البيان والتحصيلصفحات 388-428
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور الثاني

صفحات 388-428
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ابن الماجشون في ديوانه.
والثاني: إن ولد في النهار بعد الفجر ألغي ذلك اليوم، وحسب له سبعة أيام من اليوم الذي بعده، وإن ولد قبل الفجر، وإن كان ذلك في الليل حسب له ذلك اليوم، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها.
والثالث: أنه إن ولد في شباب النهار قبل الزوال حسب ذلك اليوم، وإن لم يولد إلا بعد الزوال ألغي ذلك اليوم، وهذا القول حكى ابن الماجشون أنه كان قول مالك أولا، ثم رجع عنه.
والرابع: أنه يحسب ذلك اليوم وإن ولد في بقية منه قبل الغروب، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، واختار أصبغ أن يلغى ذلك اليوم، فإن حسب أيام من تلك الساعة إلى مثلها اجتزأ بذلك، وهو قول حسن، فيذبح بعد كمال ستة أيام من الساعة التي ولد فيها، ودخوله في اليوم السابع، وإن كان ذلك في آخر النهار لما جاء عنه في الحديث من أنه يذبح عنه يوم سابعه.

مسألة: فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم وفي العرائس

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسألة قال مالك: أخبرني شيخ قديم قال: لما كانت فتنة ابن الزبير انتهب الناس تمر مال الله، قال: فاشترت أمي من ذلك التمر، فعملت منه خلا حتى طاب، وذهبت الفتنة، فأمرتني أمي أن أذهب إلى ابن عمر أسأله عن ذلك، فأتيت ابن عمر فسألته عن ذلك، فأفتاني أن أهريقه ولا نأكله، قال مالك: أرى ابن عمر إنما كرهه لموضع النهبة، قال مالك فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فيكون فيه النهبة قال: لا أحب أن يؤكل منه شيء إذا كان يُنتهب.

قال محمد بن رشد: وجه فتوى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المرأة أن تهريق الخل ولا تأكله، هو أن التمر الذي عملته منه كان من مال الله، فكان الحق فيه أن يقسمه الإمام بالاجتهاد، فلما لم تكن هي ممن لها الاجتهاد في ذلك، لم يأمرها بالتصدق به، ورأى لها الخلاص أن تهريقه ولا تأكله؛ لأن تصدقها به من غير أن يكون لها الاجتهاد في ذلك من جنس النهبة التي وقعت فيه أولا، والله أعلم، ويحتمل أن يكون ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفتاها بإراقته، وترك أكله عقوبة لها على ما فعلت من عملها إياه من التمر المنهوب، ولم يأمرها بالصدقة؛ لئلا يظن ظان أنه تتصدق به على مِلْكها، فتكون مأجورة في فعلها، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك الفعل، وهذا من نحو ما قيل في من فعل ما لا يجوز له من تخليل الخمر، أنها لا تؤكل وتهرق ولا يتصدق بها.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن «أمر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإكفاء القدور يوم خيبر من لحوم الحمر الأهلية» إنما كان من أجل أنها كانت منتهبة، وأما ما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فيكون فيه النهبة، فكرهه مالك بكل حال؛ لظواهر الآثار الواردة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك، من ذلك نهيه عن النهبة، وأنه قال: «النهبة لا تحل» ، وأنه قال: «من انتهب فليس منا» ، وفي ذلك تفصيل، أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب، فانتهابه حرام لا يحل ولا يجوز؛ لأن مُخرِجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يؤكل، فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل، فقد أكل حراما، وأكل سحتا لا مرية فيه، ودخل تحت الوعيد، وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه فهذا كرهه مالك، وأجازه غيره، وتأول أن نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن الانتهاب إنما معناه انتهابا ما لم يُؤذن في انتهابه، بدليل ما روي عن عبد الله بن قرط، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحب الأيام إلى الله يوم النحر، ثم يوم القر، فقرب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدنات خمسا أو ستا، فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال: كلمة خفية لم أفهمها، فقلت للذي كان إلى جنبي ما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: من شاء انقطع» ، وما روي من «أن صاحب هدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "انحرها ثم الو قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها» ؛ لأنه أباح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم الهدي أن يأخذ منهم من شاء ما أخذ من غير مقدار، ولا قسم معلوم، وفي هذا بيان إن شاء الله.

مسألة: الضأن والمعز سواء تجزي في العقيقة

مسألة قال مالك: الضأن والمعز سواء تجزي في العقيقة والمعز سواء، يريد في الإجزاء لا في الأفضل؛ إذ لا اختلاف أن الضأن أفضل من المعز، وفي قوله دليل أنه لا يجزي فيها ما عدا الضأن والمعز، وهو قوله في سماع يحيى بعد هذا، وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الضحايا ما ظاهره ظهورا بينا أن البقر والإبل تجزي في

ذلك أيضا، وهو الأظهر قياسا على الضحايا، وقد مضى الاختلاف في ترتيب الأفضل في ذلك في الضحايا في رسم مرض وله أم ولد فحاضت من سماع ابن القاسم، وهو يدخل في العقائق على قياس هذا القول، وبالله التوفيق، لا رب غيره، ولا معبود سواه.

مسألة: لم يعق عن ولده حتى كبر وعقل

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون مسألة قال سحنون أخبرني ابن القاسم وابن نافع قالا: سئل مالك عمن لم يعق عن ولده حتى كبر وعقل، أترى أن يعق عنه إذا كبر؟ فقال: لا، فقيل له: أفرأيت الذي لا يتهيأ له ما يعق به عن ولده حتى يمر السابع؟ قال: لا، إلا أن يكون قريبا، ويعق عنه أيضا بعد ما خضب لحيته، أرأيت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذين لم يعق عنهم في الجاهلية، أعقوا عن أنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل.
قال محمد بن رشد: المشهور عن مالك مثل ما يأتي له بعد هذا في هذا السماع، أنه لا يعق عن المولود إلا يوم سابعه، فإن لم يفعل حتى غربت الشمس من يوم السابع، فقد فاتت العقيقة، خلاف قوله في هذه الرواية: إنه يعق عنه بعد السابع إذا كان قريبا، وروى ابن وهب أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني، فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاز ذلك فقد فات موضع العقيقة، وروى مثله عن عائشة، وروى ابن عبد الحكم القولين عن مالك، واختار رواية ابن وهب، ومن أهل العلم من أوجب العقيقة بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الغلام مرتهن بعقيقته» ، وبغيره

من الأحاديث التي يدل ظاهرها على الوجوب، فقال: إن لم يعق عنه وهو صغير يلزمه أن يعق عن نفسه وهو كبير، واستدل بما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من «أنه عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة» ، ولم يصح ذلك عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وأنكره في هذه، وقال: إن ذلك من الأباطيل.

مسألة: العقيقة أهي عن الغلام والجارية

مسألة وسئل عن العقيقة أهي عن الغلام والجارية سواء؟ فقال: نعم، الغلام والجارية سواء، يعق عنهما يوم سابعهما.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاتان» ، والمكافأتان المتماثلتان المشتبهتان، وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم منهم ابن عمر، وعائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فمن أخذ به فما أخطأ، ولقد أصاب.

مسألة: وقت العقيقة

مسألة قيل: أرأيت إن لم يتهيأ له يوم سابعه ويتهيأ له بعد ذلك بيوم أو بيومين أو في السابع الثاني؟ قال: لا يعق إلا في اليوم السابع، قيل له: أفيؤكل منها، فقال: نعم، يؤكل منها ويطعم، قيل له: أيعمل منها الطعام فيدعى عليه الناس؟ قال: ما رأيت الناس هاهنا عندنا على هذا، وما رأيتهم يفعلونه، إنما رأيتهم يقطعونه ثم يجمعونه في شيء، ثم يأكلون منه ويطعمون منه، ورأيتهم يبعثون به إلى الجيران، فإذا أرادوا أن يصنعوا طعاما صنعوه من غيرها، ثم دعوا عليه.

قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يعق عنه بعد السابع وإن قرب هو قول ابن القاسم، وهو المشهور من قول مالك، خلاف ما تقدم في أول السماع، وقد مضى هناك الخلاف في ذلك وما بعد ذلك من أنه يؤكل منها ويطعم الجيران، ولا يصنع طعام يدعى عليه الناس إلا من غيرها هو معنى ما مضى في رسم سلف في المتاع والحيوان المضمون، من سماع ابن القاسم، وقد مضى عليه من القول هناك ما فيه كفاية ومقنع.

مسألة: وقت تسمية الغلام

مسألة وسئل مالك فقيل له: أيكره أن يسمى أحد قبل يوم السابع؟ قال: ما رأيت أحدا يسمى قبل يوم السابع، إنما يعق عنه ويسمى يوم السابع.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام أيضا على هذه المسألة في رسم سلف في المتاع والحيوان، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يولد فيموت قبل السابع أعليه فيه عقيقة

مسألة قيل له: أرأيت الذي يولد فيموت قبل السابع، أعليه فيه عقيقة؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن العقيقة إنما يجب ذبحها عنه يوم السابع إذا حلق رأسه، وأميط عنه الأذى على ما جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ومضى القول فيه في أول رسم، من سماع ابن القاسم، فإذا مات قبل ذلك سقطت عنه العقيقة.

مسألة: إذا عق عن الولد يوم السابع أيجوز أن يطعم في ذلك لحما نيا

مسألة قيل: أرأيت الرجل إذا عق عن الولد يوم السابع، أيجوز أن يطعم في ذلك لحما نيا؟ قال: لا بأس بذلك، وفي ذلك سعة إن

شاء الله، وإن أطعم نيا أو غيره، وقد كان الناس يطعمون ذلك الجيران.
قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في هذا السماع، في سماع ابن القاسم وغيره، ومضى القول فيه، فلا وجه لإعادته.

مسألة: كان سابع ابنه يوم الأضحى هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحية

مسألة قال موسى بن معاوية: قال معن: وسئل مالك عن رجل كان سابع ابنه يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاة هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحية؟ فقال: بل يعق بها.
قال محمد بن رشد: معنى هذا إذا رجا أن يجد أضحية في بقية أيام الأضحى، وأما إذا لم يرج ذلك، فليضح بالشاة؛ لأن الضحية أوجب من العقيقة عند مالك وجميع أصحابه؛ لأن الأضحية قيل فيها: إنها سنة واجبة، وقيل: سنة غير واجبة، والعقيقة قيل فيها: إنها سنة غير واجبة، وقيل فيها: إنها سنة مستحبة، وقد مضى هذا في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، ولو كان ذلك في آخر أيام النحر لكانت أولى، قاله العتبي، وهو على قياس ما قلناه، وبالله التوفيق.

مسألة: العقيقة أيطعم منها الرجل جيرته الأغنياء

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها مسألة قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن العقيقة، أيطعم منها الرجل جيرته الأغنياء؟ قال: أهل الحاجة أحب إلي، وإن فعل فأرجو ألا

يكون عليه شيء، قيل له: أيصنع صنيعا يدعو إليه؟ قال: لا يعجبني.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن أهل الحاجة من جيرته أولى أن يطعمهم منها من الأغنياء، وإن كانت تحل للأغنياء؛ لأن الله تعالى حض على إطعام الفقراء من لحوم الهدايا التي تحل للأغنياء، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] ، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] ، والقانع هو الفقير، وأما كراهيته أن يصنع صنيعا يدعى إليه، فمعناه من شاة العقيقة على ما تقدم في سماع أشهب، وفي رسم سلف في المتاع والحيوان المضمون، من سماع ابن القاسم، وأما من غير شاة العقيقة فلا بأس بذلك، وقد كان عبد الله بن عمر وغيره من السلف يدعون على الولاد والختان، ولا بأس على من دعي إلى ذلك أن يجيب إليه، وقد مضى في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم، من كتاب الصيام، ما تجب فيه إجابة الداعي مما لا تجب مستوفى، وبالله التوفيق.

مسألة: العقيقة هل يدعو إليها الرجل والرجلين من إخوانه

ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار مسألة وسئل ابن القاسم عن العقيقة هل يدعو إليها الرجل والرجلين من إخوانه؟ قال: لا يدعو لها أحدا، وإنما هي لجيرانه يقرب لهم منها.

قال محمد بن رشد: قد مر هذا المعنى متكررا في هذا السماع، وسماع أشهب، وسماع ابن القاسم، ومضى من القول عليه ما لا زيادة فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: ذبح عقيقة ابنه بليل أيجب عليه بدلها

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة مسألة قال يحيى: وسألته عمن ذبح عقيقة ابنه بليل، أيجب عليه بدلها كما يجب على من ذبح أضحيته ليلا؟ قال: أرى ذلك عليه واجبا، وحالهما عنده واحد، يريد الضحية والعقيقة.
قال محمد بن رشد: أما من ذبح عقيقته بليل فلا تجزئ، واختلف أن ذبحها قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر على ما مضى القول عليه في رسم باع غلاما، من سماع ابن القاسم.

مسألة: سنة العقائق

مسألة قال سحنون: قال مالك: لا تجزئ في العقائق الإبل ولا المعز، وإنما سنة العقائق الغنم لا غير، وكذلك جاءت السنة.
قال محمد بن رشد: وهذا مثل ظاهر قوله أيضا في رسم سن، من سماع ابن القاسم، خلاف ما حكى عنه ابن حبيب، من أنه لا يضحى ولا يعق إلا بالضأن والمعز والإبل والبقر، والضأن أفضلها، وهو ظاهر ما في سماع أشهب، من كتاب الضحايا، فقف على ذلك وتدبره.

مسألة: الجوز واللوز والسكر ينثر في الإمكاك أو الختان

من سماع أصبغ من ابن القاسم مسألة وسئل أصبغ عن الجوز واللوز والسكر ينثر في الإمكاك أو الختان، هل ترى ذلك جائزا؟ قال: نعم، ذلك جائز لا بأس به، ولا تجوز الخلسة فيه، فأما نثره للناس وعليهم للأكل، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته هاهنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
تم كتاب العقيقة

: كتاب الحج الأول

مسألة: رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى

كتاب الحج الأول من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجرة مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك في من رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى، فإنه يرجع فيرمي الأخيرة، ثم حسبه، قال مالك: وإن رمى الأخيرة، ثم الوسطى، ثم الأولى؛ عاد لرميه من الوسطى، وإن رمى الأولى ثم الأخيرة، رمى الوسطى ثم الأخيرة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الترتيب في رمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى من سنة الرمي، فإن ذكر ذلك من يومه أصلح رميه، بأن يلغي ما قدمه ووضعه في غير موضعه، فيفعله مرة أخرى، وما بعده حتى يخلص له الترتيب ولا دم عليه، وإن لم يذكر ذلك في يومه حتى غابت الشمس، أصلح رميه أيضا بما ذكرناه حتى يصلح له الترتيب ما لم تنقض أيام منى، وكان عليه الدم، وقيل: لا دم عليه على اختلاف قول مالك في المدونة، فيمن ترك رمي جمرة من الجمار حتى غابت الشمس، ولم تنقض أيام منى، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد أيام منى، فقد فاته الإصلاح، وعليه الدم قولا واحدا، قال ابن المواز: ولو رمى الجمار بحصاة حصاة، كل جمرة حتى أتمها

بسبع، فيلزم الثانية بست، ثم الثالثة بسبع، وهو صحيح؛ لأن الترتيب يصح له بهذا.

مسألة: أفاض وطاف بالبيت ثم وطئ أهله

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول فيمن أفاض وطاف بالبيت ثم وطئ أهله، قبل أن يركع: إنه إن كان بمكة أفاض مرة أخرى فطاف وركع، ثم خرج معتمرا ويهدي، وإن خرج إلى أهله ركع ركعتين حيث كان وأهدى.
قال محمد بن رشد: هذا على أصله فيمن وطئ بعد رمي الجمرة وقبل الإفاضة، أنه يهدي ويعتمر ليأتي بطواف الإفاضة الذي أفسده بالوطء قبله في إحرام صحيح، فلما كان الذي نسي الركعتين من طواف الإفاضة يجب عليه أن يعيد طواف الإفاضة ما كان بمكة أو قريبا منها، كان الذي وطئ قبل أن يعيد الطواف في حكم من وطئ قبل الطواف في وجوب الهدي والعمرة عليه.
وقوله: وإن خرج إلى أهله ركع ركعتين حيث كان، وأهدى هديا، معناه إن لم يذكر ذلك حتى رجع إلى أهله، ولو علم وهو بمكة أو قريب منها أنه وطئ قبل الركعتين فخرج إلى بلده لوجب عليه الرجوع لما وجب عليه من إعادة الإفاضة، ومن العمرة، وهذا على القول بأن من وجب عليه أن يعيد في الوقت، فلم يعد حتى ذهب الوقت أنه يجب عليه أن يعيد بعد الوقت، ولأهل العلم فيمن وطئ قبل الإفاضة وبعد الرمي ثلاثة أقوال؛ أحدها: هذا أنه يعتمر ويهدي.
والثاني: أنه يهدي ولا عمرة عليه، وقد ذكر ابن القاسم في الأول من حج المدونة أن هذا هو قول جل الناس.
والثالث: أنه قد أفسد حجه، وهو قول عبد الله بن عمر وجماعة من السلف، وظاهر قول عمر بن الخطاب: من رمى الجمرة، فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب، وفي بعض الروايات والصيد، واختلف قول مالك فيمن وطئ بعد الوقوف بعرفة

وقبل رمي الجمرة، فالمشهور عنه أنه قد أفسد حجه، وقد روي عنه أن حجه تمام وعليه العمرة والهدي، وأما من وطئ قبل الوقوف بعرفة، فلا خلاف بين أهل العلم في أنه قد أفسد حجه.

مسألة: ترك أهله بمكة من الآفاق وخرج لغزو أو تجارة

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: ليس على من ترك أهله بمكة من الآفاق، وخرج لغزو أو تجارة إذا قدم في أشهر الحج متعة، كما ليس على أهل مكة متعة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، ومعناها أنه قدم مكة قبل أشهر الحج، فترك أهله بها على نية الاستيطان لها، ثم خرج لغزو أو لتجارة، فقدم معتمرا في أشهر الحج، وكذلك لو سكنها بغير أهل قبل أن يتمتع، قاله ابن المواز، فليست هذه المسألة بخلاف لمسألة كتاب الحج الأول من المدونة في الذي يقدم مكة في أشهر الحج معتمرا، ينوي استيطانها؛ لأنه لم يتقدم له استيطانها قبل قدومه معتمرا، فلذلك قال فيها: إنه ليس كأهل مكة؛ إذ لعله سيبدو له فيما نوى، قوله فيها معارض لما في إرخاء الستور من المدونة، وموضع الخلاف بينهما، هل يصدق فيما يدعي أنه أراد من ذلك أم لا؟

مسألة: يلبي بالحج وهو مولى عليه

مسألة وقال مالك في الرجل يلبي بالحج، وهو مولى عليه، والمرأة عند أبيها، أو عند زوجها إن ذلك من السفه، ولا يجاز ذلك، ولا يمضي لمن فعله، وليس على المرأة أن تقضيه إذا هلك زوجها أو أبوها.

قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنهم أحرموا من بيوتهم دون الميقات، وقبل أشهر الحج، فلذلك كان للأب والزوج والولي ألا يمضوا فعلهم، وأن يحلوهم من إحرامهم؛ لأن ذلك خطأ منهم وتعد، وقوله: وليس على المرأة أن تمضيه إذا هلك زوجها أو أبوها، مثل ما في المدونة؛ لأن معنى المسألة أنهم أحرموا بحجة الفريضة، فليس عليهم إذا قضوا حجة الفريضة للإحرام الذي حللهم منه شيء، ولو كانوا إنما أحرموا بحج التطوع، وتركوا الفريضة لوجب عليهم قضاء الحجة التي حللوا منها بعد قضاء حجة الفريضة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، خلاف قول أشهب: إن العبد إذا أحرم بغير إذن سيده، فحلله سيده من إحرامه أنه لا يجب عليه في ذلك قضاء؛ لأنه إنما حله بحجة بعينها، كمن نذر صوما بعينه، فمنعه من صيامه عذر، وقال ابن المواز: إن المولى عليه والمرأة عند أبيها لا يلزمهم قضاء الإحرام الذي حللوا منه، كما لا يلزمهم العتق إذا ولوا أنفسهم، وهذا هو مذهب أشهب الذي ذكرناه.

مسألة: خرج يريد التمتع فألفى الناس قد فرغوا من الحج

مسألة قال مالك: لو أن رجلا خرج يريد التمتع، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، لم يقع عليه شيء.
قال محمد بن رشد: قوله يريد التمتع، أي يريد العمرة في أشهر الحج مثل الحج، فإذا أحرم بعمرة أو بحج، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، فلا شيء عليه كما قال، إلا إكمال العمرة التي أحرم بها؛ لأنه قد فاته الحج

في ذلك العام، وفي بعض الروايات خرج يريد الحج، والصحيح خرج يريد التمتع؛ لأن من خرج يريد الحج، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، لا إشكال في أنه لا شيء عليه إن كان لم يحرم، وإن كان قد أحرم، فلا بد له من قضاء الحج الفائت، وعليه الهدي.

مسألة: هلك رجل بالفسطاط وأوصى أن يحج عنه

مسألة قلت لابن القاسم: لو هلك رجل بالفسطاط، وأوصى أن يحج عنه، فدفع عنه إلى رجل ليحج عنه، ولم يشترطوا عليه أن يحرم من ذي الحليفة أو غيرها، فخرج فأحرم عن نفسه من ذي الحليفة بعمرة، وحج عن الميت من مكة؟ قال: أراه ضامنا للحجة، أو يرد المال، ولا أبالي اشترطوا عليه الإحرام أو لم يشترطوا؛ لأن من دفع إليه مالا ليحج به عن ميت، فليحرم من ميقات الموضع الذي يحج منه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ضامن، وإن لم يشترطوا عليه الإحرام من ذي الحليفة، هو القول الذي رجع إليه ابن القاسم في المدونة، وكان أولا يقول: إنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الإحرام من ذي الحليفة، وفي أصل السماع أنه لا ضمان عليه، وإن اشترطوا عليه أن يحرم من ذي الحليفة، ولا حجة للمستأجر عليه في أن قدم بين يدي حجه عمرة، وإن اشترط عليه ألا يفعل وهو بعيد، فهي ثلاثة أقوال؛ أبينها القول الذي رجع إليه ابن القاسم في المدونة، وهو قوله في هذه الرواية، وقوله أراه ضامنا للحجة أو يرد المال ليس معناه أنه مخير في ذلك، وإنما معناه أنه ضامن للحجة إن كان أخذ المال على الإجارة، إذ لم تقع الإجارة على أن يحج عليه في ذلك العام بعينه، وإن قال: استأجرك على أن يحج عنه في هذه العام، فلا يتعين بذلك العام، كمن استأجر سقاء على أن يسوق له اليوم قلة ماء، فإن لم يسقها ذلك اليوم وجب عليه أن يسوقها في اليوم الذي بعده، وإن استأجره على الحج

وسكت فهو على أول سنة، فإن لم يحج في أول سنة لزمه أن يحج فيما بعدها، وذهب ابن العطار إلى أن السنة تتعين بذكرها، ولا تصح الإجارة عنده إلا بتعيينها، فقال: عقد الإجارة في ذلك على سنة مسماة لم تأت بعد، على أنه موسع عليه في تعجيلها، فأما قوله: إنها تتعين بذكرها، فقد قيل ذلك أنها تتعين إذا عينت، وهو الذي يدل عليه ما في الحج الثالث من المدونة، وأما ما ذهب إليه من أن الإجارة لا تصح إلا بتعيينها، فليس بصحيح، قد أجاز في سماع أبي زيد من هذا الكتاب الاستئجار على حجة مقاطعة في غير سنة بعينها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله، وأنه يرد المال إن كان أخذه، على البلاغ؛ لأنه إذا أخذه على البلاغ، فإنما هو رسول لهم لم يضمن الحج، فإذا تعدى فأنفق مالهم في غير ما إذن له فيه، صار ضامنا له، وترتب في ذمته، ومن ترتب في ذمته مال لم يجز أن يصرف في إجارة عند مالك وجميع أصحابه.

مسألة: خرج في مشي عليه فمرض في بعض الطريق

ومن كتاب القبلة مسألة قال ابن القاسم، وسمعت مالكا: قال فيمن خرج في مشي عليه، فمرض في بعض الطريق، فركب يوما أو ليلة، ثم مشى بعد ذلك حتى بلغ، فأرجو أن يجزئ عنه، ويهدي ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من الدواوين أنه إن كان الذي ركب اليسير الأميال واليوم وشبهه، فليس عليه أن يعيد ثانية، ويجزئ الهدي، وسواء قرب مكانه أو بعد، وقد روى ابن وهب، عن مالك: أنه لا هدي عليه إن بعد مكانه كمصر وشبهها، وأما إن كان كثر ما ركب، ولم يكن جل الطريق، فإنه يرجع ثانية للمشي ما ركب باتفاق في المذهب إن كان

موضعه قريبا كالمدينة ونحوها، واختلف إن كان موضعه بعيدا كمصر ونحوها، فقيل: إنه يرجع، قاله في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر ما في المدونة في تفسير ابن مزين أنه لا يرجع، وأما إن بعد موضعه جدا كإفريقية والأندلس، فليس عليه أن يرجع ويجزئه الهدي؛ لأن الرجوع ثانية من الأندلس وشبهها من البعد أشق من الرجوع من المدينة ونحوها ثالثة، وأما إن كان الذي ركب جل الطريق فيما قرب، فعليه أن يمشي الطريق كله ثانية، رواه ابن الماجشون عن مالك في المبسوطة، ومثله في كتاب ابن المواز.

مسألة: حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكة

ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها مسألة وسئل مالك عن تفسير هذه الآية: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] ، أي سواء في الحق والسعة، والباقي في أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم، وقد كانت الفساطيط تضرب في الدور، ولقد سمعت أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب بيوت مكة إذا قدم الحاج.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية على أن حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكة سواء، واستدلاله على ذلك بما ذكر من فعل عمر بن الخطاب، يدل على أنها لا تباع ولا تكرى خلاف ظاهر قول ابن القاسم في كتاب كراء الدور والأرضين، وكتاب الحوائج من المدونة، لما ذكر من نفاق كراء الدور بها في أيام الموسم، وليس في الآية بيان يدفع القدر؛ لاحتمال رجوع الضمير من قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]

على المسجد المذكور دون سائر البلدة؛ على ما قاله جماعة من المفسرين، والأصل في اختلاف أهل العلم في هذه المسألة اختلافهم في افتتاح مكة، فمن ذهب إلى أنها افتتحت عنوة، قال: إن دورها لا تباع ولا تكرى، وهو قول أبي حنيفة وجماعة سواه، ويشهد لهذا القول ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مكة كلها مباح، لا تباع رباعها ولا تواجر» ، ومن ذهب إلى أنها مؤمنة، والأمان كالصلح، وأن أهلها مالكون لرباعها، أجاز لهم بيعها وكراءها، وهو قول الشافعي، ولا خلاف عند مالك وأصحابه في أنها افتتحت عنوة إلا أنهم اختلفوا هل من على أهلها بها، فلم تقسم كما لم يسب أهلها لما عظم الله من حرمتها؟ أو هل أقرت للمسلمين؟ فعلى هذا جاء الاختلاف في جواز كرائها في المذهب، فروي عن مالك في ذلك ثلاث روايات؛ أحدها: المنع، والثانية: الإباحة، والثالثة: كراهية كرائها في أيام الموسم خاصة.

مسألة: ذكر الحج في القرآن

مسألة قال مالك: الحج كله في كتاب الله تعالى، والصلاة، والزكاة، ليس لها في كتاب الله تفسير، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ذلك.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك هذا أن الحج كله في كتاب الله تعالى مفسر، وأن الصلاة والزكاة ليستا مفسرتين فيه، وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو فسرهما، وليس ذلك بصحيح، بل ما أتى من ذكر الحج في القرآن مفتقر إلى بيان، والتفسير الذي فسره به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبين مراد الله فيه قولا وعملا، كافتقار الصلاة والزكاة إلى ذلك سواء، ولو تركنا وظاهر ما في القرآن من أمر الحج، لما صح لنا منه امتثال أمر الله عز وجل به، إذ لم يبين فيه شيئا من صفة عمله وترتيبه في أوقاته التي لا تصح إلا فيها، وشرائطه التي لا تتم إلا بها، وسنته التي لا يكتمل إلا بها، فليس الكلام على ظاهره، وإنما معناه الذي أراده به أن الحج كله في كتاب الله تعالى، والصلاة والزكاة، تم الكلام هاهنا.
ثم ابتدأ

فقال: ليس لها - أي لجميع ذلك في كتاب الله تعالى - تفسير، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ذلك، ويبين تأويلنا هذا ما في كتاب ابن المواز من قوله: وكذلك الحج والزكاة تدل وجوبهما في القرآن مجملا، وبين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أراد الله منه وفسره، وقوله في الرواية أيضا ليس لها، ولم يقل لهما، وقد نقل ابن أبي زيد هذه الرواية بالمعنى على ظاهرها نقلا غير صحيح، فقال فيها: الحج كله في كتاب الله سبحانه، وأما الصلاة والزكاة فذلك مجمل فيه، ولهذا وشبهه رأي الفقهاء قراءة الأصول أولى من قراءة المختصرات والفروع.

مسألة: رمي الجمار

مسألة وسئل مالك عن قول الله سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] ، قال: هو رمي الجمار، قال: ومن كلام أن يسموا العقل النذر، يريدون بذلك العود، وقال سحنون: يريد بالعقل عقل الجراح.
قال محمد بن رشد: إنما تأول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن مراد الله بقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] هو رمي الجمار من أجل أن الوفاء بالشيء لا يكون إلا بإكماله إلى آخره، ورمي الجمار هو آخر عمل الحج مع الطواف الذي ذكره الله معه فقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] ، واستدل على ذلك بأن العرب تسمي العقل نذرا، وهو العدد الذي يجب في الجراح، يريد بذلك رمي الجمار، سماه الله نذرا؛ لأنه عده واجب رميه في الحج.

مسألة: يفيض من منى إلى البيت فيطوف طواف

مسألة وسألته عن الذي يفيض من منى إلى البيت، فيطوف طواف

الإفاضة، ثم يريد أن يتنفل طوافا أو طوافين بعد ذلك، قال: ما هو من عمل الناس، وإني لأرجو أن يكون خفيفا، وكأني رأيته يرى أن ترك ذلك أعجب إليه.
قال محمد بن رشد: رأى مالك ترك التنفل بالطواف إثر طواف الإفاضة أحسن من التنفل به، إذ لم يدرك الناس إلا على ذلك، ولأن الاختيار أن يعجل الإفاضة يوم النحر قبل الزوال، ثم يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والوقت لا يتسع للتنفل بالطواف، وقد كان روي عن النخعي أنه قال: كانوا يستحبون الإفاضة يوم النحر، وأن يطوفوا يوم النحر ثلاثة أسابيع، وقول مالك أولى لما قدمناه، وقد روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفض إلا في آخر يوم النحر» .

مسألة: التلبية على الصفا والمروة

مسألة وسئل عن التلبية على الصفا والمروة، قال: لا بأس في ذلك في الحج، ولا يلبي أحد عليهما في العمرة، أحرم من ميقاته، أو من التنعيم، أو من الجعرانة؛ لأن التلبية تنقطع إذا أحرم من ميقاته إذا دخل الحرم، وينقطع إذا لم يحرم من ميقاته إذا دخل المسجد.
قال محمد بن رشد: قوله: لا بأس أن يلبي في الحج على الصفا والمروة، يدل على أن الأحسن عنده ألا يفعل، فهو مثل ما في المدونة من أنه استحب للحاج أن يقطع التلبية إذا بدأ بالطواف حتى يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، ثم يعود إليها حتى يروح يوم عرفة بعد الزوال إلى المسجد، أو إلى الموقف على اختلاف قوله في ذلك؛ لما رواه عن عبد الله بن عمر

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم، حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فاختار فعله في ترك التلبية في الطواف والسعي، ولم يختر قوله في قطعها أولا إذا انتهى إلى الحرم، ولا في قطعها آخرا إذا غدا من منى إلى عرفة، فقال: إنه يلبي حتى يبدأ بالطواف، ثم يلبي بعد تمام السعي حتى تزول الشمس يوم عرفة، أو حتى يروح إلى المسجد، أو حتى يروح إلى الموقف، وقد روى ابن وهب عنه أنه لا يقطعها حتى يقف بالموقف، وإلى عرفة ينتهى إلى غاية الملبى؛ لأن هنا دعا إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس إلى الحج، ومن حكم المدعو أن يجيب الداعي حتى يصل إليه، ولا وجه لإجابته إياه إذا انصرف عنه، وقوله في العمرة: إنه يقطع التلبية فيها إذا لم يحرم من ميقاته إذا دخل المسجد، قال في المدونة: وإذا دخل بيوت مكة ذلك واسع كان إحرامه من الجعرانة أو التنعيم، وذهب أبو بكر الأبهري إلى أنه إذا أحرم من الجعرانة قطع إذا دخل بيوت مكة، وإذا أحرم من التنعيم قطع إذا دخل المسجد؛ لأن التنعيم أقرب من الجعرانة، فيتمادى إذا أحرم منه في التلبية حتى يدخل المسجد لقصر تلبيته.

مسألة: أفاض بعد رمي الجمرة فأقام بمكة وكان مريضا ولم يأت منى

مسألة وسئل عن رجل أفاض بعد رمي الجمرة، فأقام بمكة، وكان مريضا، ولم يأت منى ولم يرم أيام الجمار كلها حتى ذهبت أيام منى، قال: أن يهدي بدنة، قيل له: فإن لم يقدر عليها؟ قال: ما استيسر عليه، يريد شاة، فإن لم يجد صام، قيل له: إن قوما قالوا: لو رمى في غير أيام منى، قال: هذا الخطأ البين.

قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة، أنه من ترك الجمار لعذر أو نسيان أو عمد حتى ذهبت أيام منى يهدي، ولم يختلف قوله في ذلك كما اختلف إذا ترك رمي الجمار في يوم من أيام منى، فرماها في الليل، أو فيما بقي منها، واستحب أن يهدي إذا ترك جمرة العقبة أو الجمار الثلاثة من أيام منى بدنة، وإن ترك جمرتين منها بقرة، وإن ترك واحدة شاة وإن كانت الشاة تجزيه في ذلك كله، وإنما قال: إن الرمي في غير أيام الرمي خطأ؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] ، يريد رمي الجمار بإجماع أهل العلم، فلما قال تعالى: إن الرمي يكون فيها، وجب ألا يفعل في غيرها إلا بنص أو كتاب أو سنة أو إجماع، وذلك معدوم، ولا يجزي رمي الجمار بالمدر، ولا بالطين اليابس، ولا يجزي إلا بالحصاة، قاله مالك وابن أبي ذيب.

مسألة: المتمتع بالعمرة إلى الحج يموت بعد ما يحرم بالحج بعرفة

مسألة وسئل عن المتمتع بالعمرة إلى الحج، يموت بعد ما يحرم بالحج بعرفة، أو ما أشبه ذلك، أترى عليه هديا؟ قال: من مات من أولئك قبل أن يرمي الجمرة، فلا أرى عليه شيئا، ومن رمى الجمرة، فأرى أن قد وجب عليه الهدي، قال عيسى سألت ابن القاسم عن هديه هل يكون في رأس المال أو في ثلثه؟ قال: بل في رأس المال، وذلك أنه لم يفرط، وقال سحنون: لا يعجبني ما قال، ولا يخرج من ثلثه، ولا من رأس ماله إلا إن شاء الورثة ذلك، ألا ترى أن المال يجب عليه الزكاة، قد عرف ذلك، ثم يموت ولم يفرط في إخراجه أنه إن أوصى بها كانت من رأس المال، وإن لم يوص بها لم تكن في ثلث ولا رأس مال إلا إن شاء الورثة ذلك.

قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه لا يجب عليه الهدي إلا أن يموت بعد الجمرة؛ لأنه إنما يجب بالوقت الذي يتيقن فيه نحره، وهو رمي الجمرة، فإذا مات قبل الوقت الذي يتيقن فيه نحره، فقد مات قبل أن يجب عليه، وإنما قال ابن القاسم: إنه يكون في رأس ماله، وإن لم يوص به، إذا لم يفرط بخلاف الزكاة إليها لم يفرط فيها، ولم يوص بها؛ لأن الهدي لو أهداه لم يخف، إذ من شأنه أن يقلد ويشعر ويساق من الحل إلى الحرام فينحر به، فليس ذلك مما يفعل سرا كالزكاة التي يمكن أن يكون لم يوص بها، من أجل أنه قد أداها سرا من حيث لا يعلمون، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا﴾ [البقرة: 271] الآية، فلعله قصد إلى ما هو خير له من الاستمرار بأداء زكاته، فتفرقة ابن القاسم بين المسألتين أظهر من مساواة سحنون بينهما، ألا ترى أنهم لا يختلفون في وجوب إخراج الزكاة من الزرع الذي يموت عنه صاحبه، وقد بدا صلاحه، وإن لم يوص بإخراج الزكاة عنه للعلم بأن صاحبه لم يؤد زكاته، وأشهب يرى إخراج زكاة المال الناض على الورثة واجبا، وإن لم يوص الميت بإخراجها، إذا مات عند وجوبها، ولم يفرط، وبالله التوفيق.

مسألة: يعتمر من أفق من الآفاق في أيام التشريق

مسألة وسئل عن الرجل يعتمر من أفق من الآفاق في أيام التشريق، قال: لا بأس بذلك؛ لأن هؤلاء إنما يحلون بعد ذلك، فلا أرى هذا مثل من يعتمر في أخر أيام التشريق من الحاج قبل أن تغيب الشمس، هذا لا يعجبني.

قال محمد بن رشد: جائز لمن لم يحج أن يعتمر في أيام التشريق، والأصل في جواز ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود؛ إذ قدما على عمر بن الخطاب يوم النحر، وقد فاتهما الحج بإضلال أبي أيوب رواحله، وخطأ هبار بن الأسود العدة، فأمرهما عمر بن الخطاب أن يتحللا من إحرامهما بعمرة، ويقضيا حجهما عاما قابلا، ويهديا على ما وقع من ذلك في الموطأ، فلمن لم يحج من أهل الآفاق أن يهل بعمرة من ميقاته في أيام التشريق، سواء حل منها في أيام التشريق أو بعد أيام التشريق، قاله ابن القاسم في المدونة، فقوله هاهنا وفي المدونة أيضا؛ لأن هؤلاء إنما يحلون بعد ذلك، يريد أيام التشريق ليس بتعليل صحيح، وأما من حج فلا يجوز له أن يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق، والأصل في ذلك حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حين «أمرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقضاء عمرتها بعد انقضاء حجها» ، فإن أهل بعمرة في آخر أيام التشريق قبل أن تغيب الشمس بعد أن رمى وأفاض وحل من إحرامه؛ لزمه الإحرام، قاله في الحج الأول من المدونة، قال في كتاب ابن المواز: ولا يعمل من عمل العمرة شيئا حتى تغيب الشمس، فإن عمل فعمله باطل، وهو على إحرامه، فإن وطئ بعده أفسد عمرته، ووجب عليه قضاؤها بعد تمامها والهدي.
قال محمد بن رشد: والقياس إذا كان قد حل من إحرام الحج، وانعقد إحرام العمرة، أن يصح عملها، قال ابن المواز: وأما إن أحرم بعمرة في اليوم الثاني من أيام التشريق، وإن كان قد تعجل وحل من إحرامه، فلا يلزمه الإحرام.

مسألة: يفيض في آخر أيام التشريق قبل أن تزول الشمس

مسألة وسئل هل رخص لأحد من الحاج أن يفيض في آخر أيام التشريق قبل أن تزول الشمس؟ قال: ليس فيه رخصة.

قال محمد بن رشد: يريد بقوله أن يفيض أن يرجع إلى بلده، فلم ير في ذلك رخصة لأحد من الحاج؛ لأنه إن كان ممن لم يتعجل في يومين فعليه رمي ذلك اليوم، وإن كان قد تعجل في يومين فقد وجب عليه أيضا رميه إذا بقي بمنى ولم ينفر يوم تعجل، ولم يرد بقوله: أن يفيض طواف الإفاضة؛ لأن له أن يمضي إلى مكة لطواف الإفاضة يوم النحر، وأي يوم شاء من أيام منى قبل الزوال وبعده، والتعجيل أفضل، ويرجع إلى منى على كل حال لرمي الجمار، وللمبيت بها، ووقع في بعض الروايات هل رخص لأحد من الحاج أن يعتمر؟ ومعنى ذلك أيضا بين؛ لأن أيام الحج لم تنقض بعد، فلا رخصة لأحد من الحاج أن يعتمر قبل انقضائها، وإن كان ممن تعجل في يومين.

مسألة: أعطى جارية له محرمة إزارا له أن تفليه من القمل وهو محرم

مسألة وسئل عن رجل أعطى جارية له محرمة إزارا له أن تفليه من القمل، وهو محرم، وجاريته محرمة، ففلته وألقت الدواب عنه، قال: أرى أن يفتدي، فقيل له: أيذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام؟ قال: نعم في رأيي، أي ذلك شاء فعل.
قال محمد بن رشد: إنما أوجب مالك عليه الفدية من أجل أنه أماط بذلك عن نفسه الأذى، لا من ناحية ما قتلت من الدواب بأمره، وقد قال يحيى، عن ابن القاسم: إنما قال مالك ذلك احتياطا، ولو أطعم شيئا من طعام أجزأه، والذي قلته هو وجه قول مالك، وإنما كان يجب عليه أن يطعم شيئا من طعام لو لم يكن الإزار له، وقد تأول بعض الناس على مالك من هذه الرواية، ومن قوله في المدونة في المحرم يحلق رأس الحلال: إنه واجب الفدية على من قتل قملا كثيرا، وليس ذلك بتأويل صحيح، أما هذه الرواية، فقد بينا وجهها، وأما مسألة المدونة فوجه إيجاب مالك فيها الفدية هو

أنه لما كان الأصل في وجوب الفدية حلق الرأس في القرآن، والسنة حمله على عمومه في رأسه وفي رأس غيره، وقد رأى أصبغ قول مالك في هذه المسألة أفضل من قول ابن القاسم فيها: إنه يطعم شيئا من طعام، وقال سحنون: قول ابن القاسم أفضل.

مسألة: دخل بعمرة فطاف وسعى ثم وطئ قبل أن يحلق

مسألة وسئل عن رجل دخل بعمرة، فطاف وسعى، ثم وطئ قبل أن يحلق، قال: أرى أن يهدي هديا.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب؛ لقول ابن عباس من نسي من نسكه شيئا، فليهرق دما.

مسألة: يطوف بالبيت فيشك في طوافه

ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل عن الرجل يطوف بالبيت، فيشك في طوافه، ورجلان معه فيقولان له: لقد أتممت طوافك، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: خفف مالك هذا في الطواف بخلاف قوله في الصلاة في إعادتها وغيرها، والقياس أنهما في ذلك سواء؛ لأنهما عبادتان مستويتان في أنهما موكولتان إلى أمانة العبد، فوجب أن يستويا في أنه يعمل فيهما على يقينه دون يقين من سواه، أو في أنه يجوز له أن يعمل فيهما على يقين من سواه، وقد روي ذلك عن أشهب، والقول الآخر أظهر، وقد مضى توجيههما في آخر أول رسم، من سماع ابن القاسم، من كتاب الصلاة، ووجه الفرق بينهما أن الحج له تعلق بالمال، وقد شبهه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدين، فقال للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى» ، فجاز أن تعمل فيه الشهادة كما تعمل في الدين،

بخلاف الصلاة التي لا تعلق لها بالمال، وقد نص النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أن المصلي يعمل فيها على يقينه.

مسألة: المحرم يكثر عليه قمل إزاره فيبيعه

مسألة وسئل عن المحرم يكثر عليه قمل إزاره، فيبيعه لموضع ما فيه من القمل، قال: لا بأس بذلك، قال سحنون: إذا باعه أليس قد عرضه للقتل؟ قال محمد بن رشد: أجاز له مالك بيع إزاره، لموضع ما فيه من القمل، كما يجوز له أن يتركه ويلبس غيره؛ إذ ليس عليه أن يتمادى على لباس الثوب الذي أحرم فيه إلى آخر إحرامه، ورأى سحنون أنه إذا باعه، فقد عرض القمل للقتل كما لو طرد صيدا من الحرم إلى الحل، وليس هو مثله؛ لأنه إذا طرد الصيد من الحرم إلى الحل، فقد أخرجه من مأمن إلى غير مأمن؛ لأنه كان في مكان لا يصاد فيه، فأخرجه إلى مكان يصاد فيه، والقمل الذي في الثوب حكمه قبل البيع كحكمه بعد البيع في جواز قتله لمن ليس بمحرم، وليس على من صار القمل في ثوبه أن يمنع الناس من قتله، إنما عليه ألا يقتله ولا يأمر من يقتله، ألا ترى أن من أحرم وبيده صيد يرسله في الحل، وليس عليه أن يمنع الناس من صيده، ولم ير مالك بيعه ثوبه لمكان ما فيه من القمل مميطا عن نفسه الأذى، بخلاف المسألة التي في الرسم الذي قبل هذا، والفرق بينهما أنه فعل هاهنا ما يجوز له من بدل ثوبه، وهناك ما لا يجوز من إلقاء القمل عنه.

مسألة: المتمتع ينصرف إلى مكة فيريد أن يصوم السبعة الأيام بمكة

مسألة وسئل عن المتمتع بالعمرة إلى الحج ينصرف إلى مكة، فيريد أن يصوم السبعة الأيام بمكة، قال: قال عز وجل: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]

فأرجو أن يكون في سعة، وكأنه رآه من الرجوع.
قال محمد بن رشد: لما قال تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وما رجوعك من منى رجوعا، فأجاز له أن يصومها في حال رجوعه إلى بلده في طريقه، وإن كان الاختيار عنده ألا يصومها إلا في بلده، يدل على ذلك قوله، فأرجو أن يكون في سعة، قال في كتاب ابن المواز: إذا رجع إلى أهله أحب إلي ألا يقيم بمكة، وهو معنى قوله في المدونة أيضا، ومن أهل العلم من لم يجز له أن يصومها إلا في بلده، ومنهم من لم ير قول الله عز وجل: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ، شرطا وجعله توسعة وتخفيفا، مثل قوله عز وجل في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، فأجاز له أن يصوم العشرة الأيام كلها في الحج، كما يجوز للمريض والمسافر أن يصوم في رمضان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب.

مسألة: المحرم أينشد الشعر

مسألة وسئل مالك عن الرجل المحرم أينشد الشعر؟ قال: لا، إلا أن يكون الشيء الخفيف، وقلله بيده.
قال محمد بن رشد: الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، إلا أن مالكا كره للمحرم الإكثار منه؛ لما فيه من التلهي به، وكفى من عيب الإكثار منه أن الله لم يرضه لنبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: 69] الآية، ولا بأس أن ينشد اليسير منه متمثلا به، قال ابن حبيب: ما لم يكن فيه خنا

وذكر النساء، وقد فعله أبو بكر وابن عباس وغيرهم، وقد أجاز جماعة من السلف أن ينشد المحرم ما فيه التشبب بالنساء، وقال: إنما الرفث المنهي عنه ما روجعن به.

مسألة: أفاض إلى مكة فطاف بالبيت فلما فرغ سمع الأذان

ومن كتاب سلعة سماها مسألة وسئل عن رجل أفاض إلى مكة، فطاف بالبيت، فلما فرغ سمع الأذان، هل ترى له أن يقيم حتى يصلي؟ قال: أرجو أن يكون ذلك واسعا إن أقام أو خرج.
قال محمد بن رشد: معنى هذا فيمن أفاض يوم النحر، أو في يوم من أيام منى؛ لأن الاختيار أن يرجع إلى منى يصلي بها الظهر إن كان أفاض في ضحى النهار أو المغرب، إن كان أفاض في آخره، وكذلك فعل رسول الله حين أفاض يوم النحر في صدر النهار، وقد روي أنه أفاض في آخره، وسيأتي هذا في رسم الحج الثاني من سماع أشهب.

مسألة: يجب عليه المشي إلى الإسكندرية فيسير منها إلى الفسطاط

مسألة وسئل عن الرجل يجب عليه المشي إلى الإسكندرية، فيسير منها إلى الفسطاط، وهو يريد المشي، فيقيم بالفسطاط شهرا، ثم يريد المشي بعد ذلك، قال: نعم، لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ذلك ليس بتفريق للمشي إذا كان ذلك كله في عام واحد، ولو مشى من الإسكندرية إلى الفسطاط، وهو يريد المشي، فأقام في الفسطاط إلى عام آخر من غير عذر، ثم مشى بعد ذلك

لما أجزاه مشيه على قول ابن حبيب فيمن كان عليه مشي، فركب فيه متعمدا من غير عذر على أن يقضيه في عام آخر، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، فيمن مشى فعجز عن المشي، فركب، ثم خرج في عام آخر فمشى ما ركب أنه يهدي؛ لأنه فرق مشيه، إذ لو كان له أن يفرقه من غير عذر لما كان عليه الهدي، إذا فرقه من عذر، إلا أن قوله ليس على أصله فيمن نذر صيام شهر له أن يفرقه إلا أن ينويه متتابعا، فيلزم عليه أن يجزيه المشي، وقول ابن حبيب صحيح على أصله في الصيام، وعليه قاسه، والحمد لله رب العالمين.

مسألة: الموسم أهو الأسواق أو الحج

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة مسألة وسئل عن الموسم أهو الأسواق أو الحج؟ قال: بل هو الحج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الموسم إذا أطلق، فإنما يقع على الحج وإياه يراد به، وإن كانت الأسواق والمجتمعات كلها مواسم، وإنما سميت مواسم؛ لأن الناس يجتمعون فيها يتقابلون ويتعارفون، قال عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29] ، وقال الخليل: الموسم موسم الحج، وإنما سمي موسما؛ لأنه معلم يجتمع إليه، وكذلك كانت مواسم أسواق العرب في الجاهلية.
قال محمد بن رشد: فلو أن حالفا حلف ألا يكلم فلانا في الموسم، حنث إن كلمه في الحج، إلا أن يكون نوى سوقا من الأسواق، وأتى مستفتيا؛ لأن

الموسم قد يعرف بالحج، وقد قرئ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] في مواسم الحج.

مسألة: حلفت بالمشي إلى بيت الله فماتت فأراد أولياؤها أن يمشوا عنها

ومن كتاب ليرفعن أمرا إلى السلطان مسألة وسئل عن امرأة حلفت بالمشي إلى بيت الله فماتت، فأراد أولياؤها أن يمشوا عنها، قال: لو أهدوا هديين كان أحب إلي، فإن لم يجدوا فهديا واحدا، قال سحنون: لا يلزم أولياءها أن يمشوا عنها إلا أن توصي بذلك.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك أنه لا يحج أحد عن أحد، ولا يمشي أحد عن أحد؛ لأن ذلك من أعمال الأبدان قياسا على ما أجمعوا عليه في الصلاة، إلا أنه يقول: إن أوصى بذلك نفذت وصيته بالحج لما جاء في ذلك، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولم ينفذ في المشي، وأهدي عن الموصي هديين، قاله هاهنا، وفي رسم حلف بعد هذا، وفي المدونة هدي للمشي، وهدي لما يكون فيه المشي؛ إذ لا يكون إلا في حج أو عمرة، وفي سماع سحنون من هذا الكتاب لابن القاسم إذا أوصى أن ينفذ عنه ما يجب عليه في المشي الذي نذر، يهدي عنه بقدر الكراء، والنفقة هدايا إلى مكة، ولا يمشي عنه، ونحوه في سماع أشهب من كتاب النذور، وذهب سحنون إلى أنه تنفذ وصيته في الحج، وفي المشي قياسا على الحج، وهو قوله هاهنا، وابن كنانة لا يرى أن تنفذ وصيته في الحج، ولا في المشي، ويهدى عنه بقدر النفقة في ذلك هدايا، أو يتصدق بذلك عنه، وقول ابن كنانة القياس على المذهب في أنه ليس من البر أن يحج أحد عن أحد، وإنما ينفذ من الوصايا ما فيه بر وقربة، إلا أن من أصل مذهب مالك مراعاة الخلاف، وهو استحسان، واستحب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رسم باع غلاما بعبد، هذا لمن وعد أباه أن

يمشي عنه أن يفي عنه بما وعده به من ذلك من ناحية وجوب الوفاء بالعهد في الجائزات.

مسألة: يقبل الحجر ويسجد عليه

مسألة وسأله ابن وهب فقال: إن بعض الصحابة كان يقبل الحجر ويسجد عليه، وإن أهل مكة ينكرون ذلك، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وقال: الذي سمعناه القبلة.
قال محمد بن رشد: قد روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ولم يصح ذلك عند مالك، فأنكره ورآه بدعة، إذ لو كان من السنة، ومما فيه قربة لا تصل به العمل، وعرف ذلك واشتهر، وذهب ابن حبيب إلى ما روي من ذلك عنهما، وقال: ما أرى كراهية مالك لذلك إلا في الفتوى خيفة أن يرى واجبا، فلا بأس به للرجل في خاصة نفسه، والأول من قوليه أظهر.

مسألة: أحرم يوم التورية وهو متمتع أيصوم يوم عرفة

مسألة وسئل عمن أحرم يوم التورية، وهو متمتع أيصوم يوم عرفة؟ قال: لا بأس به، ويعني بذلك، ويصوم يومين من أيام التشريق.
قال محمد بن رشد: هذا على أصله في أن صيام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة بعد الرجوع لا يلزم متابعة شيء من ذلك، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب أن الثلاثة الأيام متتابعات، لا يجوز له صيام يوم عرفة من أجل فطر يوم النحر بعده، فيصوم الثلاثة الأيام على مذهبه بعد يوم النحر، فيفطر يوم النحر، ثم يصوم بعد ذلك، وإنما كان له أن يصوم بأيام منى مع ما جاء من الأمر بفطرها من أجل أن الله أوجب عليه صيام الثلاثة الأيام في الحج بقوله:

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية ابن عمر أنه قال في المتمتع إذا لم يجد هديا، ولم يصم أيام العشر، أنه يصوم أيام التشريق، فكان ذلك مخصصا لما جاء عنه من الأمر بفطرها، وقد اختلف فيمن يجب عليه صيامها في الحج على أربعة أقوال؛ أحدها: أن الذي يجب ذلك عليه المتمتع والقارن خاصة، وهو قول أصبغ قال: ولا يجب الصيام في الحج على غيرهما ممن أفسد الحج أو فاته الحج وشبههم، إلا استحسانا لا إيجابا.
والثاني: أن الذي يجب ذلك عليه المتمتع والقارن والمفسد لحجه، والذي فاته الحج هؤلاء الأربعة لا غير، وهو قول ابن القاسم في العشرة.
والثالث: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة، وعلى كل من وجب عليه الهدي لشيء تركه من أمر الحج من يوم إحرامه به إلى يوم وقوفه بعرفة.
والرابع: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة، وعلى من ترك من الحج ما يوجب عليه الهدي كان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بها من ترك النزول بالمزدلفة، أو ترك رمي جمرة العقبة، أو جمرة من جمرات أيام منى، وهذان القولان الثالث والرابع قائمان من المدونة، وفائدة هذا الاختلاف هل لمن فاته الصيام من حين أحرم إلى يوم عرفة أن يصوم أيام التشريق أم لا؟ فمن أوجب عليه أن يصوم الثلاثة الأيام في الحج أوجب عليه أن يصومها في أيام التشريق، إذا لم يصمها قبل ذلك؛ لأنها من أيام الحج بعد، ومن لم يوجب عليه أن يصومها في الحج لم يجز له أن يصومها في أيام التشريق للنهي عن صيامها، كل على مذهبه، فإن وجب عليه الهدي على القول الرابع من ترك الرمي في اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق، فدم يجده صام بقية أيام التشريق، وأبو حنيفة لا يجيز صيام منى لمتمتع ولا غيره، قياسا على ما أجمعوا عليه في يوم النحر.

مسألة: محل الشعائر كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيق

مسألة قال مالك: قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] عرفات، والمزدلفة، والصفا والمروة، فمحمل الشعائر في البيت العتيق.
قال محمد بن رشد: تأول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الشعائر في هذه الآية مناسك الحج على ما ذكر، فالمنافع التي ذكر الله تعالى بقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج: 33] على تأويله، هو العمل لله بما أمر فيها من عمل الحج، والأجل المسمى هو انقضاء أيام الحج، وقيل المنافع فيها الأسواق بها والتجارات فيها، والأول أظهر؛ لقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] ، أي محل الشعائر كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيق بالطواف به، كما قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت، فإن آخر المنتسك الطواف بالبيت، فقد تأول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موطاه على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال ذلك من هذه الآية، وأما قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] الآية، فإنه الطواف الواجب لا طواف الوداع، وقد تأول أن الشعائر المذكورة في الآية هي البدن، وأن المنافع التي لنا فيها ركوبها ونتاجها وألبانها، إلى أجل مسمى، وهو إيجابها بدنا، وقيل: إن المنافع ركوبها بعد إيجابها هدايا عند الحاجة إلى ذلك،

والأجل المسمى هو وقت نحرها، ومحلها الحرم الذي فيه البيت العتيق، وقد تأول أن المراد بالشعائر في الآية مناسك الحج والبدن جميعا.

مسألة: الثوب يصيبه الدهن هل يحرم فيه

مسألة وسئل مالك عن الثوب يصيبه الدهن هل يحرم فيه؟ قال: نعم، لا بأس به، قال ابن القاسم: إلا أن يكون مسكا أو عنبرا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الأدهان التي لا طيب فيها يجوز للمحرم أن يأكلها ويدهن بها يديه ورجليه من شقوق بهما، لا ليحسنهما، وهي لا تحسن الثوب بحال إذا أصابته، بل توسخه، فلا بأس بالإحرام فيه كما قال.

مسألة: للمحرم الماشي إذا هبط من بطن وادي محسر أن يسعى على قدميه

مسألة قال مالك: أحب للمحرم الماشي إذا هبط من بطن وادي محسر أن يسعى على قدميه مثل ما يصنع الراكب، ويدعو بعرفات قائما، فإن أعيا جلس.
قال محمد بن رشد: بطن محسر ما بين مزدلفة ومنى، ويستحب للحاج أن يوضع فيه، ولا يجوزه حتى تطلع الشمس، وكان ابن عمر يحرك ناقته فيه قدر رمية بحجر، فاستحب للماشي أن يصنع من ذلك ما يفعل الراكب، والاختيار أن يقف بعرفات راكبا، وكذلك فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن لم يكن راكبا دعا قائما، فإن أعيا جلس كما قال.

مسألة: المحرم يطأ جاريته وهي محرمة

مسألة وسئل مالك عن المحرم يطأ جاريته وهي محرمة، قال: أرى

أن يُحجَّها من قابل، ويُهدي عنها هديا، قال لي ابن القاسم: أكرهها أو لم يكرهها؛ لأن الأمة ليست في الاستكراه مثل الحرة.
قال محمد بن رشد: جعلها ابن القاسم في حكم المكرهة، وإن كانت طائعة لقدرته على إكراهها لو امتنعت لملكه إياها، وهو قوله وروايته عن مالك في كتاب ابن الماجشون، وذلك عليه وإن باعها، قال ابن المواز: وذلك عيب فيها يردها به المشتري إن شاء، وذلك نحو قوله في رسم نقدها، من سماع عيسى، من كتاب النكاح، في الذي تزوج امرأة، فأدخلت عليه جارية امرأته فوطئها، وهو لا يعلم أنه لا حد عليه وعلى الجارية، خلاف قول ابن الماجشون في الذي زوج ابنته رجلا، فحبسها وأرسل إليه بأمته فوطئها، أنها تحد إلا أن تدعي أنها ظنت أنها زوجت منه، فيأتي على قول ابن الماجشون أنه ليس عليه أن يُحجَّها إن كانت طائعة، ويكون ذلك عليها إذا عتقت.

مسألة: المحرم يشتري الجارية فيقلبها لنفسه أو لبعض ولده

مسألة وسئل مالك عن المحرم يشتري الجارية فيقلبها لنفسه أو لبعض ولده، قال مالك: لا أحب للمحرم أن يقلب جارية للابتياع وهو محرم.
قال محمد بن رشد: هذا يدل على أنه أن له أن ينظر في التقليب إلى معصميها وساقيها وصدرها، وهو دليل قوله في كتاب الخيار من المدونة؛ لأن الرقيق قد يجرد في الشراء، فكره ذلك له مخافة أن تعجبه فيلتذ بها، فيتراقى به الأمر إلى ما ينقص أجره أو يفسد حجه، أو يوجب عليه الهدي، وفي رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب جامع العيوب، أنه لا ينظر

عند التقليب إلى وجهها وكفيها، ويخبر عنها كما يخبر عن المرأة التي يتزوجها، فهذا القدر مما لا يتعلق به كراهية في حال الإحرام.

مسألة: المحرم يؤذيه الغبار أو الجيفة يمر بها أيضع يده على أنفه

مسألة وسئل مالك عن المحرم يؤذيه الغبار أو الجيفة يمر بها، أيضع يده على أنفه؟ قال: نعم، قال ابن القاسم: واستحب له إذا مر على طيب أن يضع يده على أنفه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قالا؛ إذ لا قربة للمحرم في استنشاق الغبار والروائح القبيحة في إحرامه، فجائز له أن يضع يده على أنفه، وقد قال في رسم الحج الثاني، من سماع أشهب: إني لأرجو ألا يكون بذلك بأس، فكأنه رأى ترك ذلك أحسن، فعبارته هاهنا أحسن، وهو متعبد فيه، أعني في إحرامه، فيجتنب الطيب، فيكره له أن يشمه وإن لم يمسه، وقد قيل: إن الفدية تجب عليه في شمه وإن لم يمسه.

مسألة: يطوف بالبيت ويركع ثم يمرض فلا يستطيع أن يسعى

مسألة وسئل مالك عن الذي يطوف بالبيت ويركع، ثم يمرض فلا يستطيع أن يسعى حتى ينتصف النهار، فكره أن يفرق بين الطواف والسعي، قال ابن القاسم: فإن أصابه ذلك افتدى.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم حلف بعد هذا، ولم يفرق فيها بين أن يكون بطهر واحد أو بغير طهر واحد، كما فرق في سماع أشهب، وهذا أظهر؛ لأن السعي بين الصفا والمروة يجوز على غير طهارة، فلا وجه لاعتبار الطهر الواحد في ذلك، وأوجب ابن القاسم هنا على من

أصابه ذلك الفدية، ولم يقل: إنه يعيد إن كان قريبا كما قال في سماع أشهب، وهو معناه إن شاء الله، فإن ذكر بالقرب قبل أن يحلق فأعاد الطواف والسعي ثم حلق؛ فلا هدي عليه، وإن ذكر بالقرب وقد حلق أعاد الطواف والسعي والحلاق، وكان عليه الذبح بسبب الحلق قبل تمام العمرة.

مسألة: يدفع من عرفة فيصيبه أمر يحتبس فيه فلا يصل إلى المزدلفة

مسألة وسئل مالك عن الرجل يدفع من عرفة فيصيبه أمر يحتبس فيه من مرض أو غيره، فلا يصل إلى المزدلفة حتى يفوته الوقوف بها، قال: أرى أن يهريق دما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الوقوف بالمشعر الحرام من مناسك الحج وسنته، وليس من فرائضه عند مالك، فيجزي عنه عنده الهدي، وذهب ابن الماجشون إلى أنه من فرائض الحج لا يجزي عنه الهدي؛ لقوله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] ، والدليل على أنه غير واجب، تقديم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضعفة أهله بليل من المزدلفة إلى منى، فلم يقفوا بالمشعر الحرام، ولو كان الوقوف به واجبا لما قدمهم، كما لم يقدمهم من عرفة؛ إذ الوقوف بها ليلا من فرائض الحج؛ لأن الدفع من مزدلفة إلى منى أخف من الدفع من عرفة إلى المزدلفة، فتقديمهم في الأخف دون الأثقل دليل على سقوط وجوب الوقوف بالمشعر الحرام.

مسألة: ما يقول في التلبية من أراد أن يقرن بين الحج والعمرة

مسألة قال مالك: الصواب فيمن أراد أن يقرن بين الحج والعمرة إذا أحرم بالتلبية أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، يبدأ بالعمرة قبل الحجة، هذا وجه الصواب فيه.

قال محمد بن رشد: يريد أنه يقدمها في نيته قبل الحجة، لا أنه يتكلم بذلك؛ إذ النية تجزي في ذلك عنده كالصلاة، ولا يحتاج ذلك إلى الكلام، ومثل هذا في الحج الأول في المدونة، وهو ما لا اختلاف فيه في المذهب.

مسألة: الارتجاز في الرمل

مسألة وسئل عن قول عروة: لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت، قال: ليس عليه العمل، هذا أمر قد ترك.
قال محمد بن رشد: كان عروة يقول ذلك في رمله الأشواط الثلاثة بالبيت، وروي عن ابن عمر أنه كان يقول في ذلك: اللهم اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك الأعز الأكرم، فقول مالك ليس عليه العمل، يريد ليس العمل على الارتجاز في الرمل؛ لأنه أمر قد ترك العمل به، فليس ذلك مما يستحب به، بل المستحب ألا يقصد إلى الرجز، ويذكر الله بما أمكنه وتيسر عليه من تهليله، وتعظيمه، وحمده، والثناء عليه، والرغبة إليه.

مسألة: قدم الإحرام على التقليد والإشعار

مسألة وسئل مالك عن البدنة متى تشعر؟ قال: تشعر وتقلد قبل أن يصلي الرجل بذي الحليفة، ثم يصلي ويحرم.
قال محمد بن رشد: قوله: تشعر وتقلد؛ لأن التقليد قبل الإشعار في الاختيار، وهذا مثل ما في المدونة، وهو الشأن والاختيار، وليس في ذلك إلا الاتباع، فإن قدم الإحرام على التقليد والإشعار، أو على أحدهما أو قدم الإشعار على التقليد، فلا حرج عليه في شيء من ذلك كله ولا دم، وإنما اختير

تقديم التقليد والإشعار على الإحرام؛ لئلا يشتغل بذلك بعد الإحرام، واختير تقديم التقليد على الإشعار؛ لأنها قبل الإشعار أمكن، فتقليدها حينئذ أمكن، إذ قد يحدث الإشعار فيها تصعبا.

مسألة: يقال إن النبيذ الذي يعمل في السقاية من السنة

ومن كتاب طلق بن حبيب مسألة وقال لمالك رجل من الحجبة: إنه يقال: إن النبيذ الذي يعمل في السقاية من السنة، فقال: لا والله، يريد ما هو من السنة، قيل لمالك: إنه قد كان على عهد أبي بكر وعمر، قال: ما كان على عهدهما، ولو ذكرت لكلمت أمير المؤمنين حين قدم علينا فيه، يقول: ليقطعه، فكرهه كراهية شديدة.
قال محمد بن رشد: وقد أنكر مالك أن يكون ذلك من السنة وأقسم على ذلك، وأنكر أن يكون على عهد أبي بكر وعمر، فكفى بقوله في ذلك حجة، فاتباع رأيه في ذلك صواب ورشاد؛ لأن الرشد في اتباع السنن والأمر الماضي.

مسألة: يطلع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفين

مسألة قال مالك: استشارني بعض ولاة المدينة أن يطلع منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخفين، فنهيته عن ذلك، ولم أر أن يطلعه بخفين، فقيل له فالكعبة؟ فقال: إن بعض الحجبيين ممن قدم علينا يذكر أن النبي نهى أن تطلع الكعبة بنعلين، فقيل له: فالرجل يجعلهما في حجرته؟ قال: لا بأس بذلك.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
مسألة: فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم وفي العرائسمسألة: الضأن والمعز سواء تجزي في العقيقةمسألة: لم يعق عن ولده حتى كبر وعقلمسألة: العقيقة أهي عن الغلام والجاريةمسألة: وقت العقيقةمسألة: وقت تسمية الغلاممسألة: يولد فيموت قبل السابع أعليه فيه عقيقةمسألة: إذا عق عن الولد يوم السابع أيجوز أن يطعم في ذلك لحما نيامسألة: كان سابع ابنه يوم الأضحى هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحيةمسألة: العقيقة أيطعم منها الرجل جيرته الأغنياءمسألة: العقيقة هل يدعو إليها الرجل والرجلين من إخوانهمسألة: ذبح عقيقة ابنه بليل أيجب عليه بدلهامسألة: سنة العقائقمسألة: الجوز واللوز والسكر ينثر في الإمكاك أو الختان: كتاب الحج الأولمسألة: رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطىمسألة: أفاض وطاف بالبيت ثم وطئ أهلهمسألة: ترك أهله بمكة من الآفاق وخرج لغزو أو تجارةمسألة: يلبي بالحج وهو مولى عليهمسألة: خرج يريد التمتع فألفى الناس قد فرغوا من الحجمسألة: هلك رجل بالفسطاط وأوصى أن يحج عنهمسألة: خرج في مشي عليه فمرض في بعض الطريقمسألة: حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكةمسألة: ذكر الحج في القرآنمسألة: رمي الجمارمسألة: يفيض من منى إلى البيت فيطوف طوافمسألة: التلبية على الصفا والمروةمسألة: أفاض بعد رمي الجمرة فأقام بمكة وكان مريضا ولم يأت منىمسألة: المتمتع بالعمرة إلى الحج يموت بعد ما يحرم بالحج بعرفةمسألة: يعتمر من أفق من الآفاق في أيام التشريقمسألة: يفيض في آخر أيام التشريق قبل أن تزول الشمسمسألة: أعطى جارية له محرمة إزارا له أن تفليه من القمل وهو محرممسألة: دخل بعمرة فطاف وسعى ثم وطئ قبل أن يحلقمسألة: يطوف بالبيت فيشك في طوافهمسألة: المحرم يكثر عليه قمل إزاره فيبيعهمسألة: المتمتع ينصرف إلى مكة فيريد أن يصوم السبعة الأيام بمكةمسألة: المحرم أينشد الشعرمسألة: أفاض إلى مكة فطاف بالبيت فلما فرغ سمع الأذانمسألة: يجب عليه المشي إلى الإسكندرية فيسير منها إلى الفسطاطمسألة: الموسم أهو الأسواق أو الحجمسألة: حلفت بالمشي إلى بيت الله فماتت فأراد أولياؤها أن يمشوا عنهامسألة: يقبل الحجر ويسجد عليهمسألة: أحرم يوم التورية وهو متمتع أيصوم يوم عرفةمسألة: محل الشعائر كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيقمسألة: الثوب يصيبه الدهن هل يحرم فيهمسألة: للمحرم الماشي إذا هبط من بطن وادي محسر أن يسعى على قدميهمسألة: المحرم يطأ جاريته وهي محرمةمسألة: المحرم يشتري الجارية فيقلبها لنفسه أو لبعض ولدهمسألة: المحرم يؤذيه الغبار أو الجيفة يمر بها أيضع يده على أنفهمسألة: يطوف بالبيت ويركع ثم يمرض فلا يستطيع أن يسعىمسألة: يدفع من عرفة فيصيبه أمر يحتبس فيه فلا يصل إلى المزدلفةمسألة: ما يقول في التلبية من أراد أن يقرن بين الحج والعمرةمسألة: الارتجاز في الرملمسألة: قدم الإحرام على التقليد والإشعارمسألة: يقال إن النبيذ الذي يعمل في السقاية من السنةمسألة: يطلع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفين
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل