كتاب الصرف الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: كان له على رجل دينار فأعطاه قراضة فيها دينار إلا قيراط
مسألة قيل له: فكان له على رجل دينار فأعطاه قراضة فيها دينار إلا قيراط، قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز هذا؛ لأنه قضاه مجموعا عن قائم أقل وزنا، فاغتفر له زيادة الوزن وفضل العين لفضل العدد، وهذا على ما في المدونة وغيرها لا اختلاف فيه.
مسألة: رجل كان لي عليه دينار فجئت لأقتضيه فدفع إلي عشرة دراهم
مسألة وقال في رجل كان لي عليه دينار فجئت لأقتضيه، فدفع إلي عشرة دراهم، ثم جئت من الغد فقلت له: انظر كيف الصرف فقاضني بعشرة وادفع إلي ما بقي.
قال: لا بأس به إذا كان أنفق العشرة وصارت دينا عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا أنفق العشرة وصارت دينا عليه، جاز أن يقاضه بالعشرة ويأخذ منه تمام صرف الدينار؛ لأن ما في الذمة كالعين الحاضرة، فقد أخذ منه في الدينار الذي كان له عليه عشرين درهما عشرة يقبضها من نفسه لنفسه، وعشرة يأخذها منه؛ وكذلك كان يجوز له إذا أنفق العشرة وصارت دينا عليه أن يقاضه بها من نصف دينار ويتبعه بالنصف الآخر؛ لأنه كان يجوز له أن يأخذ منه صرف نصفه ويبقى له عليه باقي ديناره، إلا أنه فعل ذلك فلا يجوز له أن يأخذ باقيه ذهبا.
ولا يجوز له أن يحاسبه بالعشرة قبل أن ينفقها وتصير دينا عليه وهي في بيته حتى يحضرها؛ وقد أدخل ابن أبي زيد هذه المسألة في النوادر ووصل بقوله وصارت دينا عليه - المسألة التي تأتي بعد هذا، فقال: ولو كان قبضها على وجه القضاء من غير صرف ثم علم مكروه ذلك فأراد أن يأخذ ما بقي ويحاسبه،
فلا خير فيه وليرد الدراهم.
قال: ولو فسخ الأمر بينهما حتى تصير الدراهم دينا عليه، جاز أن يصارفه مكانه ويحاسبه بها، وإن لم يردها وزاد فقال وهذا إذا كان الفسخ قد ثبت بقضاء فجعلهما مسألتين، ورأى أنه لا يصدق في أنه قد أنفقها إذا كان قبضها على وجه القضاء من غير صرف، بخلاف إذا قبضها على غير وجه القضاء، وليس بين الموضعين فرق بين، بل كان أحرى أن يصدق أنه قد أنفقها إذا قبضها على وجه الاقتضاء، ولم يقبضها على وجه الأمانة، وفي تراضيهما بالفسخ دون حكم حاكم اختلاف، وقد مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم.
مسألة: اشترى حليا كثيرا ذهبا وأسورة وخلاخل وغير ذلك في صفقة واحدة بدراهم
مسألة وقال فيمن اشترى حليا كثيرا ذهبا وأسورة وخلاخل وغير ذلك في صفقة واحدة بدراهم، فوجد فيها درهما زائفا، قال: يفسخ البيع كله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه إذا اشترى أصنافا من الحلي في صفقة واحدة، فوجد في الدراهم درهما زائفا، أن البيع يفسخ كله؛ لأن ما ينوب الدرهم الزائف شائع في جميع الحلي، ولا يصح أن ينصرف إلى شيء بعينه منه فينتقض دون غيره إلا مع تراضيهما على ذلك، لاختلاف الأغراض في ذلك، فيئول الأمر إلى التأخير في الصرف، ولو كان الحلي المشترى بالدراهم أعدادا من صنف واحد، فوجد في الدراهم درهم زائف لانتقض الجميع أيضا، إلا أن تستوي كاستواء الدنانير حتى لا تختلف الأغراض فيه فيفسخ منه شيء
واحد على معنى ما قد ذكرناه في رسم استأذن من سماع عيسى، وما يأتي في هذا السماع أيضا في الذي يشتري خلاخل وأسورة فيجد في خلخال منها مسمار رصاص.
مسألة: قال لرجل كيف تبيع الصرف قال أربعة وعشرون رطلا بدينار قائم
مسألة وسئل: عن رجل قال لرجل كيف تبيع الصرف؟ قال: أربعة وعشرون رطلا بدينار قائم، قال: زن لي بدينار فوزن ما عنده فلم يجد عنده إلا اثنين وعشرين رطلا أو عشرين رطلا، فأعطاه دينارا ينقص قيراطين بحقه.
قال: ما يعجبني ولو وجد فيه ثلاثة عشر رطلا أو عشرين رطلا، فأعطاه بها دينارا، ينقص سدسا أو دينارا فيه ثلثان لم يكن به بأس.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن المواز مسألة الصرف في كتابه وقال في قوله لا يعجبني: هو عندي خفيف؛ لأنه من اشترى وزنا من شيء بعينه فلم يجد ذلك فيه، لم يجب على البائع أن يأتي بتمامه، ووجبت فيه المحاسبة؛ وكذلك قال فضل ليس لكراهيتها معنى، ومعنى الكراهية في ذلك عندي- هو أنه يأتي على مراعاة ما ثبت في الذمة من الذهب اقتضاء مجموع بالميزان من قائم لا ميزان فيه، وأما على مراعاة ما يوجبه الحكم من الواجب له صرف ما يجب لما وجد من الصرف من الذهب، فذلك جائز لا مغمز فيه لأنه وجبت له عليه دراهم حالة فأخذ بها ذهبا.
وأما تفرقته بين أن يجد في الصرف اثنين وعشرين رطلا، وبين أن يجد فيه ستة عشر رطلا أو عشرين، فلا وجه له بوجه، وإنما هو اختلاف من القول على ما ذكرناه من مراعاة ما ثبت في الذمة من الذهب أو ما يوجبه الحكم من صرفه من الدراهم، قال ذلك مالك والله أعلم- في موطنين، فوجد
المؤلف القولين فظنهما قولا واحدا بافتراق الوجهين يجمع بينهما على هذا، والله أعلم.
مسألة: يكون له عليه نصف دينار إلى أجل فيدفع دينارا قبل الأجل
مسألة وسئل: عن الرجل يكون له عليه نصف دينار إلى أجل فيدفع دينارا قبل الأجل إلى صاحبه ويأخذ بالنصف الباقي منه ثوبه، قال: لا بأس به، وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم خلاف قوله في أول السماع، وقد مضى هناك القول على المسألة فلا معنى لإعادته.
مسألة: قال لرجل أسلفني نصف دينار قال له خذ هذا الدينار فاصرفه
مسألة وقال في رجل قال لرجل أسلفني نصف دينار، قال له خذ هذا الدينار فاصرفه فخذ نصفه وائتني بنصفه، قال: أخشى أن لا يكون عليه إلا مثل تلك الدراهم التي أخذ، وإن كان قال خذ هذا الدينار فخذ نصفه وائتني بالنصف فله عليه نصف عين.
قار! محمد بن رشد: ذكر ابن المواز أن أبا زيد قال: لا يعجبني قوله: أخشى، ولا يكون له عليه إلا مثل تلك الدراهم التي أخذ؛ لأنه لو تلف الدينار لم يلزمه فيه شيء لقوله صرفه، وليس اعتراض أبي زيد على ابن القاسم -عندي- بصحيح، والمعنى الذي قال ابن القاسم من أجله أخشى ذلك ولم يحققه، لم يهتد إليه أبو زيد، وذلك أن قوله صرفه يحتمل أن يكون أراد صرفه لي فخذ نصفه وائتني بنصفه، فيكون الضمان في الدينار إن تلف من الدافع، ويكون على المستسلف الدراهم التي قبض في نصف الدينار.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله صرفه أي صرفه بيننا إذ قد
أسلفتك نصفه على ما سألتني فخذ نصفه وجئني بنصفه، فيكون الضمان منهما جميعا في الدينار إن تلف قبل التصريف، ويكون على الذي سأل السلف نصف الدينار الذي قبض سلفا لا الدراهم؛ فلما لم يكن أحد الاحتمالين أظهر من صاحبه عند ابن القاسم، قال: أخشى ولم يحقق الجواب فيما يجب على المستسلف؛ وكذلك لو سئل عن الضمان لتوقف فيه أيضا للاحتمال، كما توقف فيما يجب على المستسلف، والحكم في ذلك إذا لم يغلب أحد الاحتمالين على الآخر أن يسأل المسلف عما أراد من الوجهين، فيصدق في ذلك، قيل: مع يمينه، وقيل: بدون يمين، على اختلافهم في لحوق يمين التهمة، إذ لا يمكن المستسلف أن يدعى على ما نواه، فيجري الحكم على ذلك في الضمان وفيما يجب له في السلف، وإن قال: لم تكن لي نية لم يحكم له بالضمان، وحكمنا له في السلف بالأقل من الدراهم التي قبض في صرف نصف الدينار، أو الأقل من صرفه يوم القضاء، ولو بين في حين الدفع أنه إنما أسلفه نصف الدينار بأن يقول خذ هذا الدينار قد أسلفتك نصفه فصرفه واقبض نصفه وجئني بنصفه، أو بأن يقول: خذ هذا الدينار، فخذ نصفه وجئني بنصفه، لجرى الحكم على ما بين في الضمان وفيما يرد من السلف ولم يكن فيه اختلاف؛ وكذلك لو بين في حين الدفع أنه إنما أسلفه نصف الدراهم بأن يقول: خذ هذا الدينار فصرفه لي وخذ النصف وجئني بالنصف، لجرى الحكم على ما بين أيضا في الضمان وما يرد في السلف، ولم يكن فيه اختلاف أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: كان له علي نصف دينار بحبتين فدفع إليه دينارا بحبة
مسألة وسئل: عن رجل كان له علي نصف دينار بحبتين، فدفعت
إليه دينارا بحبة، فقلت: له في دينار فضل فانظرْ كَمْ هو وصرفه فخذ نصف دينار ورد إلي ما بقي، قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم سلف في المتاع والحيوان من سماع ابن القاسم القول مستوفى في الرجل إذا كان له على الرجل نصف دينار فأعطاه دينارا ليصرفه ويأخذ نصفه، فأغنى ذلك عن التكلم في هذه، إذ لا فرق بينها وبينها في المعنى، والله الموفق.
مسألة: اشترى سلعة بنصف درهم فدفع درهما فيه ثلثان وأخذ دانق فلوس
مسألة وسئل: عن رجل اشترى سلعة بنصف درهم فدفع درهما فيه ثلثان وأخذ دانق فلوس، قال: ما أحب أن أتكلم في هذا، وأبى أن يرخصه، ورأيته في معنى قوله كأنه لا يجيزه، وقال: ما أحب أن أتكلم في مثل هذا فأضيق على الناس.
قلت له: أرأيت إن كان لرجل علي درهم كيل من سلعة اشتريتها منه فدفعت إليه درهما فيه درهم كيل ودانق فأخذت بالدانق منه فلوسا، قال: هذا بين أخبث عندي من الأول، وقال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: أما المسألة الأولى فالمكروه فيها خفيف والإجازة فيها أظهر؛ لأنه قضاه نصف الدرهم للذي كان عليه، وأخذ منه بالزائد فلوسا، فوجب أن يكون ذلك جائزا؛ ووجه المكروه في ذلك أن الأمر آل بينهما إلى بيع سلعة وفلوس بثلثي درهم السلعة معجلة، والفلوس والدراهم مؤخرة، وذلك خفيف في الفلوس، إذ قد أجيز بيعها بالدنانير والدراهم نظرة.
وأما المسألة الثانية فالمكروه فيها بين ظاهر؛ لأنه فضة بفضة وفلوس إن كان الدرهم الكيل الذي له عليه درهما قائما، وإن لم يكن قائما وكان مجموعا فالإجازة فيها أظهر؛ لأنه قضاه ما كان له عليه وأخذ منه في الزائد فلوسا.
مسألة: يتكارى بدينارين إلا ثلثا دابة بعينها يركبها إلى مكان
مسألة وعن الرجل يتكارى بدينارين إلا ثلثا دابة بعينها يركبها إلى مكان، فأعطاه صاحب الدابة ثلث دينار دراهم، وأخذ الدينارين ساعتئذ، قال: لا بأس به ولا يؤخر الدينارين إذا صارفه.
قلت: أرأيت إن ركب الدابة فماتت في بعض الطريق، كيف يرجع وقد صارفه الدينارين؟ قال: أرأيت لو بعتك عبدا بعشرين دينارا إلا ثلثا، فأعطيتك ثلثا دراهم وأخذت منك عشرين دينارا، ثم وجدت بالعبد عيبا، كيف ترجع؟ قال: أعطيه العبد والدراهم وآخذ الدنانير.
قال: فهكذا يرجع المتكاري.
قال ابن القاسم: يرد الكري الدينارين ويأخذ الدراهم ثم يرجع عليه بكراء ما ركب بحساب ما تكارى.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم القول في إجازة هذا الكراء على القول بإجازته، والاختلاف في ذلك، فلا معنى لإعادته.
وقوله هاهنا: إن الدابة إذا ماتت ببعض الطريق يرد الكري الدينارين ويأخذ الدراهم، ثم يرجع عليه بكراء ما ركبه بحساب ما تكارى؛ كلام ملتبس يفتقر إلى البيان والتفسير، ووجه العمل في ذلك إذا ماتت الدابة ببعض الطريق، أن يقوم الركوب فيضاف إليه الدراهم، ثم ينظر ما يقع قيمة ما بقي من الركوب من جميع ذلك، فيرجع بقدره من الدينارين على المكري صاحب الدابة؛ وتفسير ذلك: أن يقوم الركوب ويعرف كم قيمته، فإن كان في التمثيل خمسة عشر
درهما والدراهم التي أخذ المكتري في الثلث ثلاثة دراهم، فالجميع ثمانية عشر درهما، ثم ينظر إلى قيمة ما بقي من الركوب فيسمى من الثمانية عشر درهما، فما كان من الأجزاء ثلثا أو ربعا أو أقل من ذلك أو أكثر، رجع به في المثقالين على الكري.
مسألة: يشتري الدراهم ألفا بكذا وكذا فيوزن له الألف ثم يريد أن يوزن ألف أخرى
مسألة وقال في الرجل يشتري الدراهم ألفا بكذا وكذا، فيوزن له الألف ثم يريد أن يوزن ألف أخرى بعد ذلك، أو ألفان، ثم يرجع إليه جميع دنانيره والدنانير معه وهو جالس يزن له.
فكره ذلك إلا أن يقضيه كلما وزن له ألفا صرفها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه يكره إذا صرف منه ألفا فوزنها أن يقول له زن لي ألفا أخرى قبل أن يزن له صرف الأولى وإن كان ذلك كله بالحضرة لما فيه من التراخي، ولو صرف منه ألفين فوزن له ألفا ثم وزن له الألف الأخرى قبل أن يزن صرف الألف الأولى لم يكره ذلك، والله أعلم.
مسألة: النقري تكون من الفضة فيشتريها وزنا على أن فيها مائة درهم بعشرة دنانير
مسألة وسئل: عن النقرى تكون من الفضة فيشتريها وزنا على أن فيها مائة درهم بعشرة دنانير، ولا يسمى لكل دينار شيئا، أو يسمى لكل دينار عشرة دراهم أو أحب أن يشتريها جزافا ولا
يعرف لها وزنا ثم يجد في النقرة مسمار نحاس.
قال: ينتقض في ذلك صرف دينار ذلك كله سواء..
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه إن اشتراها على أنها مائة درهم بعشرة دنانير، فقد علم أن لكل دينار عشرة دراهم، فسواء ذكر ذلك أو سكت عنه في حكم ما يوجد فيها من النحاس؛ وأما إن اشتراها كلها جزافا بكذا وكذا، أو ما بلغت إن كانت سواء كل كذا وكذا درهم بدينار، فذلك جائز وهو سواء أيضا في حكم ما يوجد فيها من النحاس؛ لأن الفض يكون فيها إذا اشتراها كلها بكذا وكذا على الوزن لا على القيمة.
وأما إن لم تكن متساوية فلا يجوز أن يشتريها ما بلغت كل كذا وكذا درهم بدينار، فإن اشتراها كلها بكذا وكذا وهي مختلفة، ثم وجد في بعضها نحاسا انتقض الكل، ولو وجد من الدراهم درهمين أيضا، انتقض من كل نقرة بحسابه بخلاف الحلي المختلف حسبما ذكرناه في رسم نقدها نقدها من سماع عيسى.
مسألة: النقرة تشترى جزافا ثم يوجد فيها مسمار نحاس
مسألة وسئل: عن النقرة تشترى جزافا ثم يوجد فيها مسمار نحاس، قال: إن كان الذي وجد أقل من دينار، انتقض صرف دينار وليس ينتقض أقل من دينار، كيف يكون ذلك؟ أيكون شريكا بعشرة دنانير؟ قال: لا، ولكن ينتقض صرف دينار، وإذا كان
اشترى جزافا فهو صرف، سمى الصرف أو لم يسمه.
قال محمد بن رشد: وهذا أيضا بين على ما تقدم، لا وجه للقول فيه ولا كلام.
مسألة: الخلاخيل والأسورة الكثيرة يشترين جزافا
مسألة قلت له: فالحلي الكثير الخلاخيل والأسورة الكثيرة يشترين جزافا، ثم يوجد في خلخال منها مسمار نحاس، قال: ليس هو بمنزلة النقرة، ينتقض منه أكثر مما ينتقض من النقرة.
قلت: وما تفسير ينتقض منه أكثر مما ينتقض من النقرة؟ قال: ينتقض ما في الخلخالين بما فيهما.
قال محمد بن رشد: قوله الخلاخيل والأسورة يريد الخلاخيل أو الأسورة؛ لأنه إن اشترى الخلاخيل والأسورة معا، ثم وجد في شيء منها نحاسا، فلا بد من انتقاض الجميع، وإنما ينتقض ما في الخلخالين بما فيهما، ولا ينتقض الكل إن كانت الخلاخيل كلها متساوية كالدنانير لا تختلف الأغراض فيها.
وأما إن كانت مختلفة فينتقض الجميع على ما مضى في رسم استأذن من سماع عيسى.
مسألة: يكون له على الرجل دينار فيتقاضاه
مسألة وقال في رجل يكون له على الرجل دينار فيتقاضاه فيعطيه عشرة دراهم على وجه القضاء على غير صرف، ثم يعلم بمكروه ذلك، فيريد أن يحاسبه ويأخذ منه بقية ديناره، قال: لا خير فيه
ولكن يرد الدراهم؛ قيل: لا يجد دراهم يردها، قال: إذا فسخ الأمر بينهم الذي صنعاه حتى تكون له العشرة قبله دينا، فلا بأس أن يصارفه ساعتئذ ويحاسبه بها وإن لم يقبضها.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة قبل هذا في هذا السماع والقول فيها، فلا معنى لإعادة ذلك.
مسألة: يشتري نصف النقرة ويقبضها كلها أيكون قد قبض صرفه
مسألة وسئل: عن الرجل يشتري نصف النقرة ويقبضها كلها، أيكون قد قبض صرفه؟ قال: لا خير فيه.
وكذلك الذي يشتري نصف الدينار بدراهم ويقبض الدينار كله، قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا جائز عند أشهب في النقرة والدينار، قاله في المدونة وغيرها أنه يتناجز مع مصارفه، وتبقى الشركة بينه وبين من لم يصارفه؛ وأما إذا كانت النقرة أو الدينار لرجل، فلا يجوز أن يبيع بعضها من غير شريكه وإن قبضها كلها عندهما جميعا، لبقاء الشركة بينه وبين مصارفه فيما وقعت فيه المصارفة بينهما.
مسألة: اشترى تبرا أو قراضة أو سبيكة بدراهم
مسألة ومن اشترى تبرا أو قراضة أو سبيكة بدراهم، فوجد في الدراهم درهما زائفا رد من ذلك بقدر ما يصيب الدرهم، ينظر إلى الذهب فيقسم على عدة الدراهم ثم يرد بقدر ما أصاب الدرهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، لا خلاف فيه ولا موضع للقول، وبالله التوفيق.
مسألة: اشترى ذهبا يعني التبر والقراضة والذهب وزنا بدراهم
مسألة ومن اشترى ذهبا يعني التبر والقراضة والذهب وزنا بدراهم إذا كانت الدراهم تعدو- الذهب، توزن مجموعة كانت أو غير مجموعة ثم وجد في الدراهم درهما زائفا انتقض منها وزن دينار.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، إذ لا يجوز أن يشترى التبر والقراضة والذهب المسكوك في صفقة واحدة وَزْنًا بدراهم دون أن يعلم وزن كل صنف من ذلك على حدته، فالمعنى في المسألة أنه أراد فيها بقوله يعني التبر والقراضة والذهب، أي يعني التبر أو القراضة أو الذهب.
وقوله إنه إذا وجد فيها درهما زائفا انتقض منها وزن دينار، إنما يعود على شراء الذهب المسكوك وحده بالدراهم.
وأما إذا اشترى تبرا أو قراضة بدراهم فوجد فيها درهما زائفا فإنما ينتقض من التبر أو القراضة ما يجب للدرهم لا أكثر، وهذا ما لا إشكال فيه.
مسألة: اشترى خلخالين أو سوارين يعني المصوغ من ذلك وما أشبهه بدراهم
مسألة ومن اشترى خلخالين أو سوارين يعني المصوغ من ذلك وما أشبهه بدراهم، فوجد في الدراهم درهما زائفا، انتقض ذلك كله أوله وآخره.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن ما ينوب الدرهم شائع في الجميع، فلا بد بمن انتقاضه كله، وقد مضى ذلك في غير ما موضع.
مسألة: دفع إلى صائغ عشرين درهما يعمل له بها سوارين فمطله فاسترد دراهمه
مسألة وسئل: عمن دفع إلى صائغ عشرين درهما يعمل له بها سوارين، فمطله فاسترد دراهمه، فقال: ما عندي ولكن خذ عشرة وَأَنْظِرْنِي بالعشرة الأخرى شهرا ففعل، فلم يجد عنده إلا ثمانية دراهم، فأعطاه بالدرهمين الباقيين تبرا قليلا.
قال: إن كان بعد الإيجاب وكان ذلك صلحا، وجب ومضى حتى لو أراد أن يرجع فيه لم يكن له، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة والقول فيها في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
مسألة: يشتري من الرجل دنانير بدنانير مراطلة فنقصت إحدى الذهبين
مسألة وعن الرجل يشتري من الرجل دنانير بدنانير مراطلة، فنقصت إحدى الذهبين، قال ابن القاسم: إنما كره مالك من ذلك أن يجعل قراضة أو ذهبا هي أدنى من النقص مع التبر الجيد ليتخير بها ما زاد الجياد في وجوهها؛ فأما لو أن رجلا أتى بمائة دينار عين سليمانية، وأتى الآخر بخمسين أو ستين كوفية مقطعة ليست في عيون العتق، فجعلت معها ذهب قراضة أو ذهبا ليس بجيد، وراطل بها العتق الجياد لم يكن بذلك بأس.
وأما الذي لا يجيزه مالك، أن يأتي رجل بمائة دينار عتق سليمانية، يجعل معها قراضة أو ذهبا ليس بجيد، ويأتي آخر بعشرين ومائة دينار كوفية مقطعة وتجعل مع العتق الجياد عشرين قراضة أو تبرا
من تبر العمل، ليس ذلك عند الناس في نفاقه وجودته كالذهب النقص الكوفية، وإنما أدخلها معها الفضل عيون العتق فلا خير فيه، وهذا تفسير قول مالك.
وسئل: عن الرجل يراطل التبر بالتبر مع أحد التبرين دنانير؟ قال ابن القاسم: إن كان التبران سواء فلا بأس به، وإن كانت الدنانير مع أوضعهما تبرا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، ومضى تحصيل القول فيها في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ، وفي أول هذا السماع أيضا وفي غيره من المواضع.
مسألة: يشتري الرجل بدرهم كيل فتجمع له قطع
مسألة وقال: لا بأس أن يشتري الرجل بدرهم كيل فتجمع له قطع، ولقد كنت أكرهه؛ لأنه لا يكون درهما مجموعا، فأجزته لما رأيت من حاجة الناس إليه.
قال محمد بن رشد: كره لمن اشترى بدرهم كيل ولم يشترط قائما أن يقضي مقطعا بالميزان وخشي أن يكون البائع قد اقتضى مجموعا من قائم فترك فضل العين لزيادة العدد، ثم خففه إذ لم يشترط قائما ولا كان العرف أن من باع بدرهم إنما يبيع بقائم، ولو
اشترط قائما لم يجز أن يأخذ مقطعا مجموعا باتفاق، ولو اشترط مقطوعا أو كان العرف بذلك صحيحا لجاز باتفاق، والله أعلم.
مسألة: يشتري دراهم وثوبا بدينار ثم يجد درهما زائفا
مسألة وسئل: عن الذي يشتري دراهم وثوبا بدينار، ثم يجد درهما زائفا؟ قال: ينتقض البيع والصرف.
قال محمد بن رشد: قوله دراهم وثوبا، ظاهره ثلاثة دراهم فأكثر، فليس ذلك بخلاف لما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من إجازته البدل لمن اشترى ثوبا بدينار إلا درهمين، فوجد أحد الدرهمين زائفا، وقد مضى القول على ذلك هناك.
مسألة: يبتاع دراهم عددا
مسألة وسئل: عن رجل ابتاع دراهم عددا، قال: لا خير فيه إلا أن لا يختلف وزنها، قال: فإن كانت كذلك، فلا بأس به.
قيل له: فإن كانت الدراهم في بلد لا ميزان فيه، أترى أن تباع عددا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الدراهم لا تباع عددا إلا أن لا يختلف وزنها، فإن كانت يختلف وزنها لم يجز أن تباع عددا وإن كان ذلك في بلد لا ميزان فيه؛ لأن ذلك غرر، وقد «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الغرر» .
مسألة: رجل كان له على رجل دينار فقضاه نصفين وازنين
مسألة وسئل: عن رجل كان له على رجل دينار فقضاه نصفين وازنين، قال: لا خير فيه إلا أن يكون للدينار جريان معيار عنده.
قال محمد بن رشد: يعني بقوله جريان أن يكون للدينار عنده وزن معلوم فيأخذ نصفين وازنين بمثل وزنهما أو أفضل من وزنهما، فيكون إذا فعل ذلك قد أخذ أكثر عددا أو أكثر وزنا أو مثل وزنه، فجاز لكون الفضل من جهة واحدة؛ ومعنى ذلك إذا لم يكن لعين الدينار فضل على عين النصفين الوازنين، وأما إن كان له فضل في العين على عين النصفين، فلا يجوز؛ لأنه ترك فضل العين لزيادة العدد، أو لزيادة العدد والوزن إن كان أكثر وزنا من زنة الدينار الذي كان له، وفي آخر رسم القبلة من سماع ابن القاسم بيان هذا، فتدبره وقف عليه.
مسألة: دفع إلى رجل تبرا يبيعه له ودفع إليه آخر دنانير يشتري له بها تبرا
مسألة وسئل: عن رجل دفع إلى رجل تبرا يبيعه له ودفع إليه آخر دنانير يشتري له بها تبرا، فأراد أن يشتري لهذا ويبيع لهذا من نفسه، فذهب إلى الصراف فاشترى بالدنانير دراهم ثم باع التبر من نفسه بتلك الدراهم من ذلك الصراف الذي اشترى منه الدراهم بدنانير، قال: لا يصلح، ولا يصلح أيضا أن يعطيك رجل تبرا تبيعه له ويعطيك آخر دنانير تشتري له بها تبرا تشتري لهذا من نفسك، وتبيع لهذا من نفسك، إلا أن تحضر دراهم صاحب الدينار عند صاحب التبر، فيقول له أخذ هذه الدراهم بهذا التبر.
قال محمد بن رشد: قوله بتلك الدراهم من ذلك الصراف، يريد بتلك الدراهم الذي أخذ من ذلك الصراف؛ لأنه إنما تكلم على أنه اشترى التبر من نفسه للذي أمره أن يشتري له تبرا، فاشترى تبر هذا لهذا بدراهمه التي باع بها ذهبه ولم يحضر واحد منهما فلم يجز ذلك ابن القاسم هاهنا حتى يحضر أحدهما، وحكى ذلك ابن المواز عنه أيضا، وله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب البضائع والوكالات إجازة ذلك، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز، وحكى عنه أنه قال: جائز أن يدفع إليك رجل دنانير وآخر دراهم للصرف، فتصرف لهذا من هذا؛ وقد أجاز مالك في أحد قوليه حسبما ذكرناه في رسم البيوع من سماع أشهب لمن وكل على الصرف أن يصرف له من نفسه وهو أشد من هذا.
قال ابن دحون: وإنما كرهه لأن الصرف يحتاج إلى دافع ومدفوع إليه هاء وهاء، وليس في هذا إلا واحد هو الدافع وهو المدفوع إليه، فخرج عن حد هاء، وهاء، وليست هذه عندي بعلة صحيحة؛ لأن المعنى في هاء وهاء، إنما هو المناجزة وإن لم يكن دفع ولا قبض، ألا ترى أنه يجوز أن يتقاضى الرجلان بالدنانير والدراهم إذا حلت وإن لم يكن في ذلك دفع ولا قبض ولا دافع ولا مدفوع إليه، وهاهنا قبض ودفع ودافع ومدفوع إليه؛ لأنه وكيل لكل واحد منهما فقبض لهذا ودفع عن هذا، إذ يرى الوكيل كيد موكله، وقد أجازوا أن يخرج الرجل وليته من نفسه فيكون هو الزوج وهو الولي مع قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا نكاح إلا بولي» .
وإنما المعنى في كراهة ذلك عندي أن كل واحد منهما إنما وكله على أن يبذل له مجهوده في المكايسة، وأن يفعل له في ذلك ما يفعل لنفسه، فإذا صرف
من هذا لهذا، فقد ترك المكايسة التي أرادها كل واحد منهم منه وتوخى السداد فيما بينهما، فصار هذا معنى يشبه أن يكون لكل واحد منهما الخيار في فعله، كما إذا صرف لأحدهما من نفسه، وبالله التوفيق.
مسألة: أسلف رجلا درهما فيه نصف فجاء الذي تسلف بدرهم فأعطاه إياه
مسألة وسئل: عن رجل أسلف رجلا درهما فيه نصف، فجاء الذي تسلف بدرهم فأعطاه إياه، وقال له فيه نصف قضاء لك فاعطني بالنصف الباقي تمرا، قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تكلمنا عليها في رسم سلف من سماع ابن القاسم، وذكرنا أنها تتخرج على قولين، فلا معنى لإعادة ذكر ذلك.
مسألة: كان له على رجل دينار فطلبه فقال ما عندي إلا ثلاثة أرباع دينار قراضة
مسألة وسئل: عن رجل كان له على رجل دينار، فجاءه يتقاضاه، فقال: ما عندي إلا ثلاثة أرباع دينار قراضة، فقال: آخذها بالدينار الذي لي عليك، قال: لا خير في ذلك.
قال أبو زيد: إلا أن يكون دينارا عينا فيه ثلاثة أرباع دينار، فهذا إذا تجاوزه عنه فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز أن تأخذ من دينار ثلاثة أرباع دينار قراضة؛ لأنه اقتضاء مجموع من قائم فلم يجز؛ لأنه اغتفر الوزن والعين لعدد القراضة؛ لأنها كالمجموع المقطوع، فإذا أخذ ثلاثة أرباع دينار عينا مثل عينه أو أدنى جاز؛ لأنه اقتضاء أقل من وزنه لغير شيء اعتراه فجاز.
مسألة: له على رجل دينار ونصف إلى أجل فيريد الذي عليه الحق أن يخرج إلى سفر
مسألة وعن رجل له على رجل دينار ونصف إلى أجل، فيريد الذي عليه الحق أن يخرج إلى سفر، فأتاه صاحب الحق يتقاضاه، فقضاه دينارا ونصف دينار بصرف يوم قضاء، أيجوز ذلك أم لا؟
قال: قال مالك: لا خير فيه أن يعطيه نصف دينار دراهم، ولا خير في أن يعطيه دينارا ويأخذ منه نصف دينار، ولا بأس أن يعطي دينارا ويأخذ بالنصف الباقي عرضا.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم ولا بأس أن يعطى دينارا ويأخذ بالنصف الباقي عرضا مثل ما تقدم له في أثناء هذا السماع، ومثل قول مالك في أوله وخلاف قوله هناك، وقد أتينا من القول على ذلك هنالك بما فيه مقنع، وبالله التوفيق.
مسألة: يشتري الثوب بدينار ودرهمين فينقد الدرهمين ويؤخر الدينار
مسألة وعن الرجل يشتري الثوب بدينار ودرهمين فينقد الدرهمين ويؤخر الدينار، هل بذلك بأس أم لا؟
قال: لا بأس بذلك.
وأما إن اشترى ثوبا بدينار إلا درهمين، قال مالك: لا خير في أن ينقد الدينار ويؤخر الدرهمين، أو ينقد الدرهمين ويؤخر الدينار، ولا بأس أن يكون الدينار والدرهمان معا إذا انتقد الدينار دفع الدرهمين، وإن تأخر الثوب وانتقد الدينار ودفع الدرهمين فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وأجاز أشهب أن يتعجل الدينار والدرهم وتتأخر السلعة.
وأجاز ابن عبد الحكم أن يتأخر الدرهمان ويتعجل الدينار، ومضى مثله لأشهب في آخر رسم البيع والصرف من سماع أصبغ، وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تم كتاب الصرف والحمد لله