البيان والتحصيلكتاب الجامع الثالث
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الثالث

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الكلام بعد طلوع الفجر

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية في الكلام بعد طلوع الفجر قال مالك: حدثني أبو النصر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، ثم ينصرف، قالت: فإن كنت يقظانة حدثني، وإن كنت نائمة اضطجع حتى يأتيه المؤذن، وذلك بعد طلوع الفجر» . قال: وقد كان سالم بن عبد الله يتحدث بعد الفجر، قال: ولم أدرك الناس إلا على ذلك.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكا يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كله في كتاب الصلاة الثاني من المدونة وزاد فيها قال: وإنما يكره الكلام بعد صلاة الصبح، ولقد رأيت نافعا مولى ابن عمر، وموسى بن ميسرة، وسعيد بن أبي هند يجلسون بعد أن يصلوا الصبح، فيتفرقون للركوع، وما يكلم أحد منهم صاحبه، يريد بذلك، اشتغالا بذكر الله، فأجاز مالك الكلام بعد الفجر، إلى صلاة الصبح،

اتباعا لحديث عائشة، وكره الكلام بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، أو قرب طلوعها.
وأهل العراق على ضد هذا، يكرهون الكلام بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح، ولا بأس بالكلام عندهم بعدها.
قال أحمد بن خالد: والسنة ترد ما قالوه، وما قاله مالك من حديث عائشة يرد قول أهل العراق.
وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من «أنه كان إذا صلى الصبح حول وجهه إلى الناس وقال: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا» وبالله التوفيق.

تفضيل عمررضي الله عنه لركبة على الشام

في تفضيل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لركبة على الشام وقال في تفسير قول عمر: بيت بركبة خير من عشرة أبيات بالشام.
قال مالك: يريد بذلك الوباء بالشام وصحة ركبة.
قال محمد بن رشد: ركبة موضع بين الطائف ومكة، في طريق العراق، قاله ابن وضاح.
وقال غيره: ركبة واد من أودية الطائف.
وتفسير مالك للحديث صحيح.
والمعنى فيه أن الأمراض تقل بركبة.
وتطول أعمار أهلها بها في الغالب من أحوالهم، بخلاف الشام، التي ينتابها الوباء وتكثر فيها الأمراض بعادة أجراها الله في البلدين مع اختلاف الهواء فيهما، لا أن في ذلك للهواء تأثيرا.
ولم ينكر قول القائل من الحكماء: هواء بلد كذا جيد مصح للأجسام.
وهواء بلد كذا فاسد مولد للأمراض؛ لأن ذلك عندهم مجاز، ليس على ظاهره من الحقيقة؛ لأن الهواء لا يصح الجسم، ولا يولد فيه مرضا بحال، والفاعل لذلك كله إنما الله عز وجل، لكنه تعالى أجرى ما يفعله من ذلك كله على عوائد أمره عليها، فلما وجدت بلدان على مر الدهور والأزمان، يختلف هواؤها ويختلف أحوال أهلها فيها بالصحة

والمرض على وتيرة واحدة، نسب إلى هواء كل بلد حال أهله من الصحة والسقم، مجازا على غير حقيقة.
هذا هو الواجب اعتقاده في هذا، وما عداه كفر.
والحديث عن عمر في الجامع من الموطأ، وقد روي عنه أنه قال: لأن أعمل عشر خطايا بركبة، أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة.
والمعنى في هذا تفضيل مكة على ركبة، بأن السيئات تضاعف فيها، كما تضاعف فيها الحسنات، وقد رأى بعض العلماء تغليظ الدية في الجراح والنفس في البلد الحرام والشهر الحرام.
وبالله التوفيق.

استتابة القدرية

في استتابة القدرية قال مالك في القدرية: إن لم يتوبوا أرى أن يقتلوا.
قال محمد بن رشد: قول مالك في القدرية: إنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا.
كما يفعل بالمرتدين، يدل على أنه كفرهم بما يدينون به من اعتقادهم.
وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب المرتدين والمحاربين.
وفي رسم يريد من سماع عيسى منه، فمن أراد الوقوف على الشفاء من ذلك تأمله هناك، وبالله التوفيق.

ما جاء من اختتان إبراهيم صلى الله عليه بالقدوم

فيما جاء من اختتان إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بالقدوم قال: وسمعت مالكا يحدث، قال: «اختتن إبراهيم بالقدوم على رأس عشرين ومائة سنة.
وبقي بعد ذلك ثمانين سنة» . قال محمد بن رشد: قد روي هذا الحديث عن سعيد بن المسيب

عن أبي هريرة، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. فمن الرواة من أوقفه على سعيد بن المسيب، ومنهم من أوقفه على أبي هريرة، ومنهم من أسنده إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وهو الصحيح؛ لأن مثله لا يكون رأيا.
وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله غليه وسلم أنه قال: اختتن إبراهيم بعد ما مرت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم.
والقدوم موضع، وقيل فيه: إنه الحديدة التي اختتن بها.
روي عن عكرمة أنه قال: ختن نفسه بالفاس فصرف بصره عن عورته أن ينظر إليها.
قال: فلم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختونا.
والمعنى في صرفه بصره عن عورته، أنه فعل ذلك تكرما إذ لا حرج على الرجل في النظر إلى عورته.
والختان طهرة الإسلام.
روي عن المسيب بن رافع أنه قال: أوحى الله إلى إبراهيم أن تطهر فتوضأ، فأوحى الله أن تطهر فاغتسل، فأوحى الله إليه أن تطهر، فاختتن.
فصار الختان من ملته وشريعته التي أمر الله نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالتزامها حيث يقول: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] . أي الزموها.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78] . الآية.
روي عن ابن عباس أنه قال: الأقلف لا تؤكل له ذبيحة، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز شهادته.
وروى أبو بردة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الأقلف: «أنه لا يحج بيت الله حتى يختتن» . وفي الحديث من الفقه وجوب الختان على من أسلم كبيرا.
فروي عن مالك أنه كان يرخص بذلك للشيخ الكبير، ولا يرى بإمامته بأسا، ولا بشهادته وذبيحته وحجه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا ضعف وخاف على نفسه، كان له أن يترك الختان.
وقال سحنون: ليس له أن يتركه، وإن خاف على نفسه منه.
ألا ترى أن الذي يجب عليه قطع يده، لا يترك عنه ذلك، وإن خيف عليه منه.
وحد الختان عند مالك، إذا أدب على الصلاة ابن عشر سنين ونحوها.
وكره الختان يوم السابع.
قال: لأنه فعل اليهود.
وروي أن إبراهيم عليه السلام ختن ابنه

إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وإسحاق لسبعة أيام.
وأنه كان بين ختان إسماعيل ومولد إسحاق سنة.
وأما الخفاض للنساء، فإنه مكرمة للنساء، وكان أول ذلك ما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حديث سارة مع الملك.
قال فيه: فوهب لها هاجر فخدمتها ما شاء الله، ثم إنها غضبت عليها ذات يوم فحلفت لتغيرن منها ثلاثة أشياء.
فقال إبراهيم لها: تخفضينها وتشقين أذنيها، واختلف فيمن ولد مختونا فقيل: تمر الموسى عليه، فإن كان فيه ما يقطع قطع، وقيل قد كفي المؤنة فيه.
وهو الأظهر إن شاء الله.

الشرب في القدح المضبب بالفضة

في الشرب في القدح المضبب بالفضة وسئل مالك عن الرجل يشرب في القدح وفيه تضبيب ورق أو حلقة من ورق.
قال: لا أحب الشرب فيه.
قال محمد بن رشد: قياس القدح المضبب بالفضة، أو الذي يكون فيه الحلقة من الفضة، قياس الثوب يكون فيه العلم من الحرير.
وقد مضى هذا في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها قبل هذا.

الشرب في نفس واحد

في الشرب في نفس واحد قال مالك في حديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إني لا أروى من نفس واحد، فقال له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فأبن القدح عن فيك» ، وإني لا أرى بالشرب من نفس واحد بأسا، وأرى فيه رخصة لموضع الحديث.
إني لا أروى من نفس واحد.
قال محمد بن رشد: استدلال مالك بالحديث على إجازة الشرب في نفس واحد بين واضح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نهى عن

النفخ في الشراب فقال له الرجل: إني لا أروى من نفس واحد قال له: «فأبن القدح عن فيك ثم تنفس» ومعناه: فإن كنت لا تقدر على ذلك فأبن القدح عن فيك ثم تنفس.
وفي ذلك دليل ظاهر على أنه إن قدر على ذلك جاز له أن يفعله.
والنظر يدل على جواز ذلك أيضا؛ لأن النهي إنما جاء عن النفخ في الإناء أو التنفس فيه.
روي عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أن ينفخ في الإناء أو يتنفس فيه» . وعن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب.
ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عنه ثم يتنفس» . فإذا لم يتنفس في الإناء جاز له أن يشرب كيف شاء، إن شاء في نفس واحد، وإن شاء في نفسين.
وهو قول عمر بن عبد العزيز.
روي عن ميمون بن مهران أنه قال: رآني عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب، فجعلت أقطع شرابي وأتنفس.
فقال: إنما نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تنفس في الإناء، فإذا لم تنفس فيه فاشربه إن شئت في نفس واحد.
وقوله عين الفقه، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح عن جماعة من السلف، أنهم كرهوا ذلك، منهم ابن عباس وطاوس وعكرمة.
قالوا: الشرب من نفس واحد شرب الشيطان، وبالله التوفيق.

كسر معاصر الخمر

في كسر معاصر الخمر قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز بعث في كسر معاصر الخمر، فكسرت أو كسر بعضها.
قال مالك: قد تكون أشياء فيها رخص، من تركها غير محرم لها فلا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: ما بلغ مالكا من أن عمر بن عبد العزيز بعث

في كسر معاصر الخمر معناه: في معاصر المسلمين، لا في معاصر أهل الذمة.
قاله مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان.
وهو صحيح؛ لأن أهل الذمة إنما بذلوا الجزية على أن يقروا في ذمتهم على ما يجوز لهم في دينهم، فلا يمنعون من عصر الخمر إذا لم يظهروها في جماعة المسلمين.
وقوله أو كسر بعضها معناه: أنه ترك منها ما لم يتهم صاحبه على أنه إنما يعصر الخمر فيها ليشربها أو ليبيعها، لاحتمال أن يكون إنما يعصرها فيها ليخللها أو ليبيعها.
وقول مالك قد تكون أشياء فيها رخص من تركها غير محرم لها فلا أرى به بأسا.
كلام فيه نظر؛ لأن من ترك الرخص وتجنبها فقد أخذ بالاحتياط لنفسه، وذلك نهاية الورع، فلا يقال في مثل هذا: إنه لا بأس به، وإنما يقال فيه: إنه قد أتى ما يستحب له، فينبغي أن يتأول الكلام على أن فيه إضمارا، فيكون معناه من تركها غير محرم لها فقد أحسن لأنه مأجور على ذلك، ومن أتاها فلا بأس به أي لا إثم عليه في ذلك، وذلك في مثل أن يعصر الرجل الخمر ليجعلها خلا فلا بأس بذلك، إذ قد رخص فيه من أباحه، ومن لم يأخذ بالرخصة في ذلك فقد أحسن.
وإلى هذا الوجه من الرخص ذهب مالك - والله أعلم- في قوله: وقد تكون أشياء بما دل عليه من جواز المسألة، وقد ذكرنا في كتاب الأشربة من المقدمات حكم تخليل الخمر وتخللها مستوفى لمن أراد الوقوف عليه.

حكم أكل الضب

في أكل الضب قال: وسئل مالك عن أكل الضب فقال: لا أرى بأكله بأسا.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى في أكله بأسا، معناه مباح لا إثم في أكله.
ولا جزاء في تركه.
وقوله صحيح، للأحاديث الواردة فيه، منها حديث عبد الله بن عمر في الموطأ «أن رجلا نادى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فقال يا رسول الله: ما ترى في الضب، فقال رسول الله صلى الله

عليه: لست بآكله ولا محرمه» وإنما لم يأكله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه عافه.، إذ لم يكن بأرض قومه، على ما جاء من «أن عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد دخلا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيت ميمونة، زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده، فلما أخبر أنه ضب، رفع يده.
فقال له خالد بن الوليد: أحرام يا رسول الله؟ فقال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر» . لما نص النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في هذا الحديث على أنه ليس بحرام وأخبر بالعلة التي من أجلها رفع يده ولم يأكله، مع أنه مباح ليس بمحرم ولا مكروه، وقد كره أكله جماعة من العلماء، لما روي عن ثابت بن وديعة قال: «كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جيش، فأصبنا به ضبابا.
قال: فشريت منها ضبا وأتيت رسول الله فوضعته بين يديه، قال: فأخذ عودا فعد به أصابعه فقال: إن بني آدم مسخت دواب في الأرض، ولا أدري أي الدواب هي؟ قال: فلم يأكل ولم ينه» . وإذا لم يأكله مخافة أن يكون مسخا فهو مكروه.
من تركه أجر، ومن أكله لم يأثم.
وقد روى ابن مسعود عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما يبطل هذه العلة.
وذلك أنه «سئل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن القردة والخنازير، أهم من نسل الذين مسخوا؟ فقال: إن الله لم يهلك قوما أو لم يمسخ قوما فيجعل لهم عاقبة

ولا نسلا، ولكنهم من شيء كان قبل ذلك» وليس هذان الحديثان بمتعارضين.. والمعنى فيهما- والله أعلم- أن ما أخبر به النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في حديث ابن مسعود من أن المسوخ لم يكن لها نسل، متأخر عما جاء عنه في حديث ثابت ابن وديعة، من أنه شك في الضب، وخشي أن يكون من المسوخ، فعلم آخرا ما شك فيه أولا.
وهذا يقضي بأنه لا كراهية في أكل الضب، وأنه من الجائز المباح.
فمن كرهه لم يبلغه حديث ابن مسعود.
والله أعلم.
إذ لا يصح أن يحمل الحديثان على التعارض.

تفسير الفدادين

في تفسير الفدادين وسئل مالك عن تفسير الفدادين قال: هم أهل الجفا.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا التفسير لمالك في رسم حلف، وهو تفسير صحيح، وبالله التوفيق.

يمر بالحوائط هل يأكل من فاكهتها

في الذي يمر بالحوائط هل يأكل من فاكهتها؟ وسئل مالك عن الأعناب والفاكهة التي في الأجنة يمر بها الناس، مثل فواكه الشام ومصر، قال: لا أحب لأحد أن يأكلها.
قيل له: فإن أجراءها يطعمون الناس منها.
قال: لا أحب لكم أن تأكلوه.
ثم قال: أرأيت رجلا مر براعي غنم ليست له، أله أن يبتاع منها؟ وقد مر ابن عمر على راع معه غنم، فسأله: ألك هذه الغنم؟ فقال: لا.
فقال: ابتعني من هذه الغنم، فقال: ليست لي فقال له ابن عمر: بلى فبعني وما علم أربابها.
قال: فأين الله؟ قال: فأعجب ذلك ابن عمر.
فسأل عنه حتى اشتراه فأعتقه.
وإن في حديث الابن عن النبي عليه السلام ما فيه عبرة، وهو أهون على أهله من فواكههم.
وإنما ذكرنا هذا لهذا.

قال محمد بن رشد: لم ير مالك لرجل إذا مر بجنان غيره أن يأكل من ثمره، وكذلك إذا مر بجنان أبيه أو أمه أو أخيه على ما يأتي له في صدر سماع أشهب بعد هذا.
وإن أذن له في ذلك أجيره وأطعمه إياه؛ لأن الأجير لم يؤذن له بذلك.
واستدل على ذلك بما ذكره من أن الرجل إذا مر براعي غنم لا يجوز له أن يشتري شيئا منها.
واختلف هل يصدقه أولا يصدقه إذا زعم أنه أذن له في ذلك، أو كان ممن يشبه أن يؤذن له فيه؟ فقيل: إنه يصدقه إذا زعم أنه أذن له في ذلك، وكان ممن يشبه أن يؤذن له فيه.
وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الضحايا.
وقيل: إنه لا يصدقه وهو ظاهر ما في سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس.
واعتبر في المنع من أن يأكل الرجل من ثمار ما مر به من الحوائط بحديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الابن الذي أشار إليه، وهو قوله في حديث عبد الله بن عمر في الموطأ: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» . وهو اعتبار صحيح؛ لأنه إذا لم يجز أن تحتلب ماشيته إلا بإذنه، واللبن يعود في الضروع كل يوم، فأحرى ألا يكون له أن يأكل من ثمر حائطه.
وهو إنما يأتي من عام إلى عام.
ومن الحجة له قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29] وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه» وقد فرق بين اللبن والثمار بأن اللبن

مختزن في الضروع، فهو بمنزلة ما اختزن من الثمار في البيوت.
وقال في الرواية في الثمار: لا أحب لأحد أن يأكلها، ولم يقل لا يحل ذلك له، وإن كان عنده لا يجوز له إلا عند الضرورة التي تبيح له أكل الميتة إذا أمن أن يعد سارقا على ما قاله في موطاه؛ لأن أهل العلم قد اختلفوا في إجازة ذلك للآثار الواردة فيه.
منها حديث عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «من دخل حائطا فأكل منه فلا يتخذ خبنة» . ومنها حديث سمرة بن جندب، أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإذا أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليشرب ولا يحمل» ، ولا حجة في شيء من هذه الآثار إلى مالك؛ لأن الحديث الأول قد ذكر فيه الحاجة، والحديث الثاني والثالث، يحتمل أن يكون المعنى فيهما في ذي الحاجة، كما في الحديث الأول.
وقد حمل هذين الحديثين على ظاهرهما جماعة من أهل العلم عن أبي زينب قال: صحبت عبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك، وأبا بردة في سفر، فكانوا يصيبون من الثمار.
وقال الحسن: يأكل، ولا يفسد، ولا يحمل.
وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك في أموال أهل الذمة وغيرهم.
وذلك خلاف ما ذكرناه من مذهب مالك، أنه لا يأكل إلا أن يحتاج.
قال ابن وهب عنه: فإن دخل الحائط فوجد الثمر ساقطا فلا يأكل منه، إلا أن يحتاج، أو يعلم أن صاحبه طيب النفس به، يريد لصداقة بينهما، والله أعلم.
فقد ذكر حارث بن مسكين قال: سمعت أشهب بن عبد العزيز

يقول: خرجنا مرابطين إلي الإسكندرية، فمررنا بجنان الليث بن سعد، فأكلنا من الثمر، فلما رجعت دعتني نفسي إلى أن أستحل ذلك من الليث، فدخلت إليه فقلت: يا أبا الحارث إنا خرجنا مرابطين، ومررنا بجنانك، فأكلنا من الثمر، فأحببنا أن تجعلنا في حل، فقال الليث: يا ابن أخي لقد نسكت نسكا أعجميا.
أما سمعت الله يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: 61] : فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه الذي يسره بذلك.
ومن أهل العلم من لم يجز له أن يأكل شيئا، وإن كان صديقا له إلا بإذنه.
وهو مذهب مالك، - لأنه إذا لم يجز ذلك، وإن كان أباه أو أمه أو أخاه، فأحرى ألا يجيز ذلك إن كان صديقا.
فيتحصل في المسألة إذ لم يحتج ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والفرق بين الصديق وغيره.
وهو أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب.
وهذا في ثمر الحائط، دون لبن الماشية؛ لحديث عبد الله بن عمر في الموطأ في لبن الماشية.
وقيل: بل ذلك في لبن الماشية وفي ثمر الحائط سواء، لحديث سمرة بن جندب الذي ذكرناه.
وأما إذا احتاج فلا اختلاف في أنه يجوز له أن يأكل من ثمر الحائط الذي يمر به، ويحتلب من لبن الغنم الذي يمر بها ما يرد به جوعه من ذلك كله.
وبالله تعالى التوفيق..

الدؤابة للصبيان

في الدؤابة للصبيان قال مالك: أكره الدؤابة للصبيان، وأن يترك بعض رأسه ويحلق بعضها.
قال محمد بن رشد: الدوابة للصبيان هي الناصية تترك في بعض رأس الصبي، ويحلق سائره، فكره ذلك لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن القزع» . وهو حلق بعض الرأس دون بعض.
فعم

ولم يخص صغيرا من كبير.
وكذلك كره في رسم الجامع من سماع أشهب من كتاب السلطان القصة والقفا للصبيان لهذا الحديث.
وقال: إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره كله فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه كله فليحلقوه.
وقد كاتبت في ذلك بعض الأمراء وأمرته أن ينهى عنه، فسئل عن القصة وحدها بلا قفا فقال مثل ما قال في القصة والقفا.
وقد مضى الكلام على ذلك هناك مستوفى، وبالله التوفيق.

تفسير الشؤم في الدار والفرس

في الشؤم في الدار والفرس وسئل مالك عن تفسير الشؤم في الدار والفرس قال: ذلك فيما نرى: كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم سكنها آخرون فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا، وهذا تفسيره فيما نرى، والله أعلم.
قال محمد بن رشد: قوله سئل عن تفسير الشؤم في الدار والفرس معناه: سئل عن الشؤم الذي جاء الحديث أنه في الدار والفرس ما هو؟ والمروي في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حديثان في جامع الموطأ: أحدهما قوله: «إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن» يعني الشؤم.
والثاني قوله: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» وليس ذلك بتعارض بين الحديثين.
والمعنى فيهما أنه قال في الأول منهما: إن كان قبل أن يعلم أن ذلك يكون، فلما علم بإعلام الله له، إذ لا ينطق عن الهوى أن ذلك يكون، قال: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» وفسر مالك الشؤم بما قد فسره به مما يصيب ساكن بعض الدور في أغلب الأحوال، من الهلاك وشبهه

ومعناه، بعادة أجراها الله من غير أن يكون للدار في ذلك تأثير، أو عدوى، وقد ذهب بعض الناس إلى أن حديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» يعارضه ما جاء عنه من أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة» . وضعف حديث الشؤم لما روي من «أن عائشة أنكرت على أبي هريرة حديثه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: الطيرة في المرأة والدار والدابة، وأقسمت أنه ما قاله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قط.
وإنما كان أهل الجاهلية يقولونه.
ثم قرأت ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] » ومنهم من صحح الحديث وتأوله على أن معنى الشؤم في الدار، سوء الجوار، وفي المرأة سوء خلقها.
والذي أقول به: إنه لا تعارض بين الحديثين؛ لأن المعنى الذي أوجبه في أحدهما غير المعنى الذي نفاه في الأخرى.
نفى في الحديث الواحد أن يكون لشيء من الأشياء عدوى في شيء من الأشياء أو تأثير فيه بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» ، إذ لا فاعل في الحديث سوى الله عز وجل.
وأعلم في الحديث الأخر أنه قد يوجد الشؤم في الدار والمرأة والفرس، وهو تكرر الأذى على ساكن بعض الدور، أو نكاح بعض النساء، أو اتخاذ بعض الخيل بقضاء الله وقدره السابق على ما أخبر به في كتابه حيث يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [الحديد: 22] .... الآية.
وفي الفرس ركوبه فيما لا ينبغي ركوبه فيه، لا بعدوى في شيء من ذلك إلى شيء ولا تأثير له فيه، فلم ينف النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله «لا عدوى» وجود ما هو موجود مما يعتدي، وإنما بقي أن يكون شيء من الأشياء يعدي على ما يعتقده أهل الجاهلية والجهالة بالله.
ألا ترى إلى

ما جاء في الحديث الصحيح من قوله: «لا عدوى ولا هام ولا صفر، ولا يحل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء، قالوا: يا رسول الله وما ذاك؟ فقال رسول الله: إنه أذى» فنفى أن يكون لشيء عدوى، ونهى أن يحل الممرض على المصح؛ لأنه أذى، أي لأنه قد يتأذى بذلك على ما هو موجود من جري العادة في ذلك، من فعل الله وقدره السابق.
ويبين هذا الذي ذكرناه، حديث أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا عدوى ولا هامة ولا صفر ". فقام أعرابي فقال يا رسول الله: إن الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيرد عليها البعير الجرب فتجرب كلها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فمن أعدى الأول؟» وبالله التوفيق.

تفسير حديث النبي عليه السلام اعلفه نضاحك

في تفسير النضاح في الحديث وسئل مالك عن تفسير حديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اعلفه نضاحك» " قال: رقيقك؛ لأن النضاح عندهم الرقيق.
ويكون من الإبل.
ولكن تفسيره الرقيق.
قال محمد بن رشد: حديث النبي عليه السلام الذي جاء فيه «اعلفه نضاحك» هو حديث مالك في موطئه عن ابن شهاب «عن ابن محيصة الأنصاري أحد بني حارثة، أنه استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال " اعلفة نضاحك» يعني رقيقك.
وهو كما قال - رَحِمَهُ اللَّهُ - من أن النضاح الرقيق.

وقد يكون من الإبل، والأظهر في الحديث أنه أراد النضاح فيه من الإبل؛ لأنه حال فيه اعلفه، ولم يقل أطعمه؛ لأن العلف إنما يستعمل في البهائم، لا في بني آدم.
ويبين هذا قوله في غير هذا الحديث: «اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك» . ولم ينه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن إجارة الحجام، من أجل أنها حرام، وإن كان قد روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في كسب الحجام، أنه سحت.
وروي عنه أنه قال: «السحت كسب الحجام» . وأنه قال فيه: " إنه خبيث " إذ لو كان حراما أو سحتا أو خبيثا لما جاز أن يطعمه رقيقه.
وإنما المعنى فيه أنه من الكسب الذي يستحب لذوي الفضل والأقدار أن يتنزهوا عنه.
فإن كان ولا بد فلا يأكلوه ويطعموه رقيقهم، كما جاء في الحديث، وقد قال مالك: لا بأس بإجارة الحجام.
واحتج في ذلك بأن قال: كل ما يحل للعبيد أكله يحل للأحرار، وبالله التوفيق.

تفسير قوله عليه السلام في الحديث انجو عليها بنقيها

في تفسير قوله في الحديث «انجو عليها بنقيها» وسئل مالك عن تفسير قوله: انجو عليها بنقيها قال: نقيها شحومها وأنفسها.
أما تسمع أنه يقال: لا تنقي فهو النقي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن النقي الشحم والقوة في

النفس، والحديث الذي جاء هذا فيه.
هو حديث مالك الذي رواه في موطئه عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن خالد بن معدان يرفعه: «إن الله تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجو عليها بنقيها، وعليكم بسير الليل، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس على الطريق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الحيات» وقوله في الحديث «ويعين عليه ما لا يعين على العنف» والعنف لا يحبه الله ولا يرضى به.
والمعنى فيه إن الله يعطي صاحب الرفق من بلوغ حاجته التي يستعين بها على أمور دينه ودنياه، ما لا يعطي لصاحب العنف، يريد بهذا التأويل قوله في الحديث: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» . وسائر ما في الحديث أدب أرشد النبي عليه السلام إليه المسافر، من أن ينزل الدواب منازلها في الخصب لترعى فيه، وتقوى على المسير، ويسرع السير عليها في الجدب قبل أن تضعف، فلا تقدر على السير.
وحض على السير بالليل؛ لأن الدواب إذا استراحت بالنهار نشطت على المشي بالليل، وكان أخف عليها من المشي بالنهار، فقطعت فيه من المسافة ما لا تقطع في قدره من النهار.
فهذا هو معنى قوله: «فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار» . إذ لا تطوى على الحقيقة لا في الليل ولا في النهار إلا للأنبياء معجزة وللأولياء كرامة.

ما جاء في قول الرجل هلك الناس

فيما جاء في قول الرجل هلك الناس وسئل مالك عن تفسير: «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم» قال: ما أرى ذلك فيما أرى، والله أعلم، إلا أن يقول: هلك الناس، أي إني خير منهم.
قال: وأما إذا قال هلك الناس تحزنا عليهم فلا بأس.
قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء هذا فيه وسئل مالك عن تفسيره هو حديث أبي هريرة في جامع الموطأ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم» وتفسير مالك صحيح لا اختلاف أعلمه في أن معنى الحديث، إذا قال ذلك إعجابا بنفسه، واحتقارا للناس.
وأما إذا قاله إشفاقا على من بقي، لقلة الخير فيهم، وتحزنا على من مضى لكثرته فيهم، فليس ممن جاء الحديث فيه، والله أعلم.
وقد قال مسلم بن يسار: إذا لبست ثوبا فظننت أنك فيه أفضل منك في غيره، فليس الثوب هو لك.
قال مسلم: وكفى بالمرء من الشر أن يرى أنه أفضل من أخيه.

خشية عمر بن عبد العزيز

في خشية عمر بن عبد العزيز قال مالك: صلى بالناس عمر بن عبد العزيز المكتوبة، فقرأ بهم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1] فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]

خنقته العبرة فلم يستطع أن يجاوز ذلك ثم أعادها فلما بلغ ذلك الموضع أيضا خنقته العبرة، فتركها.
ثم قرأ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] . قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية في الخوف لله.
ومن بلغ هذا الحد فهو من أهل الجنة بفضل الله.
قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] . وقد روى الصلت عن ابن القاسم أنه قال: لا يطلق على من حلف بالطلاق، وأن عمر بن عبد العزيز من أهل الجنة.
وسئل مالك عن ذلك فتوقف، وقال: عمر بن عبد العزيز إمام هدى أو قال رجل صالح، وفضائله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أكثر من أن تحصى.
وقول ابن القاسم بالصواب أولى لأن الأمة قد اجتمعت على الثناء عليه، والشهادة له بالخير وهي معصومة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «لن تجتمع أمتي على ضلالة» ، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» . وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة.

ما يلزم من بر الأب

ما جاء فيما يلزم من بر الأب وسئل مالك عن الرجل يكتب اسمه قبل اسم أبيه فقال: هذا الضلال، والنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يقول: «كبر كبر» .

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن للأب عليه حق السن الذي أمر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن يقدم بسببه.
وحق الأبوة الذي هو أكبر من حق السن.
قال الله عز وجل: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14] وقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» . ولما جاء من أنه ما بر أبويه من شد النظر إليهما أو إلى أحدهما.
وبالله التوفيق.

وضع المرأة جلبابها عند زوج ابنتها

في وضع المرأة جلبابها عند زوج ابنتها وسئل مالك عن الرجل أتضع أم امرأته عنده وهي قاعدة جلبابها؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] الآية.
فأباح عز وجل أن تضع خمارها عن جيبها وتبدي زينتها عند ذوي محارمها من النسب والصهر، زوج ابنتها من ذوي محارمها، فجاز أن تضع عنده جلبابها، وقد كره مالك في رسم حلف في كتاب النكاح أن يسافر الرجل بامرأة أبيه، بعد أن يفارقها أبوه استحسانا، بعد أن استدل بقوله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]

الآية.
على جواز ذلك.
وكره ذلك ابن القاسم فارقها أو لم يفارقها، لاحتمال أن يكون أراد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع محرم من ذوي محارمها» من النسب دون الصهر.
وقد نص الله في هذه المسألة على ذوي محارمها من النسب والصهر بقوله: ﴿آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] فوضع جلبابها عنده أبين في الجواز من سفرها معه.
وبالله تعالى التوفيق.

صلاة الرجل في بيته بزوجته

في صلاة الرجل في بيته بزوجته وسئل مالك عن الرجل يصلي في بيته المكتوبة، أيصليها بزوجته وحدها؟ قال: نعم.
وتكون وراءه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن للرجل أن يصلي بزوجته وحدها وتكون وراءه صحيح مما اجتمع عليه العلماء، ولم يختلفوا فيه؛ لأن سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال وخلف الإمام، لا في صف واحد معه ولا معهم، واحدة كانت أو اثنتين أو جماعة، وإنما الكلام في الرجل أو الرجلين إذا كانا مع الإمام، على ما مضى القول فيه في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله تعالى التوفيق.

يقين يعقوب عليه السلام برؤيا ابنه يوسف

في يقين يعقوب برؤيا ابنه يوسف وسمعته يقول: كان يعقوب يقول في غمراته التي كان فيها: فأين رؤيا يوسف؟ يقينا بما أراه الله.
قال محمد بن رشد: معنى هذا أنه كان يقول في غمراته التي

كانت تعتريه من شدة وجده على يوسف، لما كان يوسف منه، فأين رؤيا يوسف؟ يقينا بأنها ستخرج على ما تأولها عليه، وذلك أن يوسف لما قال له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] تأول أن إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر رجلا، وأبويه سيسجدون له، أعلمه الله بذلك، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5] يقول: يحسدونك ظنا منهم، فكان حقا، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5] أي بين العداوة.
ثم قال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: 6] أي يصطفيك ربك، وهو الإخبار بالنبوءة.
وهو شيء أعلمه الله يعقوب، أنه سيعطي يوسف النبوءة.
وقوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6] قيل: تعبير الرؤيا، وقيل: عواقب الأمور التي لا تعلم إلا بوحي النبوءة.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: 6] بالنبوءة ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 6] . أعلمه أنه سيعطي أولاد يعقوب النبوءة كلهم.

ما يخشى على محتكر الطعام من فساد نيته

فيما يخشى على محتكر الطعام من فساد نيته قال: وسمعت رجلا كان عنده طعام كثير، فغلا الطعام، فأتى الناس يغبطونه بذلك، قال: فإني أشهدكم أنه للناس بما أخذته.
وقال: أبجوع الناس تغبطوني.
قال محمد بن رشد: في قوله: هو للناس بما أخذته، دليل على أنه اشتراه للحكرة، ولم يصبه من حرثه.
ومعنى ذلك أنه اشتراه في وقت لا يضر شراؤه بالناس، إذ لو اشتراه في وقت يضر شراؤه بالناس، لكان ما فعل من إعطائه لهم بما اشتراه به، هو الواجب عليه، إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة في وقت يضر احتكاره بالناس، وأما

احتكارها في وقت لا يضر احتكارها فيه بالناس، ففيه أربعة أقوال، أحدها: إجازة احتكارها كلها: القمح والشعير وسائر الأطعمة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: المنع من احتكارها كلها جملة من غير تفصيل، للآثار الواردة في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وغيره، فقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا يحتكر إلا خاطئ» وهو مذهب مطرف وابن الماجشون.
والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير، وهو دليل رواية أشهب عن مالك في رسم البيوع الأول من كتاب جامع البيوع.
والرابع: المنع من احتكارها كلها، ما عدا الأدم والفواكه، والسمن، والعسل والتين، والزبيب وشبه ذلك.
وقد قال ابن أبي زيد فيما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة: معناه في المدينة، إذ لا يكون الاحتكار أبدا إلا مضرا بأهلها، لقلة الطعام بها، فعلى قوله، هم متفقون على أن علة المنع من الاحتكار تغلية الأسعار، وإنما اختلفوا في جوازه لاختلافهم باجتهادهم في وجود العلة وعدمها.
ولا اختلاف بينهم في أن ما عدا الأطعمة من العصفر والكتان والحنا وشبهها من السلع يجوز احتكارها إذا لم يضر ذلك بالناس.

الدعاء في حوائج الدنيا

في استحباب الدعاء في حوائج الدنيا قال: وحدثني يحيى بن سعيد أنه كان بإفريقية، قال: فأردت حاجة من حوائج الدنيا، قال: فدعوت فيها ورغبت ونصبت واجتهدت، قال: ثم ندمت بعد ذلك، فقلت: لو كان دعائي هذا في حاجة من حوائج آخرتي، قال: فشكوت ذلك إلى رجل كنت أجالسه فقال لي: فلا تكره ذلك.
فإن الله قد بارك

لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء.
قال مالك: بينما عروة بن الزبير في المسجد، إذا برجل يصلي، ثم انصرف ولم يدع كثيرا.
قال: فدعاه عروة بن الزبير فقال له: أما كانت لك حاجة إلى الله؟ والله إني لأدعو في حوائجي حتى في الملح، وقد بلغني أنه ما من داع يدعو إلا كان على إحدى ثلاث: إما أن يعطى الدعوة التي دعاها، أو يدخر له، أو يصرف عنه بها.
قال محمد بن رشد: قوله في الحكاية الأولى: فإن الله قد بارك لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء.
معناه قد بارك له في حاجة وفقه فيها للدعاء، إذ هو مأذون له في الدعاء في جميع حوائجه؛ لأن الدعاء عبادة من العبادات يؤجر عليها الأجر العظيم، أجيبت دعوته فيما دعا به أو لم تجب.
لأنه لا يدعو ويجتهد في الدعاء إلا بإيمان صحيح، ونية خالصة.
ولن يضيع له ذلك عند الله تعالى، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] فهذا وجه بركة تلك الحاجة عليه إن كانت سببا لانتفاعه بدعائه في أخراه، وإن حرم المنفعة به في دنياه؛ لأن الذي أعطي خير من الذي حرم.
وليس فيما جاء في الحديث من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه» . ما يدل على أنه لا يدخر له ولا يكفر عنه إذا استجيب له.
لأن المعنى فيه إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه مع الاستجابة له.
والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.

حسن الأدب مع السائل الجاهل

في حسن الأدب مع السائل الجاهل قال: وسمعته يقول جاء رجل بدوي إلى القاسم فقال له: أنت أفقه أم سالم؟ فقال له: ها أنذا وذاك سالم، فإن تأته لم يخبرك إلا بما أحاط به علما.
قال محمد بن رشد: لما سأله عما يكره الجواب فيه بما يعتقده في نفسه، من أنه أفقه من سالم، عدل له عن الجواب عما سأله عنه إلى الثناء على سالم بما يعتقده فيه من محاسن الأخلاق.

اقتناء الكلاب

فيما جاء في اقتناء الكلاب قال محمد بن أحمد العتبي: وحدثني سحنون بن سعيد، عن ابن القاسم، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان» . قال محمد بن رشد: القيراط مثل جبل أحد على ما جاء في حديث ثواب المصلي على الجنازة، فالمقدار الذي يكون للمصلي على الجنازة من الأجر، هو المقدار الذي يحط كل يوم من أجر مقتني الكلب لغير ماشية ولغير صيد.
وهو عدد ما في جبل أحد من مثاقيل الذر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] . فإذا كان من يعمل من

الخير والشر مثقال ذرة يراه، فالذي يعمل مثقال القيراط من الخير والشر.
يكون له من الخير وعليه من الشر زنة جبل أحد من مثاقيل الذر، ولا يعلم قدر ذلك من الثواب أو الإثم الذي يستحق عليه العقاب، إلا أن يغفر الله له، إلا يوم الجزاء والحساب؛ لأن الثواب ليس بجسم، يعبر بالوزن، وإنما هو تمثيل وتشبيه.
وقد يمثل ما يعقل مما لا يوزن، ليفهم معناه ويعلم.
فعقلنا بهذا الحديث أنه ينتقص من أجر مقتني الكلاب لغير ماشية ولا صيد كل يوم من الثواب، عدد ما في جبل أحد من المقدار الذي تفضل الله به على من عمل أدنى يسير من الخير.
وهو مقدار الذرة.
وفي قوله في الحديث: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية» دليل على أنه يجوز اقتناء كلب الصيد وكلب الماشية.
والاقتناء لا يكون إلا بالاشتراء.
ففيه دليل على جواز بيع كلب الماشية والصيد، وهو قول ابن نافع وابن كنانة وسحنون وأكثر أهل العلم، والصحيح في النظر؛ لأنه إذا جاز الانتفاع به، وجب أن يجوز بيعه، وإن لم يحل أكله، كالحمار الأهلي الذي لا يجوز أكله، ويجوز بيعه لما جاز الانتفاع به.
وهو دليل هذا الحديث، على ما ذكرناه، خلاف ما قاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، من أنه لا يجوز بيع كلب ماشية ولا صيد، كما لا يجوز بيع ما سواها من الكلاب، لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن ثمن الكلب عموما.
وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع، وبالله تعالى التوفيق.

قول النبي عليه السلام في غفار وأسلم وعصية

قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في غفار وأسلم وعصية وحدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن عبد الرحمن بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قال: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله» . قال محمد بن رشد: إنما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عصية إنها عصت الله ورسوله، لما كان من غدرهم بأهل بير معونة، وذلك أن رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، على ما في الصحيح «استمدوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار، كانوا يسمون بالقراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنقار ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببير معونة قتلوهم وغدروا بهم.
فبلغ النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.
قال أنس راوي الحديث: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.
وأما أسلم، فإنما قال فيها: سالمها الله.
لما روي عن أبي هريرة أسلم ومعه سبعون راكبا من أهل بيته.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الحمد لله إذ أسلمت بنو سهم طائعين غير مكرهين، ودعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فقال: أسلم سالمها الله» . وذلك إن إسلامهم كان سالما من غير حرب.
وإما غفار فإنما خصهم بالدعاء والمغفرة - والله أعلم- لمبادرتهم إلى الإسلام، وقد أسلم أبو ذر في أول أيام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بمكة، غير ظاهر، وفي قصة إسلامه أنه قال: «أتيت رسول الله فأسلمت، فرأيت الاستبشار في وجهه، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا جندب رجل من غفار، فكأنه ارتدع وود أني كنت من غير قبيلتي.» وذلك لما كانوا يقرفون به من الشر.
وكانوا يستحلون

الشهر الحرام في الجاهلية، ويسرقون الحجيج، ويشبه والله أعلم أن يكون " إنما دعا لهم بالمغفرة ليمحو تلك السيئة ويزيلها عنهم، ثم حسن بلاء هاتين القبيلتين في الإسلام.
ويقال كان مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أسلم يوم حنين أربعمائة فارس.
ومن غفار مثل ذلك، ذكر ذلك الخطابي.
وبالله التوفيق.

التبرك بما لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم

في التبرك بما لبسه رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: حدثني يحيى بن سعيد، «أن النبي عليه السلام لبس بردة من صوف.
    قال فلبسها ونزع خلق ثوب كان عليه، قال فجاءه رجل فقال يا رسول الله اكسني إياه، قال: فأعطاه إياه، وأخذ خلق ثوبه، فكره الناس ما صنعه الرجل، فعاتبوه في ذلك، فقال: أما إني لم أسأله إياه أن ألبسه، ولكني أردت أن أجعله كفنا لي» . قال محمد بن رشد: في هذا ما كان عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من السخاء وبذل المال، والإيثار به عن نفسه، وترك رد من يسأله خائبا.
    وبالله التوفيق.

الربا بين العبد وسيده

في الربا بين العبد وسيده قال مالك: ولا أحب للسيد أن يكون بينه وبين عبده ربا؛ لأنه لو كان عليه أين كان يحاص سيده بما أربا؟ ولو أعتقه تبعه ماله، فلا أحب أن يكون بينه وبين عبده ربا.
قال محمد بن رشد: كره مالك الربا بين العبد وسيده، ولم يحرمه فقال: لا أحب للسيد أن يكون بينه وبين عبده ربا، وان كان العبد يملك على مذهبه ما ملكه سيده أو ملكه غيره بوجه جائز، من أجل أن ملكه لماله غير مستقر، إذ لسيده أن ينزعه منه، فلما كان له أن ينتزع ماله بغير رضاه، لم يحرم عليه أن يأخذ منه ما أربى معه فيه، إلا أنه كره ذلك، إذ لم

يأخذه بوجه الانتزاع، وإنما أخذه باسم الربا، فكره ذلك لذلك، ولما ذكره في الرواية.
من أن الربا يثبت له عليه فيحاص به غرماءه إن كان عليه دين.
ومراعاة للخلاف في ملك العبد أيضا، إذ من أهل العلم من يقول: إنه لا يملك، وإن ماله لسيده، ويجب عليه زكاته، ولا يجوز للعبد أن يتصرف فيه، وهو مذهب الشافعي.
وأبي حنيفة، القولين وجه، وقول مالك أظهر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ولا يوصف بالفقر والغنى من لا يملك، فربا السيد مع عبده من المشتبهات التي من تركها أجر، ومن فعلها لم يأثم، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الحلال والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن أتقى المشتبهات استبرا لدينه» وكذلك الربا مع الحربي في دار الحرب مكروه، وليس بحرام؛ لأنه لما جاز له أن يأخذ من ماله ما لم يؤتمن عليه لم يحرم عليه أن يربي معه فيه، وكره من أجل أنه لم يأخذه على الوجه الذي أبيح له أخذ ماله، وإنما أخذه بما عامله عليه من الربا.
وبالله تعالى التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل