كتاب الجامع السابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ما يحذر من قرب الساعة والتصديق بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام
فيما يحذر من قرب الساعة والتصديق بنزول عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب فيقول: يا ابن أخي إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم فأقرأه مني السلام.
قال محمد بن رشد: قد أعلم الله عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب وأن الله رفعه إليه.
وأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخبارا متواترا وقع العلم به أنه سيهبط في آخر الزمان حكما عدلا مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، فوجب التصديق على كل مسلم بذلك كما فعل أبو هريرة، وبالله التوفيق.
مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه
في مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه قال مالك: سمعت أن عمر بن الخطاب سقي شرابا فيه عسل فذاقه ثم قال: من يأخذ هذا بشكره فناوله إنسانا.
قال محمد بن رشد: السنة أن يناول الرجل الشراب لمن على يمينه على ما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن» . وأنه «أوتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يده» . فيحتمل أن يكون عمر بن الخطاب إذ أوتي بالشراب لم يكن أحد ممن معه على يمينه، ولذلك قال ذلك القول.
وفي قوله شراب فيه عسل دليل على أن الشراب لم يكن من عسل وإنما كان من غير العسل وفيه عسل.
وخلط العسل بشراب غير العسل منهي عنه، والنهي إنما هو في خلطه فإذا خلط لم يلزم هرقه وجاز شربه.
وقوله في حديث عمر: وذاقه، يدل على أنه لم يشربه، وذلك، والله أعلم أنه لما وجد فيه طيب العسل ترك شربه لئلا يستجاز [شربه إياه و] خلطه، وبالله التوفيق.
كراهة الاستدانه بالديون
في كراهة الاستدانه بالديون قال مالك وحدثني عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من جهينة يقال له: الأسيفع كان يشتري الرواحل بالدين فيغلي بها فيسبق الحاج فأفلس، فقال عمر بن الخطاب إن الأسيفع أسيفع جهينه رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح قدرين به، فمن كان له عليه شيء فليأتني بالغداة نقسم بينهم ماله، وإياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب.
قال محمد بن رشد: قوله ادان معرضا معناه ادان مع كل من وجد وأمكنه مداينته.
وقوله قدرين به، معناه قد غلب عليه الدين.
قال الله عز
وجل: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14] ، وذلك أنه كان يشتري الرواحل بالدين ويسرع السير ليبيعها بالموسم بالربح، فأخطأه ذلك وباع بالخسارة فغلبه الدين وقوله إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب، يروى حرب، وحرب- بإسكان الراء وفتحها- فالحرب القتال، والحرب الهلاك.
فيقول إن الدين يكون آخره إلى منازعة وخصام، ومرافعة إلى الحكام، أو إلى هلاك ماله.
وقد استعاذ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الدين فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» ولذلك نهى عنه عمر بن الخطاب فقال: وإياكم والدين.
وقد جاءت آثار كثيرة في التشديد في الدين وأن صاحبه يوم القيامة محبوس بدينه دون الجنة، فقيل معنى ذلك فيمن تداين في سرف وقمار، وقيل بل كان ذلك في أول الإسلام قبل أن تفتح الفتوحات وتفرض على الناس الزكوات، فلما أنزل الله عز وجل براة ففرض فيها الزكاة وجعل للغارمين فيها حقا، وأنزل آية الفيء والخمس فجعل فيهما حقا للمساكين وابن السبيل قال حينئذ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي» . فمن تداين فيما يحتاج إليه وهو يرى أن ذمته تفيء بما تداين به فليس بمحبوس دون الجنة بدينه إن مات ولم يترك مالا؛ لأن على الإمام أن يؤديه عنه من بيت المال، ومن سهم الغارمين من الزكوات، أو من جميعها إن رأى ذلك على مذهب من رأى أنه إن جعل الزكاة كلها في صنف واحد أجزأ.
وقد قيل إنه لا يجوز أن يؤدى دين الميت من الزكاة، فعلى هذا القول إنما يؤدي الإمام دين من مات وعليه دين من
الفيء الحلال للفقير والغني، وبالله التوفيق.
حفظ ابن شهاب
في حفظ ابن شهاب قال: حدثنا ابن شهاب حديثا فقلت أعد علي، فقال: لا، فقلت أما كان يعاد عليك؟ قال لا، فقلت له: فكنت تكتب؟ فقال لا، فخليت سبيله.
قال محمد بن رشد: المعني في هذا بين والحمد لله وبه التوفيق.
القراءة في الحمام
في القراءة في الحمام وسئل مالك عن القراءة في الحمام، [فقال: القراءة بكل مكان حسنة، ليس الحمام بموضع قراءة، فإن قرأ الإنسان الآيات فليس بذلك بأس، وليس الحمامات من بيوت الناس الأول.
قال محمد بن رشد: كره القراءة في الحمام] إذ لا ينفك عن النجاسة في أغلب الأحوال، كما كره قراءة القرآن في الأسواق والطرق من أجل ذلك، واستحب أن ينزه القرآن عن أن يقرأ إلا في مواضع القراءة إلا أن يكون الشيء اليسير أو مثل الغلام يتعلم القراءة على ما يأتي له بعد هذا.
وقد أجاز ذلك بكل حال في أحد قوليه، واحتج بقول أبي موسى: أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا [وعلى جنب] وعلى كل حال.
وقد
تقدم ذكر ذلك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة
في ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة وسئل مالك عن اليهود والنصارى والمجوس إذا قدموا المدينة أيضرب لهم أجل؟ فقال نعم يضرب لهم أجل ثلاث ليال يتسوقون وينظرون في حوائجهم، فقد ضرب ذلك لهم عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقال رئيس اليهود له حين أجلاهم: أتجلينا وقد أقرنا محمد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ فقال عمر: أتراني نسيت قوله لك: كيف بك إذا رقصت بك قلوصك ليلة بعد ليلة.
قال إنما كانت هزيلة من أبي القاسم، فقال له عمر كذبت.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يضرب لهم أجل ثلاث ليال، يريد ثلاث ليال بأيامهن، فلا يحسب عليهم يوم ورودهم.
وإنما رأى أن يضرب لهم ثلاث ليال لأن ذلك هو مقدار السفر وما فوق ذلك إقامة، بدليل قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» إلا أن لا تتم حوائجهم وما يحتاجون إليه في بيعهم وشرائهم في ثلاث ليال فيزاد في الأجل قدر ما يحتاجون إليه ولا تتم حوائجهم فيما دونه.
وقد مضى حديث إجلاء عمر اليهود وما قاله له رئيسهم في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
ما روي عن كعب
فيما روي عن كعب قال مالك: وذكر أن حديث كعب حين جاء إلى عمر بن الخطاب بالمصحف فقال له أهذه التوراة؟ أن زيد بن أسلم الذي حدثه بذلك عرض عليه عرضا.
قال محمد بن رشد: كعب هذا، والله أعلم، هو كعب الأحبار، وهو كعب بن ماتع الحميري من آل ذي رعين من حمير، وقيل من ذي الكلاع من حمير، يكنى أبا إسحاق، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وتوفي في آخر خلافة عثمان.
وكان عالما بالتوراة لأنه كان حبرا من أحبار اليهود وإن كان عربي النسب، فكثير من العرب تهود وكثير منهم تنصر، فكان كثيرا ما يحدث منها.
فمعنى قوله في المصحف لعمر بن الخطاب أهذه التوراة؟ والله أعلم، أهذه توراتكم التي هي عندكم بمنزلة التوراة عند اليهود، وبالله التوفيق.
مشي موسى عليه السلام مع المرأتين إلى أبيهما شعيب عليه السلام
في مشي موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مع المرأتين إلى أبيهما شعيب - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال وبلغني أن موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حين جاءته إحدى المرأتين فقالت ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25] مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي فإني عبراني لا أنظر في أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي فمشى بين يديها وتبعته.
قال محمد بن رشد: مشيه خلفها من أمانته التي وصفه الله عز وجل بها حيث قال في كتابه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26] . وقوته أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده، وكان لا ينزعه إلا عشرة رجال.
وقيل أربعون رجلا، فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] ، وقيل إنه رفع من على فم البير صخرة كانت عليه وحده، وكان لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل أربعون رجلا.
في نقل لفظ الحديث على المعنى
وقال مالك: ما لفظ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليس كما لفظ غير النبي، فإذا كان المعنى واحدا وما لفظ النبي فينبغي للمرء أن يقوله كما جاء.
قال محمد بن رشد: قوله فإذا كان المعنى واحدا، معناه فلا بأس به إذا لم يكن من لفظ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد مضى الكلام على هذا فوق هذا في هذا الرسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
النظر إلى المجذوم
في النظر إلى المجذوم وسئل مالك أتكره إدامة النظر إلى المجذوم؟ قال: أما في
الفقه فلم أسمع بكراهيته، ولا أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا مخافة أن يفزع ويقع في نفسه من ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: النهي الوارد عن ذلك هو من معنى «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمرأة التي جاءته فقالت: يا رسول الله: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، [فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] دعوها ذميمة» فأمر رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتركها لما وقع في نفوسهم من أن ذهاب مالهم وقلة عددهم كان بسبب سكناهم الدار، فخشي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم إن تمادوا في السكنى فيها فذهب من مالهم بعد شيء أو نقص من عددهم أن يقوى في نفوسهم ما كان وقع فيها من ذلك.
ومن معنى قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحلل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء» بعد أن قال «لا عدوى ولا هام ولا صفر» فنهي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يحل الممرض الذي إبله مرضى على المصح الذي إبله صحاح مخافة أن تمرض إبله بقدر الله عز وجل فيظن أن ذلك بسبب ورود الإبل المراض عليها وأنها هي التي أعدتها، وبالله التوفيق.
الحجامة يوم السبت والأربعاء
في الحجامة يوم السبت والأربعاء وسئل مالك عن الحجامة يوم السبت والأربعاء فقال: لا أرى
بأسا بالحجامة يوم السبت والأربعاء، والأيام كلها سواء، وإني لأكره أن يترك الحجامة على هذا، قالوا لا يحتجم يوم كذا وكذا، ولا يسافر يوم كذا وكذا، والأيام كلها لله عز وجل.
قال: وكانت عائشة زوج النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقول: لو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل فإني أحب أن أذوقه.
قال محمد بن رشد: أما تشاؤم من تشاءم بالسبت، والله أعلم، فلم يحتجم فيه من أجل أن أهل السبت تعدوا فيه فمسخهم الله قردة وخنازير، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66] وتشاؤم من تشاءم بالأربعاء ولم يحتجم فيه ولا سافر فيه من أجل ما روي من أن الأيام النحسات المشؤومات التي قال الله عز وجل فيها: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16] كان أولها يوم الأربعاء إلى الأربعاء ثمانية أيام التي قال الله عز وجل فيها: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 8] . والأيام كلها لله، فلا ينبغي أن يتشاءم بشيء منها، ولا يمتنع في شيء منها في شيء من الأشياء كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وفيما أغري الناس من مثل هذا وشبهه قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لو نهي الناس عن جاحم الجمر لقال قائل لو ذقته، تريد أن الناس إذا نهوا عن شيء فيما يضر بهم في دينهم أو دنياهم زينه لهم إبليس ووسوس إليهم فيه حتى يوقعهم في المكروه، وكذلك لا ينبغي أن يتوخى في الحجامة أياما بأعيانها.
وقال سئل مالك فيما يأتي في هذا السماع عن الحجامة لسبع عشرة
وخمس عشرة وثلاث عشرة، فقال: أنا أكره هذا ولا أحبه، وكأنه يكره أن يكون لذلك وقت، وبالله التوفيق..
حمل الصبيان على الخيل في الرهان
في حمل الصبيان على الخيل في الرهان وسئل مالك عن حمل الصبيان الصغار على الخيل يجرونها في الرهان، فربما سقط أحدهم فمات، قال: أكره أن يحمل على الخيل الصبيان الصغار.
قلت له: أفترى أن يشهد؟ فقال: لا أدري، أما أنا فلا أرى حملهم ولا أراه.
قال محمد بن رشد: أما حمل الصبيان على الخيل يجرونها في السباق وقد يموت في ذلك بعضهم، فالمكروه في ذلك بين.
ومن حمل صبيا في ذلك على فرسه فهو لما أصابه في ذلك ضامن، ولا بأس بالمسابقة بين الخيل لما جاء من «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع» . وذلك نحو ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وذلك نحو ميل، روى ذلك عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبد الله بن عمر، وكان ممن سابق بها.
والمسابقة في ذلك جائزة على الرهان وعلى غير الرهان.
والرهان فيها على ثلاثة أوجه: وجه جائز باتفاق، ووجه غير جائز باتفاق، ووجه مختلف في جوازه.
فأما الجائز باتفاق فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جُعلا لا يرجع إليه بحال ولا يخرج من سواه شيئا، فإن سبق مخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق هو صاحبه ولم يكن معه غيره كان الجعل طعمة لمن
حضر؛ وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم.
وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين.
وأما الوجه الذي لا يجوز باتفاق فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين إن كانا اثنين، أو كل واحد من المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا على أنه من سبق منهم أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه إن لم يكن معه سواه، أو أجعال أصحابه إن كانوا جماعة، فهذا لا يجوز بإجماع؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر والخطار المحرم بالقرآن؛ وأما الوجه المختلف فيه فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين، أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة، جعلا ولا يخرج من سواه شيئا على أنه إن سبق أحرز جعله، وإن سبقه غيره كان الجعل للسابق، فهذا الوجه اختلف فيه قول مالك، وهو على مذهب سعيد بن المسيب جائز.
ومن هذا الوجه المختلف فيه أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلا على أن من سبق منهما أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه على أن يدخلا بينهما محللا لا يأمنا (كذا) أن يسبقهما على أنه إن سبقهما أخذ الجعلين جميعا، فهذا الوجه أجازه سعيد بن المسيب ولم يجزه مالك ولا اختلف فيه قوله كما اختلف في الوجه الأول الذي قبله؛ لأنه أخف في الغرر منه، ويجمع بينهما في المعنى أن حكم مخرج الجعل مع صاحبه في تلك في حكم مخرج الجعل مع المحلل في هذه، وسواء كان مع الجماعة المتسابقين محلل واحد أو مع الاثنين المتسابقين جماعة محللون، الخلاف في ذلك كله، إلا أنه كلما كثر المحللون وقل المتسابقون كان الغرر أخف والأمر أجوز.
وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة أنه قال: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار» وهو حجة لابن المسيب، وبالله التوفيق.
[حلاق الصبيان قُصَّة وقَفا] في حلاق الصبيان قُصَّة وقَفا وسئل عن
حلاق الصبيان قصة وقفا
، قال: ما يعجبني، فقلت له: فمن الجواري [والغلمان] فقال: ما يعجبني من الجواري ولا من الغلمان، إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه فليحلقوه كلّه.
وقد كلمت في ذلك بعض الأمراء [وأمرته] أن ينهى عن ذلك، فسئل عن القصة وحدها بلا قَفَا، فقال: مثل ما قال في القُصّة والقَفَا.
قال محمد بن رشد: حلاق الصبي قصة وقفا هو أن يحلق وسط رأسه ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه ومؤخره مسدولا على قفاه.
وحلاقه قصة بلا قفا هو أن يحلق وسط رأسه إلى قفاه ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، وذلك كله مكروه للصبيان كما قال، لما جاء من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن القزع» وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص صغيرا من كبير.
ولم يكره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - القصة للصغيرة إذا لم يحلق بعض رأسها على ظاهر هذه الرواية كما كره للكبيرة، ففي كتاب جامع المسائل والحديث لأصبغ قال: سمعت ابن القاسم يقول: كره مالك القصة للمرأة كراهية شديدة، قال وكان فرق الرأس أحب إلى مالك فيما أظن.
وإنما كره مالك، والله أعلم، لما جاء من أن أهل الكتاب كانوا يسدلون شعورهم، وكان المشركون يفرقون، فكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناصيته ثم فرق بعد.
وروى عيسى عن ابن
القاسم عن مالك قال: رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن عروة يفرقون رؤوسهم، وكانت لهشام جمة إلى كتفيه.
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون كل من لم يفرق شعره.
وقد روي أن «شعر رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان دون الجمة وفوق الوفرة» . وروي «أنه كان إلى شحمة أذنه» وروي «أنه كان بين أذنيه وعاتقه» . وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر أحسن من جزه وإحفائه.
وذهب الطحاوي إلى أن جزه وإحفاءه أحسن من اتخاذه واستعاله، واحتج بما روي من أن «أبا وائل بن حجر أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد جز شعره فقال له: هذا أحسن» قال: إن ما قال فيه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنه أحسن فلا شيء أحسن منه، ومعقول أنه قد صار إليه وترك ما كان عليه قبل ذلك، إذ هو أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس.
وهذا في الرجال، وأما المرأة فلا اختلاف في أن جز شعرها مثلة.
وفي كتب المدنيين سئل ابن نافع هل كره للمسلمة أن تفرق قصتها كما يصنع نساء أهل الكتاب؟ قال: لا، وبالله التوفيق.
[البِرِّ المحمود]
في البِرِّ المحمود قال أشهب: أخبرني مالك قال، حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال: لم يعرف البر في عمر ابن الخطاب ولا في ابنه حتى يقولا أو يفعلا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنهما كانا لا يظهران من فعل الخير أكثر مما كانا يقولانه أو يفعلانه، وفي هذا الحضُّ على تجنب الرياء، وبالله التوفيق.
ثناء ابن شهاب على عبد الله بن أبي بكر
في ثناء ابن شهاب على عبد الله بن أبي بكر قال مالك: أخبرني ابن غزية قال، قال ابن شهاب: من بالمدينة يفتي؟ فأجابه فقال ابن شهاب ما ثم مثل عبد الله بن أبي بكر، ولكن إنما يمنعه أن يرفع ذكره مكان أبيه أنه حي.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن أبي بكر هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أحد شيوخ مالك الذين روى عنهم وعول عليهم، وكفى في الثناء عليه قول ابن شهاب هذا فيه، وبالله التوفيق.
وقت تحويل القبلة
في وقت تحويل القبلة قال مالك: أقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم أمروا بالبيت.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] في صلاتكم إلى بيت المقدس.
قال مالك: فإني لأذكر بقراءة هذه الآية قول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان وقد سماها الله عز وجل من الإيمان.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] في صلاتكم إلى بيت المقدس أي في صلاتكم إلى بيت المقدس، إذ ليس في التلاوة: في صلاتكم إلى بيت المقدس، فإنما ذكره مالك على التفسير لما في التلاوة؛ لأن الصلاة إنما تكون صلاة يثاب المصلي عليها إذا قارنها الإيمان، فلما كانت الصلاة لا تصح إلا بمقارنة الإيمان لها، وكان جل الثواب عليها للإيمان الذي قارنها بدليل قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم-: «نية المؤمن خير من عمله» لزم أن يقال فيها إنها إيمان، إذ لا يصح أن يفارقها الإيمان، فالحجة على المرجئة صحيحة من جهة التلاوة؛ لأن الله عز وجل سمى الصلاة إلى بيت المقدس إيمانا، بدليل أنها نزلت فيها، ومن جهة المعنى الذي ذكرناه أيضا.
وعلى طريق التحقيق الصلاة ليست بإيمان منفردة، وإنما هي [إيمان] بالقلب وعمل بالجوارح، فلا يطلق عليها أنها إيمان إلا على ضرب من المجاز، إذ ليست بإيمان منفردة ولا يصح أن يقال فيها إنها غير الإيمان إذ لا يفارقها الإيمان، فهي كالصفة من الموصوف القديم لا يقال فيها إنها هو ولا إنها غيره، فقول المرجئة إن الصلاة ليست من الإيمان باطل بين البطلان، وبالله التوفيق.
حكاية عن أبي بكر الصديق
قال مالك: ولما أنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] قال أبو بكر الصديق والذي بعثك بالحق إن كنت لفاعلا.
قال محمد بن رشد: لا شك أن أبا بكر الصديق من القليل الذين استثنى الله عز وجل في الآية، فلا أحد أحق بهذه الصفة منه، ويمينه على ذلك برة، وفي هذا حجة لرواية ابن الماجشون عن مالك فيمن حلف في أمر قد سلف لو كان كذا وكذا لفعلت كذا وكذا مما يمكنه فعله أن لا حنث عليه، خلافا لقول أصبغ إنه حانث إذ لا يدرى هل كان يفعل أو لا يفعل.
وقد مضى هذا في رسم مرض من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب ومن كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.
التثبت في القول
في التثبت في القول وقال مالك: كان ذلك الرجل يقول: ما علمت فقل، وما استؤثر به عنك فكله إلى عالمه؛ لأنا في العمد أخوف عليكم مني في الخطأ.
قال محمد بن رشد: هذا مثل أن يسأل رجل تفسير آية من القرآن لا يعلم لها تأويلا فيقول فيها برأيه، فقد كان أبو بكر الصديق يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت على الله ما لا أعلم، وبالله التوفيق.
إقادة الإمام من نفسه
في إقادة الإمام من نفسه قال مالك: قال رجل لعمر بن الخطاب: هل لك يا أمير المؤمنين في رجل قد رقدت حاجته وطال مقامه، فقال عمر بن الخطاب من زيدها؟ فقال أنت.
فغضب عمر فضربه بالدرة، فقال: عجلت يا أمير المؤمنين علي قبل أن تنظر في أمري، فإن كنت ظالما أخذت مني، وإن كنت مظلوما رددت علي، فقال له عمر: صدقت، فقال هاك فاستقد، فقال لا أفعل، فقال لتستقدن أو لتفعلن ما يفعل المنتصف من حقه.
قال قد عفوت.
قال عمر: أنصفت من نفسي قبل أن ينصف مني، ثم بكى عمر حتى لو كنت بالأراك لسمعت حنين ابن الخطاب.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية والقول فيها في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
حكاية لكعب الأحبار مع عمر بن الخطاب
قال وقال كعب الأحبار لعمر بن الخطاب: في التوراة ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال له عمر، إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه.
قال محمد بن رشد: مضت هذه الحكاية في أول رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم أكمل مما وقعت ها هنا، ومضى الكلام عليها هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
إيثار الرجل نفسه في الطعام والكسوة على رقيقه وعياله
في إيثار الرجل نفسه في الطعام والكسوة على رقيقه
وعياله قال: وسمعته وسئل أيصلح أن يأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه أو يلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها؟ فقال: إني والله لأراه من ذلك في سعة، ولكن يحسن إليهم ويطعمهم.
فقيل له: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدرداء؟ فقال كان الناس يومئذ ليس لهم ذلك القوت.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة في موطئه: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» الحديث.
ومعنى قوله فيه بالمعروف أي من غير إسراف ولا إقتار، وعلى قدر سعة مال السيد وما أشبه حال العبد أيضا، فليس حال العبد الأسود
الوغد الذي هو للخدمة والحرث كالعبد النبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما على سيدهما من الكسوة سواء، قلا يلزم الرجل أن يساوي بين نفسه وعبده في المطعم والملبس على ما ذهب إليه بعض أهل العلم لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون» . وقد روي عن أبي اليسر الأنصاري وأبي ذر من أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهما كانا يفعلان ذلك، وهو محمول منهما على الرغبة في فعل الخير لا على أن ذلك واجب عليهما، إذ لم يقل- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطعموهم مثل ما تأكلون واكسوهم مثل ما تلبسون، وإنما قال: مما تأكلون ومما تلبسون، فإذا أطعمه وكساه بالمعروف من بعض ما يأكل من الخبز والإدام ويلبس من الصوف والقطن والكتان، فقد شاركه في مطعمه وملبسه، وامتثل بذلك قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وبالله التوفيق.
موت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا
في أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات شهيدا من الأكلة التي أكل بخيبر قال وقال مالك، قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما زلت ضمنا من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر فهذا أوان [وجدت] انقطاع أبهري» . قال مالك: كانت يهودية سمته فيها.
قال محمد بن رشد: اليهودية التي سمته بخيبر زينب بنت سلام بن مشكم أهدت له- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاة مصلية وسمت له منها الذراع، وكان أحب اللحم إليه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها وقال هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ودعا اليهودية فقال: ما حملك على هذا؟ فقالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن الله إن أراد بقاءك أعلمك فلم يقتلها رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأكل من الشاة معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من أكلته تلك، وبالله التوفيق.
اكتحال الرجل بالإثمد
في اكتحال الرجل بالإثمد وسئل عن اكتحال الرجل بالإثمد فقال: ما يعجبني وما كان من عمل الناس وما سمعت فيه بنهي.
قال محمد بن رشد: إنما كرهه وإن كان لم يسمع فيه بنهي لأن الإثمد مما تكتحل به المرأة للزينة، فيكره للرجل أن يتشبه في ذلك بالمرأة، كما يكره للمرأة أن تتشبه بالرجل، فقد قيل من شر النساء المتشبهة بالرجال، وبالله التوفيق.
السلام على اللعاب بالكعاب والشطرنج
في السلام على اللعاب بالكعاب والشطرنج قال وسئل عن التسليم على اللعاب بالكعاب والشطرنج والنرد، فقال: أما هم من أهل الإسلام؟ إذا بولغ في ذلك ذهب
كل مذهب وإني لأكره أن أقول أن لا أسلم على أهل الإسلام، وليأتين عليهم يوم يستخفون به يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: 65] ويقول الله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] فإنما أمر بشهادة من يرضى، فقيل له أفترى شهادتهم جائزة؟ فقال أما من أدمنها فلا أرى شهادتهم عاملة، لقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] فهذا كله من الضلال.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يترك السلام على اللعاب بالكعاب والنرد والشطرنج وأشباههم من أهل المجون والبطالات والاشتغال بالسخافات، إذ لا يخرجهم ذلك عن الإسلام، وإن كانوا يعودون بذلك غير مرضيي الأحوال، فلا تجوز شهادتهم؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . ومعنى ذلك في السلام عليهم إذا مر بهم في غير حال لعبهم، وأما إذا مر بهم وهم يلعبون فلا ينبغي أن يسلم عليهم، بل يجب أن يعرض عنهم، فإن في ذلك أدبا لهم، ومتى سلم عليهم وهم يلعبون استخفوا بالمسلم عليهم وارتفعت بذلك الريبة عنهم، وبالله التوفيق.
أكل الرجل مما تصدق به على ابنه
في أكل الرجل مما تصدق به على ابنه قال وسألته عن الرجل يتصدق على ولده بالغنم [وبالضأن، أيلبس من صوفها] ويشرب من لبنها؟ فقال لا، فقلت له: إنه
يبيع ذلك، أفترى أن أشتري ذلك بما يبيعه له من غيره، فقال: ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية أن يكتسي من صوف الغنم التي تصدق بها على ابنه ولا أن يشرب من لبنها، معناه وإن كان كبيرا برضاه.
وأجاز ذلك في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، معناه في الكبير إذا رضي بذلك.
وأما الصغير فلا.
قاله محمد بن المواز، ورواه عن مالك.
وأما شراء غلة ما تصدق به على ابنه فهو خفيف على ما قاله في الرواية [من أن ترك] ذلك أحب إليه.
وأما شراؤه ما تصدق به عليه فقيل ذلك جائز في العبد وشبهه، قال ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وقيل إن ذلك لا يجوز لا في مثل الجارية تتبعها نفسه، وهو الذي في المدونة، وقد مضى تحصيل القول فيما يجوز من ذلك للأب وللأجنبي في الأصل والغلة في رسم الشجرة من الكتاب المذكور، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.
تحلية المصاحف
في تحلية المصاحف قال وسئل عن الحلية للمصحف، فقال لا بأس به وإنه لحسن، إن عندي مصحفا لجدي كتبه إذ كتب عثمان المصاحف، عليه حلية كبيرة من فضة، كذلك كان ما زدت فيها شيئا.
قال محمد بن رشد: ظاهر الرواية إجازة تحلية المصحف بالذهب والفضة؛ لأنه سأله عن تحلية المصحف عموما فقال لا بأس به، وهو دليل ما
في الموطأ.
وذكر ابن المواز عن مالك مثله، وذكر ابن عبد الحكم في المختصر الكبير من قول مالك أنه قال لا يعجبني، وبالله التوفيق.
قراءة القرآن في الطريق
في قراءة القرآن في الطريق قال وسئل مالك عن قراءة القرآن في الطريق، قال الشيء اليسير، قال فأما الذي يديم ذلك فلا، وإن ذلك ليختلف، يكون الغلام يتعلم القرآن، فأما الرجل يطوف بالكعبة يقرأ القرآن وفي الطريق فليس هذا من الشأن الذي مضى عليه أمر الناس.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في قراءة القرآن في الطريق قبل هذا في هذا الرسم وفي رسم المحرم من سماع ابن القاسم وفي غير ما موضع.
وإنما كره قراءة القرآن في حال الطواف بالكعبة إذ لم يكن ذلك من فعل الناس، والرشد في الاقتداء بأفعال السلف، وبالله التوفيق لا شريك له.
البلاء موكل بالقول
في أن البلاء موكل بالقول
قال مالك: كان ابن مسعود يقول إن البلاء موكل بالقول.
قال محمد بن رشد: يريد أن الرجل إذا قال لا أفعل كذا وكذا معتقدا أنه لا يفعله لقدرته على الامتناع منه قد يعاقبه الله عز وجل بأن يوقعه في فعل ذلك.
وبيان هذا التفسير قوله في غير هذا الحديث: «إني لا أقول لا أعبد هذا الحجر، إن البلاء موكل بالقول» وبالله التوفيق.
كشف الفخذ
في كشف الفخذ وسئل مالك عما جاء من النهي عن كشف الفخذ، أترى بذلك بأسا إذا كان الرجل عند أهله؟ قال لا والله.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أن الفخذ عورة» من رواية جماعة، منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومحمد بن جحش، وابن جوهر، وابنه جرير.
وجاء عنه ما دل على أنه ليس بعورة، من ذلك حديث عائشة «أنه كان مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه» ومن رواية أنس بن مالك «أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض فخذه مكشوف، فدخل عليه أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وهو على حاله تلك لم ينتقل عنها، حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: إلا أستحيي ممن استحيت منه ملائكة السماء.» وذكر البخاري في حديث أنس بن مالك «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما دخل القرية قال الله أكبر» الحديث.
ثم قال وحديث [أنس أشد، وحديث] جوهر أحوط حتى يخرج من اختلافهم.
والذي أقول به أن ما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة
ليس باختلاف من القول، ومعناه أنه ليس بعورة يجب سترها فرضا كالقبل والدبر، وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند من يستحي منه من ذوي الأقدار والهيئات، فعلى هذا تستعمل الآثار كلها، واستعمالها أولى من اطراح بعضها، وبالله التوفيق لا شريك له.
سبل شيئا في السبيل فأراد أن يخرج قيمته
فيمن سبل شيئا في السبيل فأراد أن يخرج قيمته وسئل مالك عن امرأة خلعت خلخالها في سبيل الله فأرادت أن تخرج قيمته في سبيل الله وتحبسه، فقال: لا، بل تمضي ما جعلت لله عليها وتعمل بقيمته خلخالين جديدين، ثم احتج بحديث عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أمر الفرس الذي قال له رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تشتره ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» .
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وزاد فيه قال سحنون: إنما يكره هذا من أجل الرجوع في الصدقة.
ولمالك في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب النذور فيمن قال لشيء من ماله دابة أو عبد أهديك إنه مخير في قيمته أو ثمنه، فذهب بعض أهل النظر إلى أن ذلك مخالف لهذه الرواية [في الخلخال] ولما ما في المدونة من أنه من أهدى عبده يخرج بثمنه هدايا؛ لأن الظاهر منه أنه لا يجوز له أن يمسكه ويخرج قيمته من أجل الرجوع
في الصدقة كما قال في هذه الرواية.
والذي أقول به أنه لا اختلاف في شيء من ذلك، وإنما اختلف الجواب في ذلك لافتراق المعاني، فإذا أهدى ما يهدى بعينه أو جعل في سبيل ما ينتفع به فيه بعينه لم يجز أن يمسكه ويخرج قيمته؟ وإذا أهدى ما لا يهدى بعينه وإنما سبيله أن يباع ويشترى بثمنه هدي جاز أن يمسكه ويخرج قيمته؛ وإذا جعل في السبيل ما لا ينتفع به فيه بعينه وهو مما يمكن أن يدفعه كما هو لمن يبيعه وينفقه في السبيل كره له أن يمسكه ويخرج قيمته من ناحية الرجوع في الصدقة، ولم ير ذلك حراما إذ لا ينتفع به الذي أعطيه في السبيل بعينه ولا بد له من بيعه، وبالله التوفيق.
خلق النبي صلى الله عليه وسلم
في خلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: «وسئلت عائشة عن خلق النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمره، فقالت: كان خلقه وأمره القرآن واتباعه» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه كان يعفو ويصفح ويحسن ويعرض عن الجاهلين ولا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] ولقوله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ولقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] ولقوله في الزناة: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] الآية، وقوله في المحاربين:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: 33] الآية إلى قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الآية، وبالله التوفيق.
ترك الرجل ما لا يعنيه
في ترك الرجل ما لا يعنيه قال: دخل رجل على ابن عمر فوجده يخصف نعله، فسأله فأخبره، ثم قال: مالك تخصف نعلك اشتر غيرها، فقال له ابن عمر: ألهذا جئت؟ قال إنما أنا رسول.
قال محمد بن رشد: إنما وبخه عبد الله بن عمر على قوله بقوله ألهذا جئت؟ لأن ما قاله له مما لا يعنيه، وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وبالله التوفيق.
تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الضيافة
في تفسير حديث النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الضيافة قال وسئل مالك عن تفسير حديث النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في «الضيف جائزته يوم وليلة، قال يكرمه ويتحفه ويخصه يوما وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، وما بعد ذلك صدقة» . قال محمد بن رشد: الضيافة مرغب فيها ومندوب إليها وليست بواجبة في قول عامة العلماء، إلا أنها من أخلاق المؤمنين وسجاياهم وسنن
المسلمين.
وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا خير فيمن لا يضيف وأول من ضيف الضيف إبراهيم خليل الرحمن- عَلَيْهِ السَّلَامُ -» - قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة.» ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه، معناه أن المؤمن ينبغي له في مكارم الأخلاق ومحاسنها أن يكرم جاره وأن يكرم ضيفه فيتحفه ويخصه يوما وليلة ويطعمه ما يأكل ثلاثة أيام وما زاد على ذلك فهو صدقة، أي غير واجبة عليه في مكارم الأخلاق.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إكرام الضيف يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، فإن أضافه بعد ذلك فرضي فهو دين عليه.
وسئل الأوزاعي عمن أكرم ضيفه خبز الشعير وعنده خبز البر أو أطعمه الخبز والزيت وعنده اللحم، فقال هذا ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الأخر.
وقد روي عن الليث بن سعد أنه كان يقول: الضيافة حق واجب، فكان يحتمل أنه يكون أراد أنها حق واجب في مكارم الأخلاق ومحاسنها، إلا أنه قد روي عنه إيجابها ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما بيده، وذهب إلى ذلك قوم واحتجوا بما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ليلة الضيافة حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه فإنه دين له إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه.» «وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فنمر بقوم لا يقرون فماذا ترى؟ فقال لنا رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا حق الضيف الذي ينبغي» . وروي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما ضيف نزل بقوم فأصبح محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه.» فقيل معنى هذه الآثار في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة، ثم أتى الله عز وجل بالخير والسعة فصارت الضيافة جائزة مندوبا إليها محمودا فاعلها عليها.
وقيل معناها في المارين بقوم في بادية لا يجدون من ضيافتهم بدلا ولا يجدون ما يبتاعونه مما يغنيهم عن ذلك.
ومعنى ما دل من الأحاديث على أنها غير واجبة في الذي يستغني عن الضيافة ويقدر على أن يتعوض منها بابتياع ما يغنيه عنها.
فقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» وقال: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته» الحديث، فلا يكون بين الأحاديث على هذا تعارض.
وإلى نحو هذا ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وروي عنه أنه قال: ليس على أهل الحضر ضيافة، يريد لأن المسافر يجد في الحضر مندوحة عن الضيافة لوجوده حيث ينزل ما يبتاع، وكذلك قال سحنون إنما الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر.
وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر» إلا أنه حديث غير
صحيح، رواه ابن أخي عبد الرزاق عن عمه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وهو متروك الحديث فقيل إنه من وضعه والله أعلم.
وقيل إن حق الضيف على من منعه قراه عتب ولوم، وقال ذلك مجاهد في معنى قول الله عز وجل: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148] . وبالله التوفيق.
إجلاء عمر رضي الله عنه يهود نجران وفدك
في إجلاء عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
يهود نجران وفدك قال وقال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يهود نجران وفدك.
فأما يهود نجران فخرجوا منها ليس لهم من التمر ولا من الأرض شيء، وأما يهود فدك فكان لهم نصف الأرض ونصف النخل؛ لأن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان صالحهم على نصف الأرض ونصف النخل، فأقام لهم عمر بن الخطاب نصف النخل ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها.
قال محمد بن رشد: وكذلك أجلى يهود خيبر، ذكر ذلك مالك في موطئه عن ابن شهاب أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب،» فأجلى يهود خيبر.
قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك، فذكر نص قوله هنا إلى آخره.
وقد مضى في رسم نذر من سماع ابن القاسم بقية القول في ذلك، وبالله التوفيق.
سبب تسمية أبي بكر الصديق بالصديق
في سبب تسمية أبي بكر الصديق بالصديق قال مالك: قال المشركون لأبي بكر: إن صاحبك- يعنون رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يزعم أنه أسري به في ليلة من مكة إلى بيت المقدس ورجع من ليلته وأنه رأى عيرا على بعير منها غرارتان إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، فقال أبو بكر: إن كان قاله فصدق، فبذلك سمي الصديق.
قال محمد بن رشد: الأحاديث التي تخرج على التفسير لقول الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] ، أي إلى بيت المقدس، وإنما سماه الأقصى لأنه الأبعد عن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والأدنى منه مسجد الكعبة، ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] أي بما أجرينا حوله من الأنهار، وأنبتنا فيه من الثمار، ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1] كثيرة، منها حديث أم هاني بنت أبي طالب «أن رسول الله - صلى- الله عليه وسلم- صلى في بيتها تلك الليلة العشاء الآخرة قالت فصليت معه ثم نمت فتركته في مصلاه فلم أنتبه حتى أنبهني لصلاة الصبح قال قومي يا أم هاني أحدثك العجب فقلت كل حديثك عجب بأبي أنت وأمي فقام فصلى
الغداة وصليت معه فلما انصرف قال أتاني جبريل وأنا في مصلاي هذا فقال اخرج يا محمد فخرجت إلى الباب فإذا ملك واقف على دابة فقال اركب فركبت دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل خطوها مد البصر ثم سار بي نحو بيت المقدس وهو المسجد الأقصى من مكة فإذا أتيت على واد طالت يداها وقصرت رجلاها وإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتى انتهيت إلى بيت المقدس فبشرني فيه إبراهيم خليل الرحمن وموسى وعيسى ابن مريم - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - في نفر من الأنبياء فأممتهم وصليت بهم في مسجد بيت المقدس العشاء الآخرة.
قال ولقد صليت الغداة كما ترين في بيتك وإذا عيسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رجل ربعة دون الطويل وفوق القصير عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر تعلوه صهوبة يشبه عروة بن مسعود الثقفي من أمتي.
وأما موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فرجل طويل آدم جعد الشعر كأنه من رجال أزد شنوءة، وإذا إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شبه خَلْقه خَلْقي وخُلُقه خُلُقي.
قالت: ثم أخذ إزاره فاتزر به فقلت: أين تريد يا رسول الله، فقال: أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بذلك فقالت: إذا يكذبونك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: أمرت بذلك فأخذت بإزاره وإنه لقائم فقال: والله لأحدثنهم إني أمرت بذلك فخرج نحوهم وأمرت جارية لي فقلت: اتبعي ابن عمي فانظري ماذا ترد عليه قريش، فاتبعته ثم رجعت فأخبرتني أنه انطلق حتى وقف على نادي قريش في المسجد وفيهم مطعم بن عدي ونوفل فقال لهم: يا معشر قريش قد صليت العشاء الآخرة بهذا الوادي هذه الليلة ثم صليت ببيت المقدس ولقد رجعت فصليت بالوادي، فقال له مطعم: أتحدثنا أنك ذهبت مسيرة شهر ذاهبا ومسيرة شهر مقبلا مسيرة شهرين في ليلة واحد؟ فقال: أما والله أن لو كنت شابا لأخذتك بيدي ثم قام إلى حوض له على زمزم أعطاه إياه عبد المطلب فهدمه.
قالت له قريش: عجلت على ابن أخيك فلعله أن يكون صادقا دعنا حتى نسأله عن آية ما يقول، فإن لنا ركابا بالشام نسأله عنها فإذا أخبرنا بما تعرف ونعرفه كنت لم تعجل عليه وإن لم يفعل عرفنا باطله، ثم
قالوا: أخبرنا يا محمد عن عيرنا فهي أهم علينا من قولك هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان.
وهي بالروحا وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء وقد عطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا؟ قالوا له: هذه آية.
قال: ومررت بعير بني فلان وفيها فلان وفلان وهما راكبان على قعود لهما فنفر مني القعود فرمى بفلان فانكسرت يده، فسلوهما عن ذلك، قالوا: وهذه آية.
قالوا: أخبرنا عن عيرنا نحن، قال: مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عددها وأحمالها وهيئتها؟ فقال: كنت في شغل عن ذلك.
قال: ثم مثلت له مكانه فقال: نعم هيئتها كذا وعددها كذا وفيها فلان وفلان ويقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم غدا عند طلوع الشمس قالوا: هذه آية.
ثم خرجوا نحو وهم يقولون والله لقد فصل بيننا وبين محمد حتى أتوا جبلا بكذا فجلسوا عليه وجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل منهم: والله إن الشمس قد طلعت وقال آخر: وهذه الإبل قد طلعت يقدمها جمل أورق فيها فلان وفلان كما قال، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا وقالوا: ما سمعنا بهذا قط إن هذا سحر مبين» فرموه بالسحر وصدقه أبو بكر فسمي الصديق من أجل ذلك، وبالله التوفيق.
الصبغ بالسواد
في الصبغ بالسواد وسئل عن الصبغ بالسواد فقال: ما علمت أحدا ممن مضى كان يصبغ به، وما بلغني فيه نهي، وغيره من الصبغ أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا متكررا في أول السماع،
ومضى الكلام عليه مستوفى في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
تعليم الصبي الصغير
في تعليم الصبي الصغير قال: وسمعته وسئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، قال: ما أرى هذا ينبغي.
قال محمد بن رشد: إنما قال مالك: إنه لا ينبغي هذا من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم وهو صغير جدا وترك الرفق به في ذلك، وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» وبالله التوفيق.
هيئة دخول النبي عليه السلام مكة عام الفتح
في هيئة دخول النبي عليه السلام مكة عام الفتح وزعم يحيى بن سعيد «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين دخل مكة عام الفتح دخلها في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا، أكب على واسطة رحله حتى كادت تنكسر ثم قال: الملك لله الواحد القهار» . قال محمد بن رشد: إنما أكب- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على
واسطة رحله تواضعا لله عز وجل وشكرا له على نصره إياه وإظهار دعوة الإسلام.
وقد مضى في رسم البز ذكر غزوة فتح مكة والسبب في ذلك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
ما أشير به على عائشة من أن توصي بأن تدفن مع النبي عليه السلام
فيما أشير به على عائشة من أن توصي
بأن تدفن مع النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
قال مالك: كان في موضع النبي وأبي بكر وعمر فضل من ورائهم، فقيل لعائشة لو أمرت إذا مت أن تدفني فيه، فقالت إني إذا لمبتدية به.
قال محمد بن رشد: خشيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إن أوصت بذلك أن ينفس عليها ذلك فيذهب إلى المنع من ذلك ويأبى من عهدت إليه بذلك إلا إنفاذ عهدها فيقع في ذلك حرب وقتال، ولذلك قالت عائشة إني مبتدية إذا بعمل، والله أعلم.
الدخول في الحروب الواقعة بين الصحابة رضي الله عنهم
في الدخول في الحروب الواقعة بين الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قال مالك: سأل رجل أبا موسى الأشعري: أرأيت إن خرجت بسيفي أضرب به ابتغاء وجه الله حتى ألقاه؟ فقال له ذلك لك، فقال له ابن مسعود: انظر ما تفتي به ليخرجن من هذه الأمة كذا وكذا كلهم يريد وجه الله لا يدرك رضوانه.
قال محمد بن رشد: إنما تقاتلت الطائفتان من الصحابة على ما تقاتلت عليه من الخلافة؛ لأن كل واحدة منهما اعتقدت الحق [إنما كان
معها، وأن الواجب عليها هو الذي فعلت، فلمن كان على الحق منهما] والصواب أجران أجر لاجتهاده وأجر لموافقة الحق، ولمن لم يكن على الحق منهما أجر واحد على اجتهاده، فهذا وجه ما أفتى به أبو موسى الأشعري الرجل الذي سأله عما سأله عنه؛ لأنه لا يخلو في قتاله مع إحدى الطائفتين أن يوافق التي هي على الحق أو الأخرى، فإن وافق التي هي على الحق كان له أجران، وإن وافق الأخرى كان له أجر واحد.
ورأى عبد الله بن مسعود وجه الخلاص له التورع عن القتال مع واحدة من الطائفتين مخافة الوقوع في الإثم بالتقصير في الاجتهاد والخطأ من أجل ذلك.
والذي عليه أهل السنة والحق أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هو كان على الحق لما كان عنده في ذلك عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما لو علمه غيره لسلم له الأمر، والله أعلم وبه التوفيق.