البيان والتحصيلصفحات 451-490
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 451-490
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يسيرة لا يستبرأ في مثلها السبعة الأيام ونحوها- على ما ذكره، وقد مضى توجيه قوله في إيجاب اليمين عليه فيما ادعاه من نيته، وأما إذا باعها لوقت يمكن فيه استبراؤها فيطول ذلك بها، فتقبل منه نيته دون يمين، وإذا حلف وبينه وبين الأجل من المدة ما يستبرأ فيه فترك بيعها- إلى أخر الوقت فطلب منه الاستبراء، فلا يصدق أنه أراد ذلك؛ لأنه أمر أدخله على نفسه، فوجه يصدق فيه مع يمينه، ووجه يصدق فيه دون يمين، ووجه لا يصدق فيه، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

: امرأة وقع لها على جاريتها شيء فقالت كل مملوك لي حر إن عفوت عنك

ومن كتاب العتق وسئل مالك: عن امرأة وقع لها على جاريتها شيء، فقالت: كل مملوك لي حر- إن عفوت عنك، إلا أن يعفو عنك السلطان، فأرادت بيع رقيقها وتعفو عنه، ولا تبلغ به السلطان، فقال: ليس لها أن تبيع رقيقها في هذا الموضع، إنما حلفت لتبلغن به السلطان فلا أرى بيع رقيقها في هذا الموضع، قال أشهب: وإنما فرق بين الذي يقول كل مملوك لي حر إن ضربتك، وبين الذي يقول: إن عفوت عنك؛ لأن الذي يقول: إن ضربتك فهو على البر- أبدا حتى يضربه؛ لأنه تارك للضرب، فهذا يجوز له بيع رقيقه، وأن الذي يقول: إن عفوت عنك هو على الحنث أبدا حتى يأخذ الغير؛ لأنه تارك لأخذ الغير بأخذه، وذلك أن الذي يقول: إن عفوت عنك هو إن لم أضربك.
قال محمد بن رشد: حمل مالك وأشهب في هذه الرواية يمين

الحالف على المعنى الذي ظهر من قصدها، لا على لفظها؛ لأنها أرادت بقولها: إن عفوت عنك إن لم أرفع أمرك إلى السلطان فيأخذ لي بحقي منك على ما ظهر من قصدها، وهذا يتخرج على قولين؛ لأن المعنى الذي صرف يمينها إليه مظنون ليس بمعلوم- حسبما بيناه في رسم جاع من سماع عيسى من كتاب النذور، ففرق بين يمينها ألا تعفو عنه، ويمينها ألا تضربه، بأن جعل يمينها على ألا تعفو عنه على الحنث؛ لأن المعنى فيه عنده لتضربنه، ومن حلف بعتق عبده ليفعلن فعلا لا يجوز له أن يبيعه حتى يفعل ذلك الفعل، فإن مات قبل أن يفعل عتق في ثلثه، بخلاف من حلف ألا يفعل فعلا، هذا يجوز له أن يبيعه؛ لأنه على بر، فإن باعه لم يكن عليه شيء، فإن اشتراه بعد ذلك، رجعت عليه اليمين؛ لأنه يتهم أنه باع على أن يشتريه منه بشرط لتنحل عنه اليمين، فقد قيل: إنه إذا اشتراه من غير الذي باعه منه، لم ترجع عليه اليمين، وقيل: إنه إذا بيع عليه في الدين، أو اشتراه ممن بيع عليه في الدين، أن اليمين لا ترجع عليه، وهو قول أشهب، ومذهب ابن القاسم أن اليمين ترجع عليه إلا أن يعود (إليه) بميراث؛ لأن التهمة في الميراث مرتفعة على كل حال، وقول أشهب حتى يأخذ الغير، معناه حتى يأخذ جزاء الجناية عليه؛ لأن الغير القود، قال ذلك ابن لبابة، واستدل على ذلك بقول الشاعر: هلا سكتم فتخفي بعض سوءتكم ... إذ لا يغير في قتلاكم غير وقال الكسائي: الغير الدية، وجمعه أغيار.
وقال أبو عمرو:

الغير جمع الدية وواحده غيرة، وقال أبو عبيد: إنما سميت الدية غيرا؛ لأن القتل وجب فغير بأخذ الدية، وبالله التوفيق.

: يحلف بالعتق في غلام له ألا يحله من الحديد

ومن كتاب الأقضية الثالث وقال مالك: ما تقولون في رجل يحلف بالعتق في غلام له ألا يحله من الحديد، ولا يدخل المدينة سنة محددة ونحاه عن المدينة حتى مات على ذلك ولم تمض السنة، فأراد الورثة أن يحلوه من الحديد ويدخلوه المدينة قبل أن تتم السنة، فقال له ابن كنانة: أما هو فقد مات على البر (ولم يحلف ليجرده سنة- عاش أو مات فقد مات على البر) وصار لغيره، فليس عليهم أن يعفوا عن هذا العبد حتى تمضي السنة، فلا يباع، فيقضي دين الميت إن كان عليه دين، أو يقسم على أهل الميراث من ورثته؛ لأنه مات على البر، قال مالك: إنما يخاف على الورثة أن يكونوا في ذلك بمنزلة الميت، أرأيت إن قال: هو حر إن لم أضربه فمات قبل أن يضربه، فقال له ابن كنانة: إن هذا ليس مثله، هذا قد مات حانثا إذ مات قبل أن يضربه، ولو أراد الورثة أن يضربوه بعد الموت، لم يخرجه ذلك عن الحنث، فكما كانوا لا يقدرون على إخراجه في هذا من الحنث؛ لأنه مات على الحنث، فكذلك لا يقدرون على إحناثه بعد موته في هذا الآخر؛ لأنه مات على البر، قال مالك:

أرأيت لو أنه حين مات أمر بضربه؟ فقال (له ابن كنانة: هذا له شيء، أخر فقيل له: لعلك قد قلت فيهما شيئا؟ قال: لا بعد، قال أشهب:) القول قول ابن كنانة في الوجهين جميعا.
قال محمد بن رشد: لا إشكال في أن الذي حلف ألا يحل غلامه من الحديد ولا يدخله المدينة سنة، لا حنث عليه إذا مات قبل السنة؛ لأنه مات على البر، إذ لا يحنث إلا بحله من الحديد قبل السنة، ولا شيء على الورثة في حله من الحديد قبل تمام السنة على ما قاله ابن كنانة، ولم يعترض مالك عليه فيما اعترض عليه به وهو يعتقد خلاف قوله، وإنما أراد بذلك اختبار معرفته، والوقوف على صحة نظره، والله أعلم، وليس في قول ابن كنانة ولم يحلف ليجرده سنة- عاش أو مات، دليل على أنه لو حلف على ذلك لحل الورثة محله، لحنثوا ولزمهم عتقه إن حلوه قبل السنة، إذ لم يرد ذلك، وإنما أراد أنه لو حلف على ذلك، لكانت وصيته له بالعتق على شرط أن يحلوه من الحديد قبل تمام السنة، فإن حلوه منه قبل تمام السنة، خرج حرا من ثلث مال الميت، وهو الذي نحا إليه مالك بقوله: أرأيت لو أنه حين مات أمر بضربه؟ فقال له ابن كنانة: هذا له شأن أخر يريد أنه إن أوصى بذلك، كانت وصية للعبد بالعتق إن حلوه من الحديد قبل تمام السنة، فهذا معنى ما ذهب إليه مالك وابن كنانة، ووجه قولهما فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: يغيب إلى المدينة فيموت بها أيقسم ورثته بمصر ماله إذ علموا موته

مسألة وسئل: عن الرجل من أهل مصر يغيب إلى المدينة فيموت بها، أيقسم ورثته بمصر ماله إذ علموا موته، أم يؤخرون ذلك حتى يعلموا أتزوج في غيبته أم لا قال: إن شك في أمره لم يقتسم

ورثته ميراثهم حتى يعلموا ذلك، وإن استوقن ولم يشك فيه، قسم ماله بين ورثته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: أنه إن شك في أمره لم يقتسم ميراثه حتى يبحث عن حقيقة ذلك، ويرتفع الشك فيه، وإن لم يشك فيه، قسم ميراثه، فهو محمول على أنه لم يتزوج في غيبته حتى يعلم أنه قد تزوج فيها، فيؤخر قسم الميراث حتى تحضر أو توكل أو يقسم لها القاضي ويوقف لها حظها، أو يشك في ذلك، فيؤخر القسمة حتى يبحث عن الحقيقة في ذلك، وبالله التوفيق.

: وقف على سبيل فحلف بعتق ما يملك إن شرب منه

ومن الأقضية قال: وسئل عن رجل وقف على سبيل فحلف بعتق ما يملك إن شرب منه (قطرة فأراد أن ينصرف، فدفعه إنسان فيه، فشك أن يكون قد دخل بطنه منه شيء) ، فقال: هو أعلم أدخل بطنه أم لا؟ قال محمد بن رشد: قوله: هو أعلم إن كان دخل حلقه أم لا، يدل على أنه حانث إن هو علم أنه دخل حلقه- وإن كان لم يشرب إلا مكرها بغير اختياره، فهذه الرواية مخالفة للمعلوم في المذهب المنصوص عليه فيه من أن من حلف ألا يفعل فعلا فأكره على فعله لا يحنث، إذ لا فرق إذا حلف ألا يشرب من السبيل بين أن يكره على الشرب منه بالضرب أو التهديد أو يصب

الماء في حلقه، أو يلقى في النهر فيمضي من الماء إلى جوفه، فعلى هذه الرواية لا ينتفع الحالف على ترك الفعل بالإكراه على الفعل إلا أن ينوي ذلك، كالحالف على الفعل يكره على الترك ويحال بينه وبينة، فمن قولهم: أنه لا ينتفع بذلك إلا أن ينوي، إلا أن أمنع أو أغلب، وقد مضى في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق- وجه الفرق عندهم بين الوجهين، والقياس ألا فرق بين الإكراه على الفعل والترك، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا ينتفع الحالف بالإكراه على الفعل إذا حلف على ألا يفعل، ولا على الترك إذا حلف أن يفعل، إلا أن ينوي ذلك بقلبه، أو يقوله بلفظه، وهو قوله في هذه الرواية، والقول الثاني وهو المشهور المعلوم في المذهب: أنه ينتفع بالإكراه على الفعل وإن لم تكن له نية، ولا ينتفع بالإكراه على الترك إلا أن تكون له نية، وقد مضى الفرق بينهما في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وفي غير ما موضع منه، والقول الثالث: أنه ينتفع بالإكراه في الوجهين جميعا وإن لم تكن له نية وهو القياس، إذ لا فرق فيه بين الإكراه على الفعل وعلى الترك، وبالله التوفيق.

مسألة: جاء إلى امرأته بجاريتها يشفع لها فلما رأتها معه قالت أنت حرة

مسألة وسئل: عن رجل جاء إلى امرأته بجاريتها يشفع لها، فلما رأتها معه، قالت: أنت حرة إن نفعك ممشاه، ولأجلدنك مائة، فجلدتها مائة، فولى الرجل مغضبا فقال: هي حرة من مالي إن دخلت عليك شهرا (فقالت المرأة: هي حرة إن كلمتك شهرا ثم شهرا، ثم ندمت فأرادت أن تهبها له هبة لا ترجع فيها ولا تعود إليها، قال: لا والله ما أرى ذلك، هي إنما تهبها له تفر من يمينها، فلا أرى ذلك، ثم أتى من الغد فقيل له: إن امرأة حلفت بحرية جاريتها- أما كلمت ابنها شهرا) ثم ندمت، ألها مخرج تهب الجارية لابنها وتكلمه فقال: لا، ما أرى ذلك، ولكن شهر قريب، وأرى أن ينتقل عنها وتكف عن كلامه هذا الشهر، ولا تدخل فيما لا ينبغي لها ولا يصلح.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير مالك للتي حلفت بحرية جاريتها ألا تكلم زوجها شهرا- أن تهب له الجارية وتكلمه، ولا للتي حلفت بحرية جاريتها ألا تكلم ابنها شهرا أن تهب له الجارية وتكلمه مخافة الدلسة في ذلك، بأن ترد الجارية إليها بعد انقضاء الشهر، ولو صحت الهبة في ذلك، لم تحنث بتكليمه بعد ذلك، كما لو باعتها من غيره، أو وهبتها لسواه ثم كلمته، لم يكن عليه شيء؛ لأنها يمين هي فيها على بر، فلا تمنع من بيعها ولا من هبتها باتفاق، وقد مضى ذلك في رسم العتق، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة كلاما لا يصح، فلم أر لذكره وجها، وبالله التوفيق.

مسألة: يموت زوجها وهي حامل ألها أن تتعجل ثمنها

مسألة وسئل مالك: عن امرأة يموت زوجها- وهي حامل، ألها أن تتعجل ثمنها؟ قال: لا، حتى تضع حملها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا يعجل الثمن، وإن كان هو الواجب لها- وإن انفش الحمل، قال مالك في المبسوطة: فإن جهلوا ذلك فأعطوها ميراثها تم تلف المال بعد ذلك أو هلك، أو نقص، لم أر أن يرجعوا عليها بشيء مما أعطوها، قال ابن القاسم - مفسرا- لقول مالك: أما من قاسمها فلا يرجع عليها بشيء، وأما الحمل فإنه يرجع على من كان من الورثة

مليئا فيقاسمهم ما في أيديهم ويتبع هو وهم- المعدمين؛ لأنهم فعلوا ما لا يجوز لهم، بخلاف الوارث يطرأ على الورثة بعد أن اقتسموا؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم، ولو أعطاها الورثة والناظر للحمل ثمنها، أو صالحوها عليه، لجاز ذلك ولم يكن للورثة ولا للحمل رجوع عليها بما تلف من المال أو هلك أو نقص، وقد مضى بيان هذا في رسم مرض وله أم ولد من سماع ابن القاسم من كتاب الدعوى والصلح، وبالله التوفيق.

: عتق شركا له في عبد فلما أريد أن يقوم عليه قال إنه سارق آبق

ومن كتاب العتق قال: وسمعته يسأل عمن عتق شركا له في عبد، فلما أريد أن يقوم عليه، قال: إنه سارق آبق- وشريكي يعلم ذلك، فاستحلفوه، قال: ليس ذلك على شريكه، ولكن يسأل شريكه عما ذكر، فإن أقر له بذلك فذلك، وإن أنكر، لم يكن عليه يمين، ويقوم على المعتق صحيحا سليما.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه أنه يقوم سليما لا عيب فيه ولا يحلف بدعواه، إلا أن يقيم شاهدا، قال أصبغ: ثم رجع فقال: بل يحلف وبه آخذ، قال القاضي: ولا وجه لإسقاط اليمين عنه إذا حقق عليه الدعوى، إلا أنه لم يجعل شركتهما في العبد خلطة- وعليه اليمين، وقال محمد بن عبد الحكم: عليه اليمين وأي خلطة أبين من هذا؟ وأما إذا لم يحقق عليه الدعوى، فينبغي أن يختلف في إيجاب اليمين عليه على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإن أقام شاهدا واحدا حلف مع شاهده، وكذلك قال أشهب: إنه إن أقام شاهدا واحدا حلف

معه، وإن نكل حلف، وقول أشهب هو الصواب، وستأتي المسألة متكررة في أول سماع أبي زيد بعد هذا، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد بين الرجلين فيعتق أحدهما حصته منه فلا يقوم عليه حتى يموت

مسألة وسألته: عن العبد بين الرجلين فيعتق أحدهما حصته منه فلا يقوم عليه حتى يموت، أيقوم عليه في ماله بعد موته؟ فقال: إن كان موته بحداثة العتق لم يطل ذلك ولم يؤخر حتى طال ذلك، رأيت أن يقوم عليه كله في ماله فيعتق عليه كله من رأس ماله لا يكون في الثلث يعتق عليه إذا كان ذلك من موته بحداثة عتقه، لم يطل ذلك ويؤخر.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن المواز في كتابه عن مالك من رواية أشهب عنه، وهو خلاف معتق بعض عبده ذلك لا تتم باقيه- وإن مات بحدثانه، وهذا حق قد ثبت عليه لشريك ولم يفرط، قال: فإن طال ذلك لم يقوم قي الثلث ولا في رأس مال، وروى مطرف عن مالك في الواضحة مثل رواية أشهب، وشبيهها بالمتمتع بالعمرة إلى الحج يموت ولم يهد، فإن لم يفرط أهدي عليه من رأس المال، قاله ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وتحصيل هذه المسألة أن تقول فيها: اختلف في الرجل يعتق شقصا من عبده، أو من عبد بينه وبين شريكه في صحته، ثم مرض قبل أن يعتق عليه بقية عبده، أو قبل أن يقوم عليه حظ شريكه، فعثر على ذلك في مرضه- على ثلاثة أقوال؛ أحدها: قول ابن القاسم

في المدونة أنه يعتق عليه بقية عبده ويقوم عليه حظ شريكه في الثلث، قيل: بعد الموت لا في المرض، وقيل: بل يحكم بالتقويم في المرض ولا يقوم حتى يموت، فإن مات أعتق في ثلثه ما بقي من نصيبه، أو ما حمل الثلث منه، وقوم فيه حظ شريكه، أو ما حمل من الثلث منه أيضا، وهو قول أصبغ، والنظر يوجب ألا يعجل تقويم نصيب الشريك في المرض إلا برضاه، إذ لا يدري هل يخرج من الثلث أم لا؟ فمن حجته ألا يقوم نصيبه إلا إلى عتق متيقن، وقيل: إنه يقوم في المرض ولا ينفذ عتقه حتى يموت، فان مات جعلت تلك القيمة في ثلثه، فإن لم يحملها الثلث، نفذ من ذلك ما حمل الثلث، وما لم يحمل الثلث، بقي رقيقا للورثة، أو الشريك الذي لم يعتق، والثاني: قول بعض الرواة في المدونة أنه لا يعتق عليه في الثلث بقية عبده، ولا يقوم عليه حظ شريكه على ما ذكرناه من الاختلاف في تعجيل التقويم أو تأخيره، ولا يعتق عليه فيه بقية عبده، واتفقوا فيما علمت أنه إن لم يعثر على ذلك حتى مات، أنه لا يعتق عليه بعد الموت بقية نصيبه، ولا يقوم عليه حظ شريكه، لا من رأس المال ولا من الثلث فيه حظ شريكه.
والثالث: قول ابن الماجشون في الواضحة إنه يقوم عليه في الثلث- وهو ظاهر ما في المدونة.
والثاني: أنه يقوم عليه بعد الموت حظ شريكه إن كان موته بحدثان عتق نصيبه، وهذا إذا طال ذلك، واختلف- إذا لم يطل- على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يعتق عليه أيضا بعد الموت بقية نصيبه ولا يقوم عليه حظ شريكه لا من رأس المال ولا من الثلث؛ لأن ذلك حق قد وجب لشريكه ولا يعتق عليه بقية نصيبه إن كان العبد كله له، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتبية، ورواية مطرف، وابن الماجشون عنه في الواضحة.
والثالث: أنه يعتق عليه بعد الموت بقية نصيبه، ويقوم عليه نصيب شريكه إن غامصه الموت، وأما التفليس فلا

خلاف في أنه يسقط التقويم والتتميم، وأما إن أعتق الرجل شقصا من عبده، أومن عبد بينه وبين شريكه في المرض، فلا خلاف بينهم في أن ذلك كله يكون من الثلث ما أعتق منه، وما بقي إن مات من ذلك المرض ولم يصح منه، واختلف في تعجيل التقويم في المرض على قولين؛ أحدهما: أنه لا يعجل التقويم ولا ينظر في ذلك إلا بعد الموت- وهو المنصوص في المدونة.
والثاني: أنه يعجل التقويم في المرض وهو قول قائم من المدونة، وإذا عجل التقويم فيه على هذا القول لم ينفذ العتق حتى يصح أو يموت، فإن صح نفذ ذلك كله من رأس المال، وإن مات جعلت تلك القيمة في الثلث، فنفذ ذلك كله من رأس المال، وإن مات جعلت تلك القيمة في الثلث، فنفذ فيه ما حمل منها وكان الباقي رقيقا للورثة وللشريك وسواه، كان له مال، أو لم يكن، وقد قيل: إن هذا إنما يكون إذا لم يكن له مال مأمون، وأما إن كان له مال مأمون فيعتق عليه في المرض جميعه- إن كان له، ويقوم عليه فيه حظ شريكه- إن كان له فيه شريك، وهو أحد قولي مالك في المدونة، وذهب ابن الماجشون إلى أنه إذا عتق شقصا له من عبد في مرضه، لم يقوم عليه حظ شريكه في المرض، ولا بعد الموت- إن مات من مرضه ذلك ولم يصح، بخلاف إذا كان العبد كله له فأعتق بعضه في مرضه، وبالله التوفيق.

مسألة: توفي وأوصى في عبد بينه وبين أخر أن مصابتي منه حر

مسألة قال: وسمعته سأل عمن توفي وأوصى في عبد بينه وبين أخر: أن مصابتي منه حر، وأن يعتق عليه مصابة شريكه، فأبى ذلك شريكه، أترى أن تقوم عليه حصة شريكه، أو يعتق نصيبه وحده؟ فقال: نعم يعتق عليه كله بالقيمة.

قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه لا ينفذ وصيته بعتق مصابة شريكه، ولا يقوم عليه إلا برضاه، روي عن سحنون أنه قال: رأيت فيه رواية لابن وهب عن مالك وهي هل أن شريكه إن أبى لا يستتم نصيب شريكه ويعتق نصيبه وحده؟ قال أبو إسحاق التونسي: والأشبه ما روى ابن وهب، ولا أدري من أين أنكرها سحنون - وهو كما قال أبو إسحاق؛ لأن القياس كان إذا أوصى بعتق حظه من العبد أن يقوم عليه بقيته في ثلثه، وإن لم يوص بذلك كما يقوم عليه حظ شريكه في ثلث إذا أعتق نصيبه منه في مرضه، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن يقوم عليه في ثلث نصيب شريكه وإن لم يوص بذلك، وهو القياس على قول مالك في الذي يعتق حظه من العبد أن يقوم عليه بقيته في مرضه.
والثاني: أنه لا يقوم عليه، وإن أوصى بذلك، إلا أن يشاء الشريك وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، وهذان القولان جاريان على قياس.
والثالث: أنه لا يقوم عليه إلا أن يوصي بذلك وهو قول مالك في هذه الرواية استحسانا، وبالله التوفيق.

مسألة: جارية بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منها فلم يقوم عليه حتى ولدت أولادا

مسألة قال: وسمعته يسأل عن جارية بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منها فلم يقوم عليه حتى ولدت أولادا، أتقوم عليه هي وولدها؟ قال: نعم يقومون عليه جميعا، ويعتقون عليه هم وأمهم- إن كان له مال، ورواها ابن القاسم عن مالك في كتاب طلق بن حبيب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن ولدها بمنزلتها فكما يعتق عليه مصابته من ولدها، فكذلك يقوم عليه مصابة شريكه من ولدها، كما يقوم عليه مصابته منها، وبالله التوفيق.

مسألة: جارية بين أيتام يليهم رجل وبين أمهم لهم ثلاثة أرباعها ولأمهم ربعها

مسألة قال: وسمعته يسأل عن جارية بين أيتام يليهم رجل وبين أمهم لهم، ثلاثة أرباعها ولأمهم ربعها، فولدت الجارية غلاما فأرسلت الأم إلى والي الأيتام: إني أريد عتق هذا الصبي، فبادر إليه ولي الأيتام فأعتقه، فلما علمت بذلك أمهم خافت أن يقوم عليه مصابتها فعهدت إلى ربعها فأعتقته وقيمته يوم أعتقته سبعة دنانير، ثم قيمة اليوم مائة دينار، فهل ترى لوليها عتق غلامنا وبأي قيمة يقوم عليه إن جاز عتقه، وأرأيت إن لم يجز عتقه أيخاف أن يقوم على أمنا كله؟ فقال: إن رد عتقه قوم على أمكم كله ولكن لم يرد عتقه، وقد أعتق وهو يغرم قيمته، فقيل له: أفرأيت إن رد أيقوم عليها كله؟ فقال: نعم إن رد عتقه قوم عليها كله ولكن لم يرد عتقه وقد أعتق هو.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على أصولهم؛ لأن من أعتق عبد من إلى نظره جاز عتقه له- إن كان له قال: ولزمته قيمته، فلما أعتق الغلام الذي بين أيتامه وبين أمهم، وجب أن يعتق عليه حظ أيتامه منه بقيمته يوم أعتقه، وأن يقوم عليه حظ أمهم منه، فمنع من ذلك عتقها هي له، فلو لم تعتق هي حظها، لعتق على ولي الأيتام بقيمته يوم يقوم عليه، ولو لم يكن لولي الأيتام مال لما جاز عتقه لحظ أيتامه من العبد، ولوجب أن يرد ويقوم على الأم التي أعتقت حصتها منه بقيته يوم يقوم عليه وقد ذكر ابن المواز هذه المسألة من رواية أشهب عن مالك بمعنى ما قلناه،

فقال: وإن أعتق ولي الأيتام عبدا- لأمهم ربعه، وباقيه لهم، جاز عتقه وغرم القيمة (لها) ولهم، قال محمد: إن كانت قيمته يوم العتق عشرة، وقيمته يوم قيام الأم مائة، أدى قيمة حصة الأيتام على عشرة وأدى للأم على حساب مائة يوم قيامها، وذكر ابن المواز أن أشهب روى عن مالك: أن عتق الأم مملوك ابنهما جائز إذا كان لها مال، قال محمد: وكانت وصية، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى فقال ثلث غلامي هذا حر

مسألة قال: وسمعته يسأل عمن أوصى فقال: ثلث غلامي هذا حر، فقال: لا يعتق منه إلا ثلثه، وثلثاه رقيق، فقيل له: لا يعتق كله؟ فقال: لا فقيل: أفرأيت لو قال- وهو صحيح-: ثلثك حر، قال مالك: يعتق عليه كله، ليس عتقه ثلثه في وصيته بمنزلة عتقه ثلثه في الصحة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة لا أعرف فيها نص خلاف، ويدخل فيها الاختلاف بالمعنى، إذ قد قيل فيمن أعتق شقصا من عبد له: أنه يعتق عليه جميعه بالسراية، فيجب على قياس هذا القول- إذا أوصى بعتق ثلث عبده- أن يعتق جميعه إذا حمله الثلث، أو ما حمل منه، وبالله التوفيق.

مسألة: جارية خاصمت في عتق ثلثها فخاصمت في ذلك ومرضت شهرين

مسألة قال: وسمعته يسأل عن جارية خاصمت في عتق ثلثها فخاصمت في ذلك ومرضت شهرين، فثبت ذلك لها، فأرادوا أن يتركوا لها من كل يوم ثلثه، فقال: أما من كل يوم ثلثه فلا، ولكن

ينبغي أن يتركوا لها من كل شهر عشرة أيام، ومن كل ثلاثة أشهر شهرا، فقيل له: أترى عليها خدمة ما مرضت أو خاصمت؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم نحو هذا في مقدار ما يقتسمون عليه الخدمة، وإنما قال: إنهم ليس لهم أن يتركوا لها من كل يوم ثلثه؛ لأن ذلك من التضييق عليها، ولو دعت هي إلى أن يكون لها من كل يوم ثلثه، لم يكن ذلك لها؛ لأن ذلك من التضييق عليهم أيضا، ولو دعت هي أو هم إلى أن يكون لها من كل ثلاثة أيام يوم، وأراد الآخر منهم أكثر من ذلك، لكان القول قول من أراد منهم أن يكون لها يوم من ثلاثة أيام، فقوله في الرواية: إنهم يتركون لها من كل شهر عشرة أيام، أو من كل ثلاثة أشهر شهرا، معناه إذا اتفقا على ذلك، وأما إذا اختلفا فيه، فالقول قول من أراد منهم أن يكون لها عشرة أيام من كل شهر، فالقول أبدا قول من دعا منهم إلى الأقل، وأن يكون لها شهر من كل ثلاثة أشهر- نهاية ما يجوز، وإن اتفقا على عدد الأيام واختلفا في التبدئة، أسهم بينهم في ذلك.
وقوله: إنه لا شيء عليها لهم فيما مرضت أو خاصمت فيه صحيح؛ لأن المرض مصيبة دخلت عليهما جميعا بقدر حقوقهما، فلا شيء لواحد منهما على صاحبه، والخصام أمر ألجأهما إليه، إذ لو شاءوا لأقروا لها بحقها، فلا شيء لهم عليها (في ذلك) وبالله التوفيق.

مسألة: العبد الحر بعضه أينتزع منه ماله

مسألة قال: وسمعته يسأل عن العبد الحر بعضه، أينتزع منه ماله؟ فقال: لا ينتزع ماله من يده، ويمنع من أن يعتق أو يتصدق أو

يسرف، ويأكل ويكتسي بالمعروف، فإذا مات ورثه الذي له فيه الرق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه شريك في نفسه فليس للذي فيه الرق أن يأخذ من ماله شيئا إلا بإذنه، ولا هو أن يتلف شيئا من ماله إلا بإذنه.

مسألة: المعتق نصفه أله أن يتجر في أيامه التي له

مسألة وسمعته: يسأل عن المعتق نصفه أله أن يتجر في أيامه التي له؟ قال: نعم ويطحن ويحمل على رأسه ويعمل ما شاء، فقيل: يتجر ببعض ماله الموقوف بيده التجارة المأمونة، فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه في حكم المأذون له في التجارة، إذ ليس للذي له فيه الرق أن يحجر عليه في ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منه واستثنى ماله

مسألة قال: وسألته عن عبد بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منه واستثنى ماله، فقال لي: لا أعرف في عتق العبد بين الشريكين استثناء ماله، إنما يجوز ذلك في الرجل الواحد يملك العبد كله فيعتقه ويستثني ماله، فأما إذا كان بين شريكين فأعتق أحدهما مصابته منه واستثنى ماله، فإني لا أرى ذلك له، وأرى أن يقوم عليه بماله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن استثناء ماله انتزاع له، وهو لا يجوز له أن ينتزع شيئا من ماله من أجل شركته له في نفسه، وبالله التوفيق.

مسألة: الروم ينزلون بعض أرض الإسلام ثم يخصي بعضهم بعد نزولهم العبد من عبيدهم

مسألة وسمعته يسأل: عن الروم ينزلون بعض أرض الإسلام ثم يخصي بعضهم بعد نزولهم العبد من عبيدهم، أترى أن يعتق على خاصيه؟ فقال: لم يعتق إنما ينزلون على أنهم آمنون، لا والله ما أرى أن يعتق عليهم، أرى أنهم كأنهم خصوه في بلادهم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على قياس قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الجهاد، ومن كتاب التجارة إلى أرض الحرب في أن المستأمنين في بلاد المسلمين من الحربيين لا ينتزع منهم أسرى المسلمين، ولا عبيدهم المسلمون، ولا يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويرجعون بذلك كله إن شاءوا خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب، وحكى أنه إجماع من مالك وأصحابه، إلا ابن القاسم من أنه بياع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويؤخذ منهم من كان عندهم من أسرى المسلمين بقيمتهم، ولا يكون ذلك من الختر بعهودهم، فيأتي ذلك على قياس ما ذهب إليه ابن حبيب في هذا إنهم يعتقون عليهم إذا خصوهم، كما يعتق على المعاهد عبده إذا خصاه- على مذهب من يرى ذلك من أصحاب مالك، وهو قول أشهب في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى بعد هذا، خلاف قول ابن القاسم فيه؛ لأنه حكم لهم فيمن أسلم من رقيقهم بحكم المعاهدين، فكذلك هذا، والله أعلم.

مسألة: عتق السفيه إذا لم يكن عليه ولاية من أب ولا سلطان

مسألة قال: وسمعته يسأل على السفيه الذي لا يولى عليه، أيجوز عتقه؟ قال: نعم- لعمري إنه يجوز عتقه إذا كان يلي ماله.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية عتق السفيه إذا لم يكن عليه ولاية من أب ولا سلطان، وكذلك سائر أفعاله- وإن كان متصل السفه من حين بلوغه معلنا به، هذا ظاهر هذه الرواية، وهو المشهور من قول مالك، وقد روى ابن وهب عنه أن أفعاله لا تجوز، وإن لم يتصل سفهه من حين بلوغه ولا كان معلنا به، هذا ظاهر روايته عنه، وقعت هذه الرواية عنه في المبسوط، وفي كتاب ابن المواز، وفي النكاح من الواضحة - وهو المشهور من مذهب ابن القاسم، وفي المسألة قول ثالث وهو الفرق بين أن يكون معلنا بالسفه من حين البلوغ، أو غير معلن به- وهو قول أصبغ، وقول رابع- وهو الفرق بين أن يتصل سفهه من حين بلوغه أو لا يتصل، فإن اتصل سفهه لم تجز أفعاله، وإن سفه بعد أن أنس منه الرشد جازت أفعاله، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وأما المولى عليه، فأفعاله غير جائزة وإن علم رشده، هذا هو المشهور من مذهب مالك، وقد روي عنه أن أفعاله جائزة إذا علم رشده وهو الذي يأتي على رواية ابن وهب عن مالك، وعلى ما في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الشهادات في إجازة شهادته، مثل المشهور من قول ابن القاسم، فالمشهور عن مالك الاعتبار بالولاية دون الحال، والمشهور عن ابن القاسم الاعتبار بالحال دون الولاية، وقد روي عن مالك مثل المشهور عن ابن القاسم، وهو ما ذكرناه عنه من رواية ابن وهب، ومن رواية أشهب، وعن ابن القاسم مثل المشهور عن مالك، روى ذلك زونان عنه، وبالله التوفيق.

مسألة: عتاقة الصغير

مسألة قال: وسمعته يقول: لا تجوز عتاقة الصغير ولا طلاقه، وإن كان كبيرا مولى عليه، جاز طلاقه- ولم يجز عتقه.
قال محمد بن رشد: أما الصغير فلا اختلاف في أنه لا يجوز طلاقه ولا عتقه، ولا شيء من أفعاله، وأما المولى عليه فقد مضى تحصيل الاختلاف في جواز أفعاله إذا كان معلوما بالرشد، ولا اختلاف في أنه محمول على السفه حتى يعلم رشده، فإذا علم رشد كان في ذلك الاختلاف الذي ذكرناه كما لا اختلاف في الذي لا ولاية عليه من أب ولا سلطان أنه محمول على الرشد على يعلم سفهه، فإذا علم سفهه كان في ذلك الاختلاف الذي ذكرناه في المسألة التي قبل هذه، وبالله التوفيق.

مسألة: المعتق وهو مولى عليه ثم يلي نفسه

مسألة قال: وسمعته يسأل عن المعتق وهو مولى عليه ثم يلي نفسه، أترى عليه عتقا؟ قال: لا، إلا أن يتمخى من ذلك، قيل له: أفترى أن يفعل؟ قال: أما الصغير الذي أعتق في حال صغره فلا، وأما الكبير فعسى، وروى محمد بن خالد عن ابن القاسم أنه لا يلزمه العتق، وإن بلغ حال الرضى.
قال محمد بن رشد: أما الصغير فبين أنه ليس عليه إذا بلغ وملك أمر نفسه- أن يتمخى مما أعتق في صغره؛ لأنه لم يكن مكلفا ولا مخاطبا بأحكام الشريعة، ولا ممن توجه إليه قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رفع القلم عن ثلاث» - فذكر فيهم

الصبي حتى يحتلم، فوجب ألا يلزمه التمخي مما عقده على نفسه من عتقه لعبده (وإنما اختلف) ، إذا حلف بعتق عبده- وهو صغير، فحنث وهو كبير مالك لأمر نفسه، وحكم النصراني في هذا حكم الصغير، وأما الكبير الذي لحقته الولاية لسفهه، فوجب تمخيه مما أعتقه وهو مولى عليه، هو أنه أعرف بنفسه إن كان في الحين الذي أعتق فيه عبده من السفهاء الذين أمر الله ألا يمكنوا من أموالهم، ولا تجوز فيها أفعالهم؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] ، فيكون الحكم عليهم بالولاية صحيحا في الباطن، كما هو في الظاهر، فلا يلزمهم العتق، وإن كان على خلاف تلك الحال فيلزمه العتق؛ لأن الحكم الظاهر لا يحل الأمر في الباطن كما هو عليه، وهذا عندي- إذا لم يعلم الولي بعتقه حتى رشد، والعبد في يده، أو علم فأجاز عتقه، إذ ليس له أن يجيزه على ما يأتي في رسم الرهون من سماع عيسى، وأما إذا رده فهو مردود لا يلزمه التمخي منه إذا رشد، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في المرأة ذات الزوج تعتق عبدها وهو أكثر من ثلث مالها فيرده الزوج ثم يموت عنها أو يطلقها، وهو في يدها؛ لأن التحجير على السفيه (في ماله) أقوى من تحجير الزوج على امرأته فيما زاد على ثلث مالها، واختلف في الصغير يحلف بعتق عبده، وهو صغير ويحنث وهو كبير، وفي المولى عليه يحلف وهو مولى عليه ثم يحنث بعد رشده، وفي العبد يحلف- وهو عبد ثم يحنث وهو حرث، فقيل: إن العتق يجب عليهم كلهم، وهو قول ابن كنانة؛ لأنه قال ذلك في الصغير فهو فيمن سواه ممن ذكرناه معه أحرى، والوجه في ذلك أنه جعل فعله لمن حلف عليه بعتق عبده

ألا يفعله رضى منه بعتقه، وقيل: إنه لا يجب العتق على واحد منهم؛ لأن الإيمان يوم تقع، - وهو قول ابن القاسم في سماع محمد بن خالد، واختلف قول مالك في السفيه يحنث بعد رشده في عتق عبده، فله في رسم يوصي من سماع عيسى أنه لا يعتق عليه، وروى أشهب عنه أنه يعتق عليه، والعبد أشد من السفيه على ما قاله في سماع محمد بن خالد، فيتحصل في جملة المسألة أربعة أقوال؛ أحدها: أن العتق يلزمه فيهم كلهم.
والثاني: أنه لا يجب على واحد منهم.
والثالث: أنه لا يجب إلا على العبد؛ لأنه أشدهم على ما قاله في سماع محمد بن خالد.
والرابع: أنه يجب على العبد وعلى السفيه- إذا رشد، ولا يجب على الصبي، وبالله التوفيق.

مسألة: عتق المولى عليه المحتلم الذي لا يتهم بسفه

مسألة قال: وسمعته يسأل عن عتق المولى عليه المحتلم الذي لا يتهم بسفه وهو في ذلك مولى عليه، أيجوز عتقه؟ قال: لا، فقيل له: ماذا؟ قال: لا يجوز عتقه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور من قول مالك، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك فيما تقدم قبل هذا في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: أعتق السفيه المولى عليه أم ولده

مسألة (قال أشهب:) قلت: لمالك إذا أعتق السفيه المولى عليه أم ولده، جاز عليه عتقها واتبعها مالها؟ قال: نعم يجوز عليه عتقها ويتبعها مالها، وإنما ذلك- عندي- بمنزلة السفيه المولى عليه

يتزوج المرأة بالمال العظيم، ثم يطلقها فيجوز طلاقه عليهما ويكون لها كل ما أمهرها، فكذلك هو إذا أعتق أم ولده- ولها مال ولم يستثنه، عتقت عليه واتبعها مالها.
قال محمد بن رشد: قيل: إن عتق السفيه لأم ولده لا يجوز، بخلاف طلاقه- وهو قول المغيرة، وابن نافع - في كتاب ابن سحنون، خلاف المعلوم من قول مالك وأصحابه في أن عتقه إياها جائز، إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع كالزوجة، واختلف هل يتبعها مالها إذا جاز عتقها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: قوله في هذه الرواية: أنه يتبعها، إذا لم يستثنه- وإن كان كثيرا.
والثاني: قوله في رسم يشتري الدور من سماع يحيى أنها لا يتبعها مالها- وإن لم يستثنه- قليلا كان أو كثيرا، وقد قيل: إنه يتبعها إن كان يسيرا، ولا يتبعها إن كان كثيرا- وإن لم يستثنه، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب- مراعاة لقول من يرى أن العبد لا يملك، وهو قول أكثر أهل العلم، وفي قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» - تعلق للطائفتين، وبالله التوفيق.

مسألة: قال إن كلمت فلانا إلا وأنا ناس فغلامي حر

مسألة قال: وسمعته يسأل عمن قال: إن كلمت فلانا- إلا وأنا ناس- فغلامي حر، فلقيه فكلمه ثم زعم، أنه كلمه ناسيا، فقال ذلك إليه إذا اشترط.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه لا يصدق في أنه إنما كلمه

ناسيا، إذ لا يعرف ذلك إلا من قبله، ولو لم يستثن في يمينه إلا وأنا ناس فادعى أنه نوى ذلك بقلبه وعقد عليه يمينه، أو استثناه بلفظ وحرك به لسانه، لم يصدق في ذلك مع قيام البينة عليه ومن أهل العلم- خارج المذهب- من يرى أنه لا يحنث بالنسيان- وإن لم ينو ذلك ولا استثناه؛ لأنه مغلوب بالنسيان، فهو كالمكره، وبدليل قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تجاوز الله لأمتي (عن) الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وبالله التوفيق.

مسألة: حلف في أم ولد له بعتق ما يملك إن أخدمها

مسألة قال: وسئل عن رجل حلف في أم ولد له بعتق ما يملك إن أخدمها، ولا اشترى لها خادما، فقال: إن أعطاها دنانير فاشترت بها لنفسها، لم أر عليه حنثا، قيل له: إنهم يقولون لا يجوز لها أن تشتري إلا بإذنه، فإذا اشترت بغير إذنه فأقر ذلك لها، فقد أخدمها واشترى لها، فقال: لا، وذلك لها تشتري.
قال محمد بن رشد: حمل يمينه في هذه المسألة على اللفظ ولم يراع المعنى، وذلك خلاف قوله في المدونة في الذي يحلف ألا يكسو امرأته فأعطاها دراهم فاشترت بها ثوبا- أنه حانث، وهو خلاف المشهور في المذهب من أن يمين الحالف إذا لم تكن له نية، تحمل على المعني، وما يدل عليه البساط، ومثل ما في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، ومثل ما في سماع سحنون من كتاب الأيمان بالطلاق في مسألة البالوعة، والذي يأتي في هذه المسألة على ما في المدونة

أنه حانث ولا ينوي إذا ادعى أنه إنما أراد ألا يخدمها خادما وألا يشتريها هو لها، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بعتق ما يملك في أرض له إن أكراها فلانا العام

مسألة وسئل: عمن حلف بعتق ما يملك في أرض له إن أكراها فلانا العام، فوجد وكيلا له قد أكراها ذلك الرجل، فأبى أن يمضي ذلك، فهل له من يمينه مخرج إن أكراها أخا له؟ فقال: أما- والله- رجل يريد أن يدخله فيها، فلا أرى ذلك يخرجه من يمينه، أو يتكاراها أخوه- وهو شريك له في المال، ولكن لو خاصموه حتى يقضى عليه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الحالف لما وجد وكيله قد أكرى الأرض من المحلوف عليه قبل يمينه، خشي إن سلمها له أن يطالب باليمين فلا، يجد من يشهد له على كراء الوكيل إياها منه- قبل يمينه فيعتق عليه عبيده، فأبى أن يمضيها له مخافة ذلك، وسأله هل له مخرج في أن تصير الأرض إلى المحلوف عليه بالكراء، ولا يحنث بأن يكريها من أخيه أو من شريكه، فلم ير له مخرجا في أن يكريها ممن يظن به أنه يريد أن يدخله فيها، وأرى له مخرجا في تصييرها إليه بأن يخاصمه فيما يدعي من كراء وكيله إياها منه قبل يمينه حتى يقضي عليه فيسلم من الحنث، وإن لم يقض عليه إلا بإقراره له بما ادعاه عليه من أن وكيله أكراه إياها قبل يمينه، إذ لا اختلاف في أنه لا حنث عليه- إذا حلف- وهو لا يعلم كراء وكيله

إياها على معنى ما يأتي في رسم سلف من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، وفي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب النذور، ولو حلف ألا يكريها منه وهو عالم بكراء وكيله إياها منه، لكان بمنزلة الذي يحلف ألا يبيع السلعة بعد أن باعها، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى في سماع سحنون، ونوازل أصبغ من كتاب الأيمان بالطلاق، فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: باع رجلا بيعا فسأله أن يضع عنه فحلف بالعتق ألا يفعل فيقضيه حقه كله

مسألة وسئل: عمن باع رجلا بيعا، فسأله أن يضع عنه، فحلف بالعتق ألا يفعل فيقضيه حقه كله، فإذا قبضه قال له: إن رأيت أن تهب لي شيئا فافعل، أيجوز له أن يهب له؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم من قوله في رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

[

مسألة: يحلف بعتق جاريته ليضربنها

] مسألة وسئل: عن الذي يحلف بعتق جاريته ليضربنها، أترى أن يضربها في قدميها ويوجعها؟ قال: لا أرى ذلك يخرجه من يمينه، يقول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] ، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] ، يذهب هذا يضربها في قدميها، ما أرى ذلك له.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يبر إلا بالمعنى الذي قصد إليه (وهذا لم يقصد إليه) إذ لم تجر العادة أن يضرب الرجل عبده ولا أمته في قدميه، وإنما ذلك من فعل المؤدبين لصبيانهم، فلو حلف المؤدب على ضرب صبي، لم يضربه في قدميه، ولو حلف الرجل ألا يضرب أمته فضربها في قدميها لحنث بذلك؛ لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه.

مسألة: يحلف بعتق جاريته ليضربنها

مسألة قيل له: أرأيت الذي يحلف بعتق جاريته ليضربنها، فقال: إن كان حلف ليضربنها ضربا لا ينبغي له، فأرى أن يمنع من ضربها وتعتق عليه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها أنه إن حلف على ما يجوز له من الضرب، لم يحل بينه وبين ضربه، وإن حلف على ما لا يجوز له منه، لم يمكن من ضربه وأعتق عليه، وقال في المدونة في الذي يحلف ليجلدن غلامه مائة سوط: أن العبد يوقف ولا يبيعه حتى ينظر أيجلده أم لا؟ ومعناه إذا كان ذلك لجرم اجترمه يستوجب به مثل ذلك الأدب، وما يحلف عليه الرجل من ضرب عبده أو أمته بحريته، ينقسم على ثلاثة أقسام: يسير كالعشرة الأسواط ونحوها، وكثير كالثلاثمائة ونحوها (وما هو أكثر منها) وما بين ذلك، فأما اليسير مثل العشرة الأسواط ونحوها، فإنه يمكن من ذلك ويصدق في أنه قد أذنب ما يستوجب به ذلك من الأدب، وقد

قال ابن أبي زيد: إنه يمكن من ذلك ولا يعتق عليه- وإن كان لغير ذنب أحدثه وهو بعيد، وأما الكثير كالثلاثمائة ونحوها، وما هو أكثر منها، فإنه لا يمكن من ذلك ويعتق عليه، وأما ما بين ذلك ففيه اجتهاد الإمام، والذي أراه فيه أنه إن حلف بحريته على مثل الثلاثين سوطا أو نحوها، يمكن من البر ولم يعتق عليه إذا زعم أن ذلك لذنب استوجبه، فإن كان من أهل الخير والدين، صدق في ذلك دون يمين، وإن كان مجهول الحال، صدق في ذلك مع يمينه، ومنع من بيعه حتى يبر بضربه، فإن لم يضربه حتى مات عتق في ثلثه، وإن كان مسخوطا غير مؤتمن، كلف إقامة البينة على ذلك، ولم يمكن من ضربه وأوجر عليه حتى يموت فأعتق في ثلثه، فإن حلف على مثل المائة سوط ونحوها، فإن كان من أهل الخير والدين والفضل المستبين، صدق في الجرم الذي زعم أنه استوجب به ذلك مع يمينه، وإن لم يكن على هذه الصفة، كلف إقامة البينة على ذلك، فإن عجز عن ذلك، لم يمكن من ضربه، وأوجر عليه حتى يموت فيعتق في ثلثه، وبالله التوفيق.

مسألة: قال جاريتي حرة إن دخلت الدار إلى شهر

مسألة وسمعته: يسأل فقيل له: إني أعطيت لجارية امرأتي مالا عظيما، فلما خشيت أن أبيعها قالت: هي حرة إن بعتها عشر سنين، وقد فسدت عليها الجارية فساد سوء وخبثت، فهل ترى في ذلك مخرجا؟ فقال: لا إلا أن تعتقها أو تهبها لمن لا تريد منه ثوابا، فقيل له بعد ذلك: إنما حلفت بحرية جاريتها إن باعتها عشر سنين ثم ندمت، فأرادت بيعها، فلزوجها أن يرد هذه اليمين عليها إذا لم يكن لها مال غيرها؟ فقال: لا والله.

قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على قوله إلا أن تعتقها أو تهبها لمن لا تريد منه ثوابا في رسم البز من سماع ابن القاسم، ورسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، ورأيت لابن دحون في هذه المسألة كلاما غير صحيح، قال: جواز هبتها الجارية إنما يجوز على قول ابن القاسم، فأما على قياس مذهب مالك فلا يجوز، وإن كانت على بر في يمينها، فاليمين إلى أجل، ومذهب مالك أن من قال: جاريتي حرة إن دخلت الدار إلى شهر، أنه لا يبيع ولا يهب؛ لأنها معلقة بيمين إلى أجل، فهو حق للمملوكة، تقول: لا أباع ولا أوهب، لعل الحالفة تحنث في الأجل، وابن القاسم يرى أن بيعها وهبتها جائزة، كما لو كانت اليمين إلى غير أجل، وقوله: غلط بين لا اختلاف بينهم في أن الحالف بحرية عبده ألا يفعل فعلا هو على بر، وله أن يبيع- سمى أجلا أو لم يسمه، وإن الحالف بحريته ليفعلن فعلا هو على حنث وليس له أن يبيع- سمى أجلا أو لم يسم، وإنما يفترق الأجل من غير الأجل في الوطء إن كانت أمة، فليس له أن يطأ إن كانت اليمين إلى غير أجل، وله أن يطأ إن كانت إلى أجل على اختلاف في ذلك من قول مالك في المدونة، ومن قول ابن القاسم أيضا، فقوله ومذهب مالك أن من قال جاريتي حرة- إن دخلت الدار إلى شهر، أنه لا يبيع ولا يهب؛ لأنها معلقة بيمين إلى أجل- خطأ، وإنما قال ذلك مالك فيمن قال جاريتي حرة إن لم أدخل الدار- إلى شهر، وهذا بين، وليس أحد بمعصوم من الغلط وأما قوله في التي حلفت بحرية جاريتها إن باعتها عشر سنين، أنه ليس لزوجها أن يرد هذه اليمين، فمعناه ليس له أن يرد اليمين قبل حنثها، فأما إذا حنثت فيها بالبيع، فله أن يرد العتق كله، إذ لا مال لها غيرها، وتعود رقيقا ولا ترجع اليمين عليها لأنها قد حنثت، ورد الزوج العتق فهو ملك جديد قاله ابن دحون وهو

صحيح، وكذلك لو حلف بحريتها إن لم تبعها عشر سنين، ليس له أن يرد يمينها إلا أن تحنث، وكذلك لو حلفت بحريتها ألا تبيعها أبدا، ليس له أن يرد يمينها إلا أن تحنث، وأما لو حلفت أن تبيعها، فقالت: هي حرة إن لم أبعها فليس له أن يرد يمينها في حال؛ لأنها لا تحنث- إن حنثت- إلا بعد الموت، فتعتق في ثلثها، وبالله التوفيق.

مسألة: ذات زوج قالت كل مملوك لي حر إن خرجت من هذا المنزل

مسألة قال: وسمعته يسأل عن ذات زوج قالت: كل مملوك لي حر- إن خرجت من هذا المنزل، وقال زوجها: كل مملوك لي حر- إن لم تخرجي ورقيقها نصف مالها، قال: تبيع رقيقها في السوق ولا ترجع إليهم، ولا تبيعهم من أهلها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن له أن يخرجها ويحنثها إذ من حقه أن يسكن بها حيث شاء، فإذا أخرجها بعد أن باعت رقيقها لم يلزمها شيء، فإن اشترتهم قبل أن يخرجها، رجعت عليها اليمين، وكذلك إن وهبوا لها إلا أن يرجعوا إليها بميراث- على ما قاله في المدونة وغيرها وإن رجعوا إليها بشراء أو هبة بعد أن أخرجها لم يلزمها فيهم شيء، إلا أن تكون باعتهم على أن يردوا عليها بعد أن يخرجها فرارا من اليمين فيعتقون عليها، ولخوف الدلسة في ذلك بهذا، فقال: إنما تبيعهم في السوق ولا تبيعهم من أهلها، وبالله التوفيق.

مسألة: عليه رقبة واجبة أيجزئ عنه أن يبتاع بعض أقاربه يعتقه

مسألة قال: وسألته عمن عليه رقبة واجبة، أيجزئ عنه أن يبتاع بعض أقاربه يعتقه مكان رقبة عليه؟ فقال لي: ما كان من أقاربه يعتق

عليه إذا ملكه فلا يجزئ عنه؛ لأنه لا يقدر على ملكه، فكيف يجزئ عنه؟ لا يجزئ عنه إلا، من يجوز له أن يملكه ملكا تاما، وهذا لا يقدر أن يملكه حتى يعتق عليه، فمن كان يعتق عليه من أقاربه إذا ملكه، فلا يجزئ عنه في الرقاب الواجبة، وتقول: إن الذي يعتق عليه من أقاربه فلا يجوز له ملكه- الولد والوالد والأخ والأخوات والجد والجدات من قبل الأم والأب، وولد البنات، وولد البنين، ومن كان من أقاربه- إذا ملكه لم يعتق عليه، وجاز له ملكه إياه، فلا بأس أن يشتريه فيعتقه برقبة عليه واجبة، وذلك يجزئ عنه إذا ملكه لم يعتق عليه، مثل عمه وعمته وابن عمه وخاله وما أشبههم، فإنه إذا ملكهم لم يعتقوا عليه، فعتقهم يجزئ عنه في الرقاب الواجبة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها في المذهب، إلا ما يروى عن ابن وهب من أنه قال: يعتق على الرجل ذوو رحمه - وهم السبعة الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه وهو شذوذ في المذهب، فمذهب مالك الذي عليه جماعة أصحابه- حاشا ابن وهب - أن الذين يعتقون على الرجل إذا ملكهم بلفظ وحيزهم ذوو المحارم من الآباء وإن علوا، والأبناء وإن سفلوا، والأخوة والأخوات ما كانوا، فيدخل في هذا أولاد البنات والأجداد من قبل الأم، والجدات الأربع، ويجمع هذا أنه يعتق على الرجل كل من له عليه ولادة ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يعتق على

الرجل ذوو رحمه المحرم كلهم- على ما روي عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - من رواية ابن عمر أنه قال: «من ملك ذا رحم محرم عتق عليه» وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، ولا مخالف لهما من الصحابة؟ وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأكثر أهل العراق، ومذهب الليث بن سعد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وابن وهب - من أصحاب مالك على ما ذكرناه، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق على الرجل إلا الأب وإن علا، والابن وإن سفل- وهو ظاهر قول ابن كنانة في سماع أبي زيد من كتاب الولاء، وبالله التوفيق.

مسألة: الخصي أيجوز في الرقاب الواجبة

مسألة قال: وسمعته يسأل عن الخصي أيجوز في الرقاب الواجبة؟ قال: نعم في رأيي هو رجل من المسلمين، وسمعته يسأل عن الأعرج أيجوز في الرقاب الواجبة؟ قال: نعم في رأيي هذا أعرج، والآخر أعور، وسمعته يسأل عن عتق المقعد أيجزئ في الرقاب الواجبة؟ قال: لا أحب ذلك ولا الأعمى أيضا، وقد سمعت أن رجلا قال للحسن البصري: أيجوز ولد الزنى في الرقاب الواجبة؟ فقال: لله الصفاء والخيار، فقيل لمالك: أتستحسن هذا؟ فقال: والله إني لأستحسنه، قال عز وجل: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]

يعمد الرجل إذا أراد أن يعتق أعتق هذا العبد، وإذا أراد أن يتصدق تصدق بهذا الطعام.
قال محمد بن رشد: أما الخصي فأجازه في هذه الرواية في الرقاب الواجبة، وكرهه في المدونة ولم يجزه في رسم لم يدرك من سماع عيسى بعد هذا، والأظهر إجازته اعتبارا بالضحايا، وأما الأعرج فأجازه في هذه الرواية، واختلف قوله فيه في المدونة، واختلاف قوله يرجع إلى أنه إن كان عرجا خفيفا أجزأ، وإن كان عرجا فاحشا لم يجز على ما حكى ابن القاسم أنه سمع منه وهو الذي في رسم لم يدرك من سماع عيسى المذكور، أما المقعد والأعمى، فلا اختلاف في أنه لا يجزئ، وإنما اختلفوا في الأعور، فأجازه في هذه الرواية، وفي المدونة، ولم يجزه ابن الماجشون في كتاب ابن شعبان اعتبارا بالضحايا، وأما ولد الزنى فعتقه جائز في الكفارات بإجماع من مالك وأصحابه، ولم يقل الحسن أنه لا يجزئ، وإنما قال: لله الصفاء، والخيار، بمعنى أنه ينبغي أن يتخير لله أنفس العبيد، وأعلاهم ثمنا، ولا يقصد إلى أدناهم مرتبة، وأقلهم ثمنا، كما قال عروة بن الزبير - لبنيه: يا بني لا يهد أحدكم لله من البدن ما يستحيي أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له، وما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة قال في ولد الزنى: «هو شر الثلاثة» إنما قاله في رجل بعينه- لمعنى كان فيه، وذلك أنه كان يؤذي النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فقال فيه: «أما إنه مع مائة ولد زنى هو أشر الثلاثة» روي عن عائشة أنها قالت لما بلغها ما تحدث به أبو هريرة في هذا عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يرحم الله أبا

هريرة، أساء سمعا فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل يؤذي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت المعنى الذي ذكرته في ذلك، وما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يدخل الجنة ولد زنى» معناه الذي يكثر منه الزنا حتى ينتسب إليه لتحققه به، كما يقال للمتحققين بالدنيا العاملين لها أبناء الدنيا، ويقال للمسافر ابن السبيل، ومن مثل هذا كثير، وعلى هذا يتأول ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سئل عن عتق ولد الزنى فقال: لا خير فيه، نعلان يعان بهما، أحب إلي من عتق ولد الزنى» . وقد قيل لابن عمر: يقولون ولد الزنا شر الثلاثة، فقال بل هو خير الثلاثة قد أعتق عمر عبيدا من أولاد الزنا، ولو كان خبيثا ما فعل، وإنما قال ابن عمر فيه: إنه خير الثلاثة من أجل أنه لا يؤاخذ بما اقترفه أبواه من الزنى، لقول الله عز وجل: ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] ، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] ، فهو خير الثلاثة لا شرهم إذا لم يعمل شرا.
وقال ربيعة: إني لا أجد شأنه في الإسلام تاما، ولا يجزئ في الرقاب مجنون ولا مجذوم ولا أشل، ولا يابس الشق، ولا مقطوع الإبهام، ولا مقطوع الإصبعين، واختلف في مقطوع الإصبع الواحدة، فقال ابن القاسم: لا يجزئ، وقال غيره: يجزئ واختلف أيضا في الأصم، فقال ابن القاسم عن مالك: إنه لا يجزئ وقال ابن القاسم في المقطوع الأذنين على

قياس قوله: إنه لا يجزئ، وقد روي عن ابن القاسم في الأصم أنه لا يجزئ، واختلف في ذلك قول أشهب، واختلف في الأبرص أيضا فلم يجزه ابن القاسم في المدونة، وأجازه غيره فيها إذا لم يكن مرضا، ولا يجزئ من فيه عقد عتق من مدبر أو مكاتب أو أم ولد، أو معتق إلى أجل، وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى أن يعتق عنه رقاب

مسألة قال: وسمعته يقول: لا تشتر الرقبة الواجبة بشرط العتق، قيل: أرأيت من أوصى أن يعتق عنه رقاب؟ قال: لا، إلا ما كان من الوصايا في الرقاب الواجبة.
قال محمد بن رشد: فإن اشتراها بشرط، لم يجز- قاله في المدونة وغيرها؛ لأنها بعض رقبة من أجل أن البائع وضع من الثمن بسبب العتق، وبالله التوفيق.

مسألة: أيعتق الجد عن ابنة ابنته إذا ملكته

مسألة وسمعته يسأل: أيعتق الجد عن ابنة ابنته إذا ملكته؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا فوق هذا، ولا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم- أعلمه، وبالله التوفيق.

مسألة: أيملك الرجل أخته وأمه من الرضاعة

مسألة وسمعته يسأل: أيملك الرجل أخته وأمه من الرضاعة؟ فقال: نعم في رأيي وغير ذلك خير، قيل له: ولا يعتقان عليه؟ قال: نعم.

قال محمد بن رشد: هذا أيضا صحيح بين لا اختلاف فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصت في جارية لها حامل بأنها حرة وما في بطنها مملوك

مسألة قال: وسمعته يسأل: عن امرأة أوصت في جارية لها حامل بأنها حرة وما في بطنها مملوك، ثم توفيت المرأة ووضعت الجارية ما في بطنها بعد وفاة سيدتها، فقال الورثة: أنت حرة وما في بطنك مملوك على ما أوصت به المرأة، فقالت الجارية: لا، بل ولدي بمنزلتي حر معي بحريتي، فقال: قد صدقت الجارية، هي حرة وولدها الذي ولدت إذا كانت إنما وضعت بعد وفاة سيدتها، فالولد حر مع أمه، لا تعتق جارية- وجنينها مملوك، فقيل له: إنها قد استثنت الولد في عتقها الجارية، فقال: إن هذا الاستثناء لا يجوز، لا تعتق الجارية وجنينها مملوك إذا كانت إنما وضعت بعد أن وجب ذلك لها بعد موت سيدتها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه - أعلمه- في المذهب؛ لأن الجنين لما كان لا يجوز بيعه لم يجز استثناؤه في البيع ولا في العتق، ولا اختلاف فيه أعلمه- في المذهب، ويلزم على قياس قول من أجاز البيع في الجارية واستثناء ما في بطنها، وجعل الولد مبقى على ملك البائع غير مبيع، وهو مذهب الأوزاعي والحسن بن حيي، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر أنه يجوز عتق الجارية واستثناء ما في بطنها إذ هو في العتق أبين، وبالله التوفيق.

مسألة: قال عند موته مسلمو رقيقي أحرار

مسألة قال أشهب في رجل قال عند موته: مسلمو رقيقي أحرار، فلما مات الرجل ادعى رقيقه كلهم أنهم مسلمون، وادعى ولد الميت إنهم كلهم نصارى، وليست ثم بينة تعرف من كان مسلما، ولا من كان منهم نصرانيا، على من تكون البينة؟ أعلى الورثة إنهم نصارى، أو على العبيد أن يأتوا بالبينة أنهم كانوا مسلمين حتى مات سيدهم؟ وإن كانوا كلهم مسلمين ولم يسعهم الثلث، كيف يصنع بهم؟ قال أشهب: البينة على الورثة إنهم نصارى، إذا ادعى العبيد أنهم مسلمون، ولو قال الميت: نصارى رقيقي أحرار، فادعوا أنهم نصارى، وقال الورثة: بل هم مسلمون، فعلى الورثة البينة أنهم مسلمون، وفي سماع عبد الرحمن بن أشرس عن مالك مثله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن من ادعى خلاف ما قال الميت فهو المدعي، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر؟ إلا أنه لا يمين هاهنا على المنكر؛ لأن العتق قد وجب له بكونه على الدين الذي قال الميت أن يعتق من كان عليه، فعلى من أراد أن يرقه البينة، فإن لم تكن له بينة، لم يكن على المدعى عليها الرق يمين، إذ لا يمين على من ادعي عليه أنه عبد، وبالله التوفيق.

مسألة: هلك وترك امرأة حاملا وترك أولادا

مسألة وسألته: عن رجل هلك وترك امرأة حاملا، وترك أولادا، كيف يصنع في ميراثه؟ فقال: يوقف الميراث ولا يقسم منه شيء حتى تضع المرأة، قيل له: فإن قالت الورثة: نحن نجعل الحمل ذكرا ونعزل له

ميراثه، فقال: ليس ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن الواجب أن يوقف الميراث ولا يقسم حتى يوضع الحمل، فإن عزلوا للحمل ميراثه- على أنه ذكر، وقسموا بقية الميراث، لم يكن لهم رجوع على ما وقفوه للحمل إن نقص ما في أيديهم أو هلك، وإن تلف ما وقفوه للحمل رجع عليهم إن وجدهم أملياء، وإن كان بعضهم أملياء وبعضهم عدماء، رجع على الأملياء فقاسمهم فيما وجده في أيديهم، واتبع عدماء وهو وهم، كالغريم يطرأ على الورثة، لا كالوارث يطرأ على الورثة؛ لأنهم تعدوا فيما صنعوا من اقتسامهم بقية التركة، ولو لم يتلف ما وقفوا للحمل وكان قد نما ما في أيديهم، لكان له الرجوع في ذلك؛ لأن قسمتهم لا تجوز، ولو نما ما وقفوه للحمل، وكان لهم في ذلك حق؛ لأنهم قد رضوا بما أخذوا، فالقسمة تجوز عليهم، ولا تجوز عليه، ولو كان للحمل ناظر فقسم عليه، جازت القسمة لهم وعليهم، وبالله التوفيق.

مسألة: هلك وترك أبويه وامرأته حاملا فأراد أبواه أن يتعجلا ميراثهما

مسألة وسئل: عن رجل هلك وترك أبويه وامرأته حاملا فأراد أبواه أن يتعجلا ميراثهما؛ لأنهما يرثان الثلث على كل حال، قال: ليس ذلك لهما.
قال محمد بن رشد: إنما يرثان الثلث على كل حال إذا كان ترك ولدا، وأما إن لم يترك ولدا، فيرثان الثلث إن وضعت المرأة ولدا حيا (أو ابنة حية) وأما إن وضعته ميتا، فيرثان ثلاثة أرباع المال بينهما- على الثلث والثلثين، وللزوجة الربع، فالواجب أن يوقف الميراث حتى تضع المرأة على

كل حال، فإن كان ترك الميت ولدا وجعلوا الحمل ذكرا وعزلوا له الميراث، واقتسموا ما بقي، كان قياسها والحكم فيها على ما تقدم في المسألة التي قبلها، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد أعتقه رجل وامرأة فكان إذا سئل مولى من أنت فقال مولى فلان

مسألة قال: وسمعته يسأل عن عبد أعتقه رجل وامرأة، فكان إذا سئل مولى: من أنت؟ فقال: مولى فلان، ولا ينتسب إلى المرأة، قال: ينتسب إليهما جميعا فيقول مولى فلان وفلانة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال كان من الحق عليه أن يقر بالولاء لكل واحد منهما؛ لأنه نسب يجب به الميراث عند عدم النسب، كما يجب بالنسب، وبالله التوفيق.

مسألة: أسلم فتسمى باسم إسحاق وأبوه نصراني

مسألة وسمعته يسأل: عن رجل أسلم فتسمى باسم إسحاق، وأبوه نصراني، فإذا قيل له: من أنت؟ قال: أنا إسحاق بن عبد الله، قال: ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: أما تسميته إذا أسلم باسم من أسماء الإسلام، فلا كراهة في ذلك، وإنما الذي كره له الألغاز في قوله: إنه ابن عبد الله، فيظن السامع له أنه ابن رجل من المسلمين، فينحو ذلك إلى الكذب، فلذلك كرهه، فقال: تركه أحب إلي، وقد مضى مثل هذا في رسم البز ورسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وقد قيل: إن الألغاز في مثل هذا مما لا

يقصد به مكرا ولا خديعة جائز، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقد مضى في أول سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق حكم اللغز في اليمين، وما يجوز منه مما لا يجوز، وفي سماع أبي زيد أيضا من كتاب النذور، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لعبده أنت سائبة أنه يحكم عليه بحريته

مسألة وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في السائبة أنه حر وولاؤه للمسلمين هم يرثونه ويعقلون عنه.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك يدل على أنه من قال لعبده: أنت سائبة، أنه يحكم عليه بحريته، ولا يصدق إن قال: لم أرد به الحرية، إلا أن يكون قوله قد خرج على سبب يدل على أنه لم يرد به الحرية، مثل قول أصبغ من رأيه في رسم البيوع الثاني من سماعه خلاف روايته عن ابن القاسم فيه: أنه لا يكون حرا إلا أن يريد بذلك الحرية، أو يقول له: اذهب فأنت حر وأنت سائبة وبالله التوفيق.

مسألة: أعتق سائبة إنه بمنزلة من أعتق عن جماعة المسلمين

مسألة وسألته: عمن أعتق سائبة، أليس هو عندك بمنزلة من أعتق عن جماعة المسلمين، فولاؤه لهم، وميراثه لهم، وعقله عليهم، فقال لي: بل هو عندي بمنزلة من أعتق عن جماعة المسلمين، فولاؤه لهم، وميراثه لهم، وعقله عليهم.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن أعتق سائبة: إنه بمنزلة من أعتق عن جماعة المسلمين، يدل على أنه إكراه عنده في عتق السائبة مثل قول أصبغ في رسم البيوع الثاني من سماعه، خلاف روايته فيه عن ابن القاسم في كراهة ذلك، لما فيه من هبة الولاء، فإن وقع جاز ومضى، وكان الولاء للمسلمين،

وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن نافع مثل قول ابن القاسم، وعن ابن الماجشون: إن عتق السائبة لا يجوز لأحد أن يفعله، فإن فعله كان الولاء له، إن عرف، وإن جهل، فالولاء لجميع المسلمين، وعقله عليهم، وقول ابن الماجشون أظهر، لقول النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الولاء لمن أعتق؛» لأن الولاء إنما كان له من أجل أن نوجب العتق لا من أجل أنه ولي إعتاقه، ولا من أجل أنه كان له) بدليل إجماعهم أن من أعتق عبده عن غيره، يكون الولاء للمعتق عنه، وأن من ولى عتق عبد رجل، يكون الولاء لصاحب العبد، فلما كان ثواب عتق السائبة للذي أعتقه سائبة، وجب أن يكون الولاء له، ففي عتق السائبة على ما بيناه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقول أصبغ في سماعه بعد هذا، والكراهة- وهو قول ابن القاسم، والمنع وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، وقول ابن نافع في المبسوطة، وبالله التوفيق.

مسألة: مات النصراني الذي أعتقه المسلم

مسألة وقال لي المخزومي: إذا مات النصراني الذي أعتقه المسلم، فإنه لا يرثه مولاه أبدا، وإنما ميراثه لولده وإخوته إن لم يكن له ولد، وبني عمه إن لم يكن له ولد ولا إخوة، فإن لم يكن له أحد من الناس ممن أخذ ميراثه من النصراني، ولم يعرض له فيهم؛ لأنهم لا يكلفون في أصل دينهم البينة، ولو كلفوا البينة على ذلك، لم يأتوا إلا بمن على دينهم، ونحن لا نجيز شهادة غير

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
: امرأة وقع لها على جاريتها شيء فقالت كل مملوك لي حر إن عفوت عنك: يحلف بالعتق في غلام له ألا يحله من الحديدمسألة: يغيب إلى المدينة فيموت بها أيقسم ورثته بمصر ماله إذ علموا موته: وقف على سبيل فحلف بعتق ما يملك إن شرب منهمسألة: جاء إلى امرأته بجاريتها يشفع لها فلما رأتها معه قالت أنت حرةمسألة: يموت زوجها وهي حامل ألها أن تتعجل ثمنها: عتق شركا له في عبد فلما أريد أن يقوم عليه قال إنه سارق آبقمسألة: العبد بين الرجلين فيعتق أحدهما حصته منه فلا يقوم عليه حتى يموتمسألة: توفي وأوصى في عبد بينه وبين أخر أن مصابتي منه حرمسألة: جارية بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منها فلم يقوم عليه حتى ولدت أولادامسألة: جارية بين أيتام يليهم رجل وبين أمهم لهم ثلاثة أرباعها ولأمهم ربعهامسألة: أوصى فقال ثلث غلامي هذا حرمسألة: جارية خاصمت في عتق ثلثها فخاصمت في ذلك ومرضت شهرينمسألة: العبد الحر بعضه أينتزع منه مالهمسألة: المعتق نصفه أله أن يتجر في أيامه التي لهمسألة: عبد بين رجلين أعتق أحدهما مصابته منه واستثنى مالهمسألة: الروم ينزلون بعض أرض الإسلام ثم يخصي بعضهم بعد نزولهم العبد من عبيدهممسألة: عتق السفيه إذا لم يكن عليه ولاية من أب ولا سلطانمسألة: عتاقة الصغيرمسألة: المعتق وهو مولى عليه ثم يلي نفسهمسألة: عتق المولى عليه المحتلم الذي لا يتهم بسفهمسألة: أعتق السفيه المولى عليه أم ولدهمسألة: قال إن كلمت فلانا إلا وأنا ناس فغلامي حرمسألة: حلف في أم ولد له بعتق ما يملك إن أخدمهامسألة: حلف بعتق ما يملك في أرض له إن أكراها فلانا العاممسألة: باع رجلا بيعا فسأله أن يضع عنه فحلف بالعتق ألا يفعل فيقضيه حقه كلهمسألة: يحلف بعتق جاريته ليضربنهامسألة: يحلف بعتق جاريته ليضربنهامسألة: قال جاريتي حرة إن دخلت الدار إلى شهرمسألة: ذات زوج قالت كل مملوك لي حر إن خرجت من هذا المنزلمسألة: عليه رقبة واجبة أيجزئ عنه أن يبتاع بعض أقاربه يعتقهمسألة: الخصي أيجوز في الرقاب الواجبةمسألة: أوصى أن يعتق عنه رقابمسألة: أيعتق الجد عن ابنة ابنته إذا ملكتهمسألة: أيملك الرجل أخته وأمه من الرضاعةمسألة: أوصت في جارية لها حامل بأنها حرة وما في بطنها مملوكمسألة: قال عند موته مسلمو رقيقي أحرارمسألة: هلك وترك امرأة حاملا وترك أولادامسألة: هلك وترك أبويه وامرأته حاملا فأراد أبواه أن يتعجلا ميراثهمامسألة: عبد أعتقه رجل وامرأة فكان إذا سئل مولى من أنت فقال مولى فلانمسألة: أسلم فتسمى باسم إسحاق وأبوه نصرانيمسألة: قال لعبده أنت سائبة أنه يحكم عليه بحريتهمسألة: أعتق سائبة إنه بمنزلة من أعتق عن جماعة المسلمينمسألة: مات النصراني الذي أعتقه المسلم
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل