حنث عليه بعد الموت، ولو كان قال لها أنت طالق يوم أموت أو يوم تموتين فيه، فهي طالق الساعة وهي بمنزلة من طلق امرأته إلى أجل.
قال محمد بن رشد: لأشهب في المجموعة أنه لا شيء عليه، وكذلك لو قال قبل موتي بشهر، وهو على أصله في العتق إلى مثل هذا أنه من الثلث؛ لأنه لا يكشفه إلا الموت، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته علي نذر أن أطلقك
مسألة قال ابن القاسم في الرجل يقول لامرأته علي نذر أن أطلقك: ليس عليه كفارة يمينه ولا غيره لأن إنما كان في الطلاق، والطلاق ليس هو مما يوفى لله به، وهو بمنزلة من قال لامرأته لله علي أن أطلقك ولم يؤمر بالوفاء به، وهو بمنزلة الذي يقول لله علي نذر ألا أكلمك فكلمه فلا شيء عليه؛ لأن نذره إنما كان في ترك كلامه.
قال محمد بن رشد: هذا كله كما قال وهو مما لا اختلاف فيه والأصل في ذلك قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» .
فالنذور تنقسم على أربعة أقسام، نذر في طاعة يلزم الوفاء به، ونذر في معصية يحرم الوفاء به، ونذر في مباح يباح الوفاء به وترك الوفاء به ونذر في مكروه يكره الوفاء به.
وإذا لم يسم للنذر مخرجا فكفارته كفارة يمينه، وإذا سمى له مخرجا فلا كفارة له إلا الوفاء به إن كان مما يجب الوفاء به على ما ذكرناه وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن من نذر معصية فكفارته كفارة يمين» وذهب إلى هذا جماعة من العلماء، وليس عليه في ذلك عند مالك إلا الاستغفار، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن تغيبت عنك فأنت طالق
مسألة وقال في رجل قال لامرأته: إن تغيبت عنك فأنت طالق، فعرضت له حاجة فخرج ولم يكن وجه لغيبته عنها، فلاشيء عليه ولا حنث إلا أن يكون أراد بذلك إن غبت عنك.
قال محمد بن رشد: هذا بين عله ما قال لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: قال إذا وطئتك أو قال إن وطئتك كذا وكذا وطئة فأنت طالق البتة
مسألة وقال ابن القاسم: وإذا قال إذا وطئتك أو قال إن وطئتك كذا وكذا وطئة فأنت طالق البتة، فذلك كله سواء، هو قول يطلق عليه إذا مضى أربعة أشهر من يوم قال ذلك، قال: وأرى فيه إيلاء.
قال محمد بن رشد: أما إذا قال إذا وطئتك فأنت طالق البتة فهو
مول من يوم حلف، كالحالف على ترك الوطء بغير الطلاق تطلق عليه إذا أبى الفيء بالوطء، عند انقضاء أربعة أشهر على ما في أصل الأسدية، وظاهر قول ابن القاسم في المدونة وفي هذه الرواية، وقد مضى الاختلاف في ذلك وتحصيل القول فيه في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب الإيلاء.
وأما إذا قال إن وطئتك كذا وكذا وطئة فلا يكون موليا من يوم حلف إلا على القول بأن من قال إن وطئت امرأتي كل عبد يشتريه من الفسطاط فهو حر إنه مول، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة؛ لأنه يمتنع من الوطء وإن كان لا يلزمه به شيء مخافة أن يلزمه به عتق ما يشتري من الفسطاط.
وكذلك هذا إذا قال إن وطئت امرأتي وطئتين يمنع من الوطأة الأولى وإن كان لا يلزمه بها شيء مخافة أن يلزمه الطلاق إن وطئ ثانية، وكذلك لو قال إن وطئت امرأتي ثلاث مرات يمنع من الوطأة الأولى مخافة إن وطئ ثانية أن يلزمه الطلاق إن وطئ ثالثة، فكذلك ما زاد، على هذا القياس، إلا أنه كلما زاد ضعف لزوم الإيلاء ابتداء حتى إذا لم تبق له إلا وطئة واحدة فحينئذ يكون بمنزلة من قال امرأتي طالق ثلاثا إن وطأتها، فمساواته بين المسألتين إنما يأتي على قياس هذا القول، وعليه يأتي قول أصبغ أن من حلف ألا يطأ امرأته في هذه السنة إلا مرتين أنه مولي؛ لأن من حلف ألا يطأ امرأته كذا وكذا وطئة لا يحنث إلا بالوطئة الأخيرة ويدخل عليه الإيلاء ابتداء على أحد القولين المذكورين، ويحتمل أن يريد بقوله: فذلك كله سواء، أنه سواء في أنه مولي إذا قال إذا وطأتك فأنت طالق البتة، ومولي إذا قال إن وطأتك كذا وكذا وطئة فأنت طالق البتة إذا وطئ حتى إذا لم يبق له من عدد الوطئات إلا وطئة واحدة، وهذا أصح في المعنى، والأول أظهر من اللفظ والله أعلم.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق البتة إن خرجت إلى دار فلان إلا بإذني
مسألة وقال: إذا قال لامرأته أنت طالق البتة إن خرجت إلى دار
فلان إلا بإذني ثم قال لها اخرجي إلى حيث شئت أو اخرجي إلى دار فلان تلك متى شئت أو كلما شئت: أنه لا شيء عليه، وإنما تفسير مسألة مالك إلى موضع إنما ذلك إلى موضع من المواضع فإن ذلك لا ينفعه وإن أذن لها؛ لأنه إنما أراد إلى موضع من المواضع يعلمه إلا أن يأذن لها عند كل ما ينوبها الخروج إلى موضع وتخبره بالمكان وإلا حنث، وقال في سماع يحيى بن يحيى من كتاب الصلاة: وتخبره بالموضع التي تستأذن إليه وإلا حنث.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا حلف على امرأته ألا تخرج فليس لها أن تخرج إلى موضع من المواضع وإن أذن لها، وإذا حلف ألا يأذن لامرأته أن تخرج فلها أن تخرج حيث ما شاءت إذا لم يأذن لها، وإذا حلف ألا تخرج إلا بإذنه ولم يقل إلى موضع ولا إلى موضع من المواضع فيجزيه أن يقول لها اخرجي حيث شئت أو كلما شئت، فيكون لها أن تخرج حيث شاءت وكلما شاءت ولا يحنث، فإن أذن لها إلى موضع بعينه فذهبت إلى غيره حنث، فإن ذهبت إليه ثم ذهبت منه إلى غيره فقيل لا يحنث وهو قول ابن القاسم في الواضحة وقيل يحنث وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد وقول أصبغ في نوازله، وقال في الواضحة فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وان رجعت من الطريق لشيء نسيته وما أشبه ذلك من شيء تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول فقيل يحنث وقيل لا يحنث، اختلف في ذلك قول ابن القاسم، فله في سماع أبي زيد أنه لا يحنث وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن نافع، وله في الواضحة أنه يحنث وهو قول أصبغ وأما إذا حلف ألا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه أو قال إلى موضع ولم يقل من المواضع فأذن لها إلى موضع بعينه فخرجت إلى غيره أو إليه وإلى غيره حنث، وإن رجعت من الطريق لحاجة غير تاركة الإذن ثم خرجت عليه ثانية فعلى ما تقدم من الاختلاف، وإن قال لها
اخرجي حيث شئت فقيل لا يجزيها [عن] الإذن وليس لها أن تخرج حتى تستأذنه في كل مرة وتعلمه بالموضع الذي تخرج إليه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا وهو قول مطرف وأصبغ، وقيل يجزيها عن الإذن لها أن تخرج بغير إذنه إلى حيث شاءت؛ لأنه قد عم في الإذن لها وهو قول ابن الماجشون وأشهب فإن رجع عن الإذن بعد أن أذن لها فقال لها لا تخرجي فخرجت على الإذن الأول حنث، وقد قيل إنه لا يحنث، وقد مضى ذكر الاختلاف في هذا المعنى في رسم يوصي فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: قال يميني في يمينك ولم يبين شيئا حين قال ذلك له فحلف فأنكر ذلك
مسألة قال عيسى قال ابن القاسم: في رجل قال يميني في يمينك ولم يبين شيئا حين قال ذلك له، فحلف بطلاق امرأته أو عتاق فأنكر ذلك وقال: لم أرد أن أحلف بهذه الأيمان.
قال: إذا كان حين أنكر إنما كان يظن أنه يحلف بالله ولم يكن إرادته طلاقا ولا عتقا فأنكر لم يلزمه، ولو أنه حين قال يميني في يمينك رضي بما حلف مسلما ذلك له ولم يحول شيئا من شيء ولم يرعه لزمه اليمين ولم أر إنكاره ينفعه شيئا إذا كان حين قال له يميني في يمينك لم ينو شيئا ولم تحضره النية في اليمين.
قال محمد بن رشد: قد مضى بيان القول في هذه المسألة وما يجب أن تحمل عليه الروايات فيها فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن ولدت غلاما فلك مائة دينار وإن ولدت جارية فأنت طالق
مسألة وقال في رجل قال لامرأته إن ولدت غلاما فلك مائة دينار، وإن ولدت جارية فأنت طالق، إن الطلاق قد وقع عليه وأما المائة فلست أرى أن يقضى بها لأنها هنا ليست بصدقة ولا هبة ولا على وجه ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إن الطلاق قد وقع عليه، يريد أن الحكم يوجب أن يعجل عليه لأنه قد وقع عليه بنفس اللفظ حتى لو مات أحدهما بعد ذلك لم يتوارثا وهذا قول مالك في المدونة في نحو هذا أنه يعجل عليه بالطلاق ولا يستأنى به حتى ينظر ما تلد وقال ابن الماجشون وسحنون إنه يستأنى به، وقد مضى القول في ذلك في رسم يوصى وأما قوله في المائة إنه لا يقضى بها فحمله محمل العدة لما لم يقل في مالي ولا ذكر أنها هبة ولا صدقة ولا عطية فلذلك قال إنه لا يقضى بها إذ ليست على سبب هو من فعل الموعود، والأظهر من هذا اللفظ التبتيل وأن يحمل على أنه أراد ذلك في مالي مائة دينار عطية، فيحكم لها عليه بها ما لم يذهب أو يمت أو يفلس، كما قال غير ابن القاسم في كتاب الشركة في الذي يقول: لك ما أربح في هذه السلعة وإنما العدة أن يقول الرجل أنا أفعل، وأما إذا قال قد فعلت فهي عطية، وقوله لك كذا وكذا أشبه بقد فعلت منه بأنا أفعل وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يكلم رجلا فمر به وهو نائم فقال أيها النائم الصلاة فإذا هو المحلوف عليه
مسألة وقال في الرجل يحلف ألا يكلم رجلا فمر به وهو نائم فقال: أيها النائم الصلاة، فرفع رأسه فإذا هو المحلوف عليه.
قال أراه حانثا قال وإن كان نائما مستثقلا لا يسمع كلامه فأراه أيضا حانثا، وهو بمنزلة الأصم يكلمه ولا يسمع فهو حانث إذا كلمه وإن لم يسمع الأصم كلامه، أرأيت لو أن رجلا حلف
ألا يكلم رجلا فكلمه وهو مشغول يكلم إنسانا آخر أما كان حانثا؟ . قال: هو حانث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن تكليم الرجل الرجل هو أن يعبر له عما في نفسه بلسانه عبارة يفهمها السامع، فإذا فعل ذلك فقد حصل مكلما له، فوجب أن يحنث عرفه أو لم يعرفه، ناسيا كان ليمينه أو ذاكرا لها، سمعه أو لم يسمعه إذا كان منه بحيث يمكن أن يسمعه؛ لأن يمينه تحمل على عمومها في جميع ذلك إلا أن يخص شيئا منه بنية أو استثناء فيكون ذلك له ويصدق فيه فيما يحكم عليه به إن جاء مستفتيا وأما إن كان بموضع لا يمكن أن يسمع كلامه فلا يحنث لأنه ناعق وحده غير مكلم له، وهذا ما لا خلاف فيه أحفظه من المذهب، وقد مضى في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب القول إذا كلم غيره وهو يريد أن يسمعه وما يتعلق بذلك من الكتاب والرسالة وفي ذلك بيان لهذه المسألة وتتميم لها، فليقف عليها من شاء في موضعها.
مسألة: يقول لامرأته أنت طالق البتة أنت طالق البتة أنت طالق البتة إن أذنت لك إلى موضع كذا
مسألة وقال في الرجل يقول لامرأته أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، أنت طالق البتة إن أذنت لك إلى موضع كذا وكذا.
قال مالك: هو حانث أذن لها أو لم يأذن لها، قال ابن القاسم: كنت أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد إلا أن يسمعها اليمين يرددها عليها، فإن حلف دينته وإلا رأيته حانثا، وقد سمعت مالكا يراه حانثا ولا يدينه ويقول: وما هو عندي بالبين، قال ابن القاسم: وإنما عنى مالك خوفا أن يكون نادما أن يكون طلقها أولا البتة ثم ندم فأردف شيئا في كلامه يريد أن يتدارك ما ندم عليه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم
كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم فيكتفى بذكره هناك عن إعادته هنا مرة أخرى وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن ولدت غلاما إن لم أحج بك فأنت طالق فولدت غلاما فأبت الحج
مسألة وقال في رجل قال لامرأته إن ولدت غلاما إن لم أحج بك فأنت طالق فولدت غلاما فأبت الحج.
قال إن كان ذلك منه على وجه أن يوفي لها به، مثل أن تسأله إن ولدت غلاما أن يفعل كذا وكذا فحلف ليفعلن فإذا عرض ذلك فأبته فلا شيء عليه، وأما أن يكون أعلن يمينه لمن ولدت لأفعلن كذا وكذا وليس ذلك منه على وجه العطية لها رأيت ذلك يلزمه وإن أبت أجبرها على الحج.
قال محمد بن رشد: زاد في كتاب ابن المواز وإن كان ذلك منه على وجه العطية لله لا على وجه العطية لها لزمه أن يخرج بها ويكرهها ولم يتكلم إذا لم تكن له نية ولا كان ليمينه بساط يحمل عليه، والذي يأتي على أصولهم أنه إن لم تكن له نية فهو حانث إن لم يخرج بها وإن ادعى أنه أراد بذلك العطية لها صدق في ذلك وإن كانت على يمينه بينة إذ لا يتهم في ذلك لإرادته الخروج بها وإبايتها هي وستأتي المسألة متكررة في أول سماع أبي زيد وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته البتة إن كلم فلانا إلا ألا يعرفه، فكلمه وهو يعرفه ناسيا ليمينه
مسألة قال: وسئل مالك عمن حلف بطلاق امرأته البتة إن كلم فلانا إلا ألا يعرفه، فكلمه وهو يعرفه ناسيا ليمينه، قال: قد حنث، ومن حلف ألا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فقد حنث.
قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذا كما قال لأن يمينه تحمل على
عمومها في المعرفة والجهل والنسيان والعهد والإسماع وغير الإسماع إلا أن يخص من ذلك شيئا بنية أو استثناء فيكون ذلك له، وقد مضى هذا فوق هذا وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول لدار يسكنها فأنت طالق
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار
وسئل ابن القاسم عن الذي يقول لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول، لدار يسكنها فأنت طالق فينقضي كراؤه فيريد أهل الدار أن يخرجوه قبل السنة ويعزموا على ذلك.
قال: كل من حلف بمثل هذه اليمين فأخرجه أمر لم يكن له بد منه مثل سيل أو خوف عليه أو هدم أو إخراج من صاحب الدار له، فلا حنث عليه واليمين يلزمه حيث ما تحول، ليس لها أن تخرج من المسكن الذي يتحول إليه إلى رأس السنة، فإن خرجت قبل ذلك فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يحنث بإخراج أهل الدار له ولا بكل ما كان في معناه مما يغلب عليه صحيح لا اختلاف فيه، وقد مضى ذلك والقول فيه في رسم أوصى وفي المواضع المذكورة فيه، وقد قال ابن دحون: إنه لو أخرجها هو نفسه لم يحنث لأنه إنما أراد صيانتها فإذا أخرجها هو لم يحنث إلا أن تكون له نية في إكراهه هو إياها على الخروج؛ لأن من قولهم أن من حلف إلا تخرج امرأته ولم يقل إلا بإذني فهو حانث وإن خرجت بإذنه، وقد مضى ذلك في الرسم الذي قبل هذا وسيأتي في رسم أسلم لفظ محتمل للتأويل سنبينه عليه إذا مررنا به إن شاء الله.
وقوله أيضا: إن اليمين تلزمه حيث ما تحول إليه صحيح ولا يراعى
في ذلك تعيينه الدار بقوله هذا إن خرجت من هذه الدار؛ لأن المعلوم أنه إنما أراد صيانتها عن الخروج من دار سكناها إلا أن يكون إنما كره خروجها من تلك الدار بعينها لشيء يختص بها ويعلم ذلك ويدعي أنه نواه ويأتي مستفتيا فيصدق فيه وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن دفعت إليكم منهما إلا حقكم
مسألة وسئل عن رجل هلك وترك إخوة مفترقين فقسموا ميراثهم ورجل منهم غائب، فلما قدم دفعوا إليه حقه وبقي له ديناران، فقال: هما لكم خذوهما، فقال الذي يقسم بينهما: امرأته طالق إن دفعت إليكم منهما إلا حقكم، قال ابن القاسم: أرى أن يقسم للذكور والإناث سواء، وكذلك سمعت.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال لأن الواهب قد شرك بينهم فيها على السواء بظاهر قوله: هما لكم، إلا أن يقول إنما أردت أنهما لهم على قدر مواريثهم فيصدق في ذلك، فإن كان لم يفت سؤاله كشف عن إرادته في ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: كان مع ختنته في سفر فشجر بينهما شيء فحلف بطلاق امرأته ثلاثا ألا يصحبها
مسألة وسئل عن رجل كان مع ختنته في سفر، فشجر بينهما شيء فحلف بطلاق امرأته ثلاثا ألا يصحبها بعد سفرهما ذلك.
قال: إن كان نوى أن يردها إلى منزلها ولا يصحبها بعد ذلك فله ما نوى، وإن كان لم ينو شيئا فلا يرجع معها ولا يرجع يصحبها في سفر.
قيل له: فإن عرض لها سفر بعد زمان إلى أرض لهما جميعا فيها حاجة واحدة فركب البحر الختن وسارت الختنة في
البر وتواعدا أن يجتمعا حيث حاجتهما.
قال: إن كان نوى ألا يخرج معها في سفر يقوم لها فيه بحاجة أو ينفعها بنافعة، وعلى ذلك وقعت يمينه فإني أخاف أن يحنث، وإن كانت يمينه إنما وقعت على ألا يكون معها على طعام أو راحلة أو صحبة أو نحو هذا مما يحلف عليه فلا أرى عليه شيئا إذا لم يصحبها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إذا حلف ألا يصحبها بعد سفرها ذلك لشيء شجر بينهما فيه فلا يصحبها من حين حلف إلا أن يكون نوى أن يردها إلى منزلها ولا يصحبها في سفر آخر؛ لأن قوله بعد سفرها ذلك إلى انقضائه برجوعه إلى منزله فإذا لم تكن له نية حمل على أنه إنما أراد بعد سفرها إلى حيث بلغا منه لأن ما شجر بينهما فيما مضى من سفرهما غير مأمون عليهما فيما بقي منه، وهو الذي من أجله كانت يمينه، وأما تواعدهما في سفرة أخرى على الاجتماع حيث حاجتهما فذلك على ما نواه أو خرجت يمينه عليه على ما قال، فإن لم يعلم ليمينه سبب ولا كانت نية فهو حانث وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا إلا أن يقدر فأنت طالق
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا إلا أن يقدر فأنت طالق.
قال: إن فعله فهي طالق.
قال محمد بن رشد: لأشهب في المجموعة أنه لا شيء عليه وهو الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأن قضاء الله ومشيئته هي إرادته فلا فرق بين الاستثناء بقدر الله وقضائه وبين الاستثناء بمشيئته، وابن القاسم يفرق بين ذلك فلا يرى استثناء في اليمين بالله عاملا بقضاء الله ولا بإرادته، قال ذلك في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور، وقد ذكرنا هنالك وجه
ذلك، فعلى ذلك يأتي قوله في هذه المسألة إن امرأته طالق إن فعل ولا ينتفع بقوله: إلا أن يقدر، ولو قال: إن فعلت كذا وكذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق لنفعه استثناؤه عند الجمع، إذ قد نص على رد الاستثناء إلى الفعل بذكره عقيبه قبل الطلاق، وما روي عن ابن القاسم من أن الاستثناء بمشيئة الله في اليمين بالطلاق، غير عامل، وإن رده إلى الفعل، معناه إذا ادعى ذلك مع قيام البينة عليه فلا يصدق في ذلك خلافا لابن الماجشون، وقد قال ابن دحون: إنه لو قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق ففعلته لكان حانثا على قياس هذه الرواية لأنه معلوم ألا يفعل فعلا إلا بقدر من الله ومشيئته فذكره لذلك لا ينفعه وكأنه لغو، ووجه ما ذهب إليه أن هذا هو الأصل، فخصت السنة من ذلك الاستثناء بمشيئة الله في اليمين بالله وبقي ما عداه على الأصل لا ينفع فيه الاستثناء، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يسأل رجلا حاجة
مسألة وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يسأل رجلا حاجة، فأتاه رجل فسأله أن يطلب إلى ذلك الرجل حاجة له قبله، فقال له: إن علي يمينا ألا أسأله حاجة، ولكن كلم ابني فإنه يقوم مقامي لك في ذلك، قال: ليس عليه في ذلك حنث إلا أن يكون يأمر هو ابنه أن يقوم للرجل في ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه إذا لم يأمر هو ابنه أن يطلب الحاجة من ذلك الرجل لذلك الرجل فلا حنث عليه، وقوله: إلا أن يكون يأمر هو ابنه أن يقوم للرجل في ذلك معناه فيحنث، وهذا على القول بأن من حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا فهو حانث إلا أن يكون نوى مشافهته، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب.
مسألة: قال امرأته طالق إن لم أهدم هذا البيت أو أكل هذا الطعام أو نحو هذا
مسألة وسئل عن رجل باع سلعة من رجل فقال له: أبعت السلعة التي بعت منك؟ قال له: لم أبع، قال: إن كنت لم تبعها فامرأته طالق البتة، فبحث عن ذلك فإذا السلعة قد بيع منها أكثرها وبقي منها شيء لم يبع.
قال: إن كان بقي منها شيء ولو جزء من مائة جزء فامرأته طالق البتة وكذلك لو أن رجلا قال امرأته طالق إن لم أهدم هذا البيت أو أكل هذا الطعام أو نحو هذا فلم يستوعب ما حلف عليه طلقت عليه امرأته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها مثل ما في، المدونة وغيرها على أصولهم في البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه بخلاف الحنث، وقد مضى القول في الفرق بين الوجهين في رسم العرية وآخر رسم لم يدرك فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
مسألة: قال لامرأته إن تزوجت عليك فالتي أتزوج عليك طالق البتة
مسألة سئل عن رجل قال لامرأته إن تزوجت عليك فالتي أتزوج عليك طالق البتة، ثم قال لها بعد ذلك: إن وطئت حراما فأنت طالق فتزوج عليها امرأة فوطئها هل تراه حانثا فيهما جميعا؟ قال: ما أرى أن تطلق عليه إلا التي تزوج، وأما التي كانت عنده فلا أرى الطلاق يقع عليه فيها؛ لأنه لم يحلف على مثل هذا الحرام، وإنما أراد الزنا وهذه المرأة التي يقع عليه فيها الطلاق قد اختلف في أمرها، قد قال ناس لا يمين لرجل فيما لم يتزوج فلا أراه حانثا في امرأته الأولى وولدها يلحقه والصداق يلزمه فيها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم في مراعاة الخلاف
لأن الخلاف فيه قوي مشهور، والقائل به تعلق بما يروى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قوله: «لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك» وقد قال ابن القاسم في سماع أبي زيد عنه مراعاة لهذا الخلاف: إنه لا يفرق بينهما إذا دخلا، والمشهور أنه يفرق بينهما وأنهما لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر على ذلك هو اختيار ابن القاسم في آخر رسم الرهون بعد هذا ودليل ما في المدونة، وذهب ابن حبيب إلى أنه لا ميراث بينهما وإلى أنه يحد ولا يلحقه الولد إن كان هذا بالشرط، فعلى قياس قوله يحنث الحالف في هذه المسألة وهو بعيد وبالله التوفيق.
مسألة: سأل امرأته سلفا فأبت فقال امرأته طالق البتة إن أخذت منها درهما
مسألة وسئل عن رجل سأل امرأته سلفا فأبت عليه وعندها مال ناض فقال: امرأته طالق البتة إن أخذت منها درهما، ثم مكث زمانا ثم اشترت بالمال عروضا وبيعت تلك العروض وصارت في عروض غيرها ثم أخذ من ثمن تلك العروض قدر نصف درهم أو نحوه فقضى به دينه وانتفع به ولم يكن له حين حلف نية.
قال ابن القاسم: فلا أرى عليه حنثا إلا أن تكون كانت نيته ألا يقرب من مالها شيئا.
قال محمد بن رشد: قال ابن دحون في هذه المسألة: معناها أنه
إذا أراد أن لا يأخذ من تلك الدراهم بعينها شيئا فلذلك لم يحنثه إذ زالت عينها وتبدلت بسواها فلو أخذ أكثر من درهم لم يحنث أيضا، ولو لم يرد الدراهم بعينها لحنث بأقل من نصف درهم، ولو كانت نيته ألا يأخذ منها درهما فما فوقه لم يحنث إذا أخذ أقل من درهم، وقوله صحيح في المعنى، إلا أنه ليس في المسألة ما يدل على أنه أراد أعيان الدراهم فإنما معناها أنه راعى اللفظ ولم ينظر إلى البساط والمعنى، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك وأصحابه إلا أن المشهور من مذهبه ومذاهبهم مراعاة البساط والمعنى في اليمين، وقد ذكرنا هذا في غير ما موضع، وإلى هذا التأويل ذهب ابن لبابة فقال: إنما لم يحنثه من أجل أنه لم يأخذ إلا أقل من درهم وبالله التوفيق.
مسألة: شجر بين الرجل وبين بائع الخادم أمر فحلف بطلاق امرأته أن يخرجها من بيته
مسألة وسئل عن رجل دعته ختنته أن يشتري هو وهي خادما لابنتها يخرجان الثمن جميعا فاشترياها، فشجر بين الرجل وبين بائع الخادم أمر فحلف بطلاق امرأته أن يخرجها من بيته ففعل، وإن الختنة استتمت الثمن فأرادت أن تردها إلى بيته حين كملت الختنة الثمن كله.
فقال: لا يدخلها في بيته فإن فعل حنث.
قال محمد بن رشد: لم يحمل يمينه في هذه المسألة على ما يقتضيه اللفظ من مجرد الإخراج فيبرئه ولا يحنث في ردها إلى بيته، كالحالف على غيره لينتقلن عن داره، وحملها على أنه إنما أراد ألا تكون في بيته ولا يستخدم بها لأنها تشبه مسألة الشاة في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب النذور، وقد مضى القول هناك على الفرق بين المسألتين، فهو بعينه فرق أيضا بين هذه ومسألة الانتقال ولو كان إنما كره أن يخرج فيها من عنده شيئا من ثمنها لشيء شجر بينه وبين ختنته فخرجت
يمينه على ذلك لم يحنث إذا اشترتها الختنة من مالها وردتها إلى بيته والله أعلم.
مسألة: يبيع العبد من الرجل إلى أجل ويتخذ عليه يمينا أن يوفيه الثمن إلى أجل فيوجد بالعبد عيب
مسألة وسئل عن الرجل يبيع العبد من الرجل إلى أجل ويتخذ عليه يمينا أن يوفيه الثمن إلى أجل فيوجد بالعبد عيب قبل الأجل يرد من مثله فيرده.
قال: لا يخرجه من يمينه إلا أن يقضي الثمن ثم يخاصمه، وكذلك في جميع السلع.
قال محمد بن رشد: حنثه في هذه المسألة بما يقتضيه اللفظ، ولم يلتفت إلى المعنى، ومثله في رسم إن أمكنني بعد هذا وقد قيل إنه لا يحنث لأنه إنما حلف ليوفينه الثمن، وهو المشهور في المذهب، وبالله التوفيق.
مسألة: سلف مائة دينار في قمح إلى أجل واتخذ عليه بالطلاق أن يوفيه إلى أجل فاستقاله
مسألة وسألته عن رجل سلف مائة دينار في قمح أو سلعة من السلع إلى أجل واتخذ عليه بالطلاق أن يوفيه إلى أجل فاستقاله صاحب الدنانير مما اشترى منه قبل الأجل فأقاله.
فقال: لا أحب أن يصنع هذا فإن وقع وكان في الدنانير يوم ردها وفاء لثمن السلعة التي كانت عليه عند الناس فأرجو ألا يكون حانثا، وإن كانت السلعة أكثر ثمنا من الدنانير فإنه حانث، قلت له: فإن رد عليه الدنانير وأقر البيع على حاله؟ قال: لا ينفعه ذلك وهو حانث لأنه بيع مبتدأ لأنه لو أبى ذلك أحدهما لم يجبر على ذلك، وإنما هو بيع مبتدأ، قال: ولو كان أعطاه تلك السلعة بعد
الأجل بعد هذا الذي وصفت لك عطية أو صدقة لم يخرجه ذلك من يمينه، وكان حانثا لأنه خرج من الوجه الذي حلف فيه، قال: وكذلك يبلغني من قول مالك.
قال محمد بن رشد: هذا بين صحيح على معنى ما في المدونة في الذي يحلف ليقضين رجلا حقه أو ليقضينه دنانيره فقضاه عرضا أنه لا حنث عليه إن كان فيه وفاء لحقه إلا أن مالكا استثقله وخشي عليه الحنث وقال: إن كان فيه وفاء فلم لا يعطيه دنانيره؟ فكذلك هي المسألة سواء لا حنث عليه إن كان رأس المال الذي أخذه منه في الإقالة فيه وفاء بما كان له عليه من القمح أو السلعة فلا حنث عليه، وسواء حلف ليقضينه حقه أو ليقضينه ما سلف فيه إلا أن ينوي أن يقضيه الطعام والسلعة بعينها فيحنث إن أقاله وإذا لزمه الحنث فلا يسقط عنه رد الدنانير إليه فيما كان له عليه ولا عطية ذلك له هبة أو صدقة كما قال؛ لأنه أمر قد فات يلزم الطلاق منه وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يتزوج عليها فيتزوج امرأة ثم يطلقها
مسألة وسألته عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ألا يتزوج عليها فيتزوج امرأة ثم يطلقها أو تموت قبل أن يمسها هل تراه حانثا؟ .
قال: نعم هو حانث ساعة يملك عقدتها مس أو لم يمس، قال: ولو كان حلف بالطلاق أن يتزوج عليها فتزوج امرأة فماتت أو طلقها قبل أن يمسها فإنه لا يخرج من يمينه حتى يتزوج امرأة يمسها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم في أن الحنث يقع بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد مضى القول على هذا في رسم لم يدرك وغيره فلا معنى لإعادته، ولا يبر بالدخول أيضا إلا أن تكون المرأة التي تزوجها تشبه مناكحه، وأما إن كانت المرأة التي تزوج لا
تشبه مناكحه مثل الأمة والمرأة الدنية فلا يبر بنكاحها والدخول بها كذلك، رواه محمد بن يحيى الشيباني عن مال.
وعيسى عن ابن القاسم في المدنية وقاله ابن كنانة أيضا، واختلفوا هل يحلها هذا النكاح لزوج كان طلقها أيضا ثلاثا؟ فقال ابن كنانة: لا يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا تشبه، وقال ابن القاسم: يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا تشبه، وقيل: إن ذلك على قياس البر والحنث أنها إن كانت تشبه مناكحه أحلها وإن كانت لا تشبه مناكحه لا يحلها، وقد قيل: إنه لا يبر إذا تزوجها ليبر يمينه ولا يمسكها وإنما يبر إذا تزوجها نكاح رغبة ثم طلقها بعد الدخول لأمر لم تنعقد نيته عليه حين العقد وبالله التوفيق.
مسألة: يتخذ على غريمه يمينا بطلاق امرأته البتة ليقضينه حقه رأس الهلال أو يرهنه داره
مسألة وسئل عن الرجل يتخذ على غريمه يمينا بطلاق امرأته البتة ليقضينه حقه رأس الهلال أو يرهنه داره، فلما حل الأجل أراد أن يقضيه نصف الحق ويرهنه نصف الدار ثم أرهنه الدار كلها، قال: يقضيه حقه كله وإلا حنث، قال: ولو قال امرأته طالق إن لم أوفك إلى الهلال حقك أو رهنا بحقك، فأعطاه بعض الحق وأعطاه ببقيته رهنا يكون في الرهن وفاء لما بقي لم يلحقه من يمينه شيء.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة والقول فيها في سماع أبي زيد من كتاب النذور والمعنى فيها بين وبالله التوفيق.