البيان والتحصيلصفحات 546-567
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 546-567
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

من عمل يده، وهو خلاف ما تقدم له قبل هذا في مسألة النسج.
وأما إذا جعل شيئا أخرجه من عنده مع عمل يديه فلا اختلاف في أنه يكون أحق به.
وقد مضى القول على ذلك مستوفى في رسم سلف من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.
وتفرقته في مسألة الذي يدفع عبده إلى رغاف ليعلمه بإجارة معلومة بين أن ينقلب إلى سيده كل ليلة أو لا ينقلب ويكون مأواه ومبيته عند الرغاف صحيحة، ومعناه عندي: إذا فلس سيده وهو عنده لم يرده إلى الرغاف، وأما إذا فلس وهو بيد الرغاف قد رجع إليه من عند سيده على عادته فهو أحق به أيضا؛ لأنه كالرهن بيده.
ومعنى قوله: أعطاه إجارة على تعليمه، أي: واجبة عليها، وبالله التوفيق.

مسألة: أعطى مالا قراضا فادان ديونا فأفلس

مسألة وقال، في رجل أعطى مالا قراضا فادان ديونا فأفلس: إن المقارض فيما أعطاه أسوة الغرماء إلا أن يدرك من ماله شيئا بعينه فيكون أحق به، وقول المقارض: إن هذا مال فلان، فلا يقبل قوله في ذلك؛ لأنه مصدق على ما لا يتهم أن يكون في ذمته إلا مثل ما يلزم ذمته من غيره، وهو أيضا يقبل قوله فيما يدعي من وضيعة أو ربح، وذلك لمن يؤذن له في المدانية.
قال الإمام القاضي: كذا وقع، وقال في رجل أعطى مالا قراضا فادان ديونا فأفلس، وصواب الكلام في رجل أعطي مالا قراضا فادان ديونا فأفلس؛ لأن المفلس إنما هو المقارض الذي أعطي المال لا المقارض الذي أعطاه، وذلك بين من قوله: إن المقارض فيما أعطاه أسوة الغرماء، ويريد بقوله فيما أعطاه أي بما أعطاه؛ لأنه إذا لم يدرك ماله الذي أعطاه بعينيه كان به أسوة الغرماء في جميع مال المفلس، وإذا أدرك ماله بعينه وقامت بذلك البينة فهو أحق به من الغرماء بلا خلاف.
وأما إذا لم تقم بينة ففي تصديق المقارض المفلس في أن هذا هو مال القراض اختلاف قد مضى تحصيله في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ وفي غير ما موضع

فلا معنى لإعادته.
ووقع في هذه الرواية: وقول المقارض إن هذا مال فلان فلا يقبل قوله في ذلك، وفي رواية أخرى: فيقبل قوله في ذلك، وهي الرواية الصحيحة؛ لأنه اعتل لقبول قوله بما ذكره من أنه مصدق على ما لا يتهم أن يكون في ذمته إلا مثل ما يلزم ذمته من غيره، يريد: أن الذي يلزم ذمته قبل قوله أو لم يقبل سواء فلا تهمة عليه في إقراره.
بيان ذلك بالمثال: أن يكون مال القراض مائة فيفلس المقارض رجلان لكل واحد منهما عليه مائة مائة فيوجد له مائتان، فيقول المقارض المفلس في إحدى المائتين إنها مال المقارض بعينه.
فإن قبل قوله أخذها وكان أحق بها، وكانت المائة الباقية بين الغريمين واتبعاه بمائة خمسين خمسين، وإن لم يقبل قوله تحاصوا ثلاثتهم في المائتين فوجب لكل واحد منهم منها ستة وستون وثلثان واتبعوه جميعا بمائة: ثلاثة وثلاثين وثلث، ثلاثة وثلاثين وثلث، فالتعليل يدل على صحة هذه الرواية، ويدل على صحتها أيضا قوله: وهو أيضا يقبل قوله فيما يدعي من وضيعة أو ربح، إذ لا يصح أن يقول وهو أيضا يقبل قوله وهو قد قال أولا إنه لا يقبل قوله.
وقوله في الرواية وذلك لمن يؤذن له في المداينة صحيح إن كان عمل في مال القراض بالدين؛ لأن المقارض لا يجوز له أن يعمل في مال القراض بالدين إلا بإذن صاحب المال، فإن عمل فيه بالدين دون إذن صاحب المال كانت الوضيعة عليه، وإن كان عمل فيه بالدين بإذنه كانت الوضيعة عليه وكان العامل مصدقا فيها كما لو باع واشترى بالنقد فادعى الوضيعة، وبالله التوفيق.

مسألة: صاحب السفينة أولى بما فيها من الغرماء

مسألة وقال في الجمال يتكارى على حمل متاع فيحمل ثم يفلس صاحب المتاع والمتاع على الإبل: إنه أولى به.
وسئل: هل يكون صاحب الحانوت أولى بما فيه من الغرماء؟ قال لا.
قيل: له فصاحب السفينة أولى بما فيها من الغرماء؟ قال: نعم إنما هي حمولة.
قيل: له وكذلك الجمال؟ قال: نعم.

قال محمد بن رشد: قوله في المتكاري يفلس ومتاعه على الإبل التي اكتراها: إن الجمال أولى به حتى يستوفي كراءه - هو نص قوله في المدونة وغيرها، وفي ذلك تفصيل: أما إذا أسلم المتاع إلى الجمال ليحمله على جماله فأفلس صاحب المتاع والمتاع بيد الجمال فلا اختلاف في أنه أحق به في الموت والفلس من الغرماء؛ لأنه كالرهن بيده، وأما إذا أسلم الجمال الإبل إلى المكتري ليحمل عليها متاعه ففلس المكتري قبل أن يصل أو عند وصوله قبل أن يحوز متاعه ويرد الإبل إلى الجمال، فالمشهور أن الجمال أولى بالمتاع حتى يستوفي جميع كرائه، وهو الذي في كتاب التفليس من المدونة.
وعلل ذلك بأنه إنما بلغ الموضع على إبله، والعلة الصحيحة في ذلك أنه كالرهن بيده؛ لأن كونه على ظهور إبله قبض ويتخرج في ذلك قولان سواه: أحدهما: أنه أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعا، إذ ليس المتاع بيده رهن له قد حازه فيكون أحق به في الموت والفلس جميعا، ولا هو عين ما باعه فيكون أحق به في التفليس دون الموت على ما جاء في الحديث المأثور الصحيح في ذلك، والثاني: أنه أحق في الفلس دون الموت، ووجه هذا القول أن حمل المتاع من البلد إلى البلد على الإبل تنمية له، فأشبه اكتراؤه عليه ابتياعه إياه فوجب أن يكون المكري الجمال أحق به في الفلس دون الموت كما لو باعه منه.
وهذا على قياس القول في رب الأرض يكري الأرض فيزرعها المكتري ثم يفلس أن رب الأرض أحق بالزرع من الغرماء في الفلس دون الموت على هذا التعليل الذي وصفناه.
وقد مضى في أول سماع أشهب ما يبين ما ذهبنا إليه في هذه المسألة، ومسألة السفينة محمولة على مسألة الدابة؛ لأن المعنى فيهما جميعا سواء.
وأما مسألة الحانوت والدار فلا اختلاف في أنه لا يكون واحد منهما أولى بما فيها من المتاع والأثاث إذا فلس المكتري لهما قبل أن يستوفي كراءه منهما لا في الموت ولا في الفلس إذ لم يبعه شيئا من ذلك ولا هو رهن بيده، وبالله التوفيق.

مسألة: اشترى عرصة وبنى فيها فجاء البائع يطلب الثمن فوجده قد فلس

مسألة وسئل: عن رجل باع عرصة فبنى فيها المشتري ثم جاء

البائع يطلب ثمن عرصته فإذا الرجل المشتري قد فلس، قال: إن شاء حاص الغرماء بماله وإن أبى نظر كم قيمة العرصة وقيمة البنيان، فإن كانت قيمة العرصة ربع الدار أو ثلثها بيعت الدار فدفع إليه ثلث ثمن الدار أو ربع ثمنها، فعلى هذا يحسب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا إشكال فيها ولا اختلاف، وهي نظيرة مسألة الغزل التي مضت في رسم العرية من سماع عيسى ومضى التكلم عليها هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: دفع إلى صائغ سوارين يعملهما له ثم فلس

مسألة وسئل: عن رجل دفع إلى صائغ سوارا يعمله له، ثم دفع إليه سوارا آخر بعد ذلك، فعمل أحدهما فأخذه صاحبه ولم يعطه أجره، فلم يفرغ من الآخر حتى فلس.
قال يحيى: السوار الذي في يده بإجارته فيه، ويكون أسوة الغرماء في السوار الآخر الذي دفع إليه كان معا أو مفترقا، يريد دفع السوارين.
قلت له: أرأيت إن كان لم يفلس فعمل أحدهما ولم يعمل الآخر فقال الصائغ ادفع إلي إجارة السوارين فقال قد دفعت إليك إجارة الأول الذي أخذته وقال الصائغ لم آخذ منك شيئا؟ قال: إن كان دفعهما جميعا معا والإجارة واحدة كان القول قول الصائغ، فإن كانا مفترقين واحدا بعد واحد حلف صاحب السوارين وكان القول قوله: إلا أن يطلب إجارته بحدثان ذلك، فإن فعل ذلك رأيت القول قول الصائغ مع يمينه.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي فلس بعد أن قبض أحد السوارين من الصائغ قبل أن يدفع إليه من أجرته شيئا إن الصائغ يكون أحق بالسوار الذي بيده في أجرته فيه ويكون أسوة الغرماء بأجرة السوار

الذي دفعه، صحيح إذا كان استعماله إياهما في صفقتين.
وأما إن كان استعماله إياهما في صفقة واحدة فمن حق الصائغ أن يمسك السوار الذي بيده بجميع أجرته في السوارين كالرهن؛ لأنه ارتهنهما جميعا صفقة واحدة بأجرتهما جميعا، فمن حقه أن يمسك الباقي في يديه حتى يقبض جميع حقه، كمن ارتهن سوارين أو عبدين بعشرين دينارا فدفع أحدهما إلى الراهن ليدفع إليه نصف حقه فلم يفعل حتى فلس أنه أحق بالباقي في يده من السوارين أو العبدين من الغرماء حتى يستوفي جميع حقه.
وهذا مما لا إشكال فيه ولا اختلاف.
فقوله: كانا معا أو مفترقين - يريد: دفع السوارين، كلام غير صحيح وقع على غير تحصيل.
وتفرقته في مسألة اختلافهما في دفع الأجرة بين أن تكون الأجرة وقعت فيهما صفقة واحدة أو في صفقتين يمضي على مسألة التفليس ويبين ما ذهبنا إليه فيها من الفرق بين الوجهين.
وقوله: إن الصائغ إذا طلب أجرته بحدثان ما دفع السلعة التي استعمل إياها كان القول قوله مع يمينه وحدثان ذلك هو اليوم واليومان والثلاثة على ما في كتاب الرواحل والدواب من المدونة، وبالله التوفيق.

مسألة: حبس في دين فجاء من يشهد للمحبوس أنه ليس له شيء

مسألة وسئل: عن رجل حبس في دين فجاء من يشهد للمحبوس أنه ليس له شيء، وجاء من يشهد للغريم أن المحبوس موسر بهذا الدين.
قال: لا ينظر إلى الذين شهدوا لهذا ولا لهذا، وأرى أن يرسل ويدس في ذلك أهل الصلاح في السر، فإن كان له مال ضيق عليه حتى يؤخذ منه الحق، وإن كان معدما لا شيء له فأرى أن يخلى حتى يرزقه الله تعالى.
وإنما يدس في ذلك أهل العدل والمعرفة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة وقعت في بعض الروايات، وفيها

إذا اعتبرت اضطراب؛ لأنه قال فيها: إنه لا ينظر إلى الذين شهدوا لهذا ولا لهذا، وأرى أن يرسل ويدس في ذلك أهل الصلاح في السر.
وقوله فيها إنه لا ينظر إلى الذين شهدوا لهذا ولا لهذا، يريد إذا تكافأت البينتان في العدالة فوجب أن يبقى مسجونا على الأصل في أنه محمول على الملأ حتى يثبت عدمه، وهو قد قال: إنه يرسل، فيقوم من الرواية قولان: أحدهما: أنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا وبقي مسجونا على حاله فكانت بينة العدم على هذا أعمل عند تكافئ البينتين، والثاني: أنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا أيضا وأرسل من السجن حتى يسأل عنه في السر فينكشف من حاله ما يوجب أن يعاد إليه، فكانت بينة العدم على هذا أعمل عند تكافئ البينتين.
وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: أن بينة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة، وقع هذا القول في أحكام ابن زياد لمحمد بن غالب وغيره من معاصيره، قالوا: إن شهادة الذين شهدوا على اليسار أعمل ويحبس بشهادتهم حتى تقوم بينة أنه أعدم بعد ذلك بجائحة أصابته.
ووجه ما ذهبوا إليه أنهم رأوا أن الذين شهدوا بملائه علموا من حاله ما جهلته البينة الأخرى التي شهدت بعدمه، فجعلوا ذلك من باب الزيادة في الشهادة.
والقول الثاني: أن شهادة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة وهذا القول يتركب على قياس قوله في هذه الرواية إنه ينظر إلى أعدل البينتين؛ لأنه لا ينظر إلى أعدل البينتين إلا عند استوائهما جميعا في ألا مزية عند أحدهما في زيادة معرفة أو علم على الآخر أو إذا لم يجعل للذين شهدوا بالملأ مزيد في العلم والمعرفة على الذين شهدوا بالعدم على مذهبه في هذه الرواية، وهو الصحيح في المعنى، إذ لم يثبتوا الشهادة بأنهم يعرفون له مالا أخفاه وإنما شهدوا أنهم يعلمونه عديما في ظاهر حاله كما شهدت البينة الأخرى أنهم يعلمونه عديما في ظاهر حاله، وجب أن تكون بينة العدم أعمل من بينة الملأ؛ لأن بينة العدم أوجبت حكما وهو إطلاقه من السجن إن كان قد سجن أو ارتفاع السجن عنه فيما ثبت عليه من الدين إن كان لم يسجن، وبينة الملأ لم توجب حكما؛ لأنها أبقته على حكم الأصل من كونه محمولا على الملأ الذي يوجب سجنه بما ثبت

عليه من الدين حتى يثبت عدمه، اللهم إلا أن تكون الشهادتان بعد أن أطلق من السجن بما بان من عدمه؛ لأن شهادة الملأ هنا هي التي توجب الحكم برده إلى السجن، وشهادة العدم لا توجب إلا بقاءه على حكم الأصل الذي به وجب تسريحه من السجن.
ولو قال الشهود بملائه إنهم يعلمون له مالا باطنا أخفاه لما صح أن يختلف في أن شهادتهم أعمل من شهادة من شهد بعدمه، وبالله التوفيق.

مسألة: المقارض إذا تداين في القراض بإذن رب المال

مسألة وسئل: عن رجل أفلس وضرب على يده ولم يكن له مال فأتاه رجل من الناس فأعطاه مالا قراضا وهو يعلم بإفلاسه، فداين به الناس حتى فلس، ثم أراد الذي أعطاه المال أن يأخذ ماله، لم يكن ذلك له؛ لأن الناس إنما داينوه لما في يديه ولم يداينوه في ذمته، فالغرماء أولى بماله.
فإن فضل فضل كان له إلا أن يتعدى المقارض في المال بشيء، مثل أن يسلف أو يخالف إلى ما نهاه عنه، فكل ما تعدى فيه كان ضامنا له، بمنزلة ما لو أسلفه إياه فيكون في ذمته، فكذلك ما تعدى فيه.
قال ابن القاسم: كذلك قال لي مالك لا ينبغي أن يداين في القراض، فإن أدان فيه فهم أولى به.
قال: ولا يحل القراض على أن يقول داين، وإن كان تعدى وماله معروف في الذي تعدى فيه ببينة أو إقرار فهو أحق به من الغرماء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها أن المقارض إذا تداين في القراض بإذن رب المال فالغرماء أولى بالمال منه حتى يستوفوا ديونهم، وإذا تداين فيه بغير إذن رب المال وقد علموا أنه مال قراض فرب المال أولى بماله من الغرماء.
وكذلك إذا أسلف منه أو تعدى ما أمره به فهو أحق بماله في جميع ذلك، ولا يجوز على رب المال

عداؤه.
وقد مضى في أول سماع أصبغ ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله التوفيق.

مسألة: أجير السقي في الزرع أو النخل إذا فلس صاحب الزرع أو النخل

مسألة قال ابن القاسم، في أجير السقي في الزرع أو النخل إذا فلس صاحب الزرع أو النخل: إن الأجير أولى من الغرماء.
وأما الأجير يحرس الزرع أو النخل فهو أسوة الغرماء.
قال الإمام القاضي: قد تكررت هذه المسألة في أول هذا السماع ومضى القول عليها مستوفى في أول سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرون

مسألة قال ابن القاسم: قال مالك، في رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرون: إن الآخرين أولى بما في يديه من الأولين بمنزلة السلطان.
قال ابن القاسم: ولو قاموا فلم يجدوا في يديه شيئا وداينوه فلم يجدوا له شيئا فتركوه، لم أر هذا تفليسا، وروايته: إن داينه آخرون بعد ذلك ثم فلس أنه يدخل الأولون من الآخرين إلا أن يكون بلغوا به السلطان وكان السلطان هو الذي فلسه لهم فذلك تفليس، وإن لم يوجد له شيء، وذلك أن السلطان يكشفه ويبلغ من كشفه مَا لَا يَبْلُغُ هؤلاء ولو أعلم أنهم كانوا يبلغون من ذلك لرأيت أَنَا ذلك تفليسا، ولكن لا أحب أن أقوله مخافة ألا يكونوا يبلغون ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم البيوع الثاني من سماع أصبغ فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: تزوج امرأة وأصدقها عبدين ودفعهما إليها ثم فلست المرأة وطلقها الزوج

مسألة وقال في رجل تزوج امرأة وأصدقها عبدين ودفعهما إليها ثم فلست المرأة وطلقها الزوج، قال: هو أحق بأحد العبدين من الغرماء.
قال محمد بن رشد: قوله وطلقها الزوج، يريد قبل البناء.
وقوله: إنه أحق بأحد العبدين من الغرماء، يريد: أنه يكون شريكا فيهما، قاله ابن أبي زيد وهو صحيح.
والمسألة كلها صحيحة لا اختلاف فيها.
والأصل في أنه يكون أحق من الغرماء بما وجب له من الصداق إذا أدركه قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره».
ولو فات الصداق في يديها باستهلاك منها له لكان له محاصة الغرماء بنصف قيمته، ولو فات في يديها بأمر من السماء لم يكن عليها فيه شيء على مذهب ابن القاسم روايته عن مالك في أنهما شريكين فيه إذا طلقها قبل البناء تكون المصيبة إن تلف منهما والغلة بينهما.
وعلى القول بأن الغلة لهما والمصيبة منها إن أصدقها عبدا فمات وطلقها قبل البناء وقد فلست - أنه يحاص الغرماء بنصف قيمته.
وقد قال ابن المواز على قياس قول ابن القاسم وروايته عن مالك: إن المرأة إذا طلقت قبل البناء وفلست فإن عرف المهر بيدها فالزوج أحق بنصفه، وإن لم يوجد إلا نصفه فإن عرف هلاكه بغير سببها فليس له إلا نصف ما وجد ولا محاصة له بما بقي، وإن هلك بسببها حاص بنصف ما ذهب فيه وفي سائر مالها، وهو صحيح، وبالله التوفيق.

مسألة: يحاص الذي كان له عليك المائة مع غرماء العبد فيما في يد العبد

مسألة قال ابن القاسم، في عبد كان لي وأذنت له في التجارة

فداين الناس وكان لرجل علي مائة دينار فأحلته بها على عبدي ثم فلس العبد.
قال: يحاص الذي كان له عليك المائة مع غرماء العبد فيما في يد العبد.
قيل له: فإنه حاص فصار له في المحاصة نصف حقه، قال: يرجع على السيد بنصف الحق ويرجع غرماء العبد على السيد بما صار لغريمه في المحاصة وهو خمسون دينارا؛ لأنه هو الذي أدخله عليهم، فإن لم يكن عنده شيء باعوا من العبد ما كان لهم أن يرجعوا به على السيد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، ولا تصح إلا على معنى ما، وهو أن يكون السيد أحال غريمه على عبده ولا دين له عليه، فلما فلس العبد لم يعلم إن كانت الإحالة قبل ديون الغرماء فيكون من حق المحال أن يحاص الغرماء ولا يكون للغرماء رجوع على السيد بشيء، أو بعد ديون الغرماء فلا يكون للمحال محاصة الغرماء، والسيد مقر أن الإحالة كانت بعد ديون الغرماء والمحال منكر لذلك ومدع أن الديون إنما لحقت العبد بعد الإحالة.
فعلى هذا التأويل تستقيم المسألة.
وقد قال فيها ابن دحون: إنها مسألة غير مستقيمة؛ لأنه إن كان أحال الغريم على دين له على العبد فليس للمحال رجوع ولا للغرماء رجوع على السيد بما وقع للمحال في المحاصة، وإن كان أحاله على ماله الذي في يدي العبد فلا يخلو أن يكون ذلك قبل أن يتداين العبد أو بعد أن يتداين، فإن كان قبل أن يتداين فلم يقبض المحال حتى فلس العبد فلا رجوع له ولا للغرماء على السيد بما يقع للمحال في المحاصة؛ لأنه أحد أهل دين العبد، وإن كان بعد أن تداين العبد أحال عليه فذلك لا يجوز على الغرماء؛ لأنهم أولى بما في يدي العبد من السيد وممن أحاله السيد.
وليس قوله بصحيح لاحتمال المسألة سوى الوجوه التي قسم المسألة إليها وفسرها على معنى ما في المدونة وما في سماع ابن القاسم من كتاب الكفالة والحوالة.
فمن الوجوه التي تحتملها الوجه الذي ذكرنا أنه تصح عليه المسألة، وهو أن السيد أحال غريمه على العبد على غير أصل دين كان له على العبد؛ لأن الحوالة على غير أصل

دين حمالة، وحمالة العبد لسيده إذا لم يكن عليه دين جائزة لازمة له في ذمته، وإن مات أو فلس كالحر سواء.
فلما أحاله عليه قبل أن يفلس ثم فلس كان له أن يحاص الغرماء ويرجع على الذي أحاله ببقية حقه لما ذكرناه من أن الحوالة على غير أصل دين حمالة، وكان لغرماء العبد أن يرجعوا على السيد بما صار لغريمه المحال في المحاصة على ما ذكرناه في تأويل المسألة من أن السيد مقر أنه أحاله على عبده بعد أن اغترقت الديون ذمته، وبالله التوفيق.

مسألة: مفلسا ورث أباه أووهب له ماذا يكون للغرماء منه

مسألة قلت: أرأيت لو أن مفلسا ورث أباه أو وهب له ماذا يكون للغرماء منه؟ قال: إن ورثه لم يعتق إذا كان الدين يحيط به وكان الدين أولى به كشيء أفاده.
وأما إن وهب له فهو معتق عليه وليس لأهل الدين فيه شيء؛ لأنه لم يوهب له ليأخذه أهل الدين إنما أراد حين وهب له أن يعتقه، فإذا أخذه أهل الدين كان أضر به.
قال الإمام القاضي: أشهب يقول: إن العتق أولى به في الميراث كالهبة، وبه قال محمد بن المواز، ولا وجه للتفرقة في ذلك بين الميراث والهبة.
واعتلاله لوجوب العتق فيه بالهبة بأنه لم يوهب له ليأخذه أهل الدين، إنما أراد أن يعتقه - اعتلال فاسد، إذ لا يدرى حقيقة ما أراد، فلعله إنما أراد منفعة الموهوب له بأن تؤدى عنه ديونه من ثمنه، لا سيما إن كان ممن يجهل أنه لا يصح له ملكه.
ولا يصح في المسألة على مقتضى القياس إلا قولين (كذا): أحدهما: أنه يعتق في الوجهين جميعا وهو قول أشهب، والثاني: أنه لا يعتق في الوجهين جميعا ويباع للغرماء فيهما.
والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم فيمن ملك من يعتق عليه هل هو حر بنفس ملكه إياه أو ليس بحر حتى يعتقه أو يعتق عليه، فعلى القول بأنه حر بنفس ملكه إياه يكون حرا في الوجهين جميعا ولا يكون لأهل الدين فيه حق وهو قول أشهب، وعلى القول بأنه لا يكون حرا حتى يعتقه أو يعتق

عليه بدليل ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه قال: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه»، لا يعتق عليه ويباع للغرماء في الوجهين جميعا.
وعلى هذا الاختلاف يأتي الاختلاف الواقع في كتاب العتق الأول من المدونة في الذي يشتري أباه وعليه دين يغترقه، هل يرد البيع أو يباع عليه في الدين؟ وإذا اشتراه وليس عنده ثمنه كله هل يرد البيع أو يباع منه ببقية الثمن للبائع ويعتق الباقي؟ فذهب مالك إلى أنه يرد البيع في المسألتين جميعا على قياس القول بأنه لا يصح أن يتقرر له عليه ملك، وذهب ابن القاسم إلى أنه يباع عليه إذا اشتراه وعليه دين ويباع عليه منه ببقية الثمن للبائع وبعتق الباقي إذا اشتراه وليس عنده ثمنه كله.
وقد تأول بعض الناس على ما في المدونة لمالك بظاهر قوله فيها إنه فرق بين المسألتين، فقال في الذي يشتري أباه وعليه دين: إنه يباع عليه في الدين، وفي الذي يشتريه وليس عنده ثمنه كله: إن البيع يرد، وليس ذلك بصحيح، إذ لا وجه للتفرقة بين المسألتين كما لا وجه للتفرقة بين الميراث والهبة.
وإنما أدخل سحنون قول المخزومي في المدونة حجة لمالك على ابن القاسم في المسألتين جميعا.
ويتخرج على قياس القول بأن من ملك من يعتق عليه لا يكون حرا بنفس الملك حتى يعتق عليه أنه لا يحد إن كانت أمة فوطئها عالما بوجوب عتقها عليه خلاف ما في سماع عيسى من كتاب الحدود من أنه يحد إلا أن يعذر بجهالة ولو اشترى الرجل من يعتق عليه من ورثته وهو صحيح أو مريض بثلث ماله فأقل فلم يعلم بذلك حتى مات، ورثه على القول بأنه حر بنفس الشراء، ولم يرثه على القول بأنه لا يكون حرا حتى يعتق.
وقد اختلف إذا اشتراه في مرضه بثلث ماله فأقل وعلم بذلك قبل أن يموت، فقيل: إنه يعجل له العتق في مرضه ويرث، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنه لا ميراث له بحال؛ لأن فعل المريض لا ينظر فيه إلا بعد الموت وهو قول أشهب، وقيل: إنه ينظر فيه بعد الموت فإن خرج

من الثلث ورث، وإن لم يخرج من الثلث لم يرث، وهو ظاهر قول ابن القاسم في أول سماع عيسى من كتاب الوصايا.
وأما إذا اشتراه في مرضه بأكثر من الثلث فقيل: إنه لا يرث بحال وهو قول أشهب، وقيل: إنه يرث إن حمله الثلث بعد الموت، وهو أحد قولي ابن القاسم، وقيل: إنه إن كان ممن له أن يستلحقه كان له أن يشتريه بجميع ماله ويرث، وإن لم يكن له أن يستلحقه لم يكن له أن يشتريه إلا بالثلث ولا يرث، وقيل: إنه إن كان ممن يحجب جميع الورثة عن الميراث كان له أن يشتريه بجميع ماله ويرث، وإن لم يكن ممن يحجب جميع الورثة عن الميراث لم يكن له أن يشتريه إلا بالثلث ولا يرث، وبالله التوفيق.

مسألة: الجمال يفلس وفي يدي هذا جمل يركبه

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الجمال يفلس وفي يدي هذا جمل يركبه، قال: كل من كان في يديه جمل يركبه كان أولى به من غيره.
قال أصبغ: كذلك قال لنا ابن القاسم.
قيل له: إنه كان يدخل بينهم يجعل هذا البعير تحت هذا يوما ثم يجعل تحته غيره من الغد، ويجعل ذلك البعير تحت غيره.
قال: إنما ينظر إليه حين فلس، فكل من كان في يديه بعير حين فلس كان أحق به وإن كانت تحته أمس غيره.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم القبائل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب وكتاب الرواحل والدواب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: المريض يبيع في مرضه فيحابي في بيعه بأكثر من الثلث

مسألة قال سحنون: لو أن رجلا مرض فباع في مرضه دارا ثمنها ثلاثمائة دينار بمائتي دينار وحابى بمائة دينار ولا مال له غيرها ثم

أخذ المائتين فاستنفقها ثم مات، فإنه يقال للورثة: إن صاحبكم قد حابى بمائة ولا يحمل ذلك ثلثه من قبل أنه استنفق المائتين، فإما أن تمضوا بيعه وإما أن تختلعوا من ثلثه للمشتري، فإن أجازوا مضى البيع، وإن لم يجيزوا بيع من الدار بقدر المائتين التي استنفقها، ثم يكون للمشتري ثلث ما بقي من الدار بعد الذي بيع منها.
قال الإمام القاضي: اختلف في المريض يبيع في مرضه فيحابي في بيعه بأكثر من الثلث، مثل أن يكون له عبد قيمته ثلاثمائة دينار فيبيعه بمائة دينار ثم يموت ولا مال له غيره على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يمضوا للمشتري من العبد ثلثه بالوصية وثلثه بالمائة التي دفع، وهذا إذا كانت قيمته على حالها والمائة باقية، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا.
والثاني: أنه يمضي منه للمشتري بالثمن قدر ما لا محاباة فيه ثم يخير الورثة في المحاباة فإن شاءوا أجازوها وأمضوها وإلا قطعوا له بثلث الميت وهو ثلث العبد إذ لا مال له غيره، وهذا قول عيسى بن دينار من رأيه، وهو قريب من القول الأول، إذ لا فرق بينه وبينه إلا في تخيير الورثة هل يكون ابتداء أو بعد أن يمضي منه للمشتري بالثمن قدر ما لا محاباة فيه، ولا يئول ذلك إلى اختلاف في المعنى.
والقول الثالث: أن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يردوه ويعطوا المشتري مِئَتَهُ التي كان دفع ويقطعوا له بثلث الميت في العبد المبيع وهو ثلثه إذ لا مال له سواه، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الشفعة ورواية أصبغ عن ابن القاسم عن مالك في الواضحة.
وعلى هذا القول يأتي قول سحنون هذا في الذي باع في مرضه دارا تساوي ثلاثمائة بمائتين ولا مال له غيرها فأخذ المائتين واستنفقها في مرضه ثم مات؛ لأن الثلث إنما ينظر فيه بعد الموت، فلما مات وهو قد استنفق المائتين التي قبضها من المشتري لم يصح أن يمضي له المائة التي

حاباه بها في مرضه، إذ لا مال به سواها، فوجب ألا يكون له إلا ثلثها يقطع له بذلك في الدار، وكان وجه العمل في ذلك على ما قال، إن لم يجز الورثة البيع أن يباع من الدار للمشتري بالمائتين التي استنفقها الميت على التنقيص بأن يقال للمشترين كم تأخذون من هذه الدار بمائتين؟ فيقول أحدهم: أنا آخذ خمسة أسداسها بمائتين، ويقول الآخر: أنا آخذ أربعة أخماسها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ ثلاثة أرباعها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ ثلثيها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ نصفها بذلك، فإذا وقفت على ما وقفت عليه من الأجزاء بيع منها ذلك الجزء بالمائتين ودفعت إلى المشتري، وكان له ثلث ما يبقى من الدار، السدس إن كان بيع منها بالمائتين النصف، والتسع إن كان بيع منها بالمائتين الثلثان، ونصف السدس إن كان بيع منها بالمائتين الثلاثة الأرباع، ويكون للورثة ما بقي، الثلث أو التسعان أو السدس، وهذا على القول بأن من أوصي له بشيء بعينه فلم يحمله الثلث ولا أجازه الورثة يقطع له بالثلث في الذي أوصي له به.
وأما على القول بأنه يكون له شائعا في جميع مال الميت فتباع الدار كلها فيعطى المشتري من ذلك المائتين التي استنفق الميت وثلث ما بقي إذ لا مال له سوى الدار، ولا يكون على ظاهر هذه الرواية للورثة أن يلزموا المشتري أن يأخذ في المائتين من الدار ما يجب لهما منها بغير رضاه ولا له أن يلزمهم ذلك بغير رضاهم، خلاف ظاهر ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال في قول سحنون في هذه المسألة: لا يتم هذا الجواب حتى يكون المشتري يبرأ إليهم بما اشترى ويطلب رأس ماله فهناك تباع الدار ويعطى رأس ماله وثلث ما يبقى، فكأنه ذهب إلى أن يفسر قول سحنون هذا بما في سماع أبي زيد، وما في سماع أبي زيد بقول سحنون، والظاهر أنه اختلاف.
واختلف أيضا إن أراد المشتري أن يزيد ما حاباه به الميت زائدا على الثلث ويستخلص البيع هل يكون ذلك له أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك له وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الشفعة، والثاني: أن ذلك ليس له وهو ظاهر ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، وبالله التوفيق.

مسألة: يشتري البيض على أن تفقس

مسألة وسئل مالك: عن الذي يشتري البيض على أن تفقس: أن ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: قيل في التفقيس إن معناه: أن يكشف عن البيض ليعلم فاسدها من غير ذلك، ويحتمل أن يريد بالتفقيس الكسر، فإن كان اشتراها على أن يختبرها بما يصح اختبارها به من غير كسر فما وجد منها فاسدا رده فلا إشكال في جواز البيع على هذا الشرط، وإن كان اشتراها على أن يكسرها فما وجد منها فاسدا رده مكسورا فذلك جائز أيضا؛ لأن الحكم يوجب له رده إذا وجد فاسدا قبل الكسر وبعده، اشترط ذلك أو لم يشترطه، وبالله التوفيق.

###: سجن الرجل في دين امرأته فأراد أن تدخل عليه امرأته في السجن تبيت معه

من نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون: إذا سجن الرجل في دين امرأته فأراد أن تدخل عليه امرأته في السجن تبيت معه فإنه لا يكون له ذلك.
وكذلك إن سجن لغير امرأته فليس له أن تدخل امرأته عليه في السجن؛ لأنه إنما أدخل تأديبا له وتضييقا عليه، فإذا كان لا يمنع من لذته فلم يضيق عليه.
قال الإمام القاضي: قول سحنون هذا صحيح بين في المعنى.
وقد قال ابن المواز: إذا حبس الزوجان في دين فطلب الغريم أن يفرق بينهما وطلب الزوجان أن يجمعا فذلك لهما إن كان السجن خاليا، وإن كان فيه غيرها حبست المرأة مع النساء وحبس الرجل مع الرجال، ولا يفرق بين الأب والابن ولا بين الإخوة في السجن.
وقول ابن المواز: إن للزوجين أن يجمعا في السجن إذا كان خاليا خلاف لقول سحنون، وقول سحنون أظهر، والله أعلم.

مسألة: لا يجوز أن يشترى دين على الميت

مسألة قال سحنون: إذا مات الرجل وعليه دين لقوم شتى فقام بعضهم إلى السلطان فأثبت عنده دينه فباع السلطان مال الميت وقضى هؤلاء الذين قاموا بحقوقهم، فقام الآخرون بعد ذلك يريدون الدخول مع الذين اقتضوا فيما اقتضوا: فإن ذلك لهم يدخلون عليهم فيأخذون منهم قدر حقوقهم، ولا يضرهم أن يكونوا علموا بموت صاحبهم، وأن ماله يباع لغرمائه؛ لأنهم يقولون كنا على حقوقنا، وعلمنا أنه لا يبطلها عنا قيام أصحابنا.
قيل له: فما الفرق بينه وبين المفلس إذا باع السلطان ماله لبعض غرمائه وبقيتهم حضور لا يقومون فلم ير لهم الدخول على الذين اقتضوا حقوقهم؟ فقال: إن المفلس له ذمة تتبع، وإن الميت قد انقطعت ذمته، فلذلك رأيت لهم الدخول على أصحابهم.
وقد أخبرني ابن القاسم أنه قال: لا يجوز أن يشترى دين على الميت؛ لأن الميت لا ذمة له يطلب فيها وقد انقطعت ذمته، وأن المفلس له ذمة يتبع بها، فهذا أيضا يدلك على مسألتك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في نوازل عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يكون له على النصراني الدين فيموت ويترك خمرا وخنازير

مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يكون له على النصراني الدين فيترك النصراني خمرا أو خنازير هل يجبر ورثة النصراني على بيع الخمر والخنازير حتى يقضوا المسلم حقه؟ قال: لا يجبرهم السلطان على بيعه، ولكن صاحب الدين يتربص بورثة الميت، فإذا باعوا وصارت الخمر والخنازير مالا قضى السلطان على الذين

باعوها بدفع الدين إلى المسلم.
وكذلك المركب من الروم يرسي بساحلنا معهم الخمر وغير ذلك أن السلطان لا يجبرهم على بيعها للعشور، ولكن يوكل من يتحفظ بها حتى إذا بيعت أخذ من ثمنها العشور.
قال محمد بن رشد: أما قوله في الذي يكون له على النصراني الدين فيموت ويترك خمرا وخنازير: إن السلطان لا يجبر ورثته على بيع الخمر والخنازير، ولكن صاحب الدين يتربص بورثة الميت فإذا باعوا وصارت الخمر والخنازير مالا قضى السلطان على الذين باعوها بدفع الدين إلى المسلم - فهو صحيح بيّن في المعنى؛ لأن دين صاحب الدين ليس في عين الخمر والخنازير، وإنما هو في ذمة الميت، ولو كان في عين الخمر والخنازير لما وجب أن يبيعها ليستوفي حقه منها، ولما كان الواجب في ذلك، إلا أن يأخذ حقه منها المتعين له فيها فيهرق الخمر ويقتل الخنازير أو يسرحها إن لم يقدر على قتلها وتغييب جيفها، وخشي أن يضر ذلك بالناس.
وأما قوله في المركب من الروم يرسي بساحل المسلمين ومعهم الخمر وغير ذلك للبيع: إن السلطان لا يجبرهم على بيعها للعشور، ولكن يوكل من يتحفظ بها حتى إذا بيعت أخذ من ثمنها العشر، فهو بعيد، إلا أن يكون معنى ذلك أنهم صولحوا على أن يؤخذ منهم العشر إذا باعوا كأهل الذمة.
وأما إن كانوا صولحوا على العشر فالواجب أن يؤخذ منهم عشر ما معهم من الخمر والخنازير فتكسر الخمر وتقتل الخنازير أو تسرح؛ لأن المسلمين أشراك لهم في جميع ما نزلوا به باعوا أو لم يبيعوا، هذا قول ابن القاسم في سماع عيسى وسحنون وأصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب.
ألا ترى أنهم يمنعون عنده من وطء جواريهم للشرك الذي للمسلمين معهم، وأنهم إن أرادوا الرجوع بمن معهم من الرقيق أو بما معهم من الأموال قبل البيع أخذ منهم العشر من ذلك كله وانطلقوا بما بقي.
وقد قال سحنون في نوازله من كتاب القراض في النصراني يقارض النصراني، فيشتري المقارض بمال القراض خمرا أو خنازير ثم يسلم صاحب المال: إن ذلك مصيبة نزلت

به، وينظر إلى قدر فضل النصراني فيها فيعطاه منها، ويهراق ما صار للمسلم.
فإذا قال هذا في مال القراض مع أن من حجة صاحب المال أن يقول إنما قارضته بمال ولم أقارضه بخمر، فأنا أنتظر حتى ينض المال فآخذ رأس مالي وحصتي من الربح فأحرى أن يقوله في مال الحربي الذي قدم للتجارة بأمان، فإنما يصح قول سحنون في هذه المسألة على قول ابن وهب في سماع أصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وما لأشهب في كتاب ابن المواز من أن أهل الحرب إذا قدموا للتجارة لا يؤخذ منهم ما صولحوا عليه من عشر أو غيره حتى يبيعوا كأهل الذمة، وبالله التوفيق.

مسألة: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه ولا دافع مغرم

مسألة وسئل: عن رجلين لهما دين بصك واحد على رجل، فشهد أحدهما أنهما قد تقاضيا دينهما ذلك، قال سحنون: أرى شهادته على شريكه ساقطة، لما يريد أن يدفع عن نفسه من رجوع صاحبه عليه، وأرى أن يرجع على شريكه بما ينوبه ويرجع المشهود عليه بتمام حقه على غريمه، ولا يكون للشاهد الرجوع على أحد.
قيل: لسحنون: وترى شهادته ساقطة، كان المشهود عليه مليئا أو معدما؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا بيّن على ما قاله، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جارٍّ لنفسه ولا دافع مغرم» فهو إذا شهد على شريكه في الدين أنه قد قبض حقه منه كما قبض هو يدفع عن نفسه بشهادته عليه ما يجب له عليه من الرجوع عليه بنصف ما قبض وتغريمه إياه ذلك.
وإذا بطلت شهادته عنه ورجع عليه لم يكن له هو الرجوع على الذي كان عليه الدين كما قال؛ لأنه مقر أنهما قد استوفيا

حقهما منه فلا شيء لهما قبله.
وسواء على ما قال كان المشهود عليه مليا أو معدما؛ لأن له الرجوع عليه في الحالتين جميعا، وبالله التوفيق.

مسألة: له دين عليه فقال له اقضني خمسين وأنا أضع عنك الباقي

مسألة وسئل سحنون: عن رجل كان له دين على رجل، فقال له قبل محل الأجل: اقضني من ديني خمسين دينارا وأنا أضع عنك ما بقي، فلم يعلم بمكروه ذلك إلا بعد الأجل أو قبل حلول الأجل.
قال: إن علم بذلك قبل حلول الأجل رد ما كان أخذ منه وكان المال إلى أجله، وإن لم يعلم بذلك إلا بعد الأجل فإن رب الحق يرجع بما وضع عنه عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله، وهو مما لا إشكال فيه؛ لأن تعجيل بعض الحق قبل حلول أجله على أن يوضع عنه بقيته سلف جر منفعة، وذلك رِبًا عند مالك وعامة أهل العلم، مقيس على الربا المحرم في التنزيل على ما أجمع عليه أهل التأويل، وهو أن يؤخره بدينه بعد حلول أجله على أن يزيده فيه، فإذا عثر على ذلك قبل حلول الأجل رد إليه ما عجل له؛ لأن التمادي على ذلك إلى الأجل حرام، وإن لم يعثر على ذلك حتى حل الأجل رجع عليه ببقية حقه؛ لأن إسقاطه عنه على أن يعجل له مما عجل ربا ولم يرد عليه شيئا مما عجل له؛ لأن ذلك قد فات، وبالله التوفيق.

مسألة: لرجل على رجل ثلاثمائة درهم فدفع المطلوب منها إلى الطالب مائة

مسألة قلت: أرأيت إن كان لرجل على رجل ثلاثمائة درهم كل مائة منها في صك على حدة، منها صك قرض، وصك منها كفالة عن رجل، وصك منها كفالة عن رجل آخر، ودفع المطلوب منها إلى الطالب مائة، من أيها تكون؟ قال: إن قال الذي عليه الحق

قضيت حق فلان، وقال الطالب: ما قبضت منك إلا مبهما، رأيت أن يكون ثلث ما قبض عن كل صك؛ لأنه كان يقتضيه إياها كلها وهي حالّة.
وإن كان قضاه إياها ومنها الحالّ والآجل فهي من الحق الحال وليست من الآجل، وليس يقبل قول القاضي إنما قضيتك حق فلان؛ لأنه الآن يحابي من أحب منهم.
ولو أنه حين أتاه بالمال قال: أقضيك حق فلان - كان القول في ذلك قول القاضي؛ لأنه مال يقضي القاضي أيها شاء إلا أن يكون المطلوب مخوفا فيكون المال بينهم.
وكذلك لو مات الطالب قبل أن يبين من أي شيء اقتضى كان المال على الصكوك كلها إذا كانت حالّة، وإن ادعى القاضي غير ذلك.
قال: فإن ماتا جميعا فكذلك يكون أيضا.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب: ولو أنه حين أتاه بالمال قال أقضيك حق فلان كان القول في ذلك قول الطالب؛ لأنه مال فيقتضي القابض أيه شاء.
والأول أصح؛ لأن القاضي وهو الدافع أملك بالقضاء، فوجب أن يكون من حقه أن يدفع أيها شاء إذا نازعه الطالب في ذلك عند القضاء.
وأما إذا اختلفا بعد القضاء، فقال القاضي: إنما قضيتك حق فلان، وقال الطالب: ما قبضت منك إلا مبهما - فالقول قول الطالب مع يمينه يحلف ما قبض إلا مبهما ويكون ذلك مفضوضا على الصكوك كلها، ولا يصدق الدافع القاضي؛ لأنه مدع ويتهم أيضا بمحاباة الذي يدعي أنه قضى عنه.
وكذلك لو قال الطالب: إنما قبضت حق فلان وقال القاضي: بل قضيتك مبهما - كان القول قوله مع يمينه ومضى ذلك على الصكوك كلها.
ولو اختلفا فقال الطالب: إنما دفعت إلي حق فلان، وقال القاضي: بل دفعت إليك حق فلان لوجب أن يفض ذلك على الصكوك جميعا بعد يمين كل واحد منهما على دعواه أو نكولهما جميعا عن اليمين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كان القول قول الحالف منهما.
وهذا كله على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية ومذهبه في المدونة وروايته عن مالك فيهما.
وقد

قيل: إن القول قول القاضي المقتضي، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة.
وقد قيل: إن القول قول القاضي الذي عليه الحق، وهو قول ابن كنانة ورواية محمد بن صدقة عن مالك في المدنية، فسواء على هذين القولين ادعيا البيان جميعا أو ادعى أحدهما البيان والآخر الإبهام يحلف على القول الواحد الطالب على ما يدعي من البيان أو على ما يدعي من الإبهام، فإن حلف على ما يدعي من الإبهام فض ذلك على جميع الصكوك، ويحلف على القول الثاني المطلوب على ما يدعي من البيان أيضا أو على ما يدعي من الإبهام، فإن حلف ما يدعي من الإبهام فض ذلك على جميع الصكوك، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر، وكان القول قوله على حكم المدعي والمدعى عليه، وبالله التوفيق.

مسألة: أوصى لرجل بألف درهم وقال لي عنده عشرون دينارا فاقتضوها منه

مسألة وسئل سحنون: عمن أوصى عند موته لرجل بألف درهم، وقال: لي عنده عشرون دينارا فاقتضوها منه، فأخبر الموصى له بالوصية، وسئل: عن العشرين فتبرأ، وأنكر أن يكون له قِبَله شيء وطلب الوصية.
قال سحنون: يحاسب في الألف بالعشرين ثم يكون له ما بقي.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تم كتاب المديان والتفليس والحمد لله.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: أعطى مالا قراضا فادان ديونا فأفلسمسألة: صاحب السفينة أولى بما فيها من الغرماءمسألة: اشترى عرصة وبنى فيها فجاء البائع يطلب الثمن فوجده قد فلسمسألة: دفع إلى صائغ سوارين يعملهما له ثم فلسمسألة: حبس في دين فجاء من يشهد للمحبوس أنه ليس له شيءمسألة: المقارض إذا تداين في القراض بإذن رب المالمسألة: أجير السقي في الزرع أو النخل إذا فلس صاحب الزرع أو النخلمسألة: رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرونمسألة: تزوج امرأة وأصدقها عبدين ودفعهما إليها ثم فلست المرأة وطلقها الزوجمسألة: يحاص الذي كان له عليك المائة مع غرماء العبد فيما في يد العبدمسألة: مفلسا ورث أباه أووهب له ماذا يكون للغرماء منهمسألة: الجمال يفلس وفي يدي هذا جمل يركبهمسألة: المريض يبيع في مرضه فيحابي في بيعه بأكثر من الثلثمسألة: يشتري البيض على أن تفقسمسألة: لا يجوز أن يشترى دين على الميتمسألة: يكون له على النصراني الدين فيموت ويترك خمرا وخنازيرمسألة: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه ولا دافع مغرممسألة: له دين عليه فقال له اقضني خمسين وأنا أضع عنك الباقيمسألة: لرجل على رجل ثلاثمائة درهم فدفع المطلوب منها إلى الطالب مائةمسألة: أوصى لرجل بألف درهم وقال لي عنده عشرون دينارا فاقتضوها منه
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل