كتاب النكاح الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أبطلت عنه شرطي ووضعته له فذلك، وإن كانت أشهدت له في ذلك على امرأة واحدة، فذلك له.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وسيأتي أيضا في رسم باع شاة من سماع عيسى، وفي سماع أصبغ هذا المعنى.
مسألة: نكح امرأة بدين إلى أجل
مسألة قال: وسئل عمن نكح امرأة بدين إلى أجل فقال: إني لأستحب أن ينقد شيئا، ولو فعل لجاز ذلك، ولكن أحب إلي أن يقدم شيئا.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في هذا الرسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الدعوة إلى الوليمة
مسألة وسئل عن الدعوة إلى الوليمة فقال: أرى أن يجيب إلا أن يكون له علة من مرض أو غيره، قيل له: أرأيت إن أخر ذلك إلى يوم السابع ثم دعا أيجب ذلك على من دعي؟ فقال: إني أرى أن يأتي، وليس ذلك مثل الوليمة لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع، قلت: أرأيت الذي يؤذن فيجيء فيقف ثم يستأذن وليست به علة ولا له حاجة؟ فقال: إني أرى أن يأتي فيبرك وينصرف، وإني ربما فعلت ذلك، قلت: أرأيت صاحب الوليمة يدعو إنسانا فيقول له: اذهب فانظر من لقيت فادعه، فيدعو الرجل، أهو في سعة من ترك إجابته؟ فقال: أرجو ألا يكون على هذا بأس أن لا يأتيها لأنه لا يعرفه بعينه ولم يتعمده.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم القول في وجوب إجابة الداعي إلى وليمة العرس خاصة وأنه لا سعة له في التخلف عنها إلا من عذر، وأنه في سعة من ترك الأكل فيها، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
وإنما افترقت الوليمة من غيرها من الأطعمة في وجوب الإتيان إليها لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا بد للعرس من وليمة»، ولقوله لعبد الرحمن بن عوف «أولم ولو بشاة» ولقوله: «الوليمة حق والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء» فإذا جعل الرجل الوليمة والسابع جميعا كان حقا على من دعي إلى الوليمة أن يأتي لأنه دعي إلى حق، وكان من دعي إلى السابع بخلاف ذلك إذ لم يدع إلى حق، وإنما دعي إلى معروف، فإن شاء أن يأتي وإن شاء أن يترك، وكذلك إن ترك الوليمة وفعل السابع لأنه ترك الحق وفعل المعروف، فلم يكن على من دعي إليه أن يجيب، وأما إن أخر الوليمة إلى يوم السابع فقال مالك: إني أرى أن يأتي، ولم ير ذلك مثل الوليمة، قال: لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع، ووجه تعليله تخفيف الإتيان بأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع هو أنه لما كان الرجل قد يجعلهما جميعا، احتمل عنده أن يكون لم يؤخر الوليمة إلى يوم السابع، وإنما تركها وعمل السابع، ولو كان من عادة الناس في البلد ألا يولموا على أعراسهم إلا يوم السابع لوجب على من دعي إليها أن يأتيها لأنها هي الوليمة بعينها، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تنكح المحتاج قد عظمت حاجته فلا يجد ما ينفق عليها
مسألة قال: وسألته عن المرأة تنكح المحتاج قد عظمت حاجته فلا يجد ما ينفق عليها، ثم تطلب النفقة هل ترى عليه نفقة؟ قال: ما أمر الناس إلا أن عليه النفقة إلا أن يكون بعض هؤلاء السؤال الذين يطوفون على الأبواب، فلا أرى لها عليه نفقة.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب: قد علمت حاجته، وما في الكتاب من قوله: قد عظمت حاجته، أصح في المعنى؛ لأن النفقة لو كانت واجبة لها على المحتاج الذي قد علم احتياجه إذا لم يكن سائلا لكان أحرى أن يجب لها عليه إذا كان سائلا لأن مسكنة الذي ليس بسائل أشد من مسكنة السائل على ما جاء في الحديث من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس»، الحديث، وإنما لم يوجب لها على السائل الذي يطوف على الأبواب نفقة لأن حاله مشهور، فحملها على العلم بذلك بخلاف الذي ليس بسائل، فيرجع معنى الرواية إلى أنها إذا تزوجته وهي تعلم أنه فقير لا يقدر على الإنفاق فلا نفقة لها عليه كان سائلا أو لم يكن، وإلى أنها في السائل محمولة على العلم بحاله بخلاف الذي ليس بسائل، ويؤيد هذا التأويل قول ابن حبيب، قال: وإذا تزوجته وهو فقير لا شيء عنده، فقد عرفت أن مثله لا يجري النفقة على النساء، فليس لها بعد ذلك قول، وفي المدونة من قول يحيى بن سعيد ما يدل على أن الفقير لا نفقة عليه لزوجته، ومعناه إذا علمت بفقره، وهو قوله: إذا تزوج الرجل المرأة وهو غني ثم احتاج فلم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما، وقال أبو الحسن القابسي: إذا ترك السائل التطواف كانت لامرأته حجة، وفرق بينهما، وقال محمد بن عبد الحكم: على الزوج الإنفاق على كل حال وإن كان سائلا يطوف بالأبواب، فرأى محمد بن عبد الحكم النفقة لها عليه واجبة وإن كانت مسكنته ظاهرة مشهورة بتطوافه على الأبواب، وهو أظهر، إذ قد يسأل وله مال، وقد يكون الفقير في الظاهر له مال في الباطن، فهي تقول: لولا أن له مالا لم يتزوجني إذ قد علم أن على الزوج أن ينفق على زوجته، وأما إذا لم تعلم بفقره فلا اختلاف في أن لها النفقة عليه، فإن لم ينفق طلقت عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: أصدقها ستين دينارا فقال أبوها نضع عنك عشرين على ألا تخرج بها
مسألة قال: وسئل عمن خطب امرأة فواطأها على ستين دينارا صداقا،
فلما أراد أن يتزوجها على ذلك قال له أبوها: هل لك أن نضع عنك عشرين دينارا ونزوجكها بأربعين دينارا على أن لها ألا تخرج بها من المدينة؟ فقال: نعم، وتزوجها على ذلك.
ثم أراد الخروج بها فقال: ذلك له، وعليه العشرون دينارا التي وضع من صداقها لمكان الشرط، قيل له: إنه لم يقع النكاح بالستين، إنما كان مذاكرة، فقال: ولكن ذلك صداقها، وإنما الذي لا يكون له فيه شيء أن تقول: أتزوجك بمائتي دينار أضع عنك مائة على أن لا تخرجني، فهذا ليس بصداق، وله أن يخرجها ولا شيء عليه، قيل له: أرأيت إذا واطأها على ستين دينارا ثم وضعت له عشرين على أن لا يخرجها من بلدها، ثم طلقها قبل أن يمسها، أتأخذ منه نصف الصداق ثلاثين أم عشرين؟ فقال: لا بل لا تأخذ إلا عشرين، وليس لها في هذا حجة؛ لأنه قد تركها على ما شرط لها ولم يخرجها، فليس لها إلا نصف الأربعين، قال: وإني لأرى الوفاء لمن شرط لامرأته أن لا يخرجها حسنا ينبغي له أن يفعل، ولا أرى ذلك عليه، وإني لأكره أن ينكح على مثل هذا ألا يخرجها من بلدها ولا يمنعها من داخل يدخل عليها، ولا يمنعها من حج ولا عمرة ولا من الخروج، إذا كان هكذا فهو لا يملكها ملكا تاما، فأنا أكرهه كما أكره أن يشتري الرجل الجارية بشرط، وليس هكذا يكون النكاح.
قال محمد بن رشد: لم يختلفوا أن ما وضعت عنه بعد العقد من صداقها للشرط لها أن ترجع فيه إن لم يف لها بالشرط، وجعل هاهنا ما وضعت عنه مما تواطأوا عليه، وإن لم يتم العقد بمنزلة ذلك لها أن ترجع فيه إن لم يف لها بالشرط، قال محمد بن المواز: وذلك إذا كان الزوج قد رضي بما تواطأوا عليه، وأما إذا لم يكن من الزوج رضى إلا بما عقد بعضه ببعض فلا رجوع لها في شيء من ذلك، وقول محمد تتميم للمسألة وبيان لها، وهي مسألة صحيحة والوجه فيها أنها لم ترض أن تتزوج بما دون الستين التي قد
رضي بها إلا على الشرط الذي شرطت عليه، فإذا لم يف لها بالشروط رجعت عليه بتمام الستين التي قد كان رضي بها دون شرط، وقد مضى في هذا الرسم القول في وجه استحسان مالك أن من شرط لامرأته شرطا لا يلزمه الوفاء به أن يفي به، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: أراد الخروج بامرأته إلى موضع يزعم أنه أرفق به وتأبى امرأته أن تتبعه
مسألة وسئل عمن أراد الخروج بامرأته إلى موضع يزعم أنه أرفق به، وتأبى امرأته أن تتبعه، أذلك له؟ فقال: كيف حاله لها قبل أن يريد الخروج بها، ينظر إلى صلاحه وإحسانه إليها، ليس له أن يخرج بها إلى ثم ثُم يطعمها شوك الحيتان.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إنه إذا كان محسنا إليها ومن أهل الصلاح حكم له بالخروج بها، أحبت أم كرهت، وإن كان بخلاف هذه الصفة من الإساءة إليها والفساد في دينه، لم يُمَكَّن من الخروج بها إذا أبت أن تخرج معه لما تخشى من إضاعته لها لقلة رغبته فيها، وهو محمول على ما يوجب الخروج بها حتى يعلم خلاف ذلك، هذا الذي يقتضيه ظاهر قوله في كتاب إرخاء الستور من المدونة، والحر في هذا بخلاف العبد على ما قاله ابن القاسم في رسم الجواب من طلاق السنة، وبالله التوفيق.
المرأة تجعل في أطراف رأسها الصوف تمسك به المشط
ومن كتاب الجنائز قال: وسئل مالك عن المرأة تجعل في أطراف رأسها الصوف تمسك به المشط، قال: لا بأس بهذا، الشعر شعرها، لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله: في أطراف رأسها، معناه في أطراف شعر رأسها، خرج مخرج قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يريد أهل القرية، ومعنى قوله: تمسك به المشط؛ أي تستبقي به أثر المشط في رأسها، وهو الترجيل، فتقيه بذلك من التشعث، فلم ير بذلك بأسا إذا كان الشعر شعرها لم تصله بشعر غيرها لأن
هذا هو الذي جاء فيه الحديث بلعن الواصلة والمستوصلة، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تتزوج تريد التحليل لزوجها والذي تزوجها لم يرد ذلك
مسألة وروى أشهب وابن نافع قالا: قيل لمالك: أرأيت إذا تزوجت المرأة وهي تريد التحليل لزوجها لذلك تزوجته إلا أن الزوج الذي تزوجها لم يرد ذلك ولم يعلم به أيحلها هذا النكاح لزوجها الأول؟ فقال: لا أرى بهذا النكاح بأسا، وأراه يحلها لزوجها الأول لأن المرأة ليس بيدها من هذا شيء، ليس تقدر على الطلاق، وقد تزوج المرأةَ النكاحَ الحسن، وهي تحب أن ترجع إلى زوجها الأول، فلا أرى بهذا بأسا لأنه ليس إلى المرأة من الطلاق شيء، وليس ذلك بيدها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن نية المرأة في نكاحها التحليل لزوجها لا يضرها ولا يؤثر في صحة النكاح ولا في وقوع التحليل إذ ليس بيدها من الطلاق شيء، ويدل على ذلك من الحديث قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لتميمة بنت وهب زوجة رفاعة إذ طلقها ثلاثا فنكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فناشدته الطلاق فطلقها فأتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بذلك فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، وكذلك المطلق لا تؤثر نيته في النكاح ولا في وقوع التحليل به إذ لا مدخل له في إمساك الزوج الثاني ولا إلى طلاقه، وقد قال إبراهيم النخعي والحسن البصري: إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح، وهو بعيد جدا، وإنما يعتبر في ذلك نية الزوج الذي الطلاق بيده، فإذا تزوج الرجل المرأة المطلقة ثلاثا ونيته أن يحلها لزوجها احتسابا في ذلك وإن لم يكن بمواطأة بينه وبين الزوجة أو الزوج فهو نكاح فاسد لا تحل به المرأة لزوجها الذي طلقها بإجماع من مالك وأصحابه، قال ابن حبيب: وكذلك لو قال في
نفسه: إن وافقتني أمسكتها وإلا كنت قد احتسبت في تحليلها كان نكاحا فاسدا لم يحل له المقام عليه ولا تحل به المرأة لزوجها الأول إذا خالطت نية الزوج شيئا من إرادة التحليل، واختلف في المذهب إذا تزوجها رجل قد كان حلف أن يتزوج على امرأته ليس يمينه هل يحلها هذا النكاح أم لا يحلها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحلها كانت تشبه مناكحه فيبر في يمينه أو لا تشبه مناكحه فلم يبر في يمينه؛ لأنه نكاح صحيح لو شاء أن يقيم عليه أقام، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، والثاني: أنه لا يحلها كانت مما يشبه مناكحه فيبر في يمينه أو ممن لا تشبه مناكحه فلا يبر، وهو قول ابن دينار وأحد قولي ابن كنانة، والثالث: الفرق بين أن تكون تشبه مناكحه أو ممن لا تشبه مناكحه وهو أحد قولي ابن كنانة، ومن أهل العلم من قال: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان بذلك، وهو مأجور على ذلك، وهو قول ابن القاسم وسالم وربيعة ويحيى بن سعيد.
وأما عقد النكاح على التحليل فلا اختلاف بين أهل العلم أن ذلك لا يجوز، وهو داخل تحت اللعنة، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» من رواية علي وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة، وفي حديث عقبة: «ألا أدلكم على التيس المستعار؟ هو المحلل» وإنما اختلفوا في جوازه إذا وقع، فالذي ذهب إليه مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم أنه نكاح فاسد لا يحل المقام عليه يفسخ قبل الدخول وبعده، ويكون فيه الصداق المسمى، وقيل: صداق المثل، ومن أهل العلم من أجاز النكاح وأبطل الشرط، وبالله التوفيق.
مرت به امرأة في الظلام يظنها امرأته فقال لها أنت طالق إن وطئتك الليلة
من سماع عيسى بن دينار من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب نَقَدَهَا نَقْدها قال عيسى: قال ابن القاسم في رجل تزوج امرأة فنقدها
نقْدها ثم أراد سفرا، فسأل أهلها أن يدخلوا عليه امرأته فأجابوه، فلما كان العتمة أدخلت عليه جارية " امرأته وامرأته ثيب، ثم سألوه أن يكف عن وطئها فقال: أنا أطأ امرأتي كل مملوك لي حر إن وطئتها الليلة وهو يشير إلى الجارية يظن أنها امرأته، ثم إنه وطئها تلك الليلة، فلما دخل عليه أهله إذا الجارية لا امرأته، فلما مضى لهم نحو من شهر إذا الجارية قد حملت وعليه لامرأته كل امرأة يتزوجها فهي طالق وكل جارية يتخذها فهي حرة وأمرها بيدها، قال ابن القاسم: أرى أن رقيقه أحرار ويلحق به الولد ولا تُقَوَّم الجارية عليه، ولا حد عليه ولا على الجارية، ولا طلاق عليه في امرأته ولا تمليك لها؛ لأنه لم يطأ جارية يملكها، ولا تمليك لها.
وإن كانت المرأة لم تعلم بأمر الجارية وإنما أهلها صنعوا ذلك بغير علم منها رجعت على الزوج بقيمة الولد، ولم يرجع الزوج على الذين غروه ودلسوا له بشيء؛ لأنه لا يكون أسوأ حالا من الذي يغتصب الجارية فيبيعها فيتخذها المشتري أم ولد فيستحقها صاحبها فيأخذها ويأخذ قيمة ولدها، والمشتري لا يرجع على المغتصب بأكثر من الثمن الذي دفع إليه ولا يرجع عليه بما أدى من قيمة ولدها، وإن كان ذلك بعلم من المرأة فلا شيء لها عليه من قيمة الولد ولا تقوم عليه الجارية إلا أن يشاء هو ذلك، قيل: فإن لم تكن الجارية أخرجت إليه إلا أنهم سألوه أن يكف عن وطئها قبل أن يخرجوها فحلف بمثل تلك اليمن وليست هي حاضرة ثم أخرجت إليه فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن رقيقه أحرار خلاف قوله في أول هذا الرسم من كتاب الأيمان بالطلاق في الذي مرت به امرأة في ظلمة الليل فوضع يده عليها وهو يظن أنها امرأته، فقال لها: أنت طالق إن وطئتك الليلة وهو يرى أنها امرأته ثم وطئها تلك الليلة فقال: لا شيء عليه لأنه وطأ غير امرأته لأنه حلف أن لا يطأها وهو يشير إلى الجارية وهو يظن أنها امرأته،
والقولان قائمان من كتاب العتق الأول من المدونة في الذي دعا عبدا له يقال له ناصح ليعتقه فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر وهو يظنه ناصحا، والأظهر أنه لا شيء عليه في رقيقه فيما بينه وبين الله تعالى على ما قاله في مسألة العتق ولا في القضاء والحكم أيضا إذا ثبت البساط المذكور في المسألة.
وقوله: ولا تقوم عليه الجارية خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون في الذي يزوج الرجل ابنته فيحبسها ويبعث إليه بأمته فيصيبها من أنها تقوم عليه لأنه وطئها على شبهة درأ بها عنه الحد بمنزلة الذي يحل له الجارية، وقول ابن القاسم أظهر لأن الذي حللت له الجارية فعل ما لا يجوز له لمن وطئها فكان ذلك منه رضى بالتزام قيمتها، وهذا لم يتعد في وطء هذه الجارية وإنما وطئها وهو يرى أنها امرأته، فوجب أن لا يكون عليه في ذلك شيء من حد ولا قيمة لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولم ير على الجارية حدا لأنه عذرها بالملك فجعلها من أجله في حكم المكرهة على أصله في سماعه من كتاب الحج في المحرم يطأ جاريته وهو محرم أن عليه أن يحجها ويهدي عنها أكرهها أو لم يكرهها، قال: وليست الأمة في الاستكراه مثل الحرة، وقال ابن الماجشون: إنها تحد إلا أن تقول لم أعلم وظننت أنكم زوجتموني منه، وعلى الذي أدخل عليه الجارية النكال الموجع من الإمام، وسائر ما ذكر في المسألة صحيح بين المعنى لا اختلاف فيه ولا إشكال في شيء من معانيه، وبالله التوفيق.
مسألة: الذي يصيبه البرص أيفرق بينه وبين امرأته
مسألة وسئل عن الذي يصيبه البرص أيفرق بينه وبين امرأته؟ قال: إن جاء من ذلك أمر ضرر يعرف أنه لا يستطاع أن يقام عليه فرق بينه وبينها.
وإن كان خفيفا فليس ذلك لها، والبرص عند ابن القاسم خفيف، قال ابن القاسم: وأما الجذام البين فإنه يفرق بينه
وبينها، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم القول في حكم البرص يقربه أحد الزوجين أو يحدث به بعد العقد فلا معنى لإعادة ذلك، وأما الجذام البين فسواء كان بالزوج من قبل العقد أو حدث به بعد العقد فيما يجب للزوجة من أن يفرق بينها وبينه، فإن فرق بينهما قبل الدخول لم يكن لها شيء من الصداق، وإن فرق بينهما بعد الدخول كان لها جميع صداقها، وإن رجي برؤه لم يفرق بينهما إلا بعد أن يضرب له أجل لعلاجه، قاله ابن القاسم في المدونة.
ولأشهب في سماع زونان أنه لا يفرق بينهما إلا أن يكون متفاحشا لا يحتمل النظر إليه وتغض الأبصار دونه، ومعنى ذلك إذا كان حادثا فلا اختلاف في وجوب التفرقة بينهما بالجذام الذي يكون بالزوج، قبل العقد إذا كان بينا وإن لم يكن متفاحشا، فإن رضيت بالمقام معه ثم أرادت بعد ذلك القيام عليه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك ليس لها إلا أن يزيد، وهو قول ابن القاسم في رسم الجواب بعد هذا، والثاني: أن ذلك ليس لها وإن زاد، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان قوله فيه إنه يفرق بينهما وإن لم يكن مؤذيا ولا فاحشا لأنه يزيد ولا تؤمن زيادته وانتقاصه، والثالث: أن ذلك لها وإن لم يزد، وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، قاله في الفاحش على أصله في أنه لا يفرق بينهما إلا فيه، وأما إذا كان الجذام بالمرأة، فإن كان قديما قبل العقد كان للزوج ردها به إذا كان بينا وإن لم يكن فاحشا، وإن كان حادثا بعد العقد فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق ويكون عليه نصف الصداق قبل الدخول وجميعه بعد الدخول، وإن شاء أمسك.
وأما الجنون بالزوج فسواء أيضا كان به قديما قبل العقد أو حادثا بعده من حق الزوجة أن يفرق بينه وبينها به بعد أن يضرب له أجل سنة لتداويه، قيل: وإن كان يعفيها من نفسه ولا يخاف عليها منه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم باع شاة من سماع عيسى بعد هذا، وقيل: بل إذا كان لا يعفيها من نفسه ويخاف عليها منه، وهو قول ابن وهب وأشهب في سماع زونان وقول ربيعة في النكاح الثاني من المدونة، فإن فرق
بينهما قبل الدخول لم يكن لها شيء من الصداق.
وأما الجنون بالمرأة فإن كان قديما قبل العقد كان للزوج ردها به، وإن كان حادثا بعده فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، ويكون عليه نصف الصداق قبل الدخول وجميعه بعد الدخول، والحمد لله.
مسألة: أيتزوج الرجل الحر أمة وهو يجد طولا
مسألة وسئل مالك أيتزوج الرجل الحر أمة وهو يجد طولا؟ قال: نعم
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم بعد هذا [في هذا] الرسم: لا بأس أن يتزوجها وإن كان لا يخاف على نفسه عنتا وهو واجد للطول، وهو المشهور عند ابن القاسم، والمشهور عن مالك أنه لا يجوز له أن يتزوجها إلا مع عدم الطول وخوف العنت، وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، فمن رأى القول بدليل الخطاب لم يبح نكاح الأمة للحر إلا بالشرطين، ومن لم ير القول به أباح ذلك له دون الشرطين، والعلة في المنع من ذلك إلا بالشرطين عند من رأى القول بدليل الخطاب الكراهة للحر في أن ينكح نكاحا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحر أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان ممن لا يولد له كالحصور وشبهه جاز نكاحه مع عدم الشرطين لعدم علة المنع قولا واحدا كالعبد، فعلى القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجدا للطول آمنا من العنت لا كلام للحرة إن تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمة لأن الأمة على هذا القول من نسائه كالعبد، هذا الذي نزل عليه ألفاظ المدونة.
وقد تأول أبو إسحاق التونسي أن الحق في ذلك للحرة على كلا القولين جميعا سواء، وهذا إنما يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى الخيار للحرة إذا تزوج العبد عليها الأمة أو تزوجها على الأمة، وقد اختلف على القول بالمنع إلا مع الطول في الطول ما هو؟ فقيل: الصداق والنفقة، وقيل:
الصداق وحده طول وإن عجز [أيضا] عن النفقة، واختلف أيضا في الحرة تكون عنده هل هي طول تمنعه من نكاح أمة، واختلف على القول بأنها طول إن تزوج أمة ثم وجد طولا، فقيل: إنه يفارق الأمة ويتزوج حرة، وقيل: بل يبقى معها إلا أن يتزوج حرة فيفارقها، وقيل: بل يبقى معها وإن تزوج حرة لأنه قد تقدم تزويجه إياها بوجه جائز، وأما إن ذهب عنه خوف العنت بتزويج الأمة فليس عليه مفارقتها قولا واحدا، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة البكر أو غير البكر تعطي الرجل دنانير على أن يتزوجها بها
مسألة وسئل عن المرأة البكر أو غير البكر تعطي الرجل دنانير على أن يتزوجها بها، قال: إن كانت ثيبا فزادها على ما أعطته ربع دينار فصاعدا فلا بأس به، وإن كانت بكرا فسخ النكاح إلا أن يتم لها الصداق، إذا لم يدخل بها [لأن أصل النكاح صحيح] وأما إذا دخل بها ألزم الصداق وكان لها صداق مثلها، رجع ابن القاسم ثم قال: النكاح ثابت دخل بها أو لم يدخل، وإن كانت بكرا كان عليه أن يعطيها من ماله مثل الذي أصدقها من مالها، وإن كانت ثيبا فأعطاها من ماله ربع دينار لم يكن عليه أكثر من ذلك.
قال محمد بن رشد: أما الثيب فإن زادها على ما أعطت ربع دينار فأكثر جاز النكاح لأنها مالكة أمر نفسها فعطيتها له جائزة، والرضى بالصداق إليها، فقد رضيت بما زادها على ما أعطته صداقا، وإن زادها أقل من ربع دينار على ما أعطته كان بمنزلة من تزوج بأقل من ربع دينار يكون مخيرا على مذهب ابن القاسم في المدونة قبل الدخول بين أن يتم لها ربع دينار أو يفسخ النكاح، ويلزمه بعد الدخول تمام ربع دينار، ويفسخ قبل الدخول ويثبت
بعده بصداق المثل على قول غيره فيها، وإن لم يزدها شيئا إن كان الذي أعطته أكثر من الذي زوجها به كان بمنزلة من نكح على أنه لا صداق عليه يفسخ قبل الدخول وبعده كالموهوبة، وقيل: يفسخ قبله ويمضي بعده بصداق المثل على حكم النكاح الفاسد لصداقه، وأما البكر فسواء زادها على ما أعطته شيئا أو لم يزدها لا يجوز ذلك له لأنها مولى عليها لا تجوز عطيتها، واختلف قول ابن القاسم فيما يلزمه، فمرة قال: النكاح ثابت لا خيار له فيه دخل أو لم يدخل، ويؤخذ منه من ماله مثل ما كان أصدقها من مالها، ووجه ذلك أنها قد استحقت ما كان أصدقها فوجب أن ترجع عليه بمثله، كالعبد يعطي الرجل دنانير ليشتريه بها من سيده فيشتريه ولا يستثنى [من] ماله، وهو قوله الذي رجع إليه هاهنا، ومثله بعد هذا في سماع سحنون، ومرة قال: إن كان قبل الدخول كان مخيرا بين أن يعطيها من ماله مثل ما كان أصدقها من مالها وبين أن يفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول كان لها صداق مثلها، ووجه هذا القول أن أصل النكاح صحيح لأنه لم يقع إلا بصداق غير أن الزوج لو علم أن العطية لا تمضي له لم يرض أن يبذل هذا الصداق من ماله، فلا يلزمه بعد الدخول إلا صداق المثل، ويفسخ النكاح قبل الدخول إلا أن يرضى أن يعطيها من ماله مثل ما كان أصدقها، وبالله التوفيق.
مسألة: يخطب المرأة فتأبى عليه إلا أن يجعل طلاقها في طلاق صاحبتها
مسألة وسئل عن الرجل تكون له المرأة فيخطب فتأبى عليه إلا أن يجعل طلاقها في طلاق صاحبتها فيرضى فيدخل بها ثم يطلق الأولى، قال: إن كان إنما أراد طلاقها في طلاق صاحبتها أنه إن طلقها فصاحبتها طالق فلا شيء عليه إن طلق الأولى، وإن لم تكن له نية فهما جميعا طالقتان لأن المرأة إذا تزوجت إنما تشترط أنك إن طلقتني فصاحبتي طالق، فهذا وجه ما يعرف، فإن كان هذا الذي أراد فلا شيء عليه، وإن لم ينو شيئا من ذلك فهما جميعا طالقتان.
قال محمد بن رشد: حمل يمينه على ما يقتضيه اللفظ إذا لم تكن له نية ولم يراع المعنى الذي هو معروف من قصد المرأة في شرطها، وهذا أصل مختلف فيه، والأظهر مراعاته، فيجب على ذلك إن لم تكن له نية ألا شيء عليه وأن لا يكونا جميعا طالقتين إلا أن يكون أراد أنه إن طلق صاحبتها فهي طالق، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل الحر الذي لا زوجة له أينكح الأمة وهو يجد طولا لحرة
مسألة وسئل عن الرجل الحر الذي لا زوجة له أينكح الأمة وهو يجد طولا لحرة أو لا يجد ولا يخاف على نفسه عنتا، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة قبل هذا في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيد مولاها فهلك مولاها
مسألة وسئل عن رجل تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيد مولاها فهلك مولاها، قال: ما أرى بيدها شيئا وأرى ورثته بمنزلته أو وصيه إن كان ورثته صغارا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لأن الشرط يورث في الأمة إذا جعله إلى مولاها بخلاف الحرة لأن الأمة ملك، فإذا جعل الأمر بيد مولاها فمولاها كل من انتقل إليه الملك بميراث، وكذلك كل مشيئة تكون في ملك فهي تورث، ولو جعل الأمر بيد غير مولاها فهلك لم يكن بيد ورثته من ذلك شيء، ولرجع الأمر إليها لأن الشرط إنما أخذ لها على معنى ما حكى ابن القاسم عن مالك في كتاب بيع الخيار من المدونة إذا جعل الأمر بيد الأمة فماتت وإن كان لم يتبين ذلك منه، ولو أوصى بذلك إلى أحد لجازت وصيته بذلك، قاله مالك بعد هذا في رسم استأذن.
وفي كتاب بيع الخيار من المدونة
خلاف [هذا من] رواية علي بن زياد عنه فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها أنا آخذها
مسألة وقال مالك في أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها: أنا آخذها، قال مالك: أنا أرى أنه أحق بها بما أعطوا بها لأن في ذلك خيرا يعتق ولدها ولا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الزوج إذا أراد أن يأخذهم بالثمن الذي أعطوا بهم فبيعهم من غيره بذلك الثمن إضرار بالولد في غير منفعة تصير إليهم، فلا يمكنون من ذلك إذ لا مضرة عليهم في بيعهم من الزوج ولا منفعة لهم في بيعهم من سواه، ولو باعوها وحدها دون ولدها لم يكن أحق بها بما يعطى فيها إلا أن تكون حاملا إذ لا تكون له أم ولد إذا اشتراها وإن كانت قد ولدت منه قبل الشراء إلا أن يشتريها وهي حامل منه، وفي ذلك اختلاف قد روي عن مالك أنها لا تكون له أم ولد حتى يكون أصل الحمل بعد الشراء.
ومثل هذا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق وفي غير ما موضع، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه إذا باع بعض الأشراك أنصباءهم أن يكون لمن بقي منهم أن يأخذ ذلك بالثمن الذي يعطى فيه ما لم ينفذ البيع، والله الموفق.
رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته فقال له الأب نعم
ومن كتاب أوله استأذن سيده في تدبير جاريته قال: وسألت ابن القاسم عن رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته، فقال له الأب: نعم، فذهب أبوها إلى رجل فسأله ابنته أن يخليها مع ختنه ففعل فخلا بها فافتضها، قال: إن كانت طاوعته ضربت الحد ولا صداق لها، وإن كان استكرهها كان لها
الصداق على أبوي الجارية المملكة إلا أن لا يكون عندهما شيء فيكون ذلك لها على الذي افتضها إن كان موسرا ويتبع هو أبوي الجارية، وعلى أبوي الجارية المملكة وأبوي الجارية المستكرهة النكال على كل حال.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة: إن الصداق على الذي افتضها ويرجع الذي افتضها على الذي غره، وهو القياس، وما هنا استحسان لأنا إذا قضينا لها بالصداق على الذي افتضها أعدينا الذي افتضها بذلك على الذي غره، فالقضاء لها بالصداق على الغار أولى من أجل أنه أقل عناء، والذي يوجبه النظر الصحيح أن تكون مخيرة في اتباع من شاءت منهما لأن الذي افتضها غريمها والغار غريم غريمها، فلها أن ترجع عليه بما لغريمها أن يرجع عليه، وسائر قوله في المسألة صحيح لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها، وذلك من صداقها، فتضع المرأة صداقها عن زوجها، هل ترى الشرط قد وضع عن زوجها بوضع الصداق عنه؟ وهل للمرأة قضاء في ذلك الشرط مع أبيها ما كان حيا؟ أو هل للأب أن يسنده إلى أحد إذا مات؟ أو هل بيد المرأة من ذلك الشرط شيء، إن لم يسنده أبوها إلى أحد؟ قال ابن القاسم: أما قولك ذلك من صداقها فذلك باطل ولا يوضع عنه الشرط بوضع الصداق وذلك بيد أبيها، فإن تزوج فأراد الأب أن يطلق وأرادت هي الإقامة مع زوجها نظر في ذلك، فإن كان الذي أرادت من ذلك هو حظها وهو خير لها لم يكن للأب أن يطلق، وإن كان الذي أراد أبوها من الفراق هو حظها وهو خير لها كان القضاء
في ذلك، قضاء أبيها ولم يقبل لها قول؛ لأني سمعت مالكا يسأل عن الرجل يجعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه، فحل الأجل ولم يأت فأراد أبوها أن يطلق، وقالت المرأة: لا أحب فراق زوجي فقال مالك: القول في ذلك قولها، ويمنع أبوها من الفراق، وإن مات أبوها وأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له وكان في ذلك بمنزلة أبيها، قال: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء، وفي سماع [أبي محمد] يحيى قال ابن القاسم: وإن طلق الأب قبل أن يمنعه السلطان مضى الطلاق، وإن طلق بعد منع السلطان فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في الذي اشترط على زوج ابنته إن تزوج عليها فأمرها بيدها إنه إن تزوج عليها فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن السلطان ينظر في ذلك، فمن رأى الحظ في إرادته منهما كان القضاء قضاءه الأب كان أو الابنة، ولم يقل كما قال مالك في الذي جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه إنه إن لم يأت إلى الأجل فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن القول في ذلك قولها ويمنع أبوها من الفراق، والوجه فيما ذهب إليه إنه جعل لاشتراط الأب على زوج ابنته أن أمرها بيده إن تزوج عليها حقا فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان لأنه يقول: أنا أعلم أنه إنما تزوج عليها إرادة الإضرار بها من حيث لم تعلم هي، ولذلك شرطت أن أمرها بيدي فوجب أن ينظر السلطان في ذلك، بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترط عليه؛ لأنه إذا لم يشترطه عليه فإنما فعله لزوجته لا له، فكانت أحق بالقضاء في ذلك منه، والله أعلم، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط.
وقوله: إنه إن مات فأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له هو مثل ما له في كتاب بيع الخيار من المدونة خلاف رواية علي بن زياد عنه في ذلك فيه،
وقوله: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء خلاف ما حكى عنه ابن القاسم في كتاب بيع الخيار من المدونة لأنه قال فيه.
فكأني رأيت مالكا رأى ذلك لها، أو قال ذلك لها ولم أتبينه، وبالله التوفيق.
مسألة: أصدقها مائة دينار فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا أيحال بينه وبين وطئها
مسألة قال عيسى: قلت له: فلو كان فرض مائة دينار أو نحوها فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا، أيحال بينه وبين وطئها حتى يقدم إليها أدنى ما ينكح به؟ فقال: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها.
قال محمد بن رشد: قوله: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها كلام متناقض فليس على ظاهره، ومعناه: الإنكار أن يكون عليه أن يعطيها ربع دينار قبل أن يعود إلى مسيسها، وتقديره: أيقال له أعطها ربع دينار وهو ليس عليه أن يجتنب مسيسها أي ليس يقال له ذلك، وكذلك في سماع أبي زيد أن ذلك يكون دينا عليه ولا يكف عن وطئها، ومحمد بن المواز يرى الوطء الثاني كالأول فيكره له التمادي على الوطء حتى يعطيها ربع دينار [ولها عنده أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وإن كانت قد أذنت له في الدخول عليها فدخل، وهو إغراق؛ لأن الدخول بها قبل أن يقدم إليها شيئا من صداقها ليس بحرام، وإنما يكره مخافة أن تهب له بعد ذلك الصداق فيكون قد استحل فرجها بلا صداق، فإذا دخل فقد فات الأمر وذهب موضع الكراهية، ولو أذنت له بالدخول عليها قبل أن يدفع إليها من صداقها شيئا لما كان له أن يدخل حتى يقدم إليها من صداقها ربع دينار، ولكان لها أن تمنعه من ذلك أيضا لأن الكراهة في ذلك حق لله تعالى، فلا يلزمها الإذن فيما زاد على ربع دينار، وقد مضى هذا في رسم الطلاق الثاني
والثالث من سماع أشهب، ويأتي في رسم أوصى ورسم يوصي ورسم العشور من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغتسل
ومن كتاب العرية قال ابن القاسم وسفيان بن عيينة: الفرق ثلاثة آصع.
قال محمد بن رشد: زاد في سماع أصبغ من كتاب الوضوء وهو الذي كان يتوضأ منه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويتطهر، وهو المعنى المقصود إليه، وقد مضى هنالك القول في صفته وتسميته ومبلغ ما يحمل من الماء ووجه تخريج ما يعارض ظاهره من الآثار في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويغتسل مستوفى، فمن أحب الوقوف من ذلك على الشفاء تأمله هناك، ولا وجه لإعادته هنا إذ ذلك الموضع به أليق وأولى، وبالله التوفيق.
مسألة: زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله ثم مات
مسألة قال: وكل من زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله أو زوج ابنته في حياته أجنبيا أو قريبا فحمل صداقها في ماله ثم مات أن ذلك يكون في ماله من رأس المال ولا يحاسب به الابن ولا الابنة في موروثهما منه ويحاصان الغرماء في الموت، وإن حمل ذلك عنهما في المرض لم يجز في شيء منهما من ماله وخير ابنه فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل، وإن دخل اتبع به دينا، قلت: وكذلك الأجنبي الذي زوجه ابنته في مرضه وحمل عنه الصداق إن دخل غرم، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل؟ قال: نعم، وإنما هيج هذه المسألة ابن أبي حسان في رجل قال في مرضه لابن أخيه قد وصلتك بابنتي فإنه إن قبل زوج وخفف عنه من الصداق بقدر ما يرى مما أراد من التخفيف عنه.
قال محمد بن رشد: أما إذا زوج الأب ابنه أو ابنته في صحته أجنبيا أو قريبا وحمل عنهما الصداق في ماله فلا اختلاف في أن ذلك يكون لهما في رأس ماله إن مات ولا يحاسبان بذلك في ميراثهما ويحاصان به الغرماء في الموت والفلس كما قال، ومعنى ذلك في الدين المستحدث، وأما في الدين القديم فلا لأنه إذا كان عليه دين يغترق ماله فلا يجوز له أن يحمل صداقا عن أحد لأنه من المعروف، والدين أحق من المعروف ومن الهبات.
وأما إن زوج ابنه في مرضه وحمل عنه الصداق فمات من مرضه فلا اختلاف في أن ذلك وصية لا تجور إلا أن يجيزها له الورثة ويخير، فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه، وإن كان صغيرا نظر في ذلك له وليه أو وصيه بعد موت أبيه، قاله في المدونة.
وقد قال مالك فيها فيمن يضمن الأب عن ابنه في مرضه لا يعجبني هذا النكاح، ووجه كراهته له ما دخله من الخيار، ووجه القول الأول أنه خيار لم ينعقد عليه النكاح، وإنما أوجبه الحكم، فلم يكن له فيه تأثير، وأما إن زوج ابنته في مرضه وحمل الصداق عن زوجها ففي ذلك اختلاف كثير جعل ذلك ههنا وصية للابنة فلم يجزها، وقال مطرف وابن الماجشون إنها وصية للزوج فتجوز له من ثلثه إن لم يكن وارثا، ورويا ذلك عن مالك، وهو قول ابن وهب في سماع أصبغ وقول ابن القاسم في رواية أبي زيد، واختلف في ذلك قول أشهب على ما ألزمه أصبغ في سماعه من مسألة الذي يقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، قال ابن الماجشون وهذا إذا كان الذي سمي لها وحمله عن زوجها صداق مثلها فأقل، وأما إن كان أكثر من صداق مثلها فالزائد على صداق مثلها وصية لها لا يجوز باتفاق إلا أن يجيزها الورثة، وروى ذلك أبو قرة عن مالك، وقاله عدة من أصحابه، فإن لم يجيزوا ذلك لها كان الزوج مخيرا بين أن يخرجه من ماله أو يترك النكاح، ولا يلزمه منه شيء، وبالله التوفيق.
مسألة: أصدقها الخادم ثم بعد سنين تصدقت به عليه ثم مات زوجها
مسألة وسئل عن الرجل تموت امرأته فيرث ما تركت هو وولدها،
وكان ما تركت خادما فتزوج امرأة فأصدقها تلك الخادم وأقامت في يديها سنين، ثم إنها تصدقت عليه بالخادم فأقامت بعد ذلك سنين هي له، ثم توفي فوجد له كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته التي توفيت أو كتب بذلك في وصيته، هل ترى أنها لهم دون إخوتهم من أبيهم؟ قال: ليس لولده الذين ذكر في كتابه أنها لهم في الخادم شيء، وإنما لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته.
قال محمد بن رشد: إنما يكون لهم قيمتها يوم أصدقها على ما قال إذا ثبت أنها لهم ببينة تشهد على ذلك أو على إقرار الأب لهم بها في صحته فيحمل قوله وجد له في كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته على أحد وجهين، إما أن يكون الكتاب تضمن معرفة الشهود لذلك، وإما أنه تضمن إشهاده على نفسه بذلك في صحته، وأما إن لم يعلم ذلك إلا بأنه كتبه في وصيته في مرضه فلا يكون لهم بذلك شيء، إذ لا يجوز إقرار الرجل في مرضه لبعض ولده دون بعض إذا كانت حالتهم واحدة في البر به أو العقوق له على ما في سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، وإنما وجب لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته لأنها قد فاتت بتزويجه بها على مذهبه مليا كان أو معدما ودخل بالمرأة أو لم يدخل بها، وستأتي هذه المسألة والقول فيها في رسم الجواب من سماع عيسى إن شاء الله.
مسألة: امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل زوج الجارية طلقها
مسألة وعن امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل طلق امرأته قبل أن يعلم أنه كان مفسوخا ثم أراد أن يتزوجها، قال: إن كان طلقها البتة فلا ينكحها حتى تنكح زوجا غيره.
قال محمد بن رشد: هذا على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به من قول مالك، وقد مضى هذا في آخر رسم من سماع أشهب، ومثله في المدونة
وغيرها من قوله واختياره، وبالله التوفيق لا شريك له.
مسألة: المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها
ومن كتاب يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه قال: وسألته عن المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها وتأتي على ذلك بشاهد يشهد أنه تزوجها بمائة دينار نقدا ومائة مؤخرة إلى موت أو فراق، فقال: أما إذا ادعت ذلك قبل البناء بها فلا يقبل قولها بشاهد واحد ولا تحلف معه إذا كان زوجها منكرا لذلك لأنها تدعي فسخ نكاح، فلا يجوز في الفسخ شاهد ويمينها، ولا يكون الفسخ إلا بشهادة شاهدين؛ لأنها وإن طلبت حقها فيما تزعم فإن ذلك الحق لا يثبت لها إلا بفسخ النكاح، فنحن لو قبلنا يمينها مع شاهدها فسخنا نكاحه ولم تتبعه بقليل ولا بكثير، وردت عليه ما أخذت منه إن كانت أخذت منه شيئا لأن هذا النكاح إذا أُدرك قبل الدخول بها فُسخ، فلا تثبت لها المائة الآجلة التي ادعت إذا كان ذلك قبل الدخول بشاهد واحد مع يمينها، ولا يثبت لها أيضا بشاهدين؛ لأنها لو أقامت شاهدين فسخنا النكاح بينهما، قال: وإن ادعت هذا الآجل بعد الدخول وأتت بشاهد قلنا النكاح قد ثبت، وقد فات موضع الفسخ؛ لأنه لا يفسخ مثل هذا النكاح بعد الدخول ولو شهد على ذلك العدول فقد فات منه موضع الفسخ، وإنما هي مدعية حق وليست مدعية فسخ نكاح، فهي تحلف مع شاهدها وتستحق صداق مثلها، فإذا حلفت قُوِّمَ لها صداق مثلها فأعطيته إلا أن يكون الذي وصل إليها من العاجل أكثر من صداق مثلها فيكون ذلك لها ولا ترد منه شيئا
ويسقط عن زوجها الآجل الذي عليه، وإن كان الذي وصل إليها أقل من صداق مثلها ألحقت بتمام صداق مثلها نقدا إن كان لصاحبها مال وإلا اتبعته [به] دينا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها لا تحلف مع شاهدها قبل الدخول على ما تدعي من أنه أصدقها مائة نقدا ومائة إلى موت أو فراق صحيح على المشهور في المذهب من أن النكاح يفسخ قبل الدخول على كل حال وإن رضي الزوج بتعجيل المائة التي إلى أجل مجهول أو رضيت المرأة بتركها، وأصبغ يقول: إن النكاح لا يفسخ إذا رضي الزوج بتعجيلها أو رضيت المرأة بتركها، فعلى قوله يحلف قبل البناء مع شاهدها، وقد حكى ذلك ابن حبيب عنه.
وظاهر قوله أنها إذا حلفت مع شاهدها بعد الدخول وكان صداق مثلها أكثر من المعجل والمؤجل فلها جميع ذلك، ومثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه و [عن] ابن الماجشون، وهو ظاهر ما في المدونة في باب نكاح الشغار، وحكي عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ أنه إذا وجد صداق مثلها من المعجل والمؤجل فلا يزاد على مقدار المعجل والمؤجل كما لا ينقص من مقدار المعجل؛ لأنه إذا عجل لها ما رضيت به إلى أجل فلا حجة لها، وقد قيل: إن لها صداق مثلها كان أقل من المائة أو أكثر من المائتين، وهو ظاهر قول أصبغ وأبي زيد في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
مسألة: يخطب امرأة وتحته أخرى فيقول وليها لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يخطب امرأة وتحته امرأة أخرى فيقول وليها: لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك، التي تحتك أو تجعل أمرها بيد صاحبتها، فيقول أشهدكم إذا دخلت على
صاحبتكم فأمر امرأتي التي تحتي بيدها، فزوجوه على ذلك ثم صالح امرأته التي تحته فتدخل عليه الأخرى وليست التي جعل أمرها بيدها تحته ولا في ملكه ثم يريد أن يتزوجها، قال: يتزوجها وليس من أمرها بيد امرأته قليل ولا كثير؛ لأنه إنما قال: إذا دخلت على صاحبتكم فأمر امرأتي بيدها فقد دخلت وليست في ملكه، وهو بمنزلة من يحلف لغريم له بطلاق امرأته أن يوفيه حقا له عليه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فَحَلَّ الأجل وليست في ملكه فإنه لا يقع عليه حنث، وهو يتزوجها بعد الأجل إن شاء.
قلت: وكذلك لو قال يوم تدخل علي صاحبتكم فامرأتي التي تحتي طالق البتة أو طالق واحدة أو اثنتين فصالحها ثم تدخل عليه الأخرى وليست في ملكه ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: نعم، هو مثله، وله أن يتزوجها، ولا يلحقه طلاق؛ لأنه من وجه التقاضي، قلت: ولا يكون مثل أن يقول: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق فيصالح امرأته فيدخل الدار ثم يتزوجها فتريد أن تدخل الدار؟ قال: ليس هذا مثله هذا إن عاد إلى دخول الدار بعد أن يتزوجها عاد عليه الطلاق ما بقي عليه من ذلك الطلاق شيء؛ لأنه فعل ذلك الفعل بعينه الذي حلف عليه وهي في ملكه؛ ولأن الذي قال يوم تدخل عليّ فامرأتي طالق فصالحها ودخلت عليه وهي ليست في ملكه فقد وقع الفعل وليست في ملكه، فليس يستطيع أن يعود إلى ذلك الفعل بعد أن تزوج هذه التي حلف فيها؛ لأن الدخول عليه إنما هو مرة واحدة فقد دخلت عليه تلك المرأة وليست في ملكه، ولا يستطيع أن يعود إلى ذلك أكثر، وأن الذي حلف ألا يدخل دار عمرو بن العاص فهو يستطيع أن يعود إلى دخولها بعد أن يتزوجها؛ لأنه فعل حلف عليه يستطيع أن يفعله متى شاء، وإن دخول المرأة إنما هو مرة واحدة فليس يستطيع أن تدخل عليه ثانية بعد أن تزوجها إلا أن يطلقها ثم
يتزوجها، وأما إن لم يطلقها فليست تستطيع أن تدخل عليه أكثر من تلك المرة التي دخلت والمرأة التي فيها اليمين ليست في ملكه فليس عليه فيها شيء وإن تزوجها بعد ذلك، وكذلك الذي حلف بطلاق امرأته إن دخلت دار عمرو بن العاص فصالح امرأته ثم دخل وأقام فيها ثم تزوج تلك المرأة ودخلت عليه في الدار؛ فإنه لا يقع عليه طلاق حتى يخرج ثم تدخل، وأما ما أقام فيها معها فليس يقع عليه طلاق، وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته ألا يدخل الفسطاط فصالح امرأته تلك ثم دخل الفسطاط فتزوج تلك المرأة بالفسطاط وسكن معها بالفسطاط؟ قال: لا يلزمه يمين ولا يقع عليه حنث ما أقام بالفسطاط حتى يخرج من الفسطاط ثم يدخل، فإن خرج ثم دخل وقع عليه الطلاق، وقيل له: وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته إن ركب هذه الدابة فصالح امرأته وركب الدابة ثم تزوجها وهو على تلك الدابة؟ قال: إن لم ينزل حين تزوجها حنث، وليست الدابة ولا الثوب يلبسه مثل الدار؛ لأنه لو أقام على الدابة راكب بعد التزويج فذلك فعل مبتدأ، وكذلك الثوب إن لبسه بعد أن راجعها حنث؛ لأن إقرار الثوب عليه بعد مراجعتها فعل حادث وركوب الدابة كذلك، قلت: فيحلف بطلاق امرأته أن لا يركب هذه السفينة أو لا يدخلها فيصالح امرأته ثم دخل السفينة فيتزوجها فدخلت عليه في السفينة وأقام ولم يخرج منها؟ قال: أما إذا قال: إن دخلت فصالحها ثم دخل وراجعها فدخلت عليه في السفينة فإنه لا يلزمه حنث حتى يخرج ثم يدخل، وأما إن قال: إن ركبت فهو مخالف لقوله: إن دخلت.
إن قال: إن ركبت فصالحها ثم ركب فراجعها وهو فيها فإنه إن لم ينزل مكانه حنث، وهو بمنزلة الثوب والدابة، وقد سمعت بعض أهل العلم يقول فيمن حلف ألا يتزوج بالفسطاط فخرج إلى مكة فعقد نكاح فسطاطية بمكة قال: لا شيء
عليه إذا عقد نكاحها بغير الفسطاط وإن كانت المرأة بالفسطاط إذا عقد النكاح بغير الفسطاط، قال: فإن قال: كل امرأة أتزوجها من أهل مصر فهي طالق فلا يجوز له أن يعقد نكاح مصرية بموضع من المواضع وتطلق عليه إن فعل، قيل لابن القاسم: وكذلك الذي حلف بالطلاق ألا يشتري سلعة كذا وكذا بالفسطاط فخرج إلى مكة فاشترى تلك السلعة بعينها من صاحبها بمكة والسلعة بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا حنث عليه.
قلت: وكذلك الذي يقول في عبد بعينه إن اشتراه بالفسطاط فهو حر فلقيه سيده بمكة فاشتراه منه ثم والعبد بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا شيء عليه، ثم قال بأثر ذلك: أرأيت لو أن رجلا خطب إلى قوم وتحته امرأة فقالوا: إنا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فذهب عنهم فصالح امرأته ثم أتاهم فزوجوه وكتبوا عليه طلاق امرأته وليست تحته امرأة، ثم أراد أن يتزوجها أيلحقه من يمينه شيء؟ قال: ليس يلحقه من ذلك الطلاق شيء ويتزوجها إن شاء.
قال محمد بن رشد: أما قوله: في الذي شرط لامرأته أن أمر امرأته التي تحته بيدها يوم تدخل عليه أو أنها طالق واحدة أو اثنتين يوم تدخل عليه فصالحها ثم دخلت عليه وليست في ملكه ثم تزوجها بعد ذلك إنه ليس بيدها من أمرها شيء ولا يلزمه فيها طلاق لأنها يوم دخلت عليه لم تكن في ملكه فهو صحيح على ما يوجبه اللفظ، وأما على ما يقتضيه المعنى فيجب أن يكون أمرها بيدها إن تزوجها عليها بعد أن دخل بها وأن تطلق كلامه أيضا إن كان قال: فهي طالق لأنه إنما أراد أن لا يجمع بينهما، وهو الذي يأتي على مذهبه في المدونة؛ لأنه قال في كتاب الأيمان بالطلاق منها في الذي يشترط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق أو أمرها بيدها فيطلق امرأته واحدة أو اثنتين فتبين منه ثم يتزوج امرأة ثم يراجع امرأته أن المرأة التي تزوج تطلق عليه أو يكون أمرها بيد امرأته، وإن لم يتزوجها عليها وإنما تزوجها هي عليها لأنه إنما
أراد أن لا يجمع بينهما ولا ينوى في ذلك إن ادعى نية، وأما الذي حلف لغريمه بطلاق امرأته ليوفينه حقه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فإنه لا يقع عليه حنث بمضي الأجل، وله أن يتزوجها بعد ذلك ولا يكون عليه شيء باتفاق إلا أنه قال في المدونة: وبئس ما فعل من فر من الحنث من أجل أنه غر غريمه إذا حلف له ثم فر من الحنث، إذ لو علم ذلك لقام عليه بحقه ولم ينظره به، وقوله: لأنه من وجه التقاضي إشارة منه إلى مسألة الغريم المذكور التي احتج بها، وسائر المسائل التي ذكر صحيحة ومعانيها التي ذكر بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، وتفريقه في الذي يحلف وهو في السفينة أن لا يركبها وأن لا يدخلها صحيح لأن الركوب واللباس والسكنى يقع على ابتداء ذلك وعلى التمادي عليه، والدخول إنما يقع على ابتداء الدخول في الشيء لا على التمادي على المقام في داخله، وبالله التوفيق.
مسألة: يزوج ابنته فيقول له الناكح إني أخاف أن تكون وليتك سوداء
مسألة وسئل عن الرجل يزوج ابنته أو وليته فيقول له الناكح: إني أخاف أن تكون وليتك سوداء أو عمياء أو عوراء، فقال: ليس لها من هذه العيوب شيء، وهي برية من ذلك فيجد بها بعض ذلك هل يردها بذلك؟ قال: نعم إذا شرطه على ذلك ردها، وهو قول مالك، قلت: أرأيت إن لم يعلم العيب حتى مس؟ قال: يكون لها الصداق عليه ويكون ذلك له غرما على من غره، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وكذلك لو خطب رجل إلى رجل فقال: قد قيل لي: إن وليتك سوداء، فقال: قد كذب من قال ذلك، هي البيضاء الكذا فنكحها فوجدها سوداء إنما ترد عليه لأنه غره، وهو كالشرط، وكذلك العمياء والعرجاء، قال أصبغ: ومثله الرجل يسوم الرجل الجارية فيقول: إنها ليست تطبخ ولا تخبز فيقول: هي تطبخ وتخبز وتنصب، أو يقول، ليست بعذراء، فيقول: هي عذراء فيكون ذلك كالشرط.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أعلمه في أن الخاطب إذا قال للمخطوب إليه: قد قيل لي: إن وليتك سوداء أو عوراء فقال له: قد كذب من قال ذلك بل هي البيضاء الكذا أن ذلك شرط بمنزلة قوله: ليس لك من هذه العيوب لشيء، يكون للناكح ردها إن وجد بها بعض ذلك، فإن لم يعلم بذلك حتى مس كان لها الصداق، وكان ذلك له غرما على من غره، وإنما اختلفوا إذا وصفها له الولي عند الخطبة بالبياض وصحة العينين ابتداء على غير سبب وهي عوراء أو سوداء فقيل: إن ذلك لازم للزوج ولا كلام له في ذلك لأنه فرط إذ لم يتثبت ويستخبر لنفسه، وهو قول أصبغ في الخمسة، ومذهب ابن القاسم في رواية يحيى عنه واختيار محمد بن المواز، وقيل: إنه بالخيار قبل الدخول إن شاء تقدم على أن عليه جميع الصداق وإن شاء فارق ولم يكن عليه شيء، فإن لم يعلم حتى دخل ردت إلى صداق مثلها على ما بها من العيوب ورجع بالزائد عليها، وهو قول ابن وهب وعيسى بن دينار، وقيل: إنه يرجع به على الولي الذي غره إلا أن تكون ثيبا قد علمت بكذب وليها فتقدمت على معرفة بذلك فيرجع عليها إن كان لها مال وإلا رجع على الولي، وهو قول ابن حبيب، قال ابن القاسم في الدمياطية: ولو قال له غير الولي الذي زوجها منه أنا ضامن لها أنها ليست بسوداء ولا عوراء ولا عرجاء فدخل بها ووجدها بخلاف ما ضمن له لكان له الرجوع عليه بما زاد على صداق مثلها وليا كان أو غيره، وكذلك الحكم في الذي يزوج وليته على أن لها من المال كذا وكذا شرطا لما ليس لها أو سمى ذلك لها عند الخطبة من غير شرط لا فرق بين المسألتين في واحد من الوجهين، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنكح المرأة لجمالها ولمالها»، ففرق بين الوجهين إلا أن محمد بن المواز ذهب إلى أنه إن زوج وليته بشرط أن لها من المال ما ليس لها فإنما للزوج أن يرجع على من شرط له ذلك وغره بما زاد من المهر على صداق مثلها إن هو خلى سبيلها ولم يرض بها،
وهو بعيد؛ لأنه يقول: لم أتزوجها ولا رضيت بما سميت من الصداق إلا لما شرط لها من المال، فإذا لم يكن ذلك فأنا أردها وأرجع بجميع الصداق على الذي غرني كما يقول في السوداء سواء إذا غر بما شرط له من بياضها، وابن حبيب يرى للزوج رد القرعاء والسوداء وإن لم يغر من ذلك كالعيوب الأربعة، وذكر ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأما الذي يبيع الجارية ويصفها بأنها عذراء وبأنها تنصب وتطبخ وتخبز، فسواء وصفها بذلك ابتداء أو بعد أن قال له المبتاع: إنها ليست عذراء ولا تطبخ ولا تخبز، للمبتاع أن يردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط سواء، ولا اختلاف في هذا، قال في سماع أصبغ من العيوب: وكذلك لو قال: إنها تزعم أنها بكر أو إنها صناعة أو رقامة لردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يزوج ابنته قبل أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها
مسألة قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يزوج ابنته قبل: أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها، هل يجوز تزويج أبيها إياها بغير مؤامرتها؟ قال: قال مالك تزويجه جائز عليها من غير مؤامرتها ما لم تحض، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تزويج أبيها جائز عليها إذا رجعت إليه من غير مؤامرتها ما لم تحض عند أبيها، فإذا حاضت عند أبيها بعدما رجعت إليه رأيت أن لا يجوز عليها تزويجه إلا بمؤامرتها وكانت كالثيب التي مات عنها زوجها أو طلقها وقد حاضت، قلت: أرأيت الصغيرة التي لم تحض إذا دخل بها زوجها ثم طلقها أو مات عنها قبل أن تحيض أتلزم أباها النفقة عليها؟ قال: نعم، قلت: أرأيت إذا حاضت بعد أن رجعت أيلزم النفقة عليها وهو لا يستطيع أن يزوجها إلا بمؤامرتها؟ قال: لا تلزمه نفقتها إذا حاضت، وذلك ما ليس فيه شك، قال: وسئل عنها سحنون فقال: إذا رجعت إلى أبيها قبل أن تحيض وقد كان دخل بها
زوجها كان حالها حال البكر يزوجها أبوها بغير رضاها وإن حاضت، ويلزمه الإنفاق عليها.
قال محمد بن رشد: وقد قيل: إنه لا يجبرها على النكاح وإن لم تبلغ، وجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن الأب يملك العقد على ابنته بعلة البكورة والصغر، فإذا ارتفعت البكورة قبل ارتفاع الصغر كان من حقه أن يزوجها لعلة الصغر حتى تبلغ، كما أنه إذا ارتفع الصغر قبل ارتفاع البكورة كان له من حقه أن يزوجها بعلة البكورة حتى ترتفع أيضا، ووجه قول سحنون أن وطأها قبل البلوغ لا يعتبر به إذ لا تحصن به في النكاح، ولا تحد فيه في الزنى، فوجب أن يكون للأب أن يزوجها وإن بلغت كمن لم يدخل بها، ووجه القول الثالث أنه لما كان دخوله بها قبل أن تبلغ المحيض كدخوله بها بعد أن بلغت المحيض سواء في أن ذلك وطء تحل به إن كان طلقها ثلاثا وجب أن يكون ذلك سواء في أنه لا يجوز للأب أن يزوجها إلا برضاها، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل ينكح المرأة فيهدي لها هل يدخل بها بتلك الهدية
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح المرأة فيهدي لها هل ترى أن يدخل بها بتلك الهدية؟ قال: لا يدخل بتلك الهدية حتى يقدم لها من صداقها ربع دينار لأنه ليس من الصداق، قلت: فهل يدخل إذا رهنها بصداقها رهنا؟ قال: نعم يدخل بالرهن، قلت: فالرجل يهدي الهدية ثم يطلقها قبل الدخول بها والهدية قائمة؟ قال: لا شيء له منها لأنه ليس من الصداق، قلت: فإن أهدى لها الهدية ثم عثر على النكاح أنه مفسوخ ففسخ قبل البناء فهل يرجع فيأخذ الهدية؟ قال: إن أدرك منها شيئا أخذه، وإن فاتت لم يكن له قبلها قليل ولا كثير، قلت: فهل يجوز أن يتحمل بالصداق ويبني بأهله
بالحمالة؟ قال ابن القاسم: أخبرني بعض من أثق به أن بعض أهل الفضل قد أجازه، ولست أرى ذلك، وأحب إلي أن يقدم لها ربع دينار.
قال محمد بن رشد: أجاز له الدخول بالرهن وكره ذلك بالهدية، وأجاز له ابن حبيب الدخول بالهدية، وروى مثله ابن نافع عن مالك في المبسوط، وفي كتاب ابن المواز لمالك أن من تزوج امرأة بدين له على رجل فلا يدخل بها حتى يقبض من ذلك ثلاثة دراهم يدفعها إليها، وقال أيضا: له أن يدخل وإن لم تقبض شيئا لأنه حق لها لو شاءت باعته وقبضت ثمنه، فعلى القول بأنه لا يدخل بها إذا تزوجها بالدين يكون له على رجل حتى تقبض من ذلك ثلاثة دراهم لا يجوز له أن يدخل بها أيضا بالرهن لأن ذلك أحرى أن لا يجوز، ولم ير ابن القاسم له أن يدخل بالحمالة، وحكى عن بعض أهل الفضل أنه أجازه، فحصل الاختلاف في هذه المسائل كلها، وأخفها الدخول بالدين، والأظهر أن الدخول به جائز لأنه حق قد وجب لها لو شاءت باعته وأخذت ثمنه، والقول بأنه لا يدخل به بعيد، فمن لم ير له الدخول به حتى يقبض منه ثلاثة دراهم فأحرى أن لا يجيز له الدخول في سائر المسائل، ويليه الدخول بالرهن لأنها قد قبضت ما هي أحق به من الغرماء في الموت والفلس، وأشدها الدخول بالحمالة؛ لأن ذمة الحميل كذمة الزوج ولم تقبض شيئا، والأظهر أنه لا يدخل بها، فمن أجاز له الدخول بها فأحرى أن يجيز له الدخول بها في سائر المسائل، وأما الرهن فوجه إجازة الدخول به هو أنها قبضته لتستوفي صداقها منه، وهي أحق به من الغرماء في الموت والفلس، وقد قيل: إن من حلف أن يقبض حقه يبر بالرهن، وأما الهدية فوجه قوله: إنه لا يدخل بها هو ما ذكره من أنها ليست من الصداق، ولو طلقها لم يكن له منها شيء وإن كانت قائمة ولو ألفى النكاح مفسوخا لم يكن له إلا ما أدرك منها، وبالله التوفيق.
تم كتاب النكاح الثاني
والحمد لله حق حمده، والصلاة الكاملة على سيدنا محمد نبيه وعبده.