البيان والتحصيلصفحات 369-408
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 369-408
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يعيش فليس ذلك هذا، وهذا سقى جارحة بها بهق، فماتت من ساعتها، فهل هذا إلا سم؟ قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم كتب عليه ذكر حق، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: يشتري المتاع فيه الخلل فيستأجر عليه فيكمدونه حتى ينسد الخلل ثم يبيعونه

ومن كتاب البيوع الأول قال أشهب وابن نافع سئل مالك عن الذي يشتري المتاع فيه الخلل والسقط، فيستأجر عليه كما دين فيكمدونه حتى يصفق، فينسد كل خلل أو سقط، ثم يبيعونها أترى بذلك بأسا؟ قال: لا خير في الغش، وأنا أكره مثل هذا.
قيل له: أفرأيت الرجل يأتي بطعامه التمر وما أشبهه فيصبره صبرا، فيكون حشفة، داخله وظاهره، فيجمع ما على وجه الصبرة فيلقيه ناحية، لا يدخله في جوف الصبرة؟ قال: لا يفعل مثل هذا.
هذا التزيين ولا يعجبني ذلك، قلت: أرأيت الذي يصب صبرته فيها الحشف فيكون في داخلها وعلى وجهها؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يزين أعلاها، فيكون داخلها مخالفا لخارجها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن كمد المتاع ليصفق وينسد ما فيه من سقط وخلل من الغش الذي لا ينبغي، فيكون للمشتري أن يرد إن لم يعلم أن الكمد يصفقه ويسد خلله وسقطه ما كان المتاع قائما، فإن فات رد إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن على ما مضى في رسم سلعة سماها في مسألة خمر القز ترش بماء الخبز لتشتد وتصفق، وكذلك تنقية ظاهر الصبرة من الحشف؛ لأن المشتري يظن أن باطنها في

النقاء من الحشف مثل ظاهرها، وأما إذا لم ينق أعلى الصبرة من الحشف، فلا كلام للمشتري؛ لأنه يستدل بظاهرها على باطنها، وبالله التوفيق.

###: القضاة يتخذون رجلا لقياس جراحات الناس

ومن كتاب أوله القراض وسأل ابن كنانة مالكا لابن غانم، فقال: إن القضاة كانوا قبلي يتخذون رجلا لقياس جراحات الناس، فما رفع إليهم قبلوه منه، أترى أن يجزي في ذلك رجل واحد، أم لا يجزي فيه إلا رجلان؟ فقال: اكتب إليه إن وجد رجلين فيجعلهما، ويقبل ذلك منهما، وإن لم يجد إلا رجلا واحدا، فأرى ذلك مجزئا عنه إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في استخلاف المرأة، ومثل ما مضى في رسم الأقضية لابن غانم، من سماع أشهب، من كتاب الأقضية في الترجمان، ومثل ما في سماع أصبغ من كتاب الحدود في الاستنكاه، وهو مما لا اختلاف فيه، إن كان ما يبتدئ القاضي فيه بالسؤال، ولم يكن على وجه الشهادة، فيكتفي فيه بالواحد، والاثنان أولى وأحسن، وبالله التوفيق.

###: حكم حلاق الصبيان قصة وقفاء

ومن كتاب الجامع وسئل مالك عن حلاق الصبيان قصة وقفاء، فقال: ما يعجبني، قلت له: من الجواري والغلمان.
فقال: ما يعجبني من الجواري ولا من الغلمان إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره كله فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه فيحلقوه كله، وقد كاتبت

في ذلك بعض الأمراء، وأمرته أن ينهى عن القصة، فسئل عن القصة وحدها بلا قفاء، فقال مثل قوله في القصة والقفاء.
قال محمد بن رشد: حلاق الصبي قصة وقفاء، هو أن يحلق وسط رأسه، ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، ومؤخره مسدولا على قفاه، وحلاقة قصة بلا قفاء، هو أن يحلق وسط رأسه إلى قفاه، ويبقى مقدمه مقصوصا على وجهه، وذلك كله مكروه للصبيان كما قال، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهى عن القزع»، وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص صغيرا من كبير، ولم يكره مالك القصة للصغيرة إذا لم يحلق بعض رأسها على ظاهر هذه الرواية كما كرهه للكبيرة، ففي كتاب جامع المسائل والحديث لأصبغ قال: سمعت ابن القاسم يقول: كره مالك القصة لشعر المرأة كراهية شديدة.
قال: وكان فرق الرأس أحب إلى مالك فيما أظن.
قال محمد بن رشد: وإنما كره ذلك لها، والله أعلم؛ لما جاء من أن أهل الكتاب كانوا يسدلون شعورهم، وكان المشركون يفرقون، «وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، فسدل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناصيته ثم فرق بعد»، "وروى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك قال: رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن عروة، يفرقون شعورهم، وكان لهشام جمة إلى كتفيه ". وروي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون كل من لم يفرق شعره، وقد روي: «أن شعر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان دون الجمة وفوق الوفرة»، وروي: "أنه «كان إلى شحمة أذنه».
وروي: «أنه كان بين أذنه وعاتقه»، وروي: «أنه كان يضرب منكبيه»، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر أحسن من جزه وإحفائه، وذهب الطحاوي إلى أن جزه وإحفاءه أحسن من اتخاذه واستعماله، واحتج بما روي من «أن أبا وائل بن حجر "أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد جز شعره، فقال له: هذا أحسن».
قال: لأن ما قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنه أحسن، فلا شيء أحسن منه، ومعقول أن قد صار إليه، وترك ما كان عليه قبل ذلك؛ إذ هو أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس، وهذا في الرجال، وأما في المرأة فلا اختلاف في أن جز شعرها مثلة، وفي كتاب المدينين سئل ابن نافع هل كره للمسلمة أن تفرق قصتها كما يصنع نساء أهل الكتاب؟ قال: لا، وبالله التوفيق.

مسألة: إحفاء الشوارب

مسألة وسئل مالك عمن أحفى شاربه، فقال: يوجع ضربا، وليس هذا حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإحفاء، وكان يقال: يبدو حرف الشفتين الإطار.
وقال: لم يحلق شاربه.
هذه بدع تظهر في الناس، وذكر زيد بن أسلم أن عمر كان إذا أكربه أمر نفخ يقول: أواه أواه، قال: فجعل رجل يراده وهو يفتل شاربه بيده، قال: فلو كان شاربه منموصا ما وجد ما يفتل.
هذه بدع قد ظهرت في الناس.
قال محمد بن رشد: إنما سئل مالك عمن أحفى شاربه لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بإعفاء اللحاء، وإحفاء الشوارب»، والإحفاء الاستئصال بالحلق.
وجمله جماعة من العلماء على ظاهره وعمومه، منهم أبو حنيفة

والشافعي وأصحابهما.
فقالوا: إحفاء الشوارب أفضل من قصها، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، فكان يحفي شاربه إحفاء شديدا.
ويقول: السنة فيه أن يحفي كما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحفوا الشوارب»، وذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أن السنة فيه أن يقص ويؤخذ منه حتى يبدو طرف الشفة: الإطار، ولا يستأصل جميعه بالحلق؛ لأنه روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من لم يأخذ شاربه فليس منا»، وأنه قال: «خمس من الفطرة؛ فذكر منها قص الشارب»، فجعل ذلك من قوله مبينا لأمره بإحفاء الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار لا جميعه.
وقوله صحيح؛ لأن استعمال الأحاديث وحمل بعضها على التفسير لبعض أولى من الأخذ ببعضها، والاطراح لسائرها، لا سيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها، والأخذ منها، وألا تعفى كما يفعل باللحاء، وهو دليل واضح، لذلك قال: إن حلق الشارب مثلة، وحكم له بأنه بدعة، ورأى أن يؤدب من فعل ذلك لما فيه من تقصير السلف المتقدم في مخالفتهم ظاهر الحديث والجهل به، وهم ما جهلوه ولا خالفوه، لكنهم تأولوه على ما تأوله عليه مالك، والله أعلم.
ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من السلف المتقدم، وقد قال بعض المتأخرين: إن الشارب لا يقع إلا على ما يباشر به شرب الماء، وهو الإطار، فذلك الذي يحفى، والصحيح أن الشارب ما عليه الشعر من الشفة العليا، إلا أن المراد بإحفائها إحفاء بعضها، وهو الإطار منها لا إحفاء جميعها، بدليل الحديثين الآخرين، وقد روي عن ابن القاسم أنه كان يكره أن يؤخذ من أعلاه،

ويقول تفسير حديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في إحفاء الشارب إنما هو الإطار، والأظهر أن ذلك ليس بمكروه، وأنه مستحسن، فيقص جميع الشارب؛ لما جاء في الحديث من أن قصه من السنة، ويحفى الإطار منه؛ لما جاء في الحديث من الأمر بإحفاء الشوارب.

###: حكم بيع وتداول المصحف بقراءة ابن مسعود

من سماع عيسى بن دينار من كتاب نقدها نقدها قال: وسمعته يقول في المصحف بقراءة ابن مسعود التي تذكر عنه، قال: أرى أن يمنع الإمام من بيعه ويضرب من قرأ به يمنعهم أن يقرءوا به ويظهروه.
قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك لأنها قراءة لم تثبت؛ إذ إنما نقلت نقل آحاد، ونقل الآحاد غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع به، وهو النقل الذي تنقله الكافة عن الكافة بما لم يقطع عليه أنه قرآن؛ لمخالفته مصحف عثمان المجتمع عليه، لا تباح قراءته على أنه قرآن؛ إذ حكمه حكم ما يروى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من الأحاديث والأخبار، فلا تجوز الصلاة به، وكذلك قال في المدونة أن من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أعاد في الوقت وبعده، وإن علم وهو في الصلاة قطع وخرج، فوجب على الإمام من أجل هذا أن يمنع منه ويضرب عليه، ولا يثبت قراءة سوى ما ثبت بين اللوحين في مصحف عثمان، وقد قيل في القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود: إنها قراءة كان يقرؤها على وجه التفسير لأصحابه، لا على أنها قرآن، فإن كان كذلك، فالمعنى في المنع من قراءة المصحف المكتوب على هذا، وبيعه بين لا يخفى، وبالله التوفيق.

###: منع النصارى واليهود من الوصايا في أموالهم

ومن كتاب أوله العرية قال عيسى: وقال ابن القاسم: لا أرى لحكم المسلمين أن يمنع النصارى واليهود من الوصايا في أموالهم، وإن أحاطت الوصايا بأموالهم ويتركون على شرائعهم، وإن تحاكموا إلى المسلمين، ورضي الخصمان وقساوستهم حكم بينهم بحكم الإسلام، ولم يجز وصاياهم إلا في الثلث، وكذلك مواريثهم، وكذلك كل شيء رضي به النصارى فيما بينهم بحكم الإسلام، فلا يكون ذلك، ولا يحكم بينهم إلا برضا من أساقفتهم، فإن كره أساقفتهم ذلك، فلا يحكم المسلمون بينهم، وإن رضي أساقفتهم بحكم الإسلام، وأبى ذلك الخصمان أو أحدهما لم يحكم المسلمون عليهم، وسئل عنها سحنون، وقيل له: النصراني أله أن يوصي بجميع ماله؟ فقال: ذلك يختلف، أما إذا كان من أهل العنوة، فليس ذلك له؛ لأن ورثته المسلمون إذا مات، فليس له أن يفر بميراثه وماله؛ لأنه من أهل العنوة، ومن كان أيضا من أهل الصلح ممن عليه الجزية على جمجمته، وكل واحد إنما عليه شيء يؤديه عن نفسه ليس يؤخذ غنيهم بمعدمهم، فإن ذلك أيضا ليس له أن يوصي بجميع ماله، وليس له أن يوصي إلا بثلثه إذا كان لا وارث له من أهل دينه؛ لأن ورثته المسلمون، وأما إذا كان من أهل الصلح صالحوا على أن عليهم وظيفة معلومة من الخراج، ليس ينقصون منه أبدا لموت من مات منهم، أو عدم من أعدم منهم، وبعضهم مأخوذ ببعض، فليس يعرض لهم في وصاياهم، وليس لنا أموالهم إن مات منهم أحد ولا وراث له، وكان لأهل خراجه يتقوون به في خراجهم؛ لأنهم هم المأخوذون بخراجه، وبعضهم قوة لبعض في الخراج.

قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: إنه لا يمنع النصارى ولا اليهود من الوصايا في أموالهم، وإن أحاطت بجميع أموالهم، معناه إذا كان لهم ورثة من أهل دينهم، وهو صحيح؛ إذ لا اختلاف في أن ميراثهم لورثتهم من أهل دينهم، فلا ضرر على المسلمين فيما يوصون به من أموالهم، وسواء كانوا من أهل الصلح أو من أهل العنوة على مذهب ابن القاسم، فهو نص قوله في سماع يحيى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، ومن كتاب الاستلحاق أنهم في مواريثهم، وأهل الصلح سواء، وهو على قياس رواية عيسى عنه في كتاب التجارة إلى أرض الحرب أن لهم حكم الأحرار في دية من قتل منهم، وفي تزويج نسائهم والنظر إلى شعورهن، ويأتي على قياس ما في سماع سحنون من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، من أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة أن يكون ميراثهم للمسلمين، وإن كان لهم ورثة من أهل دينهم، وألا يجوز لهم وصية بثلث ولا غيره، وهو ظاهر قول سحنون؛ لأنه لم يقصد إلى التكلم على الوصية بجميع المال، فيكون في قوله دليل على إجازة الوصية بالثلث، وقد يتأول قوله على أنه لا وارث لهم من أهل دينهم، فلا يكون قوله خلافا لقول ابن القاسم.
وقوله: وإن تحاكموا إلى المسلمين، ورضي الخصمان وقساوستهم حكم بينهم بحكم الإسلام، ولم تجز وصاياهم إلا في الثلث، معناه إن شاء أن يحكم بينهم؛ إذ لا يلزمه ذلك على مذهب مالك؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] وإنما يخالف في هذا بعض أهل العراق، وقد مضى هذا في نوازل سحنون من كتاب الأقضية، ومضى تحصيل القول فيه في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وشرط ابن القاسم رضا قساوستهم مع رضاهم يحمل على التفسير لما في المدونة، خلاف قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية: إنه لا يلتفت في ذلك إلى رضا أساقفتهم إذا رضوا هم بأن يحكم

بينهم حكم المسلمين، وإذا لم يكن لليهودي أو النصراني ورثة من أهل دينه، فليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه؛ لأن ورثته المسلمون.
وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، قال: إذا أوصى النصراني بجميع ماله في الكنيسية ولا وارث له، قال: يدفع ثلثه إلى أساقفتهم، فيجعله حيث أوصى به، ويكون ثلثاه للمسلمين، وهذا إذا كان من أهل العنوة، أو من أهل الصلح والجزية على جماجمهم، وأما إن كان من أهل الصلح والجزية مجملة عليهم لا ينقصون عنها لموت من مات منهم، ولا لعدم من أعدم، فيجوز له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء؛ لأن ميراثه لأهل دينه على مذهب ابن القاسم، وهو قول سحنون خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أن ميراثه للمسلمين إذا لم يكن له وارث من أهل دينه على كل حال، وبالله التوفيق.

###: الرجل يتلقى السلعة فيشتريها

ومن كتاب أوله يوصى لمكاتبه وسئل عن الرجل يتلقى السلعة فيشتريها، قال ابن القاسم: إذا أدركت في يده، وكانت من السلع التي ليس لها أهل راتبون في السوق، فيشترونها في حوانيتهم ويبيعونها من الناس، وإنما جل أمرها وشأنها إنما يبيعها جالبها من الناس كافة، فإنها تؤخذ من يده، وتوقف للناس في السوق ليشتروها بما اشتراها به، لا يزيدونه شيئا، فإن لم يجدوا من يشتريها إلا بأنقص من ذلك الثمن ردت عليه، وإن كانت من السلع التي لها أهل راتبون في السوق يشترونها ممن يجلبها ويبيعونها من الناس، فإنها تؤخذ منه، ويشرك فيها أهل تلك السلعة الذين يشترونها من أهلها ويبيعونها

من الناس إن أحبوها، وإن أبوها بالثمن ردت عليه.
قلت: فإن فاتت بيده؟ قال: إن كان متعودا لذلك أدب وزجر، وإن كان ليس متعودا نهي وأمر ألا يعود.
قلت: أفلا ترى أن يتصدق بربح إن كان فيها؟ قال: ما أراه بالحرام البين، ولو احتاط فتصدق به لم أر به بأسا.
قال سحنون سألت ابن القاسم عن الذي يتلقى الركبان فيشتري منهم، قال: أرى أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، فإن أخذوها به، وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها، وأود به ضربا وجيعا إلا أن يعد بالجهالة، وقال لي غير ابن القاسم يفسخ البيع في هذا، وفي بيع الحاضر للبادي، وفي الذي يسوم على سوم أخيه، وفي هذه الأشياء كلها، وترد السلع على أربابها.
قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عمن تلقى سلعة أو باع لباد، فقال: أما الذي تلقى فأرى أن تعرض في السوق لمن احتاج من أهل تلك السلعة أو غيرها ممن يشتري، فتباع لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تلقي السلع، وأما من باع لباد، فأرى أن يفسخ البيع؛ لأن المشتري ابتاع حراما، قد نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنه، وسئل عن البيع للبدوي هل يختلف عندك إن كان حاضرا معه أو غائبا؟ قال: البيع له مكروه، حضر البادي أو غاب عنه.
روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب البيوع والعيوب، قيل لابن القاسم: أترى أهل نبا، وأبو صير من أهل البوادي؟ قال: لا؛ لأنهما أهل مدائن، إنما يراد بها أهل القرى، يريد به الحديث الذي جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يبع حاضر لباد».
ونبا وأبو صير كورتان من كور أهل مصر.
قال عيسى: وقال ابن القاسم: إذا باع الحاضر للبادي فسخ البيع إن

أدرك.
قلت: فإن فات، قال: إن كان رجلا متعودا بذلك أدب وزجر، وإن كان على غير ذلك نهي عن ذلك، ولم يكن عليه شيء، وسئل عنها سحنون فقال: سألت عنها ابن القاسم، فقال: إذا باع حاضر لباد، فأرى أن يمضي البيع، وأن يؤدب أهله، قال زونان: وسئل ابن وهب عن الحاضر يبيع للبادي عالما بمكروهه، أو غير عالم، هل ترى للسلطان أن يؤدبه؟ فقال: لا يؤدب، ولكن يزجر عن ذلك.
قال الإمام القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فرق ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه بين شراء المتلقي وبيع الحاضر للبادي، فأجاز شراء المتلقي، ولم يفسخه، إلا أنه رأى أن تعرض السلعة على أهل تلك التجارة بالثمن الذي اشتراها به إذا أدركت في يده، أو على جميع الناس بالسوق، إن لم يكن لها أهل.
وقوله: إن أدركت بيده معناه إذا أدركت بيده قائمة إن لم يكن لها أهل، واختلف بماذا تفوت في ذلك، فقيل: إنها تفوت فيه بما يفوت به البيع الفاسد، وقيل: إنها لا تفوت إلا بالعيوب المفسدة، ولم يجز بيع الحاضر للبادي، فقال: إنه يفسخ ما لم يفت، يريد ما يفوت به البيع الفاسد، وساوى في رواية سحنون عنه بين البيعتين أنهما لا يفسخان إذا وقعتا؛ إذ لا غرر فيهما، ولا فساد في ثمن ولا مثمون، إلا أنه رأى في شراء المتلقي أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، ويلزم على قياس ذلك في بيع الحاضر للبادي، أن يكون للمشتري الرد إن شاء، إذا لم يعلم أن حاضرا باع له، وقال: ظننته باديا أشتري منه رخيصا، ولم ير ذلك له في ظاهر قوله، وذلك تعارض بين الوجهين، وساوى غير ابن القاسم بينهما في أنهما يفسخان، قال: وكذلك الذي يسوم على سوم أخيه، وهو قول مالك في رواية ابن نافع وأشهب عنه، فقول ابن القاسم في سماع سحنون عنه على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه، وقول غيره ومالك في رواية أشهب، وابن نافع عنه على القول بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، فقد قيل: إنه يقتضيه من جهة وضع اللغة؛ لأن

النهي ضد الأمر، فلما كان الأمر يدل على الجواز والصحة، وجب أن يدل النهي على عدمهما ووجوب ضدهما، وهو البطلان والفساد، وقيل: إنما يقتضيه بدليل الشرع، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد».
فوجب أن يرد كل بيع نهى عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ما لم تقترن به قرينة تدل على جوازه، وأما تفرقة ابن القاسم في رواية عيسى عنه، فلا يحملها القياس؛ لأنه جعل النهي مقتضيا للفساد في بيع الحاضر للبادي، ولم يجعله مقتضيا له في البيع من التلقي، فهي استحسان، ووجهها أن النهي عن أن يبيع حاضر لباد متناول للبيع نصا، والنهي عن تلقي الركبان لا يتناول البيع نصا، وإنما يتناوله بالمعنى، ولا يقوى المعنى قوة النص، مع أنه قد اختلف في فساد البيع بمجرد النص، وكذلك قول من قال: إن البيوع المطابقة للنهي دون أن يخل فيها شرط من شروط صحتها تفسخ ما لم تفت، فإن فاتت مضت بالثمن هو استحسان على غير قياس.
وتحصيل الاختلاف في هذا النوع من البيوع أن نقول فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن البيع يفسخ فيها كلها.
والثاني: أنه لا يفسخ في شيء منها.
والثالث: أنه يفسخ فيما تناول النهي فيه منها البيع نصا، ولا يفسخ فيما تناوله منها بالمعنى.
واختلف على القول بأنه يفسخ إلى أي حد يفسخ؟ فقيل: إنه إنما يفسخ ما كان قائما، فإن فات بما يفوت به البيع الفاسد مضى بالثمن، وقيل: إنه يفسخ في القيام، ويرد إلى القيمة في الفوات، واختلف على القول بأنه لا يفسخ، هل يكون فيه حق لمن كان النهي بسببه أم لا؟ كالنهي عن تلقي الركبان، وعن أن يبيع حاضر لباد؛ لأن المعنى في النهي عن ذلك إنما هو الرفق على أهل الحاضرة عند مالك وجميع أصحابه.
فقيل: إن له في ذلك حقا، وتعرض السلعة في التلقي على أهل الحاضرة في السوق بالثمن، فإن قبلوها وإلا ردت عليه،

للحق الذي لهم في ذلك، ويكون المشتري في بيع الحاضر للبادي بالخيار بين أخذها وردها، إن لم يعلم أن حاضرا باعها منه للحق الذي له في ذلك أيضا.
وقيل: إنه لا حق له في ذلك، فلا تعرض السلعة في التلقي على أهل السوق، ولا يكون للمشتري من البادي إذا باع منه حاضر، ولم يعلم خيار في ردها.
وقد حكى ابن حبيب أن بيع الحاضر للبادي يفسخ؛ لأن عقده وقع بما نهى عنه رسول الله إلا أن يشاء المشتري أن يتمسك، قال: وهو قول مالك، وقوله بعيد خارج عن الأصول؛ لأن العقد إذا كان فاسدا بالنهي، فلا يجوز للمشتري التمسك به، وإنما الكلام إذا لم يكن فاسدا بالنهي على القول بأن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه، فقيل: إنه يلزم المشتري ولا خيار له، وقيل: إنه يكون بالخيار إذا لم يعلم أن حاضرا باع منه على ما ذكرناه.
وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن يجعل قول ابن حبيب مفسرا لرواية أصبغ وعيسى عن ابن القاسم في هذا الرسم، وذلك غير صحيح؛ لأنه قد نص فيها أنه بيع حرام؛ لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عنه، فكيف يصح أن يقال في البيع الحرام: إن المشتري فيه بالخيار، فرواية سحنون عن ابن القاسم مخالفة لرواية عيسى وأصبغ عنه في ثلاثة مواضع؛ أحدها: أن بيع الحاضر للبادي لا يفسخ.
والثاني: إيجاب الأدب فيه، وفي بيع التلقي إذا لم يعذر بجهل؛ لأن ابن القاسم في رواية عيسى وأصبغ عنه لا يرى في ذلك الأدب، إلا أن يكون معتادا بذلك، وهو قول ابن وهب في رواية زونان عنه.
والثالث: ما ذكرته من تعارض قوله في وجوب عرض السلعة في التلقي على أهل السوق.
وأما قوله في رواية أصبغ في أهل نبا وأبو صير أنهما كورتان من كور أهل مصر، فهما كأهل المدائن في جواز البيع لهم، فقد مضى الاختلاف في ذلك، والقول فيه في رسم حلف، وفي رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: الحضري يأتي البدوي في باديته فيسأله عن سعر السوق هل يخبره

مسألة قال زونان: وسئل أشهب عن الحضري يأتي البدوي في باديته، فيسأله عن سعر السوق - سوق السلع - هل ترى للحضري أن يخبره ويشير عليه؟ قال: لا أرى ذلك، وسألت عنها ابن وهب فقال لي مثله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ إذ لا فرق بين أن يخبره بذلك في باديته، أو في الحاضرة إذا قدم، وقد مضى القول على ذلك في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: هل للحاضر أن يبيع سلعة البادي للضرورة

مسألة وسئل أشهب وأنا أسمع عن رجل من أهل البادية أتى بسلعة إلى الحضر، فعرضت له علة؛ هل ترى للحاضر أن يبيع سلعته؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا أصابته علة يقدر على أن يتربص ببيع سلعته حتى تذهب علته، أو يدفع إلى من قدم معه من أهل البادية يبيعها له، إلا أن تكون من السلع التي تفسد إن بقيت، وليس معه من جيرانه ورفقائه من أهل البادية من يتولى بيعها له، فتكون هذه ضرورة تبيح للحاضر بيعها له إن شاء الله، وبالله التوفيق.

###: حكم بيع أشياء يغش بها المسلمون

ومن كتاب أوله الرهون وسئل ابن القاسم عن بيع أشياء يغش بها المسلمون، قال:

ما كان من ذلك ليس له وجه إلا الغش، فلا أحب لأحد أن يبيعه، وما كان من ذلك فيه منفعة؛ فمن أراد أن يغش به أحدا، فلا بأس أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به، فإذا علم أنه يريد به الغش فلا يبيعه منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن ما كان لا منفعة فيه إلا الغش به، فلا يجوز بيعه على حال، وذلك بخلاف الدرهم المغشوش بالنحاس؛ لأنه يمكن أن يسيله فيجعل فضته على حدة، ونحاسه على حدة، فيجوز أن يبيعه ممن يكسره، وممن يعلم أنه لا يغش به إلا على اختلاف ضعيف، ويكره أن يبيعه ممن لا يأمن أن يغش به، ويختلف هل يجوز أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به، فأجاز ذلك ابن وهب وجماعة من السلف، ولم يجزه ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك كله في رسم النسمة، من سماع عيسى، من كتاب الصرف، وأما ما كان فيه منفعة، ويمكن أن يغش به، فجائز أن يباع ممن لا يدري ما يصنع به، ويكره أن يباع ممن يخشى أن يغش به، ولا يجوز أن يباع مما يعلم أنه يغش به، وبالله التوفيق.
ٍ

###: غش النساء يصنعنه فيضعنه على رءوسهن ثم ينزعنه كهيأة القلنسية ولكنه شعر

ومن كتاب الجواب وسألته عن الغش غش النساء يصنعنه، فيضعنه على رءوسهن، ثم ينزعنه كهيأة القلنسية، ولكنه شعر، قال ابن القاسم: لا خير في ذلك كان من شعر أو وبر، فإن النساء يضعنه من وبر الإبل كما زعموا فلا خير فيه، كان من شعر أو وبر، قيل لأصبغ: فشيء يعمله النساء في رءوسهن يسمينه النونة، أترى به بأسا؟ قال: ما

أرى به بأسا ما لم يعظمنه جدا كأسنة البخت العجاف، فهي إذا عظمت شبيهة بذلك، فأما ما كان مقتصدا، فلا بأس بذلك كان شكل النساء عندنا قديما ثم تركنه، وأراه من شكل نساء العرب قديما.
قال محمد بن رشد: أما الغش الذي ذكر أن النساء يضعنه، فالكراهة فيه بينة؛ لأنه القصة المنهي عنها في حديث معاوية؛ إذ خطب الناس بالمدينة، فتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن مثل هذه، وقال: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم»، وهي شبه الجمة من الشعر أو الوبر، تضعها المرأة التي لا شعر لها، أو التي لها شعر لطيف على رأسها تراءى به أنه شعرها، وقد لعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الواصلة والمستوصلة، هذا من ذلك المعنى.
وإنما النونة التي لم ير بها أصبغ بأسا للمرأة ما لم تعظمه جدا حتى يكون كسنام البعير الأعجف، فهو شيء كان النساء يصنعنه فيضعنه على رءوسهن تحت أخمرتهن هيئة من هيئاتهن، لا تشبه به أنه شعرها، فلا وجه للكراهة فيه، وإنما كره ما عظم منه لخروجه عن شكل نساء العرب، وكونه تشبه شكل نساء العجم، والتزيي بزي العجم مكروه للنساء كما هو للرجل، فهذا وجه قوله عندي، والله أعلم.

مسألة: خلط اللحم السمين بالمهزول

مسألة وسئل عن الجزار يكون عنده اللحم السمين، واللحم

المهزول فيخلطهما جميعا فيبيعها بوزن واحد مخلوطا، والمشتري يرى ما فيه من المهزول والسمين، غير أنه لا يعرف وزن هذا من هذا، قال ابن القاسم: إذا كانت الأرطال اليسيرة الخمسة والستة، ومثل ما يشتري الناس على المجاز بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك، فلا أرى به بأسا، وإن كثرت الأرطال مثل العشرين والثلاثين وما أشبه ذلك فلا خير فيه، وأرى أن يمنع الجزارون من مثل هذا أن يخلطوا السمين والمهزول، وأراه من الغش، ولا أرى ذلك يجوز لهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن البيوع لا تنفك عن الغرر اليسير فهو مستخف فيها مستجاز، ومن الدليل على ذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع الغرر،» والبيع لا يوصف بأنه بيع غرر حتى يكون الغرر ظاهرا فيه وغالبا عليه، وإنما يجوز شراء الأرطال اليسيرة من اللحم المخلوط السمين بالمهزول إذا اشتراه كله، فرأى ما فيه من السمين والمهزول، وإن لم يعرف حقيقة ما يقع من هذا؛ لأن الغرر في هذا خفيف يسير، فأما إن كان إنما يشتري منه وزنا معلوما على أن يعطيه إياه من السمين والمهزول وهو لا يدري قدر ما يعطيه من كل واحد منهما، ولا يراه حتى يزنه فلا يجوز قليلا كان أو كثيرا، إلا أن يقع شراؤه على أنه في الخيار فيه حتى يفرزه ويزنه، وعلى هذا المعنى يجوز عندنا شراء التين الأخضر على العد؛ لأنه لو اشترى منه من جملة تينه مائة تينة في التمثيل على أن يعدها له البائع، أو على أن يعدها المبتاع لنفسه ليختارها لم يجز

لأن البيع إن وقع بينهما على أن يعدها له البائع كان غررا، إذ لا يدري المبتاع ما يعطيه البائع لأنه يتفاوت تفاوتا بعيدا في الصغر والكبر والنضج والطيب، وإن وقع بينهما على أن يعدها المبتاع لنفسه ويختار دخله التفاضل فيما لا يجوز التفاضل فيه، وبيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه مخير بين أن يأخذ الصغير أو الكبير فكأن قد باع أحدهما بالآخر، فلا يجوز البيع في ذلك إلا على أن يكون المبتاع بالخيار حتى (يعد) له ما يعد فإن رضي أخذ وإلا ترك، وهذه المسألة تحمل على جواز صبرتين صغيرتين مختلفتين في الجودة، أو في النوع على كل واحد، فإن كانتا كبيرتين لم تجز لأنه خطر، إذ لا يدرى قدر ما في كل واحدة، فإن كثرت الجيدة غبن البائع، وإن قلت غبن المشتري، فإن صغرتا حتى يعلم قدر كل واحدة جاز على ما قال في اللحم، فهو قياسه، وبالله التوفيق.

مسألة: خلط الزيت الرديء بالجيد

مسألة وسألته: عن الرجل يخلط الزيت الرديء بالجيد، والقمح الرديء بالجيد، هل يحل شيء من هذا؟ قال ابن القاسم: لا خير في هذا ولا يحل، وهذا من الغش فلا يحل، وإن كان يريد أن (يبين) إذا باع فلا خير في ذلك، ولا يحل له خلطه، ولا أدري كيف سألت عن هذا؟ وقال لي مالك مرة في شيء سألته عنه: أنت حتى الساعة هاهنا تسأل عن مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن خلط الجيد بالرديء للبيع من الغش الذي لا يجوز لأحد أن يفعله، وإن بين عند البيع أنه مخلوط،

وينبغي للإمام أن يمنع منه ويضرب عليه، فإن فعل كان للمشتري أن يرد وإن بين أنه مخلوط جيد برديء، إلا أن يبين مقدار الرديء الذي خلطه بالجيد وصفتهما جميعا قبل الخلط حتى يستوي علمهما فيه، فلا يكون للمشتري حينئذ أن يرد، ويكون هو قد باء بالإثم في خلطه، إذ قد يغش به غيره؛ لأنه مما يمكن الغش به، وإنما يجوز له أن يبيعه على هذا البيان التام ممن يعلم أنه لا يغش به، أو ممن لا يدري ما يصنع به، ويكره له أن يبيعه ممن يخشى أن يغش به، ولا يجوز له أن يبيعه ممن يعلم أنه يغش به على ما مضى القول فيه في رسم الرهون.
وهذا في الصنف الذي يختلط ولا يمتاز بعد الخلط جيده من رديئه كالزيت والسمن والعسل وشبه ذلك، وأما الصنفان اللذان يمتازان بعد الخلط إلا أنه لا يعلم مقدار كل واحد منهما من صاحبه كالقمح والشعير، أو السمن والعسل أو الغلث والطعام وما أشبه ذلك فإن كان أحد الصنفين منهما يسيرا جدا تبعا لصاحبه جاز أن يبيع ولا يبين؛ لأن المشتري يراه ويعرفه، وإن لم يكن أحدهما يسيرا ولا تبعا لصاحبه، فلا يخلو من أن يكون يمكن تمييزه أو لا يمكن تمييزه، فإن كان مما يمكن تمييزه كالغلث مع الطعام، واللحم السمين مع المهزول وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن يباع الكثير من ذلك على ما هو عليه حتى يميز أحدهما عن صاحبه، ويجوز أن يباع القليل منه على ما هو عليه على ما قاله في المسألة التي قبل هذه في اللحم السمين والمهزول، وإن كان مما لا يمكن تمييز أحدهما من صاحبه كالسمن من العسل، والقمح من الشعير، والماء من اللبن، وما أشبه (ذلك) ممن يأكله ويؤمن أن يغش به.
قاله ابن حبيب في الواضحة في اللبن والعسل المغشوش بالماء، وقيل: إن ذلك لا يجوز، وهو قول مالك في الواضحة.
وكتاب ابن المواز: أن من خلط قمحا بشعير لقوته فيكره له أن يبيع ما فضل له منه، يريد إلا أن يبين مقدار الشعير فيه من القمح، وقيل: إن كان خلطه للبيع لم يجز أن يبيعه، وإن كان خلطه للأكل جاز له أن يبيعه، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن

المواز، وقيل: إنه لا يجوز له أن يبيعه إلا أن يكون يسيرا خلطه للأكل، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

مسألة: البدوي يبعث للحضري بمتاع يبيعه له هل يصح

مسألة وسألته: عن البدوي يبعث إلى الحضري بمتاع يبيعه له، هل يصلح له ذلك؟ قال ابن القاسم: لا يصلح أن يبيعه له، ولا يشير عليه في البيع إن قدم، ولا بأس أن يشير عليه في الاشتراء، وأن يشتري له، وأن يجهز له عليه، ورواها أصبغ، وقال: لا بأس أن يشتري لرسوله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه لا يجوز له أن يبيع له متاعه الذي بعث به، كما لا يجوز (له) أن يبيعه له إذا قدم به؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى أن يبيع حاضر لباد» (فعم) ولم يخص حاضرا من غائب، فوجب أن يحمل على عمومه (في الوجهين) الاشتراء لرسوله يجوز كما يجور الاشتراء له، وقد مضى القول على ذلك في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: لا بأس أن يقطع الرجل الدنانير والدراهم حليا لنسائه

ومن كتاب القطعان وقال ابن القاسم: لا بأس أن يقطع الرجل الدنانير والدراهم حليا لبناته ونسائه، وقال ابن وهب مثله.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الكراهية في قطع الدنانير إنما هي لما يوجب ذلك من فساد النقود التي يبتاع الناس بها، وقد مضى في رسم شك في طوافه، ورسم تأخير العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف بيان ما لا يجوز من ذلك (وما يكره) وما يجوز منه وما يتفق عليه من ذلك، وما يختلف فيه، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا، فقطعها ليعمل منها حلي خارج عن ذلك كله جائز باتفاق، ولا وجه للكراهية فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: الذي يعمل الدوامات للصبيان يبيعها منهم

مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يعمل الدوامات للصبيان يبيعها منهم، فقال: أكرهها له.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك له من أجل بيعه إياها من الصبيان، ولا يدري هل أذن لهم في ذلك آباؤهم أم لا؟ إلا أنه لما كان الأظهر أنهم مطلقون على ذلك ليسارة ثمنه، كرهه ولم يحرمه، ولو علم رضا آبائهم بذلك لم يكن لكراهيته وجه، وإن اللعب مباح لهم لا يمنعون منه، قال ذلك ابن شعبان وهو صحيح، لقول الله تعالى، حاكيا عن إخوة يوسف لأبيهم في يوسف أخيهم: (أرسله معنا غدا نرتع ونلعب)، وبالله التوفيق.

[: السوق وما يباع فيه هل يقوَّّّّّّّّّم على أهله]

ومن كتاب أوله باع شاة وسئل عن السوق وما يباع فيه، هل يقوم على أهله؟ قال ابن القاسم؛ قال مالك: لا يقوم عليهم شيء، وإنما يصنع فيه

كما صنع عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، قلت: فالبقول والكراث والبصل والزيت والعسل واللحم وجميع الأشياء لا يقوم عليهم شيء من ذلك؟ قال: لا، قلت: لا على أصحاب الحوانيت ولا على غيرهم؟ قال: نعم، لا على أصحاب الحوانيت ولا غيرهم، وإنما يقال لمن حط السعر وأدخل على الناس فسادا: إما أن تلحق بأسعار الناس وإما أن ترفع من سوقنا.
قلت: فلو أن واحدا قام واللحم ثلاثة أرطال فباع أربعة، هل يقام له الناس؟ قال: لا يقام له الناس، لا لواحد ولا لاثنين ولا لثلاثة ولا لأربعة ولا لخمسة، ولو رفع لواحد لاشترى سلع الناس بحكمه، إذ لا يبيع معه أحد، فيدخل على الناس في ذلك ضرر، ولكن يبيع هو ويبيع الناس معه، ولا يقام لواحد، وإنما يقام الواحد والاثنان إذا كان جل الناس على سعر، فقام الواحد أو الاثنان فحطوا من السعر فأدخلوا الفساد فأولئك يقامون من السوق أو يلحقون بسعر الناس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.

###: الأجذم الشديد الجذام أيحال بينه وبين وطء رقيقه

ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم: عن الأجذم الشديد الجذام، أيحال بينه وبين وطء رقيقه؟ فقال: نعم، إذا كان في ذلك ضرر، رأيت أن يمنع من ذلك، وإنما فرق بينه وبين الحرة حين حدث ذلك به،

وهي عنده لموضع الضرر، وسئل عنها سحنون غير مرة، فقال: لا أرى أن يحال بين الأجذم ووطء إمائه.
(قال محمد) بن رشد: قياس ابن القاسم الأمة في هذا على الحرة صحيح، فهو أظهر من قول سحنون، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء"، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنه أذى»، وما نهى عنه رسول الله، وقال فيه: إنه أذى فالمنع منه واجب، وقد مر عمر بن الخطاب بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت، فقال لها: "يا أمة الله، لا تؤذي الناس لو جلست في بيتك " فجلست.
وإذا وجب بهذا وما أشبهه من الأحاديث أن يحال بين المجذومين وبين اختلاطهم بالناس لما في ذلك من الإذاية لهم والضرر بهم كان منع الرجل المجذوم من وطء إمائه أوجب؛ لأن الضرر بذلك عليهن أكثر، ووجه قول سحنون إن المجذوم يحتاج إلى النساء، فرأى الضرر الداخل على المجذوم في ترك وطء إمائه أكثر من الضرر الداخل

عليهن في وطئه إياهن، إذ قد يئول ذلك به إلى العنت، فرأى ألا يحال بينه وبين ذلك لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا اجتمع ضرران نُفِيَ الأصغر للأكبر»، وبالله التوفيق.

###: الإجبار على هدم الجدار المائل

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن جدار رجل بين داره ودار جاره مال ميلا شديدا حتى خيف انهدامه، أترى للسلطان إذا شكا، ذلك (جاره) وما يخاف من ضرره وإذائه أن يأمر صاحبه بهدمه؟ فقال: نعم، ذلك واجب عليه أن يأمره بهدمه، قلت: فعلى من بنيانه؟ قال: يقال لجاره إن شئت فاستر على نفسك أو دع، ولا يجبر صاحب الجدار على بنيانه، قيل له: أيبني جاره ما يستتر به في موضع الجدار؟ فقال: ليس ذلك له، وإنما يقال له: إن شئت أن تبني في أرضك وحوز دارك وتستر وإلا فدع.
قيل: فإن شكا إليه ما يخاف من انهدام الجدار فلم يهدمه حتى انهدم على إنسان أو دابة أو بيت لضيق به، فقتل أو هدم ما سقط عليه أيضمن ذلك صاحب الجدار؟ قال: نعم، يضمن كل ما أصاب الجدار بعد الشكاية إليه والبيان له.
قال يحيى: وإن لم يكن ذلك بسلطان فإنه ضامن إذا تقدم إليه وأشهد عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إن الحائط إذا هدمه بأمر السلطان خوف سقوطه أنه لا يلزمه إعادته، خلاف قوله في سماع يحيى من كتاب الأقضية، ومثل قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى منه، وقد مضى

هناك تحصيل القول في هذا المعنى فلا وجه لإعادته.
وقول يحيى إنه ضامن لما أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه، وإن لم يكن ذلك بسلطان مفسر لقول ابن القاسم، ومثل ما في المدونة.
وقد قيل: إنه لا ضمان عليه إلا فيما فسد بانهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وهو قول عبد الملك، وقول ابن وهب في سماع زونان بعد هذا من هذا الكتاب، وقد قيل: إنه ضامن لما أصاب إذا تركه بعد أن بلغ حدا كان يجب عليه هدمه وإن لم يتقدم في ذلك إليه ولا أشهد عليه، وهو قول أشهب وسحنون.
وما أصاب الجمل الصئول والكلب العقور في الموضع الذي يجوز اتخاذه فيه يجري على هذا الاختلاف، والضمان في ذلك لا يتعدى المال إلى العاقلة عند ابن القاسم، كذلك روى عيسى عنه في رسم لم يدرك من كتاب الديات، وهو ظاهر قوله في ظاهر هذه الرواية، وروى زونان في سماعه عن ابن وهب أن العاقلة تحمل من ذلك الثلث فصاعدا، وهو قول مالك، رواه عنه أشهب وابن عبد الحكم، وبالله التوفيق.

###: الرجل يفتح في جداره الكوة إلى الدار فيحجبها آخر

ومن كتاب المدينين قال: وسئل: عن الرجل يفتح في جداره الكوة إلى الدار أو الزقاق للضوء والشمس فيبني رجل آخر جداره فيرفعه حتى تظلم تلك الكوة أو لا تدخلها الشمس.
قال مالك: ذلك له، لا يحال بينه وبين ذلك، ولو كان ذلك لا يجوز كان أول ما يفتح الكوة تسد عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة،

وفي ذلك اختلاف قد مضى تحصيله وذكره في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية فأغنى ذلك عن إعادة ذكره هاهنا، وبالله التوفيق.

###: الذي يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته

ومن سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: سألت ابن القاسم: عن الذي يبيع على بيع أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه، أو يتلقى الركبان فيشتري منهم، أو يبيع حاضر لباد.
قال: أما إذا باع على بيع أخيه أو خطب على خطبة أخيه لم أر أن يفسخ، ورأيته أن يؤدب صاحب هذا، وأما أن يبيع حاضر لباد، فأرى أن يمضي البيع وأن يؤدب أهله، وأما إذا تلقى الركبان فإني أرى أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها، وأؤدبه ضربا وجيعا إلا أن يغرر بالجهالة، وقال غيره: تفسخ هذه الأشياء كلها وترد السلع على أربابها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم يوصي من سماع عيسى فلا معنى لإعادته مرة أخرى، وبالله التوفيق.

مسألة: بيع العنب ممن يعصره خمرا

مسألة وسئل: عن الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا أو يكري حانوته ممن يبيع الخمر، أو يكري دابته إلى الكنيسة، أو يبيع شاته ممن يذبحها لأعياد النصارى، قال: أما بيع العنب من يعصره خمرا، أو كراء البيت ممن يبيع الخمر، فأرى أن يفسخ

الكراء ويرد البيع ما لم يفت، فإن فات تم البيع ولم أفسخه، وأما كراء الدابة، وبيع الشاة فإنه يمضي ولا يرد، وقد اختلف في كراء الدابة قول مالك، فمن ثم رأيت له ذلك.
وبلغني عن أشهب أنه سئل عن الذي يبيع كرمه من النصراني، فقال: أرى أن تباع على النصراني، بمنزلة شرائه العبد المسلم.
قال محمد بن رشد: إنما قال في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا أو يكري حانوته ممن يبيع فيه الخمر إن الكراء يفسخ، والبيع يرد ما لم يفت، فإن فات مضى ولم يفسخ، من أجل أنه بيع وكراء لا غرر فيه ولا فساد في ثمن ولا مثمون، فأشبه البيع الذي طابقه النهي، كالبيع يوم الجمعة بعد النداء، وبيع الحاضر للبادي، وما أشبه ذلك من البيوع التي لا تجوز مع سلامتها من الغرر والمجهول، فيدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في هذه البيوع، قيل: إنها تمضي بالثمن إذا فاتت، وقيل: إنها ترد إلى القيمة، وقيل: إنها لا تفسخ وإن كانت قائمة.
فعلى قياس هذا القول لا يفسخ بيع العنب ممن يعصر خمرا، ولا كراء الحانوت ممن يبيع فيه الخمر وإن أدرك قبل الفوت، فإن كان المشتري نصرانيا منع من بيع الخمر في الحانوت، وبيع عليه العنب، وإن كان مسلما منع من جميع ذلك ولم يفسخ منه شيء، وقال: إن البيع إذا فات تم ولم يفسخ، ولم يتكلم على ما يجب على البائع والمكري في الثمن والكراء، فأما ثمن العنب فيسوغ له، إلا أن يكون ازداد فيه بسبب بيعه للعصر فيجب أن يتصدق بالزيادة، وأما الكراء فيتصدق بجميعه، قيل: لأنه لا يحل له كثمن الخمر، وقيل: أدبا له، لا من أجل أنه عليه حرام كثمن الخمر، وهو ظاهر هذه الرواية.
وسواء في العنب باعه ممن يعصره خمرا بتصريح، أو باعه منه وهو يعلم أنه يعصره خمرا.
وأما كراء البيت فقال ابن حبيب فيه:

إنه إن أكراه وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر لهم، يفسخ الكراء بخلاف العنب، والفرق بينهما عنده أن العنب يغاب عليه فلا يمكن (منعه) من عصره، بخلاف بيع الخمر في الحانوت، وقال ابن القاسم: يفسخ الكراء في الحانوت إذا أكراه وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر، كما يفسخ البيع في العنب إذا باعه ممن يعلم أنه يعصر خمرا، وقد مضى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح والصيد وجه اختلاف قول مالك في كراء الدابة وبيع الشاة والحكم في ذلك إذا وقع، فمن أحب الوقوف عليه هناك تأمله هناك، وقياس بيع الكرم من النصراني على بيع المسلم منه صحيح قاسه أشهب عليه، فقال: إنه يباع عليه على مذهبه في أنه يباع عليه العبد المسلم إذا اشتراه ولا يفسخ فيه البيع، وقاسه سحنون عليه في نوازله من كتاب جامع البيوع فقال: إن البيع يفسخ على مذهبه في أنه إذا اشترى العبد المسلم فسخ البيع فيه، وبالله التوفيق.

###: الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكائل

ومن سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم قال محمد: سألت ابن القاسم: عن الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكائل، قال: إن كان في ذلك للمسلمين نظر بموافقة حق لا يكره الناس على البيع به فلا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه إذا كان في ذلك نظر للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله، وأما قوله: لا يكره الناس على البيع به ففيه نظر؛ لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى ذلك نظرا للمسلمين، فمعنى قوله لا يكره الناس على البيع به، أي: لا يحجره جملة حتى لا يجيز لأحد بيعا إلا به، وبالله التوفيق.

مسألة: الدابة الصئول تعدو على الصبي المملوك فتقتله

مسألة من سماع عبد الملك بن الحسن قال عبد الملك: سألت ابن وهب: عن الدابة الصئول تعدو على الصبي المملوك فتقتله، وقد كان جيران صاحب الدابة شكوا إلى صاحبها أمر دابته وما كانوا خافوا منها على صبيانهم وأنفسهم قبل ذلك، وتقدموا واستنهوا منها فلم يبعها حتى عدت على صبي مملوك فقتلته، أو كانت مربوطة أو أفلتت من رباطها فقتلت الصبي، أو كان سلطان تقدم إلى صاحب الدابة حين استنهى جيرانه منها، وقال له: إن آذت بعد يومها هذا ضمنتك ما آذت فيه، فهل الأمران واحد إذا قدم السلطان إليه أو جيرانه أو أشهدوا عليه؟ وهل يضمن صاحب الدابة ما عقرت دابته بعد هذا؟ فقال: الدابة الصئول عندي في هذا بمنزلة الكلب العقور، لا ضمان على ربها حتى يتقدم إليه السلطان، فإذا تقدم إليه بعد المعرفة بالصئول والعقر فلم يحبسها عن الناس، أو يغربها عنهم فعقرت ضمن، وهو قول مالك في الكلب على ما وصفت لك، فإن كان دون الثلث ففي ماله، وما كان الثلث فصاعدا حملته العاقلة، وهو من الخطأ إن كان المعقور حرا، وإن كان عبدا ففي مال رب الدابة والكلب على كل حال.
وقول أشهب: لا ضمان على صاحب الدابة على أي الوجوه، كان تقدم السلطان إليه أو استنهى جيرانه (منه).

قال محمد بن رشد: قوله: لا ضمان على صاحبها حتى يتقدم إليه السلطان خلاف ما في المدونة وخلاف ما مضى في سماع يحيى قبل هذا من أنه يضمن إذا أنهى إليه وأشهد عليه وإن لم يكن ذلك بسلطان، وقيل: إنه ضامن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، قاله أشهب وسحنون في الحائط إذا بلغ مبلغا يجب عليه هدمه فتركه، وكذلك يجب على مذهبهما في الدابة الصئول والكلب العقور إذا علم بحالهما فلم يغربهما ولا حبسهما حتى عديا على أحد فقتلاه.
وقول أشهب هاهنا (في الدابة) قول رابع في المسألة.
ووجهه: أنه حمل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جرح العجماء جبار» على عمومه في كل حال.
وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا حبس الدابة الصئول حيث يجوز له حبسها فيه، واتخذ الكلب العقور حيث يجوز له اتخاذه فيه، وأما إن اتخذ الكلب العقور أو حبس الدابة الصئول حيث لا يجوز له فهو ضامن لما أصابا، وإن لم يتقدم إليه قولا واحدا، وقد مضى في سماع يحيى ذكر الاختلاف في هل تحمل العاقلة من ذلك في الأحرار ما بلغ الثلث، فلا معنى لإعادته.

مسألة: وجد في زرعه مهرين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره فتلفا

مسألة قال: وسألت ابن وهب: عن رجل وجد في زرعه مهرين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره، فلما كان من جوف الليل خرقا داره أو خرقا زرب الدار فخرجا منها فعقرتهما السباع، فهل يضمنهما الذي ساقهما إلى داره؟ أو إن كانا في داره وعقرهما

السبع في الدار أيضمنهما صاحب الدار؟ قال: أراه ضامنا إذا عقرا أو أصيبا في الأمر الذي سببه وأصله منه، ولم يكن له سوقهما وحبسهما في داره، وإنما له إتيان السلطان إذا كان السلطان قريبا والاستنهاء إلى صاحبهما أو ردهما عن زرعه، فإذا ترك ذلك وساقهما إلى داره وربطهما أو حبسهما فأراه متعديا، وأرى عليه ضمانهما إن أصيبا في ذلك، وقال أشهب: فهو ضامن لهما أبدا حتى يرجعا إلى صاحبهما ماتا في داره أو عقرا خارجا من داره.
قال محمد بن رشد: قول أشهب مثل قول ابن وهب، فلو قال فيه وقال أشهب مثله لكان أحسن، والمسألة كلها بينة لا موضع للقول فيها إلا قوله: إنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا.
فمعناه: إذا كان الإذاء والرعي في الليل أو بالنهار في موضع لا يصح إهمال الأنعام والمواشي فيها دون راع يذودها.
وأما إذا كان ذلك بالنهار في موضع لأصحاب المواشي إهمال مواشيهم فيه دون رعاة يرعونها وذواد يذودونها، فليس له إتيان السلطان ولا رفع الأمر إليه؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى أن على أهل الحوائط والزرع حفظهما بالنهار، وأن على أهل المواشي حفظها بالليل، فما أفسدت فيه ضمنوه، وقد مضى بيان هذا والقول فيه في رسم كتاب الأقضية لابن غانم من سماع أشهب من كتاب الأقضية فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يبني في داره غرفة فيفتح لها بابا على دار جاره فيشتكي جاره

مسألة قال: وسألت ابن وهب: عن الرجل يبني في داره غرفة فيفتح لها بابا على دار جاره فيشتكي جاره ضرورة ذلك الباب، هل يمنع صاحب الغرفة من ذلك الباب ويؤمر بسده أم لا؟ قال: إن كان فتحه الباب مضرا لجاره مثل أن يكون ليس له مصرف ولا مدخل

ولا مخرج إلا بالتشريف عليه والنظر في منزله والتطلع على عياله منع ولم يكن له فتحه.
وإن كان ليس كذلك، وإنما هو أمر يخاف أن يتطلع منه، وليس على ما وصفت لك لم يمنع من ذلك، وقيل له: استر على نفسك إن شئت، أو يعلم ما قلت من تطلعه فيمنع من ذلك ويزجر عنه ويؤدب عليه بعد التقدمة ولا يغلق بابه على حال، وإنما ذلك بمنزلة ظهر القصر وسطحه، والبنيان يرفعه عليه فيحتج أيضا فيقول: أخاف أن يتطلع عليَّ منه، أو الكوة يفتحها الرجل في منزله للضوء والروح فيحتج بمثل ذلك فليس له في ذلك حجة إذا كان على ما وصفت لك.
وقال أشهب: إذا كان يناله المار فأرى أن يمنع من ذلك حتى يرفع بقدر ما لا يناله، وإن نظر منه المار لم يكن ذلك له، فإن تطلع منه أو تشرف لغير حاجة فإنه يمنع من ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب إن كان فتحه الباب مضرا بجاره مثل أن يكون ليس له مصرف ولا مدخل إلا بالتشريف عليه والنظر في منزله والتطلع على عياله منع، هو مثل قول أشهب إن كان يناله المار فأرى أن يمنع، ومثل ظاهر ما في كتاب حريم البير من المدونة على معنى ما جاء عن عمر بن الخطاب أنه كتب في ذلك أن يوضع وراء تلك الكوة سرير ويقوم عليه رجل فإن كان ينظر إلى ما في دار الرجل منع من ذلك، وإن كان لا ينظر لم يمنع من ذلك؛ لأن الأسرة مما يتخذها الناس في بيوتهم، فإذا كان من قام عليها اطلع على جاره منع من ذلك، فالمعنى في هذا كله أن ما كان من الاطلاع لا يصل إليه المطلع إلا بكلفة ومئونة وقصد إلى الاطلاع بتكلف صعود لا وجه له إلا ذلك لم يمنع من ذلك،

وقيل للذي يشكو الاطلاع: استر على نفسك، فإن أثبت عليه أنه اطلع عليه بقصد إلى ذلك كان حقا على الإمام أن يؤدبه على ذلك ويزجره حتى لا يعود إليه.
وقد أفتى الشيوخ عندنا فيمن فتح في قصبة له بابا لا يطلع منها على دار جاره إلا بأن يخرج رأسه من الباب (ليطلع) أو يخرج إلى السقف بين يدي الباب، أو يجعل على الباب شرجيا وثيقا يمنع من أن يخرج منه إلى السقف، أو يخرج أحد منه رأسه ليطلع، وهو حسن من الفتوى، فإذا ثبت الاطلاع فقيل: يحكم بسده وإزالة أثره لئلا يكون له بعد مدة دليلا على القدم فيكون له إعادته، يقوم ذلك من قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الأقضية.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: لا يلزمه سده، ويكون له أن يجعل أمام ذلك ما يستره ويواريه، وقد قيل: إن الاطلاع ليس من الضرر الذي يجب قطعه على حال، وعلى الذي يطلع عليه أن يستر على نفسه بما يقدر عليه، وقد ذكرنا ذلك في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
وإنما يمنع من ضرر الاطلاع ما كان محدثا، قال في كتاب تضمين الصناع من المدونة: ومن كانت له على جاره كوة قديمة أو باب قديم فليس له سد ذلك عليه، وإن لم يكن له في ذلك منفعة وعليه فيه مضرة، وكذلك قال ابن الماجشون: إن الأبواب والكوى التي يطلع منها إن كانت قديمة قبل بناء الدار المطلع عليها لم يمنع من ذلك.
قال: ولو أراد صاحب العرصة أن يمنعه من فتح باب على عرصته قبل بنائها لضرر ذلك عليه إذا بنى لم يكن ذلك له، وقال مطرف: له أن يمنعه قبل البناء وبعده؛ لأنه حق له يذب عنه.
قال: ولو ترك أن يمنعه قبل أن يبني كان له أن يمنعه إذا بنى ولا يكون تركه الذب على حقه قبل أن يبني مانعا له

منه إذا بنى إلا أن يكون صاحب العرصة اشتراها على ذلك، فليس له أن يسدها عليها، وإنما له أن يمنعه من الإحداث.
وقال أصبغ بقول مطرف، واختاره ابن حبيب، واختلف على معنى ما في المدونة إن أشكل هل هو قديم أو حادث؟ ففي أحكام ابن زياد أنه محمول على أنه محدث حتى يثبت أنه قديم، وفي كتاب ابن سحنون أنه محمول على أنه قديم حتى يثبت أنه محدث، والله تعالى الموفق.

مسألة: الرجل تكون داره لاصقة بسكة فأراد تحويل باب داره من موضعه

مسألة وسألت ابن وهب: عن الرجل تكون داره لاصقة بسكة نافذة أو غير نافذة، فأراد أن يحول باب داره من موضعه ذلك إلى موضع من داره هو أرفق به فمنعه جاره الذي يلي داره، وقال: إن ما بين بابك وبابي مجلس وموقف لدابتي ومنزل لأحمالي، فإذا أدنيت بابك مني لم أقدر على أن أقعد على بابك ولا تقف دابتي على بابك وانقطع عني المرفق الذي كنت أرتفق به فيما بين بابي وبابك، وقال الآخر: الجدار جداري كله لي، وهو لاصق بالطريق فأنا أفتح في جداري إلى طريق بابي، ولا أمنع من مرفقي لما تريد أنت أن توسع على نفسك في الفناء، وهما جميعا في ناحية واحدة من الطريق متجاوران، فهل يمنع فتح بابه حيث يريد؟ فقال: إن كانت السكة غير نافذة، وكان فتحه الباب قبالة باب صاحبه حتى يكون الداخل والخارج وما يكون بقاعة الدار وخلف الباب بعينه، أو كان الفتح قريبا من بابه وكان مضرا به

ضررا بينا يعرف ويستبان منع من ذلك، ولم يكن له فتحه ولا تحويله عن حاله إلى مثل هذا، وإن كان طريقا سالكا وسكة واسعة حتى يكون هو وغيره من المارة في فتح داره وإن فتح والمرور بها والنظر سواء، ولا يكون مضرا به في غير ذلك لم يمنع من ذلك وخلي بينه وبينه.
وقال أشهب: إذا كان تقديمه ذلك يضر بجاره على ما وصفت فليس ذلك له، وإن كان إنما تقديمه تقديما يكون فيما بقي ما لا يقطع عليه فيه المرفق، ويتسع هو حتى لا يكون مضطرا إلى أكثر منه، فليس له أن يمنعه إذا سد الباب الأول، وذلك إذا كان في زقاق غير نافذ، فأما إن كان في سكة مسلوكة فله أن يفتح ما شاء من أبواب في جداره، ويقدم ما شاء من باب ويؤخره.
قال: وسألت ابن وهب: عن الرجل يفتح في ناحية من داره حوانيت إلى سكة من سكك الناس ولرجل مقابل تلك الحوانيت دار وباب مفتوح في ذلك الزقاق مقابل الحوانيت التي فتح عليها جاره فشكا أن الحوانيت تضره فيمن يخرج من خدمه وأهله إلى حوائجهم، وأهل الحوانيت قوم مرابطون لا يديمون، فهل له سبيل إلى ذلك أم يمنع منه؟ فقال: سبيل الحوانيت سبيل ما وصفت لك قبل ذلك في السكة النافذة وغير النافذة على ما فسرت لك، إن شاء الله.
قال أشهب: له أن يفتح ما شاء من حوانيت، ويفعل ما أراد إن كانت سكة نافذة.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب وأشهب هذا في تحويل الباب وفتحه في السكة النافذة وغير النافذة مثل قول ابن القاسم وروايته عن

مالك في آخر كتاب القسمة من المدونة حاشا موضعين: أحدهما: قول ابن وهب، وإن كان طريقا سالكا وسكة واسعة لم يمنع من ذلك، وخلَّى بينه وبينه إذ لم يشترط في المدونة سعة السكة، وإنما قال فيها: وإن كانت السكة نافذة فله أن يقيم ما شاء، ويحول بابه إلى أي موضع شاء.
والموضع الثاني: قول أشهب في الزقاق الذي ليس بنافذ: إن له أن يحول بابه إلى موضع لا يضر بجاره إذا سد الباب الأول؛ لأن في قوله إذا سد الباب الأول دليلا على أنه ليس له أن يفتح فيه بابا زائدا على حال، وإنما له أن ينقله من موضعه إلى موضع لا ضرر فيه ولا تضييق على جاره.
ودليل ما في المدونة: أن له أن يفتح فيه بابا زائدا في موضع لا ضرر فيه على جاره، وأن ينقل بابه إليه، وقد قيل في الزقاق النافذ: إنه لا يجوز لأحد أن يفتح فيه بابا، ولا يتخذ مجلسا قبالة باب جاره إلا أن ينكب عن ذلك قليلا، وهو قول سحنون، روى ذلك (عنه) حبيب وابنه محمد، وذهب ابن زرب إلى أنه لا يجوز لأحد في الزقاق الذي ليس بنافذ أن يفتح فيه بابا ولا أن يحول بابه فيه من موضع إلى موضع على حال إلا بإذن جميع أهل الدرب، قال: لأنهم كلهم مشتركون فيه، بدليل ما قال في المدونة في الدارين تكون إحداهما في جوف الأخرى، ولأهل الدار الداخلة الممر في الدار الخارجة، فيقسم أهل الدار الداخلة دارهم فيريد كل واحد منهم أن يفتح لداره بابا في الدار الخارجة: إن ذلك ليس لواحد منهم، وإنما لهم الممر الذي كانوا يمرون عليه قبل القسمة.
فيتحصل في فتح الرجل الباب أو تحويله عن موضعه في الزقاق الذي ليس بنافذ ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال إلا بإذن جميع

أهل الزقاق، وهو الذي ذهب إليه ابن زرب قياسا على مسألة المدونة المذكورة، وبه جرى العمل بقرطبة.
والثاني: أن ذلك له فيما لم يقابل دار جاره ولا قرب منه فقطع به مرفقا عنه وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن وهب هاهنا.
والثالث: أن له تحويل بابه على هذه الصفة إذا سد الباب الأول، وليس له أن يفتح فيه بابا لم يكن قبل بحال، وهو دليل قول أشهب هاهنا.
ويتحصل أيضا في فتح الرجل بابا أو حانوتا في مقابلة باب جاره في الزقاق النافذ ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك له جملة من غير تفصيل إلا أن ينكب عن ذلك وهو قول سحنون.
والثالث: أن ذلك له إذا كانت السكة واسعة، وهو قول ابن وهب هاهنا، والسكة الواسعة ما كان فيها سبعة أذرع فأكثر، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الطريق سبعة أذرع» وقع ذلك في مسند ابن أبي شيبة من رواية ابن عباس، فوجب أن يكون ذلك حد سعة الطريق، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين ذراعا أو ذراعين

مسألة وسألته: عن الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين ذراعا أو ذراعين، فإذا بنى جدارا وأنفق فيه وجعله بيتا قام عليه جاره الذي هو مقابله من جانب الطريق فأنكر عليه ما يريد، ورفعه إلى السلطان وأراد أن يهدم ما زاد من الطريق، وزعم أن سعة الطريق كان رافقا به؛ لأن ذلك كان فناء له ومربطا لدابته، وفي بقية الطريق ممر للناس، وكان فيما بقي من سعة الطريق ثمانية أذرع أو تسعة أذرع، هل لذلك الجار إلى هدم بنيان جاره الذي بنى سبيل؟ أو رفع ذلك بعض من كان يسلك تلك الطريق وفي بقية

سعته ما قد أعلمتك؟ فقال: نعم، يهدم ما بنى كان في سعة الطريق ثمانية أذرع أو تسعة على ما وصفت، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين، وينبغي للقاضي أن يتقدم في ذلك إلى الناس ويستنهي إليهم ألا يحدث أحد بنيانا في طريق المسلمين، وذكر أن عثمان بن الحكم الجذامى حدثه عن عبيد الله بن عمر عن أبي حازم أن حدادا ابتنى كيرا في سوق المسلمين قال: فمر عمر بن الخطاب فرآه، فقال: لقد انتقصتم السوق ثم أمر به فهدمه، قال أشهب: نعم يأمر السلطان بهدمه رفع ذلك إليه من كان يسلك الطريق أو رفع ذلك جيرانه، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين، كان في الطريق سعة أو لم تكن، كان مضرا ما تزيد أو لم يكن مضرا ويؤمر بهدمه، وينبغي للسلطان أن يتقدم في ذلك إلى الناس ألا يزيد أحد من طريق المسلمين.
قال محمد بن رشد: اتفق مالك وأصحابه فيما علمت أنه لا يجوز لأحد أن يقتطع من طريق المسلمين شيئا فيزيده ويدخله في بنيانه وإن كان الطريق واسعا جدا لا يضره ما اقتطع منه، ولم ير بذلك مالك بأسا في المسجد، وحكى ابن وهب عن ربيعة في المجموعة أنه لا يجوز لمن بنى مسجدا في طائفة من داره أن يتزيد فيه من الطريق.
واختلفوا إن تزيد في داره من الطريق الواسعة جدا ما لا يضر بها ولا يضيقها على المارة فيها.
فقال ابن وهب وأشهب هاهنا: إنه يهدم عليه ما تزيد من الطريق وتعاد على حالها، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، وقول

مطرف وابن الماجشون في الأبرجة يبنيها الرجل في الطريق ملصقة بجداره، واختار ابن حبيب على ظاهر ما جاء عن عمر بن الخطاب في الكير الذي ابتني في السوق فأمر به فهدم.
وقيل: إنه لا يهدم عليه ما يزيد من الطريق إذا كان ذلك لا يضر بها لسعتها لماله من الحق فيه، إذ هو فناؤه له الانتفاع به وكراؤه على ما مضى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم.
والأصل في ذلك ما جاء من أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى بالأفنية لأرباب الدور، أفنيتها ما أحاط بها من جميع نواحيها، فلما كان أحق بالانتفاع به من غيره لم يكن لأحد أن ينتفع به إلا إذا استغنى هو عنه وجب أن لا يهدم عليه بنيانه، فيذهب هدرا ماله وهو أعظم الناس حقا في ذلك الموضع، بل لا حق لأحد معه فيه إذا احتاج إليه، فكيف إذا لم يوصل إلى أخذه منه مع حاجته إليه إلا بهدم بنيانه وتلف ماله، وهذا بين، لا سيما ومن أهل العلم من يبيح له ذلك ابتداء، في المجموعة من رواية ابن وهب عن ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها أن الأقربين إليها يقتطعونها على قدر ما شرع فيها من رباعهم بالحصص، فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره، وصاحب الصغير بقدره، ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع.
قال محمد بن رشد: وإنما قالوا ثمانية أذرع احتياطا والله أعلم ليستوفي فيها السبعة الأذرع المذكورة في الحديث على زيادة الذراع ونقصانه.
ووجه القول: أن الطريق حق لجميع المسلمين كالحبس، فوجب أن يهدم على الرجل ما يزيده في داره منها، كما يهدم عليه ما يزيد من أرض محبسة على طائفة المسلمين، أو من ملك لرجل بعينه، والقول الأول أظهر، والقائلون بالثاني أكثر، وكل مجتهد مصيب.
وقد نزلت بقرطبة قديما واختلف الفقهاء فيها فأفتى ابن لبابة وأبو صالح أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد بالقول الأول ألا يهدم ما تزيد من الطريق إذا كان ذلك لا يضر بها،

وأفتى عبيد الله بن يحيى وابنه يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ وأحمد بن بيطير بالقول الثاني أن يهدم ما تزيد منه على كل حال، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يغرس في داره شجرة فتطول حتى يشرف على دار جاره

مسألة وسألت ابن وهب عن الرجل يغرس في داره شجرة فتطول حتى يشرف على دار جاره، فإذا طلع فيها من يجني ثمرها نظر إلى ما في دار جاره، أو يغرسها قريبا من جدار جاره فيزعم جاره أن موضع الشجرة مضر به، وهو يخاف أن يطرق من تلك الشجرة فيدخل عليه في داره، وهو يشتكي من يطل عليه منها، هل يقطع عنه ما يؤذيه من طولها؟ أو تقطع الشجرة التي يخاف أن يطرق منها لقربها من جداره أم لا؟ وتكون الشجرة قد تقادمت ومضى لها أعوام وهي تزيد في كل عام، فإذا رفع أمرها وما أضرت به إلى السلطان هل يؤمر بقطعها لما يؤذيه ويشرف منها على عياله؟ فقال: إن لم يكن ضرره إلا ما شكا وذكر مما يخاف من الطروق من ناحيتها، أو طلوع من يجنيها لم يكن ذلك شيئا ولم تكن له فيه حجة، ومنع من يجنيها من التطلع والإضرار إن علم ذلك منهم، وأما قطعها فليس له قطعها ولكن إن انتشرت وعظمت حتى تخرج فروعها من أرض صاحبها وحدوده وتقع في أرض جاره وحدوده ويضر به قطع ذلك الذي أضر به ووقع في حده وأذاه فقط.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل