كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إلى حاله يوم بيعه وابتياعه وما قضى به في ماله، فإن كان رشيدا في أحواله جازت أفعاله كلها، وإن كان سفيها لم يجز منها شيء من غير تفصيل بأن يتصل سفهه أو لا يتصل، وهو قول ابن القاسم.
واتفق جميعهم على أن أفعاله جائزة لا يرد منها شيء إذا جهلت حاله ولم يعلم برشد ولا بسفه.
وكذلك اتفقوا أيضا أن على الإمام أن يولي عليه إذا ثبت عنده سفهه فخشي ذهاب ماله، وبالله التوفيق لا شريك له وبه التوفيق.
###: بيع مال الغائب لغرمائه
ومن كتاب الجواب وسألته: عن الرجل يغيب ببلد قريب الغيبة أو بعيد فيبيع السلطان ماله لغرمائه، والغائب حي يعرف موضعه ولا يُعْرَفُ عَدَمُهُ وَلَا مَلَاؤُهُ فيجد الرجل السلعة بعينها فيريد أخذها، هل يكون ذلك له؟
قال ابن القاسم: إن كانت غيبته غيبة قريبة الأيام اليسيرة التي ليس فيها ضرر على الغرماء ولا يعرف ملاؤه في ذلك كتب إليه فيه وكشف عن أمره حتى يفلس فيأخذ أصحاب السلع سلعهم، أو لا يفلس.
وإن كانت غيبته بعيدة ولا يعرف عدمه فيها ولا ملاؤه، أو يعرف عدمه ولا يدرى أين هو أو لا يعرف موضعه، فهو بمنزلة المفلس يأخذ من وجد سلعته بعينها، ويتحاص جميع غرمائه في ماله الذين حلت ديونهم والذين لم تحل جميعا.
وإن كانت غيبته بعيدة، إلا أنه يعرف ملاؤه فيها بموضعه الذي هو فيه لم يفلس ولم يكن مفلسا، وقضي الغرماء الذين حلت ديونهم كما تعدى على مال الغائب ويترك الآخرون إلى آجالهم، ومن وجد سلعته لم يكن له إليها سبيل.
ورواها أصبغ عن ابن القاسم،
وقال: هي حسنة إن شاء الله تعالى.
وفي آخرها غمز وكسر ولا يحملها القياس، وأشهب يخالفه فيها ويرى أن يفلس وإن كان يعرف ملاؤه في غيبته، سألته عنها فقال لي: واحتج، قال لي: أرأيت رجلا حاضرا بمصر وله مال بالأندلس لا يدرى ما حدث عليه، ألا يفلسوه؟
قال أصبغ: وذلك القياس عندي، وهو أعجب لي.
وقد قال في كتاب القضاء المحض: قول ابن القاسم أحب إلي استحسانا، قال: والقياس قول أشهب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة تكلم فيها على وجهين: أحدهما: بيع مال الغائب لغرمائه، والثاني: تفليسه.
فأما بيع ماله لغرمائه فلا اختلاف في وجوب بيع ذلك لهم كما لو كان حاضرا، إلا أنه يختلف هل يُستأنَى بذلك إن خشي أن يكون عليه دين لسواهم أم لا، فقيل: إنه لا يستأنى به؛ لأن له ذمة، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في بعض روايات المدونة، وظاهر قوله في هذه الرواية، وقيل: إنه يستأنى به ولا يعجل بقضاء من حضر حتى يستبرأ أمره ويجتمع أهل دينه كالميت الذي لا ذمة له، وهو قول ابن القاسم وغيره من الرواة في المدونة.
وهذا في الحاضر والقريب الغيبة، وأما البعيد الغيبة فلا اختلاف في وجوب الاستيناء به إذا خشي أن يكون عليه دين.
وأما تفليسه حتى يقضى دين من لم يحل دينه ويكون من وجد سلعته أحق بها إذا جهلت حاله فلا اختلاف في أنه لا يقضى بذلك في القريب الغيبة حتى يكتب في أمره ويكشف عن حاله، ولا في أنه يقضى بذلك في البعيد الغيبة.
واختلف إن علم ملاؤه في بعد غيبته، فقيل: إنه يفلس، وقيل: إنه لا يفلس، على القولين المذكورين في هذه الرواية.
وهذا الاختلاف إنما هو عندي فيما كان على مسيرة العشرة الأيام ونحوها، وأما الغيبة البعيدة على مسيرة الشهر ونحوه وفي مثل مصر من الأندلس فلا اختلاف في أنه يجب تفليسه فيها وإن عرف ملاؤه، وبالله التوفيق.
مسألة: ليس له أن يرجع إلى اليمين بعد أن يردها على المدعي
مسألة وسئل: عن الرجل يدعي قبل الرجل حقا فيقول: احلف لي على أن ما ادعيت عليك به ليس بحق وابرأ، فيقول المدعى عليه: بل احلف أنت وخذ، فإذا هم المدعي أن يحلف بدا للمدعي عليه، وقال: لا أرضى بيمينك ولم أظن أنك تجترئ على اليمين وما أشبه ذلك، وهل ذلك عند السلطان وغيره سواء؟
قال ابن القاسم: ليس للمدعى عليه أن يرجع، ولكن يحلف المدعي ويحق حقه على ما أحب الآخر أو كره، قد رد عليه اليمين فليس له الرجوع فيها، وسواء كان ذلك عند السلطان أو غيره إذا شهد عليه بذلك أو أقر به.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة متكررة في هذا السماع من كتاب الدعوى والصلح، ومثله في كتاب الديات من المدونة، ولا اختلاف أعلمه في أن ليس له أن يرجع إلى اليمين بعد أن يردها على المدعي.
واختلف هل له أن يرجع إليها بعد أن نكل عنها ما لم يردها على المدعي، فقال: ليس ذلك له، وهو ظاهر ما في الديات من المدونة، ورواية عيسى من ابن القاسم في المدنية.
وقيل: ذلك له، وهو ظاهر قول ابن نافع في المدنية، والقولان يحتملان، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة يكون لها على زوجها الصداق فيحيط بماله إلى أجل قريب أو بعيد
مسألة وسمعته يسأل عن المرأة يكون لها على زوجها الصداق يحيط بماله إلى أجل قريب أو بعيد، هل له أن يعتق أو يهب؟ قال ابن القاسم: لا، ليس ذلك له، وهو دين من الديون.
والدليل على ذلك أن المرأة أسوة الغرماء إذا فلس الزوج أو مات، تضرب مع الغرماء بصداقها، فلما نزلت هذه المنزلة لم يكن لزوجها أن يبطل دينها عليه.
قال محمد بن رشد: أما إذا دخل الرجل بزوجته فلا إشكال ولا اختلاف في أنه لا يجوز له أن يهب ولا أن يعتق إذا كان الصداق الذي عليه يحيط بماله إلا أن يدخل الاختلاف في ذلك من اختلافهم في وجوب إسقاط الزكاة به، وهو بعيد.
وأما إذا لم يدخل بزوجته فله أن يهب ويعتق إذا لم يحط بماله نصف صداقها؛ لأنه يملك إسقاط نصفه عن نفسه بالطلاق، وبالله التوفيق.
###: أقر له بعشرة دنانير فأتاه بدنانير ينقص كل دينار ثلث أو ربع وقال هذا مالك
ومن كتاب العتق وسئل: عن رجل أقر أن لرجل عليه عشرة دنانير نقدا، فأتاه بدنانير ينقص كل دينار ثلث أو ربع، وقال: هذا مالك علي، أيقبل قوله؟
قال: نعم، يقبل قوله ويحلف إذا كان إنما هو بإقراره، وإنما النقصان بمنزلة العدد، بمنزلة ما لو قال: ليس لك إلا خمسة أو ستة وادعى الآخر غير ذلك، فالقول قول المقر.
وقد بين أيضا له النقصان في أول.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها ولا لبس في شيء من معانيها، وبالله التوفيق.
###: المبتوتة تكون في بيت بكراء فيفلس زوجها
ومن كتاب باع شاة وسألته: عن المبتوتة تكون في بيت بكراء فيفلس زوجها، هل هي أولى من الغرماء؟ قال ابن القاسم: إن كان زوجها قد غرم الكراء فهي أولى به من الغرماء، وإن كان لم يؤد كانت أولى وكان عليها الكراء من مالها.
قال محمد بن رشد: قوله تكون في بيت بكراء، يريد كراء لوجيبة معلومة تستغرق العدة، بدليل قوله: وإن لم يؤد كانت أولى وكان عليها الكراء، إذ لو كان الكراء مشاهرة لكان أهل الدار أحق بدراهم.
وقوله: إن كان زوجها قد غرم الكراء فهي أولى به صحيح؛ لأنه إذا غرم الكراء صار السكنى حقا من حقوقه، فوجب أن تكون المرأة أحق به من الغرماء، كما كانت تكون أحق به من الورثة لو مات بعد أن بت طلاقها وهي ساكنة فيها، وكما كانت تكون أحق به منهم في عدة الوفاة.
وقوله: إن الكراء يكون عليها من مالها إن كان الزوج لم يؤده قبل أن يفلس صحيح، يريد: ولا تحاص به الغرماء إذ لم يجب لها قبل التفليس، وإنما يجب لها في المستقبل.
وقوله هذا يدل على قياس قول ابن القاسم في المدنية في الذي يطلق امرأته طلاقا بائنا ثم يموت: إن حق المرأة لا يسقط في السكنى إن كانت الدار للميت أو كانت بكراء فنقد الكراء، ويسقط إن لم تكن الدار للميت؛ لأن القياس يوجب أن تكون أحق من الغرماء في التفليس في الموضع الذي تكون فيه أحق من الورثة في الموت.
ويجب في هذه المسألة إذا فلس الزوج قبل أن ينقد الكراء أن يحاص به الغرماء على قياس قول ابن القاسم في كتاب طلاق السنة من المدونة: إن الكراء لا يسقط عن الزوج بالموت إذا طلق ثم مات؛ لأنه إذا لم يسقط بالموت وكان دينا من الديون يبدأ في الموت على الميراث وجب ألا يسقط في التفليس وأن يكون دينا من الديون يحاص به الغرماء.
ويجب في هذه المسألة ألا تكون المرأة أحق بالسكنى وإن كان الزوج قد نقد الكراء على قياس رواية ابن نافع عن مالك في كتاب طلاق السنة من أن السكن الواجب بالطلاق يسقط بالموت، كان المسكن للميت أو لم يكن.
ولو طلقها ولا مسكن له فدفع إليها خراج عدتها ثم فلس لتخرج ذلك على قولين: أحدهما: أن الغرماء أولى بذلك، والثاني: أنها هي أولى به منهم إن كان يوم دفع ذلك إليها قائم الوجه.
وقد تكلمنا على وجه تخريج هذين القولين في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب الرضاع فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهد لامرأته في صحته بحق لها عليه ثم مكثت سنتين أو ثلاثا ثم فلس
مسألة وسئل: عن الرجل يشهد لامرأته في صحته بحق لها عليه ثم مكثت سنتين أو ثلاثا ثم فلس أتحاص الغرماء؟ قال: نعم إذا جاءت ببينة.
قال ابن القاسم: إذا قامت عليه البينة على إقراره قبل التفليس حاصت الغرماء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على المشهور في المذهب من أن من أقر بدين لوارث في صحته أن ذلك له في حياته وبعد وفاته، ويأتي فيها على قول ابن كنانة والمخزومي وابن أبي حازم ومحمد بن مسلمة أن ذلك لا يكون له إلا في حياته، ولا يكون له بعد وفاته إلا أن يكون لها أن تحاص بذلك الغرماء بعد التفليس، وبالله التوفيق.
###: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر
من نوازل عيسى بن دينار وسئل عيسى: عن رجل كانت له دنانير أو دراهم أو شيء مما يكال أو يوزن مما إذا غاب عليه لم يعرفه بعينه على رجل وعلى أبيه، فدفع الأب ما عليه إلى ابنه ليدفعه إلى الغريم، فقال له: هذا ما لك على أبي، ثم ادعى الغريم بعد ذلك أنه إنما قبضه من الابن قضاء عنه وأنكر ما قال الابن.
قال: القول ما قال الغريم مع يمينه، إلا أن يأتي الابن ببينة تشهد له أنه قال له: هذا الحق على أبي.
قلت: فإن أتى بالبينة على أمر أبيه إياه أن يدفع ذلك عنه؟
قال: لا ينفعه ذلك حتى يأتي بالبينة على الدفع، كان على الأمر بينة أو لم تكن.
قال عيسى: إلا أن تقوم البينة أن ذلك الشيء الذي قضى شيء أبيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الابن مدع فيما ذكر من أنه قضاه الحق الذي كان له على أبيه، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وبالله التوفيق.
مسألة: يسلف في ضحايا ليوتى بها في الأضحى فلا يأتيه بها إلا بعد ذلك
مسألة وسئل: عن الرجل يقول لغريمه وقد حل حقه: إن عجلت لي كذا وكذا من حقي فبقيته عنك موضوع إن عجلت ذلك لي نقدا الساعة أو إلى أجل يسميه، فعجل ذلك له نقدا أو إلى أجل إلا الدرهم والنصف أو أكثر من ذلك يعجز عنه، هل تكون له الوضيعة لازمة؟
فقال: ما أرى الوضيعة تلزمه إذا لم يعجل له جميع ذلك، وأرى الذي له الحق على شرطه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال:
أحدها: قوله في هذه الرواية وهو قول أصبغ في الواضحة، ومثله في آخر كتاب الصلح من المدونة: أن الوضيعة لا تلزمه إلا أن يعجل له جميع ما شرط إلى الأجل الذي سمى وهو أصح الأقوال.
والثاني: أن الوضيعة له لازمة بكل حال، ولا ينتفع صاحب الدين بشرطه، وهو قول ابن الماجشون، ونحوه ما في سماع أشهب من كتاب الضحايا في الذي يسلف في ضحايا ليوتى بها في الأضحى فلا يأتيه بها المسلم إليه إلا بعد ذلك أنه يلزمه أخذها ولا خيار له في تركها، وما في السلم من المدونة في السلم ينعقد على تعجيل رأس المال فيتأخر النقد إلى حلول الأجل بهروب من المسلم وهو عرض أن السلم لازم للمسلم إليه، ولا خيار له فيه.
والثالث: أن الوضيعة لا تلزمه إلا أن ينقص الشيء اليسير من شرطه، وهو على ما روى مطرف عن مالك في الذي يسلف في الضحايا على أن يؤتى بها في الأضحى فلا يؤتى بها في الأضحى أنها لا تلزمه إلا أن يأتيه بها بقرب الأضحى بعد اليوم واليومين.
والرابع: أنه يلزمه من الوضيعة بقدر ما عجل له من حقه، وهذا يأتي على ما في سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
مسألة: السلطان إذ باع مال الميت فقضى بعض غرمائه وبقيتهم حضور
مسألة وسئل: عن الرجل يكون له على الرجل الذكر الحق فلا يقوم عليه حتى يموت الذي عليه الحق، فاقتسم ورثته ماله وهذا حاضر ينظر، ثم قام بعد بذكر الحق.
قال: فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام أو يكون لهم سلطان يمتنعون به أو نحو هذا مما يعذر به فهو على حقه أبدا وإن طال زمانه إذا كان له عذر من بعض ما وصفنا؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم».
قال الإمام القاضي: هذا خلاف قول سحنون في نوازله من هذا الكتاب: إن السلطان إذ باع مال الميت فقضى بعض غرمائه وبقيتهم حضور ثم قاموا عليهم أن لهم الدخول عليهم، ولا يضرهم علمهم بموت صاحبهم وأن ماله بيع لمن قام طالبا لحقه من غرمائه، وفرق بين ذلك وبين بيع مال المفلس يباع لبعض غرمائه وبقيتهم حضور لا يقومون، إن المفلس له ذمة تتبع، فيحمل سكوتهم على أنهم رضوا باتباع ذمته، والميت لا ذمة له فيكون القول قولهم إنهم إنما سكتوا غير راضين بترك حقوقهم، وقد كان شيخنا الفقيه أبو جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: ليس بين المسألتين فرق بين، ولو قيل في هذا الفرق بالعكس لكان راتبه.
فتحصل في المسألة على ما كان يذهب إليه أربعة أقوال: ألا قيام في المسألتين، والقيام فيهما جميعا، والفرق بينهما على ما في نوازل سحنون، والفرق بينهما على عكسه حسبما ذكرناه عن الشيخ، وبالله التوفيق.
مسألة: السفيه يبيع قبل أن يولى عليه
مسألة وسئل عيسى: عن السفيه يبيع قبل أن يولى عليه، هل يجوز بيعه؟ قال: أما ابن كنانة وابن نافع وجميع أصحاب مالك فيقولون بيعه قبل أن يولى عليه جائز إلا ابن القاسم وحده فإنه كان يقول
بيعه وقضاؤه في ماله قبل أن يولي عليه سواء لا يجوز؛ لأنه لم يزل في ولاية منذ كان وإن لم يكن له ولي؛ لأن السلطان ولي من لا ولي له، فإذا كان في ولاية السلطان حتى ولى السلطان عليه وليا يتولاه ويقوم به، جعل عليه من أمره مثل الذي كان إليه منه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم جاع من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
###: رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه
من سماع يحيى من ابن القاسم من كتاب الأقضية وسئل عبد الله بن وهب: عن الرجل يفلس فيجد أحد الغرماء متاعه بعينه بيد المفلس فيريد أخذه ويريد الغريم دفعه إليه، فيقول الغرماء: لا ندفعه إليه بل نحبسه عليك لما نرجو فيه من الزيادة وندفع إلى رب السلعة حقه الذي له عليك، فيقول المفلس: إني أخاف أن يهلك قبل أن يباع علي فيبقى حق رب السلعة دينا علي ولم ننتفع بالذي نرجو من الزيادة فيه، فإن حبستموه علي فهو لكم بالثمن وأنا بريء من ضمانه، فيقولون: بل ضمانه منك وزيادته لك، ونحن أحق بحبسه عليك لما نرجو من زيادته لك فيما نقص من حقنا الذي عليك، فيدفعوا (كذا) إلى الغريم حقه ثم تهلك السلعة قبل أن تباع.
قال: أرى ضمانها من الغرماء يقاصهم بها المفلس فيما لهم عليه، فإن بيعت وسلمت كان فضلها للمفلس.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة قول النبي عليه
السلام: «أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره» فاتفق مالك وأصحابه لهذا الحديث وما كان في معناه: على أن البائع أحق بسلعته التي باع في التفليس من الغرماء بجميع الثمن الذي باعها به، واختلفوا إن أراد الغرماء أن يأخذوها لفضل يرجونه فيها ويئول إليه ثمنها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لهم شاء المفلس أو أبى.
فعلى هذا القول وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ وروايته عن مالك في المدونة وفي رسم طلق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب في بعض الروايات تكون مصيبة السلعة إن تلفت من المفلس والنقصان عليه إن بيعت بأقل من الثمن، كما تكون الزيادة له إن بيعت بأكثر من الثمن.
فإن كانوا أدوا الثمن إلى البائع من مال الغريم المفلس تحاصوا في ثمنها قل أو كثر، وإن كانوا أدوه من أموالهم فبيعت بأكثر من الثمن أخذ الثمن من أداه منهم أو جميعهم إن كانوا أدوه جميعا وتحاصوا في الفضل مع جملة مال الميت، وإن بيعت بأقل من الثمن أخذه من أداه منهم واتبع الغريم بالبقية فحاص به الغرماء.
وإن تلفت اتبعوا الغريم بجميع الثمن الذي أدوه فيها وحاصوا به الغرماء؛ لأنه كان السلف منهم له.
والثاني: أن ذلك لا يكون لهم إلا برضا المفلس، فعلى هذا القول وهو قول ابن وهب في هذه الرواية إن رضي كانت المصيبة منه والنقصان عليه كما تكون الزيادة له حسبما مضى تفسيره في القول الأول، وإن كان لم يرض كان الربح والزيادة [لهم حسبما مضى تفسيره في القول الأول، وكانت المصيبة والنقصان منهم.
فإن كانوا أدوا الثمن من أموالهم خسروه إن تلف، وخسروا النقصان إن بيعت بأقل من الثمن الذي أدوه فيها.
وإن كانوا أدوه من مال المفلس فتلفت السلعة] حوسبوا بجميع الثمن فيما لهم عليه من الديون، فكان ذلك قصاصا منها، وتحاصوا في بقية مال المفلس بما بقي من ديونهم، وهو معنى قوله في هذه الرواية: أرى ضمانها من الغرماء يقاصهم بها المفلس فيما لهم عليه.
وإن
كانوا أدوه من مال المفلس فبيعت السلعة بنقصان حوسبوا أيضا بما انتقص من ثمنها فيما لهم عليه من الديون فكان ذلك قصاصا منها.
والقول الثالث: أن ذلك لا يكون لهم إلا أن يزيدوا زيادة يحطونها عن المشتري المفلس من دينهم، وتكون السلعة لهم نماؤها وعليهم بوارها، وهو قول أشهب، وبالله التوفيق.
###: إذا تقاضى الآخرين ادعى كل واحد منهم أنه هو الذي قضاه العشرة
ومن كتاب المكاتب وسألته: عن الرجل تكون له ثلاثون دينارا على ثلاثة نفر على كل رجل عشرة، فيقتضي من أحدهم العشرة التي قبله فإذا تقاضى الآخرين ادعى كل واحد منهم أنه هو الذي قضاه العشرة دنانير فيشك المقتضي.
قال: إن لم ينص الذي اقتضاها منه باسمه حلف الغرماء كلهم وبرءوا من الثلاثين دينارا.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال؛ لأنه قد أقر أنه قبض العشرة من أحدهم، فالقول قول كل واحد منهم مع يمينه أنه هو الذي قبض منه، ولا اختلاف في هذا عندي إذا جاءوا مجتمعين؛ لأنه يحقق الدعوى على اثنين منهم أنهما كاذبان، فلا بد من يمين كل واحد منهم، ولو جاءوا مفترقين لجرى له الأمر في إيجاب اليمين على كل واحد منهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة.
ولو جاءوا مجتمعين فنكلوا عن اليمين لوجب على أصولهم أن يحلف هو ما يعلم من دفعها إليه منهم، فلو حلف كانت العشرة بين جميعهم فأدى كل واحد منهم سبعة إلا ثلثا، وإن نكل عن اليمين لم يكن له شيء.
وإن حلف واحد منهم ونكل اثنان برئ من حلف ورجعت اليمين على المقتضي، فإن حلف أدى كل واحد من الناكلين سبعة إلا ثلثا، وإن نكل لم يكن له شيء.
وإن حلف اثنان منهم ونكل واحد برئ الحالفان ورجعت اليمين على المقتضي، فإن حلف أدى الناكل سبعة
إلا ثلثا، وإن نكل لم يكن له شيء.
ولو جاءوا مفترقين فنكل كل واحد منهم عن اليمين على القول بإيجابها عليه لغرم العشرة بعد يمين المقتضي على الاختلاف في رد يمين التهمة، ولو جاءوا مجتمعين فحلفوا له ثم تذكر ممن قبض لم ينفعه ذلك ولا كان له طلب على أحد منهم؛ لأنه حكم قد نفذ.
ولو وجد بينة لم يعلم بها بالذي قبض منه كان له القيام بها، فإن كان علم بها وحلفهم كان الحكم على قولين: أحدهما: أنه لا قيام له وهو قول ابن القاسم، والثاني: أن له القيام وهو قول مالك في رواية أشهب من هذا الكتاب.
مسألة: ليس للغرماء أن ينتزعوا مال المدبر
مسألة قال يحيى: قلت له: فإن تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير يؤديها في دينه فلم يقبل وقال الغرماء: نحن نقبل ذلك عليك فلا ينبغي لك أن تضر بنا في ترك ما تصدق به عليك.
قال: لا يجبر على أخذ الصدقة؛ لأنه يقول: لا ألزم نفسي مذمة ولا أوجب علي منة وسيرزقني الله فأؤدي إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة قد أغنى ابن القاسم عن القول فيها بنصه على العلة فيها.
ولو قبض الهبة على أنه بالخيار في قبولها وردها فأراد ردها، وقال الغرماء: نحن نقبلها - لتخرج ذلك على قولين: أحدهما: أن ذلك للغرماء وهو الذي يأتي على ما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس، والثاني: أن ذلك ليس لهم وهو الذي يأتي على ما في كتاب التفليس من المدونة في أنه ليس للغرماء أن ينتزعوا مال المدبر، فتدبر ذلك، والمسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الهبات والصدقات، وبالله التوفيق.
مسألة: يقر بوطء أمة رجل ويدعي أنه اشتراها منه وينكرسيدها أن يكون باعها منه
مسألة وسئل يحيى عن الرجل يقول للرجل إن لي عليك مائتي
دينار وقد قضيتني منها مائة فاقضني المائة الباقية، فقال الرجل: ما لك علي شيء ولا كان لك عندي شيء قط، ولكنك مقر بأنك قبضت مني مائة دينار، فأثبت أنها كانت لك علي من دين، وإلا فارددها علي.
أفترى يرد عليه إذا لم يثبت أنها كانت له دينا عليه؟ أم لا ترى ذلك عليه؟
قال: يقال لهذا المقر له: بأي شيء دفعت إليه ما قال إنه قبضه منك؟
فإن قال: دفعت إليه وديعة وما كان له عندي شيء قط حلف على قوله بالله أنه دفعها إليه وديعة أو سلفا إن ادعاه، ثم يبرأ من الذي ادعاه عليه بعد أن يحلف ما كان له عليه شيء قط ويأخذ المائة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جارية على أصل اختلف فيه قول ابن القاسم في غير ما مسألة، من ذلك قوله في الرجل يقر بوطء أمة رجل ويدعي أنه اشتراها منه وينكر سيدها أن يكون باعها منه، فالمشهور من قول ابن القاسم في المدونة وغيرها أنه يحد إن لم يقم بينة على الشراء، وروى عيسى عنه في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الأقضية أنه يدرأ عنه الحد بالشبهة، وهو الذي يأتي على قول أشهب أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه، وهو لم يقر بزنا وإنما أقر بوطء من يحل له على زعمه.
فجواب يحيى بن يحيى في هذه المسألة على المشهور من مذهب ابن القاسم؛ لأن مدعي المائتين يقر أنه قبض من المدعى عليه مائة ويدعي أنه قبضها من حق واجب له، فعليه أن يقيم البينة على ذلك، فإن عجز عن إقامة البينة حلف المدعى عليه أنه ما له عليه حق وأخذ منه المائة التي أقر أنه قبضها منه.
قال في الرواية بعد يمينه على ما يدعي من أنه دفعها إليه وديعة أو سلفا، واعترض ذلك ابن دحون، فقال: لا يلزمه أن يحلف أنها وديعة أو سلف؛ لأن القابض قد أقر بالقبض وادعى أنه قبضها من دين له فليس على البائع أكثر من اليمين أنه ليس له عليه شيء، وليس باعتراض بين؛ لأنه لم يقر أنه قبض المائة إلا من حق واجب له، فإذا لم يصدق في ذلك وكان مدعيا فيه وجب أن يكون القول قول المدعى عليه إنه دفعها إليه
وديعة أو سلفا.
ويأتي في هذه المسألة على قول ابن القاسم الثاني وعلى قول أشهب وأصله في أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه أن يحلفا جميعا ولا يكون على واحد منهما شيء، يحلف المدعى عليه المائتين أنه ما له عليه حق، ويحلف المدعي أنه ما قبض المائة التي أقر بقبضها إلا من المائتين التي كانت له عليه على ما زعم.
ولو أقر أنه قبض منه مائة ولم يبين فلما طلبها منه وادعى أنه أسلفه إياها أو أودعه إياها قال: إنما قبضتها من مائتين كانت لي عليه دينا لم يصدق في ذلك على أصولهم قولا واحدا، وبالله التوفيق.
###: باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا
ومن سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: سألت أشهب عن قوم اكتروا من جمال ودفعوا إليه دنانيرهم ثم أفلس الجمال قبل أن يركبوا ثم أدرك رجل منهم دنانيره في يده بعينها يشهد له عليها هل يكون أحق بها؟
قال: لا، وليس هذا مثل السلع.
قلت: فإن كانوا قد أخذوا عليه حميلا ثم دفع القوم إلى الجمال إلا رجلا منهم واحدا دفع إلى الحميل، ثم فلس والمال في يد الحميل، لمن هو؟
قال: إن كان الجمال لم يأمر الدافع بالدفع إلى الحميل بالمال فإن الدافع لا يدخل عليه أصحابه، وإن كان الجمال أمر الدافع بالدفع فالمال الذي بيد الحميل للغرماءكلهم.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا إن المكتري إذا فلس المكري لا يكون أحق بدنانيره وإن أدركها قائمة بيد المكري يشهد له أنها دنانيره بعينها، هو مثل قوله في كتاب المأذون له بالتجارة من المدونة خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وعامة أصحاب مالك في أن الرجل أحق بالعين والعرض في الفلس كان العين والعرض من بيع أو قرض، وخلاف ما ذهب إليه ابن المواز من أنه أحق بالعين والعرض إذا
كانا جميعا من بيع، وأسوة الغرماء فيهما جميعا إذا كانا من قرض.
والاختلاف الحاصل بين ابن القاسم وأشهب في العين هل يكون صاحبه أحق به من الغرماء في الفلس جار على اختلافهم في العين هل يتعين أم لا، والصحيح قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه أحق في الفلس بالعرض والعين كانا من بيع أو قرض، بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عم بقوله «فأدرك رجل ماله»، إذ لم يخص فيه عينا من عرض ولا قرضا ولا بيعا.
ووجه ما ذهب إليه ابن المواز: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فهو أحق به من غيره» الحديث؛ لأنه جعل هذا الحديث مخصصا لعموم الحديث الأول ومبينا له في أن المراد به البيع دون القرض، وهو بعيد؛ لأن الخاص لا يحمل على التخصيص للعام إلا إذا كان معارضا له.
ووجه قول أشهب أن العين لا يتعين، وهو أبعد الثلاثة الأقوال.
وأما تفرقته بين أن يدفع المكتري الدنانير إلى الحميل بأمر الجمال أو بغير أمره، فهي صحيحة على أصله في أن العين لا يتعين؛ لأن قبض الحميل بأمر الجمال كقبض الجمال؛ إذ هو وكيل له فصارت يده كيده..
وإذا دفع إليه بغير أمره فليس بوكيل له، وإنما هو وكيل للدافع، فوجب أن تكون يده كيده وأن يكون أحق بما في يده كالرهن في الموت والفلس قولا واحدا، وبالله التوفيق.
مسألة: المتكاري أولى بالإبل
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يكتري كراء مضمونا إلى مكة ذاهبا وراجعا فإذا أتى مكة نزل عن بعض الإبل التي كانت تحته وأخذ في حجه وخرجت الإبل إلى الرعي ثم فلس الجمال، هل
يكون أولى بها أم تراها إذا خرجت إلى الرعي خروجا من يده فيكون أسوة الغرماء؟ قال: المتكاري أولى بالإبل.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد غمزها محمد بن المواز، وقال: إنما يجب أن يكونوا أولى بالإبل إذا كان الكراء في معين، وقد أجرى أصحاب مالك المعين والمضمون على حكم واحد أنه أولى بما تحته.
وقد علم أن الجمال يقبض جماله في كل ليلة ويرعاها ويتصرف فيها.
والذي ذهب إليه محمد بن المواز من التفرقة في هذا المعنى بين الكراء المضمون والمعين وهو ظاهر قول غير ابن القاسم في كتاب الرواحل والدواب من المدونة ليس الراحلة بعينها مثل المضمون، وقد مضى الكلام على هذا المعنى مستوفى في آخر سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، فلا معنى لإعادته، ومضى في رسم القبائل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب الكلام على طرف منه.
مسألة: أقر بدين من غير قرض وادعى قضاءه
مسألة وقال في الرجل، يقول: كان لفلان علي دينار فتقاضاه مني أسوأ التقاضي فلا جزي خيرا، فيقول المقر له: ما تقاضيت شيئا.
قال: أرى الدين على المقر، وليس هو بمنزلة الذي يقر على وجه الشكر.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وليس هو بمنزلة الذي يقر على وجه الشكر، يريد: أنه ليس بمنزلة الذي يقر بالسلف على وجه الشكر ويدعي القضاء.
وقد مضى في رسم يوصي من سماع عيسى الفرق بين الذي يقر بالسلف على وجه الشكر ويدعي القضاء وبين الذي يقر بالاقتضاء على وجه الشكر ويدعي أنه اقتضى حقا كان له.
ولو أقر بدين من غير قرض وادعى قضاءه لم يصدق، وروى ذلك ابن أبي أويس عن مالك، قال: قال مالك، في الرجل يقول: كان لفلان علي ألف دينار فقضيته، قال مالك: هو لها ضامن حتى يأتي بالبينة أنه قد قضاه إياها، وسواء عندي كان
إقراره بذلك على شكر أو على غير شكر، إذ ليس بموضع شكر على ما مضى القول فيه في رسم يوصي من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: الصحة تدفع التهمة
مسألة وقال في الرجل يقر في مرضه لبعض من يتهم عليه بدين من وارث أو غيره ممن لو مات لم يكن له، فأوصى بذلك ثم صح بعد ذلك صحة بينة ثم مرض فمات، فذلك الدين ثابت عليه يؤخذ من رأس ماله ويحاص به الغرماء المعروفين الذين لهم البينات.
قال الإمام القاضي: هذا كما قال: إن ذلك يكون من رأس ماله؛ لأن الصحة تدفع التهمة، فسواء أقر له وهو صحيح أو أقر له وهو مريض ثم صح.
وقوله: إنه يحاص به الغرماء المعروفين الذين لهم البينات، معناه: إذا كان الدين الذي للأجنبيين محدثا بعد الإقرار، وبالله التوفيق.
مسألة: السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد فيبيع متاعه أو يتلفه
مسألة وسئل: عن السفيه الذي يموت أبوه ولا يوصي به إلى أحد أو مات وصي أبيه ولم يوص به إلى غيره، فيبيع متاعه أو يتلفه ولا ولي له بأمر السلطان ولا وصي له فيليان ماله، أترى ما باع من ماله جائزا لمن اشتراه منه؟
قال ابن القاسم: إذا كان معروفا بالسفه وهو يعرف بالتبذير فباع شيئا لم يجز اشتراؤه لمن اشتراه ورأيته مفسوخا وإن طال زمانه ولا أرى أن يعدى عليه برأس ماله ولا غيره، وهو كمن هو في الولاية؛ لأن حاله مسخوطة فلا أرى أن يجوز من أمره شيء، وذلك رأي من أرضى من أهل العلم والذي آخذ به.
قلت له: إن قوما زعموا أن كل ما باع أو بذر من ماله
وهو لا وصي له ولا ولي بأمر القاضي يرد ذلك عليه أنه جائز، قال: لا أرى ذلك له ولم أسمعه ممن أرتضيه، وهذا مما لا ينبغي له أن يقوله ولا يجوزه، وأرى أن يفسخ عنه كل ما باع أو بذر إذا كان حاله على ما أخبرتك.
قيل: فإن كان ممن لا يعرف بالتبذير ولا بالخير ولا بالشر إلا أنه يشرب الخمر وهو في ذلك ربما أحسن النظر في ماله، أترى أن بيعه جائز؟
قال: لا أرى مثل هذا جائز الأمر إذا وقع لعله لا يرد فعله إذا لم يكن مولى عليه، وقد يموت الرجل فجأة ولا يوصي ويموت وصيه ولا يوصى به، فإن السلطان وصي من لا وصي له، وقد يغفل القاضي ولا يولي عليه، فلا يجوز لذلك بيع السفيه، ولا يجوز بيعه إذا كانت حاله حالا يسخطه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فأرى أن يرد كل ما بذر من ماله ولا يعدى عليه في شيء؛ لأنه ممن وجبت عليه الولاية، إلا أن يجد الرجل ماله بعينه فيكون أحق به منه، وليس يخرجه من حال السفه وإن لم يكن له ولي إلا حال الرشد والصلاح؛ لأنه ممن وجب عليه الولاية فلا أرى بيعه جائزا.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد تقدمت والقول فيها مستوفى في رسم جاع من سماع عيسى، ومضت أيضا في نوازله فلا معنى لإعادة القول في ذلك.
مسألة: البكر أفعالها لا تجوز حتى تدخل بيتها ويرضى حالها
مسألة قلت له في البكر تأخذ مبلغها الذي يجوز لها القضاء فيه في مالها، أرأيت إذا بلغت ثلاثين سنة أتراها جائزة الأمر في مالها؟
فقال: لا أراها جائزة القضاء في مالها وإن تزوجت وإن مات عنها أبوها وإن بلغت ما ذكرت حتى تدخل بيتها ويرضى حالها، كذلك قال لي مالك.
قلت: فابنة الخمسين والستين وقد وقفت عن الأزواج أتراها بمنزلة التي ذكرت؟
قال ابن القاسم: إذا عنست كما ذكرت وكان لا بأس بنظرها جاز قضاؤها في مالها، وإن كانت على غير ذلك لم يجز ذلك.
قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية في البكر بين أن تكون ذات أب أو وصي أو يتيمة مهملة في أن أفعالها لا تجوز حتى تدخل بيتها ويرضى حالها، يريد: بأن يشهد العدول على صلاح أمرها، فأفعالهما جميعا على هذه الرواية قبل أن يتزوجهما ويدخل بهما زوجهما ما لم تعنسا مردودة وإن علم رشدهما ما لم يحكم لهما به.
وبعد أن تعنسا ببلوغ الخمسين سنة أو الستين سنة أو تتزوجا ويدخل بهما زوجهما مردودة إلا أن يعلم رشدهما وإن لم يحكم لهما به، هذا الظاهر من قول ابن القاسم في هذه الرواية؛ لأنه قال فيها: إنها إذا عنست وكان لا بأس بنظرها جاز قضاؤها في مالها.
فالظاهر من قوله أنه لم يجز قضاؤها في مالها بعد التعنيس إلا أن يعلم حسن نظرها، فهما جميعا على هذه الرواية بدخول أزواجهما بهما أو بتعنيسهما قبله ببلوغ الخمسين سنة أو الستين محمولتان على السفه ما لم يعلم رشدهما، وفيما قبل ذلك لا تجوز أفعالهما وإن علم رشدهما ما لم يحكم السلطان لهما بالرشد أو يرشدهما الأب إن كانت ذات أب.
وقد تئول على ابن القاسم في هذه الرواية أنها إذا عنست وهي بكر
كانت محمولة على الرشد وجازت أفعالها إلا أن يعلم سفهها، وهو خلاف ما بيناه من ظاهرها.
وقد اختلف في هاتين المسألتين اختلافا كثيرا، فقيل في ذات الأب: إنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، وقيل: إنها لا تخرج به من ولايته حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويمر بها بعد دخول زوجها بها العام ونحوه، وقيل: حتى يمر بها بعده العامان، وقيل: حتى يمر بها بعده سبعة أعوام، وقيل: إنها لا تخرج من ولايته وإن طالت إقامتها مع زوجها حتى يشهد العدول على صلاح حالها، وقيل: إنها تخرج من ولايته إذا عنست وإن لم يدخل بها زوجها.
واختلف في حد تعنيسها فقيل: أربعون عاما، وقيل: من الخمسين إلى الستين، وقيل: إن أفعالها جائزة بعد البلوغ، وقيل: إنها لا تجوز حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويمر بها بعد دخوله بها العام ونحوه، وقيل: العامين ونحوهما، وقيل: الثلاثة الأعوام ونحوها، وقيل: إنها لا تخرج من الولاية وإن تزوجت ودخل بها زوجها حتى يشهد العدول على صلاح أمرها، وهو الظاهر من هذه الرواية على ما بيناه، وقيل: إنها تجوز إذا عنست وإن لم تتزوج.
واختلف في حد تعنيسها من الثلاثين سنة ومما دون الثلاثين إلى الخمسين والستين، وهو حد انقطاع المحيض عنها.
فهذه ستة أقوال، ويتخرج فيها قول سابع أيضا وهو أن تجوز أفعالها بمرور سبعة أعوام من دخول زوجها بها.
والمشهور في البكر ذات الأب أنها لا تخرج من ولاية أبيها ولا تجوز أفعالها وإن تزوجت حتى يشهد العدول على صلاح أمرها.
