كتاب النكاح الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: ينكح المرأة ويشترط في صداقها إن لم يأت به إلى أجل فأمرها بيدها
مسألة وسئل عن الرجل ينكح المرأة ويصدقها صداقا ويشترط في صداقها إن لم يأت به إلى أجل فأمرها بيدها، فإن هذا نكاح ليس بحسن، وأراه مفسوخا، فقيل له: أينفسخ الشرط ويثبت النكاح؟ فقال: لا ولكن يفسخ النكاح، أشهب يقول: يفسخ الشرط ويثبت النكاح، وسحنون يقول: النكاح جائز دخل أو لم يدخل، وهو قول المدنيين والتونسيين.
قال محمد بن رشد: قوله: ولكن يفسخ النكاح، يريد قبل الدخول ويثبت بعده، كذلك قال ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى، ورواه عن مالك في كتاب ابن المواز، وإذا ثبت بعد الدخول بطل الشرط وكان فيه الصداق المسمى، وقول أشهب يفسخ الشرط ويثبت النكاح يريد قبل النكاح وبعده بالصداق المسمى، وقول سحنون: النكاح جائز دخل أو لم يدخل، يريد والشرط لازم، ومثله روى أشهب عن مالك، وقد روى مثله عن ابن القاسم وأشهب، وهو أظهر الثلاثة الأقوال لأنه تمليك انعقد عليه النكاح قد لا تطلق المرأة نفسها إن لم يأت بالصداق فلا يشبه ذلك الخيار في النكاح بقوله إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بينهما، وإنما يشبهه لو قال: إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فهي طالق، وليس ذلك بشبه بين، وإنما كرهه من كرهه مخافة الذريعة إلى ذلك، فكأن المرأة قالت له لا أتزوحك إلا على أنك إن لم تأتني بصداقي إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بيني وبينك، فلما قيل لهما: إن ذلك لا يجوز، قال: فأنا أتزوجك على أني إن لم آت بصداقك إلى ذلك الأجل فأمرك بيدك، أو: فأنت طالق، فمن قويت الكراهة في ذلك عنده فسخ النكاح قبل الدخول، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك ولم يفسخه بعد الدخول، ومن ضعفت عنده الكراهة في ذلك أجاز العقد وأبطل الشرط وهو قول أشهب.
مسألة: امرأة تزوجها رجل فأسكنها مع أبيه وأمه فشكت الضرر في ذلك
مسألة وسئل مالك عن امرأة تزوجها رجل فأسكنها مع أبيه وأمه فشكت الضرر في ذلك فقال: ذلك له أن يسكنها معهم، فقيل له: فإنه يقول: إن أبي أعمى، ولا أغلق دوني ودونه بابا، قال: ينظر في ذلك فإن رئي ضرر، كأنه يقول: إن رئي ضرر أن يحولها عن حالها.
قال محمد بن رشد: وكذلك ليس له أن يسكن معها أولادا له من امرأة أخرى في بيت واحد ولا في دار واحدة، إلا أن ترضى بذلك، قاله في سماع سحنون من كتاب طلاق السنة، وذلك لما عليها في ذلك من الضرر لاطلاعهم على أمرها وما تريد أن تستر به عنهم من شأنها، وأمر الأعمى أخف في ذلك؛ إذ لا يبصر شيئا من أمورها، وقد «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فأوقف مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أمر الأعمى على النظر وحمله على غير الضرر حتى تثبت المرأة أنه يضر بها لأن قوله: فإن رئي ضرر، معناه: فإن ظهر ذلك وثبت وعلم، والله أعلم.
وقال ابن الماجشون في المرأة تكون هي وأهل زوجها في دار واحدة، فتقول: إن أهلك يؤذونني فأخرجهم عني، أو أخرج عنهم: رب امرأة لا يكون ذلك لها يكون صداقها قليلا وتكون وضيعة القدر، ولعله أن يكون على ذلك تزوجها وفي المنزل سعة، فأما ذات القدر واليسار فلا بد له أن يعزلها، وإن حلف ألا يعزلها حمل على الحق، أبره ذلك أو أحنثه، وليس قول ابن الماجشون عندي بخلاف لمذهب مالك، فمن لا يشبه حالها من النساء أن يسكنها زوجها في دار على حدة وله أن يسكنها في دار جملة فليس لها على زوجها أن يخرج أبويه عنها إلا أن يثبت إضرارهما بها، وستأتي في رسم الطلاق من سماع أشهب من هذا المعنى، والله الموفق.
مسألة: الرجل ينكح بعد رمي الحجارة قبل أن يفيض
مسألة ومن كتاب أوله من كان منزله دون الميقات قال مالك في الرجل ينكح بعد رمي الحجارة قبل أن يفيض: يفسخ نكاحه بغير طلاق ويكون خاطبا من الخطاب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العلة في أن المحرم لا يجوز له النكاح هي أنه لا يحل له النساء، ولا يحل له النساء وإن رمى الجمرة وحل من بعض إحرامه حتى يطوف طواف الإفاضة لقول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في خطبته بعرفة: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم الله عليه، إلا النساء والطيب، لا يمسن أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت، قال ابن المواز: وكذلك لو نسي من طواف الإفاضة شوطا واحدا فرجع إلى بلاده فنكح، فإن نكاحه يفسخ ويرجع حراما حتى يتم طوافه ويحل، ولو تزوج بعد كمال الطواف وقبل الركعتين فإن كان قريبا بحيث يجب عليه أن يرجع فيتبدئ طوافه، فسخ النكاح، وإن كان قد تباعد جاز ولم يفسخ، ولو تزوج بالقرب فلم يعلم بذلك حتى بعد جرى ذلك على الاختلاف في المريض يتزوج فلا يعلم بذلك حتى يصح، ولا يدخل هذا الاختلاف في المحرم يتزوج فلا يعلم بذلك حتى يحل من إحرامه، وقد حكى الفرق بين الموضعين أبو إسحاق.
وأما قوله: إنه يفسخ بغير طلاق، فقد مضى القول فيه في رسم الشريكين، والله الموفق.
تم كتاب النكاح الأول بحمد الله تعالى