البيان والتحصيلصفحات 118-143
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح الخامس

صفحات 118-143
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني: أن القول قول الزوج حيثما أخذهما الغلق، ما لم تكن خلوة بناء، وهو قول عيسى بن دينار.
والثالث: الفرق بين أن يكون أخذهما الغلق في بيته، أو في بيتها.
وهو قول مالك الثاني، ومذهب ابن القاسم، على ما روي عن سعيد بن المسيب.
والرابع: أنها إن كانت ثيبا فالقول قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء، فإذا رأيْن لها أثر افتضاض صُدقت عليه، وإن لم يرين لها أثر افتضاض، لم يكن لها إلا النصف من الصداق.
حكى ذلك عبد الوهاب عن مالك وبالله التوفيق.

مسألة: المريض يوصي إن حدث به حدث الموت فقد زوجت ابنتي من ابن أخي

مسألة قال أصبغ: سألت أشهب وابن وهب عن المريض يوصي إن حدث به حدث الموت، فقد زوجت ابنتي من ابن أخي، وأصدقتها عنه مائة دينار من مالي، فيموت، فقالا: النكاح جائز.
قال أشهب: ولا يكون لها من مال الأب شيء، ولا يؤخذ الصداق من ماله، ويقال لابن الأخ: أعط الصداق من مالك والنكاح ثابت، فإن أبى ترك النكاح، ولا شيء عليه.
وقاله ابن القاسم حرفا بحرف اجتمعا عليه.
وقال ابن وهب: يؤخذ من مال الميت وهي وصية لزوج.
قلت لابن وهب: فإن أبى أن يكون له من المال شيء؟ قال: لا.
قلت: أَفَتَرَى الآن أنها وصية للبنت، لو كانت وصية للزوج، كانت ها هنا؟ فقال: إنما هي له وصية على شيء، إن فعله تمت له، وإلا لم تتم له، كالذي يقول: إن أحسن فلان كفالة ولدي والقيام معهم وكفلهم بأعيانهم فقد زوجته ابنتي، أو قد وصلته بكذا

وكذا، فإن فعل كان ذلك له، وإلا لم يكن له شيء.
قال أصبغ: وقول أشهب وابن القاسم، أعجب إليّ؛ لأنها تصير وصية للبنت، وهي المرأة، فإن تم الفعل منه تم لها فهي وصية لوارث، وأراه قول مالك أيضا.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذا السماع ما فيه بيان لهذه المسألة، ومضى القول فيها مستوفى في رسم العارية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك هنا وبالله التوفيق.

مسألة: الوصي بمنزلة الأب في جميع أمور الولد الصغار

مسألة قال أصبغ: الوصي بمنزلة الأب في جميع أمور الولد الصغار، كلما جاز للأب فيهم جاز للوصي، إلا شيئا واحدا، ليس له أن يزوج الصغيرة إلا برضاها؛ للحديث: «اليتيمة تُستأذن في نفسها» . قال أصبغ: ولو تزوجت أم الصبيان، كان الوصي أولى بحضانتهم من أمهم، جواري كانوا أو غلمانا، وإن كن الجواري قد بلغن أبكارا، فالوصي أولى بحضانتهن من أمهن إن تزوجت.
قيل له: فإن كان لهن أخ أو عم أو ابن عم عدولا رضا، أفلا يكون هؤلاء أولى بحضانة الجواري والصبيان من الوصي؟ قال: لا الوصي أولى بحضانتهم، ويكونون عنده من إخوتهم وإن كانوا رضا، وإن انتقل الوصي إلى بلد آخر، كان له أن يحملهم معه، الجواري والصبيان، وليس لإخوتهم، ولا عمومتهم أن يأخذوهم منه؛ لأنه بمنزلة أبيهم في كل شيء، إلا تزويج الإناث فقط قبل أن

يبلغن، وما سوى ذلك فهو والأب سواء.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة في الوصي: ليس له أن يزوج الصغيرة إلا برضاها، كلام وقع على غير تحصيل؛ لأن الصغيرة ليس له أن يزوجها وإن رضيت، إذ لا رضى لها قبل البلوغ، فهو بخلاف الأب، في أنه لا يزوج الصغيرة أصلا، ولا البكر البالغ إلا برضاها.
وقال: إنه أحق بحضانة الغلمان والجواري وإن بلغن، من الأم إذا تزوجت، ومن جميع الأولياء.
وقد اختلف في ذلك، فقيل: إنما يكون الوصي إذا تزوجت الأم أحق بحضانة بنيها الذكور، وأما الإناث، فكونهن مع زوج أمهن؛ لأنه محرم منهن أولى من كونهن مع الوصي، إذ لا حرمة بينه وبينهن، إلا أن يخاف عليهن عند الأم غير الزوج، فيكون الوصي أولى بحضانتهن، وكذلك ابن العم، بخلاف الأخ والعم، لا اختلاف في أن الأخ والعم أحق من الأم بحضانة ابنتها إذا تزوجت.
وقع هذا المعنى لمالك في كتاب ابن المواز.
وهذا إذا أراد الوصي أو ابن العم أن تكون الابنة معه ومع أهله في داره، وأما إن أراد أن يعزلها قي موضع من يقوم عليها من ثقات النساء ولعلهن لها قرابات، فيكون أحق لها من الأم إذا تزوجت والله أعلم.

مسألة: الرجل يزوج ابنته البكر ويقر بقبض الصداق

مسألة قلت: أرأيت الرجل يزوج ابنته البكر ويقر بقبض الصداق وذلك في صحة أو مرض؟ قال: إن كان في مرض اتهمته أن يكون إنما أراد بذلك الابنة، بمنزلة الذي يزوج ابنته ويتحمل الصداق وهو مريض، فيجوز النكاح، ولا يكون عليه الاحتمال؛ لأنها وصية للابنة.
ولا تجوز وصيته لوارث، فإن كان صحيحا جاز ذلك على الأب إن كان موسرا، وإن كان معسرا اتبعته به دينا.
قلت: فإن قال الأب قبضته وضاع مني، ولم يكن عند الزوج بينة بالدفع إلا إقرار الأب.
قال: إن كانت البنت بكرا لزمها ذلك،

وكان قبضه لها قبضا، وضياعه منها ضياع، ولم يكن على الزوج شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان في مرض اتهمته أن يكون إنما أراد بذلك الابنة، يريد: إن كان ذلك كله في مرض التزويج والإقرار، وفي حال واحدة أيضا، وذلك مثل أن يقول: أشهدكم أني قد زوجت ابنتي من فلان بكذا وكذا وقبضته منه، فهذا هو الذي يكون بمنزلة من يزوج ابنته في مرضه ويتحمل الصداق عنه، كما قال.
ويدخل ذلك من الاختلاف ما دخله، وأما إن زوج ابنته في صحته أو في مرضه بصداق مسمى، ثم أقر بعد ذلك في مرضه أنه قبض منه، فإن كان الزوج موسرا أخذت ذلك من مال الأب إن كان له مال، واتبعته به دينا في ذمته إن لم يكن له مال، وكان للزوج أن يدخل بها عند ابن القاسم، خلاف قول أشهب فيما تقدم إنه إن لم يكن له مال، لم يكن للزوج إليها سبيل، إلا بدفع الصداق، يدفعه ويتبع به الميت المقر، وإن كان الزوج معدما، لم يجز إقراره في المرض؛ لأن ذلك وصية ابنته.
وأما إن أقر في صحته أنه قبضه منه، فيبرأ الزوج بإقراره على كل حال عند ابن القاسم، ويكون للزوج أن يدخل بها، فإن ادعى الأب تلفه صُدق مع يمينه، من أجل حق الزوج، وكانت مصيبته منها، وإن لم يدع تلفه وكان معسرا، اتبعته به دينا، ولا يكون للزوج أن يدخل بها عند أشهب وابن وهب، حتى يؤدي الصداق إن كان الأب معسرا وادعى تلفه، فإقرار الأب في مرضه الذي مات منه بقبض صداق ابنته، يكون في حال وصيته لابنته لا يجوز، وذلك إذا كان إقراره بعد العقد والزوج عديم، وفي حال وصية جائزة للزوج، وذلك إذا كان إقراره بعد العقد، والزوج موسر، وفي حال يختلف، هل يكون إقراره وصية له أو لها؟ وذلك إذا كان إقراره مع العقد في حال واحدة.
والله الموفق.

مسألة: رجل شرط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها

مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن رجل شرط لامرأته أن كل

امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها، فيتزوج عليها سرا، وكتمها، ثم طلق التي شرط لها ذلك، قال: ذلك بيدها وإن طلقها.
وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة وما فيها من الاختلاف في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته.

مسألة: الرجل يتزوج على المرأة على أن يستشير فلانا

مسألة قال أصبغ: قلت لابن القاسم: ما تقول في الرجل يتزوج على المرأة على أن يستشير فلانا؟ قال: لا يحل ويفسخ، دخل أو لم يدخل، إلا أن تكون مشورة فلان قريبا، وهو حاضر في البلد، فيرسلان إليه في فورهما ذلك، ليعلما رأيه فيجوز ذلك.
قلت: فإن كان كذلك فمات أحد الزوجين قبل أن يستشار فلان ورضي؟ قال: لا.
قلت: فإن قال المستشار: لا أرضى، ويقول الزوج: قد رضيت، أيثبت النكاح؟ قال: نعم ذلك له وهو ثابت.
قلت: فإن قال الزوج قبل أن يستشير فلانا: أنا أثبت النكاح ولا أستشير فلانا، قال: ذلك له أيضا، وهو بمنزلة الرجل يبيع السلعة على هذه الوجوه.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يتزوج المرأة على أن يستشير فلانا: إن النكاح يفسخ دخل أو لم يدخل هو أحد قولي مالك في المدونة، وفي رسم باع شاة من سماع عيسى.
وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته.
وقوله: إلا أن تكون مشورة فلان قريبا وهما حاضران، فيرسلان إليه

في فورهما؛ ليعلما رأيه، فيجوز ذلك معناه: إذا كان ذلك في مجلسهما قبل أن يفترقا منه فيقوم من هذا، جواز النكاح على خيار المجلس.
وقد مضى القول على ذلك أيضا في رسم باع شاة المذكور.
وأما قوله إذا مات أحد الزوجين قبل أن يستشار فلان، إنهما لا يتوارثان، فهو صحيح، لا اختلاف فيه.
وسقوط الميراث قبل الرضا وقبل المشورة، هي العلة في فساد النكاح على الخيار، أو على المشورة إلى ما بعد المجلس وإن قرب، وأما إن مات أحدهما بعد الرضا أو بعد المشورة وقبل الدخول، أو قبله وبعده، على القول بأنه يفسخ بعده، فيجري ذلك على الاختلاف الواقع في المدونة وغيرها، في وجوب الميراث والطلاق فيما يفسخ بحكم من الأنكحة التي اختلف أهل العلم في جوازها.
وقوله: إن للزوج الذي اشترط المشورة أن يتركها وأن يخالف ما يشير عليه به المستشار صحيح لا اختلاف في المذهب أحفظه إلا ما حكى أبو إسحاق التونسي من أن ظاهر ما في كتاب ابن المواز المشورة، كالخيار في أن المستشار إذا سبق فأشار بشيء لزم، وهو بعيد.
وقوله: وهو بمنزلة الرجل يبيع السلعة على هذه الوجوه: يريد في الحد الذي يجوز فيه الخيار والمشورة في النكاح وهو المجلس، على ما دلت عليه هذه الرواية.

النصراني يوصي إليه أخ له مسلم أو عبد يوصي إليه أو امرأة يوصي إليها

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر، من عبد الرحمن بن القاسم.
قال أبو زيد: وقال ابن كنانة وابن القاسم في النصراني يوصي إليه أخ له مسلم، أو عبد يوصي إليه، أو امرأة يوصي إليها، إنهم كلهم يزوجون الغلمان، ولا يزوجون الجواري.
وقال: لا يزوج العبد ابنته الحرة ويزوج ابنه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم باع شاة وغيره من سماع عيسى، وهو مبين لما في المدونة ولما في كتاب ابن المواز ولما في رسم سنّ من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك القول في هذه المسألة مجردا.
وتحصيل من يجوز للمرأة والعبد والنصراني، أن يلي عقد النكاح عليه، وفيمن لا يجوز لواحد منهم أن يلي العقد عليه، ويجوز له على ذلك، الاستخلاف، وفيمن لا يجوز لهم ولاية العقد عليه ولا الاستخلاف على ذلك، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق

مسألة وسئل ابن وهب عن الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق، إن ذلك لازم للابن وإن كبر؛ لأنه وطئ عليه، وأنه لا يفسخ النكاح لذلك، دخل أو لم يدخل، والشروط لازمة له؛ لأن أباه الناظر له.
قال محمد بن رشد: إلزامه الشروط التي شرط عليه أبوه وهو صغير، خلاف مذهب ابن القاسم فيما يأتي بعد هذا السماع، وخلاف ما حكى عنه ابن حبيب من رواية أصبغ، وعن ابن الماجشون، من أنها لا تلزمه إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، فإن أبى من التزامها لم يلزمه النكاح، ولا شيء من الصداق، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشروط عنه، فيلزمه النكاح، فإذا دخل بها قبل البلوغ أو قبل العلم بالشروط سقطت عنه، وإن دخل بها بعد البلوغ، وبعد أن علم بالشروط لزمته.
وفي كتاب محمد بن المواز عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه إنه إن لم يرض قبل البناء بالشروط، قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق، فإن طلق فعليه نصف المهر.
وهذا إذا اعتبرته من قول ابن القاسم مثل قول ابن وهب، ومثل قول ابن الماجشون، في الذي يزوج ابنه الصغير ولا مال له، فيكتب الصداق عليه، إن ذلك لازم له.
وقد مضى ذلك في رسم "باع شاة" من سماع عيسى.

مسألة: رجل يزعم لقوم أنه من فخذ من العرب فيوجد من غير ذلك الفخذ

مسألة وعن رجل يزعم لقوم أنه من قريش، أو من فخذ من العرب، فيوجد من غير ذلك الفخذ.
قال ابن القاسم: إن كان مولى فالمرأة بالخيار، إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت، إذا كانت عربية، وأما إن كان عربيا وهو من غير القبيل الذي سمّى، فلا أرى لها خيارا، وأراها امرأته، إلا أن تكون قرشية، تزوجت على أنه من

قريش، فإذا هو من العرب، أو تكون عربية، تزوجت على ادعائه، فذلك لها.
قال محمد بن رشد: اضطرب قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن قوله في أولها: إذا كانت عربية، يدل على أنها إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش أو من العرب، فوجد من الموالي، فلا خيار لها من أنها إذا كانت من العرب فتزوجته على أنه من قريش فوجد من العرب فلم ير لها على هذا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد الزوج أدنى منها، مثل أن تكون من العرب فتزوجته على أنه من العرب أو من قريش، فيوجد من الموالي، أو تكون من قريش، فتتزوجه على أنه من قريش، فيوجد من الموالي أو من العرب.
وقوله في آخرها: أو تكون عربية تزوجت على ادعائه، يريد تزوجته على أنه من قريش، فوجد من العرب، فلها الخيار، خلاف قوله أولا إذ جعل لها الخيار إذا وجدته أدنى مما شرطت وإن كان مثلها ولم يجعل لها أولا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد أدنى منها، ويلزم على قوله آخرا إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش، فوجدته من العرب أو من الموالي، أو على أنه من العرب، فوجدته من الموالي أن يكون لها الخيار، وهو أظهر على قياس قولهم فيمن ابتاع عبدا على أنه من جنس، فوجده من جنس آخر أدنى من ذلك الجنس، فتحصيل هذا أنه إذا وجدته أفضل مما شرطت لم يكن لها خيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت، وأدنى منها فلها الخيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت وهو أرفع منها أو مثلها ففي ذلك قولان: أحدهما أن لها الخيار، والثاني لا خيار لها، وهما قائمان من هذه الرواية، على ما بيناه.
وإذا وجب لها الخيار فاختارت نفسها قبل الدخول، فهي تطليقة بائنة ولا شيء لها من الصداق، وإن لم تعلم حتى دخل بها، فاختارت نفسها بعد الدخول، فهي تطليقة بائنة أيضا إن لها جميع صداقها؛ لأنها قد استوجبته بالمسيس.
وكذلك الحكم في الرجل يتزوج المرأة على أنها من قريش أو من العرب، فتوجد على غير ذلك، يكون للرجل الرد، حيث يكون للمرأة الخيار وبالله التوفيق.

مسألة: يتزوج المرأة ثم يجدها لغية

مسألة وعن الرجل يتزوج المرأة ثم يجدها لغية إنها إن كانت حين خطبها انتسبت له، فقالت: أنا فلانة ابنة فلان، فإني أرى النكاح مفسوخا، فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل منها قبل، فإن كان ذلك إنما هو في أبيها وجَدّ أبيها لغية، هل يفسخ النكاح عنه؟ قال: لا أرى أن يفسخ بذلك، وليس هو في أبيها بمنزلته فيها، والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة.
قال محمد بن رشد: قوله: فإني أرى النكاح مفسوخا، معناه إن له أن يفسخه عن نفسه، فلا يلزمه شيء من الصداق إن كان قبل الدخول، ويكون الفسخ فيه تطليقة؛ لأنه نكاح فاسد، فيكون مفسوخا بالحكم.
وقوله: إذا كان دخل بها فلها صداقها ما استحل منها، خلاف المعلوم من قولهم: إن له أن يرجع عليها؛ لأنها غرته إذا انتسبت له، ويترك لها من صداقها قدر ما يستحل به الفرج، وإنما يكون لها صداقها بما استحل منها، إذا كان وليها الذي أنكحها هو الذي نسبها له، وغره منها، فيكون هو الذي يجب الرجوع عليه، والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها.
قال مالك: وإنما يكون ذلك غرم على وليها إذا كان وليها الذي أنكحها أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إن كان وليها الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد المرأة ما أخذت من صداقها، ويُترك لها قدر ما تستحل به.
وقوله: والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة، يريد: أنها إذا تزوجته على نسب فوجدته لغية، فلها الخيار وإن كانت مولاة، وإن كانت هي لغية، فتزوجته على نسب، فوجدته لغية، فعلى ما تقدم من الاختلاف في المسألة التي قبل هذه.

مسألة: يجعل بضع ابنته بيد أخيه هل ينكحها العم بغير إذن الأب

مسألة وقال: في الرجل يجعل بضع ابنته بيد أخيه، هل يُنكحها العم بغير إذن الأب، والأب بغير إذن العم؟ قال: نعم من أنكحها منهما فهو جائز.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الأب لا تسقط ولايته عن ابنته بجعله بضعها بيد أخيه، فإنكاح من أنكحها منهما جائز.
فإن أنكحها كل واحد منهما ولم يعلم بإنكاح صاحبه، فهي للأول منهما، إلا أن يدخل بها الآخر.
قال ذلك مالك في المدونة وغيرها.

مسألة: العبد يتزوج بغير إذن السيد

مسألة وسئل عن العبد يتزوج بغير إذن السيد، فيراه السيد يدخل على امرأته، هل يلزم السيد الصداق حين رآه ولم يكن أذن له في النكاح؟ قال: إن شهد على أن السيد علم بنكاحه وأقره، رأيت النكاح جائزا، ورأيت الصداق على العبد بما أقر به سيده من ذلك بعد العلم به.
قال محمد بن رشد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قد مضت هذه المسألة متكررة، والقول فيها في رسم الرهون من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه وشرط في نكاحه

مسألة وسئل عن رجل زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه، وشرط في نكاح الصبي أنه إن استسر عليها أو تزوج فهي طالق ألبتة، فبنى الغلام بأهله ثم أراد أن يتسرر أو ينكح عليها.
قال: ذلك له، إلا

أن يعلم أن الابن قد علم بالشروط التي شرط لها فدخل بها على ذلك ووطئها، فإن ذلك يلزمه.
قلت: أرأيت لو أن الأب حين نكح ابنه شرط عليه شروطا أنه ليس له أن يتسرر ولا ينكح، فإن نكح فهي طالق ألبتة.
فقال أهل المرأة للزوج: قد شرط ذلك عليك وأنت كبير، وقال الزوج: بل شرط عليّ ذلك وأنا صغير.
قال ابن القاسم: على الزوج البينة، أنه شرط ذلك عليه وهو صغير، فإن لم يأت بالبينة حلف أهل المرأة وكان القول قولهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبنية على أن الابن الصغير لا يلزمه ما شرط عليه أبوه من الشروط، إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، أو يدخل بعد العلم بها، فيكون ذلك رضا منه، خلاف قول ابن وهب في أول السماع، فإن دخل ولم يعلم بها سقطت عنه وهو محمول على أنه لم يعلم، حتى يثبت عليه أنه علم بها.
وذلك بيّن من قوله: وذلك له إلا أن يعلم أن الابن قد علم، وذلك أنه علم أنه شرطها عليه وهو صغير بتقاررهما على ذلك، أو بينة قامت عليه.
وأما إن اختلفا فقال الابن: كنت صغيرا إذ شرط ذلك عليّ الأب، وقال أولياء المرأة: بل كنت بعد كبيرا، فعلى الابن البينة؛ لأنه الآن كبير، يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فهو مدّع أنه كان حينئذ صغيرا ممن لا يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فإن أقام البينة كان بالخيار، في أن يلتزم الشروط أو يفارق، ولا يكون عليه شيء من الصداق، إلا أن تسقط المرأة عنه الشروط، فيلزمه النكاح، وإن لم يكن بينة، حلف أهل المرأه وكان القول قولهم، ولزمته الشروط، إلا أن يشاء أن يطلق، فيلزمه نصف الصداق، وأهل المرأة الذين يحلفون، هم: الأب أو الوصي، دون من سواهما من الأولياء، فإن نكلوا عن اليمين، حلف الزوج، وكان كمن أقام البينة على

دعواه.
وإنما أوجب هاهنا اليمين على أهل المرأة لا عليها؛ لأنهم ادعوا ذلك، وذلك خلاف ما في أول رسم من سماع ابن القاسم، ولو لم يدعوا ذلك وقالوا: لا علم لنا به، لحلفت الزوجة، كما تحلف إذا قامت بشرط المغيب أو عدم الإنفاق.
وقد مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم على هذا المعنى مقسما مستوفى، فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.

مسألة: أصدق امرأته مائة دينار فدخل عليها ولم يدفع إليها شيئا من الصداق

مسألة وسئل عن رجل أصدق امرأته مائة دينار، فدخل عليها ولم يدفع إليها شيئا من الصداق، أترى أن يكف عن الوطء حتى يدفع إليها ربع دينار؟ قال: بل يكون دينا عليه، ولا يكف عن وطئها.
قيل له: فإنه أصدقها أقل من ربع دينار، قال: إن لم يكن بنى بها أُمر أن يتم لها ربع دينار، ويثبت النكاح، وإن دخل بها أتم لها ربع دينار، ولا يوقف عن وطئها حتى يتمها.
قال محمد بن رشد: لم ير ابن القاسم على الرجل إذا دخل بامرأته قبل أن يدفع إليها شيئا من صداقها، أن يكف عن وطئها حتى يدفع لها منه ربع دينار، وكره له قبل أن يدخل بها ابتداء قبل أن يدفع إليها، ولو ربع دينار من صداقها.
ومحمد بن المواز يساوي بين الوجهين.
وقد مضى القول في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى.
وفي غيره من المواضع.
وقوله: إنه إذا أصدقها أقل من ربع دينار، أُمر إن كان لم يبن بها أن يكمل لها ربع دينار، ويثبت النكاح، يريد إن شاء، وإن أبى فسخ النكاح ولم يلزمه شيء، وإن دخل بها أتم لها ربع دينار، شاء أو أبى ولا يفسخ النكاح، وهذا على قوله في المدونة خلاف قول غيره فيها، وخلاف قوله في سماع سحنون.
وأما قوله: إنه لا يكف عن وطئها حتى يتمها فهو على قياس قوله في النكاح بصداق صحيح، إذا دخل بها قبل أن يقدم لها شيئا من الصداق، وبالله التوفيق.

[مسألة: تزوج امرأة ولم يبن بها حتى ماتت فقبَّلها وهي ميتة أو وطئها]

مسألة وقال: في رجل تزوج امرأة ولم يبن بها حتى ماتت، فقبَّلها وهي ميتة أو وطئها.
قال: لا ينكح أمها ولا ابنتها.
قال محمد بن رشد: أما أمها فإنها تحرم عليه بالعقد عليها، وإن لم يقبل ولا وطئ؛ لأنها مبهمة ولا شرط فيها.
وأما الابنة فلا تحرم إلا بالدخول بالأم، أو التلذذ بها؛ لقوله عز وجل: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] فجعل ابن القاسم وطأها أو التلذذ بها، وهي ميتة أو حية سواء، في وجوب تحريم ابنتها بذلك؛ إذ لا ينقطع عنده بموتها ما كان بينهما من الحرمة، بدليل أنه يجوز له أن يغسلها.
ويأتي على مذهب أهل العراق الذين يرون ما كان بينهما من الحرمة منقطعا بموتها، فلا يجيزون له غسلها، ولا تحرم عليه ابنتها بوطئه إياها بعد موتها، وهو الذي يوجبه النظر والقياس؛ لأنه وطء لا يحصنه، ولا يوجب لها عليه صداقا؛ ولأن عصمة النكاح تنقطع بينهما بموتها.
وإن كانت حرمة الزوجية باقية بينهما، بدليل أنه يجوز له عند الجميع أن يتزوج رابعة إن كانت له ثلاث زوجات سواها، وقول ابن القاسم استحسان، فلعله راعى قول زيد بن ثابت، الذي يقول: إن الرجل إذا تزوج المرأة فماتت قبل أن يدخل بها، لم تحل له ابنتها، بخلاف إذا طلقها قبل أن يدخل بها.

مسألة: ماتت امرأته فتزوج أختها قبل أن تقبر الميتة هل لزوجها أن يغسلها

مسألة وقال في الرجل ماتت امرأته فتزوج أختها قبل أن تقبر الميتة، أترى لزوجها أن يغسلها؟ قال: أكره ذلك، ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو ماتت امرأته قبل أن يدخل بها، فتزوج ابنتها قبل أن تقبر الميتة، لكره له أن يغسلها، ولم يحرم ذلك عليه، وسحنون يجيز ذلك ولا يكرهه، ذكر له أن بعض أهل العلم يقول: إن الرجل إذا

كانت له أربع نسوة، فماتت إحداهن، ثم تزوج الخامسة قبل أن تغسل الميتة، أنه لا يجوز له غسلها، فقال: ليس الذي قلت من مذهبنا في شيء، وله أن يغسل الميتة، ألا ترى أن له أن يغسلها وإن لم يتزوج الخامسة، فإن كان إنما يغسلها؛ لأنها امرأته، فكيف يتزوج الخامسة؟ وكراهية ابن القاسم لذلك من غير تحريم، يدل على أن مباشرته إياها بعد موتها، لا يحرم عليه ابنتها، ويبين ما ذهبنا إليه في المسألة التي قبل هذه، من أن منعه فيها الرجل أن يتزوج بنت امرأته إذا كان قد قبَّلها أو وطئها بعد موتها، إنما هو استحسان على غير قياس، وبالله التوفيق.

مسألة: تزوج أمة فلم يبن بها حتى فلس سيدها وقد كان دفع الصداق إلى سيدها

مسألة وعن رجل تزوج أمة، فلم يبن بها حتى فلس سيدها، وقد كان دفع الصداق إلى سيدها، فباعها السلطان في دينه، فاشتراها زوجها، هل ترى له أن يرجع على سيدها بالصداق الذي دفع إليه؟ قال: لا؛ لأن السلطان هو الذي باعها عليه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه لا يرجع عليه بشيء من الصداق، وذلك لا يصح؛ لأن الصداق المسمى لا يجب جميعه إلا بالموت أو الدخول، فإنما معناه أنه لا يرجع عليه بجميعه، وإنما يرجع عليه بنصفه؛ لأن الفراق جاء من قبله إذا اشتراها، وهو يعلم أن امرأته تحرم عليه باشترائه إياها، فصار كالمطلق قبل الدخول، وقد فرض أن له نصف ما فرض، ولو اشتراها من السلطان وهو لا يعلم أنها امرأته لحرمت عليه، ورجع بجميع الصداق على السيد؛ لأنه تحريم لم يتعمده.
يبين هذا في كتاب النكاح الثالث من المدونة: أن الرجل إذا تزوج المرأة ولم يدخل بها حتى تزوج أمها وهو لا يعلم، فيبني بها، أن الابنة تحرم عليه، ولا يكون لها عليه من الصداق نصف ولا غيره؛ لأنه تحريم لم يتعمده، وهو محمول على أنه لم يعلم أنها زوجته حتى يعلم أنه علم، فإن ادعى أنه لم يعلم أنها زوجته حلف على ذلك، ورجع بجميع الصداق.
وفي النكاح الثاني من المدونة: أن السيد لا شيء له من

الصداق إذا باعها منه قبل الدخول، وهو دليل قوله هاهنا؛ لأن السلطان هو الذي باعها عليه، وإنما لم يكن له من الصداق شيء إذا باعها هو منه، وإن كان الزوج عالما أنها زوجته؛ لأنه لما كان أملك بالبيع غلب أمره على الزوج، فجعل كأن الفسخ والتحريم جاء من قبله دون الزوج.
ولو باعها السيد ممن اشتراها للزوج وهو لا يعلم؛ لكان له نصف الصداق، بمنزلة إذا باعها السلطان، ولعيسى في كتاب القطعان أن بيع السلطان كبيع السيد، فيرجع بجميع الصداق، وهو بعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: تزوج جارية امرأته

مسألة وقال في رجل يتزوج جارية امرأته: إنه لا بأس به.
قال محمد بن رشد: كره ذلك ابن كنانة، مراعاة لقول من رأى للزوج شبهة في مال الزوجة، فدرأ الحد عنه في وقوعه بجاريتها، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وهو شذوذ، فالصحيح أنه لا كراهة في تزويجه إياها، وأنه يحد إن وقع بها على ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب، وقد روى ذلك مالك، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية النعمان بن بشير.
وأما ما روي عن سلمة بن المحبق: «أن رجلا زنى بجارية امرأته، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "إن كان استكرهها، فهي حرة، وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فعليه مثلها» فقيل فيه: إن ذلك كان في أول الإسلام، حين كانت العقوبات تجب في الأقوال بانتهاك الحرم التي ليست بأموال، ثم نسخ ذلك بما أنزل الله من الحدود على ما جاء في حديث النعمان بن بشير، وبالله التوفيق.

مسألة: ساق إلى امرأته جارية في صداقها فأراد أن يتزوجها قبل أن يبني بها

مسألة قيل له: أرأيت إن هو ساق إلى امرأته جارية في صداقها، فأراد

أن يتزوجها قبل أن يبني بها؟ قال: لا يجوز له؛ لأنه شريك فيها.
قال محمد بن رشد: وكذلك إن زنى بها لم يحد، وهو على مذهبه، وروايته عن مالك، في أنه إن ماتت الجارية، ثم طلقها فالمصيبة منهما، والغلة بينهما، ويأتي على ما مضى في أول سماع أشهب، أنه إن أصدقها عبدا فمات عندها ثم طلقها قبل البناء.
إن المصيبة منها يرجع عليها بنصف قيمته؛ إنه لا يجوز له أن يتزوجها إن كانت أمة، ويحد إن زنى بها، والقولان في وجوب الحد عليه إن زنى بها في ثمانية أبى زيد منصوص عليهما على هذين الأصلين، فقف على ذلك.
وأما إن بنى بها، فيجوز له أن يتزوجها، ويحد إن زنى بها؛ لأنها قد استوجبتها بالدخول، فهو بمنزلة إذا كانت لها من غير صداقها.
وقد مضى القول على ذلك قبل هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: فجر بامرأة أينكح ابنتها

مسألة وقال: في رجل فجر بامرأة، أينكح ابنتها؟ قال: لا.
قيل له: فإن فجر بامرأة أتحل له أختها؟ قال: نعم؛ لأنها ممن يحل له أن يتزوجها بعد أختها، ولا يحل له أن يتزوج البنت بعد أمها.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: إنه إذا فجر بالمرأة لا يتزوج ابنتها، على الوجوب، خلاف مذهب مالك في المدونة أن ذلك على الكراهة، لا على الوجوب، ومثل ما في الواضحة من أن الحرام يحرم الحلال، خلاف ما في الموطأ من أنه لا يحرمه هي ثلاثة أقوال: الإباحة، والكراهة، والتحريم، مرة رأى مالك التحريم في ذلك عبادة، لا لعلة، فقصره على الموضع الذي ذكره إليه فيه، وهو النكاح الحلال؛ لأنه قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] وليست المزني بها حليلة للزاني، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وليس المزني بها من نساء الزاني، ومرة رآه لعلة، وهي ألا يجبر الرجل وابنه المرأة الواحدة، وأن لا يجبر المرأة

وابنتها الرجل الواحد، فطرد العلة في الحرام، ومرة ترجح الأمر عنده، فرآه من المشتبهات، الذي تركه أحسن، والأظهر أنه عبادة، لا لعلة، بدليل إجماعهم على تحريم زوجة الابن على الأب، وزوجة الأب على الابن بالعقد، دون الدخول.
ومن رأى التحريم لعلة الاختيار، قال: حمل العقد محمل الدخول؛ إذ لا يكون العقد إلا للدخول، فعلى القول بأنه يكره للرجل أن يتزوج المرأة إذا زنى بأمها أو بابنتها، والمرأة إذا زنى بها أبوه أو ابنه أن يتزوجها، فعثر على ذلك قبل الدخول، أو كان الزنا بعد العقد وقبل الدخول، أمر بفراقها بطلاق، وكان عليه نصف الصداق، وعلى القول بأن الزنا يحرم الحلال إن كان التزويج بعد الزنا، فعثر على ذلك قبل الدخول، يفرق بينهما بغير طلاق، ولم يكن لها شيء من الصداق، وإن كان الزنا بعد التزويج، وهو عالم أن نكاح المزني بها يحرم عليه امرأته، فرق بينهما، وكان عليه نصف الصداق؛ لأن الفراق جاء من قبله على ما مضى فوق هذا في الذي يشتري امرأته قبل البناء، وهو عالم أنها امرأته، أو ليس بعالم، ولا اختلاف في أن الوطء الفاسد في العقد الصحيح، أو في العقد المختلف في تحريمه، يحرم الربيبة، وأما إن كان العقد فاسدا لم يختلف في تحريمه، فوطئ فيه وهو عالم بفساده، كالزاني يحد، ولا تحرم عليه الربيبة، إلا على القول بأن الزنا يحرمها.
واختلف إن وطئها وهو يظن أن النكاح صحيح، أو أنها زوجته وما أشبه ذلك مما يكون شبهة يدرأ بها عنه الحد، على القول بأن الزنا لا يحرم، هل يقع ذلك التحريم، كالوطء بالنكاح من أجل أنه وطء لا حد فيه أم لا؟ على قولين؛ الأصح منهما في النظر، أنه لا يقع به التحريم؛ لأنه إنما وطئ من ليست له بزوجة، فإذا لم يجعل التحريم لعلة الاختبار، وقال: إنه عبادة لغير علة، وجب ألا يوجب ذلك حرمة، وقد اختلف من هذا المعنى في الذي يريد من الليل زوجته، فتقع يده على ابنته فيباشرها متلذذا بها، أو يطأها، هل تحرم عليه أمها وهي زوجته، فحكم له بعض القرويين بحكم الربيبة، وحرم عليه

بذلك أنها زوجة، وروي عن سحنون، والليث بن سعد: أنها لا تحرم عليه.
وهو الصحيح؛ لأن ابنته ذا محرم منه لا ينعقد له فيها نكاح ألبتة، فهي بخلاف الربيبة؛ لأن الربيبة قد كان له أن يتزوجها لو لم يتزوج أمها، فهي التي ورد تحريم كل واحد منهما بنكاح صاحبتها، وبالله التوفيق.

مسألة: أحضر رجلا فقيل نراك تنصر هذا ولقد بلغنا أنه ختنك فقال نعم أنصره

مسألة وقال: في رجل أحضر رجلا، فقيل: نراك تنصر هذا، ولقد بلغنا أنه ختنك، فقال: نعم أنصره، واشهدوا أني قد زوجته ابنتي، فقيل له بكم؟ فقال بما شاء، ثم قام الرجل بعد ذلك فقال: امرأتي، فقال الأب: والله ما كنت إلا لاعبا، قال: يحلف الأب بالله ما كان ذلك منه، على وجه النكاح، ولا شيء عليه، قيل له: طلب ذلك بحدثانه أو بعد ذلك بيومين.
قال: ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم، مثل ما حكى أبو عبيد عن مالك، ورواه الواقدي عنه من أن هزل النكاح هزل، ولا يجوز منه إلا ما كان على وجه الجد، خلاف المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه في المدونة وغيرها، من أن هزله جد، على ما جاء في ذلك عن جماعة من السلف عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، وغيرهما.

مسألة: فوض إليه فبنى وأرخيت الستور فأنكر أهل الجارية أخذ الصداق

مسألة وقال: في رجل فوض إليه، فبنى وأرخيت الستور، فأنكر أهل الجارية أن يكون دفع شيئا من الصداق، وقال: دفعت.
قال: القول قول الزوج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما كان القول قوله بعد الدخول في الصداق المسمى إذا ادعى أنه دفعه قبل الدخول، من أجل أنه

ليس له أن يدخل حتى يؤديه، وجب أن يكون القول قوله، دفع صداق المثل إذا فوض إليه، من أجل أنه ليس له أن يدخل بها في التفويض، حتى يدفع إليها صداق مثلها، وإن كان الذي ادعى أنه دفع إليها أقل من صداق مثلها، حلف على ذلك، ووفاها تمام صداقها، وإن ادعى عليها أو على أبيها إن كانت بكرا الرضا بذلك من صداق مثلها، لم يصدق وحلفتْ على ذلك هي وأبوها إن كانت بكرا، وإن ادعى أنه دفع إليها أكثر من صداق مثلها، ليلزمها التجهز بذلك إليه لم يصدق في الزائد، وأسقطته عن نفسها بيمينها، تحلف بالله ما دفع إليها شيئا ويحلف هو بالله لقد دفع إليها ما ادعى، ويكون عليها أن تتجهز إليه من ذلك بقدر صداق مثلها.

مسألة: الولي ينكح الجارية على إن رضيت فترضى

مسألة وعن الولي ينكح الجارية على إن رضيت فترضى، قال: يفسخ النكاح، قيل له: وإن كانت قريبا، قال: نعم، قيل له: فإن بنى بها، قال: أما البناء فلا أدري، وضعف الفسخ فيه.
وروايته في معنى قوله، فلا يرى الفسخ إذا بنى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا تزوجها على إن رضيت فهو نكاح العقد على خيار، وإن كانت قريبة، إلا أن تكون حاضرة في البلد، فيرسلا إليها ليعلما رضاها في الفور قبل أن يفترقا من مجلسهما، فيجوز ذلك على معنى ما مضى في آخر سماع أصبغ، وقوله: إنه لا يفسخ بعد البناء، وهو أحد قولي مالك في المدونة، وفي رسم باع شاة، من سماع عيسى.
وقد مضى من القول على ذلك هنالك ما لا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في مرضه قد زوجت ابنتي فلانا وأصدقتها عنه مائة دينار

مسألة قال: وسألته عن رجل قال في مرضه: قد زوجت ابنتي فلانا وأصدقتها عنه مائة دينار، قال: ذلك جائز، ويخرج من الثلث، إذا

كان أجنبيا.
قال: ولو قال: قد أصدقت امرأة ابني عن ابني مائة دينار، لم يجز.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة موعبا في رسم العرية، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا، وبالله التوفيق.

مسألة: أسلم وامرأته من غير أهل الكتاب فعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت

مسألة قال: ولو أن رجلا أسلم، وامرأته من غير أهل الكتاب، فعرض عليها الإسلام فأبت، ثم أسلمت بعد ذلك، لم يكن له عليها رجعة إلا بنكاح جديد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وهو يبين ما وقع في المدونة من أن الفرقة لا تقع بينهما إذا لم تسلم بعد إسلامه، إلا أن يتطاول ذلك بأكثر من الشهر، أن معناه إنما هو إذا غفل عن عرض الإسلام عليها.
قال بعض شيوخ القرويين: وهذا في المدخول بها، فلا يستحق في ذلك الشهر، ولا تكون زوجته إلا إذا أسلمت بالقرب، ولا فرق في القياس بين المدخول بها وغير المدخول بها في هذا؛ لأن العصمة بينهما قائمة وإن لم يدخل بها، وقد أمره الله ألا يمسك بها، فإما أن يحمل أمره عز وجل على الفور فيهما جميعا، أو على التراخي فيهما جميعا، وحمله مالك على التراخي، وخفف الشهر في ذلك ما لم توقف فتابا الإسلام، وبالله التوفيق.

مسألة: أراد أن يتزوج امرأة ربيبه زوج أمه

مسألة وقال في رجل أراد أن يتزوج امرأة ربيبه زوج أمه: إنه لا بأس به.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الله عز وجل إنما حرم عليه زوجة أبيه؛ لقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] وربيبه ليس بأب له، فلا حرمة بينه وبين زوجته، إلا أن يكون تزوج أمه ودخل بها، وهي ترضعه؛ لأنه يصير بذلك، أبا له من الرضاعة، فلا يتزوج امرأته.

مسألة: تزوج صبية صغيرة وشرط لها عليه إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدها

مسألة وقال ابن القاسم في رجل تزوج صبية صغيرة، وشرط لها عليه إن تزوج عليها، فأمر نفسها بيدها، فتزوج عليها، وهي صبية صغيرة، قال: إن كانت قد عقلت وعرفت الطلاق والخيار، فلها الخيار.
وإن كانت لم تعرف ذلك استوني بها حتى تعقل، ثم تختار، إن شاءت.
قيل له: فإن كان تزوجها على أنه إن تزوج عليها، فأمر التي تزوج عليها بيدها، فتزوج عليها، وهي صغيرة لا تعقل، قال: يفسخ نكاحه.
قال محمد بن رشد: أما التي شرط لها عليه إن تزوج عليها، فأمر نفسها بيدها، فتزوج عليها، وهي صغيرة لا تعقل.
فقوله فيها: إنه يستأنى بها حتى تعقل، ثم تختار إن شاءت، فهو صحيح.
مفسر لجميع الروايات.
من ذلك ما وقع في كتاب التمليك في رسم: الشجرة من سماع ابن القاسم، ورسم: بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى.
ووجه ذلك أنه إذا تزوج عليها وهي صغيرة لا تعقل، فقد أوجب لها في نفسها التمليك إذا عقلت، وقد لا تعقل أو تموت قبل أن تعقل، فكان ذلك بمنزلة الذي يقول لامرأته: أمرك بيدك، إذا قدم فلان، إن الأمر يكون بيدها إذا قدم فلان.
وأما التي شرط لها عليه أنه إن تزوج عليها، فأمر التي تزوج عليها بيدها وهي صغيرة لا تعقل، فقد مضى القول في نظيرها في رسم إن خرجت من سماع عيسى؛ لأن الصغيرة التي لا تعقل كالمجنونة، فالكلام على تلك يغني عن الكلام على هذه

ولو كانت ممن يعقل لكان لها الخيار، وإن لم تبلغ في المسألتين جميعا، ولا اختلاف في ذلك أحفظه، وبالله التوفيق.

مسألة: يتزوج سرا بشهادة شاهدين ويستكتما ذلك

مسألة قال ابن القاسم: كل نكاح اختلف فيه ليس بحرام، فإن طلق فيه لزمه الطلاق، مثل أن يحلف بطلاق امرأة إن تزوجها، ونكاح المريض، ونكاح السر الذي يتزوج سرا بشهادة شاهدين ويستكتما ذلك، فتطلق في ذلك كله قبل أن يفسخ إن الطلاق قد لزمه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إن كانت البتة.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم في المدونة الذي اختاره لرواية بلغته عن مالك إن كل نكاح اختلف الناس فيه، فالفسخ فيه طلاق، والطلاق فيه قبل الفسخ لازم، والميراث فيه واجب، والخلع فيه جائز نافذ، وإن كان الفساد في العقد دون الصداق، وجب فيه جميع الصداق المسمى بالموت، ونصفه بالطلاق قبل الدخول ما لم يفسخ.
وكل نكاح لم يختلف في فساده، فلا طلاق فيه ولا ميراث، والخلع فيه مردود؛ لأن مذهب ابن القاسم أن الخلع تابع للطلاق، خلاف قول ابن الماجشون، ومذهب ابن المواز.
وقد ذكرنا ذلك في سماع سحنون.
والذي أجازه سحنون، وقال به أكثر الرواة، إن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه، فالفسخ فيه ليس بطلاق، ولا طلاق ولا ميراث فيه قبل الفسخ، حيث يغلبان عليه، فما فسد لصداقه على هذا القول، لا طلاق ولا ميراث فيه قبل الدخول، ويكون الطلاق والميراث فيه بعد الدخول، ولا كتاب النكاح الثالث من المدونة قول ثابت، وهو: أن ما كان من الأنكحة يفسخ قبل الدخول وبعده، فلا طلاق فيه ولا ميراث قبل الدخول ولا بعده، وإن كان قد اختلف فيه، وما كان منها يفسخ قبل الدخول

ويثبت بعده، ففيه الطلاق والميراث قبل وبعد، والمشهور في المذهب، أن الحرمة تقع بكل نكاح مختلف فيه، وأجرى ابن حبيب الحرمة مجرى الطلاق والميراث، ومثله لابن القاسم في الدمياطية، قال في المريض يتزوج المرأة في مرضه: إنها تحل لابنه وأبيه إن لم يكن دخل بها، وبالله التوفيق.

مسألة: يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر وقد استهلكه

مسألة وعن الرجل يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر، وقد استهلكه.
قال: إذا أقر به فهو ضامن له.
قيل: فقال: قد دفعته إليها، قال: إن كان دفعه إليها عينا فهو له ضامن؛ لأن الأبكار، ليس يدفع إليهن الدنانير، إنما يجهزن.
قيل: فدخلت على زوجها، وزعم أنه جهزها بصداق كذا وكذا ودفعه إليها وأنكرت ذلك، قال: يحلف ويبرأ.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة بعينيها على نصها في أول سماع أصبغ، والكلام عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته مرة أخرى.

مسألة: تزوج امرأة وكان في صداقها خادم فدخل بها فطلبت الخادم

مسألة وقال: في رجل تزوج امرأة، وكان في صداقها خادم، فدخل بها، فطلبت الخادم، فقال: قد صالحتني منها على دنانير، ودفعتها إليك، قال: لا يصدق الزوج؛ لأنه مدع قال: فإن أقرت بالصلح صدق، ولم يكن لها شيء، إذا قال: قد دفعتها إليك، وإن زعمت أنها لم تقبض شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الزوج لا يصدق في دعواه دفع الدنانير إليها صلحا عن الخادم؛ لأنه مدع في شراء الخادم الذي عليه لها منها، ولا دليل له على ذلك؛ يصدق دعواه، فوجب أن يكون عليه إقامة البينة؛ لقول

النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فإن أقرت له بالصلح كان القول قوله في دفع الدنانير إليها؛ لأن تمكينها إياه من الدخول بها دليل على صحة دعواه في الدفع إليها، وبالله التوفيق.

مسألة: شرط أبو الجارية على أبي الزوج أنه إن أسلم زوج ابنتي فأمرها بيدها أو بيدي

مسألة وعن نصراني تزوج نصرانية وشرط أبو الجارية على أبي الزوج: أنه إن أسلم زوج ابنتي فأمرها بيدها أو بيدي، قال: إن أسلم الزوج قبل أن يحتلم أو بعدما احتلم وقبل أن يبني، أو بعدما بنى، فلا شيء بيد امرأته، ولا بيد أبيها، ويسقط ذلك كله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الشروط المنعقدة بين الزوجين من أهل الذمة في نكاحهما لا تلزمهما بعد الإسلام، كانت مما يلزم أهل الإسلام، أو مما لا يلزم؛ لأنه لا يلزم أهل الإسلام منها إلا ما كان بعد يمين من طلاق أو تمليك، وذلك لا يلزم الكافر.
وهذا معنى ما وقع في كتاب النكاح الثالث من المدونة على اختلاف في ذلك بين الروايات، يرجع جميعها إلى هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: يبعث من يزوجه فيزوجه ثم يموت الزوج ولا يدرى أقبل النكاح أو بعد

مسألة وقال ابن القاسم في الذي يبعث من يزوجه، فيزوجه ثم يموت الزوج، ولا يدرى أقبل النكاح أو بعد؟ إنه لا ميراث بينهما حتى يعلم أنه مات بعده، وإن البينة على المرأة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه لا يرث أحد أحدا بشك، والمرأة غير وارثة حتى يعلم أن النكاح وقع قبل موته، فعليها إقامة البينة على ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: يطأ الجارية ثم يزوجها غلامه فتلد منه جارية

مسألة وقال ابن القاسم في الرجل يطأ الجارية ثم يزوجها غلامه، فتلد منه جارية: إنها لا تحل لابنه.
وروى عيسى بن دينار، أنه لا بأس به.
قال عيسى: وإنما هو بمنزلة ما لو تزوج امرأة فوطئها ثم طلقها أو مات عنها، ثم تزوجت زوجا فولدت جارية؛ أنه لا بأس به أن يتزوجها ابن الأول من غيرها، ولا بأس أن يتزوج ابنها من الآخر ابنة الأول من غيرها.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الأمهات في آخر هذا السماع، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد منه: إنه لا يحل للرجل أن يتزوج ابنة عبد أبيه من جارية قد وطئها أبوه بعيد.
ورواية عيسى عنه: أنه لا بأس بذلك، هو الصحيح؛ إذ لا حرمة بينه وبينها، إلا أن يكون قد صار لها -أعني الجارية- ابن من وطء أبيه، فلم ينقطع عنها حتى تزوجها العبد، فحملت منه فوضعت وأرضعت ابنتها بذلك اللبن الذي كان أصله من أبيه، ولم ينقطع؛ لأنها تصير بذلك أخته للأب من الرضاعة، على ظاهر ما في المدونة، خلاف ما حكى ابن شعبان، وقال فيه: إنه إجماع من أن لبن المرأة ينقطع من زوجها الأول بوضعها من الثاني.
والمسألة التي شبهها بها عيسى هي مثلها سواء، يدخل كل واحد منهما ما يدخل صاحبتها؛ إذ لا فرق بين الوطء بالملك والنكاح، وبين العبد والحر فيما يوجب ذلك من حرمة النكاح، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه قبل أبيه، واختلفوا هل يجوز له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك وكافة أصحابه العلماء، ورواية عيسى، عن ابن القاسم هنا.
والثاني: أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه، وقد ذكرنا بعد ذلك، وأنه لا يصح إذا لم ترضعها بلبن لم ينقطع من أبيه.
والثالث: أن ذلك مكروه، حكى ذلك ابن حبيب، عن طاوس، وما للكراهية في ذلك عندي وجه، إلا إن كانت أمها أرضعتها بلبن زوجها الثاني، فينفي أن يكون

وطء زوجها الأول وهو الأب، قد زاد في لبنها من الزوج الثاني، وإن كان قد انقطع من الأول، أو لم يكن لها منه لبن أصلا.
وإن كانت ولدتها لما تلحق من الأنساب من أبيه، مخافة أن يكون الولد منه؛ لاحتمال أن يكون أهريقت عليه الدم (كذا) فجش الولد في بطنها، وظنت أن ذلك حيض انقضت به عدتها فتزوجت، فلما أصاب الولد الماء، تحرك الولد، ووضعته لما يلحق بها الأنساب من أبيه، فهذا له وجه أيضا.
وإلا فلا، والله ولي التوفيق.
تم كتاب النكاح بحمد الله وحسن عونه وتأييده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
مسألة: المريض يوصي إن حدث به حدث الموت فقد زوجت ابنتي من ابن أخيمسألة: الوصي بمنزلة الأب في جميع أمور الولد الصغارمسألة: الرجل يزوج ابنته البكر ويقر بقبض الصداقمسألة: رجل شرط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدهامسألة: الرجل يتزوج على المرأة على أن يستشير فلاناالنصراني يوصي إليه أخ له مسلم أو عبد يوصي إليه أو امرأة يوصي إليهامسألة: الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاقمسألة: رجل يزعم لقوم أنه من فخذ من العرب فيوجد من غير ذلك الفخذمسألة: يتزوج المرأة ثم يجدها لغيةمسألة: يجعل بضع ابنته بيد أخيه هل ينكحها العم بغير إذن الأبمسألة: العبد يتزوج بغير إذن السيدمسألة: زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه وشرط في نكاحهمسألة: أصدق امرأته مائة دينار فدخل عليها ولم يدفع إليها شيئا من الصداقمسألة: ماتت امرأته فتزوج أختها قبل أن تقبر الميتة هل لزوجها أن يغسلهامسألة: تزوج أمة فلم يبن بها حتى فلس سيدها وقد كان دفع الصداق إلى سيدهامسألة: تزوج جارية امرأتهمسألة: ساق إلى امرأته جارية في صداقها فأراد أن يتزوجها قبل أن يبني بهامسألة: فجر بامرأة أينكح ابنتهامسألة: أحضر رجلا فقيل نراك تنصر هذا ولقد بلغنا أنه ختنك فقال نعم أنصرهمسألة: فوض إليه فبنى وأرخيت الستور فأنكر أهل الجارية أخذ الصداقمسألة: الولي ينكح الجارية على إن رضيت فترضىمسألة: قال في مرضه قد زوجت ابنتي فلانا وأصدقتها عنه مائة دينارمسألة: أسلم وامرأته من غير أهل الكتاب فعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمتمسألة: أراد أن يتزوج امرأة ربيبه زوج أمهمسألة: تزوج صبية صغيرة وشرط لها عليه إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدهامسألة: يتزوج سرا بشهادة شاهدين ويستكتما ذلكمسألة: يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر وقد استهلكهمسألة: تزوج امرأة وكان في صداقها خادم فدخل بها فطلبت الخادممسألة: شرط أبو الجارية على أبي الزوج أنه إن أسلم زوج ابنتي فأمرها بيدها أو بيديمسألة: يبعث من يزوجه فيزوجه ثم يموت الزوج ولا يدرى أقبل النكاح أو بعدمسألة: يطأ الجارية ثم يزوجها غلامه فتلد منه جارية
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل