الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأصحابه ابتدأ أمرهم بالضعف ثم قوي واشتد، فعل الله ذلك بأصحاب محمد ليغيظ بهم الكفار، وبالله تعالى التوفيق.
حمل العلم بالإجازة
في حمل العلم بالإجازة وسئل مالك عن الرجل يقول له العالم هذا كتابي فاحمله عني وحدث به.
قال: لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني، ولقد كان ناس يفعلون ذلك وإنما يريد هؤلاء كثرة الحمل بالأمانة اليسيرة.
قال محمد بن رشد: معناه: هذا مكروه لا يعجبني؛ لأن ما يجوز لا يصح أن يقال فيه لا يعجبني، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم حلف قبل هذا.
العمل مقدم على خبر الواحد
في أن العمل مقدم على خبر الواحد
وحدثني أن محمد بن أبي بكر بن عمر بن حزام كان قاضيا وكان أخوه عبد الله بن أبي بكر كثير الأحاديث، وكان رجل صدق، فكان إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفا للقضاء يقول له أخوه: لم يأت في هذا حديث كذا وكذا، قال: بلى، قال: فما لك لا تقضي؟ قال: فأين الناس عنه؟ يريد بذلك أن العمل أثبت من الأحاديث.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم عنده من مذهب مالك أن العمل أقوى عنده من خبر الواحد؛ لأن العمل المتصل بالمدينة لا يكون إلا عن توقيف فهو يجري عنده مجرى ما نقل نقل التواتر من الأخبار فيقدم على خبر الواحد وعلى القياس، والقياس أيضا مقدم على خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد يجوز عليه النسخ والغلط والسهو والكذب والتخصيص ولا يجوز من الفساد على
القياس إلا وجه واحد وهو: هل الأصل معلول بهذه العلة أم لا؟ وما جاز عليه أوجه كثيرة مما تبطل الحجة به أضعف مما لم يجز عليه إلا وجه واحد، وكذلك إجماع أهل المدينة عنده من جهة حجة تجري مجرى نقل التواتر؛ لأنهم إذا أجمعوا على أمر من الأمور فلا يخلو من أن يكونوا أخذوه توقيفا أو رآهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأقرهم ولم يتعرض للنهي عنه ولا أنكره، وأي ذلك كان فقد حصل النقل له من جميعهم والتواطؤ عليه من كافتهم، فوجب أن يقدم على غيره ولا سيما إذا كان الأمر مما لا ينفك منه أهل عصر والحاجة إليه عامة كالأذان والإقامة والصلاة على الجنائز وترك أخذ الزكوات من الخضراوات وما أشبه ذلك كثير.
ولما كانت المدينة معدن العلم ومهبط التنزيل وعنها خرج العلماء، والكافة من العلماء بها مقيمون، والعمل جار منهم على ما استقر من أركان الشريعة وجب أن يكون إجماعهم على الحادثة يحج من سواهم ممن رحل عنهم فخالفهم لجواز أن يكون قد نسي أو شبه له، كما روي أن ابن مسعود أفتى في الكوفة بتزويج الأم قبل أن يدخل بها ثم قدم المدينة فأخبروه أن الأم مطلقة وأن العمل بخلاف ما أفتى، فرجع إلى الكوفة فأمر الرجل أن يفارق امرأته، ولو حصل إجماعهم من طريق القياس لوجب أن يقدم على قياس غيرهم؛ لأنهم وإن شاركوا أهل الأمصار في مقامات العلم فقد زادوا عليهم بمشاهدة الوحي وترتيب الشريعة ووضع الأمور مواضعها والعلم بناسخ القرآن من منسوخه واستقر عليه آخر أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأن القياسين إذا تعارضا وجب أن يقدم أرجحهما على الآخر ويرجح قياس أهل المدينة أيضا بقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
الدخول على المعذبين
في النهي عن الدخول على المعذبين إلا للاعتبار والبكاء وحدثني عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم» . قال محمد بن رشد: هؤلاء القوم المعذبون هم ثمود قوم صالح أصحاب الحجر الذين كذبوه وعقروا الناقة التي أخرجها الله من- الصخرة آية إذ قال له قومه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: 153] ﴿مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: 154] ، قالوا له على ما في التفسير: إن كنت صادقا فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة، فتصدعت الصخرة فخرجت منها ناقة عشراء فنتجت فصيلا فقال لهم: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155] ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الشعراء: 156] أي بعقر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 156] ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: 157] ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: 158] وقال عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 11] أي بطغيانها ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: 12] ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: 14] أي أهلكهم ﴿بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14] أي بالعقوبة ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 15] قيل معناه فلم يخف الذي عقر الناقة العقبى من الله في ذلك، وقيل معناه فلا يخاف الله أن يتبع بذلك مثل قوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: 69] ولما مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحجر ثمود في غزوة تبوك أمر أصحابه ألا يتوضئوا من بئر ثمود ولا يعجنوا خبزا بمائها ولا يستعملوا شيئا منها، فقيل له: إن قوما عجنوا خبزا من ذلك الماء فأمر
بالعجين فطرح للإبل علفا وأمرهم أن يستعملوا ماء بئر الناقة في كل ما يحتاجون إليه، أمر أصحابه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بأن لا يدخلوا بيوت ثمود وقال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم ونهاهم أن يخرج أحدهم منفردا فخرج رجلان من بني ساعدة كل واحد منهما منفرد عن صاحبه، أحدهما يريد الغائط فخنق أحدهما فأخبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بذلك فدعا له فشفي، والآخر خرج في طلب بعير له فأخذته الريح فرمته في جبل طي فردته طي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالله تعالى التوفيق.
مفاتح الغيب
في مفاتح الغيب وحدثني عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، علم الساعة ولا يدري أحد متى يأتي المطر، ولا يدري أحد ما في الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت» .
قال محمد بن رشد: قد روي حديث ابن عمر هذا مرفوعا إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس لا يعلمهن إلا الله "، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34] إلى آخر السورة» .
ويريد بمفاتح الغيب قول الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: 59] وليس في قوله خمس لا يعلمهن إلا الله دليل على أنه يعلم سواها من المغيبات من عداه، بل لا يعلم أحد شيئا من الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27]
فعم من جميع الغيوب بقوله: الغيب؛ لأن الألف واللام إذا دخلت على النكرة اقتضت استغراق الجنس، قال عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1] ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] فكأن معناه: إن الإنسان لفي خسر، بدليل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم، وإذا اعتبرت هذه الخمس وجدتها مستغرقة لجميع الغيوب؛ لأن قوله عز وجل: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: 34] معناه أنه يقتضي أنه لا تعلم نفس ما يكون في غد من الأشياء، وإنما ذكرنا الكسب دون ما سواه من الأشياء؛ لأنه جل ما يحرص الناس على معرفته من الأشياء، وقد «روي أنه جاء رجل من البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد؟ وبلادي مجدبة فأخبرني متى ينزل المطر؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية» وبالله التوفيق.
رفع الأمانة وفضل العلم
في رفع الأمانة وفضل العلم وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى فيهم الصلاة، وحدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: إذا لم يعلم أحدكم الفرائض وسنة الحج والطلاق فما فضله على أهل البادية؟ قال محمد بن رشد: المعنى في هذا كله بين؛ لأن أهل البادية أهل جمالة، فإنما فضلهم أهل الحاضرة بالمعرفة بأمور الدين، قال عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] .
تصديق الرسل واليقين بقولهم
في تصديق الرسل واليقين بقولهم وحدثني عن ابن القاسم، عن مالك، أنه بلغه أنه خرج مع موسى رجلان من أصحابه إلى البحر، فلما إليه قالا له: ماذا أمرك؟ قال.
أمرني أن أضرب البحر بعصاي فقال له: افعل ما أمرك به ربك.
فلن نخلفك، ثم ابتدرا البحر فألقيا أنفسهما فيه تصديقا له، قال مالك في تفسيره: فما زال البحر كذلك حتى دخل فرعون ومن معه، ثم رجع إلى ما كان.
قال محمد بن رشد: في كتاب الله بيان هذا، وتفسيره قال عز وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: 52] فخرج بهم ليلا على ما روى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: 53] ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54] يعني هم قليلون في كثيرنا، وكان أصحاب موسى ستمائة ألف، وقيل إنه اتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان، وقيل مبلغ جنوده كان أربعين ألف ألف ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] كما قال إلى حين أشرقت الشمس: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] ﴿قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] يريد الطريق، قال قتادة: ذكر لنا أن مؤمنا من آل فرعون كان بين يدي نبي الله موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا رسول الله، فيقول له موسى: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر، والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة
ثم يلتفت، فيقول: أين أمرك يا نبي الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر؟ والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة، ثم يلتفت فيقول مثل ذلك، حتى دخلوا البحر، فلما انتهوا إلى البحر أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، جاءه جبريل على فرس وأمره أن يضرب بعصاه البحر، فضربه موسى بعصاه ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] ، أي كالجبل العظيم، صار اثني عشر طريقا لكل سبط طريق، وصار ما بين كل طريق منه مثل القناطير ينظر بعضهم إلى بعض، واتبعهم فرعون.
قال قتادة: ذكر لنا أنه لما خرج آخر أصحاب موسى دخل آخر أصحاب فرعون شطط البحر فغرقهم، قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ [الشعراء: 67] أي لعبرة لمن اعتبر وحذر أن ينزل به ما نزل بهم، فأخرج الله آل فرعون كما قال: ﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: 57] ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 58] أي كريم في الدنيا، وقيل أي منزل حسن في الدنيا، قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 59] رجعوا إلى مصر بعدما أهلك الله فرعون وقومه.
الاستمتاع بما أباحه الله من متاع الدنيا
في جواز الاستمتاع بما أباحه الله
من متاع الدنيا قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: دخل عباس البصري على ابن هرمز في بيته فرأى فيه أسرة ثلاثا عليها ثلاثة فراش ووسائد ومحابس معصفرة، فقال له يا أبا بكر ما هذا؟ فقال له ابن هرمز: ليس بهذا بأس، وليس الذي تقوله بشيء، أدركت الناس على هذا.
قال محمد بن رشد: هو كما قال ابن هرمز؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: 31] إلى قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]
أي هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مستقرة سائغة خالصة، وروى ابن عمر عن النبي أنه قال: «إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» ، وروى «عن أبي الأحوص عن أبيه أنه أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قشف الهيئة، فقال له رسول الله: " هل لك مال "؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل من الخيل والإبل والرقيق، قال: فكل ما آتاك الله من مال فلير عليك» .
وقال عمر بن الخطاب: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم.
جمع رجل عليه ثيابه وقال إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب، والقارئ ها هنا أراد به العابد الزاهد المتقشف؛ لأن القراء عندهم العباد العلماء، ومن هذا كان يقال عندهم للخوارج قبل خروجهم القراء، لما كانوا فيه من العبادة والاجتهاد.
وما فضل عند الرجل من ماله بعد أن أدى منه الواجب عليه فيه فاستمتاعه به في الرفيع من اللباس، والطيب من الطعام، والحسن من الركوب والجيد من السكنى من غير إسراف في شيء من ذلك كله لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] أولى من ترك ذلك وإمساك ماله، إذ لا أجر فيه، وإنما يؤجر على إمساكه إذا أمسكه لخير يريد أن يفعله منه، وقد يؤجر على الاستمتاع بماله في لباس الحسن، لما جاء من أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وما أشبه ذلك من الآثار التي ذكرناها، فبانت صحة قول ابن هرمز وأنه الفقه.
الاستشارة في الفتوى
في الاستشارة في الفتوى قال مالك: وجاء رجل ابن هرمز فأرسل بعض السلاطين
يستشيره في الفتوى فسأله أتراني أهلا لذلك؟ قال إن كنت عند الناس كذلك، ورأوك أهلا لذلك فباشر.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه الحكاية في كتاب الأقضية أنه قال له: إن رأيت نفسك أهلا لذلك ورآك الناس أهلا لذلك فافعل، وهي زيادة صحيحة لأنه هو أعرف بنفسه، فإذا لم ير نفسه أهلا لذلك فلا ينبغي له أن يفعل، وإن رآه الناس أهلا لذلك، وأما إذا لم يره الناس أهلا لذلك فلا ينبغي أن يفتي وأن رأى هو نفسه أهلا لذلك؛ لأنه قد يغلط فيما يعتقده في نفسه من أنه أهل لذلك، ولا حرج عليه إن فعل إذا علم من نفسه أنه قد كملت له آلات الاجتهاد بأن يكون عالما بالقرآن يعرف ناسخه من منسوخه، ومفصله من مجمله، وخاصه من عامه، عالما بالسنة مميزا بين صحيحها وسقيمها، عالما بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، وما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه من أهل النظر والاجتهاد، بصيرا بوجه القياس، عارفا بوضع الأدلة في مواضعها، ويكون عنده من علم اللسان ما يفهم به معاني الكلام، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال مع العدالة والخير والدين صح استفتاؤه فيما ينزل من الأحكام وجاز للعاصي تقليده فيها.
طلب العلم وتقوى الله
في طلب العلم وتقوى الله
قال مالك: وكان ابن هرمز يقول إن سأله رجل عن طلب العلم، إن رأيت أنك أهل لذلك فاطلبه وكان يقول: اتق الله بني آدم يحبك الناس وإن كرهوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا عندي أنه كان إذا سأله رجل عن طلب العلم أواجب هو عليه أم لا؟ يجيبه بما ذكر من وجوب الأمر في رد ذلك عليه إلى ما يعلم من نفسه، فإن كان من أهل الذكاء والفهم ما ترجى به إمامته تعين عليه من العلم ما يحتاج في خاصته من وضوئه وصلاته وصيامه وزكاته إن كان من أهل الزكاة، وما يحل عليه ويحرم من المحرمات، وما يجوز عليه مما لا يجور في البيع إن كان من أهل التجارات، وبالله التوفيق.
وإنما قال: من اتقى الله يحبه الناس وإن كرهوا؛ لأن من اتقى الله يحبه الله ومن أحبه الله أحبه أهل السماء ووضع له القبول في الأرض، على ما جاء في الحديث من رواية أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أحب الله العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانا، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله العبد، قال مالك: لا أحسبه قال في البغض إلا مثل ذلك» .
صدقة الماشية
في صدقة الماشية وحدثنى عن مالك، عن ربيعة، أنه ذهب معه إلى عبد الله بن واقد بن عمر وكان فاضلا واحدا، يعجب لفضله، فسأله عن كتاب عمر بن الخطاب إليه في الصدقة فأخرجه إليه.
قال محمد بن رشد: هذا هو سند مالك في كتاب عمر بن الخطاب في الصدقات الذي ذكره في موطئه أنه قرأه ولم يسنده، قال: فوجدت فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب الصدقة في أربع وعشرين من الإبل، فدونها الغنم، في كل خمس شاة، الكتاب إلى آخره بطوله هو كتاب صحيح مشهور عند أهل المدينة، أصله من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، روي عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، وعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض، فكان فيه:
في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم، في كل خمس ذود شاة» وذكر معنى ما ذكره مالك في موطئه في كتاب ابن عمر سواء، وروي عن ابن شهاب أيضا قال: أخرج إلي سالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر نسخة كتاب رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الصدقة، قال ابن شهاب أقرأنيها سالم فوعيتها
على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز وأمر عماله بالعمل بها، ولم يزل خلفاؤه يعملون بها، قال: وهذا تفسيرها: لا يؤخذ في شيء من الإبل صدقة حتى يبلغ خمس ذود، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة، ثم ذكر معنى ما ذكر مالك عن عمر في كتابه، ثم قال: فإذا كانت إحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ ثلاثين ومائة، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنتا لبون، وليس بين أهل العلم اختلاف في زكاة الإبل إلا في هذا الموضع، وهو إذا زادت الإبل على عشرين ومائة واحدا، فابن شهاب يقول فيها ثلاث بنات لبون على ما في حديثه، ومالك يرى الساعي مخيرا بين أن يأخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون، والمغيرة وابن الماجشون يقولان ليس فيهما إلا حقتين حتى تبلغ ثلاثين ومائة فيكون حقة وابنتا لبون، وروى ذلك أشهب عن مالك، وبالله التوفيق.
كيد الشيطان
في كيد الشيطان قال مالك: إنه ليقال إن الشيطان إذا لم يجبه العبد إلى المعاصي جاءه من قبل المقنط والإياس [منه] وتعظيم الشيء عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى بغير هذا اللفظ في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الوضوء والجماعة من سماع أشهب منه، وليس في ذلك معنى يشكل فيحتاج إلى بيانه؛ لأنه من فعل الشيطان ووسوسته التي أقدره الله عليها ومكنه منها ابتلاء لعباده يجازي الحسن بإحسانه ويعاقب العاصي بإساءته، فهو يلبس على الناس بها ويفسد عليهم طاعتهم بما يلقي في نفوسهم من التقصير فيها، فالذي يؤمن به من اعتراه شيء منها أن يضرب عنقه ولا يلتفت إليه، فإن ذلك يقطعه عنه بفضل الله ورحمته، وبالله تعالى التوفيق.
التورع من أخذ العطاء ومداراة الإمام
في التورع من أخذ العطاء ومداراة الإمام وحدثني أنه لما قدم الوليد بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز أن يدله على رجل صالح يعطيه مالا، فدله على بشر ابن سعيد، فأرسل إليه بألف درهم أو خمسمائة درهم وحلة، فأبى أن يقبل منه، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز وجده مغضبا، فقال: دللتني على حروري، فقال يا أمير المؤمنين: بل هو رجل متغن، وأنت تحب من هو أحوج منه تعطيه، فتركه الوليد وأعطى غيره.
قال محمد بن رشد: إنما رد بشر عطيته من أجل أنه لم يستجز أخذ جائزته، والله أعلم، وفهم ذلك منه الوليد، ولذلك غضب، فاستلطفه عمر بن عبد العزيز واعتذر إليه.
وقد اختلف في قبول جوائز الخلفاء، فروي عن مالك أنه لا بأس بذلك إذا كان المجبى حلالا، ومن أهل العلم من كرهها وإن كان المجبى ممن يعطاه على نفسه فله أجر ذلك.
وأما إن كان المجبى يشوبه حلال وحرام فالأكثر يكرهونها، ومنهم من يجيزها، وأما إن كان المجبى حراما فمنهم من يحرمها ومنهم من يكرهها
ومنهم من يجيزها، وهم الأقل.
ومن أعطى من المجبى الحرام أو المجبى الذي يشوبه الحرام والحلال مما فيه من الحرام فهو كمن أعطى من المجبى [الحرام] ، ومن أعطى مما فيه من الحلال، فهو كمن أعطى من المجبى الحلال، وإن كان الغالب على المجبى الحرام فله حكم المجبى [الحرام] ، ومن لم يأخذ من المجبى الحلال وإن كان يعدل في القسم فهو أفضل، لقول النبي عليه السلام: «إن خيرا لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا» لأن من ترك حقه فيه ولم يأخذه فقد آثر به غيره ممن يعطاه على نفسه، فله أجر ذلك ".
ما جاء في وادي العقيق
وقال مالك: " بلغني «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نائما بالعقيق، وأن رجلا حرك رجله بشيء، فقال له: لقد أيقظتني وإني أراني بواد مبارك» . قال محمد بن رشد: وادي العقيق هو بذي الحليفة، عرس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فيه، فقيل له: إنك ببطحاء مبارك، روى موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، «عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه ريء وهو في معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له إنك ببطحاء مباركة» قال، وقد أناخ بنا سالم يتوخى المناخ الذي كان عبد الله ينيخ فيه يتحرى معرس رسول الله، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وسط من ذلك، وقال عمر بن الخطاب: «سمعت النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يقول بوادي العقيق: أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك» وقال: عمرة في حجة، والموضع المبارك هو الذي تزكو فيه الأعمال، وينال فيه الأجر الكثير من الله عز وجل، قال عز وجل:
﴿حم﴾ [الأحقاف: 1] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 2 - 3] وهي ليلة القدر التي قال عز وجل فيها إنها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] أي ثواب العمل فيها أكثر من ثواب العمل في ألف شهر.
جزاء الصادق في الدنيا
في جزاء الصادق في الدنيا قال: وبلغني أنه يقال ما كان رجلا صدوقا ليس من أهل الكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف، وإن صح فمعناه في الغالب، والله أعلم، وقد أثنى الله على الصديقين في غير ما آية في كتابه فقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19] وقال عمر بن الخطاب فيما تقدم قبل هذا: عليكم بالصدق وإن ظننت أنه مهلكك، وقد مضى الكلام عليه، وكان ابن مسعود يقول: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار» ألا ترى أنه يقال صدق وبر، وكذب وفجر، وقد «قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا» ومعناه أنه لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان ممن يمدح بأن يقال فلان مؤمن حقا.
تفسير قوله تعالى بنين وحفدة
في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72] قال: وسمعت مالكا يقول في تفسير قوله عز وجل: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72] قال: الحفدة الخدام والتباع.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للحفدة أنهم الخدام والتباع صحيح بين، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: الحفدة الأختان، وليس ذلك بمخالف لما قاله مالك لأن الأختان من الخدمة والتباع لأنهم يتصلون به بسبب الصهر فيحفون به ويشاركونه في أموره ويعينونه فيها، ومعنى الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72] . إن الله عدد نعمته على خلقه بأن خلق من الرجال النساء، وأصل ذلك أن خلق حواء من آدم، فجعل النساء أزواجا للرجال يسكنون إليهم، ويكون لهم منهن البنون والأنسال، يكون منهم التباع والخدمة والعبيد والأعوان؛ لأن الناس يخدم بعضهم بعضا، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] وهي حكمة عظيمة في عمارة الدنيا، وعبرة ظاهرة لمن اعتبر، إذ لا يقوم حال أحد بنفسه، ولا يصل النفع إليه الذي به حياته إلا بعمل غيره من حرث وحصد ودرس وطحن وخبز وطبخ، والحرث لا يكون إلا بالآلات، يخدم في عملها الجماعات، وكذلك الخبز والطحن والطبخ، إذ لا بد لذلك كله من الآلات يعملها الجماعات، فلا يحصي أحد عدد ما يخدمه من البشر في اللقمة التي يأكل أو في الثوب الذي يلبس إلا الله عز وجل، فالفكرة في هذا وشبهه والاعتبار فيه وشكر الله تعالى عليه من أعظم العبادات.
ما جاء في معاذ بن جبل
قال مالك: بلغني أن معاذ بن جبل أمام العلماء برتوة.
قال محمد بن رشد: الرتوة الدرجة، وإنما يتقدمهم بالدرجة
لكونه أعلم منهم بالحلال والحرام على ما جاء في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ لأنه قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] فدرجتهم في الآخرة على مقدار تقدمهم في المعرفة والعلم مع الفضل والدين، وبالله التوفيق.
ولاية القاسي القلب
في أن القاسي القلب لا ينبغي أن يولى
الإمارة قال مالك: إن عمر بن الخطاب دعا رجلا يستعمله، فجاء ابن لعمر صبي فأخذه عمر فقبله، فقال له يا أمير المؤمنين، أتقبله؟ قال: نعم، قال إن لي كذا وكذا ولدا ما قبلت أحدا منهم قط، فقال له عمر: أنت لا ترحم ولدك، فأنت للناس أقل رحمة، وأبى أن يستعمله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا وجه للقول فيه.
تفسير وسبح بحمد ربك حين تقوم
وفي تفسير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] وسئل عن تفسير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] قال: حين تقوم إلى الصلاة في رأيي، وقد قال الله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49] . قال محمد بن رشد: تفسير مالك في هذه الرواية لقوله عز وجل: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] أي إن المعنى في ذلك حين تقوم
إلى الصلاة، هو مثل ما روي عن الضحاك أنه قال: معنى ذلك إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك، بدليل احتجاجه على ذلك بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49] يريد أن المراد بذلك أن يسبح الله عز وجل في هذه الأوقات، وقد قيل في قوله عز وجل: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] أن المعنى في ذلك أن يقال حين يقوم من نومه سبحان الله وبحمده.
والمختار في هذا من أقوال العلماء أن يكون المراد بالأمر بالتسبيح في هذه الآية وما أشبهها الصلوات المفروضات، لا التسبيح، بأن يقول سبحانك اللهم وبحمدك، إذ لا يجب على أحد فرضا واجبا أن يقول ذلك في الصلاة ولا في غير الصلاة، إنما يجب اعتقاد ذلك، والإيمان بمعنى التسبيح، وهو التنزيه لله عن مشابهة شيء من مخلوقاته، فمعنى قول الله عز وجل: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] صلاة الظهر، وكذلك قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: 49] يعني ومن الليل فعظمه بالصلاة، وذلك صلاة المغرب والعشاء، وقوله ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49] يعني صلاة الصبح.
وقد قيل: المعنى المراد بذلك ركعتا الفجر، وقد روي ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: «سئل رسول الله عن إدبار النجوم فقال هما الركعتان قبل صلاة الصبح» .
تواضع الصحابة وما كانوا عليه
في تواضع الصحابة وما كانوا عليه من الخدمة لأنفسهم وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب لقي رجلا وعلى عنقه شيء يحمله، فقال له: يا أبا الحسن ما بقي من شد؟، قال فوضع علي ذلك ثم شد بين يديه فقال له
عمر: إن البقية بعد الصالحة، قال ابن القاسم قال الليث: حزمة حطب.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا معنى يشكل؛ لأن الشد الجري، فظن عمر أنه قد أعياه حمل ما كان يحمله لثقله فرآه يشده بين يديه أنه لم يدركه بذلك إعياء ولا كلال.
الشفعة في البئر
ومن كتاب صلى نهارا ثلاث ركعات
في الشفعة في البئر وسئل مالك عن تفسير لا شفعة في بئر، فقال: إنما ذلك في بئر الأعراب، وأما بئر الزرع ففيه الشفعة إذا كانت النخل لم تقسم.
قال محمد بن رشد: أما آبار الأعراب وهي الآبار التي تحتفر في البراري والمهامه للمواشي فلا شفعة فيها، إذ لا يجوز بيع مائها، وإنما يكون حافرها أحق بمائها حتى تروى ماشيته ويخلى بين الناس وبين الفضل، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» .
وأما بئر الزرع فلا اختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع جزء منها مع الأرض أو دون الأرض والأرض لم تقسم، واختلف إذا بيع جزء منها والأرض قد قسمت وبقيت البئر بينهما يقسمون ماءها بالقلد، فقال في المدونة: إنه لا شفعة في ذلك مثل قوله في هذه الرواية، وروى يحيى عن ابن القاسم في كتاب الشفعة فيما بيع: فيها الشفعة، وذهب سحنون وابن لبانة إلى أن رواية يحيى ليست بمخالفة لما في المدونة، واختلفا في تأويل
ذلك، وذهب غيرهما إلى أنها مخالفة لما فيها، واختلفوا في تأويل ذلك على ما قد ذكرناه وبيناه في سماع يحيى من كتاب الشفعة.
ولو أشهد حافر البئر في المهامه والبراري عند حفره إياها أنها لا يحفرها للصدقة، وإنما يحفر لتكون له يبيعها أو يبيع ماءها إن شاء ويمنع فضله إن أراد لكانت فيها الشفعة على رواية يحيى، وبالله التوفيق.
قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريضة بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار
ما جاء في قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قريضة بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار قال مالك: قسم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قريضة بين المهاجرين ونفير من الأنصار، سمعت منه أنهم ثلاثة: سهل بن حنيف، وحارث بن الصمة، وسماك بن خرشة.
فأما النضير فإنها كانت صافية لم تكن فيها خمس.
وخيبر كانت صافية إلا قليلا منها فتحت عنوة، وذلك يسير فخمس ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
فقيل له يا أبا عبد الله: كان في خيبر زرع حين ساقاها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟ قال: نعم، كان ذلك يسيرا، وهي على حالها اليوم.
قال محمد بن رشد: قوله إن رسول الله قسم قريضة بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار خلاف ما وقع في المدونة، وخلاف ما وقع في رسم نذر قبل هذا من هذا الكتاب، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته، وما قاله في زرع خيبر من أنه كان يسيرا هو مثل ما قاله في المدونة من أنه كان يسيرا بين ضعاف السواد، إذ لا يجوز كراء الأرض
بالجزء مما يزرع فيها من الزرع، فتأول من ذلك على أنه كان يسيرا في حيز التبع.
فجاز دخوله في المسافات.
الصلاة في الهاجرة بين الظهر والعصر
في الصلاة في الهاجرة بين الظهر والعصر
قيل لسعيد بن المسيب: إن قوما يصلون ما بين الظهر والعصر، قال سعيد: ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله، قال مالك: وإنما كانت صلاة القوم بالهاجرة والليل، لم تكن هذه صلاة القوم.
قال محمد بن رشد: قول سعيد بن المسيب في الصلاة فيما بين الظهر والعصر إنها ليست بعبادة، يريد أنها ليست عبادة من العبادات المرغب فيها، إذ ليس ذلك الوقت من الأوقات التي جاء الترغيب فيها في الصلاة كالهاجرة وصلاة الليل؛ لأنها ليست بعبادة أصلا على ظاهر قوله، وقد مضى في رسم حلف قبل هذا، وبالله التوفيق.
المتوارثين يهلكون ولا يدرى أيهما مات
في المتوارثين يهلكون ولا يدرى أيهما مات
قبل صاحبه قال مالك: بلغني أنه قتل طلحة بن عبد الله وابنه محمد بن طلحة يوم الجمل فاختصموا في ميراثه، فلم يورث أحد منهم من صاحبه، فأصلحت بينهم عائشة.
قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك وجميع أصحابه ألا يورث واحد منهما من صاحبه، ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته من الأحياء، وهو مذهب زيد بن ثابت، وجمهور أهل المدينة، ومذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابهما، فيما حكى ابن عبد البر أن الطحاوي ذكره، ولم يقع ذلك له في كتابيه المعروفين، وقد قيل إنه يورث كل واحد منهما من
صاحبه مما تركه لا مما ورثه عنه، مثال ذلك أن يموت رجل وابنه ولكل واحد منهما ولد ولا يدرى أيهما مات قبل صاحبه، ويترك كل واحد منهما ستمائة دينار فيورث الأب من ابنه، فيكون له من الستمائة دينار التي ترك مائة دينار تكون لولده الحي، ويورث الابن من أبيه، فيكون له من الستمائة التي ترك ثلاثمائة دينار تكون لولد الحي، فيحصل لولد الابن ثمانمائة دينار، خمسمائة دينار ورثها مما ترك أبوه، والثلاثمائة دينار التي ورثها أبوه عن والده، ويحصل لولد الأب أربعمائة دينار ثلاثمائة دينار ورثها من الستمائة التي ترك أبوه، والمائة دينار التي ورثها والده عن ابنه، وكذلك لو مات زوجان غرقا في البحر وترك كل واحد منهما أربعمائة دينار وعاصبا، فيورث الزوج من زوجته مائتي دينار من أربعمائة دينار التي تركت الزوجة، مائة دينار من الأربعمائة دينار التي ترك، فيصير لعاصب الزوجة مما تركت المائتان التي فضلت بعد نصيب الزوج، والمائة التي ورثت عن زوجها، ويصير لعاصب الزوج الثلاثمائة التي فضلت مما ترك بعد نصيب الزوجة، والمائتان التي ورث من زوجته، وهذا القول يروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وهو قول شريح وأبي عبيدة والشعبي وأبي حنيفة فيما ذكر في الفرائض.
تبدئة الرجل أخاه على نفسه في كتاب الله وهو أصغر منه
في تبدئة الرجل أخاه على
نفسه في كتاب الله وهو أصغر منه وسئل عن الرجل يكتب إلى أخيه وهو أصغر منه فيبتدئ باسمه قبله لمعرفته بحاله ودينه، وقال مالك: لا بأس بذلك إذا كانت تبدئته على هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه أبدأه على نفسه لفضله ودينه لا لغرض من أغراض الدنيا فلا بأس بذلك؛ لأن الرجلين إذا كان أحدهما أسن والأخر أفضل فالأفضل أولى بالتقديم من الأسن، وإنما يجب تقديم الأسن
إذا استويا في الفضل لأن زيادة السن زيادة في الفضل، وسيأتي هذا المعنى بزيادة عليه في رسم شك في طوافه.
المراد باللينة من النخل
في اللينة من النخل وقال مالك في قول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5] قال اللينة فأمر العجوة من الثمار من الألوان.
قال محمد بن رشد: قد قال في اللينة إنها لون من النخل، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال مجاهد اللينة النخل كلها العجوة وغيرها ويشهد بصحة قول مالك ما وري عن ابن عباس وغيره من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقطع نخل بني النضير إلا العجوة، وذلك كانت قوتهم الذي يعتمدون عليها، وهي التي جاء الحديث في فض جلتها، قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «العجوة من الجنة» وثمرها يغدو ما لا يغدو غيره والله أعلم، فشق ذلك عليهم وقالوا: أنتم تزعمون أنكم تكرهون الفساد وهذا من الفساد دعوا النخل لمن غلب، فأنزل الله تعالى الآية بتصويب فعل نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأن ما أمر به عن إذنه عز وجل.
وقيل إنهم أخا قطعوا بعضا وتركوا بعضا سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل لهم اجر فيما قطعوا؟ وهل عليهم وزر فيما تركوا؟ فأنزل الله الآية فهي دالة على إباحة القطع وعلى ألا حرج في الترك، وتوقف مالك في المدونة في الأفضل من ذلك، وتأول الآية على أنه لا بأس بالقطع
[والأظهر] أفضل من الترك، لما في ذلك من إذلال العدو وإصغارهم ونكايتهم، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120] إلا أن يكون بلد يرجى أن يصير للمسلمين فيتوقف عن القطع والتحريق والتخريب أفضل بدليل نهي أبي بكر الصديق أمراء جيوشه إلى الشام لما علم من أن المسلمين يستفتحونها، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث المشهور: «وتفتح الشام فيأتي قوم فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» ، وبحضه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصلاة في بيت المقدس وبشد المطايا إليها، وما أشبه ذلك من الآثار الدالة على ذلك، وإنما نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قطع العجوة لأنها من ثمار الجنة على ما روي عنه، والله أعلم، وقد مضى هذا الرسم من هذا السماع [من كتاب الجهاد المذكور] ، وبالله تعالى التوفيق.
مناقشة الحساب
في مناقشة الحساب وسمعته يقول: قالت عائشة: «من نوقش الحساب هلك.
» قال محمد بن رشد: قول عائشة هذا يشهد القرآن بصحته قوله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: 7] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8] ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 9] ، وبالله التوفيق.
وهو حسبي ونعيم الوكيل.
دعاء النبي عليه السلام في فتح خيبر
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت في دعاء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في فتح خيبر قال: وسمعته يذكر أنه «لما كان فتح خيبر قال أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسول الله لا نستطيع القتال، قال: لم؟ قالوا: الجوع منعنا والبرد والعري، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم افتح عليهم اليوم أكثرها طعاما وودكا» . قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد، وزاد فيه ففتح الله عليهم خيبر، وإنما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خيبر: «اللهم افتح عليهم اليوم أكثرها طعاما وودكا؛» لأنه كان بخيبر حصون كثيرة ففتح الله عليهم ذلك اليوم بدعاء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خيبر نفسها، ولا شك في أنها كانت أكثرها طعاما وودكا، وبالله تعالى التوفيق.
رفع عمر بن الخطاب صوته في صلاته بسورة النبي عليه السلام
في رفع عمر بن الخطاب صوته في صلاته بسورة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بعدما كان يفعل وقول عائشة فيه قال مالك: قرأ عمر بن الخطاب بسورة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فرفع بها صوته فوق ما كان من قراءته كأنه يريد أن يسمع قراءتها أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فقيل له: يا أمير المؤمنين لم رفعت صوتك؟ قال: أريد أن أذكرهن العهد، قال مالك: وكانت عائشة تقول: إذا أردتم أن يطيب لكم المجلس فاذكروا عمر.
قال محمد بن رشد: في رفع عمر بن الخطاب صوته في الصلاة فوق ما كان يفعل ليسمع أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قراءة السورة التي فيها ذكرهن ليذكرهن بذلك العهد دليل على إجازة رفع صوت المأموم بالتكبير ليسمع ذلك من بعد من الإمام فيقتدي بتكبيره، إذ لا فرق بالمعنى بين الموضعين، وقد كره ذلك جماعة من الفقهاء المتأخرين ولم يجيزوه، وفيما جاء في الحديث الصحيح من تأخر أبي بكر عن الصلاة بالناس إذ خرج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في مرضه وهو يصلي، فتقدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر، دليل أيضا على إجازة ذلك؛ لأن المعنى فيه على القول بأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كان الإمام في تلك الصلاة، أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضعف عن رفع صوته بالتكبير، فكان أبو بكر هو الذي يسمع الناس التكبير فيصلون بصلاته، أي يقتدون بتكبيره في صلاتهم خلف النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وفي ذلك اختلاف قد مضى في رسم اغتسل فوق هذا.
وقول عائشة في عمر إن المجلس يطيب بذكره بين على ما قالته؛ لأن ذكر هديه وما كان عليه من أمره مما تنشرح له الصدور، وتطيب به النفوس، وبالله تعالى التوفيق.
ما رأى النائم لعمر في خلافة أبي بكر
فيما رأى النائم لعمر في خلافة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال ابن القاسم: سمعت مالكا يذكر أن رجلا على عهد أبي بكر رأى فيما يرى النائم أن الناس حشروا، وأنه رأى عمر ابن الخطاب يفضل الناس قد فرعهم بثلاثة أدرع أو ثلاث بسطات، فقلت: بم
فضل عمر بن الخطاب؟ فقيل له: بالشهادة والخلافة وبأنه لا يخاف في الله لومة لائم، فأتى الرجل إلى عمر وهو قاعد مع أبي بكر فقص عليه الرؤيا، فقال عمر: أحلام نائم، فلما ولى أرسل إليه، فقال: أخبرني بالرؤيا، فقال: ما كنت أخبرتك فرددتها علي، فقال: أو لا تستحي أن تقصها وأبو بكر حي، فقصها عليه الرجل فقال: الخلافة، فقال: هذه أولهن ثم قال: وبالشهادة، فقال عمر: أنى لي بالشهادة والعرب حولي، ثم قال: والله إني لقادر على ذلك، ثم قال: وإنه لا يخاف في الله لومة لائم، فقال عمر: ما أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من دار الحق فأدير.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في المدونة فقال فيها: وما كنت تستحيي أن تذكر فضيلتي في موضع فيه أبو بكر؟ والذي ها هنا أولى وأصح في المعنى؛ لأنه إنما كره أن يقص الرؤيا بحضرة أبي بكر والله أعلم، لما فيها من ذكر الخلافة وأبو بكر خليفة، وأما فضيلته فمعلومة يعرفها أبو بكر ويقر له بها، وإن كان هو لا يدعيها، وما يظهر من قوله أن تذكر فضيلتي، وليس في الرؤيا ما يدل على أن له عليه فضلا، إذ لم يقل إن أبا بكر كان في جملة الناس الذين فضلهم، فإنما أنكر عليه أن يقص الرؤيا بحضرة أبى بكر لما فيها من خلافته، والله أعلم، وهذه الرؤيا وما كان مثلها حق؛ لأنها جزء من أجزاء النبوءة، قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الرؤية الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة، أو من خمسة وأربعين، أو من سبعين» على ما روي من ذلك كله عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقد مضى الكلام في المعنى
في هذه التجزية مستوفى قبل هذا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
قول الأنصار إذ دعاهم النبي عليه السلام ليقطع لهم بالبحرين
في قول الأنصار إذ دعاهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ليقطع لهم بالبحرين قال: وسمعت مالكا يقول: حدثني يحيى بن سعيد، عن انس بن مالك، «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دعا الأنصار فأراد أن يقطع لهم بالبحرين فقالوا: لا يا رسول الله حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين، فقال لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنه ستصيبكم أثرة من بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» . قال محمد بن رشد: مصداق هذا الحديث في كتاب الله، حيث يقول في ثنائه على الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] نزلت في الذي أضافه منهم ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، فجعل يري ضيفه أنه يأكل معه وهو لا يأكل، وقوله: ستصيبكم بعدي أثرة، يروى أثرة بفتح الألف والثاء، ويروى أثرة بضم الألف وإسكان الثاء، والمعنى في ذلك سواء يقول: سيأتي زمن يستأثر عليهم فيه بالأموال، وأراد بقوله: ستصيبكم أمته إلا المخاطبين بأعيانهم، فكان كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفي هذا ترك الخروج على أمراء الجور.
قول أبي بكر عند نزول قول الله عز وجل ولو أنا كتبنا عليهم
في قول أبي بكر عند نزول قول
الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 66]
الآية قال: وسمعت مالكا يقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق إن كنت لفاعلا.
قال محمد بن رشد: لا شك أن أبا بكر من القليل الذي استثنى الله في الآية، فلا أحد أحق بهذه الصفة منه، ويمينه على ذلك برة، وفي هذا حجة لرواية ابن الماجشون عن مالك فيمن حلف في أمر سلف لو كان كذا وكذا لفعلت كذا وكذا لما يمكنه فعله، لا حنث عليه، خلاف قول أصبغ إنه حانث، لا يدري هل كان يفعل أو لا يفعل.
قول ابن عباس إنه لا يزال لله في الأرض ولي
في قول ابن عباس: إنه لا يزال لله
في الأرض ولي
قال مالك: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقول: لا يزال لله في الأرض ولي ما كان للشيطان فيها ولي.
قال محمد بن رشد: إن لم يكن هذا عند ابن عباس عن توقيف من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فإنه أخذه من قول الله عز وجل حاكيا عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: 79] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [ص: 80] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: 81] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 83]
وفي هذا أن الإملاء باق إلى قيام الساعة، وبالله تعالى التوفيق.
ما خص به عيسى دون سائر البشر
فيما خص به عيسى دون سائر البشر قال مالك: بلغني أنه ما من مولود يولد إلا والشيطان يطعن في خصيبه، إلا عيسى ابن مريم فإن الشيطان حين طعن حال بينه وبين ذلك الحجاب.
قال محمد بن رشد: ولا يرى في غير هذا الحديث ألا تسمعون إلى صراخه؟ ومن هذا قال أهل العلم: إن المولود لا يورث حتى يستهل صارخا، وإن رضع أو عطس أو تنفس إلا وقد استهل، وكذلك قال سحنون: إن الرضاع يدل على الحياة، ولا يمكن أن يرضع حتى يستهل، وليس العطاس عنده مما يدل على الحياة، ورآه عبد العزيز بن أبي سلمة مما يدل على الحياة، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الزكاة.
قرب الساعة
في قرب الساعة قال مالك: وبلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بعثت أنا والساعة كأصبعي هاتين، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام والأخرى» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن قيام الساعة متصل بانقراض أمته إذ لا نبي بعده، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77] .
المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لقرب الساعة
في المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لقرب الساعة قال مالك: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثلكم مثل قوم بعثوا طليعة إلى عدوهم فأراد أن يرجع إليهم فأعجله ما رأى منهم فألاح إليهم أتيتم أتيتم» . قال محمد بن رشد: هذا مثل ضربه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقرب الساعة والحض على المبادرة بالأعمال قبل حلول الأجل، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، ولما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] ناداهم اعملوا لما عند الله فإني لا أملك لكم من الله شيئا، وقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وبالله تعالى التوفيق.
النار التي تبعث في أرض اليمن
في النار التي تبعث في أرض اليمن
في آخر الزمن قال مالك: بلغني أنه تبعث نار من أرض اليمن تسوق الناس سوقا إلى أرض المحشر.
قال محمد بن رشد: المحشر هي الشام التي يحشر الناس إليها
بعد البعث للحساب، وهذه النار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر هي أول شرط من شروط الساعة الكبار التي تكون بين يدي الساعة كالدابة والدخان وياجوج وماجوج والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، يبين هذا قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أول أشراط الساعة بأن تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، ذكر البخاري في الترتيب، وخرج من رواية أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» ، وهذا الحديث يشهد لصحته قول كعب الأحبار الذي يأتي بعد هذا في هذا الرسم من أن الساعة لا تقوم إلا على شعل نار بهذا الوادي، يعني وادي سرواغ بأكناف قديد، نار تضيء منه أعناق الإبل بأيلة، فيحتمل أن تكون هذه النار هي التي تبعث بأرض اليمن فتسوق الناس إلى أرض المحشر فتمر في طريقها على الحجاز على وادي سرواغ بقديد، ويحتمل أن تكون نارا أخرى، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وأما أشراطها المؤذنة بقربها فكثيرة، من ذلك انشقاق القمر في حياة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على ما روي، قال الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] ومنها رمي الشياطين بالشهاب، ومنها موت الفجاة، والتطاول في البنيان، ومنها يؤتمن الخائن ويخون الأمين، وأن تلد الأمة ربها وربتها، وأشياء كثيرة أتت بها الروايات عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
والنبي أيضا من أشراطها إذ هو آخر الأنبياء لا نبي بعده، وقد قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بأصبعيه التي تلي الإبهام والأخرى، يريد أن قيام الساعة متصل بانقراض أمته إذ لا نبي بعده، قال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77] على ما مضى فوق هذا، وبالله تعالى التوفيق.
التثبت في مسائل الاجتهاد
فيما يلزم من التثبت
في مسائل الاجتهاد قال مالك: كان عمر بن الخطاب إذا شاور أصحابه قال لهم: ارجعوا وتثبتوا فإنه أثبت لكم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن ما يعين من الاجتهاد في الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب ولا في السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة، يفتقر إلى إعمال النظر في رد ما اختلف عليه إلى ما اتفق عليه بالمعنى الجامع بينهما، ووضع الأدلة في ذلك موضعها، وذلك لا يكون إلا بعد روية وتدبر، لا يصح إلا بصرف الهمة إلى ذلك، والانفراد له دون الاشتغال بما سواه، والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.
ما أمر به عمر من عد الأئمة
فيما أمر به عمر من عد الأئمة قال: وسمعت [مالكا] يذكر، قال عمر بن الخطاب: عدوا الأئمة، فعدوا له رهيطا، قال: سبحان الله أمتروك الناس بغير أئمة؟ قال محمد بن رشد: أراد عمر بالأئمة الأئمة في الدين والعلم الذين يفتونهم في ذلك كله، فلما لم يبلغ ما عدوا منهم إلا رهيطا قال: سبحان الله!! أنكر ألا يكون في عهده من الأئمة إلا من عدوه، هذا معنى قوله، والله أعلم، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» . كان الصحابة في زمن عمر
ابن الخطاب متوافرين، فيبعد ألا يكون فيهم أئمة يعتمد بهم [إلا رهيطا] .
تعريف التقي
في التقي قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول: التقي ملجم لا يستطيع أن يعمل بكل ما يريد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن من خاف الله عز وجل حجزه خوفه عن هواه، قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] ، وبالله تعالى التوفيق.
المسجد الذي أسس على التقوى
في المسجد الذي أسس على التقوى قال مالك: بلغني أن المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
قال محمد بن رشد: هذا الذي حكى مالك أنه بلغه، يريد عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هو مذهبه، وبه قال، وله احتج في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الصلاة، بأن قال: أين كان يقوم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ أليس في هذا؟ ويأتونه أولئك.
وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11] فإنما هو مسجد رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد قال عمر بن الخطاب: لولا أني رأيت رسول الله أو سمعته يريد أن يقدم القبلة وقال عند ذلك بيده ما قدمتها، قدمها عمر لموضع المقصورة الآن، فلما كان عثمان بن عفان قدمها إلى موضعها الذي هي به الآن، ثم لم تحول بعد، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري وغيره، «أن رجلا من بني خدرة، ورجلا من بني عمرو بن عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال العوفي: هو مسجدنا بقباء، وقال الخدري: هو مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فخرجا فأتيا النبي فسألاه عن ذلك فقال: هذا المسجد، هو مسجد رسول الله» وفي ذلك خير كثير، وإلى هذا ذهب ابن عمر.
وخالفه ابن عباس وجماعة من العلماء فذهبوا إلى أنه مسجد قباء مسجد سعد بن ختمة بظاهر ما في كتاب الله عز وجل من قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] إلى قوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] يريد الأنصار بما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لما نزلت: " يا معشر الأنصار إن رسول الله قد أثنى عليكم في الطهور في طهوركم، قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، وفي بعض الآثار: ونستنجي بالأحجار ثم بالماء» ، فقال: هو ذلك فعليكموه، وهذا ليس بدليل قاطع لاحتماله التأويل؛ لأن أولئك الرجال كانوا في مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لأنه كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم من الصحابة.
واستدلوا أيضا ببنيان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه، روي «عن عائشة أنها قالت: أول من حمل حجر القبلة بمسجد قباء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم حمل أبو بكر آخر، ثم حمل عمر آخر، ثم حمل عثمان آخر، فقلت: يا رسول الله أما ترى هؤلاء يتبعونك؟ فقال: أما هم أمراء الخلافة من بعدي» وهذا لا دليل فيه أيضا؛ لأنه بنى مسجده أيضا فلم يختص بناء مسجد قباء دون مسجده، فصح ما ذهب إليه مالك بتأييد الأثر له عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالنص على أنه مسجده.
واستدلال مالك في رواية أشهب عنه بقول عمر بن الخطاب ظاهر، وذلك أن الله تعالى لما ذكر فيه أنه أسس على التقوى لم يستجز نقض أسه وتبديل قبلته إلا بما سمع من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك وأراه قد أراد أن يفعله.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما بنى رسول الله مسجد قباء خرج رجال من الأنصار وهم اثنا عشر رجلا من المنافقين فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله لأحدهم: ويلك ما أردت إلى ما أرى؟ فقال: يا رسول الله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب، فصدقه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وروي «أن رسول الله أقبل من تبوك حتى نزل بذي أوان: بلد بينه وبين المدينة ساعة من النهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاقة، وإنا لنحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل، أو كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولو قد قدمنا أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد بما أنزل الله فيه من قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] » يعني ليلا يصلون في مسجد قباء جميعا ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107] يعني رجلا كان منهم يقال له أبو عامر الراهب، كان محاربا لرسول الله، وكان قد انطلق إلى هرقل، فكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج
من المدينة محاربا لله ورسوله، فقالوا: إذا رجع أبو عامر من عند هرقل أو من عند قيصر صلى فيه ثم يظهر على محمد: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107] ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] أي لا تقم يا محمد في المسجد الذي بنى هؤلاء المنافقون ضرارا وتفريقا بين المؤمنين، ثم أقسم عز وجل فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة: 108] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] وكل القراء قرأ أسس بنيانه بالنصب في هذين الموضعين، وهذا بين في المعنى، إلا نافعا وابن عامر فإنهما قرآ أسس بنيانه بالرفع على ما لم يسم فاعله.
ما جاء في الفردوس
قال مالك: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، منها تتفجر أنهار الجنة، وعليها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» . قال محمد بن رشد: في هذا أن الاختيار للداعي إذا دعا الله عز وجل يسأله أرفع المنازل؛ لأن الله جواد كريم يستجيب للداعي إذا دعاه، وبالله تعالى التوفيق.
تسمية المولود يوم سابعه
في تسمية المولود يوم سابعه قال مالك: يسمى الصبي في اليوم السابع.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لمالك في رسم يسلف المتاع والحيوان المضمون من سماع ابن القاسم من كتاب العقيقة، وإنما اختار مالك أن يسمى المولود يوم السابع لما جاء في الحديث من قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى» ، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «سموا المولود يوم سابعه» ، والأمر في ذلك واسع، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال حين ولد له ابنه إبراهيم: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» «وأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتي بعبد الله ابن أبي طلحة صبيحة الليلة التي ولد له فيها، فحنكه بثمر عجوة ودعا له وسماه عبد الله،» في حديث طويل.
ويحتمل أن يكون معنى ما في الحديث من تسمية المولود يوم سابعه ألا تؤخر تسميته عن ذلك؛ لأنه إذا سماه يوم السابع فهو مسمى يوم السابع وقبله، فيتفق الآثار على هذا، وقال ابن حبيب على اختيار مالك: ولا بأس أن يتخير له الأسماء قبل السابع، ولا يقع عليه الاسم إلا يوم السابع.
فإن مات قبل يوم السابع سمي بعد موته، ولم تترك تسميته؛ لأنه ولد ترجى شفاعته، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن السقط ليظل حبطيا على باب الجنة يقال له: ادخل الجنة، فيقول لا أدخل حتى يدخل أبواي» وذكر لمالك الحديث الذي ذكر أن السقط يقول يوم القيامة لأبيه: تركتني بلا اسم فلم يعرفه، وبالله التوفيق.
ما أعطى عمر لامرأته بالشام حين قدمها
فيما أعطى عمر لامرأته بالشام حين قدمها قال مالك: لما قدم عمر بن الخطاب الشام أعطى أبا عبيدة مائتي دينار يجعلها في حاجته، ثم دفع إلى معاذ بن جبل مثلها ففرقها، فقالت له امرأته: غفر الله لك، ما لنا فيها حق؟ وكانت قد
بقيت أربعة دنانير فطرحها إليها.
قال محمد بن رشد: في هذا ما كان عليه أبو عبيدة ومعاذ بن جبل من الزهد في الدنيا والرغبة فيما رغب الله فيه في بذل المال في طاعته وأثنى على فاعله بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: 177] إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] ، وبالله التوفيق.
التحذير من الكذب
في التحذير من الكذب قال مالك: يقال عن ابن مسعود كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن من يحدث بكل ما سمع يحدث بالحق والباطل، ولكن ليس ذلك بحقيقة الكذب المحرم إذ لم يختلقه هو، فإن كان كذبا فإثمه على دس من اختلقه، وقد مضى الكلام في الكذب وتقسيمه في أول رسم حلف قبل هذا.
الصلاة بغير رداء
في كراهية الصلاة بغير رداء وقال مالك: رأى ابن عمر نافعا يصلي بغير رداء، فقال له: ألا أخذت رداءك، فإن الله أحق من تجمل له، قال: وجاء عنه من وجه آخر أنه رآه يصلي في خلوته بثوب واحد، فقال له: ألم أكسك يوم الأول ثوبين؟.
قال: بلى، قال: أفكنت تخرج إلى السوق بثوب واحد؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له.
قال محمد بن رشد: حض ابن عمر نافعا مولاه على أن يصلي بردائه وفي ثوبين إن كان في خلوته هو مثل ما في المدونة لمالك من قوله:
وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إن كان مسافرا أو صلى في داره، وكره في المدونة للإمام أن يجعل على عاتقه عمامة في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، ونزع بقوله عز وجل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] . وما كره تركه ففعله مستحب، والاستحباب في هذا على مراتب أربعة، فأعلاها في الاستحباب وأكرهها فيه صلاة الأئمة في مساجد الجماعات ومساجد القبائل بالأردية، وما كان في معناها من الغفائر والبرانس، ويليها في الاستحباب صلاة المنفرد في الجماعات ومساجد القبائل بالرداء وما كان في معناه، ويلي ذلك في الاستحباب صلاة الإمام في داره وفي فنائه بالرداء وما كان في معناه، ويلي ذلك صلاة المنفرد بداره بالرداء أو ما يقوم مقامها وهو أدناها مرتبة في الاستحباب، فإذا صلى الإمام بالناس في مساجد الجماعات بخس نفسه حظا وافرا من الأجر، والله أعلم بقدره، وإذا صلى وحده في مساجد الجماعات بغير رداء فقد بخس نفسه من الحظ والأجر دون ذلك، وإذا أم الرجل الجماعة في داره بغير رداء فقد بخس نفسه من الحظ والأجر دون ذلك، وإذا صلى الرجل في داره بغير رداء فلا بأس بذلك لأن الذي بخس نفسه في صلاته وحده بغير رداء يسير.
عدد من قتل يوم الحرة
في عدد من قتل يوم الحرة قال وسمعت مالكا يقول: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل كلهم قد جمعوا القرآن، قال ابن القاسم شككت أنه كان فيهم أربعة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
قال محمد بن رشد: الحرة كان في خلافة يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين من الهجرة، وذلك أن أهل المدينة خلعوا طاعة يزيد بن معاوية
وأخرجوا المغيرة بالمدينة وكان القائم بذلك عبد الله بن حنظلة، فكتب بذلك مروان بن الحكم إلى يزيد فجيش إليهم الجيوش، فكان من أمرهم ما قد مضى في رسم حلف فيما ذكر مالك فيه عن سعيد بن المسيب من أنه قال: خلا مسجد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يجمع فيه ثلاثة أيام يوم قتل عثمان ليوم الحرة ويوم آخر.
ما حكي عن كعب الأحبار من أنه ستشتعل بوادي سوارغ نار
فيما حكي عن كعب الأحبار من أنه ستشتعل
بوادي سوارغ نار قال مالك: قال كعب الأحبار لأبي واقد الليثي أبو واقد رجلا أعرابيا عارفا بالبلد وهو بأكناف قديد أي واد هذا؟ قال: هذا سوارغ، قال كعب: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من هذا الوادي تضيء منه أعناق الإبل.
قال محمد بن رشد: مثل هذا من الأخبار بما يكون بالمغيبات لا يكون إلا عن توقيف، وشهد له ما خرجه البخاري من رواية أبي هريرة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» فإن صح هذا وكان على الحقيقة فهو من أشراط الساعة التي تكون بين يديها، مثل ما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في النار التي تبعث من اليمن فتسوق الناس إلى المحشر على ما حكى