البيان والتحصيلصفحات 343-353
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام والاعتكاف

صفحات 343-353
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة: نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه أبوه أبدا

مسألة وسئل: عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، مثل أبيه أو أخيه، فيأتي أبوه أو أخوه فينسى اليوم الذي قدم فيه؟ قال: أرى أن يصوم آخر أيام الجمعة - وهو يوم الجمعة؛ لأن أول الجمعة السبت.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة: أنه نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه أبوه أبدا، فلهذا جعله أن يصوم آخر أيام الجمعة - يريد أبدا، ليكون في معنى القاضي، وقد قيل: إنه يصوم الدهر.
وقيل: إنه يصوم أي يوم شاء من الجمعة أبدا؟ اختلف في ذلك قول سحنون، وصيام الدهر هو القياس؛ ليأتي على شكه، كمن شك في صلاة من يوم لا يدري أي صلاة هي - أن عليه أن يصلي خمس صلوات، فصيام آخر يوم من الجمعة رخصة، لما جاء من كراهة بعض العلماء صيام الدهر، لما جاء في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - من قوله: «لا صام ولا أفطر من صام الدهر» . يريد: ما أفطر إذ لم يأكل، ولا صام إذ لم يؤجر.
وأما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه خاصة، لم يجب عليه قضاؤه، إذ قد مضى اليوم الذي نذره، أو قد جاز له الفطر - إن كان قد قدم نهارا، على ما في المدونة.
وقال أشهب: يقضيه، ويقضيه على مذهبه، ومذهب ابن القاسم - إن كان يقدم

ليلا - أي يوم شاء؛ ولا وجه لتأخيره إلى آخر أيام الجمعة، ولا اختلاف في هذا، فتدبره.

مسألة: صام رمضان كله من أوله إلى آخره وهو جنب لم يغتسل فيه

مسألة قيل لسحنون: أرأيت من صام رمضان كله من أوله إلى آخره، وهو جنب لم يغتسل فيه، هل يجزئه صيامه؟ قال لي: نعم يجزئه صيامه، وإن كان عامدا لم آمره أن يعيد - وقد أخطأ، وظلم نفسه - والله أعلم، وأما الصلاة فلا بد من الإعادة لها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، والأصل فيه ما ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصبح جنبا، ثم يصوم ذلك اليوم - وبالله تعالى التوفيق.

مسألة: نذر أن يصوم الدهر كله فأفطر يوما

مسألة وسئل سحنون: عمن نذر أن يصوم الدهر كله، فأفطر يوما؛ قال سحنون: إن أفطره ناسيا، أو من عذر، فلا شيء عليه؛ وإن أفطره من غير عذر، فعليه الكفارة، قيل: وما الكفارة؟ قال: إطعام مد، أخبرنيه أبو زيد عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه: أن عليه إطعام ستين مسكينا، ووجه هذا: أنه لما أفطر متعمدا ما لا يجد له قضاء، أشبه الفطر في رمضان متعمدا في أنه لا يجد له قضاء؛ إذ قد جاء أنه لا يقضيه بصيام الدهر - وإن صامه.
ووجه القول الأول: القياس على كفارة التفريط؛ لأنها كفارة وجبت للفطر - متعمدا في موضع لا يجوز فيه الفطر، وهذا أفطر متعمدا في موضع

لا يجوز فيه الفطر، واختلف فيمن نذر صيام الدهر، فلزمه صيام ظهار، أو كفارة يمين، قال ابن حبيب: يصوم ذلك ولا شيء عليه.
وقال سحنون: يصوم ويطعم عن كل يوم مدا.
ومثل قول ابن حبيب في سماع أصبغ من قوله وروايته عن ابن القاسم في رسم "الجامع في بعض الروايات " - وبالله التوفيق.

الرجل يبيت الصيام في السفر ثم يفطر

من سماع موسى من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم: سألت مالكا غير مرة عن الرجل يبيت الصيام في السفر، ثم يفطر بالطعام؛ وفي بعض سؤالي إياه أقول له: ويرى المسافر أن الفطر له واسع، فيفطر على ذلك؛ قال مالك: أرى عليه الكفارة.
وكذلك أن لو وطئ، قال ابن القاسم: والوطء لا يكون أشد من الطعام في شيء من رمضان، وسمعت الليث يرى ذلك أيضا، ويقول: عليه الكفارة في المسافر يبيت الصيام ثم يفطر.
قال محمد بن رشد: هذا يبين مذهب مالك في المدونة أن عليه القضاء والكفارة - وإن كان متأولا، وفي المدنية لمالك: أنه لا كفارة عليه - وإن كان متعمدا من غير عذر، مثل قول ابن كنانة والمخزومي في المدونة، وأشهب يرى عليه الكفارة، إلا أن يكون متأولا؛ وهذا هو أظهر الأقوال، لحديث النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أنه خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس» ... الحديث.

مسألة: التبييت في كل ليلة في صيام رمضان للمسافر

مسألة قال: ولا يجزئه الصيام في السفر إلا أن يبيته في صيام رمضان.
قال محمد بن رشد: معناه أنه لا يجزئه الصيام في السفر في رمضان، إلا أن يبيته في كل ليلة - ولو نوى أن يتابع الصيام في سفره؛ وأما إذا لم ينو متابعة الصيام، فلا اختلاف في أنه لا بد له من التبييت في كل ليلة، وفي المبسوطة لمالك: لا تبييت على من شأنه سرد الصيام، ومثله في الواضحة.
وقال أبو بكر الأبهري، ومحمد بن الجهم: هذا استحسان.
والقياس أن عليه التبييت في كل ليلة لجواز الفطر له، فما في المبسوطة لمالك، خلاف قول مالك في هذه الرواية، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم "تسلف" من سماع عيسى - وبالله التوفيق.

كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها فنزلت في حلقه حال صيامه

من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول، فيمن كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها، فنزلت في حلقه: إنه لا قضاء عليه في صيام النافلة، وفي الذباب يدخل الحلق وينزل إلى الجوف ولا يستطيع رده، فلا قضاء عليه لا في النافلة ولا في الفريضة؛ وليس ذلك بمنزلة النواة يعبث بها يقضي في النواة في الفريضة، وعليه الكفارة مع القضاء، وليس هذا بتأويل أحد يسقط به الكفارة، وهذا تأويل خطأ، وقاله أصبغ؛ وذلك إذا عبث بها وتهاون حتى يبتلعها، فهو بمنزلة المتعمد، والمتعمد عليه في تعمده هذا - القضاء والكفارة؛ وذلك أن للنواة غذاء، وكذلك الطين في هذا؛ وأما الحصاة فإن كان في فريضة

  • وكان ساهيا - فلا شيء عليه؛ لأن الحصاة ليس يصير لها غذاء، لا تذبل في الجوف كذبول النواة، وهي بمنزلة الدينار والدرهم يبتلعهما ساهيا، فلا شيء عليه؛ وإن تعمد شيئا من ذلك، كان عليه القضاء في الفريضة للتهاون، وعظم حرمة الفريضة وحقها - احتياطا عليه؛ وكذلك اللوزة الصحيحة، والجوزة، والفستقة بقشرها، تجري مجرى الحصاة والدينار، والدرهم.
    قال محمد بن رشد: قوله في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه، أنه لا قضاء عليه في صيام النافلة - معارض لقوله: إن عبث بها فنزلت في حلقه في الفريضة كانت عليه الكفارة مع القضاء، وإن كان ساهيا فعليه القضاء، فكان يجب على قوله في الفريضة، أن يجب عليه القضاء في النافلة، وعلى قوله في النافلة ألا يجب عليه في الفريضة - الكفارة في العمد، ولا القضاء في السهو، وهذا كله خلاف أصل ابن الماجشون في الواضحة، إذ لم يفرق في شيء من هذا بين ما له غذاء مما ليس له غذاء، وقال: لم يؤخذ هذا من جهة الغذاء، وإنما أخذ من أن حلق الصائم مما لا تجاوزه شيء، فإن كان ناسيا في شيء من ذلك كله، كان عليه القضاء، وإن كان عامدا، كان عليه القضاء والكفارة؛ وقال: على هذا الأصل في الذباب يبذر في الحلق، أن عليه القضاء.
    ثم خالف أصله هذا، فقال: فيما بقي بين أسنانه من بقية طعامه كحبة التينة، وفلقة الجريدة، فابتلعه في نهاره - ناسيا، أو متعمدا، فلا شيء عليه؛ لأنه ابتدأ أخذ ذلك في وقت يجوز له، وكذلك قال في النخامة: إنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها - ساهيا كان، أو متعمدا - بعد فصولها، أو قبل فصولها، وقال: إن كل ما وجب فيه في الفريضة القضاء والكفارة، وجب فيه في النافلة القضاء، وما لم يجب في الفريضة إلا القضاء، فلا يجب فيه في النافلة قضاء، ولم يلزم ابن القاسم هذا الأصل، فقال في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه: إنه لا قضاء عليه في النافلة، وعليه في الفريضة القضاء والكفارة، وقال: إن من استقاء - طائعا، فعليه القضاء في الفريضة والنافلة، ووافق ابن القاسم فيما روى عنه أصبغ في بعض روايات

العتبية في النخامة أنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها عامدا.
وقال ابن نافع: عليه القضاء وهو يفطره.

مسألة: أتعب الصائم الحر أو العطش في رمضان

مسألة قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإن أتعب الصائم الحر، أو العطش في رمضان، فأرجو أن يكون في سعة من الفطر، إذا كان قد بلغ ذلك منه، ولم يقو؛ وقاله أصبغ في سفر كان، أو في حضر - إذا بلغ منه المجهود والخوف على نفسه الموت أو المرض.
قال محمد بن رشد: أما إذا خاف على نفسه الموت مما بلغه، فلا اختلاف في جواز الفطر له، واختلف إذا خاف المرض، فقيل له أن يفطر، وقيل: ليس له أن يفطر لما يخاف من المرض، ولعله لا ينزل به؛ واختلف إذا أفطر، فقال سحنون: يأكل بقية يومه؛ لأنه قد جاز له الفطر، ورواه داود بن سعيد عن مالك، وقال ابن حبيب: لا يفطر إلا بقدر ما يرد به رمقه، ويمسك؛ فإن أفطر بعد ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه قد دخل في حد المريض - وبالله التوفيق.

مسألة: يصيبه الضربان من الخوى هل يفطر رمضان

مسألة قال ابن القاسم في الذي يصيبه الضربان من الخوى، فهو مرض من الأمراض إذا جاءه من ذلك ما يحتاج معه إلى الفطر في رمضان، فذلك له؛ لأنه مرض من الأمراض.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم "سلف" من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول فيها، وبالله التوفيق.

النصرانية تحت المسلم أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينه

ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن النصرانية تحت المسلم: أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينها؟ قال: لا أرى أن يكرهها على ما عليه أهل دينها وملتها، يعني شرائعها، ولا على أكل ما يجتنبون في صيامهم، أو ما يجتنبون أكله رأسا، ليس ذلك له في القضاء؛ قال أصبغ: ولا عليه منعها إياه كرها، ولا له، وقد قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] ، وقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] حتى بلغ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] . قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، أنه ليس له أن يمنعها مما تتشرع به، واختلف: هل له أن يمنعها من شرب الخمر، وأكل الخنزير، والذهاب إلى كنيستها، فقال في المدونة: ليس له أن يمنعها من ذلك، وقال في كتاب ابن المواز: له أن يمنعها من أكل الخنزير، وشرب الخمر؛ لأن ذلك ليس من دينها، وله أن يمنعها من الكنيسة إلا في الفرط.

المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها حتى تطهر

من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد بن أبي الغمر: أخبرني ابن القاسم، قال في المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها حتى تطهر؛ قال: تخرج في حيضتها إلى السوق، وفي حوائجها، وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال: القبلة، أو الجسة، لا تجتنب شيئا إلا اللذة.
قال محمد بن رشد: أنكر سحنون هذه، وقال: هي في حرمة الاعتكاف، إلا أنها تمتنع من المسجد، فلا تصنع إلا ما يصنعه المعتكف، وقد مضى هذا في أول سماع ابن القاسم، وما يتعلق به، وبالله التوفيق.

مسألة: استقاء في نافلة وهو صائم

مسألة وقال في رجل استقاء في نافلة - وهو صائم، قال: أحب إلي أن يقضي ذلك؛ لأن الحديث جاء: «من استقاء فعليه القضاء» ، وهو عندي في الفريضة والنافلة سواء.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف أصل ابن الماجشون الذي ذكرناه في سماع أصبغ، وقد حكى ابن لبابة عن ابن القاسم من رواية محمد بن خالد - مثل أصل ابن الماجشون، فقف على ذلك.

مسألة: جعل في نفسه إن كشف الله عني صيام شوال فلم يصح إلا في النصف من شوال

مسألة وسئل: عن رجل جعل في نفسه إن كشف الله عني - صيام شوال، فلم يصح إلا في النصف من شوال؟ قال: يصوم النصف الذي صح فيه من شوال، وليس عليه أن يتمه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما مضى قد جاز له فطره، وهو مثل ما في المدونة.

مسألة: تسحر في رمضان في الفجر فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه فأكل متأولا

مسألة وسئل: عن رجل تسحر في رمضان في الفجر، فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه، فأكل متأولا؛ قال: يقضي يوما مكانه، ولا كفارة عليه؛ قال: وكذلك من قدم من سفر قبل الفجر، فظن أن ذلك اليوم لا يجزئ عنه صيامه فأكل فيه؛ فرأيت في

معنى قوله كأنه لا يرى على من تأول شيئا - وهو فيه مخطئ إلا القضاء فقط، ولا يرى عليه كفارة.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين مثل ما في المدونة، فلا معنى للقول فيه.

مسألة: الذي يرى هلال شوال وحده

مسألة وقال في الذي يرى هلال شوال وحده، هل يجوز له أن يفطر؟ أو يرى هلال رمضان وحده، هل يصوم ذلك اليوم؟ قال: أما إذا رأى هلال رمضان وحده، فإنه يصوم، ولا ينبغي له إلا ذلك، وأما إذا رأى هلال شوال، فإنه لا يجوز له أن يفطر إلا باجتماع من الناس، إلا أن يكون وحده في سفر، وفي غير جماعة من الناس، مثل المسافر يكون في مفازة، فإنه يصوم برؤية الهلال، ويفطر برؤيته؛ إلا أن يغمى عليه هلال شوال، فيعد ثلاثين يوما من يوم رأى هلال رمضان، ثم يفطر.
قال محمد بن رشد: أما إذا رأى هلال رمضان وحده، فلا خلاف في أنه يجب عليه أن يصوم، فإن أفطر عالما بوجوب الصيام عليه غير متأول، فعليه القضاء والكفارة، وكذلك إن رأى هلال ذي الحجة وحده يجب عليه أن يقف وحده دون الناس، ويجزئه ذلك من حجه - قاله بعض المتأخرين، وهو صحيح.
وأما إذا رأى هلال شوال وحده دون الناس - وهو في جماعة، فقال: إنه لا يجوز له أن يفطر إلا باجتماع من الناس، والفطر له فيما بينه وبين الله جائز، بل هو الواجب عليه، لنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن

صيام ذلك اليوم، لكنه حظره عليه لما فيه من تعريض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، ومثل هذا في المدونة والموطأ وغيرهما من الدواوين، وأبينه قول أصبغ في سماعه من كتاب طلاق السنة، واستحب ابن حبيب أن ينوي الفطر ولا يظهر إفطاره، والصحيح أن هذا هو الواجب عليه أن يفعله - وإن كان ذلك مخالفا للروايات؛ لأن الصوم من أفعال القلوب، فلا يجوز له أن يعتقد الصوم - وهو يعلم أنه عليه حرام.

المعتكف أيؤم الناس

ومن مسائل نوازل سئل عنها مطرف وسئل مطرف: عن المعتكف أيؤم الناس؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت الحسن بن زيد اعتكف عندنا في المسجد، وكان يؤمنا، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فلم أر أحدا أنكر ذلك عليه، وما أرى به بأسا، وقد اعتكف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يسمع أنه أمر أحدا يؤمهم، ومحمل أمره عندنا على أنه هو الذي كان يؤمهم - وهو على اعتكافه - كما هو.
قال محمد بن رشد: قوله صحيح؛ لأن الإمامة للمعتكف بالناس في مسجد معتكفه، ليس فيها شغل عن اعتكافه، واستدلاله على أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الذي كان يؤم الناس في اعتكافه - على حاله - التي كان عليها، فإنه لو استخلف على الصلاة غيره، لنقل ذلك وعلم، استدلال واضح؛ لأن هذا مما يعلم توفر الدواعي على نقله، فلو كان، لنقل.

مسألة: المعتكف يقبل امرأته

مسألة وسئل مطرف: عن المعتكف يقبل امرأته، والمتظاهر، ما الذي

ترى فيهما؟ قال: أرى أن قد أفسدا ما هما فيه، فأما المتظاهر فأرى أن يبتدئ صيامه، وأما المعتكف فأرى أن يبتدئ اعتكافه، قلت له: في القبلة فقط، فقال: نعم في القبلة، وكذلك لو جساهما بأيديهما، كان ذلك مما يفسد عليهما ما هما فيه، قلت له: فالحاج أو الصائم إذا قبلا؟ فقال: أما الصائم فلا شيء عليه، إلا أن يمذي، وأما الحاج فحجه تام مجزئ عنه، إلا أن عليه الهدي لمكان ما قبل.
قال محمد بن رشد: أما المعتكف فلا اختلاف أحفظه في المذهب في أن القبلة والمباشرة تبطل اعتكافه.
وأما المتظاهر فلأصبغ في نوازله من كتاب الظهار: أنه إن قبل في شهري صيامه استغفر الله تعالى، وتمادى على صيامه.
وهذا أحد قولي سحنون، قال: لأن المعتكف ممنوع من كل امرأة، والمتظاهر ليس بممنوع إلا من امرأته التي ظاهر منها، ومن أهل العلم في غير المذهب من يبيح للمتظاهر من امرأته التي ظاهر منها، ما دون الجماع قبل الكفارة، كما أن منهم أيضا من لا يبطل الاعتكاف بما دونه.
ويحمل قَوْله تَعَالَى في الآيتين جميعا: آية الظهار، وآية الاعتكاف - على الجماع، لا على ما دونه.
وأما الصائم فلا يبطل صيامه ما دون الجماع، إلا أن ينعظ أو يمذي على اختلاف، أو ينزل باتفاق، وقد مضى تحصيل ذلك في رسم "طلق" من سماع ابن القاسم، وأما الحاج فلا يبطل حجه بما دون الجماع، إلا أن ينزل، غير أن عليه في ذلك كله الهدي - وبالله التوفيق.
تم كتاب الصيام والاعتكاف بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل