كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الرجل إذا غرس في داره شجرة فلجاره أن يقطع ما طال من أغصانها فأذاه في جداره ودخل في حصته وهوائه - له أن يقطع الشجرة أيضا إن كان غرسها بموضع يضر غرسها بالجدار لقربها منه، وأما ما يخاف من أن يطرق منها، أو من يطلع عليه منها من يجنيها فلا حجة له في ذلك، وأما إن كانت الشجرة قديمة من قبل بناء الجدار فليس له أن يقطعها وإن أضرت بالجدار.
واختلف هل له أن يقطع ما طال من أغصانها فأضر بجدار جاره؟ فقال ابن الماجشون: ليس ذلك له؛ لأنه قد علم أن هذا يكون من شأن الشجرة، فقد صار ذلك من حريمها وهوائها قبل بناء الجدار، وقال مطرف وأصبغ: ذلك له، وهو أظهر، وإياه اختار ابن حبيب، وإذا كانت لرجل شجرة في أرضه، وإلى جانبها أرض لجاره فله أن يقطع ما طال وانبسط وامتد من فرعها على أرضه، ومن كانت في أرضه شجرة لغيره فليس له أن يقطع ما طال وانبسط منها، قاله ابن القاسم وغيره.
مسألة: مبتلى له في منزل سهم وله حظ في شرب فأراد من معه إخراجه منه
مسألة وسئل: عن المبتلى يكون في منزل له فيه سهم، وله حظ في شرب فأراد من معه في المنزل إخراجه منه، وزعموا أن استسقاء الماء من مائهم الذي يشربون منه مضرة بهم فطلبوا إخراجه من المنزل؟
فقال ابن وهب: إذا كان له مال أمر بأن يشتري لنفسه من يقوم بأمره، ويخرج له في حوائجه ويلزم بيته ولا يخرج.
قيل: فإن لم يكن له مال؟ قال: يخرج من المنزل إذا لم يكن فيه شيء وينفق عليه من بيت مال المسلمين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا كان له مال أمر بأن يشتري لنفسه من يقوم بأمره ويخرج له ويستسقي له ماءه أو يستأجر له من يفعل له ذلك كله، فإن لم يكن له مال كان من الحق على الإمام أن يقوم له بذلك من بيت مال المسلمين؛ لأن استسقاءه الماء معهم من مائهم ضرر بهم، فإن لم يكن ثم إمام يقوم له بذلك لم يمنعوا من استسقاء الماء فيموتوا عطشاء، ولا من مخالطة الناس في مجتمعاتهم وأسواقهم لسؤالهم وقضاء حوائجهم فيهلكون ضياعا، وإنما اختلف في منعهم من المساجد والجوامع.
فقال عيسى بن دينار في نوازله من هذا الكتاب، وفي بعض الروايات: إنهم لا يمنعون من ذلك بحكم؛ لأن عمر بن الخطاب لم يعزم بالنهي على المرأة المجذومة التي رآها تطوف بالبيت مع الناس، وإنما قال لها: يا أمة الله لو جلست في بيتك كان خيرا لك.
ونحو ذلك حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون: أنهم لا يمنعون من مساجد الجماعة لشهود الجمعة المفروضة لأنها على من قوي على شهودها، كما هي على غيرهم، قال: وأما غير الجمعة فلا بأس أن يمنعوا إلا الواحد بعد الواحد، وقال سحنون فيه: يمنعون من ذلك وتسقط إلا الواحد بعد الواحد، وقال سحنون فيه: يمنعون من ذلك وتسقط الجمعة عنهم، واستدل على ذلك بحديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يوفينا بريح الثوم».
وبحديث عمر في قوله للمرأة المجذومة: لو جلست في بيتك كان خيرا لك؛ لأنه قضى في طلبها فجلست في بيتها، فلما مات قيل لها: إن الذي نهاك قد مات، فقالت: ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا.
وقوله أظهر؛ لأن المنع من إذاية
المسلمين واجب، وإذا كان المنع من إذايتهم بريح الثوم واجبا بالسنة، فأحرى أن يكون واجبا من إذايتهم بمخالطة الجذماء لهم، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حلول الممرض على المصح، وفي قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - للمجذومة: يا أمة الله لا تؤذي الناس - دليل على أنه أراد بقوله لها: لو جلست في بيتك، الأمر لها بذلك والقضاء عليها به، لكنه رفق بها في الأمر رحمة بها وحنانا عليها، وتوسم فيها أنها تكتفي بذلك وتنتهي فلم تخب فراسته فيها وأطاعته حيا وميتا.
واختلف في إخراجهم عن الحاضرة إلى ناحية منها، قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أما الواحد والنفر القليل من المرضى فلا يخرجون عن حاضرة ولا عن قرية، ولا عن سوق ولا عن مسجد جامع ولا غير جامع، فإذا كثروا في الحاضرة اتخذوا لأنفسهم موضعا كما صنع بمرضى مكة عند النعيم موضعهم وبه جماعتهم، وأما مرضى القرى فإنهم لا يخرجون عنها وإن كثروا، إلا أنهم يمنعون من أذاهم في مسجدهم إذا شكوا ضرر ذلك بهم، وقال أصبغ: لا يقضى عليهم في الحاضرة بالخروج إلى ناحية منها ولكن إن كفوا مؤناتهم يجرى ذلك عليهم منعوا من مخالطة الناس بلزوم بيوتهم أو التنحي ناحية.
قال عبد الملك: والحكم عليهم بتنحيتهم ناحية إذا كثروا أحب إلي، وهو الذي عليه الناس.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا يمنعون من الأسواق لتجارتهم وما يحتاجون إليه من حوائجهم والتطرق للمسألة إلا أن يجري عليهم الإمام أرزاقهم من فيء المسلمين، وبالله التوفيق.
مسألة: بيع رقيق اليهود من النصارى والعكس
مسألة وسئل ابن وهب: عن بيع رقيق اليهود من النصارى أو بيع رقيق النصارى من اليهود، فقال: أكرهه للعداوة التي بينهم، وسئل عنها سحنون فقال مثله.
قال محمد بن رشد: قد مضى التكلم على قول ابن وهب في هذا السماع من كتاب جامع البيوع فإنه وقع هنالك أكمل وأبين، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، والله الموفق لا رب غيره.
###: العبد يستبيع من سيده لضرورته
من سماع أصبغ بن الفرج
قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن العبد يستبيع من سيده لضرورته، فقال: إن كان ضررا قد عرف وكثر بيع عليه، وإن كان إنما هي الزلة والفلتة من سيده كف عنه ونهى حسبة، قال: مرة بعد مرة، فإن عاد بيع عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله وقد مضى هذا المعنى في رسم شك في طوافه، ورسم حلف ليرفعن أمرا ورسم صلى نهارا ثلاث ركعات، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: المدبر يضربه سيده ويؤدبه
مسألة وسئل: عن المدبر يضربه سيده ويؤدبه، قال: يخرج من يديه ويؤاجر عليه، قال أصبغ: ولا يباع لأن المدبر لا يباع على حال في الحياة، ولا تنقض الضرورة التدبير لأنه عتق.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله قياسا على مدبر النصراني يسلم أنه يؤاجر ولا يباع عليه، كما يباع عليه عبده إذا أسلم، وبالله التوفيق.
###: الرجل يهدم داره وله الفناء الواسع فيزيد فيها من الفناء
ومن كتاب الأقضية والحبس قال أصبغ: سألت أشهب: عن الرجل يهدم داره وله الفناء الواسع فيزيد فيها من الفناء يدخله من بنيانه ثم يعلم بذلك، قال:
لا يعرض له إذا كان الفناء واسعا رجراجا لا يضر الطريق، وقد كرهه مالك، وأنا أكرهه ولا آمر به، ولا أقضي عليه أن يهدمه إذا كان واسعا رجراجا ولا يضر ذلك بشيء منه ولا يحتاج إليه ولا يقاربه المشي، قال أصبغ في الرجل يبني دارا له فيأخذ من طريق المسلمين شيئا يزيده فيها، كان ذلك مضرا بطريق المسلمين أو لا يضر: أترى ذلك جائزا، وهل تجوز شهادة من فعل مثل هذا؟
قال أصبغ: إن كان اقتطعه اقتطاعا مما يضر بالطريق والمسلمين وأدخله في بنيانه، وكان إدخاله فيما يرى بمعرفة لا بجهالة، أو وقف عليه فلم ينته، فلا أرى أن تجوز شهادته ويهدم بنيانه إذا أضر جدا، وإن كانت الطريق واسعة جدا كبيرة، وكان الذي أخذ الشيء اليسير جدا الذي لا يضر ولا يكون فسادا في صغير ما أخذ وسعة الطريق وكثرته فلا أرى أن يهدم بنيانه ولا يعرض له، وقد سألت أشهب عنها بعينها ونزلت عندنا فكان هذا رأيي فيها، فسألته عنها فقال لي مثله.
قال محمد بن رشد: هذا من قول أصبغ وروايته عن أشهب خلاف ما مضى قبل هذا في سماع زونان، وقد مضى القول على ذلك هنالك مجودا مستوفى فلا وجه لإعادته هنا، والله الموفق.
###: النصارى يبيعون الخمر
ومن كتاب البيوع الثاني قال أصبغ: وسمعته يقول: لا يترك النصارى يبيعون الخمر بالجزيرة؛ لأن الجزيرة من الفسطاط، قلت له: فالقنطرة؟ قال: لا ولا القنطرة.
قلت: فيتركون في قراهم يبيعونها، قال: نعم، قلت: وإن كان فيها مسلمون؟ قال: نعم، فمتى علم أنه يبيع من المسلمين منع، قال أصبغ: هذا في غير المدن من القرى التي
هي مساكنهم، وهم الغالبون عليها، ليس للمسلمين فيها إلا قليل فلا يعرض لهم.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ سمعت أشهب يقول في رجل حلف، يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وتفسير قوله أن ما كان من مواضعهم قريبا من الفسطاط، كالجزيرة والقنطرة فلا يتركون أن يبيعوا فيها الخمر وإن لم يكن معهم فيها من المسلمين أحد مخافة أن يتناولها منهم أحد من الفسطاط.
وما بعد من قراهم عن الفسطاط، فكان منها على مثل الميل، وإن كان دون فرسخ فلا يمنعون من إدخالها وبيعها وشربها وبيعها بعضهم من بعض، وإن كان بين أظهرهم مسلمون.
قال ذلك أصبغ في مجالسه، وهو قوله هاهنا.
وقال أيضا في مجالسه: إنه لا يباع لهم ذلك إلا ألا يسكن معهم في قراهم أحد من أهل الإسلام، وقد مضى هذا في رسم الشجرة من قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
###: رجل حلف ليقضين رجلا حقه فيأبى أن يقبله
ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت أشهب، يقول في رجل حلف ليقضين رجلا حقه فيأبى أن يقبله، أتراه في سعة من هذا؟ قال: هذا يأتي السلطان، قيل له: أفيجبر السلطان صاحبه على أخذه؟ قال: نعم، صاغرا ويقيمه.
قال محمد بن رشد: لا يخلو الحالف ليقضين رجلا حقه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معنى ما حلف عليه وأراده أن يقضيه حقه ليبرئ ذمته من دينه.
والثاني: أن يكون معنى ما حلف عليه وأراده ألا يحبس عليه حقه ويمطله به، مثل أن يقضيه حقه فيقول: أقضيكه غدا، فيقول: أخشى
ألا تفعل، فيحلف ليقضينه غدا وما أشبه ذلك.
والثالث: ألا يكون ليمينه بساط يحمل عليه، ولا يكون له فيها نية ولا إرادة، فأما الوجه الأول فلا يبر فيه إلا بأن يقبض منه حقه، فإن أبى من قبوله كان من حقه أن يجبر على ذلك ليبرئ ذمته من دينه فيبر في يمنيه.
وأما الوجه الثاني: فيبر فيه بأن يأتيه بحقه قبله أو لم يقبله، فإن كانت يمينه بطلاق أو عتاق أو ما أشبه ذلك مما يقضي به عليه القاضي فأتاه بحقه فأبى قبوله أشهد عليه بذلك ولم يلزمه شيء.
وأما الوجه الثالث: فيتخرج على قولين: أحدهما: أنه لا يبر إذا أبى من قبوله إلا بأن يرفع ذلك إلى السلطان يدفع إليه حقه شاء أو أبى.
والثاني: أنه يبر إذا أتاه بحقه فأبى أن يقبله منه دون أن يجبره على قبضه منه، وقد مضى ما يبين هذا المعنى في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
[مسألة: رهن قدحًا بكساء ثم تنازع فيه]
مسألة وسئل: عن رجل أتى بمكة إلى زمزم فوجد رجلا معه قدح، فقال: ناولني قدحك هذا، فقال: إني أخاف عليه، فقال: هذا كسائي عندك حتى أعود إليك به، فوضع الكساء وأخذ القدح ثم رجع فلم يجد الرجل، قال: لو أتى السلطان حتى يأمره إن كان صادقا أن يبيع القدح ويقبض ثمنه من ثمن الثوب، قيل له: هو صادق، وهذا صحيح ألا يقبضه لنفسه دون السلطان؟ قال: لا، قيل له: ويأمره السلطان؟ قال: نعم، يأمره من غير حكم على الغائب، ويقول له: إن كنت صادقا فافعل، فإن جاء الرجل كان على خصومته.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات وهي صحيحة على أصولهم، وعلى معنى ما في كتاب طلاق السنة من المدونة،
وعلى ما في نوازل سحنون من كتاب المديان والتفليس، فإن باع القدح بأمر السلطان وقبض ثمنه من ثمن كسائه، أي: من قيمته فقدم صاحب القدح بالكساء وأقر بما قال البائع للقدح بأمر السلطان لم يكن له إلا ما باع به القدح لبيعه إياه بأمر السلطان، ولو باعه بغير أمره كانت له قيمته، وإن ادعى القدح وأنكر رهن الكساء حلف في الكساء وأخذ قدحه، وإن أقر بالكساء وادعى القدح وأنكر الرهن فيه حلف على إنكار الرهن ورد الكساء، وأخذ قيمة قدحه أيضا، وهذا خلاف ما جرى به العمل من أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له ويحلف مع ذلك أنه ما وهب دينه ولا قبضه ولا أحال به وأنه لم يزل في ذمته إلى حين قيامه، والذي جرى به العمل من هذا هو على أصل مطرف وابن الماجشون في كتاب طلاق السنة من المدونة التي أشرنا إليها، وبالله التوفيق.
فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم: سئل مالك عن فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله وتحرز عليه الدار والبيوت، فقال: فقلت: لا تباع، قال: لا، فلعله يتوب فيرجع إلى منزله، قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين، فإن لم يتب أخرج وأكرى عليه.
قال محمد بن رشد: قد قال مالك في الواضحة: إنها تباع عليه، خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها يصح لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت
عليه ولم يفسخ كراؤه فيها، قاله في كراء الدور من المدونة وقد روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر، قيل: وقيل النصراني يبيع الخمر من المسلمين، قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار، قال: وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق ولست رويشد، وبالله التوفيق.
تم الكتاب بحمد الله.
###: كتاب الشهادات الأول
###: شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق وإنه لباطل
كتاب الشهادات الأول
من سماع ابن القاسم عن مالك بن أنس من كتاب أوله قطع الشجر قال: أخبرنا سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه قال فيمن شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق، وإنه لباطل، قال: لا يفرق بينه وبينها، فإن شهد عليه غيرهم طلقت عليه امرأته، قال ابن القاسم: وأصل قول مالك في هذا أن من حلف تكذيبا للشهود سموا أو لم يسموا، ثم شهدوا أنه لا يلزمه ذلك الطلاق، مثل أن يقال له: إن فلانا وفلانا يشهدان عليك، وإن ثم شهودا يشهدون عليك، فيقول: امرأته طالق البتة إن شهدوا علي إلا بزور، وإن لم تكن شهادتهم باطلا، أو كذبوا علي في شهادتهم، ثم شهدوا فلا شيء عليه، وإن شهدوا فقال هذا القول بعدما شهدوا فلا شيء عليه، فأما أن يقول امرأتي طالق البتة إن كنت تسألني حقا أو إن كنت شربت خمرا، ولا فعلت
كذا وكذا، مثل أن يقول: لم أدخل دار فلان ولم أكلم فلانا، ثم شهد عليه قوم أنه فعله حنث.
قال ابن القاسم: قال لي مالك: ولو أنه أقر أنه فعل شيئا من ذلك عند نفر ثم حلف بطلاق امرأته البتة إن كان فعله دين ولم يكن عليه طلاق، ولو أنه أقر أنه حلف بطلاق امرأته على شيء ألا يفعله، ثم شهد عليه أنه قد فعله، ثم زعم أنه قد كذب بما أقر به طلق عليه ولم يصدق، ولو شهد عليه نفر في حق فحلف بعدما شهدوا أن امرأته طالق إن كان له علي شيء لم يلزمه طلاق، قال ابن القاسم: لأن يمينه هاهنا بعدما شهدوا تكذيبا للشهادة، وسمعت مالكا يقول: ولو سئل عن أمر ذكر له أنه حلف فيه بالطلاق ألا يفعله، وقد رئي يفعله فجحده ثم أقر بعد ذلك أنه قد كان قاله، يريد الذي قال إني قد كنت حلفت، لزمه الطلاق.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل صحاح كلها، وأصلها في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة وتكررت في رسم يشتري الدور والمزارع للتجارة من سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق بزيادة اليمين في الموضع الذي يدين فيه منها، ومثله في المدونة ولا اختلاف في شيء أحفظه منها.
وتلخيصها أن اليمين على الفعل بالطلاق كان ببينة أو بإقرار إذا تقدم على الإقرار بالفعل أو الشهادة عليه به طلقت عليه امرأته، وإن تقدم الإقرار بالفعل أو الشهادة به عليه على اليمين كان ببينة أو بإقرار لم تطلق عليه، والفرق بين أن يتقدم اليمين على الفعل، أو الفعل على اليمين، هو أن اليمين إذا تقدم ببينة أو بإقرار فقد لزم حكمه، ووجب ألا
يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل بيمينه أو بإقرار لم تثبت اليمين بتكذيب ذلك حكما إذا لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حلف به على نفسه، وإنما قصد إلى تحقيق نفي ذلك الفعل، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الأخ لأخيه في الفرية
مسألة قال مالك: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في الفرية، ولا في الحد وأشباه ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالفرية هاهنا الفرية التي لا توجب الحد وإنما توجب الأدب، مثل أن يقول له: يا سارق أو يا شارب الخمر أو يا آكل الربا وما أشبه ذلك، بدليل قوله: ولا في الحد، يريد بالحد مثل أن يقذف في بدنه أو ينفى عن أبيه، وإن كان ليس بأخيه لأبيه، قال في رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى: أو يقذف أمه وإن كان ليس بأخيه لأمه، ومعنى ذلك إذ قام بحدها إما بعد موتها وإما في حياتها بتوكيلها، وكما لا تجوز شهادته له في الحدود لا تجوز في نفيها عنه، مثل أن يشهد عليه أنه قذف رجلا فشهد هو أن ذلك الرجل عبد أو ما أشبه ذلك، ويريد بقوله: وأشباه ذلك ما يشبه في وقوع الحمية فيه والتهمة بالعصبية، مثل أن يجرح عمدا.
قال في الرسم المذكور من سماع يحيى أو يقتل، يريد عمدا وإن كان له أولاد فكان إنما يشهد لهم؛ لأن القتل مما تقع فيه الحمية، وأجاز أشهب في سماع زونان شهادة الأخ لأخيه في الجراح خطئها وعمدها، وإذا أجازها في جراح العمد ولم يراع ما يقع في ذلك من الحمية فيلزم على قياس قوله إجازتها في الحدود والقتل، وأما جراح الخطأ وقتل الخطأ فتجوز شهادته له في ذلك؛ لأنه مال ولا اختلاف في جواز شهادته له في الحقوق والأموال وإن عظمت، إذا لم يكن الشاهد منهما لأخيه في عيال المشهود له، ولا يضر أن يكون المشهود له في عيال الشاهد، وقيل: إذا كان مبرزا
في العدالة وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: إذا كان جائز الشهادة لا بأس بحاله وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، ولم يفرقوا في شهادته له بالمال بين أن يكون أبواه حيين أو لا يكونا حيين، والذي يأتي على قياس قول ابن القاسم في أنه لا تجوز شهادة الرجل لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه، ولا لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا تجوز شهادته له إذا كان أبواه حيين أو أحدهما، أو أبوه إذا كان أخاه لأبيه، أو أمه إذا كان أخاه لأمه؛ لأنه يجر بذلك نفعا إلى أبويه، أو إلى أحدهما فيها فيدخل عليهما من السرور بالشهادة لابنهما، وهذا هو المعنى عنده في أنه لا تجوز شهادته لابن زوجته ولا لأبيها ولا لزوجة ابنه، خلاف مما ذهب إليه سحنون على ما يأتي من اختلاف قولهما في ذلك في رسم جاع من سماع عيسى.
وأجاز ابن القاسم شهادته له في النكاح، ومنع من ذلك سحنون إذا نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم، وهو يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وإلى هذا ذهب ابن دحون، وخالفه غيره في ذلك وذهب إلى أنه خلاف له، قال: لأنه يشهد له في المال وهو مما يشرف به، وليس بصحيح؛ لأنه لا يشرف هو بشرف أخيه بالمال ويشرف بشرفه بالنكاح، هذا مما لا يخفى الوجه به.
واختلف في تعديله ونفي التجريح عنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعدله ويجرح من جرحه وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم ومن قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
والثاني: أنه لا يعدله ولا يجرح من جرحه، وهو قول ابن نافع وأشهب وأصبغ وأحد قولي ابن الماجشون.
والثالث: أنه يعدله ولا يجرح من جرحه وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، واختيار ابن حبيب.
وهذا إذا جرح بالإسفاه، وأما إذا جرح بالعداوة فيجوز أن يجرح من جرحه بها.
قال (ذلك) سحنون في نوازله، وهو صحيح على مذهب من يجيز تعديله، وبالله التوفيق.
مسألة: سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها
مسألة قال مالك، فيمن سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها، وقال: كل شهادة أشهد بها بين فلان وفلان فهي باطل، ثم شهد بها بعد ذلك بينهما، قال: يسأل لم قال ذلك؟ فإن قال: كنت مريضا فخشيت ألا أكون أثبت ما أشهد به وما أشبه هذا من القول الذي له وجه يعرف، فأرى أن تجوز شهادته إذا كان عدلا لا يتهم.
قال القاضي: قوله إذا كان عدلا لا يتهم معناه إذا كان عدلا مبرزا في العدالة.
وهذا إذا كان إنما سئل في مرضه عن الشهادة لتنقل عنه إلى الحكم أو ليشهد على شهادته بها تحصينا لها، وكذلك إذا سئل عنها عند الحكم ليشهد بها فأنكرها، وقال: لا علم عندي منها، ثم جاء يشهد على ما في رسم الكبش من سماع يحيى.
وأما لو لقيه الذي عليه الحق فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا عندي منه علم، وإن شهدت به عليك فشهادتي باطلة، ثم جاء فشهد، لم يقدح ذلك في شهادته ولم يضرها، وإن كان على قوله بينة، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وهو يحمل على التفسير لقول مالك هذا، ولقول ابن القاسم في سماع يحيى.
والفرق بين الموضعين أن له أن يقول في الوجه الثاني إنما قلت ذلك معتذرا ولم أزل عالما بما شهدت به، وفي الوجه الأول لا عذر له فيما أقر به على نفسه من الجهل بالشهادة فوجب أن تبطل شهادته، إلا أن يأتي بأمر يشبه من أنه تذكر الشهادة بعد ذلك، وأنه خشي ألا يقوم بها في مرضه فيصدق في ذلك إذا كان مبرزا في العدالة، وكذلك إذا زاد في شهادته أو نقص منها بعد أن شهد بها لا تجوز شهادته إلا أن يكون مبرزا
في العدالة، وهذه إحدى المسائل الست التي يشترط فيها التبريز في العدالة على مذهب ابن القاسم.
والثانية: شهادة الأخ لأخيه.
والثالثة: شهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله.
والرابعة: شهادة المولى لمن أعتقه.
والخامسة: شهادة الصديق الملاطف لصديقه.
والسادسة: شهادة الشريك المفاوض لشريكه في غير مال المفاوضة.
وسيأتي في أول رسم الكبش من سماع يحيى القول على الذي يزيد في شهادته أو ينقص منها قبل الحكم بها أو بعد ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى.
مسألة: أقر الشاهد ببطلان شهادته
مسألة قيل لسحنون: أرأيت رجلا شهد عليه رجل فلقيه المشهود عليه فقال: بلغني أنك شهدت علي بكذا وكذا، فقال له الشاهد: إن كنت شهدت عليك بذلك فأنا فيه مبطل.
وقد كان شهد بذلك، هل ترى شهادته ساقطة؟
قال: أرى هذا رجوعا إذا كان على قوله بينة، وتسقط شهادته، ولا تجوز ولا يثبت بها شيء إذا كان رجوعه قبل القضاء، وإن كانت هذه المعاملة منه بعد القضاء ضمن ما استهلك من المال.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في هذه المسألة عن مطرف وابن الماجشون وأشهب وأصبغ أن قوله هذا لا يضره في شهادته ولا يكون رجوعا عنها، وإن كانت عليه بينة إلا أن يرجع عن شهادته رجوعا بينا، كما إذ قال ذلك له قبل أن يشهد لما وقفه على ما بلغه عنه من أنه يريد أن يشهد عليه، ووجه ما حكاه عنهم أن قوله لما كان محتملا أن يكون أراد به تكذيب نفسه في الشهادة والرجوع عنها، وأن يكون لم يرد به شيئا من ذلك، وإنما قاله معتذرا وجب ألا يبطل الحاكم شهادته إلا بيقين، ولم يجب عليه أن يسأله هل أراد بذلك الرجوع عن شهادته أم لا؟ إذ لو
أراد ذلك لفعله، إذ لا ضرر عليه فيه؛ لأنه لا يضمن إذا رجع قبل نفوذ الحكم، ولم يصدقه سحنون أنه أراد بذلك الاعتذار، وجعله رجوعا يريد بعد الإعذار إلى المشهود له في البينة التي شهدت عليه بذلك القول، ولو شهد عليه أنه قال ذلك ابتداء دون أن يعاتب على الشهادة لكان ذلك رجوعا عنها باتفاق بعد الإعذار إلى المشهود له إن كان قبل الحكم، وإلى الشاهد إن كان ذلك بعد الحكم؛ لأنه ضامن، والحكم ماض على قوله في هذه الرواية، وفي المدونة خلاف ما في أول رسم من سماع عيسى من أنه لا يضمن إذا شبه عليه ولم يتعمد الزور، وسيأتي القول على ذلك هنالك إن شاء الله، وبه التوفيق.
مسألة: رجل طلب من رجل حقا له عنده فشهد له رجل به وأنه حميل به
مسألة وقال مالك: لو أن رجلا طلب من رجل حقا له عنده فشهد له رجل أنه ظل يسأله ذلك الحق وأنه حميل به، رأيت شهادته غير جائزة، ولا يبطل ما أقر به من الحمالة، ويغرم ما أقر به الحميل، قال ابن القاسم: إن كان هذا المدعي قبله الحق مليا جازت شهادة الحميل، وإن كان عديما لم تجز شهادة الحميل، وإنما بطلت شهادته لأن الحميل إذا غرم المال أعديناه عليه، فكانت تهمة.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في جواز شهادة الحميل بالدين الذي أقر أنه تحمل به جار على اختلافهم في لزوم الحمالة له، إذا كان الذي عليه الدين منكرا، وقد اختلف في ذلك، فقيل: تلزمه الكفالة ويجب عليه الغرم ولا يكون له أن يرجع على الغريم إلا أن يثبت عليه الدين، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه من كتاب الكفالة والحوالة، فعلى هذا إن
شهد الحميل بالدين لم تجز شهادته؛ لأنه يشهد لنفسه ليسقط عنه الغرم، أو ليرجع على الغريم بما غرم، وهو قول مالك في هذه الرواية.
وقيل: إنه لا تلزمه الكفالة لإنكار الذي عليه الدين، وقد تأول ذلك على ما في كتاب الكفالة من المدونة وليس هو عندي بتأويل صحيح، فعلى هذا القول إن شهد الحميل بالدين جازت شهادته، إذ لا يجر إلى نفسه بها منفعة، بل يوجب عليها مضرة، وهي لزوم الحمالة له، وهي رواية أشهب عن مالك، وقيل: تلزمه الكفالة، ولا يؤخذ بها إلا في عدم الغريم، بمنزلة أن لو كان مقرا على ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك في ذلك، فعلى هذا إن شهد الحميل بالدين جازت شهادته إن كان الغريم مليا، ولم تجز إن كان معدما، وهو قول ابن القاسم في الرواية، وقد تأول على ما في سماع عيسى من كتاب الكفالة والحوالة، أن الحوالة لا تلزمه وإن أقر الغريم بالحق حتى يثبت عليه، وأقامه بعض الناس من قوله في المدونة إذا أثبت ما بايعه به في مسألة من قال أنا ضامن لما بايعت به فلانا، وذلك كله عندي غير صحيح؛ لأنها مسائل مفترقة لا اختلاف من القول، فإذا قال الرجل أنا كفيل لفلان بمائة دينار له على فلان، وفلان منكر لزمه غرم المائة، وقيل: لا يلزمه غرمها إذا كان منكرا.
وقيل: يلزمه غرمها إذا كان معدما وإن كان منكرا، وإذا قال الرجل: لي على فلان مائة دينار، فقال له رجل: أنا لك بها كفيل، لم يلزمه غرمها بالكفالة إلا أن يقر بها المطلوب قولا واحدا، وإذا قال الرجل: لي على فلان حق، فقال له الرجل: أنا لك به كفيل، فقال المطلوب له: على مائة دينار لم يلزم الكفيل غرم المائة دينار بالكفالة إلا أن تثبت المائة على المطلوب بالبينة قولا واحدا أيضا، بمنزلة من قال لرجل: أنا ضامن لما بايعت به فلانا، فهذا تحصيل القول في هذه
المسألة والله الموفق.
مسألة: شهادة الوارث في العتاقة والصدقة
مسألة قال عبد العزيز بن أبي سلمة في شهادة الوارث في العتاقة والصدقة: إنها جائزة في حصته منها، وإن كان عدلا جازت شهادته على من تصدق به عليه، فأما العتق فلا يحلف فيه ولا يقوم عليه، قال ابن القاسم، وقال مالك: لا يعتق منه شيء إلا أن يشتريه فيعتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن العتق لا يحلف فيه العبد مع الذي شهد له بالعتق من ورثة سيده؛ لأن العتق لا يكون فيه شاهد ويمين، وقد اختلف فيما يلزم الشاهد في حظه من العبد إذا لم تجز شهادته لانفراده بها، أو لكونهما إن كانا اثنين غير جائز في الشهادة، أو متهمين في شهادتهما بجر الولاء إلى أنفسهما دون من يرث الميت ممن لا ولاء له على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يعتق عليه حظه منه، ويستحب له أن يبيعه فيجعله في عتق، فإن ملك العبد يوما ما عتق عليه إن حمله الثلث، أو كانت الشهادة في الصحة، وهو قول مالك هاهنا وفي المدونة.
والثاني: أنه يعتق عليه حظه منه، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة هاهنا، وقول المغيرة قرب آخر نوازل سحنون.
والثالث: أنه يعتق عليه حظه منه، ويقوم عليه حظوظ أشراكه فيه، وهو الذي يأتي على قول أصبغ في نوازله في الرجلين يشتريان العبد من الرجل ثم يشهد أحدهما على البائع أنه قد كان أعتقه، ولكل قول منها حظ من النظر، فوجه قول مالك أن العتق لا يصح تبعيضه للضرر الداخل في ذلك على العبد وعلى الأشراك فيه، فإذا لم يلزم أن يقوم على الشاهد نصيب أشراكه إذ ليس بمعتق لحظه وإنما هو شاهد على غيره وجب ألا يعتق عليه حظه لِمَا في ذلك من الضرر بالعبد
وسائر الورثة.
ووجه قول عبد العزيز والمغيرة أن الحر لا يحل ملكه لمن علم أنه حر وهو مقر أن حظه من العبد حر، فوجب أن يعتق عليه، إذ لا يحل ملك الحر، ولم يلزم أن يقوم عليه بقيته إذ ليس بمعتق، وقول عبد العزيز على قياس القول بأن من أعتق حظه من عبد يقوم عليه حظ شريكه على أن نصفه حر، ووجه قول أصبغ أنه متهم في شهادته على أنه إنما أراد أن يعتق حظه من العبد، ولا يقوم عليه بقيته، والاختلاف في وجوب تقويم حظوظ أشراكه عليه جار عندي على اختلافهم في الولاء لمن يكون؟ هل له أو للمشهود عليه؟ وأما شهادة الوارث على الميت بالصدقة فلا اختلاف في أنها لازمة له في حظه إن كان مالكا لأمر نفسه، وجائزة على سائر الورثة للمتصدق عليه إن كان جائز الشهادة، يحلف معه ويستحق جميع الصدقة على ما قاله عبد العزيز.
ومعنى قوله: وإن كان عدلا جازت شهادته على من تصدق به عليه، أي جازت شهادته لمن تصدق به عليه، فحلف معه واستحق صدقته، والعرب قد تبدل حروف الخفض بعضها من بعض، فعلى هذا يخرج هذا اللفظ، والله تعالى هو الموفق المعين بفضله.
###: شهادة البدوي للحضري في الحقوق والجراح
ومن كتاب القبلة وقال، في شهادة البدوي للحضري في الحقوق والجراح: أما في الحقوق فإني لا أراها جائزة، وذلك أن الناس لم يتركوا أن يتوثقوا لأنفسهم ويشهدون العدول، والذي يشهد بدويا ويترك جيرانه من أهل الحاضرة عندي مريب، وأما الجراح فإني أرى إن كان البدوي عدلا أن تجوز شهادته، وذلك لأن الجراح تلتمس لها الخلوة وموضع غير أهل العدل من الشهداء، ولا يستطيع من أصابه ذلك أن يحضر لذلك شهداء، فهذا موضع لشهادته، قال ابن القاسم: وتجوز شهادتهم -يريد: أهل البادية- في رؤية الهلال إذا كانوا عدولا.
وسئل مالك: عن قروي خرج إلى بادية فسكن فيها معهم، قال: إذا كان قد انقطع إليهم وسكن معهم فأرى شهادتهم
له جائزة، فقيل له: إنه في معدن، فقال: أين أهل ذلك المعدن؟ فقال: انتقلوا وانقطع نيله وسكنه الأعراب، قال: إذا كان ذلك المعدن بهذه الحال فشهادتهم جائزة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن أهل البادية لا تجوز شهادتهم فيما يقصد إلى إشهادهم عليه دون أهل الحاضرة فيما يقع في الحاضرة من المبايعات والمناكحات والهبات والأكرية والإجارات والوصايا والعتق والتدبير وما أشبه ذلك؛ لأن القصد إلى إشهادهم دون أهل الحاضرة ريبة، فلا شهادة للبدوي في الحضر على حضري ولا على بدوي لحضري إلا في الجراح والقتل والزنا والشرب والضرب والشتم، وما أشبه ذلك مما لا يقصد إلى الإشهاد عليه، وتجوز شهادتهم فيما يقع في البادية من ذلك كله على الحضري، والبدوي للحضري والبدوي إذا كانوا عدولا لا ريبة في القصد إلى شهادتهم في البادية.
هذا تحصيل القول في هذه المسألة على معنى هذه الرواية مما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وغيرهما من أصحاب مالك وعن مالك أيضا، فعلى هذا الأصل لو حضر أهل البادية شيئا مما يقع في الحاضرة بين أهلها وغيرهم من المعاملات وغيرها دون أن يحضروا لذلك أو يقصد إلى إشهادهم فشهدوا بما حضروه لجازت شهادتهم إذا كانوا عدولا، وقد وقع في المبسوطة من رواية ابن القاسم عن مالك، وقول ابن وهب من رأيه خلاف هذا، أنه لا تجوز شهادة البدوي على الحضري لما في ذلك من الظنة والتهمة، يريد والله أعلم إذا شهد على حضري لبدوي مثله في شيء من الأشياء كان في الحاضرة أو البادية.
قال ابن وهب فيها: وقد اختلف في شهادة الحضري على البدوي، فرأى قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة، إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري من الظنة فلا
تجوز حينئذ، ومن الدليل على هذا القول ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز شهادة البدوي على القروي».
وقد قال بعض من أجاز شهادته عليه، وصحح الحديث: معناه في أهل البادية الذين لا يجيبون إذا دعوا، وليسوا على شرط أهل العدالة من أهل الحاضرة، وليس ذلك ببين، إذ لو كان معنى الحديث هذا، لقال فيه لا تجوز شهادة البدوي مطلقا.
ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم، وقع في المبسوطة من قول عبد الله بن وهب لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغيا، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار.
###: غلام بالبادية ادعى على سيده الميت التدبير وأقام شهودا من البادية
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق وسئل مالك: عن رجل كان يتجر في البادية فهلك بها، فقام غلام له كان معه فادعى التدبير، وأقام شهودا من البادية، فقال: إذا كانوا عدولا جازت شهادتهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال وهو مما لا اختلاف فيه، وقد مضى في المسألة التي قبل هذه بيان ذلك، فلا معنى لإعادته، بالله التوفيق.
###: الرجل يأتي بشهداء عدول على الرجل في حق فيجرحهم الآخر
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن الرجل يأتي بشهداء عدول على الرجل في حق، ويأتي المشهود عليه بشهود على الذين شهدوا عليه أنه بينه وبينهم عداوة فترد شهادتهم عنه، أفترى أن يحلف؟ قال: إذا ردت شهادتهم فهم بمنزلة من لم يشهد عليه، وكأنه رأى أن لا يحلف، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك في هذه الرواية البينة إذا سقطت بالتجريح شبهة توجب اليمين كالخلطة، ومثله في رسم العتق من سماع عيسى في نوازل سحنون، وقد قيل: إن ذلك آكد من الخلطة فيجب عليه به اليمين، ذكر ذلك ابن أبي زيد في المختصر، وبه قال أبو بكر بن محمد، والاختلاف في هذا عندي جار على اختلافهم في الخلطة هل لا تثبت إلا بما ثبت به الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين أو يجتزأ فيها بالشاهد الواحد والمرأة الواحدة حسبما مضى القول فيه في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد عليه وبينهما عداوة فاحتاج أهل الشهادة إليها فأخبرهم أنه عدو له
مسألة وسئل مالك: عن رجل شهد على رجل بينه وبينه عداوة فاحتاج أهل الشهادة إليها فأخبرهم أنه عدو له، قالوا: فإنا نحب أن تشهد لنا، قال مالك: فإني أرى أن يشهد ويخبر مع شهادته بعداوته إياه لا يكتم ذلك.
قال القاضي: هذا مثل ما في رسم من سماع عيسى، خلاف ما في سماع سحنون ونوازله.
وأصح القولين في النظر أنه لا يجوز له أن يخبر بعداوته إياه؛ لأنه يجرح بذلك نفسه فتسقط شهادته، ويبطل حق ما يعلم صحته، ووجه القول الأول: أنه لا ينبغي له أن يقر الحكم بإعمال شهادة من لا تجوز شهادته، وهو ضعيف، وبالله التوفيق.
مسألة: تنازعا في شيء يظنانه لهما وكل واحد منهما يظنه لنفسه
مسألة وقال في الرجلين يدعيان الشيء فيقول أحدهما: قد رضيت
بشهادة فلان بيني وبينك، فيشهد الرجل على أحدهما، فيقول المشهود عليه: ظننت أنك تقول الحق الذي تعلم أنه الحق، فأما إذ شهدت علي بغير الحق فلا أرضى فذلك له، والشهادة غير جائزة.
قال سحنون: وقال ابن دينار: إذا تنازع رجلان في شيء يظنانه لهما، وكل واحد منهما يظنه لنفسه من غير يقين، فيسألان الرجل فيشهد أنه لأحدهما، قال: ذلك جائز ولا يشبه ذلك مسألة مالك وهو الذي تعلمناه.
قال محمد بن رشد: حكى ابن عبدوس عن ابن كنانة نحو قول ابن دينار إنه إن كان نازعه في شيء ليس عنده علم مثل حدود أرض، أو دين على أبيه، أو ما أشبه ذلك، قال له: فلان يشهد لي، فقال: إن شهد لك فقد رضيت، فشهد لزمه، وإن كان نازعه في قول قاله، أو فعل فعله، زعم صاحبه أن فلانا رآه حين فعله أو سمعه حين قاله، فقال له: إن شهد علي فلان بذلك فقد رضيت على وجه التبكيت له والإنزاه عن الكذب، كالقائل: إن فلانا لا يقول ذلك فشهد عليه بذلك لم يلزمه.
وقال ابن القاسم في المبسوطة: لا يلزمه ذلك في الوجهين، وهو قول عيسى بن دينار، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عنه، وعن ابن الماجشون وأصبغ، وعليه يأتي ما في رسم يوصي من سماع عيسى من هذا الكتاب على ما نتأوله عليه إذا وصلنا إليه إن شاء الله، وحكى عن مطرف: أن له أن ينزع عن الرضا به ما لم يشهد، فإذا شهد عليه لم يكن له أن ينزع، ولزمه ما شهد به عليه، قال: وسواء نفر إليه لعلمه بما جهلاه مما اختصما فيه، أو لمعرفته بحدود ذلك إن كانت أرضا أو على أي وجه نفر إليه ما لم يكن على وجه التبكيت لصاحبه والتنزيه للشاهد عن الكذب.
والذي يتحصل في هذه المسألة أنه إن قال ذلك على وجه التبكيت لصاحبه والإنزاه للشاهد عن الكذب فلا اختلاف في أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، وإن لم يقل ذلك على وجه التبكيت، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يلزمه ما شهد به عليه كان يحقق علم ما نازع فيه خصمه من ذلك أو لا يحققه إلا أن يحكم به عليه مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ وعيسى بن دينار.
والثاني: أنه يلزمه ما شهد به عليه نازعه فيه خصمه، ولا يلزمه إن كان يحقق معرفة ذلك، وهو قول ابن دينار وابن كنانة، واختيار سحنون هذا، وقوله في آخر نوازله: وسواء كان الشاهد في هذا كله عدلا أو مسخوطا أو نصرانيا، وقد قيل: لا يلزم الرضا بشهادة النصراني، بخلاف المسخوط، وإذا لم يتبين من صورة تراجعهما التبكيت من غير التبكيت فهو فيما نازعه فيه من قول قاله، أو فعل فعله محمول على التبكيت حتى يتبين منه الرضا بقوله، والتزام الحكم به على نفسه على كل حال، وفيما نازعه من حدود أرض أو دين على أبيه أو ما أشبه ذلك محمول على غير التبكيت حتى يتبين منه التبكيت.
ولا اختلاف في أن له أن يرجع على الرضا بقوله في جميع الوجوه قبل أن يشهد، وذلك بخلاف الرضا بالتحكيم في الوجهين، إذ لا يختلف في أنه ليس لواحد منهما أن ينزع بعد الحكم، ويختلف هل يكون لمن شاء منهما أن ينزع قبل الحكم؟ فقال مطرف: له النزوع قبل الحكم، وقال ابن الماجشون وأصبغ عن ابن القاسم: ليس ذلك له، ولا يجوز أن يحكم النصراني ولا الصغير الذي لا يعقل، واختلف في العبد والمرأة والمسخوط والمولى عليه، والصغير الذي يعقل، فأجاز أصبغ تحكيمهم كلهم، ومنع مطرف من تحكيمهم كلهم، وأجاز ابن الماجشون في أحد قوليه تحكيم المرأة والعبد منهم، وكذلك المولى عليه على قياس قوله، وأجاز أشهب تحكيم المرأة والعبد والمولى عليه والمسخوط.
فلمن يصح تحكيمه - على مذهب مطرف - سبعة أوصاف، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعدالة، والذكورية، وعدم الولاية.
وعلى مذهب أصبغ وصفان، وهما: العقل،
والإسلام.
وعلى مذهب أشهب ثلاثة أوصاف وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام.
وعلى مذهب ابن الماجشون أربعة أوصاف، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة.
ومن معنى هذه المسألة أعني مسألة الرضا بشهادة الشاهد مسألة رسم العتق من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب في الذي يوصي أن ما شهد به عليه ابنه من دين أو شيء فهو فيه مصدق، وسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله.
مسألة: الذي يأتي بشاهد واحد في حق لأبيه كيف يحلف
مسألة وسئل مالك: عن الذي يأتي بشاهد واحد في حق لأبيه كيف يحلف؟ أعلى البتات أم على العلم؟ قال: على البتات إنه حق، ولكن إن جاء بشاهدين أحلف بالله إن أباه اقتضاه، ويحلف مع الشاهد على الحق بالبتات، ومع الشاهدين على العلم.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يحلف مع الشاهد على البتات صحيح؛ لأن يمينه تقوم مقام الشاهد الآخر، فكما يشهد الشاهد على البت، كذلك يحلف هو على البت إن الحق حق، كما شهد به الشاهد، لا يحكم له بالحق إلا بذلك، ولا يقبل منه أن يحلف على العلم، فيقول: بالله ما نعلم الشاهد شهد لي بباطل، ولا يصح له فيما بينه وبين خالقه أن يحلف على البتات إلا أن يوقن بصحة ما شهد به الشاهد بأسباب يقع له اليقين بها هو أعلم بها فيدين في ذلك، ويمكن من اليمين.
وقد مضى هذا في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق.
وأما قوله: إنه يحلف مع الشاهدين على العلم فلا يصح ذلك إذا كان المشهود عليه منكرا، وإنما يصح إذا أقر بما شهدا به عليه، وادعى أنه قد قضى الميت، وهذا كبير يظن أنه قد علم به، وقد قيل: إنه لا يمين عليه إلا
أن يدعي عليه العلم، والقولان في المدونة، وإن كان الدين ثبت على ميت لميت وارثه كبير حلف على القول الأول، وإن لم يدع ورثة الذي ثبت الدين عليه أنه قد كان قضاه، وأن وارثه قد علم، ولم يحلف على القول الثاني إلا أن يدعوا قضاء وأن هذا قد علم، والاختلاف في هذا على اختلافهم في لحوق يمين التهمة دون تحقيق الدعوى، وفي المكان الذي يجب فيه اليمين مع الشاهدين ما علم أنه اقتضاه، لا بد أن نزيده في يمينه مع الشاهد الواحد، فهذا بيان هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: رجلان شهدا لرجل في مسكن له فشهد رجل أنه مسكنه والآخر أنه حيزه
مسألة وسئل مالك: عن رجلين شهدا لرجل في مسكن له، فشهد رجل أنه مسكنه، وشهد آخر أنه حيزه، أترى هذه شهادة واحدة؟ فإن خصمه احتج بأن يقول له إن هذه شهادة مختلفة؟ قال مالك: أرى حيزه ومسكنه شهادة واحدة لا تفترق، وربما كانت الشهادة الكلام فيها مختلف، والمعنى فيها واحد، وأراها شهادة واحدة، ولا أرى أن يدفع عن حقه لما اختلف من الكلام والمعنى واحد، وأراها شهادة واحدة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة منصوصة في كتاب الغصب من المدونة بينة المعنى؛ لأن الأحكام إنما تتعلق بالمعاني، لا بالألفاظ، فإذا اختلف اللفظ في الشهادة واتفق المعنى فيها لفقت باتفاق، مثل أن يشهد الشاهدان للرجل، فيقول أحدهما: أشهد أن الدار
داره، ويقول الآخر: أشهد أن المنزل منزله، أو يشهد في الطلاق على الرجل أحد الشاهدين ببراءة والثاني بخلية وما أشبه ذلك كثيرا، وإن اختلف اللفظ والمعنى، واتفق ما يوجبه الحكم مثل أن يشهد أحد الشاهدين في دار بيد رجل أنها لرجل، ويشهد آخر أنه غصبها إياه؛ لأن الحكم يتفق في كلتي الشهادتين على أن يقضي للمشهود له بالدار، وإن كان للغصب أحكام تختص به دون الاستحقاق من غير غصب، ومثل أن يشهد شاهد على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا، ويشهد آخر أنه صالحها؛ لأن الحكم يتفق في كلتي الشهادتين على إيجاب التفرقة بينهما.
وإن اختلف فيما سوى ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: إذا شهد عليه شاهدان أنه كتابه بيده يؤخذ منه الحق
مسألة وسئل مالك: عن رجل كتب عليه رجل ذكر حق، وأشهد فيه رجلين، فكتب الذي عليه الحق شهادته على نفسه بيده في ذكر الحق، فهلك الشاهدان، ثم جحد، فأتى رجلان فقالا: نشهد أنه كتابه بيده، قال مالك: إذا شهد عليه شاهدان أنه كتابه بيده، رأيت أن يؤخذ منه الحق، ولا ينفعه إنكاره، وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو أقر ثم جحد وشهد عليه رجلان بإقراره، فأرى أن يغرم، فقال له رجل: ألا ترى هذه تشبه رجلا يشهد عليه رجلان بشهادة فأنكرها فلم تجز شهادة الرجلين؟ قال: لا يشبه، قيل له: أترى عليه يمينا مع شهادة الرجلين على شهادته بكتابه بيده أنه كتابه؟ قال: لا يمين عليه، وإنما اليمين مع الشاهد، وهذا قد استوجب حقه، ولا يمين عليه، وأرى أن يغرم له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن شهادة الرجل على نفسه إقرار عليها، وإقراره على نفسه شهادة عليها، فإذا كتب الرجل شهادته في ذكر الحق المكتوب عليه، أو كتب ذكر الحق ولم يكتب فيه شهادته، فقد أقر على نفسه، إذ لا فرق بين أن يكتب لفلان علي كذا وكذا، أو لفلان على فلان كذا، ويسمي نفسه، وإن كتب ذكر الحق على نفسه بيده، فقال: فيه لفلان على فلان كذا وكذا ثم كتب فيه شهادته، فهو أقوى في الإقرار؛ لأنه إقرار بعد إقرار، وإنما يختلف إذا كتب شهادته في ذكر حق على أبيه، ثم مات أبوه، وهو وارثه، فقام صاحب الحق عليه بذكر الحق على أبيه، وفيه شهادته فأقر بالشهادة، وزعم أنه كتبها على غير حق، أو أنكرها، فشهد على خطه، فقال مطرف وأصبغ: يؤخذ بالحق؛ لأن مال أبيه لما صار إليه فكأن الشهادة على نفسه.
وقال ابن الماجشون: ليس ما شهد به على غيره وإن صار ماله إليه كما لو شهد على نفسه، ولا يؤخذ منه الحق إلا بإقرار سوى خط شهادته، ومحمله محمل الشهادة لا محمل الإقرار، واختار ابن حبيب قول مطرف وأصبغ، وقول ابن الماجشون أقيس.
والشهادة على خط المقر كالشهادة على إقراره، سواء عند من يجيز الشهادة في ذلك على الخط أن يشهد على خطه شاهد واحد كانت مع شهادته اليمين، وإن شهد على خطه شاهدان أخذ المشهود له حقه بشهادتهما دون يمين، والمشهور في المذهب أن الشهادة على الخط في ذلك جائزة عاملة لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما يروى عن محمد بن عبد الحكم من أنه قال لا تجوز الشهادة على الخط مجملا، ولم يخص موضعا من موضع.
ونزلت هذه المسألة في أيام ابن لبابة فأفتى فيها جميع معاصريه بإعمال الشهادة، وقال هو: إنها لا تجوز، وحكى ذلك عن مالك من رواية ابن نافع، وفي المبسوط من قول ابن نافع وروايته عن مالك أنها جائزة، كالمعلوم من مذهبه، خلاف ما حكاه عنه ابن لبابة، فأرى حكايته غلطا، والله أعلم.
وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب، فلم يختلف في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها، وقد قيل: إنها لا تجوز، وروي ذلك عن مالك، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز،
وجعل الشهادة على خطه كالشهادة على شهادته إذا سمعها منه ولم يشهده عليها بقول، فكما لا يجوز له أن يشهد على شهادته إذا سمعها يقول لفلان على فلان كذا وكذا حتى يشهده على قوله، إذ قد يخبر الرجل بما لا يتحقق تحققا يتقلد الشهادة به، فكذلك لا يجوز له أن يشهد إذا رأى شهادته بخط يده في وثيقة بحق لفلان على فلان حتى يشهده على خطه، إذ قد يكتب شهادته من لا يتقلد الشهادة بها، ومن إذا دعي إليها استراب فيها وتوقف عنها.
ومن لا يعرف المشهود عليه إلا بعينه، وقد لا يعرفه بعينه ولا باسمه.
ووجه من أجاز الشهادة على خطه، وفرق بين ذلك وبين الشهادة على شهادته إذا سمعها منه ولم يشهده عليها: أن الرجل قد يخبر بما لا يتحققه، ولا ينبغي للرجل أن يكتب شهادته حتى يتحقق ما يشهد عليه ويعرف من أشهده بالعين والاسم، مخافة أن يموت أو يغيب فيشهد على خطه، فأشبه ذلك من سمع رجلا يؤدي شهادته عند الحكم، أو يشهد عليها غيره أنه يشهد على شهادته بما سمع منه، وإن لم يشهده عليها، والقول الأول أظهر، إذ قد قيل، وهو قول ابن المواز: إنه لا يجوز له أن يشهد على شهادته حتى يشهده عليها وإن سمعه يؤديها عند الحكم، أو يشهد عليها غيره، مع أن وضع الشاهد شهادته في الكتب لا تقوى قوة ذلك، وقد قال ابن زرب: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أن المشهود على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين، وذلك صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه، لما قد تساهل الناس فيه من وضع لشهادتهم على من لا يعرفون.
وقد اختلف في حد الغيبة التي تجوز فيها الشهادة على خط الشاهد عند من يجيزها، فقيل: ما تقصر فيه الصلاة، وهو قول ابن الماجشون، وقال ابن سحنون عن أبيه: الغيبة البعيدة، ولم يحد قدرها، وحدها أصبغ فيما حكى عنه ابن مزين، فقال: مثل أفريقية من مصر، أو مكة من العراق، أو نحو ذلك.
والذي جرى به العمل عندنا على ما اختاره الشيوخ إجازتها في الأحباس، وما جرى مجراها مما هو حق لله وليس بحد.
وأما شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة فكان مالك أول زمانه يقول: إنه يشهد إذا كان الكتاب نقيا ولم يكن فيه شيء ولا محو يريبه، ثم رجع فقال: لا يشهد وإن صف خطه حتى يذكر
الشهادة أو بعضها، أو ما يدله على حقيقتها وينفي التهمة عنه فيها، فأخذ بقوله الأول عامة أصحابه: مطرف، وابن الماجشون، والمغيرة، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن وهب وإليه ذهب ابن حبيب، وهو اختيار سحنون في نوازله.
قال مطرف: وعليه جماعة الناس.
قال مطرف وابن الماجشون: وليقيم بالشهادة تامة بأن يقول ما فيه حق، وإن لم يحفظ مما في الكتاب عددا ولا مقعدا ولا يعلم السلطان بأنه لا يعرف غير خطه، فإن أعلمه بذلك وأنه لم يرتب في شيء لزم الحاكم رده.
وروى ابن وهب عن مالك في موطأه أنه إذا قال: هذا كتابي ولا يذكر الشهادة أنه يجيزها ويحكم بها.
وأخذ ابن القاسم وأصبغ بقول مالك الآخر أنه لا يشهد وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة، واختلف على هذا القول، هل يرفع شهادته أم لا؟ فقال مالك في المدونة: إنه يؤديها كما علم ولا تنفع، وهذا من مذهبه يدل على القول بتصويب المجتهدين، وقال ابن المواز: إنه لا يرفعها، وهو القياس على قول من قال: إن المجتهد قد يخطئ الحق عند الله، وإن لم يقصر في اجتهاده وامتثل أمر الله فيه، واختلف كيف يؤديها؟ فقيل: إنه يقول: هذه شهادتي بخط يدي ولا أذكرها.
وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب يقول: أرى كتابا يشبه كتابي، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا متى كتبتها، وعلى معنى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم في الشهادة على خط المقر؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو هل الخط رسم يدرك بحاسة البصر أم لا؟ وهذه المسألة يتحصل في المذهب فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها شهادة جائزة يؤديها ويحكم بها.
والثاني: أنها شهادة غير جائزة فلا يؤديها ولا يحكم بها إن أداها.
والثالث: أنها شهادة غير جائزة إلا أن يؤديها ولا يحكم بها.
والرابع: أنها إن كانت في كاغد لم يجز له أن يشهد، وإن كانت في رق جاز له أن يشهد، يريد - والله أعلم - إذا كانت الشهادة في بطن الرق، ولم تكن
على ظهره؛ لأن البشر في ظهر الرق أخفى منه في الكاغد، والخامس: أنه إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه جاز له أن يشهد، وإن لم يكن بخطه إلا الشهادة لم يجز له أن يشهد، حكى هذين القولين ابن الحارث، وقد ذكر سحنون في نوازله أن جميع أصحاب مالك يقولون شهادته جائزة إذا كان هو خط الكتاب وكتب شهادته، وهذه التفرقة استحسان، والقياس أن لا فرق بين أن يكون بخطه ذكر الحق والشهادة، وبين ألا يكون بخطه إلا الشهادة على المعنى الذي ذكرناه في الخط، هل هو رسم يدرك بحاسة البصر أم لا؟
فالوجوه التي تختلف في إجازة الشهادة على الخط فيها ثلاثة: الشهادة على خط المقر وهو أقواها في جواز الشهادة، وتليها الشهادة على خط الشاهد، وتليها شهادة الشاهد على خط نفسه وهو أضعفها في إجازة الشهادة، فمن لا يجيز الشهادة على خط المقر لا يجيز الشهادة على الخط في شيء من الوجوه الثلاثة، ومن يجيز شهادة الشاهد على خط نفسه يجيز الشهادة علي الخط في الوجوه كلها.
ويتحصل في الجملة أربعة أقوال: أحدها: أن الشهادة على الخط لا تجوز في شيء من الأشياء، والثاني: أنها لا تجوز إلا على خط المقر على نفسه، والثالث: أنها لا تجوز إلا على خط المقر على نفسه وعلى خط الشاهد، والرابع: أنها تجوز في الثلاثة المواضع على خط المقر على نفسه، وعلى خط الشاهد الميت أو الغائب، وشهادة الشاهد على خط نفسه، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة المولى لمولاه جائزة
مسألة وسئل مالك: عن رجل أشهد لمولى له هو أعتقه وعنده أخوات له، هل ترى أن موضع أخواته عنده ممالك مما يخرج شهادته؟ قال: إن كان غير متهم وهو عدل مرضي جازت شهادته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن شهادة المولى لمولاه جائزة على ما في المدونة وغيرها إذا كان مبرزا في العدالة، وهو معنى قوله في هذه الرواية إذا كان عدلا مرضيا غير متهم، ولا يقدح في شهادته له كون أخوات المشهود له مماليك له، إذ لا ينجر إليه بذلك منفعة، والله الموفق.
مسألة: من صور الشهادة على الشهادة
مسألة وسئل: عن الرجلين يشهدان على الرجل، فقال أحدهما: حرام علي ما حل لي إن فرق بيني وبينك إلا ابن أبي سلمة، فشهد واحد على هذه الشهادة، وشهد الآخر أنه قال: إن استأذنت عليك إلا ابن أبي سلمة، فأنكر وقال: إنما قلت إن فارقتني حتى تعطيني حقي، قال: أرى أن يحلف أن الذي قالا ليس بحق، ولا أعرفه؛ لأني إنما أردت ألا تفارقني حتى تعطيني حقي.
قال القاضي: وقع في هذه المسألة في الأم إن استأذنت عليك ابن أبي سلمة، فقال فيه ابن أبي زيد: إنه غلط وأصلحه إلا ابن أبي سلمة، وهو على ما قاله مسألة فيها نظر؛ لأن المعنى في قوله: إن فرق بيني وبينك إلا ابن أبي سلمة أو إن استأذنت عليك إلا ابن أبي سلمة سواء، وهو قد قال في السؤال: إن الحالف المشهود عليه أنكر الشهادة، وقال: إنما قلت إن فارقتني حتى تعطيني حقي، فكان الواجب في ذلك على أصولهم ألا ينفعه إنكاره، ويلزمه ما شهدا به عليه، وإن اختلف لفظهما في الشهادة، إذ قد اتفق المعنى فيها، فتحرم عليه امرأته إن فارق غريمه ولم يستأذن عليه ابن أبي سلمة، ولا يقبل منه نية إن كان قضاه قبل أن يفارقه، فقال: إنما
نويت إن لم تقضني حقي من أجل أنه قد أنكر، إلا أنه قد قيل: إنه تقبل منه البينة بعد الإنكار، وهو قول مالك في كتاب التخيير والتمليك من المدونة، وفي رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وفي رسم الطلاق من سماع أشهب، وفي رسم الكبش من سماع يحيى منه، ومن كتاب الأيمان بالطلاق، فيحتمل أيضا أن يتأول جوابه في هذه المسألة على هذا القول؛ لأنه قال فيه: أرى أن يحلف أن الذي قالا ليس بجوابي الذي شهدا به علي من أني قد حنثت فيما حلفت به، إذ قد فارقت غريمي ولم أرفعه إلى ابن أبي سلمة ليس بحق؛ لأني إنما أردت ألا يفارقني حتى يعطيني حقي، فنواه في يمينه وهو قد أنكرها، وساق يمينه على المعنى، والنص فيها أن يقول: بالله ما أردت أن استئذاني عليه إلا إن لم يعطني، وذلك هو الذي نويت في يميني، وقد أعطاه إياه فلا حنث عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة الأعمى
مسألة وسئل مالك: عن شهادة الأعمى هل تجوز شهادته؟ قال: نعم، إذا عرف ذلك وأثبته، وقد كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى إماما مؤذنا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإذا أثبت الأعمى ما شهد عليه جازت شهادته، قال مالك: وكذلك الرجل إذا شهد على المرأة من وراء الستر قد عرفها، وعرف صوتها، وأثبتها قبل ذلك فشهادته جائزة عليها.
قال مالك: وقد كان الناس يدخلون على أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد موته وبينهم حجاب يسمعون منهن ويحدثون عنهن، وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبوه، عائشة وأم سلمة، وهما من وراء الحجاب، ثم أخبرا عنهما.
قال الإمام القاضي: مثل هذا في كتاب اللعان من المدونة
وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، وما احتج به مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - من إجازة شهادة الرجل على المرأة بما سمع منها من وراء الستر إذا كان قد عرف صوتها ليحدث أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بعد موته بما سمعوا منهن من وراء الحجاب صحيح، لا خروج لأحد عنه، وكذلك احتجاجه على إجازة الشهادة على الصوت بكون ابن أم مكتوم مؤذنا إماما صحيح؛ لأن الإمام يقتدى بأذانه من يسمعه ولا يراه في أوقات الصلوات وطلوع الفجر في رمضان إذا علم عدالته، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم».
فألزم الناس الاعتبار بأذانهما على ما عرفوا من أصواتهما، ولا معنى لقوله: وقد كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى؛ لأن الحجة إنما هي في كونه إماما مؤذنا يقتدي به في صلاته وأذانه من لا يراه إلا في كونه رجلا أعمى، وقد قال ربيعة: لو لم تجز شهادة الأعمى ما جاز له وطء أمته ولا زوجته، وقوله صحيح ظاهر؛ لأنه لا يعرفها إلا بكلامها.
قال المغيرة: وسواء ولد أعمى أو لم يولد، شهادته مقبولة، والله الموفق ولا رب غيره ولا خير إلا خيره.
الرجل يشهد للرجل على رجل وللشاهد على المشهود له حق
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك: عن الرجل يشهد للرجل على رجل وللشاهد على المشهود له حق، قال: لا يضر ذلك شهادته وهي جائزة، قال ابن القاسم: بلغني عنه أنه إذا كان المشهود له موسرا قبلت شهادته، وإن كان معدما لم تقبل؛ لأنه إنما شهد لنفسه.
قال سحنون: قال ابن القاسم: وكذلك لو شهد رجل لرجل وللمشهود له على الشاهد حق أنه إن كان مليا جازت شهادته، وإن كان معدما لم تقبل ولم تجز.
قال محمد بن رشد: ما بلغ ابن القاسم عن مالك من تفرقته إذا كان الدين للشاهد على المشهود له بين أن يكون المشهود له مليا أو معدما مفسر لما سمعه منه من إجازته شهادته له مجملا، إذ لا يصح أن يختلف في أن شهادته له لا تجوز إذا كان معدما؛ لأن شهادته إنما هي لنفسه، وهذا إذا كان الدين حالا أو كان حلوله قريبا، وأما إن كان حلوله بعيدا فشهادته له جائزة كما تجوز إذا كان مليا، وشهادته له جائزة، فيما عدا الأموال، قال ذلك بعض أهل النظر وهو صحيح.
وأما إن كان الدين للمشهود له على الشاهد فأجاز أشهب في سماع زونان شهادته له مليا كان أو معدما، خلاف قول ابن القاسم هاهنا: إن شهادته لا تجوز إذا كان معدما، يريد: والدين حال أو قريب الحلول؛ لأنه يتهم أن يكون إنما شهد له ليوسع عليه في الدين ويؤخره به، وسواء كانت شهادته له بمال أو بغير مال، ولم ير أشهب هذه تهمة ترد بها شهادة الشاهد العدل، وأما إن كان الدين للشاهد على المشهود عليه، أو للمشهود عليه على الشاهد، أو للمشهود له على المشهود عليه، أو للمشهود عليه على المشهود له، فلا يقدح شيء من ذلك في الشهادة.
واختلف في المال القراض يكون بيد المشهود له للشاهد، أو بيد الشاهد للمشهود له - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن شهادة كل واحد منها لصاحبه جائزة، مليا كان العامل بالمال أو معدما، وهو ظاهر قول أشهب وقول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه.
والثاني: أنه إن كان العامل بالمال مليا جازت شهادته لرب المال، وشهادة رب المال له، وإن كان معدما لم تجز شهادة واحد منهما لصاحبه، وهو الذي يأتي على قول ابن وهب.
والثالث: أن شهادة كل واحد منهما لا تجوز لصاحبه إن كانت قبل أن يحرك العامل المال وينشبه في سلع، ويجوز له إن كان قد حركه وشغله في سلع؛ لأن المال إن كان ناضا في يد العامل اتهم في شهادته لرب المال أن يقر المال بيده ولا يأخذه منه، واتهم رب المال في شهادته له أن يعمل
بالمال ولا يصرفه عليه، وهو الذي يأتي على قياس قول سحنون، فهذا معنى ما وقع من ذلك كله في سماع زونان من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
###: شهادة الابن لأبيه على أمه
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك قال سحنون: قال لي أشهب، وابن نافع: سئل مالك عن شهادة الابن لأبيه على أمه، فقال: لا يجوز ذلك؛ لأن الابن يهاب أباه ويتقيه، وربما ضربه، قيل له: فشهادته لأمه على أبيه، قال: لا تجوز أيضا شهادته على أبيه، لا تجوز لأبيه ولا لأمه، إلا أن يكون الرجل العدل المنقطع في الصلاح جدا، وإنما تجوز شهادته لهما إذا كان الوالد عدلا منقطعا في الصلاح إن كان الذي شهد عليه الشيء اليسير، وذلك يختلف في القليل والكثير.
قال محمد بن رشد: لا خلاف أعلمه من قول مالك وأصحابه أن شهادة الرجل لا تجوز لأبويه، ولا لأحد من أجداده وجداته وإن علوا، ولا لولده الذكور والإناث، ولا لأحد من أولادهم وإن سفلوا، والأصل في ذلك قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه».
والظنين المتهم فرأى أهل العلم أن الرجل متهم في شهادته لأبويه وأجداده وجداته وإن علوا وولده وولد ولده، فإن سفلوا فلم يجيزوا شهادته لواحد منهم، ولا شهادة واحد منهم له، وأجازوا شهادته على كل واحد منهم، وشهادة كل واحد منهم عليه إذا لم يكن بين الشاهد والمشهود عليه
عداوة تعرف، أو يكون يجر إلى نفسه بشهادته نفعا، مثل أن يشهد على أبيه أنه قتل عمدا، أو أنه زنى وهو محصن وله مال أو ليس له مال وهو فقير قد ألزمه السلطان نفقته؛ لأنه يتهم على إرادة ميراثه والاستراحة من النفقة عليه.
وأما شهادته بعضهم على بعض ففي ذلك تفصيل، قال في هذه الرواية: لا تجوز شهادة الرجل لأبيه على أمه، ولا لأمه على أبيه، إلا أن يكون الرجل العدل المنقطع في الصلاح جدا ويكون الذي شهد به لأحدهما على الآخر شيئا يسيرا؛ لأن معنى قوله: وإنما تجوز شهادته لهما، أي لأحدهما على الآخر، وأما شهادته لأحدهما على أجنبي فلا تجوز على حال يسير ولا كثير.
وحكى ابن عبدوس عن ابن نافع: أن شهادة الابن لأمه على أبيه أو لأبيه على أمه جائزة، إذا كان عدلا، إلا أن يكون الابن في ولاية الأب أو يكون الأب تزوج على الأم فأغارها فيتهم الابن، أو يكون غضب لأمه ووجد لها فلا تجوز شهادته حينئذ لها، وسيأتي في رسم يوصي من سماع عيسى القول في شهادته على أبيه بطلاق أمه أو غيرها من نسائه.
ولو شهد لأبيه على ولد أو لولده وليس في حجره على أبيه لتخرج ذلك على الاختلاف المذكور في شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده أو لولده على ولد ولده لا ينبغي ألا تجوز شهادته قولا واحدا، ولو شهد لجده على أبيه أو لولد ولده على ولده لا ينبغي أن تجوز شهادته قولا واحدا، وقد اختلف في شهادته لبعض ولده على بعض إذا لم يكن المشهود له في ولايته، فقيل: إنها جائزة، وقيل: إنها لا تجوز على ما يأتي في رسم الجواب من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: يختصمان في خصومة ثم يمكثان مدة فيشهد أحدهما على صاحبه
مسألة وسئل: عن الرجلين يختصمان في الخصومة ثم يمكثان بعد ذلك سنين، ثم يشهد أحدهما على صاحبه بشهادة، قال: إن كان
أمرهما آل إلى سلامة وصلح، فذلك جائز.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن مجرد الخصومة في القليل والكثير توجب العداوة بين المتخاصمين وتسقط شهاده أحدهما عن صاحبه؛ لأنه لم يرها جائزة عليه وإن طال الأمد حتى يئول أمرهما إلى سلامة وصلح، وهو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة، ومثله في سماع سحنون ونوازل أصبغ.
ولو سلم كل واحد منهما على صاحبه، ولم يعودا إلى ما كان عليه قبل المحاكمة من التكلم لم تجز شهادة أحدهما على صاحبه، ولم يخرجه ذلك من الهجران إذا لم يكن مؤذيا له على ما يأتي في رسم باع شاة من سماع عيسى، وقال مطرف وابن الماجشون: إذا لم يكن الذي بينهما خاصا فيخرج بالسلام عن الهجرة وتجوز عليه شهادته وإن ترك كلامه، وقد قيل: إن شهادة كل واحد منهما على صاحبه بعد الخصومة جائزة في غير الشيء الذي تخاصما فيه، إلا أن تكون خصومتهما في الأمر الجسيم الذي يورث الحقد والعداوة، وهو قول ابن كنانة، قال: وهذا تفسير الحديث: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين».
واختلف في الظنين، فقيل: هو المتهم في دينه.
وقيل: هو المتهم في شهادته.
وقد قيل: إن شهادة كل واحد منهما على صاحبه جائزة بعد الخصومة وإن لم يصطلحا ما لم يقع بينهما فيها مشاتمة، وهو قول يحيى بن سعيد في نوازل سحنون من هذا الكتاب، قال: وإذا كانت بينهما عداوة معلومة فاصطلحا جازت شهادة كل واحد منهما على صاحبه، وقال مطرف وابن الماجشون، وابن عبد الحكم وأصبغ: وذلك إذا طال الأمر واستحق الصلح وظهرت براءتهما من دخل العداوة؛ لأنه يتهم إذا شهد عليه بقرب ما صالحه على أنه إنما صالحه ليشهد عليه، فلا تجوز شهادته عليه، وسيأتي في رسم باع شاة من سماع عيسى إذا كان الشهود أعداء لا في المشهود
عليه أو لوصيه، وبالله التوفيق.
مسألة: السؤال عن الشهود سرا
مسألة وسئل: عن المسألة عن الشهود سرا، أترى ذلك؟ قال: نعم، ولكن لا يسأل إلا العدول.
قال محمد بن رشد: المسألة عن العدول في السر تعديل السر وهو مما ينبغي للقاضي أن يفعله، ولا يكتفي بتعديل العلانية دونه، وله أن يكتفي بتعديل السر دون تعديل العلانية، وحكى هذا ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، ومعناه في الاختيار دون اللزوم على ما في المدونة وغيرها.
وتعديل السر يفترق من تعديل العلانية في وجهين: أحدهما: أنه لا إعذار في تعديل السر.
والثاني: أنه يجزي فيه الشاهد الواحد، وإن كان الاختيار اثنين بخلاف تعديل العلانية في الوجهين، وقد روي عن سحنون: أنه لا يقبل في تزكية السر إلا اثنان، وهو ظاهر ما في المدونة ومعناه في الاختيار، فلا اختلاف في أن الشاهد الواحد يجزي في تعديل السر، وإن كان الاختيار اثنين، وقد حمل ذلك بعض الناس على أنه اختلاف من القول وليس بصحيح، وإنما كان تعديل السر أقوى من تعديل العلانية؛ لأن الشاهد قد يسأل التزكية فيستحيي من التوقف عنها، وروي عن ابن شبرمة أنه قال: أنا أول من سأل في السر، كان الشاهد إذا أتى القوم ليزكوه استحيوا منه، وتعديل السر هو أن يبتدئ القاضي بالسؤال عن الشاهد، فيسأل عنه من يظن أنه خبير بحاله من جيرانه وأهل خلطته ومكانه، أو يتخذ رجلا يوليه السؤال عن الشهود فيقبل ما أخبره به وحده، ولا