كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هذا الوجه بكل ما يقدر عليه وليس يتكفف الناس، فقال: ما أرى مثل هذا إلا متعففا عن المسألة غير متكفف الناس ولا يسأل في عامتهم، فلا أرى أن ترد شهادة مثل هذا إذا كان عدلا وإنما ترد شهادة السائل المتكفف، فأما المعترض لإخوانه المتعفف والآخذ من مثل ما وصفت فلا أرى أن ترد شهادته بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما اختلف جواب ابن وهب في هاتين المسألتين لاختلاف السؤال فيهما، وذلك أنه سأله في السؤال الأول عن الذي يسأل سؤالا مصرحا دون تعريض حتى يعرف بالسؤال فرأى ألا تجوز شهادته، ومعنى ذلك إذا سأل لغير سبب يعرف فقال في المجموعة: وأما من نزلت به مصيبة ألجأته فيسأل بعض إخوانه وليس بالمشهور بالمسألة فلا ترد شهادته، وقال ابن كنانة في المجموعة وكتاب ابن سحنون وكذلك إن رزىء برزية مثل دية وقعت عليه وشبهه من العذر لم ترد شهادته بذلك إذا كان عدلا.
وسأله في السؤال الثاني عن الذي يأخذ من الصدقات ويطلب الأخذ منها بكل ما يقدر عليه من التلطف والتعرض مع التستر عن السؤال المصرح المكشوف فرأى أن تجوز شهادته، وهذا بين من ألفاظ المسألتين إذا اعترت، وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن ذلك اضطراب من قول ابن وهب في هذه المسألة فقال: اضطرب ابن وهب في هذه المسألة، وجواب الآخر أشكل بالأولى وجواب الأولى أشكل بالأخر فإن كان ثقل عليه سؤال الرجل الأول من الرجل الشريف أو ما يتصدق به على أهل الحاجة فكان ينبغي أن يثقل عليه أكثر طلب الثاني من وصية أو إمام كما ذكر أو ما أشبه ذلك بكل ما يقدر عليه، وكلاهما سائل لا محالة،
والأول أعذر عندي وأخف؛ لأنه ليس في قوله بكل ما يقدر عليه، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ [البقرة: 273] إلى قوله: ﴿إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] فدل على أنهم يسألون بغير إلحاف، والعائد على نفسه وعلى عياله بالحلال هو في سبيل الله، وهذه صفة عنهم، والله أعلم، مع أنه قد توجهت المدحة من الله عز وجل لهم، والذي أرى أن لا ترد شهادتهما إذا كانا عدلين، وفي هذا كفاية إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا نص قول محمد بن حارث في هذه المسألة، وإلى قوله كان يذهب من أدركنا من الشيوخ في تأويل [قول] ابن وهب فيقولون: المسألة العامة تبطل شهادة الشاهد باتفاق، والمسألة الخاصة تبطلها على أحد قولي ابن وهب، ولا يميزون بين التصريح بالسؤال وبين التعريض به والتلطف فيه مع التستر به، وما ذهبنا إليه في تأويل المسألة من أن من عرف بالتصريح بالسؤال في خاص أو عام ردت شهادته إلا أن يكون لذلك سبب يعذر به، ومن لم يصرح بالسؤال جازت شهادته، وإن أخذ الصدقات بكل ما يقدر عليه من التعريض والإلطاف مع التستر عن السؤال أولى، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة لمتعرض للولاة الطالب لجوائزهم
مسألة وسألته: عن المتعرض للولاة الطالب لجوائزهم على حال ما يلتمس قبلهم من الصلات والأعطية إذا كان عدلا أترى أن ترد شهادته بما تعرض مما في أيديهم؟ فقال: إن طالب ما في أيدي الولاة المتعرض لهم المعروف به لغير عدل عندي؛ لأن حالات
الولاة في زمانك ما تعلم، [فإذا كان بالطلب منهم والتعرض لهم معروفا فما أرى إلا أن ترد شهادته.
قال محمد بن رشد: أحاله من أمر الولاة على ما يعلم بقوله: لأن حالات الولاة في زمانك ما تعلم] ولم يبين ما ذلك الذي يعلم، والذي أراد، والله أعلم، قبح أحوالهم وسوء طريقتهم فيما يحمون، وتعديهم في كثير مما يأخذون مع تفويض الأمر إليهم في قسمة المال وإعطاء الجائزة منه لمن يستحقها، ولذلك شرط في رد شهادة من قبل جوائزهم أن يكون معروفا بالطلب لهم يريد مكثرا للأخذ منهم، ولو كانوا على غير هذا من التحجير عليهم في إعطاء المال باجتهادهم لسقطت شهادة من قبل جوائزهم وإن لم يتكرر ذلك من فعلهم إلا أن يعذروا في ذلك بجهلهم، وما يأتي لسحنون في آخر سماعه بعد هذا يبين هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: لشاهد يشهد عند القاضي فيسأله المشهود له أن يكتب إلى قاضي الكورة
مسألة وسألته عن الشاهد يشهد عند القاضي فيسأله المشهود له أن يكتب إلى قاضي الكورة التي يعرف بها الشاهد أن يعدل عنده ثم يكتب إليه بما ثبت من أمره أيلزم القاضي أن يفعل ذلك به؟ فقال: لا يلزم القاضي الذي شهد عنده الرجل أن يكتب إلى غيره من القضاة في تعديل الشاهد، وليس مثل هذا عليه، وعلى من شهد له شاهد بموضع من المواضع وعند قاض من القضاة أن بعدل شاهده حيث شهد وعند من شهد، ولكن استحب في حال النظر من القاضي المتفقد الذي يريد أن ينتهي إلى استبراء
ما استراب أن يتخذ في نواحي الكور رجالا عدولا مرضيين ممن يثق بحسن نظرهم ويأمن غفلتهم فيكتب إليهم يسألهم عن صلاح من شهد عنده من أهل نواحيهم، فإن جاءه بما يرضى من عدالة الشاهد أمضى بذلك شهادته، وإن لم يكن في كور الشاهد من يفزع إليه ويأمن ناحيته ويرضى صلاحه ممن يريد مساءلته عن الشاهد عنده فلا يكتبن إلا إلى أهل القناعة والرضى، وعلى المشهود له أن يعدل شاهده حيث شهد أو يدع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم الكبش قبل هذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ادعت ما لا يثبت إلا بشهادة شهيدين فإن جاءت بشاهد عدل
مسألة وسألت ابن وهب: عن الجارية تدعي الحرية والمرأة الضعيفة تدعي حقا فتزعمان أن بينتهما ببلد من نواحي الكور تريد أن ترفع إلى موضع شهادتها؛ لأنها لا تقدر لضعفها على جلب البينة أفترفع أم لا يلزم ذلك خصمها؟ فقال: أما الأمة فإن جاءت بشاهد واحد عدل استوجبت به الرفع إلى موضع شاهدها الآخر ويتخذ عليها حميل ثقة بقيمتها إلى الأجل الذي يوقفها السلطان حين يرفعها، وإن لم تأت بشاهد عدل على ما ادعت من حريتها لم تستوجب ما أرادت من رفعها ولم تخرج من يد سيدها ولم يمنع من شيء مما أحله الله له منها إذا لم يكن إلا دعواها فقط، وأما المرأة التي تدعي حقا فإن كان ما تدعي مما يستحق باليمين مع
الشاهد فإن جاءت بشاهد واحد حلفت مع شاهدها واستحقت حقها، مضت بذلك السنة، ولا رفع في مثل هذا؛ لأنها لا تستوجب الرفع إلا بعد شهادة شاهد، فإذا شهد لها شاهد استحقت حقها باليمين مع الشاهد واستغنت عن الرفع، وإن كانت ادعت ما لا يثبت إلا بشهادة شهيدين فإن جاءت بشاهد عدل استوجبت الرفع إلى موضع شاهدها، وإن لم تأت بشاهد عدل لم ترفع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى بيانها وتحصيل القول فيها في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب الأقضية، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.
مسألة: يكون في يده المنزل فيدعيه رجل
مسألة وسألته: عن الرجل يكون في يده المنزل فيدعيه رجل ويزعم أنه غصبه إياه وغلبه عليه، فيسأله السلطان البينة على ما ادعى فيأتي بشهداء عدول على ما ادعى من الغصب، فيدعي الذي هو في يده أنه اشتراه من الذي قامت له البينة على الغصب اشتراء صحيحا، فيسأله السلطان البينة على ما ادعى من اشترائه فيأتيه على ذلك ببينة عدول لعلهم أعدل من الذين شهدوا على الغصب، قال: قلت: أيهما أحق بالمنزل؟ قال: أرى أن من حاز منزلا وصار معروفا في يده وقامت له بينة على اشترائه من مدعيه قبله بالغصب الذي ذكرت أحق به وأولى بالقضاء له فيه من المدعي له قبله ليس في يديه شيء، وإن جاء بالبينة على الغصب لحيازته إياه وعدالة شهدائه على اشترائه منه.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الغصب فقال فيها: إن بينة الشراء أحق وأولى وإن
علم أن الغصب كان قبل الشراء، وحكى ابن حبيب في الواضحة مثله عن مطرف وابن القاسم وأصبغ إلا أنه [زاد] من قولهم متصلا بآخر المسألة إلا أن يكون الشهود الذين شهدوا على الشراء إنما شهدوا أنه اشترى منه وهو مغصوب بحاله لم يرد إليه ولم يملكه فيكون شراء مفسوخا مردودا بالغصب الذي كان قبله، ويرد الثمن الذي أخذ فيه، وقال محمد فيها: وهذا إذا علم أنه اشتراه وهو في ملك المستحق، وروى زياد عن مالك: أن من غصب منزلا أو شيئا من الأشياء فلا يجوز له أن يشتريه حتى يرده في يد أهله ويخرج منه، وقاله المدنيون، وتحصيل القول في هذه المسألة عندي أن شراء الغاصب الشيء المغصوب وهو في يده لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يشتريه وهو على حاله من الامتناع به عن صاحبه يعلم أنه لا يرده إليه إن لم يبعه منه، فهذا لا اختلاف في أنه بيع فاسد.
والثاني: أن يشتريه وهو قد طاع برده إلى صاحبه يعلم أنه إن لم يبعه منه صرفه عليه، فهذا لا اختلاف في أنه بيع صحيح.
والثالث: أن لا يتحقق هل صحت عزمة الغاصب على رد الشيء المغصوب على ربه قبل الشراء أم لا؟ فهذا هو موضع الخلاف في المسألة، يحكم بفساد البيع فيه على رواية زياد عن مالك، وبذلك حكم ابن بشير في أرحا الخزان التي عند قرطبة، ولم يبح للسلطان شراءها حتى صحت لصاحبها ستة أشهر، فحكم فيه بجوازه على ظاهر هذه الرواية ورواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب وظاهر ما في كتاب الصرف والغصب من المدونة وعلى ظاهر ما حكاه ابن حبيب أيضا عن مطرف وابن القاسم وأصبغ من أن البيع جائز وإن كان في يد الغاصب إلا أن يكون الشهود شهدوا أن الشراء وقع والغصب قائم بحاله، وقول محمد وهو إذا اشتراه وهو في ملك المستحق محتمل للقولين، وقد قيل: إن قوله في هذه الرواية اشتراء صحيحا معناه بالشهادة على أن البيع وقع بعد رجوعه إلى يد ربه، فهو مثل رواية زياد عن مالك، والتأويل الأول أظهر، وأما بيع الشيء المغصوب من غير الغاصب وهو في يد الغاصب فإن
كان الغاصب ممن لا تأخذه الأحكام مقرا بالغصب أو منكرا له فالبيع فاسد، وإن كان مقرا بالغصب ممن تأخذه الأحكام فالبيع جائز، وإن كان منكرا للغصب ممن تأخذه الأحكام يخرج ذلك على اختلاف في جواز شراء ما فيه خصومة، والقولان قائمان من المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهدون على شهادة رجل غائب فيقطع الحق بشهادتهم على شهادته
مسألة وسألته: عن القوم يشهدون على شهادة رجل غائب فيقطع الحق بشهادتهم على شهادته ثم يقدم الشاهد الغائب فينكر أن يكون قبله من ذلك العام شيئا أو يكون أشهد أحدا على شهادته فيما شهدوا به على شهادته أيمضي القاضي القضاء بهذه الشهادة؟ قال: سمعت مالكا يقول: يفسخ القضاء الذي قضى به في مثل هذا الوجه، وقال: كيف يقطع حق شهادة على شهادة رجل وهو ينكرها وينكر أن يكون أشهدهم عليها؟ فلا أرى أن يجوز مثل هذا ولا يمضي به حكم، وقد قال ابن القاسم في سماع عيسى: إذا شهد رجلان على شهادة رجل فقطع بشهادتهما الحق مع شاهد أو يمين صاحب الحق إن كان شيئا يجوز فيه شاهد ويمين أو شاهدان ثم جاء الذي شهد على شهادته فأنكر أن يكون شهد بتلك الشهادة، قال: الحكم ماض ولا غرم عليهما ولا يقبل قول الشاهد إنهما شهدا عليه بباطل، قلت: فلو كان قدم قبل أن يحكم بشهادتهما فقال هذا القول فقال: لا شهادة لهما، ويستحلف، صاحب الحق مع شهادة الثاني.
قال الإمام القاضي: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في
رسم يوصى لمكاتبه من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل
مسألة قال يحيى: سألت ابن وهب عن رجل كان مقرا في صحته بنكاح امرأة وتسأل المرأة أيضا عما يزعم الرجل من نكاحه إياها فتصدقه وتقر بمثل إقراره وليس على أصل تناكحهما بينة، فمات الرجل وهو مقيم على إقراره بنكاحها فطلبت ميراثها منه أيجب لها ميراث بهذا الإقرار؟ قال: لا ميراث بينهما إلا أن تقوم بينة على أصل النكاح أو يطول زمان ذلك جدا وهما مقران كما ذكرت ومناكحتهما فاشية بقول الجيران وظاهر الذكر فأرى الميراث بينهما بذلك الذكر الفاشي مع طول الزمان، وإلا فلا ميراث بينهما، قلت: أرأيت إن كانت المرأة تخبر في حياة الرجل وصحته بما يدعيه من نكاحها ويقر به من ذلك فتنكر قوله وتجحد دعواه، فلما مات أقرت وطلبت ميراثها؟ قال: لا شيء لها؛ لأنها إنما طلبت مالا تريد أخذه بدعواها بلا بينة تقوم على أصل نكاحها، وسألت عن ذلك ابن القاسم فقال لي مثل قول ابن وهب غير أنه لم يستثن مع إقرارهما طول الزمان وظهور ذكر ذلك في الجيران ولم يره نكاحا حتى يثبت أصله بالبينة لقول عمر بن الخطاب: "لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل " وسألت عن ذلك أشهب فقال لي مثل قول ابن القاسم غير أنه لم يذكر قول عمر ولم يحتج به.
قال محمد بن رشد: أما الولي فهو شرط في صحة العقد، وأما الإشهاد فليس بشرط في صحته ولكنه لا يتم عند المناكرة إلا به، فقول عمر بن الخطاب: " لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل " معناه لا نكاح يتم عند المناكرة إلا أن يكون بولي ويشهد عليه شاهدان، فإذا تقار الرجل والمرأة
على النكاح ولم تقم على أصله بينة وهما غير طارئين فلا يخلو الأمر من وجهين؛ أحدهما: أن تكون المرأة في ملكه وتحت حجابه.
والثاني: أن تكون بائنة منه منقطعة عنه، فأما إذا كانت في ملكه وتحت حجابه فالميراث بينهما قائم والزوجية بينهما ثابتة إذا طال كونه معها واشتهر؛ لأنه إذا لم يطل ذلك ويشتهر فوجوده معها ريبة توجب عليهما الأدب والحد إن تقارا على الوطء ولم تكن لهما بينة على النكاح على اختلاف في وجوب الحد إذا لم يقرا بزنى، وإنما أقرا بما لو أقاما عليه البينة لم يكن عليهما شيء، ولا يؤخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه، وهو أصل أشهب، وكذلك إن لم يعلم منها إقرار بما كان يقر هو به ويذكره من نكاحها بكون الميراث بينهما قائما والزوجية بينهما ثابتة؛ لأن كونها في ملكه وتحت حجابه كالإقرار منها بالنكاح أو أقوى، وأما إذا كانت بائنة منقطعة عنه فقال: إنه لا ميراث بينهما وإن طال ذلك وفشا ذكره في الجيران، و [هو] ظاهر قول ابن القاسم وأشهب في هذه الرواية، وهو بعيد؛ لأن النكاح مما تصح فيه الشهادة على السماع إذا طال الأمر ومضى من الزمان ما يبيد فيه الشهود على اختلاف بينهم في حد ذلك، وقيل: إنهما يتوارثان إذا طال ذلك وفشا ذكره في الجيران فشهدوا فيه على السماع، وهو قول ابن وهب في هذه الرواية أن الميراث بينهما بالذكر الفاشي مع طول الزمان يريد الطول الذي يبيد فيه الشهود، وأما إن لم يمض من المدة ما يبيد فيه الشهود وتجوز فيه شهادة السماع فلا اختلاف في أن الميراث لا يكون بينهما إلا أن تقوم بينة على أصل النكاح، ولو اشتهر الأمر اشتهارا يخرج عن حد الشهادة على السماع إلى حد التواتر الذي يوجب العلم لجاز للشاهد أن يشهد بذلك على انقطاع قولا واحدا، وإن لم يطل الأمر، فالاختلاف إنما هو إذا طال الأمر وشهد الشهود العدول فيه على السماع لا على القطع من ناحية
السماع، ويحتمل أن يكون ابن وهب تكلم على أن الأمر اشتهر واستذاع حتى يشهد فيه الشهود على القطع، وأن ابن القاسم وأشهب إنما تكلما إذا شهد الشهود على السماع لا على القطع فلا يكون بينهما اختلاف، ويحتمل أن يكون الخلاف بينهما إنما يرجع إلى حد الطول الذي يجوز فيه شهادة السماع لا إلى نفس إجازة شهادة السماع في ذلك.
وقوله في الرواية: إن المرأة إذا كانت في حياته تنكر قوله وتجحد دعواه فلما مات أرادت أن ترثه بإقراره لها بالنكاح إن ذلك لا يكون لها، يريد وإن طال ذلك وفشا في الجيران فشهد به على السماع، صحيح بين لا إشكال فيه ولا كلام لأنها قد كذبت البينة وأقرت على نفسها أنه لا ميراث لها فيه، وإنما الكلام إذا لم يعلم منها في حياته إقرار ولا إنكار، فلما مات ادعت صحة ما كان يقر به من نكاحها مع طول ذلك واشتهاره في الجيران والشهادة [به] على السماع، فالصحيح في النظر أنها ترثه بذلك إذا لم يعلم منها إنكار أو يرثها هو أيضا بذلك أعني بالشهادة على السماع مع الطول خلاف ظاهر ما في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب النكاح، وقد مضى هناك، وفي رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الأقضية طرف من القول على هذه المسألة، وبالله التوفيق.
###: لم يكن له شاهد فقضي على المدعي عليه باليمين فنكل عنها
ومن كتاب أوله: أول عبد ابتاعه فهو حر وسألته: عن الرجل يقيم الشاهد الواحد على حق له قبل رجل فقال له: احلف واستحقه، فيرد اليمين على المطلوب فيحلف ويبرأ، ثم يجد صاحب الحق شاهدا آخر أيلحقه بشهادة الأول ويستحق حقه أم لا يكون ذلك له؟ فقال: ليس ذلك له إذا عرض عليه استحقاق حقه بيمينه مع شاهده فلم يقبل بذلك قطع
بحقه، وليس هو مثل الذي لا يجد بينة أو تغيب بينته فيقضي على خصمه باليمين ثم يجد البينة على حقه، أو يقدم شهداؤه الغيب فهذا الذي يستحق حقه لما يحدث له من إحضار بينته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها أربعة أقوال؛ أحدها: ظاهر قوله في هذه الرواية إن نكوله عن اليمين مع شاهده ويمين صاحبه قطع بحقه فلا يكون له شيء، وإن أتى بشاهدين سوى الأول، وهو قول ابن كنانة وابن القاسم في المبسوطة.
والثاني: أنه إن جاء بشاهدين سوى الأول قضي له بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء.
والثالث: أنه إن أتى بشاهدين سوى الأول قضى له بهما وإن أتى بشاهد واحد قضى له به مع الشاهد الأول وأخذ حقه دون يمين، وهو قول عيسى بن دينار ورواية ابن الماجشون عن مالك.
والرابع: أنه إن أتى بشاهدين قضى له بهما، وإن أتى بشاهد واحد سوى الأول استؤنف له الحكم فحلف معه، واختلف على هذا القول إن نكل عن اليمين، فقيل: يحلف المطلوب ثانية، روي ذلك عن ابن القاسم، وقيل: لا يرد اليمين على المطلوب ثانية؛ لأنه قد حلف عليه مرة، وهو قول أحمد بن ميسر، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يعلم أن له شاهدا سوى شاهده أو علم به وهو بعيد الغيبة في الموضع الذي يكون له أن يقدم ببينته إذا استحلف المدعى عليه ولا شاهد له.
قال ابن دحون: فإن اشترط عند يمين المطلوب أنه يقوم إن وجد شاهدا آخر أو شاهدين على ذلك وحلف المطلوب فله ذلك عند الجميع، ومعنى قوله عندي إذا رضي المطلوب أن يحلف على ذلك، وأما إن لم يرض فلا يلزمه الرضى كما لا يلزمه الرضى بذلك إذا لم يكن للطالب شاهد، بل هو هنا أحرى ألا يلزمه، واختار أصبغ القول الأول، قال: ومما يبين ذلك أن لو لم يكن له شاهد فقضي على المدعي عليه باليمين فنكل عنها فردت على المدعي فنكل عنها فلم يأخذ شيئا ثم وجد بينة على دعواه أنه يقضى له بها.
قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحاب مالك يريد أصبغ أن المدعي كان قادرا على أن يأخذ حقه بيمينه عند نكول المدعى عليه كما كان قادرا على أخذ حقه ببينة مع شاهده، وتنظيره بين المسألتين صحيح، وإن لم
يوجد في المسألة التي احتج بها نص اختلاف بين أصحاب مالك كما زعم فإن الاختلاف عندي داخل فيها بالمعنى، فعلى قياس القول الأول لا يقضى له ببينة إن جاء بها ولا بشاهد مع يمينه، وعلى القول الثاني يقضى له ببينته إن جاء بها ولا يقضى له بشاهد مع يمينه لنكوله أولا عن اليمين، وعلى القول الثالث يقضى له ببينته إن جاء بها وشاهد مع يمينه إن جاء بشاهد واحد، وكذلك أيضا لو نكل المدعى عليه عن اليمين فغرم بعد يمين المدعي ثم وجد بينته على القضاء أو شاهدا واحد فأراد أن يحلف معه ويسترجع ما غرم لجرى الأمر في ذلك على الأقاويل الثلاثة، وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه المسألة معارضة لأول مسألة من رسم المكاتب، وليس ذلك عندي بصحيح، والفرق بين المسألتين أن الطالب في هذه المسألة قد رضي بترك حقه في أن يحلف مع شاهده واستحلف المطلوب فصار ذلك حكما له باليمين فلا تبطل على أحد القولين، ومسألة كتاب المكاتب الحق فيها إنما هو لله، ولا يجوز فيه إلا أربعة شهداء، فإذا شهد فيه أقل من أربعة شهداء لم تجز شهادتهم ولا كان لها حكم يتعلق بالمشهود عليه ولا بالمشهود له القائم بالشهادة، فوجب إذا جاء شاهد رابع أن يضاف إلى الثلاثة فيقام الحد على المشهود عليه ولا يحد الثلاثة إن كانوا لم يحدوا بعد، وهذا على القول بأنه ليس من شرط صحة الشهادة على الزنى أن يأتي الشهود جميعا؛ لأنه على هذا القول بمنزلة من أقام شاهدا واحدا على نسب أو على عتق فلم يحكم بشهادته، إذ لا يجوز في ذلك أقل من شهادة شاهدين حتى جاء بشاهد آخر، ولا اختلاف في أنه يضاف إلى الشاهد الأول فيحكم بشهادتهما، وقد مضى في رسم الصبرة القول في إتيان المحكوم عليه ببينة لم يعلم بها، وهي من شرح هذه، وبالله التوفيق.
مسألة: يقتل أخوه وللمقتول أولاد هم ورثته فشهد الأخ على رجل أنه قتل أخاه
مسألة وسألته: عن الأخ العدل المشهور بالصلاح يقتل أخوه وللمقتول أولاد هم ورثته، فشهد الأخ على رجل أنه قتل أخاه
ذلك أتجوز شهادته؟ قال: لا أرى ذلك، قلت: لم؟ وإنما وارثه بنو أخيه، فشهادته الآن ليست لأخيه، إنما هي لبني الأخ، قال: أعظم إجازة شهادته في دم أخيه أو ما يجر إلى ذلك، قال: ولا تجوز شهادته أيضا في الحدود إن قذف في بدنه أو قذفت أمه، وإن كان ليس بأخيه لأمه، قال: وأجيز شهادته له في النكاح والحقوق إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
###: أربعة أولاد لرجل شهدوا على أبيهم بالزنى وأبوهم معدم وهم عدول
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: سئل أشهب عن أربعة أولاد لرجل شهدوا على أبيهم بالزنى، وأبوهم معدم، وهم عدول، قال: يرجم الأب، قيل لأشهب: فإن كان الأب موسرا؟ قال: لا تجوز شهادتهم لمكان الميراث، وقال أصبغ: إلا أن يكون الأب إذ زنى كان بكرا فتقبل شهادتهم مليا كان أو معدما ويجلد، قال سحنون: قلت لأشهب: وكذلك لو شهدوا على أبيهم أنه قتل فلانا عمدا؟ قال: نعم والمعسر أيضا لا تجوز شهادتهم عليه؛ لأنهم يريدون الاستراحة منه لمكان النفقة عليه.
قال محمد بن رشد: مساواة أشهب في هذه المسألة بين أن يشهدوا على أبيهم بزنى أو بقتل فيها نظر؛ لأن شهادتهم عليه بالقتل إذا دعوا إلى الشهادة عليه واجبة عليهم، لقول الله عز وجل:
﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] الآية، ومستحبة لهم إذا لم يدعوا إليها لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها الحديث» فوجب إذا شهدوا عليه بالقتل أن تجوز شهادتهم عليه دعوا إلى الشهادة عليه أو لم يدعوا إليها إلا أن يتهموا بجر ميراثه إلى أنفسهم، أو بالاستراحة من النفقة عليه، وشهادتهم عليه بالزنى مكروه لهم؛ لأنهم مأمورون في ذلك بالستر على أنفسهم وعلى الناس، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله» وقال لهزال: «يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك» فالصواب أن لا تجوز شهادتهم عليه بالزنى؛ لأن ذلك عقوق منهم له إلا أن يعذروا في ذلك بجهل أو يكونوا قد دعوا إلى الشهادة عليه مثل أن يقذفه رجل بالزنى فيقوم عليه بحده فيسأل القاذف بنيه أن يشهدوا له بزناه ليسقط عنه حد القذف، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول أشهب، والله أعلم، وإذا سقطت شهادتهم عنه بأي وجه سقطت وجب الحد عليهم، وقد قاله سحنون إذا سقطت شهادتهم بالظنة، ولا فرق بين أن تسقط بالظنة أو بالجرحة، ورأى ابن لبابة شهادتهم عليه مما يوجب قتله جائزة مليا كان أو معدما، قال: ولا يتهم العدول بالميراث ولا بطرح النفقة، وهو قول له وجه في المبرز في العدالة
البائن في الفضل في الموضع الذي يتعين عليه فيه الشهادة، ويأتي على قياس قول ابن القاسم في الإمام يشهد عنده على المرأة المحصنة أربعة بالزنى أحدهم زوجها فلا يعلم بذلك حتى يقيم عليها حد الرجم إن له الميراث منها ويحد إلا أن يلاعن خلاف قول أصبغ في أنه لا ميراث له منها، وبالله التوفيق.
مسألة: الصغير يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبده فلان
مسألة قال ابن القاسم في الصغير يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبده فلان وقبضه له وشهد له آخر أن أباه نحله إياه، قال: لا أرى شهادته واحدة، وأراها مختلفة؛ لأن النحل يعتصر، والصدقة لا تعتصر، فهذان أمران مختلفان، ثم قال: أرأيت لو أن رجلا قام له شاهد على رجل أنه أسلفه مائة دينار وقام آخر فشهد له أيضا أن له عليه مائة دينار من ثمن جارية، فكذلك مسألتك الأولى، وأرى أن يحلف مع شاهديه مع كل واحد منهما ويستحق مائته.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ههنا وفي سماع محمد ابن خالد، ووقعت أيضا في رسم كراء المزارع والدور من سماع يحيى ساقطة الجواب، وقد مضى القول عليها مستوفى في رسم العرية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل الواحد هل يعدل الرجل أو يجرحه
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل الواحد هل يعدل الرجل أو يجرحه؟ قال مالك: لا، قلت له: فالقاضي إذا كان له من يسأل في السر؟ قال: لا أحب للقاضي أن يسأل في السر أقل من اثنين، ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين، ولا يقبل في السر إلا اثنين، وكذلك في العلانية.
قال الإمام القاضي: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تزكية النساء
مسألة وقال ابن القاسم: لا تجوز تزكية النساء ولا تجريحهن ولا شهادتهن في الهلال في رمضان ولا في الحج ولا في الفطر.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب وفي غيره من المواضع، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ثبوت شهادة الشاهد بشاهد ويمين
مسألة وقال أشهب في الرجل يقيم شاهدا على رجل أن فلانا وكله على حق له يطلبه قبل هذا الرجل أيحلف الوكيل مع شاهده أنه وكيل قال: لا يحلف الوكيل مع شاهده، وكذلك سمعت، ولا تثبت الوكالة إلا بشاهدين.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الوكالة لا تثبت بشاهد ويمين يريد وإن كانت الوكالة في المال صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها من أنه لا يجوز أن يشهد على شاهد ويحلف المدعي مع هذا الشاهد على شهادة ذلك الشاهد؛ لأن المعنى فيهما جميعا سواء، ألا ترى أن سحنون علل في المدونة المنع من ثبوت شهادة الشاهد بشاهد ويمين بأن الشاهد ليس بمال، فكذلك الوكالة ليست بمال، فعلى تعليله لا تثبت بشاهد ويمين كما لا تثبت شهادة الشاهد بشاهد ويمين، وقد قال ابن دحون: إنه يلزم من أجاز شهادة النساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهدا ويمينا على الوكالة في المال؛ لأنها تئول إلى المال، وليس ذلك بصحيح، إذ ليس كل موضع يجوز فيه شاهد وامرأتان يجوز فيه شاهد ويمين، وإنما الذي يقول سحنون
وابن الماجشون أن كل موضع يجوز فيه شاهد ويمين يجوز فيه شاهد وامرأتان، وهما لا يجيزان شهادة النساء في الوكالة على المال إنما يجيزانها على نفس المال وفيما لا يحضره إلا النساء، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهد على الرجل وهو من أهل العدل فلا يحكم القاضي بشهادته
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يشهد على الرجل وهو من أهل العدل فلا يحكم القاضي بشهادته حتى يقع فيما بينه وبين المشهود عليه خصومة، أترى أن ترد شهادته بذلك؟ قال: لا وإنما يرد كل ما شهد به بعد الخصومة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع أشهب وفي رسم باع شاة من سماع عيسى، ويأتي في نوازل أصبغ فنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله، وبالله التوفيق.
مسألة: يشهد عليه أنه وجد به ريح شراب فيقول المتهم للقاضي إنه عدو لي
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يشهد على الرجل أنه وجد به ريح شراب فيقول المشهود عليه للقاضي إنه عدو لي مصارم، فيسأل القاضي عن ذلك رجلا والرجل يعلم أن الشاهد عدو للمشهود عليه والشاهد عدل، أترى أن يجيزه بذلك؟.
قال: نعم، قيل له: فإن كان الرجل المسئول قد أقر عنده الذي وجد به ريح شراب أنه شراب أترى إذا سأله القاضي عن الشاهد أنه عدو للمشهود عليه أترى أن يجيزه بذلك؟ قال: لا يجيز بذلك حتى يقام على المشهود عليه الحد، ثم قال: أرأيت لو أن رجلا أقر عنده رجل أن لفلان عنده دنانير فشهد على ذلك الرجل بذلك الحق رجال هم أعداؤه وهم عدول، فقال المشهود عليه هم أعدائي فسأل القاضي الذي أقر عنده أهم أعداؤه وهو يعلم أينبغي
له أن يعلمه بذلك؟ فقال: لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما يأتي لسحنون في نوازله بعد هذا وخلاف ما مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم وفي أول رسم من سماع عيسى، وقد مضى القول على ذلك في الموضعين، وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة امرأتين في جراح العمد
مسألة قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة امرأتين في جراح العمد إنما تجوز في جراح الخطأ وقتل الخطأ، وسئل عنها سحنون، فقيل له: إنها ذكرت بمصر فقال: شهادة النساء في جراح العمد جائزة، وأصل قولنا في هذا أن كل ما جاز فيه اليمين مع الشاهد فشهادة النساء فيه جائزة، وما لا تجوز فيه اليمين مع الشاهد فشهادة النساء فيه ساقطة، فوجدنا اليمين مع الشاهد جائزة في جراح العمد، فمن ثم جازت شهادة النساء فيه، وهو قول ابن الماجشون، وكذلك لو شهدت امرأتان ورجل، أن رجلا أوصى بوصية للمساكين لم تجز الوصية؛ لأنه ليس فيها يمين مج الشاهد؛ لأن النساء إنما تجوز شهادتهن في كل موضع يكون فيه اليمين مع الشاهد، وهذا موضع لا يجوز فيه اليمين مع الشاهد.
قال محمد بن رشد: هذا الأصل الذي التزمه سحنون وابن الماجشون من أن كل موضع يجوز فيه اليمين مع الشاهد تجوز فيه شهادة النساء لم يلتزمه ابن القاسم؛ لأنه لم يجز في هذه الرواية شهادة امرأتين في جراح العمد وهو يجيز القصاص في جراح العمد باليمين مع الشاهد، ويحتمل أن يتأول مذهبه على ذلك؛ لأن قوله اختلف في القصاص من
الجراح باليمين مع الشاهد على ما ذكرنا وحصلنا القول فيه في رسم القضاء من سماع أشهب، واختلف قوله أيضا في إجازة شهادة النساء في ذلك أيضا فقال في هذه الرواية: إن شهادتهن لا تجوز في ذلك، ووقع في المجموعة وكتاب ابن سحنون اختلاف قول ابن القاسم في ذلك، وأن الذي رجع إليه أنها لا تجوز، فيحتمل أن يقال: إنه إنما أجاز شهادة النساء في ذلك على القول بأن اليمين تكون في ذلك مع الشاهد، وأنه إنما منع من إجازة شهادة النساء في ذلك على القول بأن اليمين مع الشاهد لا يكون في ذلك [عنده] وأما قول ابن الماجشون في المنع من إجازة شهادة النساء في الوصية بالمال للمساكين فهو إغراق على طرد أصله، وليس بثابت في جميع الروايات، والصواب إجازة شهادة النساء في ذلك على أصله؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما امتنع من أجل أن صاحب الحق غير معين لا من أجل أن الوصية بالمال لا تستحق باليمين مع الشاهد، فمذهب ابن الماجشون وسحنون أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الشاهد واليمين، وأن الشاهد واليمين لا يجوز إلا فيما يجوز فيه شهادة النساء، فكل موضع يجوز فيه هذا يجوز فيه هذا، وكل موضع لا يجوز فيه هذا لا يجوز فيه هذا.
وأما على مذهب ابن القاسم المشهور عنه فكل موضع يجوز فيه اليمين مع الشاهد يجوز فيه شهادة النساء، وليس كل موضع يجوز فيه شهادة النساء يجوز فيه اليمين مع الشاهد، فما يجوز فيه شهادة النساء أعم وأكثر مما يجوز فيه الشاهد واليمين؛ لأن شهادة النساء تجوز عنده على الوكالة في المال وعلى شهادة الشاهد بالمال، ولا يجوز عنده في شيء من ذلك شاهد ويمين، وإذا قلنا على، مذهبه في هذه الرواية إنه يجيز القصاص باليمين مع الشاهد ولا يجيز شهادة النساء في ذلك فليس أيضا كل موضع يجوز فيه اليمين مع الشاهد تجوز فيه شهادة النساء، فعلى هذا من الأشياء ما يجوز فيه هذا وهذا، ومنها ما لا يجوز فيه هذا ولا هذا، ومنها ما يجوز فيه هذا ولا يجوز فيه هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: لاعب الشطرنج أما المدمن عليها فلا تجوز شهادته
مسألة وكتب إلى سحنون يسأل عن الحديث الذي ذكر عن عمر في قوله: " والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مضروبا حدا أو مجرحا في شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة " وكتب يقول: ما الحال التي يستوجب بها الرجل المسلم أن يكون عدلا يلزم من عرفه من الحكام قبول شهادته ويلزم من عرفه من أهل العدل تعديله حتى يقول فيه عند القاضي هو عندي عدل، وأنتم لا تجيزون من المعدل غير هذا القول، فقد يكون الرجل ظاهر الصلاح من أهل المساجد، وربما كان مع ذلك من أهل الحج والجهاد لا يعلم منه من جاوره إلا خيرا، أو لعله لم يخالطه في الأخذ والإعطاء فيعرف به قبح دينه، وربما كان على هذه الصفة وهو يقارب بعض الأشياء المكروهة غير الكبائر والمستشنع من الأمور، فإن قلت: إنه لا يجوز لمن قارب الذنوب أن يوصف بالعدالة والرضا، فمن هذا الذي يسلم من مقاربة الذنوب والزلل، وقد قيل: اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيئته، فما هي هذه الزلة من العالم؟.
وهل هو إذا واقعها بها مجرح ساقط الشهادة، فقد ذكر في وصية الخضر لموسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيث يقول: «واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا»، وهو نبي مرسل، فكيف بمن دونه من الناس؟ وقد يكون الرجل يقبل
صلة السلطان ويأكل طعامه، وسلاطين هذا الزمان من قد علمت، أتراه [لذلك] مجرحا ساقطا الشهادة؟ فإن قلت: إن ذلك لجرحة في شهادته فقد قبل جوائز السلطان من قد علمت من أئمة الهدى والعلم، قد أخذ ابن عمر جوائز الحجاج، والحجاج من قد علمت، وأخذ ابن شهاب جوائز عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء، وأخذ مالك جوائز أبي جعفر، فإن قلت: إنهم كانوا يأخذون ذلك على الخوف فإن منهم من يأمن السلطان بترك الأخذ منه فلم ير إلا خيرا، وقد ذكر أن أبا جعفر أمر لمالك بثلاث صرر دنانير فاتبعه الرسول [بها].
فسقطت منها صرة في الزحام، فلما أتاه بالصرتين سأله عن الثالثة، فأنكر أن يكون أخذ غير الصرتين فلزمه مالك بالثالثة وألح عليه فيها حتى أتى بها بعض من وجدها فدفعها إليه، فمالك لم يفعل هذا إلا متطوعا، فإن رأيت طرح شهادة من أخذ من السلطان فجميع القضاة منه يرزقون وإياه يأكلون، قال سحنون: اكتب إليه: أما قولك: ما الحال التي يستوجب بها الرجل المسلم أن يكون عدلا يلزم الحكم قبول شهادته فهو الرجل المشهور بالعدالة في بلده المتواتر عليه بهذا الذي يكون عند الحكم من معرفته مثل الذي يكون عند الذي يريد تعديله وقد جازت شهادته وعرفت عدالته، وقد قال مالك: من الرجال رجال لا يسأل عنهم لشدة عدالتهم والاجتماع على ذلك منهم، فأما قولك ويلزم من عرفه عدالته ويكون الرجل ظاهر الصلاح من أهل المساجد والجهاد فلا يزكيه بذلك حتى يعرف باطنه كما عرف ظاهره ويثبت عنده من معرفة باطنه مثل الذي ثبت من
معرفة ظاهره، ولن يكون ذلك ولا يوقع على حقيقته إلا بالصحبة الطويلة والمعاملة والأخذ والإعطاء، فإذا فعل ذلك زكاه.
[وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كان يقال إذا مدح الرجل الرجل: أصحبته في سفر؟ أخالطته في ماله؟ كأنه يرى أنه لا يوقع على صحة معرفته إلا بالمخالطة والسفر.
وأما قولك: وربما قارب بعض الأشياء المكروهة وقارب بعض الذنوب فإن ذلك لن يسلم منه أحد، وليس أحد بمعصوم من الخطأ والزلل، فإذا كان الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لم يضره ذلك في عدالته، وقد كان مالك يقول: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم، يقول: يكون العيب خفيفا، والأمر كله جميل حسن، فلا يذكر اليسير الذي ليس أحد منه بمعصوم مع هذا الصلاح الكثير] وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في لاعب الشطرنج: أما المدمن عليها فلا تجوز شهادته، فإن كان ذلك منه على غير الإدمان وكان الأمر الخفيف قبلت شهادته، فلو كان من قارب هذه الذنوب التي لا يسلم منها أحد لا تقبل شهادته ما قبلت لأحد شهادة، قال: وقال الله لنبيه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وقد كان يقال: ليس المتقي لحدود الإسلام كاللاعب فيها، وأما قولك فقد كان يقال: اتقوا زلة العالم فزلته عندنا والله أعلم أن يبتدع بدعة فيتبع عليها، ألا ترى أنه قد قيل: اتقوا زلة العالم، فإنه إذا زل زل بزلته عالم كثير، وإذا فعل ذلك من العمال عمال أمير المؤمنين المضروب على أيديهم فهو ساقط الشهادة عندنا، وأما
الأكل فمن كان ذلك منه الزلة والفلتة فغير مردود الشهادة، وهذا من الذنوب التي وصفت لك، وأما المدمن الأكل عندهم فساقط الشهادة، وأما ما احتججت به من قبول ابن شهاب ومالك لجوائز السلطان فقد قست بغير قياس، واحتججت بما لم يحتج به من قبل أن قبول مالك لها من عند من تجري على يديه الدواوين وهو أمير المؤمنين، وجوائز الخلفاء جائزة لا شك فيها على ما شرط مالك لاجتماع الخلق على قبول العطاء من الخلفاء ممن يرضى منهم وممن لا يرضى، وجل ما يدخل بيوت الأموال بالأمر المستقيم، والذين يظلمون قليل في كثير، ولم نعلم أحدا من أهل العلم أنكر [أخذ] العطاء من زمن معاوية إلى اليوم.
وأما قولك في القضاة فإنما هم أجراء للمسلمين أجروا أنفسهم [للمسلمين] فلهم أجرهم من بيت مال المسلمين، وأما ما ذكرت عن ابن عمر فقد سمعت علي بن زياد ينكر ذلك عن ابن عمر ويدفعه.
قال محمد بن رشد: لم يجب سحنون على السؤال الأول من هذه المسائل في معنى ما ذكر عن عمر بن الخطاب من أن «المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مضروبا حدا» إلى قوله وهو كلام ظاهره أن الشاهد محمول على العدالة لمجرد الإسلام، وقد تعلق بذلك أبو حنيفة، فقال: إن مجرد الإسلام يقتضي العدالة، وإن كل من أظهر الإسلام يحكم له بالعدالة وتقبل شهادته حتى يعرف فسقه، وحكى عنه أبو بكر الرازي أن ذلك في زمن أبي حنيفة؛ لأن القرن الثالث الذي أثنى عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وأما بعد القرن الثالث، فلا يكتفي في عدالة الشاهد بمجرد الإسلام، والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما من أن الشاهد لا تقبل شهادته بمجرد إسلامه حتى تعرف عدالته بكونه على الأحوال المرضية فيه لقول الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فنقول: إن قول عمر بن الخطاب هذا ليس على ظاهره من وجوب قبول شهادة الشاهد بمجرد إسلامه؛ لأنا لو اتبعنا ظاهره لوجب أن نجيز شهادة المسلم وإن علمنا فسقه إذا لم يتهم في ولاء، ولا قرابة ولا علمت منه شهادة زور ولا كان مجلودا في حد، إذ لم يستثن في الحديث إلا هؤلاء الثلاثة، فلما لم يصح ذلك بالإجماع وجب ألا يحمل الحديث على ظاهره، وأن يكون المعنى الذي قصد فيه أن الإسلام شرط في قبول شهادة الشاهد كما أن البلوغ والحرية شرط في قبول شهادته، فمعنى قوله على هذا التأويل أن المسلمين هم الذين تجوز شهادة بعضهم على بعض لا الكفار، ويدل على صحة هذا التأويل قوله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " ويحتمل أن يريد بقوله رضي
الله عنه: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لأنهم محمولون على العدالة بتعديل الله إياهم حيث يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: 110] الآية وبقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] الآية وبقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» فلما كان هذا أحكام الصحابة كان الأمر في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر على أن كل مسلم عدل؛ لأنهم كانوا أصحابه، فلما بعد العهد في آخر خلافة عمر وظهرت شهادة الزور فيمن شهد من غير الصحابة فأخبر بذلك ولم يكن ظن به قال: "والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " وهذا التأويل أسعد بالظاهر والله أعلم، ومن تعلق بظاهر قول عمر هذا في حمل الشاهد على العدالة حتى تعرف جرحته يلزمه أن يحكم بشهادة الشاهد المجهول الحال دون تعديل في الحدود والقصاص وهو لا يقول بذلك فقد نقض أصله وسقط قوله، وإنما تبتغى العدالة في الشاهد حيث لا يعدم العدول في أغلب الأحوال، وأما حيث يعدمون كشهادة الصبيان فيما يقع فيما بينهم من الجراح والقتل، وكشهادة أهل الرفقة فيما يقع بينهم في السفر ففي ذلك اختلاف وتفصيل ليس هذا موضع ذكره، وأما قول سحنون
في صفة الشاهد الذي يجب على الحاكم قبول شهادته ويجب على من عرفه تعديله إنه المعروف بالعدالة وإن قارب بعض الذنوب والأشياء المكروهة، فإنه قول صحيح بين لا اختلاف فيه، وقد اختلف فيما يحد به العدالة من الألفاظ، وأحسن ما رأيت في ذلك أنه المجتنب للكبائر، المتوقي من الصغائر؛ لأن من واقع الكبائر فهو فاسق، ومن لم يبال بالصغائر ولا توقى منها فليس بعدل؛ لأن كل صغيرة إذا انفردت فهي كبيرة إذ قد استوجب عليها عقاب الله إلا أن يغفر له، فلا يقال فيها إنها صغيرة إلا بإضافتها إلى الكبيرة لكنه لما لم تمكن السلامة منها لم يخرج عن العدالة بالوقوع في شيء منها، وأما الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقيل: إنهم غير معصومين منها بدليل قول الله عز وجل لنبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] والذي أقول به أنهم معصومون من القصد إلى إتيان الصغائر، كما أنهم معصومون من القصد إلى إتيان الكبائر إلا أنهم يؤاخذون لمكانتهم ومنزلتهم بما ليس بكبائر ولا صغائر في حق من سواهم، وهذا نحو قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» سأل الله عز وجل ألا يؤاخذه فيما ليس في وسعه ولا يدخل تحت طاقته وقدرته، وأن يغفر ذلك له، وإن كان الله قد تجاوز لعباده عنه بقوله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وقول سحنون: إن قبول الجوائز من العمال المضروب على أيديهم جرحة تسقط الشهادة والعدالة صحيح، ومعناه عندي إذا قبضوا ذلك من العمال على الجباية الذين إنما جعل عليهم قبض الأموال وتحصيلها دون وضعها في وجوهها ومواضعها
بالاجتهاد في ذلك، وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة وخليفة الخليفة قبض الأموال وجبايتها وتصريفها باجتهادهم في وجوهها ومواضعها كالحجاج وشبهه من الأمراء على البلاد المفوض جميع الأمور فيها إليهم فقبض الجوائز منهم كقبضها من الخلفاء، فإن صح أخذ ابن عمر جوائز الحجاج فهذا وجهه، وأما القضاة والأجناد والحكام فلهم أن يأخذوا أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم أعني العمال الذين فوض إليهم النظر في ذلك وضرب على أيديهم فيما سوى ذلك من إعطاء مال الله لمن يرونه بوجه اجتهادهم، وقد روي عن مالك أنه قال: لا بأس بجوائز الخلفاء، فأما جوائز العمال ففيها شيء، يريد، والله أعلم، العمال الذين ظاهر أمرهم أن الأمور كلها مفوضة إليهم، وأن الخليفة قد أنزله في جميعها منزلته ولم يتحقق ذلك، فلذلك قال: إن في أخذ الجوائز منهم شيء يريد أن ذلك مكروه فتركها أحسن، ولو تحقق ذلك لم يكن لكراهة أخذ الجوائز منهم وجه، كما أنه لو تحقق أنه لم يؤذن لهم في إعطاء المال باجتهادهم لمن لم يعمل عليه عملا لم يكن لتسويغ أخذ الجوائز منهم وجه، فإذا كان المجبي حلالا وعدل في القسمة فاتفق أهل العلم على جواز أخذ الجوائز منه، [وإذا كان المجبي حلالا ولم يعدل في القسمة فيه، فمنهم من أجاز الجوائز منهم..]، وهم الأكثر، ومنهم من كرهه حتى يعدل في القسمة فيه، وإذا كان المجبي يشوبه حلال وحرام فمنهم من كره أخذ الجوائز منه وهم الأكثر، ومنهم من أجازه، وإذا كان المجبي حراما فمنهم من حرم أخذ الجوائز منه والأرزاق على عمل من الأعمال، روي هذا القول عن مالك، ومنهم من أجازه، ومنهم من كرهه، وإن كان الغالب عليه الحرام فله حكم الحرام، وإن كان الغالب عليه الحلال فله حكم الحلال، وفيه كراهة ضعيفة، وإن كان الخليفة يجبي الحلال والحرام، فمن أخذ مما يعلم أنه حلال فله ما ذكرناه من حكم المجبي الحلال، ومن أخذ ما يعلم أنه حرام
فله ما ذكرناه من حكم المجبي الحرام، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله تعالى التوفيق.
###: تضعان في ليلة فيختلط الصبيان
من نوازل سحنون من كتاب الشهادات وسئل: عن رجل استودع صبية ثم غاب صاحب الصبية عنه زمانا ثم قدم وقد مات المستودع فقامت البينة للرجل أن الميت أقر أن لفلان عندي وصيفة وديعة وهاتان الجاريتان ابنتاي فقال الشهود: قد أشهدنا الميت أن واحدة من هؤلاء الجواري [الثلاث]، جاريتك والجاريتان ابنتاه إلا أنا لا نعلم أيتهن جاريتك منهن، قال: لا تجوز شهادتهم، ولا شيء للمدعي؛ لأن الشهادة لا تكون إلا قاطعة بتة على شيء بعينه، وهم لا يعرفون ما يشهدون عليه ولا يحدونه ولا يقصدون قصد الصبية بعينها.
قال محمد بن رشد: لم يقل سحنون في هذه المسألة إنه يحكم فيها بالقافة كما قال في أول مسألة من نوازله من كتاب الاستلحاق في الرجل يسافر بامرأته فينزل على الرجل في قريته ومعه أم ولد له حامل وامرأة ضيفه حامل فتضعان في ليلة فيختلط الصبيان فلا يعرف كل واحد منهما ولده فيدعي كل واحد منهما صبيا منهما، يقول هذا ولدي، ويقول الآخر هذا ولدي، وكلاهما لا يدعي منهما صبيا بعينه لأنهما قد اختلطا ولا يعرفان إنه يدعي لهما القافة، فقيل إن ذلك اختلاف من قوله، ولا فرق بين المسألتين، وقيل: إن قوله في كتاب الاستلحاق مبين لقوله في هذه المسألة
لأنه زاد فيها من وجوب الحكم بالقافة ما سكت عنه في هذه، وقيل وهو الأظهر: إنهما مسألتان مفترقتان حكم في تلك بالقافة؛ لأنه مجرد إثبات نسب كل واحد منهما من أبيه، ولم يحكم في هذه بالقافة؛ لأن ذلك يئول إلى القضاء برق إحداهن والحكم بها لمدعيها ملكا، وذلك ما لا يجوز إعمال قول القافة فيه، ألا ترى أنه لو ادعى رجل ولد أمة رجل فقال زوجتنيها فولدت هذا الولد مني وأنكر ذلك سيد الأمة وادعى أن الولد له ولدته من زنى لم يجز أن يحكم به لمدعيه لقول القافة، وهذا بين، والله أعلم.
مسألة: شهادة القائف الواحد على ما يقول
مسألة وسئل سحنون: أترى للقاضي أن يقضي بقائف واحد؟ فقال: لا يقضي بواحد ولا يلحق به نسبا، قيل: فإن لم يجد إلا قائفا واحدا؟ قال: يكتب إلى البلدان ويرسل حتى يأتيه قائف آخر، قيل له: فإن كتب ولم يجد؟ قال: يكتب أيضا وينتظر أبدا ولا يقضي بقائف واحد وقد أخبرني ابن نافع عن مالك قال: لا يجوز من القافة إلا اثنان، قيل له: فيقضي بغير العدول من القافة؟ قال: لا يكون القائف الذي يقضي به إلا عدلا وإلا لم يجز، وفي سماع محمد بن خالد قال: قلت لابن القاسم: هل تقبل شهادة القائف الواحد على ما يقول؟ فقال: أما مالك فقد كان يقول: لا يقبل إلا اثنان عدلان، قال ابن القاسم: ويرى أن شهادة الواحد مقبولة إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: القياس على أصولهم أن يحكم بقول القائف الواحد وإن لم يكن عدلا؛ لأنه علم يؤديه وليس من طريق الشهادة كما يقبل قول النصراني الطبيب فيما يحتاج إلى معرفته من ناحية الطب كالعيوب والجراحات، فاشتراط ابن القاسم فيه العدالة استحسان، وقد روى ابن وهب عن مالك إجازة القضاء بقول الواحد منهم ولم يشترط في ذلك
عدالة، ووجه قول سحنون ورواية ابن نافع عن مالك في أنه لا يجوز أن يقضي منهما إلا باثنين عدلين مراعاة للاختلاف، إذ من أهل العلم من لا يرى الحكم بالقافة أصلا، وهو مذهب أبي حنيفة، إذ لا يصح عنده القطع من ناحية الشبه على أن الولد لمشبهه، وإنما هو دليل قد يخطئ ويصيب فلا يجب عنده أن يحكم بالولد لمن تقول القافة إنه من نطفته، ويجوز لمن يقع في قلبه مثل ذلك ولمن يعلم حقيقة الأمر فيه أن يسر به، وإن لم يكن مع ذلك وجوب حكم ولا قضى كما «فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ دخل مجزز المدلجي عليه فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» وهذا الحديث أصل عندنا في وجوب الحكم بقول القافة، والوجه فيه عند أبي حنيفة ما ذكرته، ولمالك في سماع أشهب من كتاب الاستلحاق أنه لا يقضى من القافة إلا بقول قائفين، فظاهره مثل رواية ابن نافع هذه إلا أنه علل ذلك بأن الناس قد دخلوا ولم يشترط في ذلك عدالة فدل ذلك من تعليله على ما ذكرنا
من أن ذلك ليس على حكم الشهادة، وإنما استحب أن يكونا اثنين استظهارا في الحكم للمعنى الذي ذكره، فانظر في ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.
مسألة: دعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ
مسألة وسئل سحنون عن قول الله تعالى: [ ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] فقال: إذا كان للرجل عندك علم قد أشهدك عليه، وأما إذا لم يكن له عندك علم، وإنما يريد أن يشهدك ابتداء فأنت في سعة إذا كان يجد في البلد غيرك من يشهده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القيام بالشهادة الذي أمر الله به] حيث يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] و ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] ينقسم على وجهين؛ أحدهما: أن يدعى ليشهد على الشهادة ويستحفظ إياها.
والثاني: أن يدعى أن يشهد بما علمه استحفظ إياه أو لم يستحفظ.
أما الوجه الأول وهو أن يدعى ليشهد ويستحفظ الشهادة فإن ذلك واجب وفرض على الجملة يحمله بعض الناس عن بعض كالجهاد والصلاة على الجنائز وما أشبه ذلك، فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الفرض في خاصته؛ لأن الله قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] فإذا قيم بها فقد امتثل الأمر وسقط الفرض، إذ لا معنى لقيام من قام بها بعد ذلك.
وأما الوجه الثاني وهو أن يدعى ليشهد بما علمه واستحفظ إياه فإن ذلك واجب عليه لقول الله عز وجل:
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وقوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] فمن كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يكتمها ويلزمه إذا دعي إليها أن يقوم بها، وأما إن لم يدع إلى القيام بها فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها» وهذا فيه تفصيل قد مضى القول فيها مستوفى في رسم شهد على شهادة ميت من سماع عيسى، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يجب على كل من دعي إلى شهادة أن يجيب سواء دعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ لقول الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وليس ذلك بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهدا إلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة، وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد ولا داخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] إلا من هو شاهد، وهذا بين، وبالله التوفيق.
مسألة: كيف يعدل الرجل عند القاضي
مسألة وسئل سحنون: كيف يعدل الرجل عند القاضي؟ فقال: يقولون للقاضي هو عندنا من أهل العدل والرضى جائز الشهادة، قيل له: فإن لم يقولوا: وهو عندنا عدل رضا إلا أنهم قالوا هو عندنا عدل فلم يزيدوا عدى هذا؟ فقال: وهذه تزكية أيضا، قيل له: فهل ينبغي للقاضي أن يقول لهم ترضون بشهادته لكم وعليكم؟ فقال: ليس عليه أن يسألهم عن هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الشاهد يقول في تعديل الشاهد هو عندي من أهل العدل والرضى أو هو عندي من أهل العدل ولا يزيد على ذلك صحيح، وإنما جازت شهادته بأن يقول: هو عندي من أهل العدل ولم
يلزمه أن يقول هو من أهل العدل؛ لأن القطع على ذلك لا يصح، وإنما يشهد الشاهد بما يغلب على ظنه من عدالته بما ظهر إليه من أحواله، وهذا نحو قول أصبغ: لا أرى أن يقول الرجل في تعديل الرجل هو عدل، وليقل أراه عدلا، ولو قال: هو عدل ولم يقل: عندي كما قال في هذه الرواية ولا قال أراه عدلا كما قال أصبغ لجازت شهادته ولم تكن غموسا وإن كان ظاهر القطع بما لا يصح القطع عليه؛ لأن المعنى في ذلك عند الشاهد ما يغلب على ظنه من عدالته، ولا يدخل في هذا عندي الاختلاف الحاصل فيمن شهد لمستحق عرض من العروض أنه ما باع ولا وهب حسبما مضى القول فيه في رسم الأقضية لابن كنانة من سماع أشهب، واختار أن يقول المعدل في تعديل الشاهد هو عندي من أهل العدل والرضى فجمع بين اللفظين؛ لأن الله قال في موضع: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. وقال في موضع: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فإن اقتصر على أحذ اللفظين اكتفي به؛ لأن الله قد ذكر كل لفظ منهما على حدة فكان ذلك كافيا في صفة الشاهد الذي يجوز قبول شهادته؛ لأن من كان من أهل العدل فهو من أهل الرضى ومن كان من أهل الرضى فهو من أهل العدل، وبالله التوفيق.
وقوله: أليس على القاضي أن يسأل الشهود المزكين هل يرضون بشهادته لهم وعليهم صحيح أن ذلك ليس عليه، بل الأظهر أن ذلك لا ينبغي له إذ قد يكونون عنده من أهل العدل والرضى ولا يرضى بشهادتهم عليه لعداوة بينه وبينهم، وبالله التوفيق.
مسألة: لا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا ينخدع في عقله
مسألة قيل: أرأيت كل من تجوز شهادته هل تجوز تزكيته؟ قال: لا ليس هو كما ذكرت، وتجوز شهادة الرجل ولا تجوز تزكيته،
ولا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا ينخدع في عقله ولا يستنزل [في رأيه، ولا ينبغي لأحد أن يزكي رجلا إلا رجلا قد خالطه في الأخذ والعطاء وسافر معه ورافقه، قال مطرف بن عبد الله: لا يجوز في الجرحة والتعديل إلا كل عدل منقطع، وليس كل من جازت شهادته تجوز في الجرحة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال]، وهو مما لا اختلاف فيه من أنه لا يجوز في العدالة إلا العدل الرضى المبرز في العدالة العارف بوجوه التعديل والتجريح، فإنه لا ينبغي للرجل أن يزكي الرجل حتى يختبره فيعرف من باطنه ما عرف من ظاهره، ولا يكون ذلك إلا بالمخالطة في الأخذ والإعطاء والسفر والمرافقة، وقد مضى ذلك في سماع سحنون، وأما قول مطرف بن عبد الله فمعناه إذا لم ينص الجرحة ما هي، وإنما قال: أشهد أنه ليس من أهل الرضى والعدالة، وأما إذا نص على الجرحة ما هي مثل أن يشهد عليه أنه شارب خمر أو صاحب قيان أو عدو للمشهود عليه، أو ما أشبه ذلك فشهادته بذلك جائزة إذا كان جائز الشهادة وإن لم يكن مبرزا في العدالة، وذلك منصوص له ولأصبغ في الواضحة، قالا: ويجرح الشاهد لمن هو مثله وفوقه ودونه في الإسفاه والعداوة، وقال ابن الماجشون: ولا يجرح في الإسفاه بمن هو دونه، وقد مضى ذلك في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: هل ينبغي للقاضي أن يسأله التعديل كلما شهد
مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يشهد عند القاضي فيسأله التعديل فيعدل عنده ثم يأتي بعد ذلك بشهر أو شهرين أو سنة أو سنتين فيشهد عنده أيضا هل ينبغي للقاضي أن يسأله التعديل كلما شهد
عنده أو يجتزئ بالعدالة الأولى؟ فقال: نعم يسأله التعديل إذا شهد عنده بعدما عدل بشهر أو شهرين أو سنة أو سنتين، كلما شهد عنده سأله العدالة حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته مرة بعد مرة ويكثر ذلك عند القاضي فإذا كثر ذلك عنده رأيت ألا يسأله تزكية فيما يستقبل، وفي سماع عيسى من كتاب الجواب إذا شهد بحدثان ما عدل فلا يسأله تعديلا، وإذا طال ذلك فأرى أن يسأله التعديل والثبت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم الجواب من سماع عيسى مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الشهادة على الشهادة في العدالة
مسألة وسئل عن الشهادة على الشهادة أتجوز في العدالة كما تجوز الشهادة على الشهادة في الأموال؟ قال: وما معنى قولك في الشهادة على الشهادة في العدالة لعلك تريد العدالة على العدالة؟ فقيل له: إنما أردت أن يكون لي قِبَل رجل علم وأنا أخاف أن يسألني القاضي تعديله، فلا أجد من يعدله إلا رجلين مرضيين أخاف عليهما الموت أو رجلين خارجين في سفر فقلت لهما: اشهدا لي أن فلانا عندكما عدل ورضى، فأشهدا لي على ذلك رجلين، ثم سألني القاضي عدالة شاهديّ، فشهد الشاهدان أن فلانا وفلانا أشهدانا أن فلانا من أهل العدل والرضى، فقال: يطلب القاضي من الخصم من يعدله غيرهما، فإن لم يجد جازت الشهادة فيهما على الشهادة إذا كان الغيب الذين زكياه من
أهل الحضر ولم يكونا من أهل البادية؛ لأن البدوي لا يعدل الحضري، وهو الذي سألت عنه من العدالة على العدالة، قيل له: فالتجريح أتجوز فيه الشهادة على ما وصفت لك في العدالة في غيبة الشهود أو مرضهم، فقال: نعم ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وابن الماجشون خلاف قول سحنون هذا في أن الشهادة على الشهادة جائزة في التعديل والتجريح، وذلك أنهما قالا: إن العدالة لا تكون في الشاهد إلا عند السلطان من بعد أن يشهد في الحين الذي يقطع بشهادته، فأما أن يسترعي الرجل تعديله الرجل ويشهد على ذلك منه كما يفعل في الشهادة تكون عنده إذا أراد أن يشهد عليها أو يكون الشاهد يحمل شهادته لا يعرفه بالعدالة ولا بغيرها فيعدله عنده من يثق به؛ فهذا الذي لا يجوز ولا علمنا أحدا قاله ولا عمل به إلا أن يشهد شاهد على شهادة شاهد غائب أو ميت فيخبر بعلمه بعدالته مع شهادته على شهادته بالحق الذي أشهد به عليه، ولو أن شاهدا شهد عند حاكم فاستعدله فكان رجل مريض يعدله لا يستطيع بمرضه أن يبلغ إلى القاضي فأراد أن يبعث إلى القاضي تعديله إياه مع رجلين عدلين يشهدهما على أنه عدل فذلك جائز؛ لأن الشهادة قد وقعت عند الحاكم، والعدالة ههنا إنما هي عند القطع بالشهادة، وقال به أصبغ واستحسنه، وقد ذكر ابن سحنون أن أباه رجع عن الشهادة على الشهادة في العدالة والتجريح إلا في تعديل البدوي فذلك جائز، وما رجع إليه سحنون وقاله مطرف وابن الماجشون في الواضحة هو الصواب إن شاء الله؛ لأن التعديل لا يكون إلا بعد الشهادة، ولو جاز قبل الشهادة لجازت شهادة غير العدل؛ لأن الناس قد تتغير أحوالهم فإنما يعولون عند الشهادة، وبالله التوفيق.
مسألة: شهد هذان الرجلان وهذان الرجلان لرجلين بحقوق مختلفة وزكى هؤلاء هؤلاء
مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يأتي بشهيدين على رجل بحق ثم يأتي بشاهدين آخرين يشهدان له أيضا بذلك الحق على الرجل
الذي شهد عليه الشاهدان الأولان فيزكي الشاهدان الآخران الأولين، قال: شهادتهما جائزة وتزكيتهما، وقد ثبت الحق على من شهدا له، قيل له: لم؟ قال: من قبل أن الشاهدين قد ثبتا لا محالة؛ ولأن الشاهدين الآخرين زادا صاحب الحق خبرا، أرأيت لو جاءوا مجيء مزكين ألم تثبت تزكيتهم؟ فلما قالوا: شهدنا أن هؤلاء شهدوا بحق وأن الحق لهذا فقد زادوه قوة وتثبيتا لحقه، قيل له: فلو شهد هذان الرجلان وهذان الرجلان لرجلين بحقوق مختلفة، وزكى هؤلاء هؤلاء؟ فقال: تزكيتهم وشهادتهم جائزة، والحق حق لمن شهدوا له.
قال الإمام القاضي: هاتان المسألتان صحيحتان بينتا المعنى فلا وجه للقول فيهما، وبالله التوفيق.
مسألة: الجرحة على السماع
مسألة قيل لسحنون: أرأيت لو أني سمعت رجلين يقولان: نشهد أن فلانا عندنا غير عدل ولا رضى، فشهد ذلك الرجل عند القاضي فأمكن القاضي المشهود عليه من تجريح الشاهد فلم يجد اللذين عرفاه بالجرحة حضورا، هل يجوز لي أن أجرحه على شهادة هؤلاء؟ فقال: لا تجوز الجرحة على السماع، قلت: وكذلك لو سمعت رجلين يقولان: نشهد أن فلانا عدل رضى؟ قال لي: نعم كذلك لا يجوز أن تعدله على السماع.
قال الإمام القاضي: قوله: لا تجوز الجرحة على السماع، وكذلك لا يجوز أن يعدله على السماع، معناه أنه لا تجوز الجرحة على السماع على الوجه الذي ذكره من أن يسمع رجلين يقولان: فلان عندنا غير عدل ولا
رضى، أو فلان عندنا عدل رضى فيشهد على ما سمعه منهما؛ لأن ذلك إنما هو شهادة على شهادة ليست بشهادة سماع، ولا يجوز للشاهد أن يشهد على شهادة الشاهد حتى يشهده أو يسمعه يؤديه عند الحاكم أو يشهد عنده على شهادته على اختلاف في ذلك، وأما شهادة السماع في ذلك فهي جائزة، وهي أن يسمع الشاهد من أهل العدل وغيرهم أن فلانا عدل رضى، أو أنه غير عدل ولا رضى فيشهد على السماع بذلك ولا يسمى من سمع منهم فتكون الشهادة بذلك جائزة، وهذا مما لا أعلم فيه اختلافا إلا أنه قد قيل: إن الشهادة على السماع لا تجوز بأقل من أربعة شهداء، وأما العدالة على العدالة فهي جائزة إذا كان الشهود على الأصل غرباء، وإن كانوا من أهل البلد لم يجز ذلك حتى يأتوا بتعديلهم أنفسهم، وسواء كان مُعدِّل الغرباء غريبا أو من أهل البلد، غير أنه إن كان المعدلون من أهل البلد فعدلهم ناس من أهل البلد فلم يُعرفوا لم يجز بعد على أولئك تعديل، ولو كان المعدلون الأولون غرباء فعدلهم ناس من أهل البلد فلم يعرفوا، ثم عدل أولئك غيرهم من أهل البلد فلم يُعرفوا جاز أيضا أن يعدلهم غيرهم ثم لم تجز بعد عليهم، هذا نص [قول] ما ذكره ابن حبيب في الواضحة، وهو غلط، والصواب ولو كان المعدلون الأولون غرباء فعدلهم ناس من أهل البلد فلم يعرفوا جاز أيضا أن يعدلهم غيرهم، ثم لم يجز بعد عليهم غيرهم، فإذا سقط المضروب عليه فيما نص عليه ابن حبيب صحت المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: عدله أربعة وجرحه رجلان
مسألة قيل له: فإن عدله أربعة وجرحه رجلان، وقد تكافؤا في العدالة والأربعة أعدل من الرجلين اللذين جرحاه إلا أنهم كلهم عدول، بشهادة من تأخذ من ذلك؟ قال: آخذ بشهادة المجرحين؛ لأن اللذين جرحاه قد اطلعا منه على شيء لا علم للمعدلين به.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: معروفا بالعدالة قال المجرحون نشهد أنه غير عدل ولا رضى
مسألة قيل: فلو أن المجرحين قالوا للقاضي: نشهد أنه عندنا غير عدل ولا رضى ولم يصفوه بزنى ولا أَنْبِذَةٍ ولا بِقِيَان هل يكون ذلك تجريحا؟ قال: نعم يكون تجريحا إذا كان الشهود من أهل الانتباه والمعرفة بما يجرح به الرجل، قال أشهب: إذا كان الرجل معروفا بالعدالة مشهورا فيها؟ فقال المجرحون: نشهد أنه غير عدل ولا رضى لم يقبل منهم حتى يبينوا جرحتهم إياه ما هي وينصوها إلا أن يكون الرجل ليس بمشهور في العدالة، وإنما استخبر بمن يعدله فيجزي المجرحين بأن يقولوا: نعلم غير عدل ولا رضى كما يقول المعدلون له نعلمه عدلا رضى.
قال محمد بن رشد: تفرقة أشهب بين من كان مشهور العدالة وبين من لم يقبل إلا بتعديل لها وجه من النظر، وقول سحنون في مساواته بين الوجهين أظهر، والله أعلم؛ إذ قد قيل: إنه ليس للحاكم أن يكشف عن السبب الذي جرحوا به الشاهد؛ لأنهم قد يقولون: زنى وهم أربعة فيرجم إن كان محصنا أو يقولون: شرب خمرا فيحد فستر الحاكم على الشاهد وترك كشفه وإسقاط شهادته لتجريح من جرحه من العدول أولى من الكشف عن أمر قد تسوء العاقبة فيه، وستر المعترف بالذنب أولى من كشفه إلى حكم؛ لأنه إذا بلغ إليه لم يكن له إلا إقامة الحد ولا عفو له ولا شفاعة تنفع إذا رفع إليه والستر عليه يختار ما لم يبلغ إلى حاكم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
لهزال: «يا هزال، لو سترته بردائك؛ لكان خيرا لك».
وقوله: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وقوله لصفوان إذ عفا عن سارق ردائه بعد أن رفعه إليه: «فهلا قبل أن تأتيني به» وبالله التوفيق.
مسألة: شهادة من يستحلف أباه جاهلا في الحقوق
مسألة قيل لسحنون فالذي يقطع الدنانير والدراهم هل يكون هذا جرحة؟ فقال: ليس هذا جرحة عندي وأراه خفيفا، قال أصبغ: قال ابن القاسم في الذي يقطع الدراهم جاهلا بكراهيتها، أو يستحلف أباه جاهلا في الحقوق أنه عقوق، وأنه لا تجوز شهادته، وإن كان جاهلا.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يقطع الدنانير أنه ترد شهادته، إلا أن يعذر بجهل، فهي ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك ليس بجرحة، وإن لم يكن جاهلا، وهو ظاهر قول سحنون.
والثاني: أن ذلك جرحة، وإن كان جاهلا يظن أن ذلك جائز له، وهو قول ابن القاسم، في رواية أصبغ عنه هذه.
الثالث: أن ذلك جرحة إلا أن يعذر بجهل، وهو قول ابن القاسم، في كتاب ابن المواز، وهذا الاختلاف عندي إنما هو إذا قطع الدنانير والدراهم وهي وازنة، فردها ناقصة