والذي جرى به العمل عندنا أن تكون أفعالها جائزة إذا مرت سبعة أعوام أو نحوها من دخول زوجها بها على رواية منسوبة إلى ابن القاسم، والمشهور في البكر اليتيمة المهملة أن تكون أفعالها جائزة إذا عنست أو مضى لدخول زوجها بها العام ونحوه، وهذا الذي جرى به العمل.
فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إذا علم رشدها أو جهل حالها، وعلى اختلاف إذا علم سفهها.
وإذا مات الأب فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إن علم رشدها أو جهل حالها، وردت إن علم سفهها.
هذا الذي أعتقده في هذه المسألة على منهاج قولهم، وبالله التوفيق.
###: ضعيف العقل تزوج فأراد وليه أن يغير ذلك
من نوازل سحنون قال سحنون، في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول بها ليملكها أمرها أو تباريه بشيء من مالها، فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز لها أن تعطيه شيئا من مالها قبل البناء؛ لأنها محجور عليها، ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها.
ولو كانت البكر يتيمة وكانت لا أب لها ولا وصي حتى لا تكون محجورا عليها في مالها جاز ذلك للزوج ولم يرد ما أخذ منها؛ لأنها عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له أن أموره كلها جائزة عليه [بياعاته] وأشريته وهبته وصدقته ما لم يحجر عليه، فإذا حجر لم يجز شيء مما صنع، لا بيعه ولا شراؤه ولا هبته [ولا صدقته] ولا أعطايته، فكذلك البكر في عطيتها زوجها ومخالعتها بمالها جائز عليها إن كانت يتيمة ولم تكن محجورا عليها، فإن كان لها أب أو وصي حتى تكون محجورا عليها لم يجز لها شيء مما صنعت وكان مردودا إليها ولزم الزوج الطلاق.
قال سحنون: ومما يدل على ذلك أن مالكا سئل: عن رجل ضعيف العقل تزوج فأراد وليه أن يغير ذلك، قال: إن كان مُوَلَّى عليه لم أر نكاحه جائزا فإن كان غير ذلك فهو جائز.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز لها أن تعطيه شيئا من مالها قبل البناء - فيه نظر، إذ لا فرق في ذلك بين قبل البناء وبعده [في المهملة ولا في ذات الأب والوصي؛ لأن ذات الوصي لا تخرج من ولاية الوصي إلا بإثبات الرشد، وذات الأب لا تخرج من ولاية
الأب بنفس البناء دون أن تمضي مدة ما عند أحد من العلماء.
فإن خالعت ذات الوصي زوجها دون إذن الوصي قبل البناء أو بعده] رد عليها ما أخذ منها ومضى الطلاق عليه.
وإن خالعت ذات الأب زوجها دون إذن أبيها قبل البناء أو بعده بمدة يسيرة رد عليها ما أخذ منها ومضى الطلاق عليه، وإن كان بعده بمدة كثيرة جرى الأمر على ما ذكرناه من الاختلاف قبل هذا في آخر سماع سحنون.
واختلف فيما حلفت به أو نذرته من صدقة مالها هل يلزمها ذلك إذا ملكت أمر نفسها أم لا؟ على قولين مرويين عن مالك: أحدهما: في سماع ابن القاسم من كتاب النذور، والثاني: في سماعه أيضا من كتاب النكاح، وقد مضى بيان ذلك هنالك.
وأما اليتيمة البكر المهملة دون أب ولا وصي فالمشهور أن خلعها لا يجوز ولا شيء من أفعالها، وهو نص قول أصبغ في نوازله من هذا الكتاب ومن كتاب التخيير والتمليك.
وذهب سحنون هاهنا إلى أن خلعها يجوز وكذلك سائر أفعالها قياسا على السفيه اليتيم الذي لا وصي له.
فعلى قوله تجوز أفعالها وإن كانت سفيهة معلومة السفه، وهو شذوذ من القول لم يتابعه عليه أحد من أصحاب مالك، وأجمع أصحاب مالك كلهم حاشا ابن القاسم على أن أفعال السفيه جائزة إذا لم يكن في ولاية، وقد روى ابن وهب عن مالك أن أفعاله لا تجوز مثل قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: أقر على نفسه في مرضه أن لفلان علي جل المائة
مسألة وسئل: عن رجل أقر على نفسه في مرضه أن لِفُلَانٍ عَلَيَّ جُلَّ المائةِ أو عظم المائة] أو قرب المائة أو أكثر المائة أو نحو المائة أو شبه المائة أو مائةً إلا قليلا، أو مائة إلا شيئا، فقال: الذي سمعت من أصحابنا ورأيت عليه أكثرهم أن قالوا يعطى
المقر له من ثلثي المائة إلى أكثر على قدر ما يرى الحاكم، وقد خالفنا فيه هؤلاء، يعني أهل العراق، وقالوا: يزاد على الخمسين دينارا ودينارين.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال؛ لأن هذه الألفاظ كلها تقتضي بأن له عليه أكثر المائة، فوجب ألا يحط عنه منها إلا أقل من ثلثها؛ لأن الثلث هو آخر حد القليل وأول حد الكثير.
وقول أهل العراق بعيد، إذ لا يقال في واحد وخمسين ولا في اثنين وخمسين إنها جل المائة ولا إنها أكثر المائة ولا إنها مائة إلا شيئا ولا مائة إلا قليلا.
وقد روي عن ابن الماجشون أنه إذا قال له: عندي مائة إلا شيئا - أن الشيء عقد من عقود المائة فما دونها فيعطى تسعين ويجتهد فيما يزاد عليها، وهو قول له وجه.
وهذا كله إنما يحتاج إليه في الميت الذي يتعذر سؤاله عن مراده، وأما المقر الحاضر فيسأل عن تفسير ما أرد بقوله ويصدق في ذلك مع يمينه إن نازعه في ذلك المقر له فادعى أكثر مما أقر له به، وتحقق الدعوى في ذلك.
وأما إن لم تحقق الدعوى فعلى قولين في إيجاب اليمين عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول وصي اليتيمة أبا هذه أوصى بها وبمالها إلي فأنا أبرأ إليه من مالها
مسألة وسئل: عن الذي يأتي باليتيمة التي قد بلغت أو باليتيم الذي قد بلغ إلى القاضي فيقول: إن أبا هذا أو أبا هذه أوصى به وبماله إلي وقد بلغ مبلغ الرضا فأنا أبرأ إليه من ماله واكتب لي براءة منه، أترى أن يكتب له منه براءة ولا يعرف أنه وصيه إلا بقوله؟
قال: نعم.
قيل: كيف تكتب له البراءة؟
قال: يكتب إن فلانا أتى بفتى على صفة كذا وكذا وزعم أنه وصيه وزعم أنه يسمى فلانا،
أو بامرأة من صفتها كذا وكذا وزعم أنها تسمى كذا فذكر أن أباها أوصى بها إليه وبمالها وأنها قد بلغت مبلغ الأخذ لنفسها والإعطاء منها فسألنا أن نأمره يدفع إليها مالها وأن نكتب له البراءة منه فأمرناه بذلك فدفع ذلك عندنا وهو كذا وكذا، وقد أشهدنا على براءته من المسمى في هذا الكتاب.
قيل: ولا يجوز له أن يكتبها إلا هكذا؟
قال: نعم، لا يجوز له أن يكتبها إلا هكذا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم وعلى معنى ما في كتاب طلاق السنة من المدونة وعلى ما جاء في آخر سماع أصبغ من كتاب السلطان في مسألة الذي ادعى أن رجلا رهنه قدحا في كساء أن السلطان يأمره ببيع القدح في الكساء على ما زعم أنه عنده رهن به من غير حكم على الغائب، وفي ذلك اختلاف، قد قيل: إنه لا يأمره ببيعه حتى يثبت عنده ارتهانه إياه، وبذلك جرى العمل، وهو على أصل مطرف وابن الماجشون في مسألة كتاب طلاق السنة التي أشرنا إليها، وعلى قياس ذلك لا يلزم القاضي في هذه المسألة أن يأمر الرجل بدفع شيء ولا أن يكتب له براءة بشيء، ويقول له: شأنك في الدفع إليه والإشهاد عليه إلا أن يثبت عنده ما ذكره من أن أباه أوصى به إليه، وقد قيل: إنه لا يكتب له إلا أن يثبت ما ذكره من أن أباه أوصى به إليه وأنه رشيد، وهذا على القول بأن وصي الأب ليس له أن يرشد إلا بأمر السلطان، وقيل: يكتب له إذا ثبت عنده أنه رشيد وإن لم يثبت عنده أنه وصي عليه، فهي أربعة أقوال في المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: السفيه المولى عليه يبتاع أمة فتحمل منه ثم يعثر على ذلك
مسألة قال أصبغ في السفيه المولى عليه، يبتاع أمة فتحمل منه ثم يعثر على ذلك، فقال: أرى أن ترد الأمة إلى بائعها ويرد البائع
الثمن كله على السفيه ويكون الولد ولده ولا يكون عليه من قيمتهم شيء.
قال عيسى: ولو أن رجلا أسلف مولى عليه مالا أو أسلمه إياه في شيء أو ابتاع منه شيئا فاشترى به المولى عليه أمة فحملت منه كانت أم ولد ولم يكن للمشتري أن يأخذها بسلفه إياه المال وابتياعه منه شيئا، فإن كان قد قبض منه ما كان ابتاع بالمال رد ذلك الشيء إلى المولى عليه، وأسقط الثمن.
قال محمد بن رشد: أما إذا أولد السفيه الجارية التي ابتاعها بمال أسلف إياه أو بثمن سلعة باعها فلا خلاف في أنه لا سبيل للذي أسلفه أو باعه عليها؛ لأنها وإن كانت من أموالهما فليست بعين أموالهما، وهما سلطاه على أموالهما.
وأما إذا أولد الأمة التي اشتراها فقيل: إن ذلك فوت أيضا لا سبيل للذي باعه إياها عليها؛ لأنه هو سلطه عليها، فإنما فعل من وطئه إياها بعد الشراء ما يجوز له، والحمل ليس من كسبه إذ لم يقع باختياره ولا هو من فعله، بخلاف العتق الذي هو من فعله وكسبه، وهو قول أصبغ في سماع عيسى من كتاب العتق.
وقيل: إن ذلك ليس بفوت وترد الأمة إلى بائعها، وهو قول أصبغ هاهنا وقول عيسى بن دينار في سماعه من كتاب العتق؛ لأنه وإن كان الحمل ليس من كسبه ولا من فعله فالأمة عين مال البائع، وهذا استحسان، والقول الأول هو القياس إلا فرق بين أن يولد الأمة التي اشتراها من مال يسلفه إياه أو من سلعة باعها، كما لا يفترق ذلك في المديان للعلة التي ذكرناها، والله الموفق.
مسألة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر
مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يقر على نفسه أن لفلان عليه مائة دينار ناقصة ويدعي المقر له أنها وازنة، قال: ليس له إلا ما أقر له به.
قال محمد بن رشد: يريد ويحلف المقر على ما يذكره من النقصان، وهذا ما لا إشكال فيه ولا اختلاف، إذ لا فرق بين اختلافهما في
العدد أو في قدر النقصان، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وبالله التوفيق.
مسألة: أتى بذكر حق له على رجل فيه ألف دينار فأتى المشهود عليه ببراءة ألفي دينار
مسألة قيل: أرأيت إن أتى بذكر حق له على رجل فيه ألف دينار فأتى المشهود عليه ببراءة ألفي دينار يزعم أن تلك الألف قد دخلت في هذه المحاسبة والقضاء، قال: يحلف ويبرأ.
قيل له: فإن أتى ببراءات مفترقة إذا اجتمعت مع الذكر الحق أو الذكورات الحق كانت أكثر أو أقل، وليس شيء من ذلك منسوبا أنه من الذكورات الحق ولا من غير ذلك؟
فقال: إذا كانت البراءات مفترقة وليس واحدة منها إذا انفردت فيها جميع هذه الذكورات الحق أو الذكر الحق فإني لا أراها براءة مما أثبت قبله، وإن كان في واحد منها جميع هذا الذكر الحق وصارت بقية البراءات زيادة على ما أثبت قبله فإني أرى أن يحلف ويبرأ.
قال القاضي: تفرقة سحنون هذه بين أن يأتي المطلوب ببراءة واحدة تستغرق ما في ذكر الحق الذي عليه وبين أن يأتي ببراءات كثيرة تستغرقه إذا جمعت تفرقة ضعيفة لا وجه لها؛ لأن الحق قد يقضى مجتمعا ومفترقا شيئا بعد شيء.
وقد روى ابنه محمد عنه أنه رجع عن هذا القول إلى أنه يبرأ بالبراءات المفترقة وإن كانت ليس في كل واحدة منها إذا انفردت كفاف ذكر الحق.
ولو قيل: إنه إن كانت البراءة واحدة أو البراءات إذا جمعت مثل ذكر الحق سواء أو أقل كانت براءة، وإن كانت البراءة الواحدة والبراءات إذا جمعت أكثر من ذكر الحق لم تكن براءة لكان لذلك وجه بأن يقال: إن
المعنى في ذلك أن المطلوب أنكر المخالطة وزعم أنه لم يبايعه سوى هذه المبايعة التي فيها ذكر الحق وادعاها الطالب، فإذا لم يكن في البراءة الواحدة بانفرادها أو البراءات باجتماعها أكثر من ذكر الحق لم يكن للطالب دليل على ما ادعاه من المخالطة، وأنه قد عامله غير هذه المعاملة التي فيها ذكر الحق، فوجب أن يحلف المطلوب أنه لم يكن له عليه سوى ذكر الحق، وتكون البراءة أو البراءات براءة له منه.
وإن كان في البراءة الواحدة أو البراءات زيادة على ذكر الحق كان في ذلك للطالب دليل على ما ادعاه من المخالطة وأنه قد عامله فيما سوى هذا الذكر الحق، فوجب أن يحلف الطالب أنه قد عامله فيما سوى هذا الذكر الحق وأن البراءة أو البراءات التي استظهر بها المطلوب إنما هي من ذلك، فلا يكون شيء من ذلك براءة للمطلوب من الذكر الحق.
وقد مضى القول على هذه المسألة في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات ما فيه بيان لها وكشف عن معانيها، وبالله التوفيق.
###: رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه
ومن سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد: سألت ابن القاسم عن الرجل يسلف الرجل مالا فيشتري المسلف به متاعا ثم يفلس فيقوم المسلف مع الغرماء فيجد المتاع الذي اشتري بماله، فيقول: هذا المتاع أنا أولى به؛ لأنه ابتيع بمالي.
قال ابن القاسم: قال مالك: هو أسوة الغرماء.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إذ ليس المتاع ماله الذي أسلفه بعينه، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»، وبالله التوفيق.
مسألة: يبيع من الرجل شققا إلى أجل فيقطعها ثيابا ويخيطها ثم يفلس
مسألة قال: وسألته عن الرجل يبيع من الرجل شققا إلى أجل فيقطعها ثيابا ويخيطها ثم يفلس المبتاع ويجد البائع شققه مقطوعة، كيف الأمر في ذلك؟
قال: يسلك به في ذلك قول مالك في الذي يبيع العرصة فيبني فيها المبتاع ثم يفلس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في آخر رسم العرية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول في ذلك، وبالله التوفيق.
###: كتاب المديان والتفليس الثالث
مسألة: السيد لا يحجر على عبده إلا بالسلطان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول، فيمن دفع إلى عبده مالا يتجر به وأمره ألا يبيع إلا بالنقد ولا يشتري إلا به وحجر عليه في ذلك، فداين العبد الناس: إنهم أحق بما في يده لا شك فيه وإن لم تكن هي أموالهم بعينها.
قال أصبغ: وهذا مأذون له إذا أطلقه على البعض فهو الكل، كمثل ما لو وضعه يتجر في البز وحده فتجر في غيره كان لازما له؛ لأنه قد نصبه للناس، وليس كل الناس يعلمون بعضا دون بعض.
وقال أصبغ: قلت له: فإن قصر ما في يديه عما عليه، أيكون ما بقي في ذمته أيضا؟
قال: هو الذي أُصْغِي إليه وَأَسْتَحْسِنُهُ ويسبق إليَّ، والله أعلم.
وقاله أصبغ على قياس القول الأول في صدر هذه المسألة وطريقها استحسانا، وفيها ضعف إن شاء الله.
قال سحنون: هو كما شرط سيده، وليس له أن يتعدى ما أُمِرَ به، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو دفع إلى عبده مالا قراضا أنه يصير بذلك مأذونا له في التجارة وحكم القراض ألا يباع بالدين في الأحرار والعبيد، وكل من قبض
مالا قراضا فليس له أن يبيع بالدين.
وكذلك الذي يشترط على عبد هو مأذون له في التجارة ممنوع أن يبيع بالدين، فإذا باع به كان متعديا ولا يجوز على مولاه عداه.
قال محمد بن رشد: قوله في صدر هذه المسألة: إنهم أحق بما في يديه - لا شك فيه، وإن لم تكن هي أموالهم بعينها، يريد: أنهم يكونون فيما في يديه أسوة للغرماء إن لم تكن أموالهم بعينها، وإن كانت أموالهم بعينها كان من وجد منهم ماله بعينه أحق به من غيره من الغرماء على حكم الحر إذا فلس.
وهذا مما لا إشكال فيه.
وفي قوله: لأنه قد نصبه للناس وليس كل الناس يعلمون بعضا دون بعض دليل على أنه لو أشهد بتجارته في البز وحده وأعلن بذلك وعلم به ثم تجر في غيره لم يلزمه في ماله ما داين به، وهو دليل قوله أيضا في المدونة؛ لأنه لا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده.
ويدخل في هذا اختلاف بالمعنى؛ لأنه من باب التحجير، فيأتي على قول مالك في المدونة: إن السيد لا يحجر على عبده إلا بالسلطان أنه لا ينفع إشهاد السيد وإعلانه إنما أذن له بالتجارة في البز وحده.
ويأتي على قول سحنون: إن السيد يحجر البيع بالدين على عبده دون السلطان - أن الإشهاد والإعلان ينفعه في ذلك.
وقوله: إن ما قصر عنه ما في يده يكون في ذمته، هو مثل ما في المدونة ولا خلاف فيه أعلمه.
وقوله: وقاله أصبغ على قياس القول الأول، يريد: أن ما بقي مما لم يف به ما في يديه فيكون في ذمته على قياس القول بأن تحجير البيع بالدين عليه لا يلزمه، ويكون من داينه أحق بما في يديه.
والقول الثاني هو قول سحنون الذي حكاه بعد ذلك من أن تحجير البيع بالدين عليه لازم له، فلا يكون من بايعه بالدين أحق بما في يديه، إذ لا يجوز عدوه على سيده.
وظاهر قول سحنون أن السيد إذا أذن لعبده في التجارة وحجر عليه الدين أن الغرماء لا يكون لهم حق فيما في يده من المال الذي أذن له بالتجارة فيه وإن لم يعلموا بذلك.
ومسألة القراض التي احتج بها لا يلزم ابن القاسم الحجة بها، إذ لا يوافقه عليها بل يخالفه فيها، فيقول: إنه إذا دفع إلى عبده مالا قراضا فداين فيه
الناس تكون فيه ديونهم إلى أن يعلموا أنه بيده قراض فلا يكون لهم فيه شيء.
وكذلك الحر أيضا لو دفع إليه مالا قراضا فعلم الغرماء الذين عاملوه فيه بالدين أنه مال قراض بيده لم يكن لهم فيه شيء واتبعوا ذمته بديونهم.
وأما إذا لم يعلموا فيفترق الحر من العبد؛ لأن الحر يلزمه ضمان المال فيكون لصاحبه محاصة الغرماء فيه، والعبد لا يضمن لسيده فينفرد الغرماء إذا لم يعلموا بجميعه؛ لأنه فرط حين لم يعلمهم.
وقال ابن دحون: قول سحنون ضعيف ليس المأذون له مكان المقارض؛ لأن المأذون له حجر عليه التجارة فيما عدا البز لم يلزمه بخلاف المقارض.
وقول ابن دحون ليس بصحيح؛ لأن قول سحنون إنما ضعف من أجل أنه جعل تحجير السيد على عبده الدين لازما للغرماء وإن لم يعلموا بتحجيره المداينة عليه، لا من أجل الفرق بين تحجير الدين على العبد وبين دفع المال إليه على سبيل القراض، إذ قد بينا أنه لا فرق بينهما، وبالله التوفيق.
مسألة: سلف في ثوب أو دابة ففلس المسلف إليه
مسألة قال أصبغ: وسئل: عمن سلف في ثوب أو دابة ففلس المسلف إليه، فقال: الذي اشترى والغرماء أسوة في المال يحاص بقيمة دابته أو ثوبه الذي سلف فيه، فما حصل له في المحاصة اشترى له به شرطه أو ما بلغ شرطه.
قال أصبغ: وتفسيره أن يحاص بقيمته وما يساوي مثله يوم التفليس؛ لأنه لو تم المال يومئذ كان يعجل له، فما أدرك في محاصته جعل له في مثله من أجزائه يشترى له يكون به شريكا ثم يبيع بباقيه جزءا نصفا أو ربعا أو ثلثا على مثل ذلك مما ثاب لغرمائه مال، إن شاء الله.
وكذلك لو سلف في طعام ففلس المسلف إليه أنه يحاص بقيمة طعامه حالا، فما صار له في المحاصة اشترى له به طعام وما عجز عن حقه اتبعه به في ذمته.
وقال سحنون: يحاص بقيمته طعاما إلى أجله.
قال الإمام القاضي: قد مضت هذه المسألة في رسم القبلة من سماع ابن القاسم وفي رسم العرية من سماع عيسى، وقول ابن القاسم أصح من قول سحنون؛ لأنه لا يلزم على قول سحنون إذا كان له على المفلس دين إلى أجل ألا يحاص الغرماء إلا بقيمة الدين إلى أجله.
###: الرجل إذا ادعى على الرجل مائة دينار فصالحه منها على خمسين إلى أجل
ومن كتاب البيع والصرف قال: وسئل: عن رجل له على رجل حق فجحده إياه، فأراد إحلافه، فقال: لا تحلفني، وأخرني إلى سنة، وأنا أقر لك، فقال: لا خير فيه، وهو سلف جر منفعة، قلت له: إن وقع أيفسخ التأخير ويثبت الحق معجلا، والمقر يجحده ويقول: إنما أقررت ورضيت بما رضيت به من ذلك على ما جعل لي من التأخير افتداء من اليمين على رءوس الناس والشهرة والشغب والخصومة، ونحو ذلك من القول، وأنا أحلف ما له علي شيء، هل يكون له ذلك أم لا؟ وهل يسقط عنه إذا حلف مع سقوط التأخير الذي أسقطته؟
قال لي: نعم، يكون على رأس خصومته، وأرى ذلك له، ولا يلزمه من ذلك الإقرار شيء.
قال محمد بن رشد: قوله في تأخير الحق عنه على أن يسقط عنه اليمين إنه سلف جر منفعة، هو على أصل مالك في سماع أشهب في رسم البيوع، وعلى أصله أيضا في المدونة بدليل قوله في كتاب الصلح منها: إن الرجل إذا ادعى على الرجل مائة دينار، فصالحه منها على خمسين إلى أجل، إن ذلك جائز إذا كان مقرا خلاف قول ابن القاسم فيها: إن ذلك جائز، وإن كان منكرا؛ لأنه إن كان حقه حقا فله تأخيره، وإن كان باطلا فليس له أن يأخذ منه شيئا.
وقد مضى في رسم البيوع من سماع أشهب من القول على هذه المسألة ما فيه بيان، إن شاء الله وبه التوفيق.
مسألة: المقارض يفلس بديون عليه فيقر في بعض ما في يديه أنه مال القراض
مسألة وسألته: عن المقارض يفلس بديون عليه، فيقر في بعض ما في يديه أنه مال القراض.
قال: لا يقبل قوله.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب وفي رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، من سماع ابن القاسم أيضا من كتاب تضمين الصناع، وقلنا: إنها مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن إقراره جائز، والثاني: أنه لا يجوز، والثالث: الفرق بين أن تكون على أصل القراض بينة أو لا تكون، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم.
ومن الناس من ذهب إلى أن الخلاف في جواز إقراره، إنما هو إذا لم يكن على أصل القراض بينة، وأما إذا كان على أصله بينة فلا اختلاف في أن إقراره جائز، وهذا بعيد؛ لأن الظاهر من هذه المسألة الذي هو كالنص فيها، إنما تكلم على من فلس وقد علم أنه مقارض، وقد قال فيها: إن قوله لا يقبل.
ومن ذهب إلى أنه لا خلاف في جواز إقراره إذا كان على الأصل بينة - يقول في هذه المسألة: المعنى فيها أن يقر فيما في يديه مما ليس من تجر القراض أنه من القراض؛ لئلا يباع عليه ثياب أو بسط توجد في داره وهو يتجر بالقراض في الحنطة، فيقول هي من القراض، فلا يصدق.
ولو كان يتجر في مال القراض في الثياب أو البسط قبل منه بعد يمينه ولم يبع عليه.
ومنهم من ذهب إلى أن رواية أبي زيد في الفرق بين أن يكون على الأصل بينة أو لا تكون مفسرة للقولين جميعا، فلا يكون في المسألة على هذا التأويل اختلاف، وبالله التوفيق.
###: المال يباع على العامل إذا قام عليه غرماء صاحب المال
ومن كتاب البيوع قال: وسمعته يقول في رجل أخذ من رجل مالا قراضا فاشترى متاعا وخرج إلى أطرابلس، فقام عليه بأطرابلس، غرماء صاحب المال وغرماء العامل، قال: فرق مالك بين أن يقوم عليه
غرماء صاحب المال، وغرماء العامل، فقال: إذا قام غرماء صاحب المال بيع المتاع، فأعطي العامل حصته من ذلك، وكان ما بقي لغرماء صاحب المال، فإذا قام على العامل غرماؤه، فأرادوا أن يباع فيأخذوا ربحه؛ لأن لهم فيه فضلا، لم يبع حتى يحضر صاحب المال.
قال أصبغ مثله؛ لأنه ليس للعامل في المال بعينيه شيء.
ولا يجبر العامل على البيع ولا يمنع منه إن شاء ذلك هو عند ذلك أو بعده، فإذا باع ونض فوجد المال قضى لهم صاحب المال دينهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة متكررة في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده من سماع عيسى من كتاب القراض.
وقوله: إنه إذا قام على العامل غرماء صاحب المال، بيع المتاع، فأعطى العامل حصته من ذلك، وكان ما بقي لغرماء صاحب المال، معناه: إذا كان لبيعه وجه لا ضرر فيه على العامل، فإن كان عليه فيه ضرر لربح يرتجيه في أسواقه لم يبع عليه حتى يأتي أسواقه، وكذلك في تفسير ابن مزين، وكتاب ابن المواز عن مالك أنه لا يباع إلا أن يرى لذلك وجه ومصلحة، وهو معنى ما في المدونة.
وقوله: وقال أصبغ مثله، معناه: وقال أصبغ مثل قول ابن القاسم: إن العامل إذا قام عليه غرماؤه لم يبع عليه مال القراض، حتى يحضر صاحب المال.
وعلل ذلك بما ذكره من أنه ليس للعامل في المال بعينه شيء، وهو تعليل صحيح، إذ لا شيء له في المال حتى يباع وينفق إلى رب المال رأس ماله.
وقوله بعد ذلك: ولا يجبر العامل على البيع... إلى آخر قوله - معناه: إذا قام عليه غرماء صاحب المال، بدليل قوله في آخره: قضى لهم صاحب المال دينهم، ومن قوله الذي تقدم: إن المال يباع على العامل إذا قام عليه غرماء صاحب المال، فلا وجه له عندي إلا أن يكون معناه: يجبر على البيع ولا يمنع منه إن شاء ذلك، إذا قام عليه غرماء صاحب المال، ولا وجه لبيعه في ذلك الوقت.
وأما إذا قام على العامل غرماؤه،
فلا إشكال في أنه لا يباع المال عليه حتى يحضر صاحبه؛ لأنه لا ربح له في المال حتى يرجع إلى رب المال رأس ماله.
وبالله التوفيق.
مسألة: ابتاع عبدا بيعا فاسدا فأعتقه وقيمته أكثر من الثمن وليس له غيره
مسألة قال أصبغ وسحنون: سألنا ابن القاسم: عن الذي يعتق عبيدا له وعليه دين يستغرق بعضهم، ثم يستحدث دينا بعد ذلك، ثم يقوم به الغرماء الأولون الذين أعتق ولهم عليه الدين.
قال: يرد من عتق العبيد بقدر الذي كان لهم من الدين يوم أعتق، فيباع ذلك لهم، ويدخل معهم فيه الغرماء الآخرون، ثم يعتق ما بقي من العبيد، ولا يباع منهم شيء بعد ذلك، ولا يباع للأولين.
إلا أول مرة على ما فسرته لك فقط.
قال أصبغ: وقد قال بعض الناس: إذا دخل الآخرون على الأولين في ثمن ما بيع لهم أولا فحاصوهم فيه حتى ينتقصوهم فيه، بيع للأولين ثانية بقدر ما أخذ منهم، فدخلوا عليهم فيه أيضا بالحصص، ثم يرجع إلى البيع أيضا أبدا هكذا حتى يستوفي الديون أو يستغرق بيع العبيد، فلا يعتق منهم شيء.
قال أصبغ: وليس هذا عندنا بشيء فكأن هذا يصير ردا للعتق للآخرين.
وليس للآخرين في العتق مقال؛ لأنه قد سبق ديونهم، وإنما يرد للأولين قدر ما تلف من ديونهم يوم قاموا عليه، ثم أعتق ما بقي، وأثبت عتقه، ولا يزول، فإذا بيع ذلك للأولين، صار كأنه مال لهم عليه أقروه في يديه، إلى أن استحدث دينا وفلس، فإنهم يتحاصون جميعا في ماله، وليس ما كان نفذ فيه العتق، مما فضل يوم أعتق على الدين بمال له.
ولا لهم وقد سألت ابن القاسم عن هذا القول الذي قاله من قاله، فعرفه ولم يعجبه، ولم يره ولا رآه ظلما ولا أعلم إلا وقد خلا
بصدره، أو قاله مرة ثم رجع عنه على بصيرة وعلم إلى ما كتبت عنه في سؤالي إياه.
قال محمد بن رشد: قوله: وقد قال بعض الناس، هو أشهب، والله أعلم.
وقد حكى ابن المواز عنه فيمن ابتاع عبدا بيعا فاسدا فأعتقه، وقيمته أكثر من الثمن، وليس له غيره، فإنه يباع منه قدر الثمن فقط؛ لأن القيمة إن كانت أكثر، لم يلزمه إلا بعد القبض ولكن يتبع بالزائد، فقال: إن ذلك من قوله رجوع منه إلى أصل ابن القاسم في غريم قبل غريم، وليس ذلك من قوله بصحيح؛ لأنه إنما تكلم على أن المبتاع أعتق العبد وهو في يد البائع قبل أن يقبضه، وما كان بيده فهو رهن بالثمن الذي وقع البيع به، فلا يصح أن يدخل عليه فيه بحال، ولو أعتقه بعد القبض لنفذ عتقه على أصله، واتبع بالقيمة دينا في ذمته، فلم يختلف قول أشهب فيمن أعتق عبده وعليه دين لا يستغرقه، ثم استدان دينا بعد العتق فدخل الغرماء الآخرون على الأولين فيما بيع لهم من العبد أنه يباع لهم منه ثانية بقدر ما أخذ منهم ثم إن دخلوا عليهم في ذلك بيع لهم منه ثالثة بقدر ما أخذ منهم، وهكذا أبدا حتى تستوفي الديون جميعا أو تستغرق بيع العبد، ولا اختلف قول أصبغ في أنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية ما انتقصهم به الآخرون واختلف في ذلك قول ابن القاسم، فكان أولا يقول مثل قول أشهب، ثم رجع فقال: إنه يباع من العبد بقدر ديون الأولين فيدخل عليهم في ذلك الغرماء الآخرون، ولا يباع للأولين إلا قدر ما بيع لهم أولا، واختلف في ذلك أيضا قول مالك، فمرة قال: إنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية بما انتقصهم به الغرماء الآخرون، ومرة قال: إنه يباع لهم منه بذلك أبدا حتى تستوفى جميع الديون، أو تستغرق بيع جميع العبد.
وهذا القول هو الذي رجع إليه مالك على ما حكاه ابن كنانة وابن نافع عنه في المدونة.
وحكى ابن القاسم عنه فيها أن القول الآخر هو الذي رجع إليه، وأقام عليه.
حكى عنه القولين فيمن دبر عبده وعليه دين لا يستغرقه، ثم استدان بعد التدبير دينا آخر.
ولا فرق في هذا بين التدبير والعتق والصدقة والحبس والهبة.
واختلف في هذه المسألة أيضا قول ابن كنانة، فله في المدنية فيمن دبر عبده وعليه دين ثم استدان بعد التدبير دينا آخر، أنه يباع من المدبر بقدر الدين الذي كان قبل التدبير، فيعطيه أصحاب الدين كان ذلك لهم، ولا يباع للآخرين منه شيء حتى يموت السيد.
ورأيت له في مسائل منتخبة لابن لبابة: سئل: عن الرجل يدبر عبده وعليه دين، فيجرح المدبر رجلا حرا، ويقوم أهل الدين عليه بدينهم؟ فقال: لا ترقه الجناية، وإنما يرقه دين سيده، فإن قام غرماؤه يريدون رد تدبيره، بيع منه بقدر دينهم، فإذا بيع قال المجني عليه: أنا أولى بما بيع منه؛ لأن جرحي في رقبته، وديونكم في مال سيده، فيأخذه ثم يباع منه أيضا بقدر ديونهم، فيقول المجني عليه: أنا أولى بما بيع منه؛ لأن جرحي في رقبته، وديونكم في مال سيده، فيأخذ المجروح فلا يزال هكذا يباع ويأخذه المجروح حتى يباع منه بقدر الجرح وبقدر الدين، فإن بقي منه شيء كان مدبرا حتى يموت السيد، فدين السيد يرقه؛ لأنه لا يجوز له تدبير وعليه دين، والمجروح يأخذه؛ لأن جرحه في رقبته، ولولا الدين لم يرق ولم يبع منه شيء، وأخذه المجروح فاختدمه دون الغرماء حتى يموت السيد، فإن كان له مال يعتق فيه عتق واتبعه المجروح ببقية عقل جرحه.
وإن لم يكن له مال عتق ثلثه ورق ثلثاه، واتبع العتيق بثلث ما بقي من جرحه، وكان الورثة مخيرين في افتكاك الثلثين بثلثي ما بقي من دية جرحه أو إسلامه، فأي ذلك فعلوا كان لهم.
وهذا اختلاف من قول ابن كنانة، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى والقياس، والذي يلزم في مسألة جناية المدبر هذه على قياس قوله الآخر ألا يباع من المدبر شيء لأهل الدين ثانية، ويكون دينهم في ذمة السيد المدبر، يتبعونه به إلى أن يموت، ويكون أهل الجناية أحق باختدام ما بقي من المدبر بعد الذي بيع منه في الدين واختدموه في جنايتهم، فإن استوفوا بقية جنايتهم من خدمته قبل أن يموت السيد اختدمه أهل الدين أيضا إلى أن يموت السيد، فيباع منه بما بقي من دينهم ويعتق ثلث الباقي.
وإن لم يستوف أهل الجناية بقية جنايتهم من خدمته إلى أن يموت سيده، بيع منه لأهل الدين بدينهم، إذ قد ذهبت
ذمته بموته، فكان أهل الجناية أحق بما بيع منه، ثم يباع لهم بدينهم ثانية، فيكون أهل الجناية أحق، هكذا أَبَدًا إلى أن يستغرق ذلك بيع المدبر، أو يفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق للورثة ثلثاها.
ولا اختلاف بعد موت السيد في وجوب البيع ثانية للغرماء إذا أخذ منهم ذلك أهل الجناية، وهكذا أبدا إلى أن يباع المدبر كله أو يفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق ثلثاها للورثة.
ولو دبر الرجل عبده ثم استدان دينا بعد التدبير، وجنى المدبر جناية، لكان أهل الجناية أحق باختدام المدبر في جنايتهم من أهل الدين، ولا يباع من المدبر شيء حتى يموت السيد، فإذا مات بيع منه لأهل الدين بدينهم، وكان أهل الجناية أحق بذلك، ثم يباع لهم ثانية وثالثة أبدا إلى أن يستغرق البيع جميعه أو تفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق للورثة ثلثاها.
مثال ذلك: أن يدبر الرجل عبده، وقيمته مائة دينار، ثم يستدين بعد التدبير عشرة دنانير، ويجني المدبر جناية قيمتها ثمانون دينارا، فيكون الحكم في ذلك أن يستخدم أهل الجناية المدبر في جنايتهم إلى أن يموت السيد، ويكونون أحق بذلك من الغرماء، فإن استوفوا في حياة السيد من خدمة المدبر عشرة دنانير مثلا، ثم مات السيد، كان الباقي لهم من الجناية سبعين دينارا، وللغرماء في ديونهم عشرة دنانير، فيباع لهم من المدبر عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه ثانية أيضا عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه ثالثة أيضا عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه رابعة فيأخذوه أهل الجناية، ثم خامسة، فيأخذوه أهل الجناية، ثم سادسة فيأخذوه أهل الجناية، ثم سابعة، فيأخذوه أهل الجناية، فيستوفوا بذلك جميع جنايتهم، ثم يباع لهم ثامنةً - عشرُهُ بعشرةِ دنانيرَ، فيستوفوا دينهم، ويبقى من المدبر خمسه، فيعتق ثلثه ويرق ثلثاه للورثة، ولا اختلاف في هذا أعلمه.
ورأيت لابن دحون أنه قال: اتفاقهم على هذه المسألة حجة على ابن
القاسم فيما اختاره وأخذ به ورجع إليه في الذي يعتق وعليه دين لا يستغرق العبد المعتق، ثم يستدين بعد العتق دينا آخر، من أنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية، بما انتقصهم به الغرماء الآخرون مما بيع لهم، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأن الدين يرد التدبير، والجناية أولى بذلك، وكذلك دين الأولين، يرد العتق، والغرماء الآخرون أولى ببعض ذلك، فإذا وجب في مسألة الجناية أن يباع من المدبر ثانية لأهل الدين بما أخذ منهم أهل الجناية، وجب في مسألة العتق أن يباع للغرماء الأولين ثانية بما أخذه منهم الغرماء الآخرون، فترد المسألة المختلف فيها إلى المسألة المتفق عليها.
هذا معنى قوله دون لفظه، وليس قوله عندي بصحيح، والفرق بين المسألتين على ما اختاره ابن القاسم، وأخذ به في مسألة العتق، أن العتق لا يرده الدين الحادث بعده إذا مات المدبر، والمدبر مملوك، والمعتق حر، فلا يعود عليه دين حدث بعد عتقه، ودين الآخرين حدث بعد عتقه، فإذا دخلوا على الأولين، كان ما انتقصهم دينا حدث لهم على المعتق، فلا يرد العتق به؛ لأن الذي حدث للأولين من الدين إنما هو من أخذ الآخرين، ودين الآخرين بعد العتق، فلا يرد العتق من أجله؛ لأن ذلك ظلم للعبيد، وهو قوله في الرواية ورآه ظلما، يريد ظلما للعبيد في أن يرد عتقهم بدين حادث بعد عتقهم.
والتدبير بخلاف ذلك؛ لأنه يرده كل دين حدث بعده إذا مات السيد المدبر، ويتخرج في مسألة العتق عندي قول ثالث، وهو ألا يكون للغرماء الآخرين دخول على الغرماء الأولين في ثمن ما بيع لهم من العبد المعتق؛ لأنه إنما بيع لهم، فمصيبة الثمن منهم إن تلف، على معنى ما في المدونة في ثمن الرهن يضيع بيد الذي أمره السلطان ببيعه، أن مصيبته من المرتهن الذي بيع له، لا من الراهن الذي بيع عليه، ويلزم في مسألة العتق على قياس قوله فيما لو تلف الثمن في يد البائع قبل أن يدفع إلى الغرماء الأولين أن تكون مصيبته من الغريم المعتق، فيباع بذلك من العبد المعتق ثانية.
ووجه إيجابه للغرماء الآخرين الدخول على الغرماء الأولين في ثمن ما بيع لهم من العبد المعتق أو العبيد المعتقين أنه إنما بيع ذلك لجميعهم، ولو بيع للأولين ولم يعلم بدين الآخرين إلا بعد البيع