كتاب الجامع الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
غير المسمى، إذ لا اختلاف في أن التسمية غير المسمى، فهذه هي نكتة الاختلاف في الاسم هل هو المسمى أم لا؟ فعلينا أن نبين الفصل بين الاسم والتسمية؛ ليصح لنا ما صححناه من أن الاسم هو المسمى، فالتسمية هي الكلام والقول الذي به يتحرك اللسان، والاسم هو المفهوم من التسمية، فإذا سألت الرحمن الرحيم، أو دعوت السميع القريب المجيب فقد دعوت وسألت المسمى بما سميته به من الرحمن الرحيم والسميع القريب المجيب وهو الله رب العالمين، وكذلك إذا قلت: لقيت زيدا أو خالدا أو عالما أو كلمتهم أو صحبتهم كنت قد أخبرت حقيقة لا مجازا بلقائك وتكلمك وصحبتك لأعيانهم وأشخاصهم وذواتهم المسمين بأسمائهم التي سميتهم بها لا لغير أشخاصهم وأعيانهم، ومن لم يبن له الفرق بين الاسم والتسمية وقال: إن الاسم هو التسمية، وإنه غير المسمى حمل كل ما جاء من الإفصاح بأن الاسم هو المسمى على المجاز في القول، فقال: معنى قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: 40] أي ما تعبدون من دونه إلا أشخاص أسماء سميتموها، وكذلك يقولون في قول القائل: سألت الرحمن الرحيم معناه سالت ربي المسمى بالرحمن الرحيم وكذلك يقولون في قول الرجل لقيت زيدا أو كلمته أو صحبته معناه: لقيت المسمى بزيد أو كلمته أو صحبته، ولا يصح أن يعدل بالكلام عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة، فلم يأت من قول من قال من أهل السنة: إن الاسم غير المسمى ببدعة إلا أنه أخطأ خطأ ظاهرا وجهل جهلا لائحا؛ إذ لم يفترق عندهم الاسم من التسمية حتى قالوا: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال نار احترق فوه، ومن قال: زيدا وجد زيدا في فيه، وهذا جهل؛ إذ لا يوجد في فم الذي قال نارا إلا التسمية التي هي القول لا الاسم الذي هو المفهوم منه على ما بيناه، ولو وجد اسم النار في فيه لاحترق فوه.
وأما أهل الاعتزال فيقولون: إن الاسم غير المسمى على أصولهم في أن أسماء الله عز وجل وصفاته غيره؛ لأنها عندهم محدثة مخلوقة، وأنه تعالى كان بغير اسم ولا صفة حتى خلق خلقه، فخلقوا له أسماء وصفات؛ لأنهم يقولون: إن الاسم هو التسمية، وإن الوصف هو الصفة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وبه التوفيق لا رب غيره.
وقول مالك متصلا بهذا الحديث: ختم الله به الأنبياء، وختم به الكتاب، وختم بمسجده هذه المساجد، ليس له تعلق به، وإنما ورد من حيث نقل على سبب غيره، والمعنى فيه بين؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخر الأنبياء، ختم الله به النبيين، وكتابه الذي أنزل عليه آخر الكتب؛ إذ لا نبي بعده.
وقوله: ختم بمسجده هذه المساجد إشارة منه إلى المسجد الحرام ومسجد إيليا، ومسجده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان مسجده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدث المساجد الثلاثة التي قال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد إيليا، أو بيت المقدس» وآخرها، وبالله التوفيق.
قدر القراءة في الصلوات
في قدر القراءة في الصلوات قال مالك: حدثني سميى مولى أبي بكر أنه قال له يوما، وقد كان كف بصره وأسفر عن الصلاة عن وقتها الذي كان يصليها فيه فقرأ فيها ببراءة، قال مالك: وكان حزم يطيل القراءة في
الظهر، قيل له: قدر كم؟ قال: الكهف وما أشبهها، فقيل له: أفيقرأ المسافر بسبح، وويل للمطففين؛ فإن الأكرياء يسفرون بهم؟ قال: لا بأس بذلك.
فقيل له: فإذا زلزلت وما أشبهها؟ قال: هذه قصار جدا، كأنه يقول: لا.
قال محمد بن رشد: كذا وقع الأكرياء يسفرون بهم، وهو خطأ وصوابه: فإن الأكرياء يسرعون بهم، وكذا وقع في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة.
وقوله: وأسفر عن الصلاة عن وقتها الذي كان يصليها فيه معناه أخرها عن الوقت الذي كان من عادته أن يصليها فيه؛ لأنه أخرها حتى أسفر؛ إذ لو أسفر لما أمكنه أن يقرأ فيها ببراءة.
والتطويل في الصبح والظهر مستحب، وهما سيان فيما يستحب فيهما من التطويل، ألا ترى أنه استخف في المدونة للمسافر في الصبح من التخفيف القدر الذي استخفه هاهنا في الظهر، ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول قراءة من الثانية في الصبح والظهر، لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطيل أول ركعة من الظهر وأول ركعة من الغداة» .
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الاختيار في الظهر دون الصبح أن يكون الركعتان الأوليان متساويتين في القراءة [كما أن الركعتين الأخيرتين متساويتان في القراءة] ويستحب أن لا يقرأ في الصبح والظهر في مساجد الجماعات بدون طوال سور المفصل، ويقرأ في المغرب بقصارها وفي العشاء الآخرة بوسطها، واختلف في العصر فقيل: إنها والمغرب سيان في قدر القراءة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل: إنها والعشاء الآخرة سيان فيما يستحب فيهما من قدر القراءة.
واختلف في حد المفصل، فقيل: إنه من الحجرات، وقيل: إنه من سورة ق، وقيل: إنه من سورة الرحمن، روي ذلك عن ابن مسعود، والصحيح قول من قال: إنه من سورة ق لأن الحجرات مدنية، والمفصل بمكة، روي عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله عز وجل على رسوله المفصل بمكة فكنا حججا نقرأه لا ينزل غيره، ومن الدليل على ذلك ما روي عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: كيف كنتم تحزبون القرآن؟ قال: كنا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وفي بعض الآثار، كيف كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحزب القرآن؟ فذكر نحوه؛ لأن القرآن يأتي على هذا سبعة أحزاب بعدد الأيام، المفصل منها حزب من أول سورة ق؛ ولأن الستة أحزاب تتم إذا عدت السور بسورة الحجرات، ويحتمل أن تكون سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود بعد سورة الحجرات، وبالله التوفيق.
التأني والعجلة
في التأني والعجلة قال مالك: بلغني أنه كان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما عجل امرؤ فأصاب، وتأيد آخر فأصاب إلا كان الذي تأيد أصوب رأيا، ولا عجل فأخطأ وتأيد آخر فأخطأ إلا كان الذي تأيد أيسر شأنا.
قال محمد بن رشد: قوله: بلغني أنه كان يقال التأني من الله والعجلة من الشيطان، معناه بلغني أنه كان يقال في الحديث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لأن مثله لا يكون رأيا والله أعلم، وما فسره به من قوله: وما عجل امرؤ فأصاب إلى آخر قوله بين صحيح؛ لأن الحظ فيما ينوب من أمور الدنيا ألا يعجل فيها ولا يقدم عليها إلا بعد تقديم استخارة الله عز وجل فيها.
وقد أمر الله عز وجل نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بمشورة أصحابه في الأمور والتثبت فيها، فقال عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] روي عن أم سلمة أنها قالت: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمون، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصفوا له حتى صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] » ، ومن هذا المعنى قول ابن عباس: القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوءة، وقد روي مرفوعا إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لأن التؤدة التأني في الأمور والتثبت فيها، وأما القصد فمعناه الاقتصاد في النفقة، وفي معناه جاء الحديث «ما عال من اقتصد» ، وأما حسن السمت فالوقار والحياء وسلوك طريقة الفضلاء، وبالله التوفيق.
سيرة عمر في الناس في سني الرمادة
في سيرة عمر في الناس في سني الرمادة قال مالك: بلغني أن أول ما أغيث الناس في زمن عمر بن الخطاب في الخريف، فقال له رجل: ما كنت فيها بابن ثأداء فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله، وضربه بالدرة وكتب إلى عمرو بن العاص وغيره يا غوثاه، فبعثوا إليه بالإبل عليها الدقيق والأكسية، قال: وإن كان عمر لينفخ تحت قدورهم حتى إن كان الدخان يخرج من خلل لحيته قال: لا تشبعونهم فإنهم كالشن البالي، ولكن قليلا قليلا حتى ينتعشوا ويقووا، قال: وكان يأتي بالبعير عليه الدقيق إلى أهل البيت فيقول: كلوا لحمه، وائتدموا شحمه، والْتَحِفُوا بهذا العباء، وكلوا هذا الدقيق.
قال محمد بن رشد: قول الرجل لعمر بن الخطاب: ما كنت فيها بابن ثأداء، معناه ما كنت في هذه السنين بابن امرأة ضعيفة مسكينة، أي لم تضعف عن إغاثة الناس وإحيائهم وإقامة أرماقهم حتى جاء الله بالفتح من عنده، ومنه المثل السائر تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، أي لا ترضى أن تكون ضئيرا لقوم إلا المرأة الدنية المسكينة.
وإنما ضربه لمدحه إياه في وجهه، فقد جاء النهي عن ذلك، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احثوا التراب في وجه المداحين» أي وبخوهم وقبحوا إليهم قولهم حتى يذلوا ويكونوا في الذلة كمن لصق بالتراب، ومنه الحديث «تربت يمينك ومن أين يكون الشبه» ، وبالله التوفيق.
إمضاء أقضية الأمراء
في إمضاء أقضية الأمراء قال مالك: إن أبان بن عثمان أراد أن ينقض قضاء عبد الله بن الزبير فيما قضى به ابن الزبير، فكتب إلى عبد الملك بن مروان، فكتب إليه عبد الملك بن مروان: إنا لم ننقم على ابن الزبير فيما قضى به، وإنما نقمنا عليه لما أراد من الإمارة، فإذا جاءكم كتابي هذا فَأَمْضِه ولا ترده فإن نقض القضاء عناء معني.
قال محمد بن رشد: قول عبد الملك إنا لم ننقم على ابن الزبير فيما قضى به إلى آخر قوله، يدل على أن القاضي لا تنقض أحكامه إذا لم يعرف بالجور فيها، وإن كان غير مرضي في أحواله، وهو مذهب أصبغ من أصحابنا خلاف قول ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون، وقد مضى بيان هذا والقول فيه مستوفى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.
مسير المسافر الميلين والثلاثة بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر
في مسير المسافر الميلين والثلاثة
بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر أنه كان يسير الميلين وثلاثة بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر.
قال محمد بن رشد: إنما كان يفعل ذلك إذا زالت الشمس وبينه وبين المنهل الذي يريد النزول فيه الميلان والثلاثة؛ لمشقة النزول والركوب.
وأما لو كان في مشي متصل لنزل للصلاة في أول وقتها؛ لأن وقتها المستحب وإن كان متسعا إلى آخر القامة فأوله أفضل، سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أفضل الأعمال فقال: «الصلاة لأول وقتها» ، وبالله التوفيق.
حكاية عن عمرو بن العاص
قال مالك: بلغني أن رجلا قال لعمرو بن العاص وكان عمرو عاملا على البحرين في زمن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأنه قال له: إن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد توفي فالحق ببلدك وإلا فعلنا وفعلنا يتواعده، فقال له عمرو: لو كنت في حفش أمك لدخلنا عليك فيه.
قال محمد بن رشد: القائل لعمرو هذا قرة بن هبيرة بن سلمة بن قشير، كان ارتد وأتي به موثقا إلى أبي بكر مع عيينة، وشهد عليه بذلك عمرو بن العاص، فأراد بقوله هذا أنه لا يفلته ولا ينجو منه حتى يقيم عليه حد الله عز وجل، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين، وبالله التوفيق.
خشية عمر بن عبد العزيز
في خشية عمر بن عبد العزيز وقال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز صلى فقرأ بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1] ، فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14] خنقته العَبْرة فتردد عليها فلم يستطع أن ينفذها فتركها وقرأ والسماء والطارق.
قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية في الخوف لله عز وجل، ومن بلغ هذا الحد فهو من أهل الجنة بفضل الله، قال عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] وقد روى الصلت عن ابن القاسم أنه لا يطلق على من حلف بالطلاق أنه من أهل الجنة، وسئل مالك عن ذلك فتوقف وقال عمر بن عبد العزيز إمام هدى أو قال رجل صالح، وفضائله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كثيرة لا تحصى، وقول ابن القاسم بالصواب أولى؛ لأن الأمة قد أجمعت على الثناء عليه والشهادة له بالخير، [وهي معصومة قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لن تجتمع أمتي على ضلالة» ] ، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
سرور المستفتي إذا أفتاه المفتي بما يحب
في سرور المستفتي إذا أفتاه المفتي بما يحب وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب إذا جاءه الرجل يسأله فأفتاه بما يحب دعا له
فيضحك ابن المسيب ويقول: أفتيته بما يحب.
قال محمد بن رشد: ضحك ابن المسيب من دعائه له إذا أفتاه بما يحب بخلاف ما لو أفتاه بما يكره وهو في فتواه إياه لم يقصد وجهه، وإنما فعل في الوجهين جميعا ما يجب عليه أن يفعله، ولا يجوز له أن يتعداه، وهذا أمر قد جبل عليه الناس، حكى ابن حبيب أن أعرابيا سأل مالكا عن ناقة له نفرت فانصرفت فقال لها: تقدمي وإلا فأنت بدنة، فقال له أردت زجرها بذلك لكي تمضي؟ فقال: نعم، فقال: لا شيء عليك، فقال: رشدت يا ابن أنس، وذلك من قول مالك خلاف رواية أبي زيد عن ابن القاسم في سماعه من كتاب النذور، وقول ابن القاسم هذا هو الذي يأتي على أصل مذهب مالك في أن اليمين بكل ما لله فيه طاعة تلزم كالنذور، ووجه قول مالك أنه لم ير ذلك يمينا لأن الرجل إنما يحلف على ما يملك أو على من يعقل فصرف ذلك إلى معنى النذر فلم يوجب عليه إخراجها إذ لم تكن له نية في ذلك، وإنما قصد زجرها لا القربة إلى الله بإخراجها، وهو الأظهر لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات» ، وبالله التوفيق.
أحاديث ابن وهب وأحاديث الإسكندراني في علي بن زياد
أحاديث ابن وهب وأحاديث الإسكندراني في علي بن زياد [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما] . وحدثني محمد بن أحمد العتبي عن عيسى بن دينار عن عبد الله بن وهب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا
أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: النبييون والصديقون ورجل زار أخاه في الله عز وجل، ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الولود الودود العوود التي إذا أساءت أو أساء إليها زوجها وضعت يدها في يده وقالت اعف أو اصنع ما بدا لك» . وعنه أيضا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور في الجنة حيث يشاء» . وحدثني يحيى بن سليم الطائفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأنس: «يا أنس، سلم على أهلك يكثر خير بيتك، وسلم على من لقيت تكثر حسناتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، وصل بالليل والنهار تحفظك الحفظة، ولا تنم إلا وأنت طاهر فإنك إن مت مت شهيدا ووقر الكبير وارحم الصغير والقني غدا» . قال وحدثني عن علي بن زياد الإسكندراني عن أبى رافع يرفع الحديث، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خرج عيسى ابن مريم يمشي حتى انتهى إلى مفرق ثلاثة طرق، فركع ركعتين وجلس، فأتاه إبليس فسلم عليه فقال له عيسى: يا إبليس إني سائلك عن خطتين فهل أنت صادقي فيهما؟ قال: يا روح الله سلني عما بدا لك، قال: ما الذي يسل جسمك؟ وما الذي يقطع ظهرك؟
قال: أما الذي يسل جسمي فصهيل فرس في سبيل الله في قرية من القرى أو حصن من الحصون، ولست أدخل دارا فيها فرس في سبيل الله، وأما الذي يقطع ظهري فالرجل يصلي الصبح ثم يذكر الله حتى تطلع الشمس، فقال له عيسى: فإني أسألك بالحي الذي لا يموت ما ثواب ذلك؟ قال سأجيبك يا روح الله، ووالله لا أخبر به آدميا بعدك أبدا، والحي الذي لا يموت لذلك أحب إلى الله من جبلي ذهب وفضة يقسمان في سبيل الله» . وحدث عن علي بن زياد يرفع الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن أصلي الصبح ثم أجلس في المسجد فأذكر الله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أشد على جياد الخيل في سبيل الله حتى تطلع الشمس» . وحدث علي بن زياد عن سعيد بن عبد الله عن القاسم عن القرظي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لأن أصلي الصبح فأذكر الله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق الرقاب حتى تطلع الشمس» . قال: وحدثني عن علي بن زياد، عن أشياخ لهم، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزا سرية فغنمت ورجعت، فقال ناس ما أعظم ما غنمت هذه السرية، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا أخبركم ممن هو أعظم غنيمة وأوشك رجعة"؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل توضأ ثم غدا فصلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى إذا طلعت عليه الشمس ركع ما قدر الله له ركعتين أو أربعا ثم انصرف، فذلك أعظم غنيمة وأوشك رجعة، ذلك غنم الجنة» .
وحدثني علي بن زياد عن أبي العباس عن أنس بن عياض أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا أخبركم بساعات من ساعات الجنة؟ الظل فيها ممدود والعمل فيها مقبول والرحمة فيها مبسوطة، قالوا: بلى يا رسول الله، قال من أذان صلاة الصبح إلى طلوع الشمس» . قال محمد بن رشد: هذه الأحاديث بينة كلها في المعنى ليس فيها ما يخفى، وبالله التوفيق.
من لا غيبة فيه
فيمن لا غيبة فيه قال: قال عيسى لا غيبة في ثلاث: إمام جائر، وفاسق معلن، وصاحب بدعة.
قال محمد بن رشد: إنما لم يكن في هؤلاء غيبة لأن الغيبة إنما هي بأن يذكر من الرجل ما يكره أن يذكر عنه لمن لا يعلم ذلك منه، والإمام الجائر والفاسق المعلن قد اشتهر أمرهما عند الناس، فلا غيبة في أن يذكر من جور الجائز وفسق الفاسق ما هو معلوم من كل واحد منهما، وصاحب البدعة يريد ببدعته ويعتقد أنه على الحق فيها وأن غيره على الخطأ في مخالفته في بدعته فلا غيبة فيه لأنه إن كان معلنا بها فهو يحب أن يذكر بها، وإن كان مستترا بها فواجب أن يذكر بها ويحفظ الناس من اتباعه عليها، وبالله التوفيق.
ما يحتج به على القدرية
فيما يحتج به على القدرية قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: في كتاب الله تبارك وتعالى لهؤلاء القدرية لعلما بينا علمه من علمه وجهله من جهله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: 161] ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: 162] ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 163]
ثم قال مالك: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27] فأخبر نوح بما لم يكن بأنه فاجر كفار لما سبق من الله تبارك وتعالى في ذلك وقدر عليهم، قال مالك: وما رأيت أهله من الناس إلا أهل سخافة عقل وخفة وطيش.
قال محمد بن رشد: الآيتان جميعا بينتان في الرد على المكذبين بالقدر لأن الله عز وجل أخبر في الآية الأولى التي نزع بها عمر بن عبد العزيز أنهم لا يفتنون عن دين الله ويردونه إلى ما يعبدونه من دون الله إلا من هو صال الجحيم بما سبق عليه من قدر الله، وسواء كان الخطاب في قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: 161] للمشركين الذين يعبدون الأوثان، أو لبني إبليس وهم الجنة الذين تقدم ذكرهم في التلاوة على اختلاف أهل التأويل في ذلك، الحجة في ذلك على أهل القدر قائمة؛ لأن المعنى في ذلك أنهم لا يفتنون ويضلون كانوا المشركين أو الشياطين إلا من قد سبق عليه القدر بأنه يصلى الجحيم.
وأخبر نوح بالآية التي نزع بها مالك أن قومه إن تركهم الله ولم يهلكهم بدعائه عليهم إذ دعا عليهم، ولا يكون ذلك إلا وقد أذن الله له في الدعاء عليهم فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27] أي إنهم إن ولدوا وليدا فأدرك كفر وهو شيء علمه من قبل الله عز وجل فقوله له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36]
فالحجة بها بينة واضحة أيضا على أهل القدر المكذبين به، ولا يكونون إلا أهل سخافة عقول كما قاله مالك، إذ لو كانوا ذوي عقول وافرة لما خفيت عليهم هذه الحجج الظاهرة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125] ، وبالله التوفيق.
لعب الرجل مع امرأته بالأربعة عشر
في لعب الرجل مع امرأته بالأربعة عشر وسئل مالك عن الرجل يلعب مع امرأته في البيت بالأربعة عشر، قال: ما يعجبني ذلك، وليس من شأن المؤمن اللعب، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] . قال محمد بن رشد: الأربعة عشر قطع معروفة كان يلعب بها كالنرد وهو النردشير الذي قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله، ومن لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير» ، وكذلك الشطرنج له حكمه، وقد قال فيه الليث بن سعد: إنه شر من النرد فاللعب بشيء من ذلك كله على سبيل القمار والخطر لا يحل ولا يجوز بإجماع من العلماء؛ لأنه من الميسر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] . وأما اللعب بشيء من ذلك كله
على غير وجه القمار فلا يجوز لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» فعم ولم يخص قمارا من غيره، فمن أدمن اللعب بشيء من ذلك كله كان قدحا في إمامته وشهادته، وقد كان عبد الله بن عمر إذا رأى أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها، وبلغ عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها عندهم النرد فأرسلت إليهم: لئن لم تخرجوه لأخرجنكم من داري وأنكرت ذلك عليهم، ذكر ذلك مالك في موطئه.
ولا فرق في ذلك كله بين لعب الرجل به مع أجنبي في بيته أو في غير بيته وبين لعبه به مع أهله في بيته إن كان على الخطار والقمار، فذلك حرام بإجماع، وإن كان على غير القمار فهو من المكروه الذي تسقط شهادة من أدمن باللعب به، وهو الذي قال مالك فيه في هذه الرواية: ما يعجبني ذلك، وليس من شأن المؤمن اللعب لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] فهذا من الباطل، وبالله تعالى التوفيق.
وجه تفريق الصدقة
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا في
وجه تفريق الصدقة قال مالك: بلغني أن طاوسا بعث مصدقا، وأنه أعطي نفقة يتجهز بها لخروجه، وكان مما يفعل أن يعطوا ما يتجهزون به، فأخذها فوضعها في كوة، ثم خرج فقسم كل شيء هنالك ولم يأت بشيء، فلما رجع سألوه فقال: إني قد قسمتها فكأنهم كرهوا ذلك فقالوا له: اردد إلينا الدنانير التي أعطيناك، فقال: هي في الكوة لم آخذ منها شيئا، فأخذوها، قال: وقال مالك بلغني «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث معاذ بن جبل إلى اليمن على الصدقات فرجع من اليمن بثيابه كما خرج لم يرجع بشيء من الصدقة، قسمها هنالك» قال: وقال مالك: حدثني يحيى بن سعيد أنه كان مع ابن زرارة باليمامة مصدقا وأن عمر بن عبد العزيز كتب إليهما في أول عام أن اقسما نصف الصدقة، ثم كتب إليهما في العام الثاني أن اقسماها كلها، فقلت لمالك أفترى ذلك؟ قال: نعم، هو الشأن أن تقسم في مواضعها التي أخذت فيهم وفي غيرهم، فقيل له: أفرأيت رجلا قدم قرية فأخذ منهم زكاتهم أترى أن يقسمها فيهم؟ قال: نعم وفي غيرهم.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا إشكال فيه؛ لأن الشأن في قسم الصدقات أن تقسم في البلاد التي أخذت فيها، فإن فضل عن مساكنها فضل منها تنقل إلى أقرب البلدان إليهم، فقد تقل الصدقات في البلد ويكثر فيه المساكين، وقد تكثر فيه الصدقات ويقل فيه المساكين فيجتهد الإمام في ذلك كما فعل عمر بن عبد العزيز إذ كتب في العام الأول إلى ابن زرارة وصاحبه أن يقسما نصف الصدقة حيث قبضاها، وفي العام الثاني أن يقسماها كلها.
والصدقات كلها من العين والمواشي والحبوب في ذلك سواء، وإذا حمل الطعام من البلد الذي لا مساكين فيه أو ما فضل عن المساكين الذين هم فيه إلى البلد الذي يقسم فيه فيكرى عليه منه أو يبيعه الإمام ويشتري بثمنه طعاما مثله في البلد الذي يقسمه فيه إن رأى ذلك أرشد من الكراء عليه، فينظر في ذلك باجتهاده، وقد قيل: إن الأحسن أن يتكارى عليه من الفيء لا منه، والقولان في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب زكاة الحبوب على ما بيناه هناك، وبالله التوفيق.
سهم المؤلفة
في سهم المؤلفة قال: وسئل مالك عن سهم المؤلفة أترى أن يقسم على
سهمان الصدقة؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: يريد بالاجتهاد لا بالسواء، فإن رأى أن يجعله في صنف واحد كان ذلك له إذ الزكاة على مذهبه إنما توضع في الأصناف المذكورين في الآية بالاجتهاد، ويتبع في ذلك الحاجة في كل عام، ولا يقسم بينهم أثمانا على السواء هذا مذهبه الذي لم يختلف فيه قوله ولا خالفه فيه أحد من أصحابه، وقيل يجعل نصف ذلك السهم لعمار المساجد ونصفه على سائر الأصناف السبعة.
والمؤلفة قوم من صناديد مضر كان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يعطيهم الزكاة يتآلفهم على الإسلام ليسلم بإسلامهم من وراءهم، منهم أبو سفيان بن حرب.
واختلف في الوقت الذي بدأ فيه باستيلافهم، فقيل قبل أن يسلموا لكي يسلموا، وقيل بعد ما أسلموا كي يحبب إليهم الإيمان، وكانوا على ذلك إلى صدر من خلافة أبي بكر، وقيل إلى صدر من خلافة عمر، ثم قال لأبي سفيان قد أعز الله الإسلام وأغنى عنك وعن ضربائك إنما أنت رجل من المسلمين وقطع ذلك عنهم.
واختلف هل يعود ذلك السهم إن احتيج إليه أم لا يعود؟ فرأى مالك أنه لا يعود وهو مذهب أهل الكوفة، وقد قيل: إنه يعود إن احتيج إليه ورأى ذلك الإمام وهو قول ابن شهاب وعمر بن عبد العزيز وإليه ذهب الشافعي.
التفكر في أمر الله
في التفكر في أمر الله قال: وقال مالك: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر، فقيل له: أفترى التفكر من الأعمال؟ قال: نعم هو اليقين، قال الله عز وجل:
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191] .
قال محمد بن رشد: أم الدرداء هي زوجة أبي الدرداء، ولذلك سئلت عما كان أكثر شأنه إذ هي بصحبتها له ليلا ونهارا أعلم بحاله، اسمها خيرة، وهي صحابية من خيار النساء وفضلائهن وعقلائهن: وذوات الرأي منهن مع العبادة والنسك، روت عن النبي عليه السلام وعن زوجها أبي الدرداء، وروى عنها جماعة من التابعين.
والتفكر من الأعمال كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وهو من أشرف الأعمال؛ لأنه من أعمال القلوب التي هي أشرف الجوارح، ألا ترى أنه لا يثاب أحد على عمل من أعمال الجوارح من الوضوء والصلاة والصيام والحج وسائر الطاعات إلا مع مشاركة القلوب لها بإخلاص النية لله عز وجل في فعلها، وقد قال سعيد بن المسيب في الصلاة فيما بين الظهر والعصر: ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورع عما حرم الله، والتفكر في أمر الله، يريد أنها ليست بأشرف العبادات وإنما أشرفها وأكبرها وأقربها وسيلة إلى الله مع الورع عما حرم الله التفكر في أمر الله، وإنما قال ذلك؛ لأن الله أثنى على المتفكرين في آياته، وأمر بالاعتبار في مخلوقاته في غير ما آية من كتابه على وحدانيته وعظمته وقدرته من ذلك قوله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: 185] الآية: و ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: 18] الآية وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق: 6] الآية وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]
وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: 58] الآيات إلى آخرها وقوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4] إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4] وما أشبه ذلك في القرآن كثير لا يحصى، فالاعتبار في آيات الله التي أمرنا بالاعتبار فيها والتفكر في أمرها والاستدلال بها على وحدانيته وعظمته وقدرته، واستشعار اليقين بما وعد به من أطاعه من الثواب وأوعد به لمن عصاه من أليم العذاب من أكبر العبادات والأعمال وأقربها وسيلة إلى الله عز وجل ذي العظمة والجلال.
وحكى يحيى بن يحيى عن البكاء وكان فاضلا، قال: كنت مع ابن شريح بالقيروان، فقلت: لأرمقن الليلة صلاته.
فتبعته بعد صلاة العشاء فدخل بيته وتوسدت عتبته فرأيته دخل مسجده واستقبل القبلة وجلس كذلك، فسمعته حينا بعد حين يدعو كالمتفكر فيما جلس، فلم يزل كذلك شأنه حتى طلع الفجر، فقام فركع ركعتين ثم خرج إلى المسجد فرأيت يحيى يعجبه ذلك كثيرا ويقول: بالتفكر يستدل على حسن الأعمال، وبالله التوفيق.
ما جاء فيمن أخاف أهل المدينة
قال: وسمعت مالكا يذكر أن «جابر بن عبد الله كان قد كف بصره، وأنه خرج متوكئا على يد رجل يريد حاجته حتى كان بالحرة فنكبه حجر، فقال جابر: لعن الله من أخاف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي» . قال محمد بن رشد: إنما قال جابر بن عبد الله ما قاله مما كان عنده عن النبي عليه السلام فيمن أخاف أهل المدينة إنما تذكر لما صار بالحرة ما جرى على أهل المدينة فيها يوم الحرة من الوقيعة التي دارت عليهم، وما انتهى إليهم في ذلك اليوم مسلم ابن عقبة، وإلى جيش يزيد بن معاوية من تخويف الناس، إذ دخل المدينة ودعا الناس إلى مبايعة يزيد بن معاوية على أنه حول له، وقتل من قتل على ذلك صبرا، وقد مضى ذكر ذلك في آخر رسم نذر سنة، عند قول مالك، عن سعيد بن المسيب: خلا مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة أيام لم يجمع فيه من حين كان يوم قتل عثمان ويوم الحرة ويوم آخر نسيته وبالله تعالى التوفيق.
خوف دعاء الرجل الصالح
في خوف دعاء الرجل الصالح قال: وقال مالك: دخل سعيد بن المسيب مع سعد بن أبي وقاص على مروان فكلمه في شيء فأغلظ عليه القول، فقال: قال ابن المسيب: فلقد كرهت دخولي معه لما رأيت من غلظة كلامه.
فقال مروان: إن القول ما أقول، فرفع سعد يديه ليدعو على مروان، وعلى سعد رداء قصير، فوثب إليه مروان فأخذ بذراعيه
فقال: لا أقوله، القول ما قلت يا أبا إسحاق لا أخالفك، فقال سعدا لو أنك ما فعلت ما زلت أدعو عليك حتى يسقط ردائي.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
تأهب سعيد بن المسيب لحديث النبي عليه السلام
في تأهب سعيد بن المسيب لحديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
وما جرى له مع نافع بن جبير في
مرضه قال: وقال مالك: بلغني أن رجلا دخل على سعيد بن المسيب فسأله عن حديث، فجلس يحدثه وكان مضطجعا، فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعن، فقال له سعيد: إني كرهت أن أحدثك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأنا مضطجع، قال: وقال مالك: ودخل عليه مالك بن جبير بن مطعم وهو مريض ولم يطعم منذ ثلاثة أيام، فقال له أهله: إنه لم يطعم منذ ثلاثة أيام.
قال: فكلمه فقال له سعيد: وكيف يأكل إنسان على هذه الحال؟ فقال له: لا بد لصاحب الدنيا ما كان فيها أن يطعم، قال: فما زال به حتى حسا حسوا ثم قال له: سل الله العافية فإني أرى الشيطان قد كان يغيظه مجلسك من المسجد، فقال لي ابن المسيب: اللهم سلمني وسلم مني.
قال محمد بن رشد: هذا مما يستحسن من تعظيم حق النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في التحدث بحديثه، وقد كان مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يحدث عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلا وهو على وضوء، وروي أن هارون الرشيد قصد مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في منزله فأوقفه على بابه ثم أذن له، فعاتبه على ذلك وقال له.
لم تأتنا، فإذا جئناك حجبتنا، فقال له: علمت أنك أتيت لحديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
فأردت أن أتأهب له، وما جرى له مع نافع بن جبير بن مطعم دال على ما- كان عليه من الفضل وملازمة الجلوس في المسجد، وبالله التوفيق.
الله يظهر على عبده ما يستخفى به من عبادته إياه
في أن الله يظهر على عبده
ما يستخفى به من عبادته إياه قال: وسمعت مالكا يقول: بلغني أن الحسن كان يقول: ابن آدم، اعمل وأغلق عليك سبعة أبواب يخرج الله عملك للناس.
قال محمد بن رشد: معنى قول الحسن مروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، روى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر» ومن هذا المعنى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عن ربه فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء، وبالله التوفيق.
اهتمام عمر بن الخطاب بأمور المسلمين
في اهتمام عمر بن الخطاب بأمور المسلمين قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول: إني لأضطجع على فراشي فما يأتني النوم وأقوم إلى الصلاة فما يتوجه لي القرار من اهتمامي بأمر الناس، قال مالك: كان يريد عمر ابن الخطاب أن يطاع الله فلا يعصى.
قال محمد بن رشد: إنما بلغ عمر بن الخطاب إلى هذا الحد من الاهتمام بأمور المسلمين لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته» الحديث، وقد قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه، وبالله التوفيق.
ما يقول من سمع المؤذن
ما جاء فيما يقول من سمع المؤذن
قال: وسئل عن الحديث أن يقول كما يقول المؤذن، أيقال فيه حي على الصلاة؟ قال: إن الذي يقع في قلبي من تفسير الحديث إنما يراد به إلى أشهد أن محمدا رسول الله، فقيل له: أفيقال ذلك في المكتوبة؟ قال: لا، ولكن يقوله في النافلة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أن معنى الحديث إذا أذن المؤذن فقل مثل ما يقول، إنما ذلك إلى هذا الموضع، أشهد أن محمدا رسول الله فيما يقع بقلبي، زاد فيها، ولو فعل ذلك رجل لم أر به بأسا، فقيل معناه لو اقتصر على هذا لم أر به بأسا، وقيل معناه لو قال مثل ما يقول المؤذن في بقية أذانه الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لم أر به بأسا، والتأويل الأول أحسن؛ لأن قوله: الله أكبر الله أكبر إذا قال ذلك المؤذن لا يقال فيه لا بأس به، وإنما يقال فيه إنه مستحب من الفعل، وإنما الكلام هل هو مستحب أو واجب وجوب السنن بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» ، وعلى هذا اختلف فيمن كان جالسا فسمع مؤذنا يؤذن فقال مثل ما قال، ثم أذن غيره هل يجب عليه أيضا أن يقول مثل ما قال أو لا يجب ذلك عليه؟ إذ قال مثل قوله إذ سمع المؤذن الأول.
وأما قوله حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يقوله، إذ ليس بتكبير ولا تهليل ولا ذكر الله، وإنما هو دعاء إلى الصلاة، وهو ليس بمناد للصلاة ولا داع إليها، وكان ميمون بن مهران يقول: إذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانت عائشة تقول مثل ما يقول المؤذن فإذا قال حي على الصلاة كفت فلم تقل شيئا مثل ما ذهب إليه مالك، وقال ابن حبيب: قل لا حول ولا قوة إلا بالله عند حي على الصلاة حي على الفلاح ثم الرجوع إلى أن يقول مثل ما يقول المؤذن في بقية أذانه أفضل لمعنى الحديث إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن.
وقوله: إنه يقول مثل ما يقول المؤذن في النافلة دون المكتوبة هو مثل ما في المدونة، وقال ابن وهب إنه يقول مثل ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة، وروى مثله أبو المصعب عن مالك، واختاره ابن حبيب، وقال سحنون لا يقول مثل ما يقول لا في المكتوبة ولا في النافلة، وبالله التوفيق.
ما هو قلب الشيخ فيه شاب
فيما هو قلب الشيخ فيه شاب حدثني مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن شيخ من أهل الطائف أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلب الشيخ شاب في اثنتين، حب الحياة، وحب المال» . قال محمد بن رشد: ما أخبر به النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أن الشيخ لا يشيخ أمله في حب الحياة وحب المال هو موجود معلوم من أحوال الشيوخ، والأمل الذي جبل الله تعالى عليه الخلق هو سبب ما قدره الله عز وجل
وأراده من عمارة الدنيا، إذ لو انقطع الأمل في الدنيا بالفكرة في الموت وما بعده لما استقام فيها عيش، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البهائم: «لو علمت من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا» وبالله تعالى التوفيق.
حكايات عن سعيد بن أبي هند وعبد الوهاب بن بخت
حكايات عن سعيد بن أبي هند وعبد
الوهاب بن بخت قال: وسمعت مالكا ذكر أن سعيد بن أبي هند كان رجلا قد سرد الصيام، وإنما سحوره إنما كان في سكرجة، فكانت امرأته ربما كلمته في ذلك، فيقول اللهم أرحني منها، فقيل له: ما تفسير ذلك؟ فقال يريد أن يستريح من الدنيا، قال مالك: كان عبد الوهاب ابن بخت إذا مر بالسقيا يرفع يديه ويقول: الحمد لله الذي لم يجعلك لي، ولم يكن هو أحق بشيء من ماله في السفر من رقيقه، قال: ولقد بلغني أنه حين خرج إلى الغزو فانبعثت به راحلته قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، فاستشهد، قال: وقال مالك: كان ابن أبي هند قد سرد الصيام فلما مرض دخل عليه يحيى بن سعيد فقال له: لو أفطرت، فقال: ليس هذا حين الترك.
قال محمد بن رشد: قد فسر مالك معنى قول سعيد بن أبي هند اللهم أرحني منها أن معنى ذلك بالموت، فيستريح من الدنيا، ومن أراد
الراحة من الدنيا وأحب لقاء الله عز وجل أحب الله لقاءه على ما جاء في الحديث الصحيح، من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال الله عز وجل: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقائه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» وإن كان قد قيل في هذا الحديث: إن المعنى فيه عند المعاينة، فهو قبلها أبلغ في محبة لقاء الله عز وجل.
وإنما حمد الله عبد الوهاب إذ لم يجعل السقيا له، إذ لو كانت له لم يأمن على نفسه الفتنة بها والاشتغال بالنظر فيها على الإقبال على عبادة ربه.
وقد كان أبو طلحة الأنصاري يصلي في حائطه فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجا، فأعجبه ذلك، فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى؟ فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت.
وقوله حين انبعثت به راحلته في خروجه إلى الغزو: عسى أن يهديني ربي سواء السبيل معناه عسى أن يبعثه الله على الطريق المستقيم إلى الجنة، فأجاب الله دعاءه بأن استشهد في غزوته تلك؛ لأن الشهادة هي الطريق القاصدة إلى الجنة، وبالله التوفيق.
الخصال التي تصلح أن تكون في القاضي
في الخصال التي تصلح أن تكون في القاضي قال: وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: لا يصلح للقاضي أن يقضي إلا أن يكون عالما بما كان قبله من الأمر مستشيرا لذوي الرأي.
قال محمد بن رشد: هاتان الخصلتان من الخصال التي يستحب أن تكون في القاضي، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز منها خمس خصال بهاتين الخصلتين، وهي أن يكون عالما بالفقه والسنة ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا بالأئمة يريد أنه يدير الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك، وقيل معناه مستخفا بالأئمة أي لا يهابهم في القضاء بالحق وإن كرهوا ذلك منه، حليما على الخصم، مستشيرا لأولي العلم، وهي كثيرة منها أن يكون من أهل البلد ممن يسوغ له الاجتهاد، معروف النسب ليس بابن لعان ولا ولد زنى، غنيا ليس بفقير ولا محتاج، نافذا فطنا غير مخدوع لعقله ولا محدود في قذف ولا زنى ولا سرقة، وروي عن عمر ابن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا يصلح أن يلي القضاء إلا من كان حصيف العقل شديدا في غير عنف لينا في غير ضعف، قليل الغرة بعيد الهيبة لا يطلع الناس منه على عورة.
فهذه الخصال المستحسنة ينبغي توخيها وبعضها أكثر من بعض، فيقدم الذي يجتمع فيه منها أكثرها، وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع فيه منها خصلتان رأيت أن يولى: العلم والورع، قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم وورع فعقل وورع، فبالعقل يسأل، وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده، يريد بالعقل العقل الحصيف، وأما العقل الذي يوجب التكليف فهو مشترط في صحة الولاية كالإسلام والحرية والبلوغ والذكورية والتوحد فإن ولي من عدم خصلة من هذه الخصال الست لم تنعقد له الولاية، ومن الخصال خصال ليست مشترطة في صحة الولاية إلا أنه يجب عزله عنها بعدم شيء منها، وهي أن يكون سميعا بصيرا متكلما.
واختلف في العدالة، فقيل: إنها مشترطة في صحة الولاية كالإسلام
والحرية وسائر الشروط المشترطة في صحة الولاية، وقيل: إنها ليست مشترطة في صحة الولاية إلا أن عدمها يوجب عزله عن الولاية.
واختلف في الأمية، فقيل: إنه لا يجوز أن يولى القضاء وإن كان النبي أميا لأن النبي ليس كغيره، وقيل ذلك جائز إذ لا يلزمه قراءة العقود ولا كتاب المقالات وله أن يستنيب في ذلك غيره، وبالله التوفيق.
حكاية عن عمر بن الخطاب
قال: وقال مالك: بلغني أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: أكون في منزلة لا أخاف في الله لومة لائم، قال عمر إن وليت من أمر الناس شيئا، وإلا فأمر بالمعروف وانه عن المنكر وأقبل على نفسك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين ليس فيه ما يشكل وبالله تعالى التوفيق.
ما جاء في بلال
قال مالك: بلغني أن بلالا قال لأبي بكر لما ولي: ائذن لي نخرج إلى الشام في الجهاد، فقال أبو بكر: لا، فقال له بلال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فخل سبيلي، فقال له أبو بكر: قد خليتك.
وسئل مالك هل أذن بلال لأحد بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقال: ما أذن لأحد بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولقد سمعت أنه أذن لعمر بن الخطاب حين دخل الشام،
سأله ذلك فقام فأذن فبكى الناس وذكروا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبكوا لذلك.
قال محمد بن رشد: قد روي أنه أذن لأبي بكر حياته، ذكر ابن عبد البر في كتاب الصحابة أن ابن شيبة ذكر عن حسين بن علي، عن شيخ يقال له الحفصي عن أبيه عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أذن لأبي بكر حياته، ولم يؤذن في زمن عمر، فقال له عمر: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله، فخرج فجاهد» ويقال إنه أذن لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذ دخل الشام مرة فبكى عمر وغيره من المسلمين، وبالله التوفيق.
ما يسود الرجل به قومه
فيما يسود الرجل به قومه قال: وقال مالك: بلغني أن معاوية بن أبي سفيان قال للأحنف بن قيس: بم شرفت قومك وأنت لست بأشرفهم ولا بأسنهم ولا بأيسرهم؟ فقال: إني لا أتناول ما كفيت، ولا أضيع ما وليت، فقيل له أو قال: لو وجدت الناس كرهوا شرب الماء ما شربته فقال: قد سمعت وليس هذه تشبه هاتين.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أتناول ما كفيت هو من معنى قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وقوله ولا أضيع ما وليت هو من معنى قول الله عز وجل: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: 34]
والخصلة الثالثة هي من معنى قول النبي عليه السلام: «مداراة الناس صدقة» وصدق مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن هذه ليست تلحق بالأولين، فمن ترك ما لا يعنيه ووفى بما يلزمه الوفاء به وسالم الناس فقد حاز محاسن الأخلاق ومكارمها، واستحق بذلك السؤدد والشرف، وبالله التوفيق.
تحري وقت قتال العدو
في تحري وقت قتال العدو قال: وسألته هل بلغك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتحرى قتال العدو بعد زوال الشمس؟ فقال: ما بلغني وما كان قتال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر إلا في أول النهار حين قالوا وخرجوا بمساحيهم ومكايلهم، فقالوا: محمدا والخميس وما كان قتالهم يوم أحد إلا في أول النهار.
قال محمد بن رشد: روي «عن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر» وروي عنه أنه «قال غزوت مع النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل إلى العصر ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل، قال: وكان يقال عند ذلك تهيج ريح النصر ويدعو المؤمنون في صلاتهم» فهذا هو المروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في هذا خرجه الترمذي لأنه كان يتحرى قتال العدو بعد زوال الشمس فلا يقاتل قبله، هذا الذي قال مالك إنه لم يبلغه والله أعلم.
مخالطة اليتيم في النفقة
17 -
في مخالطة اليتيم في النفقة قال: وسئل مالك عن اليتيم يكون عند الرجل فيأخذ نفقته فيريد أن يخلطها بنفقته ويكون طعامهم واحدا كيف ترى فيه؟ قال:
لما أخبرك بالشأن فيه، إن كان يعلم أنه يفضل عليه وأن الذي ينال اليتيم من طعامه هو أكثر وأفضل من نفقته فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان لا ينال من ذلك الذي هو أفضل فلا يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا صحيح بين أخذه من قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] أي يعلم من يخالط اليتيم لينفعه بما يصيب اليتيم من طعامه زائدا على ما يصيب هو من طعام اليتيم، أو لينتفع هو بما يصيب من طعام اليتيم زائدا على ما يصيب اليتيم من طعامه.
وقد اختلف في السبب الذي من أجله سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن اليتامى فأنزل الله في ذلك ما أنزل، فروي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] الآية.
انطلق من كان عنده يتيم يعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم،
وشرابهم بشرابهم، وقد روى أن اتقاء مال اليتيم واجتنابه كان من أخلاق العرب، كانوا لا يأكلون معهم في قصعة واحدة ولا يركبون لهم بعيرا ولا يستخدمون لهم خادما، فلما جاء النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سألوه عن ذلك فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220] أي إن تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مرزئة منكم لشيء من أموالهم خير لكم عند الله لما لكم في ذلك من الثواب عنده وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، ثم قال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] أي إن تخلطوا أموالكم بأموالهم في المطاعم والمشارب وغير ذلك فينتفعون بمخالطتكم إياهم عوضا من قيامكم على أموالهم فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا.
وقد اختلف أهل العلم فيما يحل للولي من مال يتيمه لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] ، بعد إجماعهم على أن أكل مال اليتيم ظلم من الكبائر لا يحل ولا يجوز، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] .
فأما الفقير المحتاج فلا اختلاف في أنه يسوغ له أن يأكل من مال يتيمه بعد اشتغاله به وخدمته فيه وقيامه عليه، على ما جاء عن ابن عباس من قوله للذي سأله هل له أن يشرب من لبن إبل يتيمه: إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها وتلط حوضها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب.
وأما إن لم يكن له فيه خدمة ولا عمل فلا يسوغ له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن ولا قدر ولا قيمة مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه على ما قاله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا، ومثل الفاكهة من حائطه على ما قاله في أول سماع أشهب من هذا الكتاب.
ومن أهل العلم من أجاز له أن يأكل منه على سبيل السلف.
ومنهم من أجاز له أن يأكل منه ويكتسي بقدر حاجته وما تدعو إليه الضرورة، وليس عليه رد ذلك.
وأما الغني فإن لم يكن له في ماله خدمة ولا عمل سوى أنه يتفقده ويشرف عليه فليس له أن يأكل منه إلا ما لا قدر له ولا بال، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، والثمر يأكله من حائطه إذا دخله.
واختلف إذا كان له فيه خدمة وعمل فقيل: إن له أن يأكل منه بقدر عمله فيه وخدمته له، وقيل ليس ذلك له لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] .
قول عمرلأسيد بن الحضير في ما كان يكسوه إياه
في قول عمر لأسيد بن الحضير في ما كان يكسوه إياه قال: وحدثني مالك عن أسيد بن الحضير أن عمر بن الخطاب كان يكسوه الحلة فيبيعها ويشتري دونها ويشتري بفضل ذلك رقبة يعتقها، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فاشتد عليه ذلك، وقال: نكسو أحدهم الحلة ليعرف بها منزلته وفضله ثم يبيع ذلك،
لينتهين عن ذلك أو لأتركنه فقال أسيد: يا عمر لأن أحدنا قدم لآخرته منعته حقه؟ قال: فقال عمر: لا والله ليعطين حقه.
قال محمد بن رشد: الحلل الثياب المبطنة أكثرها عندهم من البرود اليمانية، وأحب عمر بن الخطاب أو يلبس الحلل من كان يكسوه إياها وكره أن يستبدلها بأدنى منها لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي رآه قشف الهيئة: هل لك مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال، قال: " فلير عليك مالك» ، وقال في صاحب جابر بن عبد الله الذي رآه يرعى ظهره وعليه بردان له قد خلقا «فقال لجابر بن عبد الله: أما له غيرهما؟ فقال: بلى، له ثوبان في العيبة كسوته إياهما، فقال: فادعه فمره فليلبسهما، فدعاه فلبسهما ثم ولى يذهب [فقال رسول الله] ، ما له ضرب الله عنقه؟ فسمعه الرجل فقال: في سبيل الله يا رسول الله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: في سبيل الله، فقتل الرجل في سبيل الله» وقال عمر بن الخطاب إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب، وقال: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم.
ومضى قول عمر: لينتهن عن ذلك أو لأتركنه، أي لأتركن أن أكسو الحلل لمن يبيعها ولا يلبسها وأعطيه عوضها منها وأكسوها لمن يلبسها ولا يبيعها، وذلك بين من قوله: لا والله ليعطين حقه.
ولبس الثياب الحسان للجمال بها مباح جائز قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 32] الآية، وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنا قد وسع الله علينا فننال من كسوة وعطر ما لو شئنا اكتفينا بدونه، فما تقول؟ فقال:
أيها الرجل إن الله أدب أهل الإيمان فأحسن أدبهم فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] وإن الله ما عذب أقواما أعطاهم الدنيا فشكروه، ولا عذر قوما زوى عنهم الدنيا فعصوه.
وقال بعض الحكماء: البسوا ثياب الملوك وأشعروا قلوبكم الخشية، وكان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يلبس الخز وسالم ابن عبد الله بن عمر يلبس الصوف وكانا يتجالسان في المسجد فلا ينكر واحد منهما على صاحبه لباسه، وقد كره العلماء من اللباس الشهرتين: وذلك الإفراط في البذاذة وفي الإسراف والغلو.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: إن قوما جعلوا خشوعهم في لباسهم وكبرهم في صدورهم وشهروا أنفسهم بلباس هذا الصوف حتى إن أحدهم لما يلبس من الصوف أشد كبرا من صاحب المطرف بمطرفه، وقال رجل لإبراهيم النخعي: ما ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند السفهاء ولهلال ابن العلاء وكان عالما:
أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها ... زين الرجال بها تهاب وتكرم
ودع التواضع في اللباس تحريا ... فالله يعلم ما تكن وتكتم
فدني ثوبك لا يزيدك زلفة ... عند الإله وأنت عبد مجرم
السرف في الإنفاق
حكاية عن عمر بن الخطاب قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: لخرق الرجل أشد على من عدمه إنه ليستفيد المال بعد العدم، والخرق لا يقوم له شيء.
قال محمد بن رشد: قد بين عمر معنى قوله بما لا مزيد عليه؛ لأن الخرق السرف في الإنفاق الذي قد ذمه الله عز وجل، بدليل قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] .
وقاية العرض بالمال
في وقاية العرض بالمال قال [مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب هو] سمعت مالكا يقول: إن رجلا من أهل الفقه كانت عنده وديعة ليتيم كان يليها وإنها ضاعت، فباع مالا له ببضعة عشر ألفا ثم أداها، قيل له أفرأى الناس عليه ذلك؟ قال: لا، لم يروا ذلك عليه، ولكنه تطوع بذلك كراهية القالة والتماس تقوى الله وأن لا يجاحد لأحد شيئا، وما كان ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأنه من فعل أهل النزاهة والفضل، وبالله التوفيق.
التطاول في البنيان من أشراط الساعة
في أن التطاول في البنيان من
أشراط الساعة قال: وقال مالك: بلغني أن من أشراط الساعة التطاول في البنيان ولقد أنكر الناس حين بنى عثمان داره هذا البناء ولقد أصاب الناس مطر في ذلك الزمان، فجاءه بعض من يعنيه أمره حين أصبح سأله عن بنيانه، كأنه خاف أن يكون قد انهدم عليه بنيانه.
قال محمد بن رشد: التطاول في البنيان مكروه، مذموم، بدليل ما جاء فيه أنه من أشراط الساعة، ولذلك أنكر الناس على عثمان حين بنى داره هذا البناء على ما ذكره مالك في هذه الرواية، وقد روي من رواية أنس بن مالك أن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج فرأى قبة مشرفة، فقال: ما هذه؟ فقال له أصحابه: هذه لرجل من الأنصار، فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الناس أعرض عنه، صنع ذلك به مرارا حتى عرف الرجل الغضب والإعراض عنه شكى ذلك إلى أصحابه، فقال: والله إني لأنكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما أدري ما حدث لي وما صنعت، قالوا خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرأى قبتك، فسأل لمن هي، فأخبرناه، فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم فلم يرها، فقال: ما فعلت القبة التي كانت هاهنا؟ فقالوا شكى صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال: أما إن كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما لا إلا ما لا» يريد بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا ما إلا ما بني في غير ظلم ولا اعتداء بدليل ما روي من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان أجره له جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن» ، فلا يجوز الاعتداء في البناء وهو التطاول فيه والعلو والسرف، وإنما يجوز منه ما كان بوجه السداد على قدر الحاجة.
والتطاول في البنيان من أشراط الساعة التي قد أعلم الله أنها قد جاءت بقوله عز وجل: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] معناه فما ينظرون إلا قيام الساعة بالنفخة الأولى التي أخبر الله أنه يطعن بها أي يموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله أن تأتيهم فجأة فقد جاء أشراطها.
وأشراطها التي قد جاءت كثيرة.
فالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أشراطها قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة، أو جمع بين أصابعه الوسطى والسبابة على ما جاء في ذلك عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وانشقاق القمر في حياته - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على ما جاءت به الآثار من أشراطها قال الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] .
ورمي الشياطين بالشهب في سماء الدنيا من أشراطها.
ومن أشراطها التي قد رأيناها أكبرها أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويخرب العامر ويعمر الخراب وتشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال.
ويكثر النساء حتى تكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وأن يطلب العلم عند الأصاغر، وأن يوسد الأمر إلى غير أهله، فقد جاء أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سئل متى الساعة؟ فقال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» ومن أشراطها: أن يظهر الفحش والتفحش وقطيعة الرحم، ويسوء الجوار ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وأن يرى رعاء الشاء على رؤوس الناس، وأن يرى الحفاة العراة الجوع يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربتها وربها، وقد روي أن من أشراط الساعة أن يظهر العلم ويفيض المال، ويكثر التجار، وأن من أشراطها أن تقاتلوا قوما ينتعلون الشعر، وأن تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة فهذه الأشراط، وما روي مما هو في معناها أمارة تدل على قربها.
وأما أشراطها التي تكون بين يديها فعشرة، منها خمسة وقع العلم بها لتواتر الآثار بها، وهي يأجوج ومأجوج، والدابة، والدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها.
وأما الخمسة الأخرى: فخسفا بالمشرف، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدخان، ونار تخرج من قعر عدن تميل معهم إذا مالوا وتروح معهم إذا راحوا، روي «عن أبي سريحة، قال: أشرف علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غرفة فقال: ما تذكرون؟ ما تقولون؟ قال: قلنا يا رسول الله الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى تروا عشر آيات، فذكر هذه العشرة» والدخان الذي ذكر فيها هو غير الدخان المذكور في سورة الدخان قوله عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: 10] لأن ذلك الدخان قد مضى على ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن قريشا استعصت وكفرت فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والميتة، وقد كان الرجل يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: 12] فكشف عنهم وقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: 15] فعادوا في كفرهم فأخذهم الله في يوم بدر، وقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16] في هذا الحديث بيان واضح أن الدخان المذكور في الآية قد مضى، إذ لو كان في القيامة لم يكشف عنهم، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: خمس قد مضين، الدخان والقمر والدوم واللزام، وبالله التوفيق.
تعريف المدية
في أن المدية هي السكين قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة قال: ما كنا نسمي السكين إلا المدية حتى أنزل الله في كتابه سكينا.