كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو ما كان من العروض التي لا شفعة فيها متشبثا بالأصول التي فيها الشفعة أو متصلا بها كالثمرة والزرع إذا بيعا مع الأصل أو دونه، وكالماء والنقض إذا بيعا دون الأصل إذ لا اختلاف فيهما إذا بيعا مع الأصل أن الشفعة تكون في الجميع وكالكراء إذا انفرد عن بيع الأصل ولا يتصور فيه غير ذلك، فمن هذه الأشياء التي ذكرناها يختلف في إيجاب الشفعة فيما بيع مع الأصل أو دونه وهو الثمرة والزرع ومنها ما يختلف في إيجاب الشفعة فيها إذا بيعت منفردة عن الأصل ويتفق على إيجاب الشفعة فيها إذا بيعت مع الأصل وهو الماء والنقض، ومنها ما يختلف في إيجاب الشفعة فيها إذا بيعت مع الأصل ويتفق على ألا شفعة فيها إذا بيعت منفردة عن الأصل وهو الرحا والرقيق والحائط، وأما الكراء فلا يتصور فيه الانفراد، وفي الشفعة في الثمرة والنقض مسائل كثيرة تفترق أحكامها لافتراق معانيها تركت ذكرها هاهنا اختصارا مخافة التطويل، إذ قد حصلناها وحكمنا القول فيها في كتاب المقدمات، وتفرقته في رقيق الحائط بين أن يفوتوا بموت صحيح على قوله في إيجاب الشفعة فيهم؛ لأن موتهم كانهدام الدار التي فيها الشفعة، وأما على القول بأنه لا شفعة فيهم فسواء فاتوا بموت أو بيع أو هبة أو صدقة إن كانوا قياما يفض الثمن عليهم وعلى الحائط فيأخذ الحائط الشفيع بما ينوبه من الثمن.
مسألة: زعم المشتري أنه اشترى شيئا مقسوما وادعى الشفيع أنها لم تقتسم
مسألة وسئل عن رجل اشترى أرضا وقبضها ثم إن رجلا أتى يطلب فيها الشفعة فزعم المشتري أنه اشترى شيئا مقسوما، وادعى الشفيع أنها لم تقتسم على من ترى البينة؟ قال: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: أيما رجل عرف المدعي من المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم به بينهما، فالمدعي أن يقول الرجل: قد كان والمدعى عليه أن يقول: لم يكن، فالذي قال: هو مقسوم وقد اشتريت مقسوما مدع؛ لأنه لا يشك أن الأرض أصل ما كانت عليه أنها لم
تقسم، فهم مدع حين يقول: اشتريت شيئا قد قسم، فعليه أن يثبت ذلك، والذي يقول لم يقسم مدعى عليه فالقول قوله حتى تبطل قوله البينة.
قال محمد بن رشد: إنما هو إذا علم أن الأرض كانت مشتركة بين البائع والشفيع ببينة قامت على ذلك أو بإقرار البائع بذلك قبل البيع، وأما إن لم يقر بذلك إلا بعد البيع فلا يجوز قوله على المشتري؛ لأنه إنما هو شاهد للشفيع فيحلف معه إن كان عدلا ويأخذ بالشفعة إلا أن يأتي المشتري بالبينة على أن البائع قد قاسم الشفيع قبل البيع، ولو قاسم المشتري للبائع بعد الشراء والشفيع غائب دون أن يوكل أو يقسم عليه القاضي لم ينفذ القسم عليه وكانت له الشفعة، واختلف إن قسم عليه القاضي وهو غائب ثم أتى، فقيل: إن له أن يرد القسمة ويأخذ بالشفعة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: ليس له أن يرد القسمة، لأخذ الشفيع الحظ الذي صار للمشتري بالشفعة وهو أحد قولي أشهب واختيار سحنون وابن عبدوس، وهذا الاختلاف على اختلافهم في القسمة هل هي بيع من البيوع أو تمييز حق فيكون له أن يرد القسمة كما يرد البيع على القول بأن القسمة بيع من البيوع، ولا يكون له أن يرد القسمة على القول بأنها بيع من البيوع أو تمييز حق ويأخذ الحظ الذي كان للمشتري بالقسمة.
وقول سعيد بن المسيب: أيما رجل عرف المدعي من المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم به بينهما، فالمدعي أن يقول الرجل قد كان ليس على عمومه في كل موضع وإنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على تصديق دعواه، فإن كان له سبب يدل على صدق دعواه، أقوى من سبب المدعى عليه القائل لم يكن يدلي عليه باليمين، مثال ذلك من حاز شيئا مدة تكون فيه الحيازة عاملة في وجه المدعي فادعى الشراء كان القول قوله مع يمينه في ذلك وهو مدعي يقول قد كان والمدعى عليه يقول لم يكن
ذلك، وكذلك المودع يدعي رد الوديعة القول قوله وهو مدع يقول: قد كان والمودع يقول: لم يكن، وإنما كان القول قوله في رد الوديعة وإن كان مدعيا في ذلك لأنه في معنى المدعى عليه لأن ذمته برية والمودع يريد تعميرها فهو في ذلك مدع، فوجب أن يكون القول قول المدعي عليه وهو المودع في صرف الوديعة وبالله التوفيق.
: باع نصراني من نصراني شقصا بخمر أو بخنزير والشفيع مسلم
من سماع يحيى بن يحيى
من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن النصرانيين الشريكين في الأرض يبيع أحدهما حظه من مسلم أو نصراني فتجب الشفعة لشريكه أيقضى له بها على المشتري مسلما كان أو نصرانيا؟ قال: أما على المسلم فيقضي بها للنصراني لأني كنت أقضي بها أيضا للمسلم على النصراني، وأما إذا كان الشفيع نصرانيا وكان شريكه مسلما أو نصرانيا فاشترى نصراني نصيب شريك النصراني فلا أرى أن يقضي بينهما بشيء؛ لأن الطالب والمطلوب نصرانيان، فهما يردان إلى أهل دينهما؛ لأن المطلوب يقول: ليس في ديننا الحكم بالشفعة، فلا أرى للمسلم أن يحكم بينهما إلا أن يتراضيا على ذلك.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أنه إذا كان الشفيع الذي لم يبع أو المشتري المشفوع عليه مسلما قضى بالشفعة لكل واحد منهما على صاحبه باتفاق في المذهب؛ لأنه حكم بين نصراني ومسلم، واختلف إن كان الشفيع والمشتري المشفوع عليه نصرانيين والشريك للبائع مسلما فقال في هذه الرواية: إنه لا يقضي في ذلك بالشفعة ويردان إلى أهل دينهما لأن الشفيع والمشفوع عليه نصرانيان وهو مثل ما في كتاب العتق الثاني من المدونة
لأشهب ولغير ابن القاسم وهو ابن نافع فراعيا كون أحد الشريكين مسلما، وهو قول أشهب.
في المجموعة أنه إذا كان أحد الثلاثة مسلما بائعا أو مبتاعا أو شفيعا قضى في ذلك بالشفعة.
واختلف إذا باع نصراني من نصراني شقصا بخمر أو بخنزير والشفيع مسلم فقيل: إنه يأخذ للشفعة بقيمة الشقص، وهو قول أشهب، فكأنه لم ير للخمر قيمة، وقد قال ابن الماجشون في المسلم: يستهلك الخمر للنصراني أنه لا قيمة عليه، فإذا دفعها بطوعه فأحرى ألا تكون لها قيمة، وقيل: يأخذ بقيمة الخمر والخنازير وهو قول ابن عبد الحكم وأشهب على مذهب ابن القاسم لأن ذلك مما يضمن للنصراني فأشبه شراء الشقص بعرض، ومن أهل العلم من لا يرى للنصراني على المسلم شفعة فيحكم بها للمسلم على النصراني والمسلم ولا يحكم بها للنصراني على المسلم ولا على النصراني ويردهما إلى أهل دينهما إن كانا نصرانيين وهو قول أحمد بن حنبل والحسن البصري والشعبي والله تعالى الموقف.
: باع أحدهم ولا علم لشريكيه ببيعه ثم باع أحد الباقين فطلبوا الشفعة
ومن كتاب الصبرة وسألته عن ثلاثة نفر بينهم أرض مشتركة فباع أحدهم ولا علم لشريكيه ببيعه أو علما ولم يفت وقت طلب الشفعة حتى باع أحد الباقين أترى للمشتري الأول شفعة فيما باع الشريك الثاني؟ فقال: الشفعة فيما باع الأول للبائع الثاني وللشريك الثالث المتمسك بحظه، وذلك أن البائع الثاني باع حظه وقد كانت وجبت له الشفعة فيما باع الأول فليس بيعه حظه بالذي يقطع عنه شفعة قد كانت له واجبة قبل أن يبيع هو حظه قال: فإن ترك البائع الثاني الأخذ بالشفعة مع الشريك الذي لم يبع كانت الشفعة كلها واجبة للشريك الثالث الذي تمسك بحظه، فإن تركها هو أيضا صار المشتري من البائع
الأول شفيعا، والثالث الذي لم يبع فيما باع الثاني، وإن ترك الأخذ بالشفعة فيما باع الأول وأراد أن يستشفع ما باع الثاني صار المشتري من البائع الأول شفيعا مع الثالث الذي لم يبع حظه فيما باع البائع الثاني لأنه قد نزل منزلة بائعه إذ لم يؤخذ منه بالشفعة، فقد صار شريكا للبائع الثاني ولصاحبه الذي لم يبع فباع الثاني حين باع والمشتري من البائع الأول شريك تجب له الشفعة، إذ قد أقر على ما اشترى ولم يؤخذ ذلك منه، وأيما شريكين ترك أحدهما الأخذ بالشفعة مع شريكه فليس للشريك أن يأخذ بقدر حصته ولكن يأخذ الجميع أو يدع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم أسلم من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
: الدار تشترى بالعبد أو بما أشبه ذلك من العروض فيستحق نصف الدار
ومن كتاب الصلاة
قال يحيى: وسئل ابن القاسم عن الدار تشترى بالعبد أو بما أشبه ذلك من العروض فيستحق نصف الدار، فيقول المشتري للبائع: أما إذا لم تتم لي كلها فلا حاجة لي بها فيردها على البائع فيريد الذي استحق نصف الدار أن يأخذ بالشفعة النصف الباقي وقد ردها المشتري على البائع، فقال: الشفعة له واجبة ولا يقطعها عنه ما فسخ البائع عن نفسه من الاشتراء الذي لو شاء أن يأخذ أخذ به.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في هذه الرواية: إن الشفعة للمستحق واجبة على المشتري في نصف الدار الذي بقي بيده وإن كان لم يقم عليه فيه بالشفعة إلا بعد أن رده على البائع وأخذ عبده، وهذا على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع، وأما على القول بأنه نقض بيع فلا شفعة فيه؛ لأنه قد
رجع إلى يد بائعه على الملك الأول، فإذا قلنا: إن له الشفعة على قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع يجب أن يكون مخيرا في عهدته بجعلها على من شاء منهما كمن اشترى شقصا ثم باعه من بائعه فالشفيع مخير إن شاء أجاز البيع وأخذ بالشفعة من المبتاع الثاني وهو البائع الأول وإن شاء نقضه وأخذ بالشفعة من المبتاع الأول، وهذا بين، ولو قال المشتري: أنا أرد النصف وآخذ عبدي وقال المستحق: أنا آخذ بالشفعة لوجب أن يبدأ الشفيع على قياس هذا القول أن له أن ينقض رده ويأخذ بالشفعة فأحرى أن يكون له أن يمنعه من الرد، وقد اعترض سحنون قوله في المدونة، وقال: لا يقول به لأنا نعرف من قوله خلافه، وقوله على قياس القول إن الرد بالعيب نقض بيع لأنه إذا كان من حقه أن ينقض البيع وجب أن يبدأ على الشفيع إذا أراد أن يرد وأراد الشفيع أن يشفع، وقد رأيت في حواشي بعض الكتب على مسألة المدونة قال سحنون: ليس للشفيع شفعة، وكيف يأخذ بالشفعة والبيع لم يتم؟ ولا يستقيم كتاب قول سحنون هذا على مسألة المدونة؛ لأنه لم يتكلم فيها إلا على أن الشفيع قام يطلب الشفعة قبل الرد وأراد أن يمنعه من الرد، وإنما يحسن أن يكتب قول سحنون على مسألتنا هذه في رواية يحيى؛ لأنه رأى الرد بالعيب فيها نقضا للبيع فأبطل الشفعة، وهو القياس أن يبطل على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع حسبما ذكرناه وبالله التوفيق.
مسألة: اشترى دارا معينة بعينها فردها حين علم ثم جاء فاستحق بعض الدار
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل اشترى من رجل دارا معينة بعينها فردها حين علم ثم جاء فاستحق بعض الدار أتكون له الشفعة فيما بقي من حساب ما كان اشتراها به الذي ردها بالعيب؟ فقال: نعم، الشفعة له واجبة إن أراد الأخذ من حساب جميع الثمن لا يوضع عنه للعيب شيء.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة على أصله في المسألة
التي قبلها من أن الرد بالعيب ابتداء بيع، فتكون عهدته إذا أخذ بالشفعة على من شاء منهما حسبما ذكرناه قبل هذا وبينا وجهه، وعلى القول بأن الرد بالعيب نقض لا شفعة في ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: قال البائع إنما بعتك داري ليكون لي العبد خالصا
مسألة قلت: أرأيت إن اشتراها بالعبد واستحق نصفها رجل أو ترك المستحق الأخذ بالشفعة ورضي المشتري أن يحبس النصف ويرد إليه نصف العبد ويكون بذلك في العبد شريكا لبائع الدار منه أيكون ذلك؟ قال: نعم، إلا أن يفوت العبد فيكون له على البائع نصف قيمة العبد الفائت.
قيل له: فإن قال البائع: إنما بعتك داري ليكون لي العبد خالصا، فأما إذا أردت أن تشركني فيه فلا حاجة لي فيه ينتقض البيع بينهما؟ قال: نعم، أرى البيع مفسوخا عنهما إلا أن يفوت العبد فلا يكون للبائع حجة في إمضاء البيع ويرد نصف قيمة العبد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى غاية الاستيفاء في رسم الثمرة من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق فلا معنى لإعادة شيء من ذلك وبالله التوفيق.
: الشفيع يعرض عليه الإمام الأخذ بالشفعة
ومن كتاب المكاتب قال: وسألته عن الشفيع يعرض عليه الإمام الأخذ بالشفعة أو الترك فيقول: أنا آخذ فيؤجله في الثمن فيبدو له فيقول: لا حاجة لي بالشفعة، ويقول المشتري: لا أقيله، قال: الأخذ بالشفعة يلزم
الشفيع، فإن لم يكن له مال بيع عليه حظه الذي كان به شفيعا، والحظ الذي وجبت له الشفعة فيه حتى يوفي المشتري جميع حقه، ولا يقال فيما قد رضي بأخذه إلا أن يرضى المشتري أن يقيله.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة لا تخلو عندي من ثلاثة أوجه: أحدها أن يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك فيقول: قد أخذت ويقول المشتري: وأنا قد سلمت فادفع إلي مالي فيؤجله الإمام في ذلك، فلا يأتي بالمال إلى الأجل، فهذا بيع تام يباع فيه جميع ماله، الحظ الذي استشفعه والذي استشفع به، وليس للشفيع أن يقول للمشتري: خذ حائطك لا أريده ولا للمشتري أن يقول للشفيع: رد إلي حائطي لا أسلمه لك إذا لم تنقد لي مالي إلى الأجل الذي أجله لك السلطان فلا ينحل البيع إلا برضاهما جميعا والوجه الثاني أن يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك فيقول: قد أخذت فيسكت المشتري ولا يقول وأنا قد سلمت، فيؤجله الإمام في الثمن بطلب من أحدهما لذلك، فلا يأتي به إلى الأجل، فهذا إن طلب المشتري أن يباع له في الثمن مال الشفيع كان ذلك له، وإن أراد الشفيع أن يرد الشقص على المشتري أو يتمسك به حتى يباع ماله في ثمنه لم يكن له في ذلك خيار، وهذا الوجه في المدونة، والوجه الثالث أن يقول الشفيع: أنا آخذ ولا يقول قد أخذت فيؤجله الإمام في إحضار الثمن فلا يأتي به إلى الأجل، فهذا الوجه يختلف فيه، قيل: يرجع الشقص إلى المشتري إلا أن يتفقا جميعا على إمضائه للشفيع واتباعها بالثمن، وقيل: إنه إن أراد المشتري أن يلزم الشفيع الأخذ كان ذلك له، ويباع ما له في الثمن، وإن أراد الشفيع أن يرد الشقص لم يكن ذلك له، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وقول أشهب، والقول الأول بين وبالله التوفيق.
: الشفعاء أهل الميراث هل يكون بعضهم أولى بمشافعة بعض
ومن كتاب الأقضية قال: وسألت ابن القاسم عن الشفعاء أهل الميراث هل يكون
بعضهم أولى بمشافعة بعض أم كيف الأمر فيهم؟ قال: قال لي مالك: كل أهل مورث أحق بشفعتهم يتشافعون بينهم دون سائر الورثة، مثل أن يهلك الرجل ويرثه ابناه فيموت أحدهما فيبيع بعض ولده حقه، فيكون إخوته بنو الابن أحق بالشفعة فيما باع أخوهم ومن شركهم في ميراث ابن الابن من عمهم أخي أبيهم، فأهل كل سهم يتشافعون بينهم، دون أهل رأس الميراث، وكذلك أهل كل سهم في كتاب الله أو السنة يتشافعون فيما بينهم، وهم أجمعون على العصبة فيما باع بعض العصبة، ولا تدخل العصبة على أهل السهام، قال: وقال لي مالك غير مرة: من باع من أهل السهام المفروضة ثم سلم ذلك للمشتري أهل شفعة البائع شركاؤه دنيا في السهم الذي يجمعهم بفريضة مسماة فإن الشفعة تجب لجميع أهل الميراث شركاء البائع وأهل سهمه في رأس فريضة الميراث، قال: وإن أسلموا أجمعون للمشتري أو كان المشترون جماعة ثم باع أحد المشترين نصيبه مما اشترى فأراد شركاؤه في الصفقة أن يأخذوا بالشفعة وأن يتشافعوا فيما بينهم كما كان يتشافع أهل السهم الذي اشتروا منهم دون جماعة الورثة مثل أن يكونوا اشتروا ربع الزوجات أو سدس الجدتين أو ثلث الإخوة للأم أو ما أشبه ذلك، قال ابن القاسم: فإن مالكا قال: لا يكون ذلك لهم ولا يحملون محملهم بل يشافعهم جميع الورثة على قدر أنصبائهم في الميراث، ويكون شركاء البائع منهم في ذلك النصيب خاصة وبقية الورثة أجمعين وبقية شركاء البائع المشتري في ذلك الحظ الذي يؤخذ بالشفعة شفعاء أجمعين، قال مالك: فإنما يتشافع في كل سهم دون جماعة الورثة أهل السهم بأعيانهم الذين ورثوه، لا ينزل من اشتراه منهم أو اشترى بعضه في ذلك منزلتهم، قال: وقال مالك: ليس المشتري
كالورثة ولا العصبة كأهل السهام المفروضة، أهل السهام المفروضة يتشافعون بينهم على ما فسرت لك، وهم أجمعون يدخلون على العصبة فيما أخذه بعضهم فيما يبيعه بعضهم فكذلك أيضا يدخل أهل السهام المفروضة على كل من اشترى من بعضهم بما باع بعض من اشترى أنهم يدخلون أجمعون على أشراك البائع الذي اشتروا معه وصاروا شفعاء باشترائهم معه يوم اشترى، قال: وإذا باع بعض الورثة من أهل السهام المفروضة لم يدخل المشتري ولا العصبة عليهم فيما يتشافعون به فيما بينهم إذا كان في ذلك السهم للبائع شريك فيه دنيا فإن أخذ جماعة الورثة بالشفعة دخل معهم العصبة والمشتري.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة، قوله فيها: إن أهل السهم الواحد مثل الزوجات والجدات والإخوة للأم يتشافعون بينهم البين ولا يدخل غيرهم من الورثة عليهم ويدخلون هم عليهم، هو مذهب مالك وجميع أصحابه حاشى ابن دينار، واختلف في العصبة والموصى لهم بجزء والمشترين لسهم أهل السهم مثل أن يشتري جماعة ثمن الزوجات أو سدس الجدات أو ثلث الأخوة للأم وما أشبه ذلك والمشتري بحظ واحد من الورثة فقيل في كل طائفة منهم: إنهم أهل سهم واحد يتشافعون فيما بينهم دون الورثة وهو قول أشهب وأحد قولي مالك في العصبة وقيل: إنهم ليسوا كأهل سهم واحد فيدخل الورثة كلهم عليهم كانوا أهل سهم أو لم يكونوا أهل سهم، ولا يدخلون هم على أهل السهام إلا أن يبيع جميعهم أو يكونوا واحدا، وهو مذهب ابن القاسم، واختلف في الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، فقال ابن القاسم: إنهن كلهن أهل سهم واحد لاشتراكهن في الثلثين إن فضلتهن الأخت الشقيقة فإن باعت إحدى الأخوات للأب حظها دخلت فيه الأخت الشقيقة، وقال: إن الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة أهل سهم واحد في
السدس فلا تدخل عليهن فيه الأخت الشقيقة، وقد مضى هذا المعنى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم وفي رسم مسائل بيوع من سماع أشهب وبالله التوفيق.
مسألة: الشفعة على قدر الأنصباء
مسألة يحيى حدثني ابن القاسم عن أبي الدراوري عن سفيان الثوري أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى بالشفعة على قدر الأنصباء.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب أن الشفعة على قدر الأنصباء، والمخالف في ذلك أبو حنيفة يقول: إنها على عدد الرؤوس، والحجة لمالك ومن قال بقوله أن الشفعة لما كانت تجب بالملك وجب أن تكون على قدر الأملاك كالغلل، ولما كانت لدفع المضرة عن الأشراك وكانت المضرة عليهم على قدر حصصهم وجب أن تكون الشفعة التي تدفع الضرر عنهم على قدر حصصهم.
مسألة: الشفعة في الماء إذا بيع مع الأرض
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: الشفعة في الماء الذي يقتسمه بينهم الأوراث بالأقلاد وإن لم يكونوا شركاء في الأرضين التي تسقى بتلك العيون أو الحوائط التي تسقى بتلك العيون، قال: وقال مالك: وأهل كل ولد يتشافعون فيما بينهم دون جماعة الورثة وشفعتهم في ذلك الماء يجري مجرى شفعتهم في الدور والأرضين فيما وصفنا من أمر العصبة والمشتري وأهل السهام المفروضة وما يدخل به
بعضهم على بعض فيما فسرت لك في صدر هذه المسألة وبالله التوفيق.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أعلمه في المذهب في إيجاب الشفعة في الماء إذا بيع مع الأرض أو دونها ولم يقسم الأرض، واختلف في إيجاب الشفعة فيه إذا قسمت الأرض فقال في المدونة: إنه لا شفعة فيه، وقال في هذه الرواية: إن فيه الشفعة، فذهب سحنون وابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، إلا أنهما اختلفا في تأويل الجمع بينهما، فقال سحنون: معنى مسألة المدونة أنها بئر واحد فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم؛ لأن الشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم، وقال ابن لبابة: معنى مسألة المدونة أنها بئر لا بناء لها ولا أرض، ومعنى رواية يحيى أن لها بناء وأرضا مشتركة يكون فيها القلد، وذهب القاضي أبو الوليد الباجي إلى أن ذلك اختلاف من القول، وأن الاختلاف في ذلك جار على الاختلاف في الشفعة فيما لا ينقسم كالنخلة والشجرة بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبير كما لا تنقسم النخلة والشجرة، وكان من أدركت من الشيوخ يقول: إن ذلك اختلاف من القول، وإن الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث بها كالنقض والنخل دون الأرض والكراء وما أشبه ذلك، وهو أبين وأولى وبالله التوفيق.
: دار بين رجلين فباع أحدهما شيئا من الدار وصاحبه حاضر لا يغير ولا ينكر
ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حره قال: وسألته عن الرجل يشتري الأرض من الرجل، وهي فدان من أرض مشتركة أو بقعة لرجل فيها شرك فيشتري المشتري ذلك الفدان أو تلك البقعة بحضرة الشريك وعلمه فيبني فيها أو يغرس
فيريد الشريك الذي لم يبع أن يأخذ حقه من تلك الأرض ويأخذ بقيتها بالشفعة، قال ابن القاسم: ليس في مثل هذا شفعة إنما الشفعة في أن يبيع الشريك جزءا من أجزاء الأرض المشترك أو الدار وبعض ما تكون الشفعة فيه، فيبيع نصف الدار أو ثلثها أو ربعها أو جزءا من أجزائها قل أو كثر، فإن الشريك حينئذ، يأخذ نصف ما باع بحقه والنصف بشفعته، وأما إذا باع فدانا بعينه أو بيتا من الدار بعينه بحضرة الشريك فلم ينكر عليه بيعه فسكوته عليه تجويز لبيعه والاشتراء للمشتري ماض ولا شفعة فيه، وإنما للشريك على شريكه البائع حصته من الثمن فقط، قال: وإنما مثل بيع الفدان من جملة الأرض أو البيت من جملة الدار بمنزلة بيع الثوب الذي يكون بين الشريكين بحضرة الشريك فإن سكت فذلك منه تجويز وإن أنكر لم يمض البيع عليه، قال سحنون: قال لي ابن القاسم في الأرض تكون بين الرجلين مشاعة غير مقسومة فيبيع أحدهما فدانا بعينه أو نصف فدان بعينه بحضرة صاحبه لا يغير ولا ينكر ثم أنكر بعد قال: البيع لازم ولا تكون له الشفعة من قبل أنه قد بيع نصيبه وهو حاضر.
لا يغير ولا ينكر، وكذلك كل من يباع عليه شيء من قاله وهو حاضر لا يغير ولا ينكر فالبيع له لازم، وكذلك لو كانت دار بين رجلين فباع أحدهما شيئا من الدار وصاحبه حاضر لا يغير ولا ينكر لزمه البيع ولم يكن له أن يرد، وإذا باع ثلث الأرض أو ربع الأرض ولم يره أرضا بعينها لا ربعا أو ثلثا فالبيع جائز وللشريك الشفعة.
قال محمد بن رشد: قوله في أول هذه المسألة في الذي يشتري الفدان أو البقعة من الرجل من أرض بينه وبين شريكه بحضرته فيبني فيها أو يغرس فيريد الشريك الذي لم يبع أن يأخذ حظه من تلك الأرض وبقيتها بالشفعة أنه ليس في مثل هذا شفعة صحيح؛ لأنه إذا حضر بيع شريكه فلم
ينكره وسكت حتى بنى المشتري أو غرس فقد لزمه ومضى عليه، فصار بمنزلة أن لو باعها جميعا فلم يكن في ذلك وجه للشفعة ولا إشكال في هذا، ولو حضر البيع فسكت ولم ينكره حتى انقضى أنكره في المجلس وقال: إنما صمت لأني علمت أن ذلك لا يلزمني لوجب أن يحلف أنه ما رضي ببيع نصيبه وتكون له الشفعة، ولو أنكر ذلك قبل انقضاء البيع لكانت له الشفعة دون يمين، ولو أنكر ذلك بعد انقضاء المجلس بالقرب لسقطت الشفعة ولم يكن له إلا الثمن إلا أن يدعي الشريك أن الأرض كلها صارت إليه منه بابتياع أو هبة أو مقاسمة فيكون القول في ذلك قوله مع يمينه؛ لأن حضوره البيع مع سكوته هذه المدة حيازة عليه، فقف على افتراق الأحكام في هذه الأربعة الأوجه، وجه تكون له الشفعة فيه دون يمين، ووجه تكون له الشفعة فيه بعد يمينه ووجه لا يكون له فيه إلا الثمن، ووجه يكون الثمن فيه للشريك البائع مع يمينه ولو لم يحضر البيع، وإنما علم به بعد وقوعه، فإن أنكره حين علم بقي على حقه في نصيبه من الأرض وكانت له الشفعة في حظ شريكه، وإن لن ينكره إلا بعد العام أو العامين أو الثلاثة لم يكن له إلا الثمن، وإن لم ينكره ولا قام إلا بعد العشرة الأعوام أو نحوها لم يكن له إلا الثمن إن ادعى شريكه البائع لحيازته إياه عليه بالبيع مع طول هذه المدة، وقد مضى هذا المعنى في غير ما موضع من هذا الديوان من ذلك في سماع سحنون من جامع البيوع وفي رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الأقضية وفي رسم يسلف في المتاع والحيوان من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وفي سماع أشهب منه وفي رسم الكبش من سماع يحيى منه أيضا.
ووجه تفرقته بين أن يبيع أحد الشريكين طائفة بعينها من الأرض أو الدار المشتركة بينهما بحضرة شريكه وهو ساكت لا يغير ولا ينكر وبين أن يبيع جزءا منها على الإشاعة وهو حاضر لا يغير ولا ينكر في أنه لا شفعة في الطائفة المعينة وله الشفعة في الجزء الشائع هو أن البيع لازم له في حظه من الطائفة المعينة لحضوره وسكوته إذ لا عذر له في ذلك، وإذا لزمه البيع بطلت الشفعة
ولا يلزمه البيع في حظه من الجزء الذي باع على الإشاعة بحضوره وسكوته لأن من حجته أن يقول: ظننت أن البيع يختص بحظه ولا يكون شائعا في حظي وحظه، فلا يلزمني منه شيء، وهي حجة ظاهرة لها وجه، إذ قد قيل ذلك وهو دليل قوله في كتاب العتق من المدونة وفي العبد بين الشريكين يحلف أحدهما بعتق نصيبه ألا يفعل شيئا فيبيع نصيبه ويشتري نصيب شريكه ثم يفعل ما حلف عليه أنه لا يحنث، فإذا لم يلزمه البيع في نصيبه وعذر في سكوته لهذه العلة وجبت له الشفعة؛ لأن من حقه أن يأخذ قدر حقه مما باع شريكة النصف إن كانت شركتهما على النصف بالاستحقاق، ويرجع المشتري على البائع بنصف الثمن يأخذ النصف الثاني بالشفعة بنصف الثمن، فهذا وجه الفرق بين المسألتين ولو قال الشريك البائع: أبيعك نصف حظي من هذه الدار ونصف حظ شريكي وشريكه حاضر ساكت لم تكن له شفعة، واشتركت المسألتان ويأتي على قول ابن القاسم في هذه المسألة وعلى ما في كتاب المرابحة من المدونة في الرجل يبتاع نصف السلعة ويرث نصفها أنه لا يجوز له أن يبيع نصفها مرابحة حتى يبين أن الدار أو العبد إذا كان بين الشريكين فباع أحدهما نصف الدار ونصف العبد أن البيع يقع على نصفه ونصف شريكه إلا أن يبين فيقول: أبيعك نصفي من هذه الدار أو من هذا العبد وعلى ما في كتاب العتق الأول في المسألة التي ذكرناها أن البيع يقع على حظه دون حظ شريكه إلا أن يبين فيقول: أبيعك نصف حظي ونصف حظ شريكي من هذا الدار أو من هذا العبد وبالله التوفيق.
: المريض يبيع في مرضه بمحاباة لا يحملها ثلثه
من سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: سئل ابن القاسم عن الرجل يكون له شقص في دار ليس له غيره قيمته ثلاثون دينارا فيبيعه من رجل بعشرة دنانير وهو مريض، قال: ينظر في ذلك إذا مات البائع فيقال للمشتري: إن أحببت
إن لم تجز الورثة هذه المحاباة برد عشرة أجزاء وخذ الدار ولا قول للورثة، فإن فعل فللشفيع إن كان له شفيع أن يأخذ الدار بعشرين دينارا فإن أبى المشتري أن يزيد عشرة دنانير وقد أبت الورثة أن يسلموا الدار إليه كما أوصى الميت قيل لهم: أعطوه ثلث الشقص بتلا بلا شيء يأخذونه منه، قلت لابن القاسم: لم أعطيتها للشفيع بعشرين دينارا إذا رضي المشتري أن يزيد عشرة على العشرة الأول التي أخذها الميت بعشرة؟ فلم لا تجعلها للمشتري وتقول للشفيع خذها بثلاثين؟ قال: لا؛ لأن الشراء إنما وقع بعشرين، ألا ترى لو أن رجلا باع شقصا له في دار بعشرين دينارا قيمته أربعون دينارا حاباه بعشرين فللشفيع أن يأخذ ذلك بعشرين وهو خلاف أن يبيع بأربعين، ثم يضع عشرين لأنه إذا باع بأربعين فقد وجب للشفيع بأربعين، فإذا حط البائع عن المشتري حطا يعلم في مثله الهبة، ليس مثل ما يتغابن الناس في مثله لم يوضع ذلك عن الشفيع، وإن حط حطا يعلم أن في مثله ما يتغابن الناس في مثله حط ذلك عن الشفيع، قلت لابن القاسم: أرأيت الموصى له بيع الدار إن رد الدار وأبى أن يزيد العشرة فأراد الورثة أن يخلوا له من ثلثها إذا أبوا أن يجيزوا الوصية أتكون فيه شفعة؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: اختلف في المريض يبيع في مرضه بمحاباة لا يحملها ثلثه على قولين، أحدهما أن الورثة إن لم يجيزوا البيع قطعوا له بثلث الميت بتلا من غير ثمن، وردوا إليه ما دفع من الثمن إلا أن يشاء المشتري أن يزيد ما حوبي به فينفذ البيع، وهو قوله في هذه الرواية، فإن كان المبيع شقصا مما فيه الشفعة فرضي المشتري بزيادة المحاباة كان للشفيع في ذلك الشفعة بالثمن الذي اشترى به مع الزيادة، هذا قوله في هذه الرواية إن الشفعة
له بعشرين، وإن كانت قيمة الشقص ثلاثين وكذلك على قياس قوله لو أجاز الورثة البيع لكانت الشفعة له بعشرة، وإن كانت قيمته ثلاثين، وهذا كما قال، إذ لا أعرف نص خلاف في أن الثمن إذا عرف فللشفيع أن يأخذ به كان أقل من القيمة أو أكثر، وفي ذلك نظر إذا كانت القيمة أكثر من الثمن وتبينت في ذلك المحاباة؛ لأن القياس كان على قول ابن القاسم الذي لا يرى في الهبة الشفعة، ولا يكون له شفعة إلا في قدر ما لا محاباة فيه، ويسقط في قدر ما وقعت فيه المحاباة، وعلى قول ابن عبد الحكم عن مالك الذي يرى في الهبة الشفعة، أن لا يكون له شفعة إلا في قدر ما لا محاباة فيه، ويسقط في قدر ما وقعت فيه المحاباة بالقيمة.
فيتحصل على هذا فيمن باع شقصا بعشرة دنانير ثمنه ثلاثون دينارا ثلاثة أقوال، أحدها أن للشفيع الشفعة في جميع الشقص بعشرة والثاني أن له الشفعة قي ثلثه بعشرة وفي ثلثيه بالقيمة والقول الثاني أن الورثة إن لم يجيزوا البيع قطعوا له بثلث الميت بتلا وكان له من المبيع بقدر ما نفد ولم يرد ذلك إليه لأنه لا يكون سلفا جر منفعة إذا رد إليه رأس ماله وقطع له بثلث الدار إلا أن يشاء المشتري أن يزيد ما حوبي به فينفذ البيع، وقد قيل: إن ذلك ليس باختلاف، وإنما يرجع ذلك إلى المشتري بالخيار إن لم يجز الورثة له البيع أن يأخذ من المبيع بقدر ما نقد، وبين أن يسترده، وظاهر ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا أنه ليس للمشتري أن يزيد ما حاباه به الميت زائدا ويستخلص البيع، وقد مضى القول على هذا المعنى في سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس.
وقوله إذا باع بأربعين ثم حط عشرين إنه لا يوضع عن الشفيع معناه إذا كانت قيمة الشقص أكثر من العشرين الباقية مثل أن تكون قيمته ثلاثين لأنه إنما
يتبين أن الحطيطة هبة بذلك وأما إن كانت قيمته عشرين أو أقل فإنه يوضع عنه؛ لأنه تبين بذلك أن حقيقة الثمن عشرون وإن تسميتهم الأربعين لغو قصدا بذكرها إلى إبطال الشفعة، وهذا بين من المدونة وبالله التوفيق.
مسألة: الأناذر أفيها شفعة
مسألة وسئل سحنون عن الأناذر أفيها شفعة؟ قال: لا تكون فيها شفعة، قال: وكذلك الأفنية لا شفعة فيها إذا بيعت والأناذز عندي مثل الأفنية.
قال محمد بن رشد: إنما لم يريد سحنون في الأناذر شفعة لأن من مذهبه أن الشفعة لا تكون إلا فيما يحكم بقسمته والأنذر عنده لا يحكم بقسمته لأنه لا ينقسم إلا بضرر لأنه إذا قسم بطل أن يكون أنذرا فلم ينتفع به في ذلك، فالشفعة فيها واجبة على من يرى قسمتها ولا يراعي الضرر على ذلك وهو مذهب مالك لقول الله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] وعلى مذهب من يرى الشفعة فيما لا يحكم بقسمته من الأصول إذا كان لا ينقسم إلا بضرر، وهو قول ابن القاسم في المدونة خلاف قوله في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب السداد والأنهار، وقد قيل: إن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم بحال كالنخلة والشجرة بين النفر لأنها من جنس ما ينقسم.
فيتحصل في ذلك في المذهب ثلاثة: أقوال أحدها أن الشفعة واجبة في
الأصول كلها كانت مما ينقسم أو مما لا ينقسم، وهو مذهب مطرف، والثاني أنها لا تجب إلا فيما ينقسم ويحكم بقسمته، وهو قول ابن القاسم في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب السداد والأنهار، والثالث أنها تجب فيما ينقسم وإن كان لا يحكم بقسمته للضرر الواقع في ذلك، وقد مضى ذكره والاختلاف فيه في رسم المكاتب من الكتاب المذكور.
وأما قوله: وكذلك الأفنية لا شفعة فيها إذا بيعت فمعناه في الفناء المشترك بين القوم كساحة الدار بين الشركاء إذا اقتسموا البيوت لأن حكمها حكم الأناذر في القسمة لها وفي جواز البيع فيها وفي وجوب الانتفاع بجميعها لمن احتاج من الشركاء إليها دون من لم يحتج إليها منهم، وأما الأفنية المتصلة بطرق المسلمين فلا يجوز بيعها ولا اقتطاعها وإنما يجوز الانتفاع بها وكراؤها إذا لم يضر ذلك بالمارة في الطريق المتصلة بها والله الموفق.
: الأنذر الذي يدرس فيه الزرع هل فيه شفعة
من سماع عبد الملك بن الحسن
قال عبد الملك: وسألت عبد الله بن وهب عن الأنذر الذي يدرس فيه الزرع هل فيه شفعة؟ فإنه قد اختلف عندنا فيه وهل يحوز الأب على ابنه الصغير في حجره صدقة عليه بالأنذر أو لا يكون الأنذر للصغير بالصدقة حتى يبرأ منه كحال المسكن الذي يسكنه الأب حتى يموت عنه فلا يمضي صدقته فهل الأنذر بسبيل ذلك إذا كان الأب يدرس فيه حتى يموت، فقال: إن كنت إنما تعني نفقة الأنذر من الأرض فنعم فيه الشفعة لا شك فيه، وهو بمنزلة غيره من البقاع والأرضين بمنزلة عراص الدور المهدومة وغير المبنية.
وحوز الأب لابنه الصغير حوز إذا تصدق عليه وأعلن الصدقة وأظهرها بمنزلة غيرها من الأشياء والأرضين والمساكن إلا أن يكون
الأب يعمل فيها لنفسه وماله بحال ما كان من الصدقة فلا أرى ذلك شيئا إن كان كذلك، وقال أشهب: الشفعة فيه كان أنذرا أو غير أنذر كان قليلا أو كثيرا إذا كان ملكا لهم.
وأما ما ذكرت من حوز الأب على ابنه الأنذر فإن ذلك ليس بحوز حتى يبرأ منه كحال المسكن إن درس فيه أو انتفع به الأب حتى مات فلا شيء للابن فيه.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب وأشهب في أن الشفعة يجب في الأنذر الذي يدرس فيه الزرع خلاف قول سحنون المتقدم قبل هذا في آخر سماعه، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك فلا معنى لإعادته، وأما قولهما في صدقة الأب به على ابنه الصغير إن ذلك بمنزلة الدار تبطل الصدقة به إن درس فيه بعد الصدقة كما كان يدرس فيه قبل الصدقة بمنزلة المسكن فهو خلاف مذهب ابن القاسم وما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ من أن ما عدا المسكون والملبوس لا يبطل صدقة الأب به على ابنه الصغير انتفاعه به بعد الصدقة وإن حرث الأرض واختدم العبيد وأكرى الحوانيت واغتل ماله غلة من الأصول، بخلاف ما سكن أو لبس، وقع بيان مذهب ابن القاسم في ذلك في رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات، وحكاه ابن حبيب أيضا عنه من رواية أصبغ، جلوسه في الحانوت للتجر كسكناه الدار، بخلاف كرائه إياه، وقول ابن وهب وأشهب هذا مثل ظاهر ما حكى ابن حبيب في الواضحة من رواية مطرف عن مالك في تفسير قول عثمان بن عفان إن نحلة الأب لابنه الصغير جائزة إذا أشهد عليها وأعلن بها وإن وليها أن معنى ذلك أن يليها بالتثمير والتوفير، فعلى هذا لا فرق بين الملبوس والمسكون وما سواه من الأشياء تبطل الصدقة بانتفاع الأب به فيتفق في المسكون والملبوس ويختلف فيما عداه على هذين القولين، أحدهما أن الإشهاد والإعلان يكفي وإن انتفع الأب بذلك بعد الصدقة كما كان ينتفع به قبل الصدقة إلى أن مات كالمسكون
والملبوس سواء، وفي المسألة قول ثالث وقع لأصبغ في نوازله من كتاب الصدقات والهبات أن الصدقة لا تبطل إذا كان الانتفاع ممزوجا مرة ينتفع الأب ومرة ينتفع الابن وبالله التوفيق.
: اشترى نصف دار بمائة دينار ولؤلؤة ثم جاء الشفيع يريد أن يأخذ
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم
قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجل اشترى نصف دار بمائة دينار ولؤلؤة ثم جاء الشفيع يريد أن يأخذ، قال: يصف المشتري اللؤلؤة ويحلف على صفتها ثم تقوم إلا أن يشهد الذين باعوه أن قيمة اللؤلؤة كذا وكذا فيكون القول قول ما شهدوا به، فإن لم يعلموا قيمتها وفاتت ونكل المشتري عن صفتها وعن اليمين وصفها الشفيع وحلف على الصفة وكان القول قوله فإن لم يعلم الشفيع صفتها كانت له الدار بقيمتها نقدا.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة ونكل المشتري عن صفتها وعن اليمين معناه أنه قال: لا أعرف صفتها فلا أحلف فهاهنا يكون ما قال من أن الشفيع يحلف على ما يدعي من الصفة إن عرف صفتها، فإن لم يعرف صفتها كانت له الدار بقيمتها نقدا، وقوله كانت له الدار بقيمتها نقدا معناه كانت له الشفعة في الدار بقيمة نصفها نقدا يريد ما لم تكن القيمة أقل من المائة دينار فلا ينقص من المائة دينار، وقد قيل: إنه لا يمين عليه إذا أتى بما يشبه، وأما إن ادعيا جميعا معرفة صفتها ونكلا عن اليمين فالقول قول المشتري لأنه هو المبدأ باليمين على حكم المدعي والمدعى عليه إذا نكلا عن اليمين كان القول قول المدعى عليه، ولو حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، وهذا إذا أتيا جميعا من صفتها بما يشبه، كان الشفيع أو المشتري فإن نكل عن اليمين كان القول قول الذي أتى منهما بما يشبه،
لأنه هو المبدأ باليمين ولو أتيا جميعا من الصفة بما لا يشبه لوجب أن يحلفا جميعا فإن حلفا أو نكلا كانت له الشفعة بقيمة الحظ نقدا ما لم تكن أقل من المائة فلا ينقص من المائة، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله.
فالمسألة لا تخلو من أربعة أوجه أحدها أن يدعي كل واحد منهما من صفتها ما يشبه والثاني أن يدعي كل واحد منهما من صفتها ما لا يشبه والثالث أن يدعي أحدهما من صفتها ما يشبه والثاني ما لا يشبه والرابع ألا يدعي واحد منهما معرفة صفتها وفيما ذكرناه بيان الحكم في كل واحد منهما لمن تدبره وفهمه.
وفي قوله إلا أن يشهد الذين باعوا أن قيمة اللؤلؤة كذا وكذا فيكون القول ما شهدوا به نظر، إذ ليس على عمومه في كل موضع وإنما معناه في الموضع الذي تكون شهادتهم لا منفعة لهم فيها بل قد يضرهم فيما يرجع به عليهم إن استحق المبيع أو بعضه، وأما في الموضع الذي تكون شهادتهم فيه للشفيع على المشتري فلا يجوز لأنهم يتهمون على تقليل الثمن إن جاء استحقاق.
وقوله: إن المشتري يصف اللؤلؤة ابتداء ويحلف على صفتها أصح مما وقع من قوله في المدونة من أنه لا يقال للمشتري صف العرض الذي وقع به البيع إلا بعد أن يدعيا جميعا من قيمته ما لا يشبه، وظاهر قوله فيها أنه إذا ادعيا جميعا من قيمة ما لا يشبه كان القول قول المشتري فيما ادعاه من الصفة وإن لم يشبه، وذلك بعيد لا يصح أن يكون القول قول من أتى منهما بما لا يشبه إذا كذبه الآخر وادعى ما يشبه، وإنما يصح ذلك إذا لم يكذبه صاحبه وقال: لا أدري وبالله التوفيق.
مسألة: باع رجل بيتا فيه رحا فأراد الشفيع أن يأخذ ذلك بالشفعة
مسألة وقال: ليس في رحا شفعة لا رحا الماء ولا رحا الدواب، وأما البيت الذي فيه الرحا وجدراته وسقفه وأرضه ففيه الشفعة، قال: ولو باع رجل بيتا فيه رحا فأراد الشفيع أن يأخذ ذلك بالشفعة فإنه يقوم البيت ويقوم الرحا بأداتها فيفض الثمن عليها، فما صار على البيت من القيمة من الثمن أخذ البيت بالشفعة بالذي يقع عليه من الثمن بالقيمة وهو بمنزلة ما لو باع رجل دابة ودارا فإنما يأخذ بالشفعة في الدار ولا شفعة في الدابة بمنزلة ما فسرت لك في الرحا.
قال محمد بن رشد: قوله أنه لا شفعة في الرحا إذا بيعت مع الأصل خلاف ما مضى من قوله في رسم العتق من سماع عيسى في رقيق الحائط يباعون مع الحائط، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته.
مسألة: باع دارا بعشرة دنانير فباع المشتري مصراعي الدار بعشرة ثم جاء الشفيع
مسألة قال ابن القاسم في رجل باع دارا بعشرة دنانير فباع المشتري مصراعي الدار بعشرة، ثم جاء الشفيع، فقال: يقوم المصرعان ويقوم الدار ثم يفض الثمن عليهما فما وقع على الدار من الثمن أخذها بالشفعة ولا شيء له في المصراعين لأنهما قد فاتا بالبيع.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة معلوم، ولفظه فيها فاسد معلول؛ لأنه قال: إنه باع الدار بعشرة دنانير فباع المشتري المصراعين بعشرة دنانير، ثم جاء الشفيع، وإذا بيعت الدار كلها فلا شفعة فيها فالمعنى الذي أراد والله أعلم أنه ابتاع الدار ثم أتى رجل فاستحق بعضها وأراد أخذ بقيتها بالشفعة، فقال: إنه يقوم المصراعان وتقوم الدار فيفض الثمن عليهما فما وقع على الدار من الثمن أخذها بالشفعة يريد أخذ منها الحظ المستشفع
بما ينوبه من الثمن بالشفعة، وقوله: ولا شيء له في المصراعين لأنهما قد فاتا بالبيع، يريد لا شيء له فيما ناب الجزء المستحق منهما فللشفيع أن يأخذه بالاستحقاق لا اختلاف في ذلك، وإن شاء أن يجيز البيع ويأخذ الثمن فله ذلك، وهذا كله بَيِّنٌ وَالمِصراعان البابان.
وقوله: ولا شيء له في المصراعين لأنهما قد فاتا بالبيع خلافُ ما نص عليه في المدونة من أن نقض الدار إذَا هَدَمَهُ المشتري فباعه لا يفوت بالبيع وللشفيع أن يأخذ بالشفعة من يد مشتريه من المشتري، وهذا الاختلاف جَارٍ على اختلافهم في الشفعة هل يحكم لها بحكم البيع أو بحكم الاستحقاق؟ فعلى القول بأنه يحكم لها بحكم البيع تفوت الأنقاض بالبيع ويأخذ الشفيع البقعة بما ينوبها من الثمن، وعلى القول بأنه يحكم لها بحكم الاِستحقاق لا تفوت الأنقاض بالبيع ويأخذها الشفيع من يد المشتري بالشفعة ويرجع المشتري على الذي باعه إياها بالثمن الذي دفع إليه فيها، وإن شاء أن يجيز البيع ويأخذ الثمن كان ذلك له، وفي المدونة أيضاً ما يدل على فواتها بالبيع.
واختلف إذا فاتت إما بالبيع على هذه الرواية، وإما بفوات عينها بعد البيع على ما نص عليه في المدونة، فقيل في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها وهو قوله في المدونة وفي هذه الرواية إنه يأخذ البقعة بما ينوبها من الثمن، ووجه العمل في ذلك أن تقوم البقعة مهدومة والنقض مطروحاً بها يوم وقعت الصفقة، ثم ينظر ما يقع للنقض من الجميع، فإن كان الثلث مثل أن يكون قيمته مقلوعاً مطروحاً بالأرض مائة وقيمة البقعة مهدومة مائتين، قيل للشفيع إن: شئت أن تأخذ البقعة بالشفعة فخذها بثلثي الثمن كان أقل من قيمة البقعة أو أكثر إن كان الثمن ثلاثمائة وستين أخذها بالشفعة بمائتين وأربعين، وإن كان الثمن مائتين وأربعين أخذ الشفيع البقعة بالشفعة بمائة وستين، وهذا القول على قياس القول بأنه يحكم للأخذ بالشفعة بحكم البيع، والقول الثاني أنه يأخذ البقعة والثمن الذي باع به الأنقاض كان أقل من قيمته أو أكثر، ويؤدي جميع الثمن فإن كان
ثمن الأنقاض من جنس الثمن الذي اشترى به المشتري النقض قَاصهُ منه بثمن النقض.
ودفع إليه البقية، والقول الثالث أنه ليس للشفيع إِلَّا الأقل من قيمة النقض أو الثمن الذي بيع به، وهو اختيار محمد بن المواز، وهذان القولان على قياس القول بأنه يحكم للأخذ بالشفعة بحكم الاستحقاق، وقد رأيت لسحنون أنه قال في هذه المسألة: لمالك ثلاثة أقوال، وقد قِسْتُهَا فلم يعتدد عندي منها شيء، وأشهب يقول فيها أيضاً قولاً وفيها تنازع شديد، ولا أذكر في وقتي هذا قول أشهب، ويحتمل أن يريد سحنون أن النقض تفوت بالهدم، وهذا الذي يأتي في المسألة على حقيقة القياس بأن الأخذ بالشفعة بيع من البيوع وباللَّه التوفيق.
مسألة: يشترون الثمرة في رؤوس النخيل فباع بعضهم قبل أن يقتسموها
مسألة وسئل عن القوم يشترون الثمرة في رؤوس النخيل فباع بعضهم قبل أن يقتسموها هل لشركائه الشفعة أيضاً أم لا؟ أو يكونوا شركاء في الزرع فباع بعضُهم بعد ما حَلَّ بيعُ الزرع هل فيه شفعة؟ وفي المقاتي والبقول كلها أو ما تنبته الأرضُ هل فيه شفعة أو جَائِحَةٌ؟ . قال: قال مالك في الثمرة في النخل والعنب وما أشبهها من الأصول: لشركائه فيه شفعة إذا باع أحد منهم، والمساقاة كذلك، وقال لي مالك في الزرع: لا شفعة فيه، قال: وقال مالك: والجوائح توضع في هذه كلها الثلث فصاعداً إلَّا الزرع فإنه لا جائحة فيه وذلك أنه إنما يباع بعدما يَيْبَسُ.
قال محمد بن رشد: المشهور من الأقوال في الثمرة أن فيها الشفعة ما لم تَيْبَسْ وقد قيل: إن الشفعة فيها وإن يبست ما لم تُجَد حسبما ذكرناه في أول مسألة من سماع عيسى، والمشهور في الزرع أنه لا شفعة فيه، ويتخرج وجوبُ الشفعة فيه وإن يَبِس ما لم يحصد، وعلى قياس القول بوجوب الشفعة
في الثمرة ما لم تجد، وهو ظاهر قوله في أول رسم من سماع أشهب إن الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض.
وأما البقول فالمنصوص أنه لا شفعة فيها ويتخرج وجوب الشفعة، فيها أيضاً على قياس القول بوجوب الشفعة في الثمرة ما لم تجد وفي الزرع ما لم يُحصد وعلى ظاهر ما في سماع أشهب أيضاً من قوله: إن الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض، وقد مضى قولنا في آخر أول رسم من سماع أشهب وفي أول رسم من سماع عيسى ما فيه بيان لهذا.
وأما الجائحة فلا اختلاف في وجوب وَضْعِهَا في البيع إذا بيعت بعد أن أزهت وقبل أن تَيْبَسَ أو يَحِينَ جَدَادُهَا واختلف في وجوب وضعها في الشفعة على الاختلاف في الآخذ بالشفعة هل يحكم له بحكم البيع أو بِحكم الاِستحقاق حسبما مضى القول فيه في أول رسم من سماع عيسى، واختلف في وجوب وضعها في البيع إذا بيعت وأجيحَتْ بعد أن يبست وَحَانَ جَدَادُهَا واختلف على القَوْل بأنها توضع في البيع هل توضع في الشفعة أم لا؟ . على الاختلاف الذي ذكرناه في الآخذ بالشفعة هل يحكم له بحكم البيع أو بحكم الاستحقاق.
وحكمُ البقول في وجوب وضع الجائحة فيها في البيع حكمُ الزرع إذ لا يباع حتى يَيْبَسَ ويمكن حصاده، وحكمُ الثمرة إذا بيعت وأجِيحَتْ بعد تناهي طيبها وإمكان جدادها قيل: إنها توضع وقيل: إنها لا توضع، وفي البقول قولٌ ثالث: إنه يوضع فيها القليلُ والكثيرُ، واختلف أيضاً على القول بأنها توضع في البيع هل توضع في الشفعة أم لا على الاِختلاف الذي ذكرناه في الآخذ بالشفعة هل يحكم له بحكم البيع أو بحكم الاستحقاق وباللَّه التوفيق.
مسألة: الغائب إذا كان له شفعة فقدم من سفره
مسألة وقال أشهب في الغائب إذا كان له شفعة فقدم من سفره: إن له
أجل سنة من حين يقدم في آخرها وكذلك الصغير أيضاً له سنة من يوم يبلغ.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يعتبر بمدة مغيب الشفيع ولا بمدة صغره وبلوغه ومِلْكِه أمرَ نفسه إذا كان صغيراً أو مولى عليه، وقد مضى الاِختلاف في حد المدة التي تنقطع فيها شفعة الحاضر المالك لنفسه في رسم البز من سماع ابن القاسم فلا معنى لِإعادته وباللَّه التوفيق.
مسألة: الشفعة متى حد انقطاعها للحاضر
مسألة قال أصبغ بن الفرج: سئل أشهبُ عن الشفعة متى حَدُّ انقطاعها للحاضر؟ فقال: إذا كان مشتريها يعالج فيها شيئاً هدماً أو مرمة أو ما أشبه ذلك فلا أراها إلا وستنقطع قبلَ السنة، وإن لم يكن كذلك فسنة، قال أصبغ: ما أحسنها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم البز من سماع ابن القاسم فلا معنى لِإعادته وباللَّه التوفيق.
مسألة: البقول هل فيها شفعة
مسألة قال أبو زيد: وقال ابن القاسم في البقول: لا أرى فيها شفعة والمقاتي فإني أراها بمنزلة الأصول فيها الشفعة لأنها ثمرة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها قبل هذا فلا معنى لِإعادة شيء من ذلك وباللَّه التوفيق.
تم كتاب الشفعة من البيان والتحصيل بحمد اللَّه تعالى وحسن عونه وصلى اللَه وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.
: قسم حوائط النخل
[كتاب القسمة والشفعة]
مِن سَمَاع ابنِ القَاسم مِن مَالِك
روَايَة سَحْنُون مِن كِتَاب حَلَفَ
لَيَرْفَعن أَمْراً إلى السُّلْطَانِ
قال سحنون: أخبرني ابنُ القاسم عن مالك أنه قال في رجل هلك وترك نخلًا وترك عرقاً نحواً من خمسين عرقاً بخيبر ونحوها بواد القرى ومن ناحية الفرع ومن وراء المدينة إلى مكة نحو ذلك وفي ناحية الفرع مثلُ ذلك، وَيَقْسِمُ وَرَثَتُهُ على ثلاثة وعشرين سهماً، فقالوا: اقسموا كل أعرق على ناحيةٍ.
قال مالك: لا أرى ذلك لهم، كيف يأخذون نخلةً نخلةً؟! ورأى هذا وَجْهَ ضرورة، ولكن يُقسم ما بخيبر وواد القرى ومن ناحية الفرع، ويعدل في القسمة، وما كان من ناحية الفرع مثل ذلك، وما شابه وادي القرى وخيبر ثم يُقَوَّمُ ذلك ويقتسمونه، وتضم النواحي بعضها إلى بعض خيبر إلى واد القرى والفرع إلى ما كان من
ناحيتها ولم يَرَهُ مثل القطع التي وصفتُ لك قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: الحكمُ في قسم حَوَائِطِ النخل كالحكم في قسم الأرضين ما جاز من هذا قسمه بالسهمة جاز من هذا، وما لم يجز من هذا لم يجز من هذا، فإذا كانت الحوائط في موضع أو كانت قريبة بعضها من بعض مع استوائها في القرب من الحاضرة التي تعمر منها أو تشابهها في ذلك قسمت قسماً واحداً بالسهمة، وإن كان بعضها أقرب إلى الحاضرة بِيَسِيرٍ تخرج ذلك عندي على اختلافهم في جواز قسم الأرض بالسهمة إذا كان بعضها أكرم وأطيب من بعض؛ لأنها تتفق بالقرب كما تتفق بالكرم، فتختلف لذلك قيمتُها، وَحَد اليسير في ذلك الميل والميلان ونحو ذلك، وكذلك يختلف أيضاً في جواز قسمتها بالسهمة إذا بَعُدَ بعضها من بعض وهي على حد واحد في القرب من الحاضرة؛ لأن الأغراض تختلف في ذلك فتقسم قسماً واحداً على ما في كتاب القسمة من المدونة في الدارين أنها تقسم قسماً واحداً إذا استوت في النفاق وإن تباعدت في الموضع، ويأتي على ما في رسمِ الأقضية من سماع أشهب من هذا الكتاب في قسمة الدور أنها لا تقسم قسما واحدا إلا على التراضي، وأما إن كان بعضها أقرب إلى الحاضرة بكثير فلا تقسم قسماً واحداً بالسهمة لأنها لكثرة تباينها في القيمة كالصنفين، فقول مالك في هذه الرواية في الذي هلك وترك خمسين عرقاً بخيبر وخمسين عرقا بوادي القرى وخمسين في ناحية الفرع ويقسم ورثته على ثلاثة وعشرين سهماً لأن النواحي يضم بعضها إلى بعض فتقسم قسماً واحداً ولا يقسم نخل كل ناحية على حدة لأنه ضرر من أجل أنه لا يصير لكل واحد منهم إن قسموا كل عرق على حدة إلا نخلة نخلة، يريد إن دَعَا إلى ذلك بعضُ الأشراك لأن معنى قوله فقالوا: اقسموا كل أعرق على حدة أي فقال بعضهم ذلك إذ لو قال ذلك جميعُهم واتفقوا عليه لجاز على التراضي ولم يكن فيه كلام، فقول مالك في هذه المسألة يأتي مثل قول عيسى بن دينار في رسم حَمَلَ صبيا على دابة من
سماع عيسى في الأرض الكريمة والدنِيّة: إن الكريمة تقسم على حدة والدنية على حدة وإن كانت كل واحدة منهما تحتمل أن تقسم على حدة.
ويأتي في المسألة ثلاثةُ أقوال: أحدها أنها لا تقسم إلا على حدة، فإن لم تقسم على حدة بيعت على حدة وقسم الثمن بينهم إلا أن يتفقوا على قسمتها على التراضي بغير سهمه والثاني أنها تجمع في القسم وإن كانت تحتمل أن تقسم كل واحدة منهما على حدة والثالث الفرق بين أن تحتمل أن تقسم كل واحدة منهما على حدة أو لا تحتمل وهو قولُ مالك في هذه الرواية وقولُ عيسى بن دينارِ الذي ذكرته في مسألة الأرض الكريمة والدنية، وقول مالك في آخر المسألة وَلَمْ يره مثل القطع التي وصفت لك قبل ذلك يريد والله أعلم ولم يَرَ هذه الأعراق اليسيرة في كل ناحية التي لا تنقسم على سهام الورثة كالقطع الكثيرة التي تنقسم عليها.
ويتخرج في صفة قسمها بالسهمة فيما يقسم منها بالسهمة ثلاثة أقوال أحدها أنها تقسم قسماً واحداً من حيث تنتهي إليه سهامهم التي تنقسم منها وإن كان سهمُ أقلهم نصيباً ينتهي إلى عشرة أسهم أو أكثر، ثم يقرع بينهم إما على طرف بعد طرف، وإما على طرفين بعد طرفين فمن خرج سهمه على طرف ضم إليه بقية حقه منه وهو مذهب ابن القاسم في المدونة والثاني أنها تقسم على سهم أقلهم نصيباً فيسهم له على طرفين، فيأخذ سهمه حيث خرج له، ثم يقسم الباقي أيضاً على من بقي على سهم أقلِّهم نصيباً مما بقي إلى آخرهم، وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة، وذلك يتبين بالتنزيل، مثال ذلك أن تموت امرأة وتترك زوجاً وأماً وابناً وابنة فللأم السدس، وللابنة السدس وسدس السدس وللزوج السدس ونصف السدس وهو الربع، وللِابن السدسان وثلث السدس وهي تنقسم من ستة وثلاثين سهماً، وترك أربعة حوائط تنقسم الحوائط الأربعة على مذهب ابن القاسم ستة وثلاثين قسماً ثم يقرع بينهم إما على طرف بعد طرف وإما على الطرفين فمن خرج سهمه في
طرف ضم إليه بقية حظه فيه وتنقسم الحوائط على مذهب مالك أَولا أسداساً لأن سهم الأم أقل الأنصباء، فتأخذ سدسها في طرف من الأطراف بالسهمة، ثم تخلف الخمسة الأقسام الباقية فتقسم ثلاثين نصيباً، تأخذ الاِبنة منها سبعة أنصباء بالقرعة؛ لأن حقها من الثلاثين الباقية بعد نصيب الأم سبعة، ويأخذ الزوجِ منها تسعة أجزاء بالقرعة لأن حقه منها تسعة ويأخذ الاِبن منها أربعة عشر جزءا منها لأن حقه منها أربعة عشر جزءا، والقول الثالث ذهب إليه ابن حبيب وهو أن تقوم الحوائط كلها حائطا حائطا فيعرف حق كان وارث من جملة القيمة، ثم يسهم بينهم، فمن خرج سهمه على حائط منها وفي قيمته وفاءٌ من حقه أخذه ولم يكن له سواه ومن خرج سهمه على حائط منها وقيمته أكثر من حقه كان له منه بقدر حقه، ومن خرج سهمُه على حائط وقيمته أقل من حقه كان له جميعه وأَكْمِل له بقية حقه في أقرب الحوائط إليه مثَال ذلك أن يكون قيمة أحد الحوائط ستة، والثاني تسعة، والثالث سبعة، والربع أربعة عشر، فإن خرج سهم الأم على الحائط الذي قيمته ستة، وسهم الزوج على الحائط الذي قيمته تسعة، وسهم الاِبنة على الحائط الذي قيمته سبعة وسهم الِابن على الحائط الذي قيمته أربعة عشر انفصلوا وانفرد كل واحد منهم بالحائط الذي خرج إليه بالسهم، وإن خرج سهم الزوج على الحائط الذي قيمته ستة أخذه وبقية حقه من أقرب الحوائط إليه، فإن كان أقرب الحوائط إليه الحائط الذي قوم بستة كان له نصفه وإن كان أقرب الحوائط إليه الحائط الذي قوم بتسعة كان له منه ثلثه وإن كان أقرب الحوائط إليه الحائط الذي قوم بسبعة كان له منه ثلاثة أسباعه، وإن كان أقرب الحوائط إليه الحائط الذي قوم بأربعة عشر، كان له منه سبعة ونصف سبعة ثم يضرب لمن بقي من الورثة بالسهام على ما بقي من الحوائط فإن خرج سهم الأم على الحائط الذي قيمته تسعة كان لها منه ثلثاه مع الزوج إن كان أخذ منه ثلثه أو مع من يخرج له السهم عليه بعد ذلك إن كان لم يأخذ الزوج منه شيئاً، فإن خرج سهمها على الحائط الذي قيمته سبعة كان لها ستة أسباعه مع من يخرج له السهم عليه بعد ذلك إن
كان لم يأخذ الزوج منه شيئاً، وإن كان الزوج قد أخذ منه ثلاثة أسباعه كان لها بقيته وبقية حقها من أقرب الحوائط إليه على ما تقدم إلى أن ينقضي الاستهام بينهم في ذلك، وهو قول بعيد في النظر؛ لأن الأمر قد يؤول بينهم على القول إلى ألا ينفصل جميعهم عن الشركة أو إلى ألاَّ ينفصل عنها واحد منهم، وَقَوْلُ مالك في تكرير القسمة مرة بعد أخرى تعب وعناء، فقول ابن القاسم أصح في النظر وأولى والله الموفق.
مسألة: جعل الذين يحبسون مع القاضي ويقتسمون الدور في جعائلهم
مسألة وسئل مالك عن جُعْل الذين يحبسون مع القاضي ويقتسمون الدور في جَعَائِلهم فكرهه، وضرب لذلك وجها وقال قد كان خارجة ابن زيد ومجاهدٌ يقسمان ولا يأخذان شيئاً يعني مع القضاء، قال ابن القاسم: وذلك رأي وأرى أن ينظر الوالي في ذلك إلى رجل ممن يحتاج الناس إليه في ذلك فَيُجْرِي عليه عطاءً مع الناس كما يُجريه على الغزاة ومن يحتاج إليه في أمر المسلمين ويحبسه عليهم مثل القاضي وشبهه.
قال محمد بن رشد: هذا مثلُ ما في المدونة من كراهية أَرْزاق قسام القاضي، ووجه الكراهية في ذلك أن القاضي هو الحاكم بذلك على اليَتِيم باجتهاده فلعله لو كان مالكاً لأمره واحْتاج إلى القسمة لَوَجَدَ من يستأجره على ذلك بأقل مما جعله القاضي عليه، وكذلك إذا تحاكم عليه القوم واختصموا عنده في القسمة فقضي بها بينهم وأمر القاسمَ بذلك وجعل له الأجرة عليهم باجتهاده يكره له أخذُ ذلك إذ لعلهم لا يرضون بذلك المقدار الذي جعله له علمهم، وإن رضي بذلك المحكومُ له لا يرضي به المحكوم عليه، ولعلهم لا يرضون به قاسماً بينهم، وكذلك قال مالك في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الأقضية لمن سأله في هذا المعنى من القضاء: وليكن من
شَأْنِكَ أن تدعو الورثة فتأمرهم يرتضون رجلًا، فإذا ارتضوه وَلَّيْتَه أمرهم يحسب بينهم، فإني قد رأيت بعض من عندنا يفعل ذلك، فهذا كله بَيِّن في أن الأولى والأحسن لِقُسَّام القاضي أن يتنزهوا ويتورعوا عن أخذ الجعل على ما يأمرهم به القاضي من القسمة؛ كما كان يفعل خارجة بن زيد ومجاهد، ومن هذا المعنى جعل الشرط على الناس فيما يبعثون فيه من أمرهم، وقد مضى ذلك في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وأما إذا استأجر القومُ قاسماً يقسم بينهم فلا كراهية في ذلك، وكذلك قال في المدونة.
وكذلك أيضاً لا يكره أخذُ ما جعله له الإِمام من بيت المال على ذلك؛ لأن هذا وشبهه مما يحتاج إليه المسلمون ويعمهم نفعه فعلى الإمام أن يرزقهم من بيت مالهم، وبالله التوفيق.
: اشترى ثلاثة أخماس من حائط واشترى الآخر خمسين واختلفا في القسمة
ومن كتاب أوله باع غلاماً وسئل عن رجل اشترى ثلاثة أخماس من حائط، واشترى الآخر خُمُسَيْنِ ثم إن أحدهما دعا صاحبَه إلى القسم فأبى قال: تعال أقاومك فيتقاومان نخلة نخلة فدخلت عليهما وضيعة، قال مالك: الوضعية بينهما إنما لو باعها من رجل آخر يَتَردَّانِ النقصانَ بينهما ويجمعان الثمن ثم يترادان بعد ذلك النقصان.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله من أن الوضعية بينهما أخماساً كما كان يكون الربح بينهما لو ربحا في ذلك.
مثال ذلك أن يشتري أحدهما ثلاثة أخماس الحائط بثلاثين ويشتري الآخر خمسيه بعشرين، فيتقاومان الحائط صاحب الثلاثة الأخماس على صاحب الخُمسين بأربعة دنانير؛ لأن الواجب لصاحب الثلاثة الأخماس من جميع الثمن وهو أربعون ثلاثة أخماسه وهو أربعة وعشرون عنده من ذلك عشرون، بقيت له على صاحبه
أربعة يرجع بها عليه كما لو باعا جميعاً الحائط من أجنبي بأربعين لوجب لصاحب الثلاثة الأخماس منها أَرْبعة وعشرون ولصاحب الخمسين ستة عشر.
: الغائب يأتي إلى شريك له فيقول له تعال أقاسمك فيقول قد قاسمتك
ومن كتاب المحرم
يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن الرجل الغائب يأتي إلى شريك له فيقول له: تعال أقاسمك فيقول: قد قاسمتك، وهذه ناحيتي التي أسكن فيها، وهذه ناحيتك، ويقول الآخر: ما قاسمتك شيئاً، على من ترى البينة؟ قال: إن أولاهما بالبينة الذي يقول قد قاسمتك.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال لقوله النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» والذي يدعي القسمة مدع فعليه إقامة البينة إلا أن يَحُوز عليه في وجهه تلك الناحية مدة تكون فيها الحيازة عاملة فيكون القولُ قولَه فيما ادعاه من القسمة مع يمينه، وقد مضى الاِختلاف في قدرها وتحصيل القول في ذلك بين الأجنبيين وغيرهم في رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاِستحقاق.
مسألة: يرثان الدار فيقع لأحدهما مواريث بعضها بعد بعض فيريدان القسم
مسألة وسئل عن الرجل والمرأة يرثان الدَّار فيقع لأحدهما مواريث بعضها بعد بعض فيُرِيدَانِ القسم أترى أن يجمع له حظه كله في قسم واحد أم يقسم على ما ورثا؟ قال: بل يجمع حظه كله في قسم واحد كل ما ورث من ذلك المورث بعد المورث أو اشتراه في قسم واحد ولا يَجْمَعُ من يَقْسِمُ منهم لرجلين يقسم كل واحد منهما حقه، قال ابن القاسم: يريد أَلَّا يجمع لاثنين من الورثة سهمهما في
موضع واحد ويقسم لكل واحد منهما حقه على حدة.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله: إن القسمة لا تكون إلَّا على ما انتهى إليه حظه بالمواريث والأشرية، وإن كان ذلك شيئاً بعد شيء، إذْ لا يصح أن يقسم له بعض حقه ويبقى شريكاً ببعضه إلا مع اتفاقهما على ذلك، وذلك بيّن إذا كانت الدراهم تنقسم على ما انتهى إليه حقه فيها وقد كانت تقسم على ماله فيها ولا يشبه أن يكون من حقه أن يقسم له حقه الأول منها إذا كان الزائد بميراث؛ لأنه يقول: قد وجب لي القسمة فليس الميراثُ الذي وجب لي بالذي يُسقط حقي في القسمة وألا يكون ذلك من حقه إذا كان بشراء أو هبة بعدها.
وأما قوله: إنه لا يجمع حظ اثنين في القسم فهو قوله في المدونة، ومعناه إذا لم يكونوا أهل سهم واحد مثل الزوجات والبنات والجدات والأخوات والإِخوة للأم؛ لأن أهل السهم الواحد يجمع حظهم في القسمة، وأما غير أهل السهم الواحد لا يجمع حظهم في القسم يريد بالسهمة؛ لأنه غرر، وأما في القسم على المراضاة بغير سهمه فذلك جائز وبالله التوفيق.
: ورثوا أرضين مفترقة فأراد بعضهم أن يجعل نصيبه في موضع وأبى الآخرون
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان المضمون سئل مالك عن قوم ورثوا أرضين مفترقة فأراد بعضهم أن يجعل نصيبه في موضع وأبى الآخرون أن يفعلوا ذلك، وقالوا: نقطع نصيبك من كل أرض، قال مالك: إن كانت الأرضون متقاربة، وكانت كلها بنضح أو بعين كلها، رأيت أن يجمع له نصيبه في موضع واحد، وإن كانت متباعدة بعضها من بعض في مثل قرى مختلفة رأيت أن يُعْطى نصيبَه من كل أرض، ومعنى قوله أن يجمع ما يسقى
بالعين إن كانت الأرضون متقاربة وأن يجمع ما يسقى بالنضح إن كانت الأرضون متقاربة ولا يجمع بين النضح والعين في القسم، وإن لم تتقارب لم يجمع له نصيبه وإن كانت بنضح كلها.
قال محمد بن رشد: قد مضى في أول مسألة من السماع تحصيلُ القول في البُعد من القرب المانع من الجمع في القسمة، فلا معنى لإِعادته، ونص في هذه الرواية على أنه لا يجمع النضح مع السقي بالعين ولم ينص فيها هل يجمع ما يسقى بالعين مع البَعِل أم لا؟ وظاهرها أنها لا تجمع مثل ما في الواضحة وسماع أشهب منصوص عليه، خلافُ ما في الموطأ من أن البعل يقسم مع العين إذا كان يشبهها، وأما النضح فلا يقسم مع البعِل ولا مع العين قولًا واحداً على ما نص عليه في هذه الرواية، وفي الموطأ وفي الواضحة، واختلف إذا كانت كلها بعلاً أو تسقى بعين أو بنضح وبعضها أفضل من بعض على ما سيأتي القولُ فيه في رسم حمل صبيا من سماع عيسى وبالله التوفيق.
: الأرض فيها النخل بعضها أقرب من بعض بين أشراك فأرادوا القسمة
من سماع أشهب وابن نافع
من مالك روايةَ سحنون قال أشهب وابنُ نافع: سألنا مالكاً عن الأرض فيها النخل بعضها أقرب من بعض من الماء، وهي بين أشراك فأرادوا القسمة، قال: يقسم بالقيمة فيفضل ما كان قرب الماء؛ لأنه ربما بعد النخل من الماء وقل الماء فلم يشرب الماء من النخل إلا ما قرب، تكون هذه التي هي أقرب إلى الماء مائة نخلة، والتي على أثرها، خمسين ومائة، والتي خلفها ثلاثمائة يقسم ذلك بالقيمة.
قال محمد بن رشد: هذا على الاختلاف في جمع الأرض في القسمة إذا كان بعضها أفضل من بعض وسيأتي ذلك في رسم حمل صبيا من
سماع عيسى بعد هذا وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
[: الإِخوة للأم يرثون الثلث فيقول أحدهم اقسموا لي حصتي على حدة]
ومن كتاب أوله مسائل بيوع قال: وسألته عن الإِخوة للأم يرثون الثلثَ فيقول أحدهم: اقسموا لي حصتي على حدة ولا تضموني إلى إخوتي، قال: ليس ذلك له حتى يقسم له ولإخوته جميعاً الثلث، ثم يقاسمهم بَعْدُ إن شاء، وكذلك أزواج الميت يرثن الربع أو الثمن فتقول إحداهن: اقسموا لي حصتي فتقع حصة هذه هاهنا وحصة هذه هاهنا فلا أرى ذلك لهن حتى يقتسم لهن جميعاً، فيقتسمن بعد أن يقسم لهن جميعاً إن شئن، وكذلك العصبة الإِخوة وغيرهم يقول بعضهم: اقسموا لي حصتي فليس ذلك لهم حتى يقسم للإِخوة للأم حصتهم وللأزواج حصتهن ثم يقسم العصبة ما صار لهم إن شاؤوا.
قال محمد بن رشد: أما أهل السهم الواحد وهم الزوجات والبنات والأخوات والجدات والإِخوة للأم والموصى لهم بالثلث فلا اختلاف أحفظه أنه يجمع حظهم في القسمة بالسهمة شاؤوا أو أبوا؛ لأنهم بمنزلة الواحد.
وأما العصبة فاختلف على ثلاثة أقوال أحدها أنهم كأهل السهم الواحد يقسم لهم بحقهم معاً ثم يقتسمون بَعْدُ إن شاؤوا وهو قوله في هذه الرواية وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنهم ليسوا كأهل سهم واحد فلا يجمع حظهم في القسمة بالسهمة وإن رضوا، وأراه قول المغيرة، ويحتمل أن يكون ذهب إليه سحنون، ولذلك طرح من كتاب القسمة من المدونة جملة المسألة التي وقع من قول ابن القاسم في آخرها متصلا بقول مالك فيها، وقد قال لي مالك: ما أخبرتك أنه لا يجمع نصيب رجلين في القسم، وهذا في أهل الميراث كلهم غيرها ولاء، وهذا تفسير مِنِّي عن قول مالك، والثالث أنه لا
يجمع حظهم في القسم بالسهمة إلا ولا يريدوا أن يقتسموا، وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه فسر قول مالك فيها فيمن ترك زوجة وعصبة وترك أرضاً: إِن المرأة يضرب لها بحقها في أحد الطرفين، فقال معناه عندي إذا كان العصبة واحدا أو عدداً لا يريدون القسمة، وقد اختلف في تأويل قول مالك: إِن المرأة يضرب لها بحقها مع العصبة في أحد الطرفين فقيل: إنه يضرب لها في أحد الطرفين مع الورثة من كانوا ثم يقتسمون بَعْدُ إن أحبوا وهو ظاهر قول مالك في المدونة ورواية ابن الماجشون عن مالك، وقيل: إن ذلك مع العصبة بخاصة إذا لم يريدوا أن يقتسموا وبالله التوفيق.
: المرأة يموت زوجها أيقتسم ماله قبل أن يستبرأ رحمها
ومن كتاب الأقضية الثالث قال: وسئل عن المرأة يموت زوجها أيقتسم ماله قبل أن يستبرأ رحمها؟ فقال: إن كانت حاملًا لم يقتسم الميراث حتى تضع، قيل له: إنما مَاتَ زوجها ولم يعلم أنها حامل أيؤخر الميراث حتى يستبرأ رحمها بحيضة فقال: ما سمعت بهذا ولكن إن كانت حاملًا أُخِّرَ الميراث ولم يقسم حتى تضع ما في بطنها ثم سُئل بعد ذلك؛ فقيل له أيضاً: توفي وله امرأة قد أَبْطَأَتْ عنها حيضتُها أيُقتسم ميراثه حتى تحيض؟ فقال: لا يُقتَسَم ميراثه ولا يعجل فيه حتى يتبين من حملها فقيل له: حتى يستبرأ، فقال: ليس حتى يستبرأ، ولكن لا يعجل في قسم ميراثه حتى ينظر في ذلك من أمرها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم العتق من هذا السماع من كتاب العتق أن الميراث لا يقتسم حتى توضع الحمل، فإن قال الورثة: نحن نجعل الحمل ذكراً ونعزل له ميراثه لم يكن ذلك لهم، قال أصبغ: فإن فعلوا فسخت القسمة ووقف جميعُ المال فإن غُصِبَ سهمُ الورثة يريد في أيديهم بعد
أن أخذوه قبل أن تفسخ القسمة ويوقف المال ووُلِدَ المولود أُعطي نصيبه ومضى الضمان عليهم، وإن تلف سهم المولود وسلم سهمهم أُعطي سهمه مما بأيديهم وابتدئت القسمة فيه لا من الجميع، هذا قولُ أصبغ إلا ما زدْته فيه على سبيل البيان والتفسير، ولو تلف الجميع سهم المولود الذي وقف له وَسِهَامُهم التي أخذوها بأيديهم لوجب أن يرجع عليهم بحظه مما تلف بأيديهم لأنهم تعدوا بأخذه لا بحظه من الجميع؛ لأنهم فعلوا في توقيف حظه ما وجب إذ كان الواجب أن يوقف الجميع، وكذلك إن كان له ولد فقالت امرأته: عجلوا لي الثمن لأنه لي واجب وضعتُ ذكراً أو أنثى أو أنفش الحمل أو لم تضع شيئاً لم يكن ذلك لها، قال مالك في المبسوطة: فإن جهلوا ذلك فأعطوها ميراثها ثم تلف المال بعد ذلك أو هلك أو نقص لم أر أن يرجعوا عليها بشيء مما أعطوها، قال ابن القاسم مفسراً لِقول مالك: أما من قاسمها فلا يرجع عليها بشيء، وأما الحمل فإنه يرجع على من كان من الورثة مَلِيّاً فيقاسمهم ما في أيديهم ويتبع هو وهم المُعدمين.
قيل له: فما فرق بين ذلك وبين الورثة إذا اقتسموا ثم طرأ ولد لم يرجع ذلك الولد على الأملياء دون المعدمين، لكن يرجع على المليء والمعدم بقدر ما صار في يديه من مصابته؟ فقال: فرق ما بينهما لِأن الذين اقتسموا المال قبل أن يوضع الحمل صنعوا ما لا يجوز لهم، وإن الذين اقتسموا المال وله ولد لم يعلموا به صنعوا ما كان يجوز لهم، فهذا فرق بينهما، وأراه قولَ مالك، قال ابن القاسم: فإن أعتق أحدُ الورثة رأساً من رقيق الميت قبل أن يوضع الحمل قُوِّمَ عليه فعتق عليه كله، ومعنى ذلك عندي إذا كان يرث مع الحمل ولم يكن الحمل يَحْجُبُه، واللَّه أعلم.
واختلف إذا أوصى بوصايا وله حمل، فقيل: إنها لا ننفذ الوصايا وينظر الحمل، وهو قول مالك في رسم البز من سماع ابن
القاسم من كتاب الوصايا، وقولُهُ أيضاً في رواية ابن أبي أويس عنه، وقولُ محمد بن مسلمة، قال: لِأنَّ ما يهلك يهلك من رأس المال وما زاد زاد من رأس المال، فيكون الموصى له قد استوفى وصيته على غير ما ورث الورثة، وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط أن الوصايا تُنَفَّذُ ويؤخر الورثةُ القسمةَ حتى تضع المرأة، وهو قول أشهب في بعض روايات العتبية من رسم البز من الكتاب المذكور.
وأما الدَّين فإنه يُؤَدِّي من تركته ولا ينتظر به وضع الحمل، هذا ما لا أعرف فيه خلافاً إلا ما ذكر فيه عن بعض الشيوخ من الغلط الذي لا يعد في الخلاف، قال البَاجِي: شهدتُ ابن أيْمَن يَحكي في ميت مات وترك امرأته حاملًا أنه لا يقسم ميراثه ولا يؤدي مِنْه دَيْنه حتى يوضع الحمل فأنكرتُ ذلك، فقال: هذا مذهبنا ولم يأت ابن أيمن بحُجَّة، والصحيح أن يؤدي دينه ولا ينتظر الحمل، ولا يدخل في هذَا اختلاف قول مالك في تنفيذ الوصية قبل وضع الحمل للورثة الرجوع على الوصي لهم بثلثي ما قبضوا ولعلهم سواء كانوا معينين أو غير معينين فلا يجدون على من يرجعون، وأما تأخير أداء الدَّين حتى يوضع الحمل فلا علة توجبه بل يجب ترك التوقيف وتعجيل أداء الدين مخافة أن يهلك المال فيبطل حق صاحب الدين من غير وجه منفعة كان في ذلك للورثة وإذا وجب أن يقضي دين الغائب مما يُوجَدُ له من المال مع بقاء ذمته إِن تلف المال الموجُود له كان أحرى أن يؤدي الدين عن الميت من تركته لوجهين أحدهما أن الميت قد انقطعت ذمته، والثاني أن الحمل لا يجب له في التركة حق حتى يولد حَيّا ويستهل صارخاً، ولو مَات قبل ذلك لم يورث عنه نصيبه، والغائب حقه واجب في المال الموجود، ولو مات ورثه عنه ورثته،