البيان والتحصيلصفحات 127-166
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان بالطلاق الأول

صفحات 127-166
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

من الدين، وتوجب ألا رجوع عليه لغريمه وإن مات المحال عليه أو فلِّس إذا لم يقره من فلس عليه منه، فوجب أن يبر الحالف بها في يمينه التي حلف بها؛ ولأنها إذا لم تكن على أصل دين لا يبر بها؛ إذ للمحتال أن يرجع عليه إن مات المحال عليه أو فلس، وقد قيل: إنها كالضمان في أنه المبدأ بالاتباع، فوجب ألا يبر الحالف بذلك في يمينه التي حلف بها.
وأما إذا حلف ليقضينه حقه فلا يبرأ بالحوالة وإن كانت من أصل دين، إذ لم يقضه شيئا قبضه، وإنما تحول من ذمته إلى ذمة غيره إرادة معروف صنعه، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي ذكرنا في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم في الرهن؛ لأن الرهن شيء قد قبضه صاحب الحق وهو أحق به من الغرماء، والحوالة لم يقبض صاحب الحق بها شيئا ولا هو أحق بذمة المحتال عليه من الغرماء إن فلس، فلم تقو قوة الرهن، ولو حلف ألا يقضينه فأحاله حنث، قاله في رسم بع هذا، وهو صحيح؛ لأن الحنث يقع بأقل الوجوه، وبالله التوفيق.

###: الحالف إنما يحنث بالمعنى الذي حلف عليه لا بمجرد الألفاظ

ومن كتاب أوله استأذن سيده [في تدبير جاريته] وسئل: عن رجل قال له: إن رمك فلان ختنك أصابها العسكر فاخْرج في طلبها، فخرج في طلبها فأدركها، فقال للذين هي معهم: إن هذه الرمك لختني بكير النفزي، فقيل له: كذبت ليست لختنك، وإنما هي للجند، ولكن احلف إنها للبربر وليست للجند، فقال: امرأته طالق إن كانت ليست لبكير النفزي، وإنما كان أصل استحلافهم إياه أنها للبربر وليست للجند، ولم يسألوه

إن كانت لنفزي أو لغير نفزي، إلا أنه حلف أنها لبكير النفزي، فسأل عن بكير فإذا هو من مصمودة، وليس من نفزة، وحلف حين حلف وهو يظن أنه من نفزة والرمك له.
فقال: إنما استحلافهم إياه أنها ليست للجند ولم يستحلفوه أنها للنفزي، فليس عليه في يمينه شيء، وذلك أني سمعت مالكا وسئل: عن رجل بعث إلى عبد له في خرج كان عنده، فقال للرسول: أخذه أخوه، فأتى سيده مغضبا، فقال: أخفيت عني الخرج، فقال العبد: امرأته طالق إن كان لم يأتني أخوك فأخذه مني، ثم فكر فإذا أخوه لم يأته، وإنما جاء رسول، فقال: ليس عليه شيء؛ لأنه لم يحلف إلا على أنه لم يخفه عنه، فمسألتك مثلها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحالف إنما يحنث بالمعنى الذي حلف عليه، لا بمجرد الألفاظ إذا خالفت المعاني؛ لأن الحكم إنما هو للمقصود بالقلب لا لمجرد اللفظ المنطوق به، ألا ترى أن المعنى الواحد المقصود إليه بالقلب يعبر عنه بألفاظ كثيرة مختلفة، ولغات شتى مفترقة، فلا يتغير معناه عند السامع له بهذه الألفاظ المختلفة واللغات المفترقة باختلاف العبارات عنه، وقد يفهم من اللفظ خلاف موضوعه في اللغة، فيكون الحكم للمفهوم من اللفظ، لا لموضوع اللفظ وحقيقته في اللغة، وهذا كثير موجود في القرآن والسنن والآثار، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 15].
فهذا أمرٌ المفهوم منه النهي، وقال عز وجل: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]، فهذا مدح، والمراد به السبّ والاستهزاء، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]

وقد علم أن الصلاة لا تأمر ولا تنهى، وكان الحكم للمعنى، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه».
وهذا كذب في ظاهره إذ ليس أبدا بعصاه على عاتقه، وليس بكذب ولكنه إخبار عن معنى عُلم المقصود به، فكان الحكم له، وهذا كثير يعز إحصاؤه، ولا يمكن استقصاؤه، وقد مضت مسألة الخرج في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم والقول فيها بما فيه كفاية فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

مسألة: قال لامرأته إن خرجت إلى بيت فلان إلا بإذني فأنت طالق

مسألة وعن رجل قال لامرأته إن خرجت إلى بيت فلان إلا بإذني فأنت طالق، فخرجت فلما علم قال لها: إني قد حلفت ألا تخرجي إلا بإذني فقد خرجت فاعتدي، ثم ذكر أنه قد كان أذن لها.
ففكر فقال: أرى قوله لها اعتدي طلاقا، فإن تدارك الرجعة قبل أن تحيض ثلاث حيض كان أملك بها، وإن حاضت ثلاث حيض قبل أن يراجعها كانت أملك لنفسها، قلت: إنما قال لها اعتدي من الطلاق الذي ظن أنه حنث فيه ولم يحنث، قال: أترى أن لو أتاني وقد حاضت ثلاث حيض وبانت منه وادعى نية أكنت أنويه فيها؟ لا أراه إلا وقد بانت منه إن لم يرتجعها قبل أن تنقضي عدتها، قال ابن القاسم: وإنما هي عندي بمنزلة من قال: قد طلقتك فاعتدي، وقال ابن وهب مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، والذي يوجبه فيها القياس والنظر ألا يلزمه فيما بينه وبين الله في قوله لها فاعتدي طلاق إذا تحقق أنه لم يلزمه فيها طلاق وتؤمر له بالعدة، ويبين هذا ما صرفنا إليه

وجه الاختلاف الواقع في مسألة رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب طلاق السنة في الذي أفتي في امرأته في يمين نزلت به أنها قد بانت منه، فقال لها وللناس: قد بانت مني، ثم علم أنه لا شيء عليه، فالمعنى في هذه المسألة عندي أنه إنما أوجب عليه الطلاق فيها بقوله لها فاعتدي من أجل أنه حضرته البينة بقوله لها: إني قد حلفت ألا تخرجي إلا بإذني فقد خرجت فاعتدي، ولم يصدق فيما زعم من أنه يذكر أنه قد كان أذن لها، فألزم الطلاق بما شهد به عليه من قوله لها فاعتدي؛ لأن اعتدي من ألفاظ الطلاق، فمن قال لامرأته: اعتدي ينوى ما أراد من عدد الطلاق بما شهد به عليه من قوله لها اعتدي؛ لأن اعتدي من ألفاظ الطلاق، فإن لم تكن له نية فهي واحدة، قال ذلك في المدونة، ولم يبين كم يلزم من عدد الطلاق، إلا أنه قد قال في آخر المسألة: إن ذلك عنده بمنزلة من قال: قد طلقتك فاعتدي، ومن قال في الذي يقول لامرأته: قد طلقتك فاعتدي أو قد طلقتك اعتدي أنهما اثنتان إلا أن يريد بهما واحدة، يقول: إنما أردت أن أعلمها بالعدة فتكون واحدة، فيلزم في هذه المسألة على قياس قوله أن تكون واحدة بعد أن يحلف أنه إنما قال لها: فاعتدي أمرا لها بالعدة من الطلاق الذي ظن أنه قد كان لزمه وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بالطلاق ألا يكسوه فاشترى له سلعة وقال بعها ولك فضلها

مسألة وسئل عن رجل عاتب أخا له كان معه في صنعة يتقلبان فيها، فعاتبه في البطالة وقال: لم تتبطل ولا تتجر ولا تكسب شيئا؟ فحلف بالطلاق ألا يكسوه فاشترى سلعة بخمسة دنانير، وقال: هاك هذه السلعة بعها ولك فضلها.
قال: أراه حانثا لأن هذا ليس من وجه التجارة ولا البيع، وإنما هذه عطية منه، قال له: خذ فضل هذه السلعة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا أعطاه فضل السلعة

ليكتسي منها فقد كساه، ومثله في المدونة في الذي يحلف ألا يكسو رجلا فأعطاه دنانير، أو حلف ألا يعطيه دنانير فكساه أنه حانث ولا ينوي في ذلك يعني مع قيام البينة بخلاف المرأة فإنه ينوي في زوجته إذا حلف ألا يعطيها دنانير فكساها، فإنه إنما حلف ألا يعطيها دنانير لئلا تفسدها أو تخدع فيها وبالله التوفيق.

مسألة: ذكر له غريمه فقال امرأته طالق إن لقيته إن فارقته حتى يحكم الله بيننا

مسألة وقال في رجل ذكر له غريمه فقال امرأته طالق البتة إن لقيته إن فارقته حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فلقيه فقضاه حقه.
قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن قضاءه حقه هو حكم الله الواجب بينهما، وإن لم يقضه حقه لكان الوجه الذي يبر به ألا يفارقه حتى يرفعه إلى السلطان فيفصل بينهما بما شرعه الله من الحكم بين عباده، كان له أو عليه؛ لأن حكم الله بين عباده في الدنيا هو حكم الحاكم بينهم بما أمر الله به من القول، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] وبالله التوفيق.

مسألة: ساومه رجل بسلعة فقال امرأته طالق إن باعها منه ثم ساومه بها آخر

مسألة وسئل عن رجل ساومه رجل بسلعة فقال: امرأته طالق إن باعها منه، ثم ساومه بها رجل آخر فقال: امرأته طالق إن باعها منه، فباعها منهما جميعا.

قال: يلزمه تطليقتان، قلت: فلو كان حلف على هذا النحو بالله أيضا أتلزمه كفارتان؟ قال: نعم، قلت له: ففي أي شيء إذا حلف مرات لم يلزمه إلا كفارة واحدة؟ قال: لو أنه أتاه رجل فساومه فقال: والله لا أبيعها، ثم أتاه آخر فقال: والله لا أبيعها، فهذا الذي لا يلزمه إذا باع إلا كفارة واحدة، ولو كان هذا في طلاق كان عليه تطليقتان إلا أن ينوي واحدة، ولو أتاه رجل فقال: امرأته طالق إن باعها، ثم أتاه آخر فقال: امرأته طالق إن باعها لزمته تطليقتاه إن باعها إلا أن يكون نوى واحدة، وسواء كان في رجل واحد أو في رجلين هما تطليقتان.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة كلها على معنى ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف في شيء من وجوهها، إذا حلف الرجل ألا يبيع سلعة ثم حلف ثانية ألا يبيعها ثم باعها لزمته كفارة واحدة إن كان حلف بالله، وتطليقتان إن كان حلف بالطلاق إلا أن ينوي واحدة، وإذا حلف ألا يبيع سلعته من فلان، ثم حلف ألا يبيعها من فلان رجل آخر فباعها منهما جميعا لزمته كفارتان إن كان حلف بالله، وتطليقتان إن كان حلف بالطلاق ولم ينو إن زعم أنه أراد واحدة وينوي في الطلاق حيث يكون عليه في اليمين بالله كفارة واحدة، ولا ينوى فيه حيث تكون عليه في اليمين بالله كفارتان، فهذا قياس هذه الباب، وقوله في آخر المسألة: وسواء كان في رجل واحد أو في رجلين هما تطليقتان، معناه إذا لم تكن له نية، وأما إذا نوى واحدة فيُنَوَّى في الرجل الواحد ولا يُنَوَّى في الرجلين حسبما بيناه وبالله التوفيق.

مسألة: حلف في سلعة له ألا يبيعها فيبيعها على أنه بالخيار فيها

مسألة وسئل عن الرجل يحلف في سلعة له ألا يبيعها فيبيعها على أنه بالخيار فيها.

قال: لا شيء عليه حتى يحب البيع.
قال محمد بن رشد: مثل هذا من سماع أصبغ في كتاب العتق، وهو صحيح لأنه استثنى الخيار لنفسه، فلا يكون بيعا حتى يمضيه، ولو حلف ألا يبيعها إلى أجل فباعها قبل الأجل على أنه بالخيار وأمضاه بعد الأجل لتخرج ذلك على قولين: أحدهما وهو المشهور أنه لا يحنث؛ لأن البيع إنما وجب يوم أمضاه، والثاني أنه يحنث لأنه أمضاه له على العقد الأول، فكأنه قد وجب له من حينئذ، وهذا القول قائم من قوله في كتاب الشفعة من المدونة في الذي يشتري شقصا من دار بخيار ثم يباع ذلك الشقص الآخر بيع بت أن الشفعة لمشتري الخيار إن اختار البيع، وكذلك الحكم في الرجل يحلف ألا يشتري السلعة فيشتريها على أنه فيها بالخيار سواء، ولو باعها الحالف ألا يبيعها على أن الخيار للمشتري، أو اشتراها الحالف ألا يشتريها على أن الخيار للبائع لوقع الحنث في ذلك على الحالف منهما، كان البائع أو المبتاع، مضى البيع أو رُد بالخيار إلا أن يكون اليمين بحُرّية العبد الذي حلف البائع ألا يبيعه أو المشتري ألا يشتريه، فيفترق في ذلك البائع من المبتاع، لحنث البائع بعقد البيع على أن الخيار للمبتاع فيرد ويعتق عليه، ولا يحنث المبتاع بعقد البيع على أن الخيار للبائع حتى يمضي له البيع، ولو حلف الرجل ليبيعن سلعة أو ليشترينها لما بر ببيعها ولا بشرائها على الخيار، كان الخيار له أو لمن باعه حتى يُمضي البيع مَن له الخيار فيه؛ لأن الحنث يقع بما لا يكون البر به؛ إذ لا يكون البر إلا بأكمل الوجوه.
وكذلك الذي يحلف ألا يبيع سلعة يحنث ببيعها وإن ردها عليه بعيب أو فساد بيع ولا يبر إذا حلف ليبيعنها إذا باعها فردت عليه بعيب أو فساد بيع؛ لأن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وهو قول ابن القاسم في

الواضحة وفي رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب العتق، وقيل: إنه لا يحنث إن رد عليه بعيب، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وهذا على أن الرد بالعيب ابتداء بيع، وبالله التوفيق.

مسألة: قال امرأته طالق البتة أو غلامه حر إن كان الذي في كمه دنانير

مسألة وسئل عمن قال: امرأته طالق البتة أو غلامه حر إن كان الذي في كمه دنانير أو وإن كان الذي في حانوته فسطاطيا، فنظر الذي في كمه فإذا فيه دنانير ودراهم، ونظر الذي في حانوته فإذا فيه فسطاطي وشطري ومروي وخز.
قال هو حانث في كلا الوجهين، قال وسواء قال إن كان الذي في كمي أو قال في حانوتي هما سواء، وهو حانث فيهما جميعا، وقاله أشهب.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم فيمن حلف ألا يفعل فعلين ففعل أحدهما أنه حانث؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، ولا عذر له في أن حلف على يقينه فانكشف له خلاف ما حلف عليه؛ لأن ذلك لغو، واللغو لا يكون إلا في اليمين أو ما تكون كفارته كفارة يمين بالله.
وبالله التوفيق.

###: قال امرأته طالق البتة أو غلامه حر إن لم يفعل شيئا سماه فلم يفعله حتى مات

ومن كتاب العرية وسئل عن رجل قال: امرأته طالق البتة، أو غلامه حر إن لم يفعل شيئا سماه فلم يفعله حتى مات.
قال: ترثه امرأته، ويعتق الغلام في ثلثه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحالف ليفعلن فعلا هو على حنث حتى يفعل، فإذا لم يفعل حتى مات وقع عليه الحنث بعد

الموت بالطلاق أو بالعتاق، فوجب أن ترثه المرأة؛ لأن الطلاق بعد الموت لا يصح، وأن يعتق الغلام في الثلث على حكم العتق بعد الموت احتياطا للعتق لئلا يسترق بالشك، ولأنه أيضا لو وقع عليه الحنث في حياته لخير بين العتق والطلاق، إذ قد استثنى ذلك لنفسه حين حلف على ما قاله في رسم الصبرة من سماع يحيى بعد هذا، فلما أوقع على نفسه الحنث بعد الموت حمل على أنه لم يرد إلا العتق، إذ لا يطلق أحد امرأته بعد موته، ولو قال قائل إن ورثته ينزلون بعد موته في التخيير منزلته في حياته، فلا يعتق العبد في الثلث إلا برضاهم لكان لذلك وجه من أجل أن الأصل براءة الذمة، والعتق لا يكون إلا بيقين.
وبالله التوفيق.

مسألة: قال يزيد أو محمد حران إن لم أفعل كذا وكذا فمات قبل أن يفعله

مسألة قيل له: فلو كان قال: يزيد أو مبارك حران إن لم أفعل كذا وكذا، فمات قبل أن يفعله؟.
قال: يعتق واحد منهما بالسهم، قيل: كيف يعتق؟ أنصف قيمتهما أو من خرج سهمه؟ قال: بل من خرج سهمه، يسهم بينهما، فإن خرج سهم أحدهما وهو أكثر من الثلث عتق منه ما حمل الثلث، وإن خرج سهم الأخر وهو أدنى من الثلث عتق، ولم يعتق من الآخر فيما بقي من الثلث قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: حكم هذه المسألة حكم الرجل يقول في صحته: أحد عبيدي حر، أو أحد عبيدي حر إن فعلت كذا وكذا فيحنث فلا يختار أحدا منهم حتى يموت، إلا أن العتق في هذه من الثلث، وفي تلك من رأس المال، وفيها ثلاثة أقوال: أحدهما رواية ابن أبي زيد

عن ابن القاسم في كتاب العتق أنه يقرع بينهم، ومثله ما وقع في رسم الصلاة من سماع يحيى منه في رواية عيسى عن ابن القاسم أنه يقرع بينهم، وأراه أشار إلى هذه الرواية لاستواء المسألتين على ما ذكرناه؛ لأن الذي في سماع عيسى عن ابن القاسم في الكتاب المذكور أن العتق يجري فيهم، فإن كانوا ثلاثة عتق أثلاثهم، وإن كانوا أربعة عتق أرباعهم، وهذا القول الثاني.
والقول الثالث أن الورثة ينزلون منزلته فيعتقون من شاؤوا منهم، وهو رواية يحيى عن ابن القاسم وأحد قولي سحنون في رواية عيسى في القرعة إذا اختلف الورثة، ورواية يحيى عنه في أنهم بمثابته إذا اتفقوا، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول آخر امرأة أتزوجها فهي طالق

مسألة وسألت ابن القاسم عن الذي يقول: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق قال: يتزوج ما شاء ولا شيء عليه؛ لأنه مثل من حرم على نفسه جميع النساء؛ لأنه كلما تزوج امرأة فرق بينه وبينها؛ لأنه لعل تلك المرأة آخر امرأة يتزوجها، ولا تستقر معه أبدا امرأة، ولا شيء عليه، قال سحنون في الذي يقول: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: يوقف عن وطء امرأته خوفا ألا يتزوج غيرها حتى يموت؛ لأنه إذا مات كانت آخر امرأة يتزوجها، فلزمه الحنث يوم تزوجها، فيكون قد وطئها بعدما حنث فيها، فيوقف عن الوطء حتى يتزوج غيرها، فإذا تزوج غيرها قيل له إن اليمين والحنث قد زال عنها، وإن لم يتزوج (حتى ينقضي الأجل) وأرادت

الأولى الوطء وقالت: ها هو ذا يقدر على أن يطأني بأن يتزوج أخرى فيجوز له وطئي فيترك ذلك ضررا، فيضرب له الحاكم أجل الإيلاء، فمن تزوجها قبل تمام الأجل سقطت عنه اليمين، وإن لم يتزوج حتى ينقضي الأجل طلق عليه السلطان إلا أن يتزوج قبل طلاق السلطان وحكمه، وكذلك الحكم في الثانية حتى يتزوج ثالثة، وكذلك الحكم في الثالثة حتى يتزوج رابعة، وكذلك الحكم في الرابعة، [ويضرب له فيها أجل الإيلاء إلا أن يموت من عنده أو يطلق فيتزوج] فقس على هذا تصب إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في نوازل سحنون من كتاب الإيلاء فلا وجه لإعادته هنا مرة أخرى وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لامرأته إن كلمتني حتى تقولي إني أحبك فأنت طالق

مسألة قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته إن كلمتني حتى تقولي إني أحبك فأنت طالق، فقالت: غفر الله لك، نعم أنا أحبك.
فقال: هو حانث حين قالت غفر الله لك قبل أن تقول أنا أحبك، ولقد اختصمت أنا وابن كنانة إلى مالك في رجل قال لامرأته إن كلمتك حتى تفعلي كذا وكذا فأنت طالق، ثم قال لها في ذلك النسق بعد الطلاق: فاذهب الآن كالقائل: إن شئت فافعلي وإن شئت فدعي، فقلت أنا: قد حنث حين قال لها

اذهبي، وقال ابن كنانة: لم يحنث، فدخلنا على مالك فقضى لي عليه ورآه حانثا، فمسألتك أبين من هذا، وفي كتاب أصبغ فكأنه قضى لي عليه، ولم يقض عليه بالحنث، قال أصبغ لا شيء عليه، وقول ابن كنانة أصوب لأنه من اليمين ما هو لم تبرد اليمين ولم تبرد إلا به، وقول ابن القاسم عن مالك فكأنه قضى لي عليه ليست برواية ولا جواب، وقد سمعت ابن القاسم يقول في أخوين حلف أحدهما على صاحبه إن كلمتك أبدا حتى تبدأني، ثم حلف الآخر إن كلمتك أبدا حتى تبدأني، إن الأيمان عليهما على ما حلفا عليه، من بدأ منهما صاحبه فهو حانث، وإن حلف الثاني حين حلف ليست تبدئة تسقط بها الأيمان، وليس هذا من وجه ما أراد، قال: وقال ابن كنانة مثله.
قال محمد بن رشد: في سماع محمد بن خالد عن ابن نافع في رجل قال لصاحبه امرأته طالق إن كلمتك حتى تبدأني بالكلام فقال صاحبه: إذا والله لا أبالي.
هل هذه تبدئة؟.
قال: لا، وهذا نحو قول ابن كنانة الذي صوبه أصبغ وأخذ به.
وما لزم ابن القاسم من الاضطراب في المسألة التي سمعها منه لازم له، إذ لا فرق بين المسألتين، فهو اختلاف من قوله.
والأظهر أن الحنث لا يقع بشيء من هذا الكلام؛ لأنه من تمام ما كانا فيه، فلم يقع عليه اليمين، وإنما وقعت على استئناف كلام بعد، فلا يقع الحنث بشيء من هذا على أصل المذهب في مراعاة المعاني المقصود إليها في الأيمان دون الاعتبار بمجرد الألفاظ دون المعاني، وإنما يوجب الحنث بهذا من اعتبر مجرد الألفاظ في الأيمان ولم يلتفت إلى معانيها، ويوجد من ذلك مسائل في المذهب ليست على أصوله تنحو إلى مذهب أهل العراق وبالله التوفيق.

مسألة: قال إن ماتت امرأتي إن تزوجت حتى أحج أو أغزو فالتي أتزوج طالق

مسألة وسأله رجل فقال: إني كنت طلقت امرأتي البتة، ثم تزوجتها بعد زوج فكانت تحتي، فقلت: إن ماتت امرأتي إن تزوجت حتى أحج أو أغزو فالتي أتزوج طالق، ثم نظرت فإذا النكاح الذي أنكحتها به كان فاسدا تزوجها محلل أو نحو ذلك، أو كان صحيحا فطلقها، هل علي شيء إن تزوجت قبل أن أحج أو أغزو.
قال: لا شيء عليه إلا أن تكون نويت إن خلوت بها بوجه من الوجوه، قال: لم أنو شيئا غير أني إنما أردت خلوتي منها، ولم أذكر إلا الموت، قال: لا شيء عليك إلا أن تكون خرجت يمينك على النية أنك إن خلوت منها بوجه من الوجوه ألا تتزوج حتى تحج أو تغزو.
قال محمد بن رشد: قوله لم أنو شيئا غير أني إنما أردت خلوتي منها غير أنه لم يخطر ببالي وجه أخلو به منها غير الموت الذي ذكرته فعادت نيته إلى أنه إنما أراد خلوه منها بالموت، ولذلك قال: إنه لا شيء عليه بخلوه منها بما سواه إلا أن يريد خلوه منها بأي وجه كان، وذلك صحيح بين في المعنى؛ لأن اليمين إذا عريت من النية حملت على مقتضى اللفظ، فكيف إذا وافقت النية اللفظ؟ وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بعتق أو طلاق امرأته ليعتمرن في شوال فلما دخل شوال اعتمر

مسألة قال عيسى وسئل عن رجل حلف بعتق أو طلاق امرأته

ليعتمرن في شوال، فلما دخل شوال اعتمر، ثم إنه مرض مرضا يمنعه من المسير حتى خرج شوال، ولم يطف بالبيت.
قال ابن القاسم: هو حانث إلا أن يكون جعل لنفسه مخرجا في عقد يمينه.
قال محمد بن رشد: لم يعذره في المسألة بالمرض إذ قال فيها إنه حانث إلا أن يكون جعل لنفسه مخرجا في عقد يمينه، يريد أن ينوي إلا أن أمرض أو يمنعني مانع، وكان القياس أن يكون في حكم المكره لا يحنث، كمن حلف ألا يفعل فعلا فأكره على فعله، إذ لا سبب له في المرض، إلا أنهم فرقوا على غير قياس في الأيمان بين الإكراه على الفعل وعلى ترك الفعل، فعذروه بالإكراه على الفعل، ولم يروه حانثا به، ولم يعذروه بالإكراه على ترك الفعل إذ لا إكراه على ألا يفعله، وقد كان حلف أن لا يفعله ورأوه حانثا إلا أن ينوي إلا أن أغلب أو أمنع وقد مضى هذا المعنى في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، ووجه استحسان التفرقة بينهما أن الرجل أملك لترك الفعل منه لفعله، ولهذا المعنى افترق البر من الحنث فحنث من حلف ألا يتزوج بالعقد، ولم يبر من حلف ليتزوجن إلا بالدخول، ومنه كان النهي أقوى من الأمر، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
فلم يعذر الحالف على الفعل بالإكراه على الترك إلا أن ينوي ذلك، لقوة ملكه للترك، إذ يكون تاركا له بفعل ما يشاء من أضداده من غير قصد إلى شيء منها بعينه دون ما سواه، وعذر الحالف على ترك الفعل بالإكراه على الفعل وإن لم ينو ذلك لضعف ملكه للفعل، إذ لا يكون فاعلا له إلا بترك جميع أضداده، وعلى هذا من حلف ليصومن غدا فمرض مرضا يمنعه من الصيام أنه يحنث إلا أن ينوي إلا أن أمرض، بخلاف من حلف ليصومن

غدا فإذا هو يوم الفطر أو الأضحى أنه يفطر ولا حنث عليه، إذ لا يحل صيام ذلك اليوم، وهو إنما حلف بصيام ما يؤجر في صيامه لا ما يأثم فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: قيل لأحدهما صالح صاحبك فحلف بالطلاق أنه لا يصالحه

مسألة وقال في رجل كانت بينه وبين رجل خصومة في أرض فقيل لأحدهما: صالح صاحبك، فحلف بالطلاق أنه لا يصالحه، فلما طالت خصومتهما قال الحالف لصاحبه: انظر ما تدعي فخذه من الأرض، فقال: ندعي من هاهنا إلى هاهنا: خذه فأخذه، ما ترى عليه؟.
قال: إن كان أعطاه كل ما يخاصمه فيه ويدعيه قبله فلا حنث عليه، وإن كان أعطاه بعض ما كان يدعيه فقد حنث، قال ابن القاسم: إلا أن يكون أراد ألا يسلم إليه شيئا منه، فإن كان ذلك نيته حنث.
قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه أنه يحنث وإن أعطاه كل شيء، قال: إنه يحنث بالبعض فكيف بالكل؟ فلم يراع لفظ المصالحة التي حلف عليها وحمل يمينه على أنه إنما أراد ألا يسلم إليه شيئا مما ادعى، فإذا حنث باليسير كان أحرى أن يحنث بالكثير، وقول ابن القاسم أحرى على أصولهم في أن الحالف إذا لم تكن له نية يرجع في يمينه إلى ما يقتضيه اللفظ، والمصالحة إنما تكون بأن يعطيه بعض ما يدعي، فإن أعطاه أقل مما يدعيه حنث وإن قال إنه جميع حقه وإن الذي ادعاه أولا أكثر من حقه.

مسألة: يقول لامرأته أنت طالق البتة إن لم تدفعي إلي مائة دينار

مسألة وسئل عن الرجل يقول لامرأته أنت طالق البتة، إن لم

تدفعي إلي مائة دينار أو تتركي مالك علي من المهر، فتركته له ثم أرادت أن تأخذه منه بعد ذلك، فخاصمته أو توفي فأرادت أن ترجع فيه أو أقام بعد ذلك شهرين أو سنة ثم طلقها فأرادت أن ترجع، هل ترى ذلك لها [إن ادعت أنها ما تركت ذلك له إلا على أن لا يطلقها.
قال: ليس لها أن ترجع عليه في شيء مما أعطته.
قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هذا بين على ما قاله؛ لأنها يمين قد لزمته بطلاق البتة إن لم تعطه ذلك، فإذا أعطته ذلك فقد نالت بما أعطته سلامتها من وقوع الحنث عليها ولو لم] يكن لها أن ترجع عليه بعد ذلك بشيء منه طلقها أو لم يطلقها، زاد في سماع أصبغ من كتاب طلاق السنة: ولو شاءت نظرت لنفسها، يريد بأن تقول له لا أعطيك ذلك إلا على ألا تطلقني بعد ذلك.
وقد مضى القول على ذلك هنالك وبالله التوفيق.

مسألة: يطلق امرأته واحدة ثم قيل له ارتجع امرأتك فقال إن ارتجعتها فهي طالق

مسألة وعن الرجل يطلق امرأته واحدة ثم قيل له: ارتجع امرأتك، فقال إن ارتجعتها فهي طالق البتة، ثم تزوجت زوجا غيره، ثم طلقها أو مات عنها فأراد أن يتزوجها وقال إنما نويت حين حلفت ألا أرتجعها حين كانت لي عليها الرجعة، أو أراد أن يتزوجها ولم يتزوج حين خرجت من الاستبراء، وذكر أنه لم تكن نيته إلا ذلك، أو قال لم أنو شيئا.
قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول هو حانث، ولم يذكر مالك نيته، قال ابن القاسم: وإنما أرى أن يحلف على ما نوى

ويكون القول قوله، وإن لم تكن له نية لزمه ما حلف عليه.
قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قال ابن القاسم في هذه المسألة: إنه ينوى فيها مع يمينه، ولم يذكر إن كانت عليه بينة أم لا؟ والذي ينبغي في هذه المسألة أن ينوي فيها وإن كانت عليه بينة؛ لأن نيته فيها ليست مخالفة لظاهر لفظه، إذ إنما حلف ألا يرتجعها، بخلاف مسألة رسم سلف من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة إذ كانت يمينه ألا يراجعها، وقد مضى من القول على ذلك هناك ما فيه كفاية، وظاهر قول مالك فيما حكى ابن القاسم من أنه لم يذكر نية أنه لا ينوى يريد مع قيام البينة، إذ لا اختلاف في أنه ينوى إذا لم تكن عليه بينة فهو ينحو إلى ما في سماع أصبغ من اطراح الاعتبار بالألفاظ في هذه المسألة، وأن يمينه على ألا يرتجع أو على ألا يتزوج سرا.

###: قال لامرأته أنت طالق إن لم أضربك حتى أشتفي عليك فضربها حتى اشتفى

ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أضربك حتى أشتفي عليك فضربها حتى اشتفى فيما يرى، فلما رفع يده عنها ضحكت وقالت له: والله ما اشتفيت.
قال ابن القاسم: إن كان إنما حلف ليضربها حتى يشتفي فضربها حتى اشتفى في نفسه فقد بر، ولا حنث عليه، وإن قالت: لم تشتف لم يلتفت إلى قولها إذا كان هو قد اشتفى في نفسه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنما حلف أن يضربها حتى يشتفي فهو أعلم هل اشتفى أم لا، ولا ينبغي أن يلتفت إلى قولها: لم تشتف، إذا كان يعلم من نفسه أنه قد اشتفى، كما لا يصح أن يلتفت إلى قولها لو قالت قد اشتفيت وهو يعلم من نفسه أنه لم يشتف، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بطلاقها ألا يأخذ شيئا من مالها إلا بإذنها فأذنت ثم رجعت في الإذن

مسألة وسئل عن رجل حلف بالطلاق ألا يأخذ شيئا من مال امرأته إلا بإذنها ورضاها، فأذنت له أن يأخذ من مالها ما شاء ويقضي فيه بما أراد، فقضى في ذلك زمانا، ثم قالت له: لا تأخذ من مالي شيئا.
قال ابن القاسم: إن أخذ من مالها شيئا بغير رضاها بعد أن نهته عنه فهي طالق.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على مراعاة المعاني في الأيمان وترك الاقتصار على مقتضى اللفظ وهو المشهور في المذهب؛ لأن معنى يمين الحالف ألا يأخذ من مال امرأته شيئا إلا بإذنها ورضاها ألا يأخذ من مالها شيئا إلا وهي راضية، فإذا أخذ من مالها شيئا بعد أن نهته عن ذلك وجب أن يحنث لكونها غير راضية بذلك، ويأتي على الاعتبار بمقتضى اللفظ دون مراعاة المعنى ألا يحنث بما أخذ من مالها بعد أن أذنت له في ذلك وإن كانت قد رجعت عن الإذن ونهته أن يأخذ، وهو على قياس من قول مالك في رسم الطلاق، ومن سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك في الذي يحلف بالحلال عليه حرام أن تقوم امرأته عنه فلا ترجع إليه حتى يشاء، فتقوم عنه ثم تستأذنه في الرجوع فيقول لها: تعالي إن شئت، ثم يقول لها: لا تأتي، فتأتي على الإذن الأول: إنه ليأخذ بقلبي أنه أذن، يريد أنه إذن لا يسقط رجوعه عنه، فلا يحنث إذا أتت عليه بعد أن نهاها عن الإتيان، وهذا على قياس ما يأتي لأصبغ في أول نوازله من هذا الكتاب وقول ابن دحون: إن ذلك يأتي أيضا على قول سحنون في الذي يشترط لامرأته ألا يخرجها إلا برضاها فيخرجها برضاها ثم تطلب منه أن يردها، إن ذلك لا يلزمه، خلاف قول ابن القاسم، وهو صحيح أيضا لأن

من رأى أنه لا يلزمه أن يردها وهو قول سحنون في أول رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وروايته أيضا عن ابن القاسم في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح، فوجه قوله أنها لما أذنت له أن يخرجها فقد أباحت له السكنى بها حيث أخرجها، فسؤالها إياه أن يردها رجوع منها عما أذنت له فيه، وقد قيل: إنه لا يكتفي بهذا الإذن المجمل ويلزمه أن يستأذنها كلما أخذ من مالها شيئا وإلا حنث، وذلك على القول بأن من حلف على امرأته ألا تخرج إلى موضع إلا بإذنه أنها قد تجتزي بأن يقول لها: اخرجي إلى حيث شئت فقد أذنت لك حتى تستأذنه في كل ما ينوبها من الخروج، وسيأتي القول على ذلك في رسم سلف إن شاء الله.

مسألة: قال إن مات ابني وليست لك قبلي تباعة من هذا الدين فأنت طالق

مسألة وعن رجل كانت له امرأة له منها ولد ولها عليه دين فلزمته بدينها فقال لها: إن مات ابني وليست لك قبلي تباعة من هذا الدين فأنت طالق.
قال ابن القاسم: لا أرى أن يقضيها ذلك الدين فإن شحت وطلبت حقها اقتضته وطلقت عليه ساعتئذ، قلت: فإن قضاها بعضه وبقي بعض فلا شيء عليه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأنها إن اقتضت منه دينها صارت بمنزلة من قال لامرأته: إنه مات ابني فأنت طالق يعجل عليه الطلاق، ولو قال: وليست لك علي تباعة ولم يقل من هذا الدين لم يعجل عليه الطلاق باقتضاء الدين وإن لم تكن لها عليه تباعة سواه، إذ قد يكون لها عليه تباعة يوم يموت فلا يكون مطلقا إلى أجل هو آت على كل حال، وتؤمر أن تداينه بما أمكن لئلا يموت الولد ولا تباعة لها عليه فيقع عليها الطلاق بموته وبالله التوفيق.

مسألة: عبد حلف لغريم له بطلاق امرأته أن يدفع إليه أول دينار يدخل عليه فباعه سيده

مسألة وسألته عن عبد حلف لغريم له بطلاق امرأته أن يدفع إليه أول دينار يدخل عليه، فباعه سيده فقال المشتري للبائع: اكسه فإنه لا كسوة له، فأعطاه البائع دينارا من ثمنه ليكتسي به.
فلم يقضه للغريم.
قال: ليس عليه حنث لأن الدينار إنما هو للمشتري كأنه استوضعه دينارا أو كأنه اشترى الكسوة بذلك الدينار قال القاضي أبو محمد: لما أعطى البائع العبد الدينار ليكتسي به فطلب المبتاع ذلك إليه، صار حكمه حكم كسوة العبد، فلم يكن عليه حنث إن لم يقبضه غريمه إذ لا تباع ثياب العبد في دين العبد إلا برضى السيد لأنها في حكم رقبة العبد في ذلك، وهو معنى قوله: لأن الدين إنما هو للمشتري، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب العيوب ما يؤيد هذا المعنى من رواية ابن كنانة عن مالك وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لكل واحدة منهما إذا طلقتك ففلانة طالق

مسألة وسألته عن الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لكل واحدة منهما: إذا طلقتك ففلانة طالق، فيطلق إحداهما.
قال: يقع على التي ابتدأ الطلاق فيها طلقتان، وعلى الأخرى طلقة، من أجل أنه حين ابتدأ بطلاق هذه طلقت الأخرى واحدة، فلما وقع على التي لم يطلق طلقة بطلاق هذه التي ابتدأ فيها الطلاق طلقت هذه أيضا طلقة التي ابتدأ فيها الطلاق بطلاق هذه الأخرى.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن من حلف ألا يطلق امرأته يحنث بطلاقها كيف ما كان؟ بيمين أو بغير يمين، وقد مضت هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة، ولو قال في المسألة كلما لهذه ولهذه فطلق إحداهما طلقت كل واحدة منهما ثلاثا ثلاثا؛ لأنه كلما وقع الطلاق على واحدة وقع مثله على الأخرى، ذكره ابن سحنون عن أبيه، وهو صحيح.

مسألة: قال لامرأته انتقلي معي فأبت فقال أنت طالق إن لم تنتقلي معي ثم بدا له ألا ينتقل

مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته: انتقلي معي فأبت، فقال: أنت طالق إن لم تنتقلي معي، ثم بدا له ألا ينتقل.
قال: إن بدا له ألا ينتقل فليس عليه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن معناه أنت طالق إن لم تنتقلي معي إن انتقلت، فإذا لم ينتقل لم يكن عليه شيء إلا أن يريد أنت طالق إن لم انتقل بك، وباله التوفيق.

مسألة: قال للتي قد دخل بها شأنك بأهلك أو شأنكم بها فهي البتة

مسألة قال: وإذا قال للتي قد دخل بها: شأنك بأهلك، أو شأنكم بها، فهي البتة ولا ينوى، وإن قال للتي لم يدخل بها فهي واحدة إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك فيكون ما نوى، وإن قال للتي قد دخل بها: قد فارقتك أو خليتك أو خليت سبيلك فهي أيضا ثلاث إلا أن يكون نوى أقل من ذلك فيكون ما نوى ويحلف، وإن قال ذلك للتي لم يدخل بها فهي واحدة ألا أن يكون نوى أكثر من

ذلك، وهو قول مالك في جميع هذا، وقد قال لي في التي لم يدخل بها: إنها البتة إلا أن يكون نوى واحدة.
قال ابن القاسم: وإن قال قد سرحتك أو سرحت سبيلك فهي للتي لم يدخل بها واحدة إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك وهي للتي قد دخل بها ثلاث إلا أن يكون نوى واحدة، قال ابن القاسم: قال مالك: إذا قال الرجل للتي دخل بها قد فارقتك فهي ثلاث، إلا أن يكون نوى واحدة وحدثني به الثقة عن ربيعة.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها قد مضى القول فيها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شاء فلان

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شاء فلان، أو يقول لعبده أنت حر إن شئت، فقال: قد شئت إن شاء فلان، فيوجد أن قد ماتا، هل ترجع الشيئة إليهما؟.
قال: إن وجدا قد ماتا فلا شيء لهما ولا ترجع الشيئة إليهما.
قلت: فلو قال لهما هذه المقالة فقالا: قد شئنا إن شاء فلان وفلان بأرض بعيدة مثل إفريقية والأندلس.
قال: أما المرأة فيقال لها: إن شئت فاقض الآن وإن شئت فاتركي، ولا تؤخر إلى قدوم فلان، وأما العبد فذلك له إلى أن يكتب إلى فلان ويستقصي شيئته لأنه ليس في العبد من الضرر ما في المرأة فإن المرأة يمنع من وطئها، والعبد ليس كذلك.
قلت: فإن كان الرجل الذي جعلت المرأة الشيئة إليه

بالإسكندرية ونحوها من القرب هل يؤخر إلى ذلك.
قال ابن القاسم: إن كان في القرب على ما ذكرت اليومين والثلاثة وما أشبهه الذي لا يكون على الزوج في ذلك ضرر فإني أرى أن توقف، وأما الأجل البعيد الذي يكون على الزوج في ذلك الضرر فإني أرى أن ترد الشيئة إليها الساعة، فإما قضت أو تركت.
فلو أن الزوج قال: أنا أترك الأمر حتى يشاء فلان ويقدم، فإني أخاف أن يجعل ذلك بيدها فتطلق، وعسى فلان لا يطلق، قال: إن بعد الأمر فلا يقبل فيه رضى الزوج؛ لأن الموت يأتي فتقع الموارثة، قال ابن القاسم: وليس التأخير بشيء في القياس وإن قرب الأمر، وإنما القياس في أن توقف الساعة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة بعينها والقول فيها في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب التخيير والتمليك فلا وجه لإعادة شيء من ذلك ها هنا وبالله التوفيق.

مسألة: يحلف على الشيء بطلاق امرأته ولا يدري أعلى حق حلف أم على باطل

مسألة وسألته عن الرجل يحلف على الشيء بطلاق امرأته ولا يدري أعلى حق حلف أم على باطل، مثل أن يقول إن كان لم تمطر الليلة بالإسكندرية وهو بالفسطاط فامرأته طالق أو نحو هذا.
قال: قال مالك: من قال: امرأتي طالق إن لم يمطر غدا أو إلى رأس الشهر فإن امرأته تطلق عليه ساعتئذ.
قال ابن القاسم: وانظر إلى جميع هذه الأشياء التي يحلف عليها مثل هذه اليمين قرب استخبارها أو بعد فإنه إذا رفع ذلك

إلى السلطان فينبغي له أن يطلق عليه ولا يؤخره إلى الاستخبار عسى أن يكون ذلك حقا، وإن وجد ذلك الشيء الذي حلف عليه حقا قبل أن يطلق السلطان عليه فليس عليه في يمينه شيء، وهذا وجه قول مالك.
قال محمد بن رشد: قال: فيمن قال امرأته طالق إن لم يمطر غدا أو إلى رأس الشهر وما أشبه ذلك مما لا يدرى هل يكون أم لا يكون؟ إن الطلاق يعجل عليه ولا ينتظر به استخبار ذلك، وإن وجد ذلك حقا قبل أن يطلق عليه لم يطلق عليه، وذلك ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يرمي بذلك مرمى الغيب ويحلف على أن ذلك لا بد أن يكون ولا يكون قطعا على ذلك من ناحية الكهانة أو التنجيم أو تقحما على الشك دون سبب من تجربة أو توسم شيء ظنه، فهذا لا اختلاف في أنه يعجل عليه الطلاق ساعة يحلف ولا ينتظر، فإن غفل عن ذلك ولم يطلق عليه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه، فقيل: إنه يطلق عليه وهو قول المغيرة المخزومي وعيسى ابن دينار، وقيل لا يطلق عليه، وهو قول ابن القاسم هذا، والثاني: لا يرمي بذلك مرمى الغيب وإنما يحلف عليه؛ لأن ذلك غلب على ظنه عن تجربة أو شيء توسمه، فهذا يعجل عليه الطلاق ولا يستأنى به لينظر هل يكون ذلك أم لا يكون، فإن لم يطلق عليه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه لم يطلق عليه، وهو قول عيسى بن دينار، ودليل قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقد مضى هذا المعنى في نوازل أصبغ من كتاب النذور.
وأما إن ألزم نفسه الطلاق إن كان ذلك أو لم يكن على غير وجه اليمين فلا يعجل عليه الطلاق إلا أن يكون مما الشك فيه قائم مثل أن يقول: امرأته طالق إن كان في بطن فلانة جارية، أو إن وضعت جارية، أو يقول لامرأته: أنت طالق إن كنت حاملا، أو إن لم تكوني حاملا وما أشبه ذلك، فهذا يختلف هل يعجل عليه الطلاق أو يستأنى به حتى يعلم حقيقة ذلك،

فذهب مالك إلى أنه يعجل عليه الطلاق ولا يستأنى به، وذهب ابن الماجشون وسحنون إلى أنه يستأنى به وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لإحداهما إن لم أتزوج عليك فأنت طالق

مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لإحداهما: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، فطلق التي ليس فيها يمين أو صالحها، ثم أراد أن يتزوجها هل برة في يمينه؟.
قال: أما إذا طلقها البتة فهي برة لا شك، وفي الصلح أيضا تبره إلا أن يكون صالحها لتحليل يمينه وليتزوجها فتبره، فإن كان صالحها على ذلك وعمل على ذلك فلا أرى أن تبره، قلت: وكيف تبره وقد كانت يوم حلف تحته؟ ألا ترى أنه إنما أراد غيرها؟ قال: أرأيت إن كان قال لامرأته إن تزوجت عليك فأنت طالق وتحته امرأة أخرى فطلق الأخرى ثم تزوجها أيحنث؟ أم لا؟ قال: نعم يحنث، وهو القياس بعينه.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال: إنه يبر بذلك إلا أن تكون له نية أن أراد غير من عنده.
أو تكون ليمينه بساط تدل على ذلك؛ لأن يمين الحالف محمولة على ما يقتضيه اللفظ إذا عريت من النية والبساط.

مسألة: يحلف ألا يساكن رجلا هل يأتيه زائرا فيقيم عنده الأيام والليالي

مسألة وعن الرجل يحلف ألا يساكن رجلا هل يأتيه زائرا فيقيم عنده الأيام والليالي؟.
قال: هذا يختلف، أما إذا كانوا في حاضرة فلا بأس أن يزوره بالنهار ولا يكثر من ذلك، وأما المبيت فلا أرى له أن يبيت إلا أن يكون مرض فيبيت الليلة، وأما إذا كان في غير حاضرة

فركب إليه وشخص زائرا فلا بأس أن يقيم اليوم واليومين والثلاثة ولياليهما وهو قول مالك وما أشبه.
قال محمد بن رشد: زاد أصبغ في الواضحة إذا أكثر الزيارة نهارا في الحضر، وأكثر المبيت والمقام في شخوصه إليه يعني في غير الحضر حنث، وهو خلاف ما يأتي في آخر رسم إن أمكنني، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة وبيانها مستوفي في أول سماع يحيى من كتاب النذور فلا معنى لإعادته.

###: قال لامرأته كل امرأة أتزوجها بعد موتك فهي طالق

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال فيمن قال لامرأته كل امرأة أتزوجها بعد موتك فهي طالق أو سرية أتسرر بها بعد موتك فهي حرة.
قال: يتزوج بعد موتها ولا يتسرر إلا أن يشتري الجواري يملكهن ولا يطأهن؛ لأنه لو قال كل جارية أشتريها أطأها فهي حرة لزمه ذلك؛ لأنه قد أبقى من الجواري ما يملك، وليس بمنزلة الذي يقول كل جارية أو كل أنثى أملكها فهي حرة فهذا ليس عليه شيء ولا يلزمه شيء، ولو قال كل امرأة أتزوجها أطأها فهي طالق قيل له: تزوج وطأ ولا شيء عليك؛ لأنه لا يتزوج ما لا يطأ، وهو يملك ما لا يطأ، فهذا فرق ما بينهما.
قال محمد بن رشد: أما قول الرجل لامرأته كل سرية أتسررها بعد موتك فهي حرة فلا إشكال في أن ذلك يلزمه، وله أن يشتري ما شاء من الجواري، فإن تسرر منهن شيئا لزمه عتق ما تسرر.
وقد اختلف في التسرر ما هو؟ فقيل: إنه الوطء وإليه ذهب مالك

وعامة أصحابه، وقيل: إنه الاتخاد للوطء، وقيل: إنه الإيلاد، فعلى القول بأنه الوطء لا يجوز له إلا ما دونه من القبل والمباشرة وشبه ذلك، وقيل: إنه يجوز له الوطء ولا ينزل، وقيل: إنه يجوز له وطئة كاملة ولا يجب عليه الحنث إلا بتمامها، وهذا على اختلافهم فيما يجوز للحالف ألا يطأ امرأته بطلاقها البتة من وطئها، وأما قوله كل جارية أشتريها أطأها فهي حرة، ففيه إشكال؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله أشتريها أطأها اشتريتها فأطأها بالفاء، وعلى هذا حمله ابن القاسم، ولذلك قال: إن ذلك لازم بمنزلة قوله كل سرية أتسررها فهي حرة، ويحتمل أن يريد بقوله أطأها صفة للجارية المشتراة كأنه قال: كل جارية أشتريها حلال لي وطؤها، وعلى هذا حمله سحنون قال: لا شيء عليه، يريد لأنه عموم إذ لم يبق إلا من لا يحل له وطؤها من ذوات المحارم من الرضاعة وشبههن وهن قليل، كمن قال كل جارية اشتريتها فهي حرة إلا من بنات فلان، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا من بنات فلان، فاستدلال ابن القاسم بهذه المسألة على المسألة الأولى بقوله: لأنه لو قال كل جارية أشتريها فهي حرة لزمه ذلك ليس بجيد إذ لا يستدل بالأضعف على الأقوى، ولا بما اختلف فيه على ما اتفق عليه، ولا بما فيه احتمال على ما ليس فيه احتمال، وأما الذي قال كل جارية أو كل أنثى أملكها فهي حرة فلا شيء عليه كما قال؛ لأنه عموم عنده، إذ قد عم الإناث، وكذلك هو عنده إذا عم الذكور فلا يلزمه العتق فيهم، وقال ابن نافع: إن ذلك تخصيص يلزمه فيه العتق، وهو ظاهر قول أصبغ في سماعه من كتاب العتق في بعض الروايات، وكذلك لو قال كل جارية أشتريها فهي حرة لا شيء عليه، كمن قال كل جارية أملكها فهي حرة وإن كان الشراء أخص من الملك فلم يفرقوا بين ذلك في هذا الموضع وبالله التوفيق.

مسألة: قال إن وطئت فلانة لجارية لغيره أبدا فهي حرة فملكها فوطئها

مسألة قلت: أرأيت إن قال: إن وطئت فلانة لجارية لغيره أبدا فهي حرة فملكها فوطئها.

قال: لا شيء عليه إلا أن يكون أراد إن ملكها.
قال محمد بن رشد: هذا كما لو قال لامرأة أجنبية إن وطئتها فهي طالق فتزوجها ووطئها أنه لا شيء عليه إلا أن يكون أراد إن تزوجها، ومثله في المدونة، ولا اختلاف فيه عندهم؛ لأنه حملوا قوله إن وطئها على حالها التي هي عليه حتى يريد إن وطئها بعد الشراء في الأمة وبعد النكاح في الحرة مراعاة للاختلاف، إذ من أهل العلم من يقول إنه لا شيء عليه وإن قال إن تزوجتها أو اشتريتها وبالله التوفيق.

مسألة: حلف لامرأته بطلاق كل امرأة يتزوجها عليه البتة

مسألة وقال فيمن حلف لامرأته بطلاق كل امرأة يتزوجها عليه البتة ثم هاج بينهما كلام فقال لها: إن لم أتزوج عليك إلى عشرة أشهر فأنت طالق البتة.
قال ابن القاسم: جاءتني ونزلت فأمرته أن يصالحها ويتركها حتى يمضي عليها العشرة أشهر فيقع عليه الحنث حين يقع وليست في ملكه ولا هي له بامرأة، ثم يتزوجها بعد ذلك إن شاء وقد مضت اليمين وسقطت، قال: ولو كانت يمينه مبهمة ليس فيها أجل لكان أشد عليه وكانت اليمين ترجع عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لو ضرب ليمينه أجلا فإنما يحنث بانقضاء الأجل، فإذا صالحها قبل أن ينقضي الأجل فحل الأجل وهي ليست في عصمته سلم من وقوع الثلاث عليه فيها، وكان له أن يراجعها إن شاء، ولا يرجع عليه اليمين فيها إذ قد مضى الأجل.
ولو كانت اليمين مبهمة إلى غير أجل لرجعت عليه كما قال، ولا يكره له الفرار من الحنث بهذا الفعل في هذه المسألة، إذ لو كان فيه وجه من وجوه الكراهة لما أمره به ابن القاسم.
وإنما قال مالك في مسألة كتاب إرخاء الستور من المدونة: بئس ما فعل من فر من الحنث، من أجل أنه غر بغريمه إذ حلف

له ثم فر من الحنث، إذ لو علم خلاف ذلك لقام عليه بحقه ولم ينظره به، ولو لم يفعل ما أمره به ابن القاسم من مصالحتها لوقع عليه الطلاق ثلاثا بانقضاء الأجل، وهو على انقضائه على بر، فله أن يطأ، وقد قيل ليس له أن يطأ، وهو أحد قولي ابن القاسم: فعلى هذا القول إن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان وقد بقي من الأجل أكثر من أربعة أشهر ضرب له أجل الإيلاء، وقد مضى هذا المعنى مبينا مستوفى في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الإيلاء وغيره، وسيأتي في رسم القطعان بعد هذا القول في حكم هذه المسألة إذا كانت اليمين فيها إلى غير أجل إن شاء الله.

مسألة: حلف بالطلاق إن فلانا يتعرض لجارية فلان

مسألة وقال فيمن حلف إن فلانا يتعرض لجارية فلان: إنه إن استيقن أنه تعرض لها وسمع ذلك منه حتى لا يشك فيه فلا شيء عليه، وذلك إلى نيته، وإن كان إنما رآه يكلمها لا يدري يعرض لها أم لا فليطلق امرأته.
قال محمد بن رشد: هذا إذا أتى مستفتيا، وأما إذا شهد عليه بذلك وطولب بالطلاق، فإن كان فلان ذلك ممن يليق به ذلك استحلف لقد رآه يتعرضها، وبقي مع امرأته، وإن كان ممن لا يليق به ذلك طلق عليه إلا أن يأتي بالبينة على ما حلف عليه.

مسألة: قال أنت طالق إن شاء الله

مسألة وقال فيمن قال أنت طالق إن شاء الله، أو أنت طالق إلا أن يشاء الله: إن ذلك سواء هي طالق.
قال محمد بن رشد: هذا أمر لا اختلاف فيه في مذهب مالك وجميع أصحابه أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى في الطلاق المجرد والعتق المجرد غير عامل ولا نافع؛ لأن الرجل إذا قال: امرأتي طالق إن شاء الله أو

إلا أن يشاء الله فقد قيد وقوع الطلاق عليه بذلك اللفظ وانحلال عصمة الزوجية بينهما به، بمشيئة الله، تعالى، ومشيئة الله تعالى هي إرادته، وهي صفة قديمة من صفات ذاته فعلمنا وقوع الطلاق عليه لحصول الصفة التي قيده بها وهي إرادة الله تعالى التي سبقت إرادته؛ لأن معنى قول الرجل امرأتي طالق إن شاء الله أي امرأتي طالق قد شئت ذلك إن شاء الله، أو قد أردت ذلك إن أراد الله أن أريده، ولا يريد هو ذلك ولا يشاؤه إلا وقد شاء الله وأراد أن يريد ذلك ويشاءه، إذ لا يكون شيء في ملكوت الأرض والسماء إلا بمشيئة الله تعالى، فهذا وجه قول مالك، وهو في التمثيل مثل أن يقول امرأتي طالق إن كان كذا وكذا لما قد مضى مما علمنا كونه، ويحتمل أن يكون معنى قوله امرأتي طالق إن شاء الله أي امرأتي طالق إن كان الله شرع وجوبه علي، وقد علمنا من دين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ضرورة أن الله قد شرع وجوبه عليه إذا لفظ به ونواه، فوجب أن يلزمه، ولا يحتمل استثناؤه سوى هذين الوجهين.
وقد قال بعض الناس: إن الطلاق إنما يلزمه على مذهب مالك لأن مشيئة الله تعالى مجهولة لا تعلم إذ لا يمكننا استعلامها فيطلق عليه من ناحية الشك في الطلاق، وهو قول مرغوب عنه لما يقتضي من شبه مشيئة الله تعالى بمشيئة المخلوق، إذ جعل حكم قول القائل امرأتي طالق إن شاء الله كقوله امرأتي طالق إن شاء زيد، فغاب قبل أن يعلمنا بمشيئته حيث لا يمكننا استعلامها منه، وهذا مضاه لقول القدرية القائلين بحدوث إرادة الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
ووجه قول من خالف مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك فلم ير عليه فيه طلاقا هو أنه حمل قوله امرأتين طالق إن شاء الله على أنه أراد بذلك امرأتي طالق إن شاء الله أن يلزمني الطلاق بقوله امرأتي طالق، وأنا لم أرد بذلك الطلاق، فلم يلزمه الطلاق؛ لأن الطلاق يفتقر عنده إلى لفظ ونية، وفي ذلك اختلاف، وقول مالك هو الصواب؛ لأن الكلام يتضمن إرادته الطلاق.
ألا ترى أنه إذا قال امرأتي طالق إن كان كذا وكذا لما قد كان أن

الطلاق يلزمه بإجماع، ولو تحققنا ما أراده المطلق بمشيئة الله تعالى من هذه الوجوه التي ذكرناها لارتفع الخلاف وحصل الإجماع فهذا وجه القول في هذه المسألة التي يتضح به أمرها، ويقع به الشفاء منها ويرفع الإلباس من كلام من تقدم أو تأخر فيها وبالله التوفيق.

مسألة: استسلف منها دينارا فقالت أدفعه لفلان يدفعه لك ويستحلفك بالطلاق

مسألة وقال في رجل استسلف من امرأة دينارا فقالت أنا أدفعه إلى فلان يدفعه إليك ويستحلفك فيه بالطلاق، فدفعته المرأة إلى فلان الذي سمت فدفعه ذلك الرجل إلى المستسلف واستحلفه بالطلاق ليدفعنه إليه من أجل تسميه له المرأة إلا أن يشاء الرجل المستعان المحلوف له أن يفسح له في الأجل، فغاب المحلوف له فجاء الحالف حين خاف الحنث إلى المرأة فقالت قد فسحت لك في يمينك إن كان ينفعك، ثم إن المحلوف له قدم فقال إني قد كنت أشهدت قبل أن يحل أجل هذا الدينار بيوم أن كل من كان لي قبله يمين في حق فهو في فسحة من يمينه حتى ألقاه، وكانت له أيمان على غير ذلك الرجل.
قال ابن القاسم: إن أقام على ذلك شهيدي عدل أنه أشهدهم أنه قد فسح عن كل من كان له قبله يمين حتى يلقاه قبل أجل هذا الدينار بيوم أو يومين فذلك له مخرج حتى يلقاه، فإذا لقيه فإن فسح له أيضا فهو له مخرج، وإن افترقا بعد أن يلقاه ولم يفسح له ولم يقضه فهو حانث.
وأما تأخير المرأة فليس بتأخير لأن الحق لغيرها وإن كان أصله لها؛ وإن لم يقم الرجل شاهدين على ما ذكر حنث هذا.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة إن الغريم الحالف لا

ينتفع بتأخير المرأة، والحق لغيرها، وإن الحالف لا يبر إلا بتأخير المحلوف له معارض لما في المدونة في الرجل يحلف ليقضين رجلا حقه إلا أن يشاء أن يؤخره فيموت المحلوف له أن للورثة أن يؤخروه إن كانوا كبارا ولا دين عليه، وللوصي إن كانوا صغارا وللغرماء إن كان دينهم لا تسعه ذمة الميت وأبرؤوا الميت لأنه أجاز تأخير الغريم الحالف لكل من يستحق ما عليه بوراثة أو غيرها، فالمرأة في هذه المسألة أحق بتأخير الحالف إذ لم يزل الحق لها، والتوثق باليمين إنما كان لها.
وقد قال مالك في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب النكاح في الرجل يجعل أمر امرأته في يد أبيها إن غاب عنها إلى أجل كذا، فيغيب عنها فيريد الأب أن يفرق بينهما وتحب هي الصبر على زوجها: إنه يجبر على اتباع قولها؛ لأن الحق لها، وإنما جعل بيده توثقه لها.
ووجه قوله إنها لما أمرته أن يستحلفه فكأنها قد فوضت إليه ما كان لها من الحق في ذلك وأنزلته فيه منزلتها لو استحلفته هي والله أعلم.
وقد مضى في رسم حلف ورسم نذر سنة من القول في بقية معناها ما فيه بيان لها، وفي سماع أبي زيد طرف منها وبالله التوفيق.

مسألة: حلف ألا يفعل فعلا فأكره عليه

مسألة وقال في رجل حلف ألا يدخل دارا سماها، فبينما هو على دابته قريب منها وواقف على بابها أقبل شيء نفرت منه دابته فاقتحمت به تلك الدار.
قال ابن القاسم، إن كان يستطيع أن يملك رأسها أو يمسكها أو يثني رجليه فينزل أو يطرح نفسه من غير عنت يصيبه فلم يفعل فقد حنث، وإن كان لا يستطيع شيئا من ذلك فلا حنث عليه.

قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في الذي يحلف ألا يفعل فعلا فأكره عليه أنه لا حنث عليه لأنه مغلوب على الدخول كما لو احتمل فأدخل أو أكره على الدخول بضرب أو عذاب أو ما أشبه ذلك مما يكون به الإكراه إكراها، وهذا ما لا اختلاف فيه، وإن كان إكراها على فعل فلا يدخله من الاختلاف ما ذكرناه في رسم حمل صبيا من الاختلاف في الإكراه على الأفعال؛ لأن هذا إكراه على فعل يقصد إلى اليمين الذي هو قول، فيتفق على أن الإكراه يكون فيه إكراها كما يكون في الأقوال، وقد مضى في رسم العرية من هذا السماع ذكر الاختلاف في الإكراه على ترك الفعل في الأيمان وفي رسم طلق من سماع ابن القاسم ورسم الأقضية الثالث من سماع أشهب ما يقوم مقام الإكراه في ذلك من الغلبة عليه، فليتأمل ذلك كله من أحب الوقوف عليه وفي مواضعه المذكورة وبالله التوفيق.

مسألة: دخلت عليه امرأته فقال هي طالق البتة إن لم أفترعها الليلة

مسألة وقال أتيت بهذه المسألة ونزلت في رجل دخلت عليه امرأته فقال هي طالق البتة إن لم أفترعها الليلة، فوطئها فإذا هي ثيب.
قال لا شيء عليه، إنما أراد وهو يظن أنها عذراء.
قيل أفترى إن كان حين علم أنها ثيب واستقر عنده ذلك ترك وطأها تلك الليلة فلم يطأها، أتطلق عليه؟ قال: نعم.
قال أصبغ: ولو علم قبل الوطء بعد اليمين أنها ثيب فترك وطأها ليلته رأيته حانثا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن يمينه إنما وقعت على الوطء لا على افتراعها من غير وطء، ومعنى ما حلف عليه لأطأنها وطأ أفترعها به، فإذا وطئها الليلة بر وجد لها عذرة أو لم يجد، وإذا لم يطأها الليلة حنث وإن لم تكن لها عذرة.
ولو حلف ليذهبن عذرتها من غير وطء لم يحنث إذا وجدها ثيبا كمسألة الحمامات من كتاب النذور من المدونة وما كان في معناها، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لامرأته وجهي من وجهك حرام

مسألة وقال في رجل يقول لامرأته وجهي من وجهك حرام إنها البتة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة والقول فيها في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب التخيير والتمليك، ومضى في آخر سماع أشهب من هذا الكتاب القول فيما هو في معناها فأغنى ذلك عن إعادته هنا وبالله التوفيق.

###: أتاه غريمه فسأله أن يقضيه فقال امرأته طالق إن قضاه اليوم

ومن كتاب بع ولا نقصان عليك وسئل عن رجل أتى إلى غريم له عليه عشرة دنانير فسأله أن يقضيه، فقال امرأته طالق إن قضاه اليوم شيئا فلظ به صاحب الحق فأتى به الحالف إلى رجل له عليه عشرة دنانير، فقال العشرة دنانير التي لي عليك أقضها فلانا فأحاله عليه ولم يقضه شيئا الذي أحاله عليه ذلك اليوم.
قال هو حانث لأن الحول قضاء قلت: ولا يدين؟، قال: لا يدين.
قلت فلو كان أحاله عليه فقال له في موقفه إني نسيت أن علي يمينا ألا أقضيه اليوم فلا تقضه؟ قال: هو حانث ولا يقال.
قال محمد بن رشد: هذا على ما قال لأن الحول من باب القضاء؛ لأن الغريم إذا تحول إلى ذمة المحال عليه فقد باع ذمة غريمه بذمة الذي أحال عليه، فصار بمنزلة من قبض في حقه قرضا ووجب أن يحنث الحالف بمنزلة من حلف ألا يقضي رجلا حقه فأعطاه به عرضا، وسواء أحاله على دين حال أو مؤجل لا يحل إلا بعد الأجل الذي حلف ألا يقضيه إليه فلا

دليل له.
في قوله: ثم قال في موضعه بعد أن أحاله لا تقضه اليوم، إنه لو قال له ذلك قبل أن يحيله لم يحنث لما ذكرناه من أن الإحالة كيف ما كانت هي من باب القضاء فحنث الحالف ألا يقضي بها.
ولو حلف أن يقضيه لما بر بها.
وقد مضى ذلك في آخر رسم حمل صبيا وبالله التوفيق.

مسألة: يقول قد طلقت امرأتي أو يتكلم بالطلاق وهو لا يريده

مسألة وقال في رجل توسوسه نفسه فيقول قد طلقت امرأتي أو يتكلم بالطلاق وهو لا يريده أو يشككه.
فقال يضرب عن ذلك ويقول للخبيث صدقت ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أن الموسوس لا يلزمه طلاق، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن ذلك إنما هو من الشيطان فينبغي أن يلهى عنه ولا يلتفت إليه كالمستنكح في الوضوء والصلاة، فإنه إذا فعل ذلك أيأس الشيطان منه، فكان ذلك سببا لانقطاعه عنه إن شاء الله.

مسألة: افتقد بضاعة فاتهم امرأته فأنكرت فقال أنت طالق إن كان أخذها غيرك

مسألة وقال في رجل افتقد بضاعة من بيته فاتهم امرأته فقال أين البضاعة؟ فقالت ما أدري، فقال لها أنت طالق إن لم تأتني بها بعينها، ثم وجدها في مكان جعلها فيه.
قال: هي طالق.
ولقد سئل مالك عن رجل افتقد بضاعة من بيته فاتهم امرأته فأنكرت فقال أنت طالق إن كان أخذها غيرك، ثم ذكر أنه نسي الموضع الذي جعلها فيه فوجدها، قال: هو حانث لأنه حين قال أنت طالق إن كان أخذها غيرك إنما

أراد أنها عندك وأنت أخذتها، قال: ولقد كان بيني وبين ابن دينار كلام، وكان يرى أنه لا حنث عليه لأنه إنما قال إن كان أخذها غيرك فلم تأخذها هي ولا غيرها، قال فدخلنا على مالك فقال: قد حنث.
قال محمد بن رشد: يجب في مسألة البضاعة قياس المسألة التي ساق عليها أن لو أتت بالبضاعة من الموضع الذي رفعها هو فيه أن يحنث؛ لأنه عقد يمينه على أنها أخذتها، وكأنه حلف إنما أخذتها وكأنه حلف إن ما أخذها غيرها كما في المسألة التي ساق عليها، فحمل ابن القاسم يمينه على المراد دون اللفظ كما يفعل في أكثر المسائل، وحنثه إذ لم يراع المقصد خلاف قول ابن دينار.
وقد مضى من قول ابن القاسم في رسم طلق من سماع ابن القاسم في مسألة السوط مثل قول ابن دينار هذا، وقد مضى القول على ذلك كله هناك مستوفى فمن أحب الوقوف عليه تأمله فيه وبالله التوفيق.

مسألة: غراب طائر فقال امرأته طالق البتة إن لم يكن هذا الغراب ذكرا

مسألة وقال في رجل قال في غراب طائر امرأته طالق البتة إن لم يكن هذا الغراب ذكرا فذهب الغراب عنهم.
قال: إن زعم أنه قد عرف الذكر نوي ولا شيء عليه، وإن قال إنما قلته هكذا ولا أدري، حنث.
قال محمد بن رشد: روي عن سحنون أنه قال: لا موضع للنية هاهنا، إنما هو رجل حلف على ما أيقن فهو مصدق، ويريد سحنون أنه مصدق دون يمين، فكأنه تأول على ابن القاسم أنه أراد بقوله نوي ولا شيء عليه أي نوي مع يمينه وإلا طلق عليه، وهذا الاختلاف إنما يتجه إذا

طولب باليمين وهو مقر بها أو مشهود عليه بها، وأما إن أتى مستفتيا غير مطلوب فلا يمين عليه بحال إذا زعم أنه علم أنه ذكر، وإن قال حلفت ولم أتحقق ذلك حنث ووجب عليه الطلاق، ولا اختلاف في هذا.
وقد مضى في رسم يوصي ما يوضح هذا ويبينه وبالله التوفيق.

مسألة: قال امرأته طالق إن لم يتزوج امرأة يمسكها سنة

ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة قال: وقال مالك: إذا قال الرجل امرأته طالق إن لم يتزوج امرأة يمسكها سنة فتزوج امرأة فأمسكها أحد عشر شهرا، ثم ماتت قال: يتزوج امرأة ويحبسها سنة مبتدأة، وسئل عنها سحنون فقال: لا يلزمه أن يحبسها إلا ما بقي من تمام السنة.
قال محمد بن رشد: حمل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - يمين الحالف في هذه المسألة على ما يقتضيها لفظه فيها فلم ير أن يبر إلا بأن يمسك على امرأته سنة كاملة امرأة واحدة، وحمل سحنون يمينه على [المعنى] وهو أنه قصد التضييق عليها بحبس امرأة معها سنة كاملة، فلا فرق في معنى التضييق عليها بذلك بين أن تكون امرأة واحدة أو امرأتين، بل ربما كان [أشد] في التضييق على امرأته بالمرأتين لما يكره النساء من ذلك، وما ذهب إليه مالك من الاعتبار في هذه المسألة بمقتضى اللفظ وترك مراعاة المعنى أظهر لأنه أحوط وأبرأ من الحنث وبالله التوفيق.

مسألة: قال لامرأته أنت طالق إن لم أتزوج عليك إلى سنة فتزوج قبل تمامها

مسألة قال عيسى: وسئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم

أتزوج عليك إلى سنة فتزوج قبل تمام السنة فماتت قبل أن يدخل بها.
قال: إن ماتت قبل السنة ولم يدخل بها فليتزوج أخرى قبل السنة وليدخل بها، وإن مضت السنة ولم يدخل بالمرأة كانت التي تزوج حية أو ميتة فهو حانث ولا يبر إلا بالمسيس، ولو تزوج امرأة قبل السنة فمسها ثم ماتت قبل السنة كان قد بر في يمينه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وأن الحنث يقع بأقل الوجوه، فمن حلف ليتزوجن على امرأته أو ليتزوجن عليها إلى أجل كذا لا يبر إلا بأكمل الوجوه وهو الدخول، ومن حلف ألا يتزوج على امرأته أولا يتزوج عليها إلى أجل كذا يحنث بالعقد وإن لم يدخل، وقد مضى في رسم العرية الفرق بين الموضعين وهو أن الرجل أملك لترك الفعل منه لفعله فإذا حلف الرجل أن يفعل فعلا حنث بترك ما يترك منه، وإذا حلف ألا يفعل فعلا حنث بفعل ما يفعل منه إذ لم يتركه فالحالف ألا يتزوج حالف ألا يتزوج ولا يدخل، فإن تزوج ولم يدخل حنث إذ لم يترك ذلك، والحالف أن يتزوج حالف أن يتزوج وأن يدخل فإن تزوج ولم يدخل لحنث، إذ ترك ذلك إلا أن يكون موضع البر لم يفته بعد، فيبر بالدخول، وعلى هذا فقس ما ورد عليك من هذا الباب، ولهذا المعنى كان ما حرمه الله بالنكاح كزوجة الأب على الابن وزوجة الابن على الأب تحرم بالعقد، وما أحله به كالمطلقة ثلاثا لا تحل إلا بالدخول وبالله التوفيق.

مسألة: رجل كان له ربيب يأتي إلى بيته بخبز فقال له رابه أمك طالق إن أنت جئت إلي بيتي بخبز

مسألة وعن رجل كان له ربيب يأتي إلى بيته بخبز فقال له رابه: أمك طالق إن أنت جئت إلي بيتي بخبز ووجدته لأطرحنه في الخربة، فدخل عليه الغلام وهو جالس ومعه خبز فوضعه على

سريره وهو ينظر، فسخبت له أمه فخرج بالخبز.
قال إن كان يقدر أن يأخذ الخبز فتوانى فأراه حانثا، وإن كان فاته هربا ولو أراد أخذه لم يقدر عليه فلا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم لا اختلاف في أن من حلف ألا يفعل فعلا فلم يمكنه فعله حتى فات فواتا لا يمكنه البر فيه بعدم الإمكان فلا حنث عليه كمسألة الحمامات من نذور المدونة، ومن حلف ليضربن عبده فمات قبل أن يمكنه أن يضربه، وما أشبه ذلك، وإنما اختلف إذا لم يمكنه الفعل لمنع المشرع منه، وقد مضى هذا المعنى مشروحا مبينا في رسم طلق من سماع ابن القاسم وفي غيره من المواضع، ومعنى سخبت به أمه صاحت؛ لأن السخب ارتفاع الأصوات وهو يكتب بالصاد والسين، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف سيد الجارية بطلاق امرأته البتة إن لم يبعها إياه بمائة دينار قائمة

مسألة وكتب إلى ابن القاسم وسئل عن رجل كان قاعدا هو ورجل آخر حتى أقبلت جارية للرجل فقال له عبد الله وهو الجالس مع صاحب الجارية هذه جاريتك؟ قال: نعم، قال أتبيعنيها بمائة دينار؟ فقال الرجل سيد الجارية: أتأخذها بمائة دينار؟ قال عبد الله نعم أنا آخذها بمائة دينار، فقال الرجل سيد الجارية يمينك في يميني أن تأخذها بمائة دينار، قال عبد الله: نعم، فحلف سيد الجارية بطلاق امرأته البتة إن لم يبعها إياه بمائة دينار قائمة، فنهض عبد الله وفارق سيد الجارية فغاب عنه قدر أربعة أيام، ثم قدم على صاحب الجارية فأرسل إليه رجالا يسألونه أن يأخذها بمائة دينار ثم يقيله منها، فقال لهم سيد الجارية إن كان هذا الأمر لا يدخل علي ولا على صاحبي أمرا أكرهه فأنا فاعل، وكان من قول الرجلين اللذين أتيا سيد الجارية إن عبد الله يكسو الجارية

بدينارين ويقيله منها، فقال لهم سيد الجارية: نعم أنا فاعل إن كان هذا الأمر لا يدخل علي فيه مكروه، فدفعوا إلى سيد الجارية الدينارين ثم ذهبوا فأتوا بعبد الله ومعه مائة دينار، فقال له خذ ثمن جاريتك، فقال له سيد الجارية (دنانيرك قائمة قال له عبد الله: نعم فعد له مائة دينار حتى صارت في يدي صاحب الجارية فطلب إلى سيد الجارية) النفر الذين جاؤوا معه فرد الرجل المال إلى عبد الله مكانه ثم مر بذلك أيام فأخذ سيد الجارية الدينارين اللذين دفعهما إليه فوزنهما فإذا هما ناقصان، فأتى بهما إلى الرجلين اللذين طلبا لعبد الله، فقال: إن هذين الدينارين ناقصان، فقالوا له: هما بوزن المائة التي دفعت إليك، فقال الرجل كيف يقول عبد الله إنها قائمة كلها، وإنما خشي الرجل أن يكون دخل عليه بذلك في يمينه شيء لأنه يرى أن قبضه تلك المائة هو حقه ومبايعته صحيحة، فأحببنا علم رأيك.
فقال ابن القاسم: قد فهمت كتابك.
أما البائع فليس عليه من الحنث قليل ولا كثير، باعها بالثمن أو بأقل إذا أمكن المشتري من الجارية بالمائة التي حلف عليها ولم يحلف على ألا ينقصه إنما حلف على أن يعطيها إياه بمائة دينار، ولو أعطاه إياها بتسعين دينارا ما كان حانثا، وإنما يحنث لو لم يبعها إياه بالمائة ولم يمكنه منها حتى تزداد على المائة، ولم يحلف على ألا ينقصه من المائة، إنما حلف أن يمكنه منها بمائة، وإنما الحنث على المشتري فيما دخل فيه وأرى الحنث قد لزمه، والبائع فلا حنث عليه.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
مسألة: قال لامرأته إن خرجت إلى بيت فلان إلا بإذني فأنت طالقمسألة: حلف بالطلاق ألا يكسوه فاشترى له سلعة وقال بعها ولك فضلهامسألة: ذكر له غريمه فقال امرأته طالق إن لقيته إن فارقته حتى يحكم الله بيننامسألة: ساومه رجل بسلعة فقال امرأته طالق إن باعها منه ثم ساومه بها آخرمسألة: حلف في سلعة له ألا يبيعها فيبيعها على أنه بالخيار فيهامسألة: قال امرأته طالق البتة أو غلامه حر إن كان الذي في كمه دنانيرمسألة: قال يزيد أو محمد حران إن لم أفعل كذا وكذا فمات قبل أن يفعلهمسألة: يقول آخر امرأة أتزوجها فهي طالقمسألة: يقول لامرأته إن كلمتني حتى تقولي إني أحبك فأنت طالقمسألة: قال إن ماتت امرأتي إن تزوجت حتى أحج أو أغزو فالتي أتزوج طالقمسألة: حلف بعتق أو طلاق امرأته ليعتمرن في شوال فلما دخل شوال اعتمرمسألة: قيل لأحدهما صالح صاحبك فحلف بالطلاق أنه لا يصالحهمسألة: يقول لامرأته أنت طالق البتة إن لم تدفعي إلي مائة دينارمسألة: يطلق امرأته واحدة ثم قيل له ارتجع امرأتك فقال إن ارتجعتها فهي طالقمسألة: حلف بطلاقها ألا يأخذ شيئا من مالها إلا بإذنها فأذنت ثم رجعت في الإذنمسألة: قال إن مات ابني وليست لك قبلي تباعة من هذا الدين فأنت طالقمسألة: عبد حلف لغريم له بطلاق امرأته أن يدفع إليه أول دينار يدخل عليه فباعه سيدهمسألة: الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لكل واحدة منهما إذا طلقتك ففلانة طالقمسألة: قال لامرأته انتقلي معي فأبت فقال أنت طالق إن لم تنتقلي معي ثم بدا له ألا ينتقلمسألة: قال للتي قد دخل بها شأنك بأهلك أو شأنكم بها فهي البتةمسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شاء فلانمسألة: يحلف على الشيء بطلاق امرأته ولا يدري أعلى حق حلف أم على باطلمسألة: الرجل يكون تحته امرأتان فيقول لإحداهما إن لم أتزوج عليك فأنت طالقمسألة: يحلف ألا يساكن رجلا هل يأتيه زائرا فيقيم عنده الأيام واللياليمسألة: قال إن وطئت فلانة لجارية لغيره أبدا فهي حرة فملكها فوطئهامسألة: حلف لامرأته بطلاق كل امرأة يتزوجها عليه البتةمسألة: حلف بالطلاق إن فلانا يتعرض لجارية فلانمسألة: قال أنت طالق إن شاء اللهمسألة: استسلف منها دينارا فقالت أدفعه لفلان يدفعه لك ويستحلفك بالطلاقمسألة: حلف ألا يفعل فعلا فأكره عليهمسألة: دخلت عليه امرأته فقال هي طالق البتة إن لم أفترعها الليلةمسألة: يقول لامرأته وجهي من وجهك حراممسألة: يقول قد طلقت امرأتي أو يتكلم بالطلاق وهو لا يريدهمسألة: افتقد بضاعة فاتهم امرأته فأنكرت فقال أنت طالق إن كان أخذها غيركمسألة: غراب طائر فقال امرأته طالق البتة إن لم يكن هذا الغراب ذكرامسألة: قال امرأته طالق إن لم يتزوج امرأة يمسكها سنةمسألة: قال لامرأته أنت طالق إن لم أتزوج عليك إلى سنة فتزوج قبل تمامهامسألة: رجل كان له ربيب يأتي إلى بيته بخبز فقال له رابه أمك طالق إن أنت جئت إلي بيتي بخبزمسألة: حلف سيد الجارية بطلاق امرأته البتة إن لم يبعها إياه بمائة دينار قائمة
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل