البيان والتحصيلصفحات 301-340
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 301-340
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قلت: ويكون أحق به وإن لم يعمره؟ فقال: نعم، ليست حاله حال المعادن.
قال محمد بن رشد: الموات الذي يستحقه الناس، بالإحياء لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» هي الأرض الميتة لا نبات فيها، قال ذلك مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية ابن غانم عنه بدليل قول الله عز وجل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: 65] فلا يصح الإحياء إلا في البور، والإقطاع يكون في البور والمعمور إلا في معمور أرض العنوة التي الحكم فيها أن تكون موقوفة لا تقسم ولا تملك، فإذا أقطع الإمام القاضي أحدا شيئا من الأرض المعمورة فلا كلام في أن المقطع يستحقه بنفس الإقطاع، وكذلك إذا أقطعه شيئا من الموات ليحييه يستحقه بنفس الإقطاع فيورث عنه ويكون له أن يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره، إلا أن للإمام أن يأخذه بإحيائه، فإن لم يفعل أو عجز عن ذلك أقطعه سواه، إذ ليس له أن يتحجر ما أقطع عن الناس فلا ينتفع به هو ولا سواه، والأصل في ذلك ما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع لبلال بن الحارث من العقيق ما يصلح للعمل فلم يعمله، فقال عمر بن الخطاب: إن قويت على عمله فاعمله وإلا فأقطعه للناس، فقال له: قد أقطعنيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال عمر: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترط عليك فيه شرطا، فأقطعه عمر للناس ولم يكن بلال اعتمل شيئا» فإن باعها أو وهبها أو تصدق بها بعد عجزه عن عمارتها قبل أن ينظر الإمام القاضي في ذلك نفذ ذلك ومضى، لأن الغرض ألا تبقى الأرض محجرة عن الانتفاع بها، والمبتاع والموهوب له والمتصدق عليه يحل محل البائع والواهب، فقوله في الرواية قلت: ويكون أحق بها وإن لم يعمرها؟ قال: نعم معناه أنه أحق بها إذا قال

أنا أعمرها، وأما إن قال: لا أعمرها أو عجز عن عمارتها فللإمام أن يقطعها سواه، ولو أحياها سواه بعد أن عجز هو عن عمارتها بغير قطيعة من الإمام القاضي لجرى ذلك على الاختلاف فيمن أحيا ما قرب من العمران بغير إذن الإمام القاضي هل يمضي ذلك مراعاة للاختلاف في استئذان الإمام القاضي في إحياء ما قرب من العمران أو لا يمضي ويخرج عنها ويكون له قيمة بنيانه منقوضا.
وأما لو أحياها سواه قبل أن يعجز هو عن عمارتها وهو عالم بذلك لكان متعديا عليه فيها لأنه قد استوجبها بنفس الإقطاع وإن لم يحزها بالعمارة ولا بالبناء خلاف ما تأول بعض الناس عليه ما وقع في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، وليس ذلك بتأويل صحيح حسبما ذكرناه هناك.
وفي قوله فقال: نعم ليست حاله حال المعادن لما سأله هل يكون أحق به وإن لم يعمره نظر لأن الظاهر منه أن المعادن بخلافه في ذلك، وذلك يقتضي ألا يكون الأحق بالمعادن حتى يعمرها، والمعادن لا حق له في أصولها وإن عمرها لأن الإقطاع فيها إنما هو في الانتفاع بنيلها لا في أصولها، فإنما تصح المسألة بأن يعاد قوله: ليست حاله حال المعادن على السؤال الأول، وهو سأله عن الموات إذا أقطعه الإمام القاضي رجلا أيورث عنه أو يبيعه إن شاء؟ فقال: نعم، لا على المسألة التي بعدها الذي أعاده عليه.
وقد مضى في رسم الأقضية الأول من سماع أشهب طرف من القول في حكم إقطاع المعادن، وبقية القول في ذلك في سماع يحيى من كتاب الزكاة، ولو أقطعه أصل المعدن بإفصاح لكان حكمه حكم إقطاع الأرض الموات سواء، وحد البعيد من العمران الذي يكون لمن أحياه دون إذن الإمام القاضي ما لم ينته إليه سرح ماشية العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم من العمران على ما حكى الداودي في كتابه من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء بعده كانوا يقطعون الأرضين التي جلا عنها أهلها بغير قتال ومن عفا الأرض ما لم تنله أخفاف الإبل في المرعى يريد إذا رجعت إلى المبيت في

مواضعها على ما جرت به عادة الرعاة، وقال أبو حنيفة: هو أن يصيح صائح في طرف العمران فلا يسمعه من ذلك المكان، وما ذكرناه من أن الإقطاع لا يكون في المعمور من أرض العنوة هو ظاهر ما وقع في كتاب الداودي، ومثله حكى ابن حبيب عن مالك من رواية ابن القاسم عنه.
قال: لا أرى للإمام أن يقطع أحدا من أرض العنوة المعمورة شيئا، قال ابن القاسم: وإنما الإقطاع في أرض الموات وفيها الخطط مثل أفنية الفسطاط التي بقرب المصلى وبالموقف إذ كانت فلاة لم يكن فيها إلا الحصن فاختط المسلمون ما كان منها صحراء فنزلوه، وبقي الحصن والعمران لم يكن لأحد، ولم يكن فيه خطط، والخطط لا تكون في المعمور كما فسرت لك عن مالك، وإنما لم يجز أن يأذن الإمام القاضي للناس بالاختطاط في قرى العنوة التي لم تقسم أو يقطع أحد منها شيئا لأن عمر بن الخطاب قد أوقفها فيئا لجميع المسلمين ولم يجعلها في المقاسم، ورأيت للخمي أن إقطاعها جائز، وليس ذلك بصحيح على مذهب مالك.
وحكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه، وهي على ثلاثة أوجه: بعيد من العمران، وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه، وقريب منه في إحيائه ضرر على من يختص بالانتفاع به، فأما البعيد من العمران فلا يحتاج في إحيائه إلى استئذان الإمام القاضي إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وأما القريب منه الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام القاضي على المشهور في المذهب، وقيل: إن استئذان الإمام القاضي في ذلك مستحب وليس بواجب، واختلف إن وقع ذلك بغير إذن الإمام القاضي على القول بأنه لا يجوز إلا بإذنه، فقيل: إنه يمضي مراعاة للخلاف، وهو قول المغيرة وأصبغ وأشهب، وقيل: إنه يخرج منه ويكون له قيمة بنيانه منقوضا، وهو القياس، ولو قيل: إنه يكون له قيمته قائما للشبهة في ذلك لكان له وجه.
وأما القريب منه الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي

يكون أخذ شي؟ منها ضررا بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال، ولا يبيح ذلك الإمام القاضي، وبالله التوفيق.

مسألة: ما يحجر الرجل من الموات البعيد عن المدائن

مسألة قلت: أرأيت ما يحجر الرجل من الموات البعيد عن المدائن والإمام القاضي حيث يجوز له أن يحييه فيكون أولى به أفيستحقه بالتحجير دون العمل؟ فقال: لا يكون أولى به من أحد حتى يعمل إلا أن يحجر ذلك وهو يريد أن يعمله إلى الأيام اليسيرة حتى يمكنه العمل ولم يتحجر ذلك ليقطع منفعة الناس ويرجيه لأن يعمل يوما ما.
قلت: فإن تحجر كثيرا وعمل اليسير؟ فقال: هو مثل الذي يتحجر اليسير ويؤخر عمله ينظر فيما يتحجر فإن كان قويا عليه وإنما أخر عمله لوقت تلين فيه الأرض عليه أو يرخص الأجراء أو ما أشبه ذلك مما يؤخر الناس أعمالهم إليه لمثله من العذر فذلك له، فإن رأى أنه أراد أن يتحجر على الناس ما لا يقوى على عمله فأراد أن يستحق كثير ما تحجر بقليل ما عمل وعمر فليس له إلا عمرانه، ويشرع الناس معه في فضل ذلك فيكون لمن عمره وقوي على عمله.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة حسنة، وفيها اختلاف، حكى ابن حبيب في الواضحة أن الإمام القاضي ينظر فيما تحجر فإن كان به قوة علي عمارته من عامه أو ما قرب من عامه مثل السنتين والثلاث خلاه وإياه، وإلا منعه منه وأقطعه غيره، وقد حكى أشهب عن عمر بن الخطاب في ذلك حديثا أنه ضرب [له]، أجلا ثلاث سنين، وقد أنكر ابن القاسم في المدونة أن يكون سمع من مالك في ذلك شيئا، وبالله التوفيق.

مسألة: التحجير للموات

مسألة قلت: فلم صار للرجل ما أقطعه الإمام القاضي مبتولا له، وإن لم يعمله ولم يكن لمن تحجر أن يستحق شيئا إلا بعمله؟ قال محمد بن رشد: كذا وقعت هذه المسألة دون جواب عما سأله عنه من الفرق بين المسألتين، والفرق بينهما بيّن واضح، ولوضوحه وبيانه أمسك عن جوابه موبخا له على سؤاله عما لا يشكل، وذلك أن الإقطاع حكم من الإمام القاضي يستحق به المقطع ما أقطع إياه، والتحجير للموات ليس بإحياء له فيستحقه به إذ لا يستحق الموات إلا بالإحياء، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» وبالله التوفيق.

مسألة: استحق مواتا بعمله ثم تركه حتى صار إلى خراب

مسألة قلت: فلم استحق مواتا بعمله ثم تركه حتى صار إلى خراب أليس يكون لمن أحب أن يعمره؟ قال: بلى.

قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وقول سحنون معناه فيما بعد من العمران، وأما ما قرب منه فلا يبطل استحقاقه له بتركه إياه حتى يعود إلى حاله الأول، وقوله عندي صحيح على معنى ما في المدونة من أن ما قرب من العمران ليس لأحد أن يستحييه إلا بقطيعة من الإمام القاضي، لأن الإمام القاضي إذا أقطعه إياه صار بمنزلة ما اختط أو اشترى، وقد نص في المدونة على أنه ما استحق أصله بخطط أو شراء لا يزول ملكه عنه بتركه إياه حتى يعود إلى حالته الأولى، ولو أحيا القريب من العمران بغير إذن الإمام القاضي على مذهب من يرى أن ذلك له لبطل حقه فيه بتركه إياه حتى يعود إلى حاله الأولى إذ لا فرق بين القريب والبعيد على مذهب من لا يرى استئذان الإمام القاضي واجبا فيما قرب من العمران ولا فيما بعد منه.
وقد روي عن سحنون أن من أحيا مواتا فلا يخرج عن ملكه بتعطيله إياه، وإن عمره غيره كان الأول أحق به، قال ابن عبدوس: قلت له: أو لا يشبه الصيد إذا ند من صائده؟ قال: لا.
فيتحصل فيمن أحيا مواتا ثم تركه حتى عاد لحالته الأولى فأحياه غيره ثلاثة أقوال: أحدها أن الثاني أحق به في القريب والبعيد، والثاني أن الأول أحق به في القريب والبعيد، والثالث الفرق بين القريب والبعيد، ولا أعرف نص خلاف في أن من اشترى مواتا أو اختطه لا يزول ملكه عنه بتركه إياه حتى يعود إلى حالته الأولى، إلا أن الاختلاف يدخل في ذلك بالمعنى من مسألة الصيد يند من يد صائده فيستوحش ويصيده غيره، إذ قال محمد بن المواز فيه إن الثاني أحق به، ولم يفرق بين أن يكون الأول قد صاده أو ابتاعه، فيلزم مثل هذا في إحياء الموات، ويتحصل فيه أيضا ثلاثة أقوال: أحدها أن الأول أحق به، والثاني أن الثاني أحق به، والثالث الفرق بين أن يكون الأول أحياه أو اختطه أو اشتراه، فإن كان أحياه كان الثاني أحق به، وإن كان اختطه أو اشتراه كان الأول أحق

به، ومحمد بن عبد الحكم يرى في الصيد أن الأول أحق به على كل حال، فيأتي فيه أيضا ثلاثة أقوال: أحدها أنه للأول على كل حال، والثاني أنه للثاني على كل حال، والثالث الفرق بين أن يكون الأول صاده أو ابتاعه.
وقد يفرق بين الصيد والموات على مذهب محمد بن عبد الحكم بأن الصيد غلب صاحبه على بقائه بيده، والموات لم يغلب صاحبه على ترك عمارته إياه، فيتحصل في مجموع المسألتين خمسة أقوال: أحدها أن الأول أحق من الثاني في الصيد والموات، والثاني أن الثاني أحق من الأول في الصيد والموات، والثالث أن الأول أحق بالصيد والموات إن كان اشتراه، وأن الثاني أحق بهما إن كان الأول صاد الصيد أو أحيا الموات، والرابع الفرق بين الصيد والموات، فيكون الثاني أحق بالصيد، والأول أحق بالموات وهو الذي يأتي على ما حكاه ابن عبدوس، والخامس الفرق بينهما بضد ذلك، فيكون الثاني أحق بالموات، والأول أحق بالصيد، وإنما يكون الثاني أحق بالموات من الأول على قول من يراه أحق به منه حسبما بيناه إذا كانت المدة قد طالت بعد أن عاد إلى حالته الأولى، وأما إن أحياه الثاني بحدثان ما عاد إلى حالته الأولى فإن كان عن جهل منه بالأول فله قيمة عمارته قائمة لأن له في ذلك شبهة، وإن كان عن معرفة منه بالأول فليس له إلا قيمة عمارته منقوضة بعد يمين الأول: إن تركه إياه لم يكن إسلاما منه لحقه فيه، وإنه كان على إعادة عمارته، ولا يصدق إذا طالت المدة أنه لم يسلم حقه فيه وأنه كان على إعادة عمارته له، وبالله التوفيق.

###: مناصب الأرحية أرحية الأنهار أتقسم

ومن كتاب المكاتب قال: وسألته عن مناصب الأرحية أرحية الأنهار أتقسم؟ قال: نعم إذا انقسمت فكان فيما يصير للسهم منتفع، وهو موضع معتمل.

قلت: فإن لم تنقسم وأراد أحد الشريكين أو أحد الورثة العمل وضعف الآخرون ماذا يحكم به على من ضعف منهم عن العمل؟ قال: يخير بين أن يقاومه حتى يحصل لأحدهما، أو يبيع معه إن دعا أحدهما إلى البيع يجبر على أحد الأمرين لا بد.
قلت: أرأيت إن دعا القوي إلى العمل أو إلى المقاومة ودعا الضعيف إلى البيع وقال: ضعفت عن العمل فكيف أقوى إن قاومتك على الاشتراء منك أيهما ترى أن يجبر؟ وهل فيها من شفعة إن باع أحدهما وهي مما لا ينقسم؟ قال: يجبر الشريك على البيع إذا دعا إلى ذلك شريكه وكره العمل والمقاومة كان قويا على العمل أو ضعيفا واجدا للثمن لو قاومه أو معدما، أيهم دعا إلى البيع أجبر له على ذلك شريكه إذا لم ينقسم، فإن باع أحدهما وهي مما لا ينقسم لم يكن له فيه شفعة، قال: والحكم بين الشريكين في إجبار أحدهما على البيع في كل ما لا ينقسم من الرقيق والدواب والأمتعة مثل ما وصفت لك من موضع الرحى.
قال محمد بن رشد: المعنى في سؤاله عن مناصب الأرحية هل تقسم إنما هو في منصب الرحى الواحدة الخربة هل تقسم بين النفر المشتركين فيه أم لا؟ وأما مناصب الأرحية ذوات العدد القائمة أو الخربة تكون بين النفر فلا اختلاف فيه ولا إشكال في أنها تقسم بينهم إذا اعتدلت في القسم فصار لكل واحد منهم رحى على حدة، فقوله في منصب الرحى أنه يقسم إذا كان فيما يصير للسهم منتفع وهو موضع معتمل معناه إذا صار لكل واحد منهم بالسهمة من منصب الرحى ما يمكنه أن يعمل فيه رحى، وما أرى ذلك يتفق، فإن اتفق جازت القسمة وحكم بها على مذهبه في

الدار الواحدة أنها تقسم بين النفر إذا صار لكل واحد منهم منها موضع للسكنى، وكذلك الحمام الخرب يقسم بين النفر على مذهبه إذا صار في حظ كل واحد منهم منه ما يمكنه أن يعمل فيه حماما ولا يراعى في ذلك على مذهب ابن القاسم نقصان الثمن، وانظر هل يقسم على مذهب ابن القاسم الحمام القائم والرحى القائمة، وإن كان في قسمته إبطال لهما إذا كان كل واحد منهما يمكنه أن يعمل في حظه الذي يصير له من الرحى رحى وفي حظه الذي يصير له من الحمام حماما، والأظهر أن ذلك لا يجب على مذهبه، وقال مالك: إنه يقسم وإن لم يصر في حظ أحد إلا قدر قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحابه إلا ابن كنانة، وقال ابن الماجشون: لا يقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالسهمة إلا ما لا منفعة له فيه في وجه من وجوه المنافع لم يقسم، وقال مطرف: إن لم يصر في حظ واحد منهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ما ينتفع به قسم، دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له في نصيبه ما ينتفع به أو صاحب النصيب الكثير الذي يصير له في حظه ما ينتفع به، وقيل: إنه لا يقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب القليل، وقيل: إنما يقسم إذا دعا إلى ذلك صاحب النصيب الكثير.
وقوله في هذه الرواية إذا لم ينقسم المنصب ودعا أحد الشريكين إلى العمل وضعف الآخر عنه أنه يخير الذي ضعف عن العمل بين أن يقاومه حتى يحصل لأحدهما أو يبيع معه إن دعا أحدهما إلى البيع يجبر على أحد الأمرين لأنه كلام وقع على غير تحصيل، ففيه نظر، لأن الذي يوجبه الحكم إذا لم ينقسم أن يباع ويقسم الثمن بينهما، فمن دعا إلى ذلك منهما جبر صاحبه عليه وكان من حقه أن يأخذه بالثمن الذي يعطى فيه إن شاء، فإنما يخير الذي ضعف عن العمل أو أباه بين أن يقاوم صاحبه أو يبيع إذا دعاه صاحبه إلى المقاومة، وهذا بين من قوله في بقية المسألة.
وقوله: فإن باع أحدهما وهي مما لا ينقسم لم يكن له فيه شفعة هو خلاف مذهبه في المدونة لأن له فيها أن الرحى إذا بيعت من أصلها فإن

في الأرض والبيت الذي وضعت فيه الرحى الشفعة بما ينوبها من الثمن، وقوله إنه لا شفعة له في ذلك هو على قياس مذهبه في أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» لأن فيه دليلا على أن الشفعة لا تكون إلا فيما يقع [فيه] الحدود إذ لم يختلف قوله فيما عملت أنه لا شفعة فيما لا ينقسم بحال مثل النخلة أو الشجرة تكون بين النفر، فإنما أوجب الشفعة في الرحى على مذهبه في المدونة مراعاة لقول من يوجب فيها القسمة، وذهب مطرف إلى أن الشفعة في الأصول كلها وإن كانت مما لا ينقسم بحال كالنخلة أو الشجرة بين الرجلين لأنها من جنس ما ينقسم، وعلى ما في المدونة من مذهب ابن القاسم جرى العمل عندنا في الرحى ألا تقسم وأن تكون فيها الشفعة، وهو خلاف قول مالك في القسمة لأنه يوجبها، وخلاف أصل بن القاسم في الشفعة لأنها لا تجب على أصل مذهبه، وهو نص قوله في هذه الرواية، وبالله التوفيق.

مسألة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر

مسألة قال: وسألته عن الحائط من حجرة الرجل يسقط وفي الحجرة بئر له يشرب منها جيرانه زمانا حتى مات بعضهم، وشرب الأبناء بعدهم حتى طال الزمان، ثم أراد منعهم وردها على حالها الأول، فقال: إن كانت معروفة في غلقه وحجرته حتى انهدم الجدار فتركها شربا لجيرانه ردها إن شاء وإن طال زمانها إلا أن يأتوا بأمر يستحقونها به، وإن كان ما ذكر من أمر الجدار مجهولا

وتقادم الأمر فيها جدا لم يمنع أحد ممن يشرب منها إلا أن تقوم البينة على عارية أو إرفاق أوامر بين يستحقها به دونهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الأمر محمول على ما هو عليه أو على ما يعرف حتى تقوم البينة بخلافه، فإن عُرف أن البئر كانت في حجرته وفي غلقه فمن حقه أن يعيدها على ما كانت عليه إلا أن يثبت عليه أنه أباحها للناس إباحة مؤبدة، وإن لم يعرف أنها كانت في حجرته وتحت غلقه لم يكن له أن يحجر عليها ويدخلها تحت غلقه إلا أن يثبت أنها كانت في ملكه فأعارها للناس أو أرفقهم بالشرب منها مدة ما، فيكون من حقه أن يعيدها إلى ملكه، والأصل في هذا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» وبالله التوفيق.

مسألة: الرحى تكون للرجل متقادمة فيريد رجل أن يحدث فوقها رحى أو تحتها

مسألة قال: وسألته عن الرحى تكون للرجل متقادمة فيريد رجل أن يحدث فوقها رحى أو تحتها، قال: إن كان ذلك مضرا بالقديمة يغيرها عن حالها في نقص طحين أو يكثر بذلك مؤونة عملها أو شيء مما يضر بصاحبها ضررا يتبين عند أهل المعرفة بالأرحاء منع الذي يريد أن يحدث فوقها أو تحتها رحى لما يخاف من إدخال الضرر على صاحب الرحى المتقادمة.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب، ومثله حكاه

ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، وحكي عن أصبغ أنه لا يمنع إلا أن يبطل عليه بذلك رحاه أو يمنعه من جل منفعتها، قال: لأن الانتفاع بالأنهار وحوز منافعها ليس بحق ثابت كحق ذي الخطة إذا بنى عليه في فنائه ما يضر به، وإنما هو كالموات، فإذا كان إن أنشأ الثاني رحاه انتفعا جميعا فلا يمنع، وإن أضر بالأول إلا أن يبطلها أو يذهب بجُل منفعتها، واحتج على ذلك بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سيل مهزور ومذينب «يمسك الأعلى حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل على الأسفل» فقال: ألا ترى لو أراد رجل أن ينشئ في حقه حائطا فوق حائط صاحبه لم يكن لصاحبه الأسفل حجة في أن يقول له لا تنشئ في حقك حائطا فوق حائطي لأنك إذا فعلت ذلك استأثرت بالماء علي حتى تسقي به حائطك فلا يأتيني منه إلا ما يفضل عنك، أو لعله لا يفضل عنك [منه] شيء لقلة الماء، هذا معنى قوله دون لفظه، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به عليه أصبغ من الحديث لأنه يخالفه في تأويله، ومعناه عنده إذا أنشأ الأعلى حائطه قبل الأسفل أو أنشأ حائطيهما معا، وأما إذا أنشأ الأسفل حائطه قبل الأعلى فلا يبدأ عنده الأعلى بالسقي عليه إلا أن يكون فيما يفضل عنه ما يكفي الأسفل، وذلك ظاهر من قوله في [أول] سماع أصبغ بعد هذا على ما سنبينه هناك إن شاء الله، وبه التوفيق.

مسألة: إن تشاحا فليس لكل رجل إلا نصف النهر

مسألة قلت: أرأيت إن كان بعدوتي نهر موضع رحيين والعدوة الواحدة لرجل والأخرى لآخر، وهما متقاربتان إن عمل المنصب الذي بهذه العدوة فنفذ سده إلى العدوة الأخرى أبطل منصب

الأخرى، وإن عمل الآخر كذلك تبطل هذه الأخرى أترى أن يقتسما الماء أم يجوز لأيهما سبق إلى العمل أن ينفذ سده وإن كان ذلك لا يضر بأرض [أهل] العدوة التي ينفذ إليها السد غير أن في ذلك إبطال منصب الأخرى؟ قال: إن تشاحا فليس لكل رجل إلا نصف النهر، فإن كان في نصفه ما يعمل عليه رحى فذلك له، وليس له أن ينفذ سده إلى برية غيره إلا بإذن أهل تلك البرية، أضر ذلك بهم أو لم يضر، وذلك أن نصف الماء لهم إن تشاحوا إن شاؤوا أن يسقوا به أو يحولوه إلى منافعهم كان ذلك لهم، وإن لم يكن في نصف الماء ما يحمل عمل رحى منعا جميعا من العمل حتى يتراضيا على ما يحل لهما.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها، ولا لبس في شيء من معانيها، ولا اختلاف في شيء من وجوهها، فلا معنى لتكلف القول فيما يستغنى عنه، وبالله التوفيق.

###: المسرح يكون لقوم من حوز منزلهم فيريد بعضهم حرثه ويأبى ذلك بعضهم

ومن كتاب [أوله] أول عبد ابتاعه فهو حر قال: وسألته عن المسرح يكون لقوم من حوز منزلهم فيريد بعضهم حرثه ويأبى ذلك بعضهم، أترى أن يترك مرعى أم يقسم؟ فقال: الذي يريد أخذ حقه أعذر من الذي يريد أن يبور أرضه للمرعى وأرض شريكه وهو كاره، فأرى أن تقسم، ثم يحرث من شاء، ويرعى من شاء في نصيبه.
قال الإمام القاضي: هذا على ما تقدم من مذهب ابن القاسم في

قسمة الشعراء في أول رسم هذا السماع، وقد مضى من القول على ذلك هنالك بيان ما يجب قسمته منها باتفاق إذا دعا إلى ذلك أحد الأشراك مما لا يجوز باتفاق ومما لا يجب إلا على اختلاف، والمسارح مقيسة على ذلك، وما وقع في سماع عبد الملك عن ابن وهب من أن المسارح لا تقسم وإنما تقسم الأرضون خلاف قول ابن القاسم هذا، وموضع اختلافهما إنما هو إذا كان المسرح خارجا عن أرض قريتهم هل يقسم بينهم على ما يدعونه من أنه مالهم وملكهم؟ وإذا كان بين القرى هل يقسم بينهم أيضا على ما يدعيه أهل كل قرية من أنه من حيّز قريتهم أم لا؟ وكذلك يختلف أيضا إذا كان بإزاء القريتين أو القرى هل يقسم بينهم إذا ادعوه؟ فقيل: إنه لا يقسم بينهم لما فيه من الحق لغيرهم ممن يمر به فيرعى فيه، وقيل: إنه يقسم بينهم بأن يأخذ أهل كل قرية منه ما كان بإزاء قريتهم فيقسمونه بينهم دون يمين إن اتفقوا أو بعد أيمانهم إن اختلفوا، وأما إن كان داخلا في أرض قريتهم أو خارجا عنها فثبت أنه مالهم وملكهم فلا اختلاف بينهم في وجوب قسمته بينهم، قيل: إذا دعا إلى ذلك بعضهم، وقيل: إذا دعا إلى ذلك جميعهم أو جلهم ومن إليه عماد أمرهم، والأول أظهر، والله أعلم.

مسألة: أخذ نصيبه وأراد أن يقره مسرحا لماشيته أن يحميه من الناس ويبيع كلأه

مسألة قلت: أفيجوز لمن أخذ نصيبه وأراد أن يقره مسرحا لماشيته أن يحميه من الناس ويبيع كلأه؟ قال يحيى: قد كرهه بعضهم وأجازه بعضهم، وقول الذي كرهه أعجب إلي لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» فقد نهى عن منع فضل الماء فكيف الكلأ بعينه؟ فلا أرى أن يبيعه ولا يمنعه، ثم قال: أربع لا أرى أن يمنعن الماء [للشفة] والنار والحطب والكلأ.

قال الإمام القاضي: قد مضى تفصيل القول في حكم الكلأ وما يجوز من بيعه ومنعه، وموضع الاختلاف في ذلك والاتفاق فيه في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، والحكم في الحطب كالحكم في الكلأ سواء على التفصيل الذي ذكرنا فيه.
وأما الماء فالكلام إنما هو في فضلته، فما كان في ملك الرجل منه فاختلف هل له أن يمنع فضلته من جاره فيما يريد من ابتداء الانتفاع أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أن له أن يمنعه إياها إلا بثمن يواجبه عليها، وجدلها ثمنا عند سواه أو لم يجد، وهو المشهور في المذهب، والثاني أنه ليس له أن يمنعه إياها إلا أن يجد لها ثمنا عند سواه، فإن لم يجد لها ثمنا عند سواه لم يكن له أن يحبسها عنه وهو لا يحتاج إليها، والقول الثالث أنه ليس له أن يمنعه إياها بحال، ولا أن يأخذ فيها ثمنا من أحد، وهو الذي ذهب إليه يحيى بن يحيى على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يمنع نقع بئر ولا يمنع رهو ماء»، وهذا كله في العين أو البئر التي تكون في أرض الرجل ولا ضرر عليه في الدخول إلى الاستقاء منها، وأما البئر تكون في دار الرجل أو في حائطه الذي قد حظر عليه فله أن يمنع من الدخول عليه في ذلك، وقد مضى في رسم البراءة من سماع عيسى القول في منع الرجل فضلة مائه ممن يريد أن يسقي به شجرا أو نخلا قد تقدم غرسه لها فلا معنى لإعادة ذكر ذلك، ومضى في رسم الأقضية الأول من سماع أشهب حكم مياه آبار المواشي التي تحتفر في المهامه فلا معنى لإعادة ذكر ذلك أيضا، وأما النار فلا اختلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يمنع من الاقتباس منه إذ لا ضرر عليه في ذلك، ولا يجوز لأحد أن يمنع أحدا ما ينتفع به إذا كان ذلك لا يضر به لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضرر والضرار، وبالله التوفيق.

مسألة: المسرح لأهل القرية التي هو في حوزها إن تداعى فيه أهل قريتين

مسألة قلت لابن القاسم: أرأيت المسارح تكون في بعض القرى

ينتجعها من حولها من أهل القرى بمواشيهم ثم يريدون أن يقتسموها فيدعي فيها كل من كانت ماشيته تسرح فيه وإن كان إنما يتخطى إليه القرى؟ قال: فلا حق فيه لمن كان يتخطى القرى إليه، وقد يسرح الناس بعضهم عند بعض على مسيرة الميل والأميال واليوم والأيام، أفبهذا يستحق أحدهم كل أرض سرحت فيه ماشيته؟ قال: ولكني أرى أن المسرح لأهل القرية التي هو في حوزها، فإن تداعى فيه أهل قريتين أو ثلاثة أو أربعة وكلهم حول ذلك المسرح وهو واسط بينهم ولم يثبت بالبينة لبعضهم دون بعض قسم بينهم على عدة القرى التي يدعيه أهلها وليس على قدر عمران تلك القرى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إن من كان يتخطى القرى إلى المسرح بماشيته فلا حق له فيه أي لا يقبل دعواه في أنه له مسرح ماشيته فيه، وإنما يقبل فيه دعوى من كان يتصل به من أهل القرى فيقسم بينهم على الاختلاف في ذلك حسبما مضى القول فيه في أول الرسم وفي قسمة الغامر في أول رسم من السماع، وبالله التوفيق.

مسألة: يسكن القرية وليس له فيها إلا مسكنه فيعمر من غامرها أرضا ثم يريدون إخراجه

مسألة قال: وسألته عن الرجل يسكن القرية وليس له فيها إلا مسكنه أو شيء اشتراه بعينه ليس من أهل الميراث ولا ممن اشترى من أهل الميراث سهما فيعمر من غامرها أرضا يخترق ويزرعها زمانا وأهل القرية حضور لا يغيرون عليه ولا يمنعون من عمله ثم يريدون إخراجه، فقال: ذلك لهم إلا أن تقوم له بينة على اشتراء أو هبة أو حق يترك له به ما عمر إلا أن يطول زمانه جدا.

قلت: أتراه مثل ما يستحق الرجل بعمارته من دار رجل أجنبي وأرضه أو إنما تراه بحال الوارث أو المولى مع مواليه؟ فقال: ينظر السلطان فيه على قدر ما يعذر به أصحاب أصل الأرض في سكوتهم لما يعلم من افتراق سهامهم وقلة حق أحدهم لو تكلم فيه، فإنه يقول: منعني من الكلام سكوت أشراكي وقلة حقي، فلما خفت تطاول الزمان وما يحدث من دعوى الغامر تكلمت، فأراه أعذر من الذي يستحق عليه من خاصة داره أو خاصة أرضه شيء، ولا أبلغ به حد الورثة فيما بينهم ولا حد المولى الذي يرتفق في أرض مواليه أو الصهر في أرض أصهاره إلا أن يكون ذلك الغامر للرجل أو الرجلين أو النفر القليل فلا يعذرون بسكوتهم ويحملون فيما عمر جارهم من غامر أرضهم على ما يحمل عليه من جيز عليه من داره أو أرضه شيء، قال: وهم فيما يعمر بعضهم من غامرهم المشترك أعذر في السكوت وأوجب حقا وإن طال الزمان جدا.
قال الإمام القاضي: حكم غامر القرية أن يصدق فيه أهل القرية أنه لهم على أصل سهامهم فيها، فإذا عمر منه شيئا من لا حق له فيه من غير أهل القرية أو ممن ليس له في القرية إلا مسكن بعينه أو حقل بعينه بحضرة أهل القرية كان حكمه حكم من حيز عليه ما له وهو حاضر لا يغير ولا ينكر إلا أنه رأى مدة الحيازة في ذلك على أهل القرية أطول من مدة الحيازة على الرجل الأجنبي لما يعذرون به من افتراق سهامهم وقلة حق كل واحد منهم ودون مدة الحيازة على الأوراث والأصهار، وفي حد ذلك اختلاف كثير سيأتي القول فيه في موضعه من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق إن شاء الله، وإنما يستحق ما عمر بطول المدة التي ذكر إذا ادعى أنه إنما عمر ذلك باشتراء منهم أو هبة أو صدقة، وأما إذا لم يدع ذلك وأراد أن يستحق

ما عمر بعمارته إياهم بحضرتهم فليس ذلك له، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على قياس قول ابن القاسم في أن غامر القرية محمول على أنه لأهل القرية، ويأتي على قول ابن وهب ومن قال بقوله في أن غامر القرية لا يصدق أهل القرية أنه لهم ولا يقسم بينهم إلا أن يثبت أنه لهم أن يكون ما عمر لمن عمر بطول المدة التي ذكر بمجرد دعواه أنه له، وفي سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب الاستحقاق من قول ابن وهب ما يدل على ما ذكرناه عنه، وقال في الرواية: إنهم إذا قاموا عليه قبل أن تطول المدة فلهم إخراجه، ولم يقل إذا أخرجوه هل يكون له قيمة بنيانه إن كان بنى قائما أو منقوضا، والذي يوجب النظر أن يكون له قيمة بنيانه قائما إن كانوا قاموا عليه بحدثان ذلك، وإن كانوا قاموا عليه بعد أن طالت المدة ولم تبلغ إلى الحد الذي يكون الحيازة فيه عليهم عاملة أن يكون له على مذهب ابن القاسم قيمة بنيانه منقوضا وعلى رواية المدنيين عن مالك قيمته قائما.
وأما قوله في آخر المسألة: وهم فيما يعمر بعضهم من غامرهم المشترك أعذر في السكوت وأوجب حقا وإن طال الزمان جدا فمعناه أنهم يحملون في حد الحيازة محمل الأصهار والقرابة من أجل الاشتراك، وقد اختلف في ذلك، فذهب مطرف إلى أن الشركاء فيما حازه بعضهم على بعض بمنزلة الأجنبيين، وقال أصبغ: الشركاء فيما حازه بعضهم على بعض بمنزلة الأوراث والقرابة، هذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قوله: وإن طال الزمان جدا لأنه إذا كان الشريك يستحق على شريكه حظه من عامر قريته بطول الحيازة فأحرى أن يستحق عليه حظه من غامرها بذلك فيقول: إن معنى قوله وإن طال الزمان جدا أي طال حتى خرج عن الحد الذي يستحقه به الأجنبي ما لم يتجاوز الحد الذي تكون به الحيازة بين الأصهار والقرابة ولم يشترط سحنون في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب هذا الحد من الطول فقال: إنه يكون لهم إذا كانوا قد عمروه وزرعوه زمانا بعلمهم فلم يرفعوا ذلك إلى السلطان، فهو خلاف مذهب ابن القاسم لأنه يرى سكوتهم إلى الحد الذي تكون فيه الحيازة بين الأجنبيين تبطل دعواهم، ورأى ابن القاسم سكوتهم إلى الحد الذي تكون فيه الحيازة بين القرابة يوجب أن

يكون القول قول الحائزين في أن الذي حازوه انفردوا به دون أشراكهم، وبالله التوفيق.

###: تكون له الرحى فيبني تحتها رجل رحى فنقصت رحى الأول من طحينها

من سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم قال محمد: وسألت ابن القاسم عن الرجل تكون له الرحى فيبني تحتها رجل رحى فنقصت رحى الأول من طحينها، قال ابن القاسم: ليس ذلك له إذا أدخل عليه ضررا.
قلت له: إنهما يرتفقان جميعا، قال ابن القاسم: قد أضر به فيما صنع لأن رحاه كانت تطحن قبل أن يبني هذا طحينا غير هذا فليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم المكاتب من سماع يحيى، وهو المشهور في المذهب، وخالف في ذلك أصبغ حسبما ذكرناه عنه هناك، وبالله التوفيق.

مسألة: من له ماء يسقي به وفيه فضل عنه هل له أن يقطعه عن جيرانه

مسألة وسألته عن الرجل يكون له الماء يسقي به وفيه فضل عنه فيغرس قوم غراسا على فضل ذلك الماء بعطية منه فيطعم الغرس فيريد صاحب الماء أن يقطعه عنهم، قال: ليس له ذلك إلا أن يحتاج إليه فيكون أولى به منهم.
قال محمد بن رشد: كان القياس في هذه المسألة ألا يكون لصاحب الماء أن يقطع [عنه] فضلته وإن احتاج إليها لأنه قد أعطاه

إياها، والمعنى في ذلك عندي إنما هو إذا لم يصرح [له] بعطية الفضلة، وإنما قال له: اغرس على فضل مائي أو خذ فضل مائي فاغرس عليه، فيكون من حقه أن يقول: إنما أردت أن يأخذه على سبيل العرية إلى أن أحتاج إليه أو طول ما أستغني عنه فيحلف على ذلك ويأخذه إذا احتاج إليه، وأما إذا صرح بالعطية أو بالهبة فقال: قد وهبتك فضل مائي أو قد أعطيتك إياه فلا يكون له أن يأخذه منه وإن احتاج إليه، ولو صرح بالعرية لكان له أن يرجع فيه إذا انقضت المدة التي أعاره إليها أو إذا مضى من المدة ما يرى أنه أعاره إليها إن كان لم يضرب له أجلا، وقد قال ابن أبي زيد: قوله بعطية يريد العرية لا التمليك، والعرية في هذا على التأبيد إلا أن يحتاج إليه إلا أن هؤلاء أنفقوا وغرسوا وهو يعلم، ولا ماء لهم غيره، فهذا كأنه تسليم والله أعلم، قاله ابن أبي زيد، وقال: أعرف نحوه لسحنون، وقد مضى في رسم البراءة من سماع عيسى زيادات في معنى هذه المسألة، وبالله التوفيق.

###: يحتظر على جنانه بجدار ويقطع عمن يرتفق بماء تلك العين ما كانوا يترفقون

من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك بن الحسن: سألت ابن وهب عن الرجل يكون له الجنان وليس عليها حائط وفيها عين يغسل فيها من جاورها من النساء ثيابهن، ويقصرن شققهن، ويرتفقون بها كانوا على هذه الحال منذ زمان طويل، فأراد صاحب الجنان أو من ابتاعها منه أن يحتظر على جنانه بجدار ويقطع عمن يرتفق بماء تلك العين ما كانوا يترفقون به من الغسل والوضوء وغير ذلك من حوائجهم، فادعوا أن لهم فيها هذا المرفق، وشهد لهم على ذلك شهود، وزعم صاحب الجنان أن العين له وفي جنانه، وأنه

لم يكن ضره من ورد العين لغسل ثوبه وغير ذلك، وأن اختلاف الناس إليها أضر بها، فأراد أن يحظر على جنانه ويجعل العين في حظيره ويقطع طريق من كان يرتفق بها، فهل ذلك له؟ فقال: له أن يمنع ماءها إذا شاء ويبيحه إذا شاء، وليس ما كان يصنع قبل ذلك من إباحته إياه وإرفاقه جيرانه والناس والمارة بالذي يقطع عنه حقه ولا منعه وإصرافه حيث شاء وبيعه إن شاء إذا كان ما كان فيه إنما كان معروفا منه، ولم يكن ذلك منه عن صدقة كانت منه بأصل العين أو بحبس على الناس فله أن يحظره ويقطع ما شاء، وسواء كان مستنبطها أو مشتريها، وإنما هي بمنزلة بئر الزرع والأجنة إلا أني أحب له أن لا يمنع الشرب [بغير] حكم يحكم له به عليه، وقال لي أشهب: نعم ذلك له، وليس عليه أن يدخل في حظيره، ولم يكن له أن يمنعهم قبل أن يحظر من غسل ثيابهم في تلك العين إلا أن يكونوا يغسلون ثيابهم من حائطه في موضع يخاف على بعض ما فيه منهم فيكون له أن يمنعهم وإن لم يكن الحائط محظرا إذا كان على ما وصفت لك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا اختلاف في شيء من معانيها، فلا معنى لبيان ما لا يخفى من وجوهها، وبالله التوفيق.

مسألة: المسرح يكون بين القوم فيريدون اقتسامه

مسألة وسئل ابن وهب عن المسرح يكون بين القوم فيريدون

اقتسامه هل ذلك لهم؟ فقال: لا يغير عن حاله التي كان عليها، وليس تقسم المسارح إنما تقسم الأرضون.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: لهم قرية يسكنونها ويزرعونها وأمام مزرعتهم مرعى لماشيتهم

من نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد وسئل سحنون عن قوم لهم قرية يسكنونها ويزرعونها وأمام مزرعتهم مرعى لماشيتهم فعمد أكثر أهل تلك القرية إلى ذلك المرعى فحرثوه وزرعوه وبقي منهم ناس لم يأخذوا من المرعى شيئا ولم يزرعوا فيه شيئا وزرع الذين اختطوا سنين وزمانا أيكون للذين لم يأخذوا فيه معهم شيء أم لا؟ قال: لا يكون لهم معهم شيء.
قلت: ويكون المرعى للذين زرعوا وعملوا؟ قال: نعم إذا كانوا قد عمروه وزرعوه زمانا ولم يرفع ذلك إلى السلطان حتى عمروه كما وصفت فأراه للذين عمروه بالحرث دون الذين لم يعمروا.
قال الإمام القاضي: قول سحنون هذا خلاف قول ابن القاسم في آخر سماع يحيى: وهم فيما يعمر بعضهم من غامرهم المشترك أعذر في السكوت وأوجب حقا وإن طال الزمن جدا، وهذه المسألة تتخرج على اختلافهم في غامر القرية ومرعاها إذا كان خارجا عنها، إذ قد قيل: إنه محمول على أنه لأهل القرية على قدر سهامهم فيها إن حاز أحد منهم بالعمارة شيئا، وقيل: إنه محمول على أنه موات لجميع المسلمين إلا أن يدعيه أهل القرية فيصدقون في ذلك، وقيل: إنه محمول على أنه موات

لجميع المسلمين إلا أن يثبت أنه لأهل القرية، فعلى القول بأنه محمول على أنه لأهل القرية على قدر سهامهم فيها إن حاز أحد منهم بالعمارة شيئا منه دون سائرهم وهم حضور لا يغيرون ولا ينكرون مدة تكون الحيازة فيها عاملة بين الأقارب أو بين الأجنبيين على الاختلاف فيما حازه بعض الأشراك على بعض هل هم في ذلك بمنزلة الأجنبيين أو بمنزلة الأقارب كانوا أحق بما حازوه إن ادعوا أنهم استخلصوه لأنفسهم من أشراكهم بقسمة أو ابتياع أو هبة أو صدقة مع أيمانهم على ذلك، وعلى القول بأنه محمول على أنه موات لجميع المسلمين إلا أن يدعيه أهل القرية فيصدقون في ذلك إن حاز أحد منهم بالعمارة شيئا منه دون سائرهم وهم حضور لا يغيرون ولا ينكرون مدة تكون فيها الحيازة عاملة بين الأجنبيين، كان القول قول الحائزين مع أيمانهم فيما حازوه أنه مالهم وملكهم وبطل فيه دعوى الحاضرين للحيازة عليهم، وعلى القول بأنه محمول على أنه موات لجميع المسلمين إلا أن يثبت أنه لأهل القرية إن حاز أحد منهم شيئا منه بالعمارة دون سائرهم وهم حضور لا يغيرون ولا ينكرون كان القول قول الحائزين فيما حازوه واعتمروه بمجرد دعواهم أنه لهم دون يمين، وبالله التوفيق.

مسألة: العلو يكون لرجل والأسفل لآخر فيخاف على حيطان الأسفل الضعف

مسألة قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن العلو يكون لرجل والأسفل لآخر فيخاف على حيطان الأسفل الضعف من قبل شقوق بها إن بنى الأعلى، قال: يهدم الأسفل ويبني مثل ما كان أولا.
قلت: وعلى من رفد الأعلى؟ قال: على الأسفل.
قال محمد بن رشد: في المجموعة لابن القاسم خلاف رواية سحنون هذه عنه أن على صاحب العلو إدعام علوه حتى يبني صاحب

السفل إذا احتاج إلى ذلك، ولكلا القولين وجه من النظر، ورواية سحنون أبين.

###: غرس في واد فجاء رجل آخر فغرس في ذلك الوادي

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الأقضية والأحباس قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن رجل غرس في واد فكان ماء ذلك الوادي يسقي به غرسه فجاء رجل آخر فغرس في ذلك الوادي، قال: ليس له أن يحدث على الأول ما يقطع رحاه إلا أن يكون فيه ماء يكفيهما جميعا، قال أصبغ: وذلك إذا اشترك الأول بالإحياء والغرس والانتفاع بالماء.
قال محمد بن رشد: قوله فجاء رجل آخر فغرس في ذلك الوادي يريد أنه غرس فوق الأول ليكون أحق بالماء منه على ما يوجبه الحكم في ماء النهر أن يبدأ الأعلى على الأسفل في السقي به حسبما أحكمته السنة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في سيل مهزور ومذينب «أن يمسك الأعلى حتى يبلغ الماء إلى الكعبين ثم يرسله على الأسفل» فلم ير ذلك له إذا لم يكن فيما فضل عنه من الماء ما يكفيه لأنه قال: إن ذلك إنما يكون له إذا كان في الماء ما يكفيهما جميعا، فعلى قوله إذا لم يكن فيما فضل عنه من الماء ما يكفيه بدئ هو بالسقي عليه فكان له هو ما فضل عنه، وقول أصبغ مبين لقول ابن القاسم أن الثاني إنما يمنع أن ينشئ غرسا فوق الأول ينقطع به الماء عنه إذا بدئ بالسقي عليه أو كان لا يفضل عنه ما يكفيه إذا كان غرسه قد انتفع بالماء ونبت به وحيي من أجله، ولأصبغ في الواضحة

خلاف قول ابن القاسم هو أن للثاني أن ينشئ حائطا فوق حائط الأول وإن لم يكن في الماء إلا ما يقوم به فانقطع السقي عن الأسفل على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يمسك الأعلى حتى يبلغ إلى الكعبين ثم يرسل على الأسفل» إذ عم ولم يخص، فوجب أن يحمل على عمومه إنشاء الأعلى قبل الأسفل أو الأسفل قبل الأعلى.
وقول ابن القاسم أظهر وأولى لأن الماء إذا لم يكن فيه إلا ما يسقي به أحدهما فأحدث الثاني حائطا فوق الأول أضر بالثاني وأبطل عليه حائطه ومنعه منفعة قد سبق إليها وحازها، وقد نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضرر والضرار فوجب أن يخص بنهيه هذا عموم قوله: «يمسك الأعلى حتى يبلغ إلى الكعبين ثم يرسل على الأسفل» فيكون مخصصا في الموضع الذي لا ضرر فيه، وهو إذا أنشأ جميعا حائطيهما معا أو أنشأ الأعلى حائطه قبل الأسفل، فإنما ذهب أصبغ بقوله إلى تبيين مراد ابن القاسم وإن كان لا يقول بقوله، وبالله التوفيق.

مسألة: الفحص العظيم البورليس لأهل المنازل المحيطة به أن يقتسموه

مسألة قال: وسئل عن المنازل تكون محيطة بفحص عظيم ويكون لأهل تلك المنازل فيما يلي كل منزل منها أرض غامرة تحرث، وأكثر ذلك الفحص بور يرعى فيه أهل تلك المنازل وغيرهم من المارة ويحتطبون فيه، ولا يزال بعضهم يتزيد إلى أرضه العامرة منه، وكيف إن اجتمعوا على اقتسامه؟ قال: أرى أن يترك على حاله ولا يجوز لهم اقتسامه للمنفعة التي فيه لمن بعدهم ممن يأتي وللمارة التي قد جرت فيه منفعتهم من رعيهم ومناخ إبلهم

واحتطابهم فيه، فإن فعلوا شيئا من ذلك لم أر لمن زرع منهم أن يدخل معهم في شيء من ذلك، قال أصبغ: ويمنعون ويرد ويترك على حاله، وهو الحق، وهو بحال الماء المورود وسطهم فهو للعامة منهم وغيرهم وليس لهم اقتطاعه ولا ردمه ولا شيء منه ولا لأحد منهم قرب منه أو بعد لا جميعا ولا شتى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن الفحص العظيم البور الذي يرعى فيه الناس ويحتطبون منه ليس لأهل المنازل المحيطة به أن يقتسموه ولا أن يتزيدوا إلى عامرهم منه فيتملكوه لما في ذلك من قطع منافع الناس منه، وإنما اختلف في قسمة البور الغامر والمسرح والشعراء التي تكون بإزاء القرى متصلا بها حيث يشبه أن يكون من حيزها حسبما مضى القول فيه مستوفى في أول رسم سماع يحيى، وفي رسم أول عبد ابتاعه فهو حر، وبالله التوفيق.

###: كان يبني رحى فأرادوا منعه لغاشية الرحى وما يردها من الناس

من نوازل سئل عنها أصبغ وقال أصبغ في رجل كان يبني رحى أو بنى في جوار مغتسل لقوم أو مستقى فأرادوا منعه لغاشية الرحى وما يردها من الناس هل لهم منعه؟ وكيف إن كان على المغتسل طريق سائرة عامرة هل له بذلك حجة عليهم؟ وكيف إن غور صاحب الرحى مجازا فوقها لعامة أو لخاصة قريبا فردهم عنه إلى مجاز فوقه أو تحته هو أخصر لهم أو فيه بعض الجور عليهم إلا أنه لا مضرة عليهم فيه؟ قال أصبغ: الجواب فيه إن شاء الله إن كان يضر بهم وبغاشيتهم ومستقاهم وممرهم أو ينتقص منها شيئا

فيفسده عليهم ويغور أرضهم إلى غيرها لم يكن ذلك له على حال إلا أن يكون تحويل الطريق الذي ذكرت الأمر اليسير جدا ليس فيه عطف عليهم في ممرهم ولا عرج عن سعة طريقهم إنما هو اليمنة واليسرة، الظل بالظل، والجنب بالجنب واليمين باليمين، شيء لا يتباعد ولا يضر، فإن كان ذلك كذلك مما لم يلحقهم ضرره ولا عاقبته في طريقهم إذا أقبلوا ولا مخرجه إذا أدبروا من طريقهم هذه الأولى ولا في غاشيتهم ولا في خشونة مستقاهم ولا في مغتسل، فإذا كان هكذا وصح فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان عليهم فيها وكف فحيث وجد الضرر على الطالب وجب على السلطان دفع الضرر.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة جيدة بينة صحيحة، وقد مضى بيانها ووجه الحجة فيها في رسم الصبرة من سماع يحيى فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: لهم مجرى ماء وهم فيه أشراك فاندفنت الساقية فأرادوا حفرها وتنقيتها

مسألة وسئل أصبغ عن قوم لهم مجرى ماء، وهم فيه أشراك، فلبعض الناس عليه أجنة كثيرة، ولبعضهم جنان أو جنانان، لبعضهم أكثر من بعض، فاندفنت الساقية، فأرادوا حفرها وتنقيتها، كيف تحفر على عدة الأجزاء أم على عدة الجماجم؟

قال: لا بل على الأجزاء والأنصباء فيه، والانتفاع فيه، وهو كالشفعة تكون على قدر الحقوق، وهو أيضا بمنزلة حقوق القسام تكون على قدر الحقوق والأنصباء، ولسنا بقول ابن القاسم فيه إنه على الجماجم، ولا نعلم شيئا من هذا يكون على الجماجم في أنواع العلم إلا كنس المراحيض المشتركة لأن الانتفاع بها وفيها سواء، ولا يحاط فيه بعلم معرفة ذلك، فإن اختنقت الساقية واحتاجت إلى الكنس وكان بعضهم ينتفع بأعلاها وبعض بأسفلها فدعا الأسفلون الأعلين إلى الكنس، وقالوا لهم: تكنسون معنا لأن مجرى مائكم علينا، فإن اختنقت عندنا أضرت بكم، وقال الأعلون: لا حاجة لنا بكنسها، وذكروا أنها ليست مضرة لهم فقال: أرى أن يكنسوا معهم لأن مجرى مائهم فيها.
قلت: فإن اختنقت في أعلاها فدعا الأعلون الأسفلين إلى الكنس فأبوا عليهم؟ قال: ذلك لهم إلا أن يعينوهم، وإنما أمرنا الأعلين بالكنس مع الأسفلين لأن مجرى مائهم ووسخهم عليهم، وليس للأسفلين على الأعلين مجرى.
قال الإمام القاضي: أما إذا اندفنت الساقية في أعلاها قبل أن تصل إلى واحد منهم، وهي إن نقيت وصل الماء إلى جميعهم، وإن لم تنق لم تصل إلى واحد منهم، فالذي ذهب إليه أصبغ من أن حفرها وتنقيتها يكون على قدر الحقوق لا على عدد الجماجم هو الأظهر مما قيل في ذلك لأنه أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم، فله في كتاب الأقضية من المدونة في أجرة القاسم إنما تكون على عدد الرؤوس لا على قدر الأنصباء،

وله في أول سماع يحيى عنه من كتاب البضائع والوكالات في أجرة الأجير على الخصام أنها تكون على قدر الأنصباء لا على عدد الرؤوس، وذلك اختلاف من قوله، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى والقياس، وهذا الاختلاف داخل في مسألتنا هذه وفي غير ما مسألة، من ذلك مسألة نوازل سحنون من كتاب الجعل والإجارة في القوم يستأجرون الأجير وعلى حرز أعدال متاع أو حرز حبال مقاث ولبعضهم منها القليل، ولبعضهم الكثير، وما أشبه ذلك من المسائل، واختلف أيضا قول ابن القاسم في تنقية الكنف، فالمعلوم من مذهبه الأظهر من الأقوال أنها تكون على عدد الرؤوس، وهو على قياس قوله إنها تكون على قدر الأنصباء، وهو قوله في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، وعليه يأتي ما روي عنه من أن تنقية كنف الدور المكتراة تكون على أرباب الدور، فتفرقة أصبغ بين كنس الكنف وسائر المسائل المذكورة هو أظهر الأقوال، ويتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال: أحدها تفرقة أصبغ هذه بين تنقية الكنف وما سواها من المسائل، والثاني أن الحكم في جميعها أن يكون على عدد الأنصباء لأن من قال في كنس الكنف إنه يكون على قدر الأنصباء، وهو مذهب أشهب في سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وأحد قولي ابن القاسم على ما ذكرناه، فأحرى أن يقول ذلك في سائر المسائل، والثالث أن الحكم في جميعها أن يكون على عدد الرؤوس لأن من قال في أجرة القسام وفيما سواها من المسائل المذكورة إنها تكون على عدد الرؤوس فأحرى أن يقول ذلك في تنقية الكنف، وأما إن اندفنت الساقية بعد أن وصلت إلى واحد منهم فإنه يقال للذي لم تصل إليه: إما أن تعمل مع الذي وصلت إليه، وإما أن يعمل هو وحده ويكون أحق بحظك من الماء حتى تأتيه بما يجب عليك من النفقة على الاختلاف الذي ذكرناه من عدد الجماجم وقدر الأجزاء، وأما إذا اختنقت الساقية بعد أن تجاوزت حظ

أحدهم وهو الأعلى منهم فلا يلزم الأعلى أن يعمل مع الأسفل إذ لا منفعة له في العمل ولا ضرر عليه في تركه لتأتي السقي له في الحالتين جميعا، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على أصولهم، وقوله فيها: فإن اختنقت الساقية فاحتاجت إلى الكنس وكان بعضهم ينتفع وبعضهم بأسفلها لأنها هي الساقية التي يتصور فيها أن ينتفع بعضهم بأعلاها وبعضهم بأسفلها، وأما ساقية ماء السقي فأعلاها ينتفع به الأعلى والأسفل، وأسفلها لا ينتفع به إلا الأسفل وحده، وقد مضى الحكم في ذلك وتفصيل القول فيه.
وأما حكم الساقية التي تجري في المحاج بالأثقال والرحاضات فالحكم فيه على ما قال أصبغ في الرواية من أن يعمل الأعلى مع الأسفل ولا يعمل الأسفل مع الأعلى للعلة التي ذكرها من أن ماء الأعلين ووسخهم يجري على الأسفل، وليس للأسفل على الأعلى مجرى، وقد بين ذلك سحنون فيما حكى عنه ابن أبي زيد في النوادر من رواية أبي بكر بن محمد فقال: على الأول أن يكنس وحده حتى يبلغ إلى الثاني، ثم على الأول والثاني الكنس حتى يبلغا إلى الثالث، ثم على الأول والثاني والثالث الكنس حتى يبلغوا إلى الرابع، هكذا أبدا حتى يبلغوا إلى آخرها، وهذا لا اختلاف فيه إذا كانت تجري في الأزقة والطرق، وأما إذا كانت تجري في الدور والأملاك فقيل: إن على كل واحد من أرباب الدور والأملاك أن ينقي ما في داره أو ملكه منها، وهو الذي يأتي على مذهب أشهب وأحد قولي ابن القاسم في أن تنقية الكنف المشتركة على قدر الأنصباء، وتنقية كنف الدور المكتراة على أرباب الدور لا على المكترين، وبالله التوفيق.

مسألة: هل يلزم استئذان الإمام في إنشاء الأرحى على الأنهار

مسألة وسئل عن إمام اغتصب أرحية على نهر، وتلك الأرحية قديمة بذلك الموضع، فعمد الغاصب فخربها وبنى تحتها قريبا من موضع المغصوبة منه أرحية بنقض المغصوبة، فأقامت الأرحية بالموضع الذي أنشأها فيه الغاصب زمانا طويلا خمسين سنة أو

أكثر تداولها أمراء، ثم إن ورثة المغصوب قاموا طالبين بحقهم فأنصفوا منه، وقضي لهم به، وأمر أهل الغاصب ومن كانت تلك الأرحية في أيديهم من ورثة أولئك الأمراء بقطع نقضهم من الموضع الذي أحدث فيه الغاصب الأرحية، وذلك إذ لم تقم لورثة المغصوب البينة على نقض، وقامت لهم البينة على أصل الأرحية فوق هذا الموضع الذي أحدث فيه الغاصب، فأمر بقلع النقص وخراب تلك الأرحية من أجل أن موضع الأول لا يمكن أن تكون فيه أرحية لقرب المحدثة من موضع الأرحية الأولى فشق على أهل الغاصب قلع نقضهم لما يصير عليهم فيه من المؤونة، فباعوا ذلك النقض من المغصوب، فلما اشتراه المغصوب وصار له بالموضع الذي كان الغاصب أحدث فيه أرحية رأى أن يقر النقض على حاله ويبني بذلك الموضع أرحية من قبل أن ذلك الموضع لا يجوز لأحد أن يبني فيه رحى لمكان ضرورته بموضع الأول وإن هذا الموضع ليس لأحد من الناس، وإنما هو نهر للمسلمين عامة، فبنى المغصوب منه بذلك الموضع أرحية وأنفق فيها أموالا عظيمة والإمام والقاضي وجميع الناس ينظرون إليه ينفق ويبني ويعمل حتى فرغ منها بالمؤونة العظيمة، ثم اغتلها بعد ذلك سنتين أو ثلاثا، ثم قام عليه الإمام اليوم بعد ما وصفت لك فأراد

أن يخرب عليه الإمام ما عمل، وقال له الإمام إن هذا الموضع الذي أقررت فيه أرحيتك ليس لك، وإنما هو للناس، وأنا الناظر فيه وموضعك الذي قضى لك فيه فوق هذا، وأراد أن يخرب عليه، فكان من حجة المغصوب في ذلك أن قال: أما موضعي الذي بنيت فيه فإن الغاصب الأول حين أخرق أرحيتي ونقلها من موضعها إلى هذا الموضع أفسد علي المنصب وغدره، وإنما غدره ليصلح على نفسه هذا الموضع الذي نقل إليه النقض، ومع ذلك أيضا إني يوم غصبني هذا الغاصب لو أردت أن أنقلها إلى هذا الموضع لم يكن لأحد أن يمنعني منه، ولا على أحد فيه مضرة، ولا لأحد أن يبني بهذا الموضع أرحى لموضع ضرر ذلك بأرحيتي التي من فوق، وإن الموضع الذي أقررتها به ليس لأحد من الناس، بل أنا أعظم الناس فيه حظا لأني لا أترك أحدا يبني فيه رحى لأنه يبطل علي أرحيتي التي فوق، ومع ذلك أيضا أنه يقول المغصوب منه للإمام: أيها الإمام، أنت تنظر إلي أبني وأنفق الأموال وأستغل الأموال العظام، وأنت قضيت لي بتخريبها، ثم تزعم اليوم أنك أولى الناس بالموضع مني لأنك تزعم الناظر للناس، والإمام القاضي يقول خذ موضعك الذي قضيت لك له به فابن فيه ودع هذا لما يعلم أن ذلك الموضع لا يستقيم فيه أرحية [بعد] لما أفسد فيه الغاصب الأول وغدر ذلك الموضع، قال أصبغ: لا أرى لذلك الإمام القاضي نقضه عليه ولا العرض له، وأراه

جاهلا خاطئا لما يريد أن يفعل من هذا فلا يخطئ ثانية كما أخطأ أولا، فقد أخطأ في الأمر الأول حين فسخه وعرض فيه لأنه لم ينقضه لنقض المغصوب منه بعينه، فقد ذكرتم في المسألة أنه لم تثبت له بينة على النقض أنه له ولا أنه بنيانه، وإنما فسخه لموضع المحدث على موضع الأول، ولم يكن من الصواب ذلك لأن الأول قد مات ما كان أحيا وصار الثاني كمن أحيا مواتا آخر بعده فلا يمات حي لموات قد مات لا يقدر على إحيائه لأنه قد استغدر وصار مواتا ممتنعا من الإحياء، وإنما كان يجوز له أخذ النقض لو كان للأول فيه نقض معروف كان أدخل فيه يوجد قائما أيضا لم يتغير ولم يبل مما كان يكون له منتفع إذا قلع كالسواري تحت البنيان تخرج إلى بنيان غيره إذا غصبت، فأما شيء قد بلي وأكله الماء فلا ينزع وإن كان غصبا لأنه لا ينتفع به، وموضعه [ليس] لصاحبه فينتزعه وصاحبه مضر، وإنما كان ينبغي للإمام أن يقضي في هذا للمغصوب منه بقيمة بنيانه ورحاه يوم هدمها الغاصب الأول، وإن كان الأمر هكذا في بلاء الحجارة والنقض، فإن كان ذهب بحجارتها [مع ذلك] بأمر مشهود عليه قضى له بالقيمة قائمة، وإن لم يذهب قضى له بما بين القيمتين ما نقص الهدم والفساد منها حينه إلى وقت قلعها مبنية، فإذا جهل هذا وأخطأه وأخطأ العمل فيه بصوابه وفسخ وأمر بالقلع وقضى به فاشتراه المغصوب منه وأقره بإقراره إياه وبما زاد فيه واعتمل وبنى فلا أرى أن يعرض له فيه ولا ينقض عليه، ولا ينقض الإمام

حكمه الماضي له به لأنه وجه شبهة من القضاء والفوت، وإنما هذا بمنزلة ما لو قضى له فاشتراه غيره وأرضى صاحبه المنقوض له منه ومن النفقة وأقره لنفسه أو زاد فيه لم ينبغ في الحق أن يفسخ على هذا المشتري الأجنبي لأنه يصير ذلك بمنزلة محي مستأنف في ذلك الموضع، ولا يكون أيضا للإمام عليه خيار في قلعه أو إثباته بالنظر بزعمه للمسلمين، لا أرى هذا له ليس من قبل أنه علم به فأقره فقط، ولكنه من قبل أنه قد كان لهذا أن يحييه يومئذ لو كان معطلا مهدوما من أصله بغير إذن الإمام القاضي وبغير علمه لأن ذلك سنتهم في أنهارهم وعملهم وعملها مباح لهم فيها من أول الإسلام إلى هلم جرا لا يستأذنون إماما فيه لأن أنهارهم إنما هي لهذا ولمثله من المنافع، وهذا الغالب عليها ولمصائدهم كنحو أرحيتهم ليست مساقي في طرق حمالة ولا سيارة ولا مساقي لغيرها من الأرض ولا مركوبة فيمنعون المارة وغيرها فيمنعون حينئذ، وليست لها مصارف إلا هذه المنافع فهي لهم فيها وإن قربت من العمران.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة أرحى القنطرة بقرطبة لما نزلت كتب فيها إلى أصبغ، فأجاب فيها بهذا الجواب، وهو جواب صحيح على مذهبه في أنه لا يلزم استئذان الإمام القاضي في إنشاء الأرحى على الأنهار فيما قرب من العمران لأن الواجب كان في ذلك على أصله هذا إذا كان الغاصب قد خرب الرحى التي غصبها وغدر موضعها بالرحى التي أحدث تحتها حتى لا يمكن أن تعاد فيها الرحى أن يقر الرحى الثانية للغاصب على حالها، ويكون عليه للمغصوب قيمة رحى مبنية على ما كانت عليه يوم هدمها

من جودة البناء ورداءته، وإنما كان يجب أن يقضي على الغاصب بتخريب الرحى التي أحدثها تحتها إن كان لم يغدرها بذلك، ويمكن إذا خربت أن تعاد على حالها ويكون عليه مع هذا قيمة بنيانها، فيمكن أن يتأول قوله وأمر القاضي أهل الغاصب بقلع نقضهم على هذا، ويقال: إن سكت عن ذكر قيمة البنيان للعلم به فلا يكون الحكم على هذا خطأ كما تأول أصبغ وهو الأولى لأنه يبعد أن يحكم للمغصوب منه بما لا منفعة له فيه من هذه الرحى المحدثة لا أكثر فيمضي مال الغاصب في غير منفعة تصل إلى المغصوب أو أن يحكم له بقيمة رحاه على الغاصب ثم يقضي عليه أيضا بهدم رحاه التي أحدثها، وعلى كلا التأويلين لا يكون للإمام ما ذهب إليه من أن يخرج المحكوم له المغصوب من الرحى المحدثة إذ قد اشترى نقضها من ورثة الغاصب الذين قضى عليهم بقلعه وأقره في موضعه لأنه ينزل بذلك منزلة بانيه الذي قد استحقه ببنيانه إياه لأن ذلك إحياء له على مذهبه وإن لم يستأذن الإمام لا سيما وقد بنى هو بذلك الموضع أرحية بعلم الإمام والقاضي وجميع الناس كما ذكر في السؤال، وقول أصبغ في هذه المسألة: إن من أنشأ رحى فيما قرب من العمران على نهر فليس عليه أن يستأذن الإمام في ذلك بعيد عندي، والصواب أن ذلك لا يكون له إلا بإذن الإمام إذا كانت الضفتان لجميع المسلمين كما لا يكون له إذا كانت الضفتان ملكا لرجل إلا بإذن ربهما، وقد قيل فيمن أحيا مواتا فيما قرب من العمران بغير إذن الإمام: إن للإمام أن يخرجه منه ويعطيه قيمة بنيانه منقوضا، فعلى هذا القياس يكون للإمام في هذه المسألة ما ذهب إليه من أن يخرج المحكوم له من الرحى المحدثة ويعطيه قيمة بنيانه منقوضا، وبالله التوفيق.

###: لا ضرر ولا ضرار

من سماع حسين بن عاصم من ابن القاسم قال حسين: سألت ابن القاسم عن سداد الأرحية إذا كانت قد تقادمت في أيدي أهلها أربعين سنة أو خمسين سنة فيشتري قوم خشبا في جبل هو على ذلك الوادي فيريدون المرور بها في

النهر حتى يبلغوها موضع نفاقها أو موضع حاجتهم إليها فيمنعهم أهل الأرحية ويقولون: لا تمروا بها على سدادنا ولا تخرقوها علينا، فيعطونهم على تلك الخشب ليفتحوا لها فرجا في سدادهم ويمتنعون بذلك أصلا فلا يريدون أن يفتحوا لهم لتمر خشبهم، قال ابن القاسم: أرى أن يوكل الإمام القاضي رجلا حازما ممن يخاف الله بهدم ما يضر الناس من تلك السداد في ممرهم بخشبهم وسفنهم ويترك ما وراء ذلك مما لا يضرهم في ممرهم بخشبهم وحوائجهم لسفنهم من سده لينتفع به إذا لم يكن في ذلك مضرة، لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ضرر ولا ضرار» فتفسير ذلك ألا يتخذ أحد ما يضر بأحد ولا يمنع أن يتخذ ما لا يضر بأحد، قال: ولا أرى أن يأخذوا من أحد شيئا مما وصفت لك، وأرى أن يؤمروا بهدمها وتخلية الناس في طريقهم في نهرهم كما وصفت لك، وأرى أن يخرق من ذلك السد لممر القوارب لحوائج الناس في حمولتهم وصيدهم وغير ذلك مما يحتاجون إليه إذا كان النهر تمر به القوارب العظيمة يحمل الناس فيه حوائجهم من أطعماتهم وغير ذلك، وليس لأحد أن يقطع بسده ممر الناس في النهر.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال؛ لأن منفعة عامة المسلمين بالمرور في النهر بخشبهم وقواربهم لوجوه منافعهم لا يستحقها عليهم أصحاب

السداد بطول المدة، إذ ليس هو حق لمعين فيحمل عليه بطول السكوت أنه راض بترك حقه في ذلك، فالواجب في ذلك ما ذكر من أن يخرق من السد موضع تمر منه الخشب والقوارب لمنافع الناس من حوائجهم وصيدهم، ولا يهدم جميع السد فيبطل على صاحبه رحاه وإن كان المرور في النهر يسهل بذلك؛ لأن الضرر على صاحب الرحى بإبطال الرحى عليه أكثر من الضرر الذي يلحق المارة في مرورهم على الموضع الذي خرق منه، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اجتمع ضرران نفى الأصغر الأكبر» فتأوله أهل العلم في مثل هذا المعنى، وهو كثير في غير ما وجه واحد، ولو أراد رجل ابتداء أن ينشئ رحى في حقه على النهر ويقطعه بسد لم يكن ذلك له إلا أن يترك بالسد بابا مفتوحا يمر به من احتاج إلى المرور فيه [إذا كان المرور فيه] متصلا، وإن لم يكن متصلا كان له أن يسده في الأوقات التي لا يحتاج الناس إلى المرور عليه لأن النهر كالطريق فلا يباح لأحد أن يحدث فيه ما يقطعه، ولا يمنع من أن يحدث فيه ما ينتفع به مما لا يضر به ولا يقطعه، وأما إن أراد أن يحدث فيه ما يضر به بعض الضرر ولا يقطعه فذلك إلى اجتهاد الإمام القاضي في أي الضررين أكبر إن كان الذي على المارة فيه أو على الذي يمنع من منفعته فيما يريد أن يبني فيه أو ينشئ عليه، وقد وقع في المبسوطة لمحمد بن إبراهيم المدني خلاف قول ابن القاسم هذا، قال: وسئل محمد بن إبراهيم المدني وكتب إليه من الأندلس عن الخشب التي تقطع بالمغرب عندنا فتطرح بالوادي فربما مرت بأصحاب السداد [فيمنعونهم من خرق السداد] وهم يصلحونها كما كانت فقال: إن كان خرقهم إياه يضر بصاحب السد لم أر أن يخرقوا شيئا، وإن كان لا يضر بهم وهم يصلحونه لا يخاف عليه حاله من أجل ما أخرق

صاحب الخشب بعد إصلاحهم إياه فأرى أن لا يمنعوا من خرق ما مروا به على ما ذكرت لك، وقول ابن القاسم أظهر لما بيناه، والله أعلم.

مسألة: لا تحجروا على الناس

مسألة قال: وسمعت ابن القاسم يقول في الرجل تكون له الرحى القديمة فيتخذ رجل تحتها رحى فيقول صاحب الرحى القديمة: أنا أخشى أن تضر هذه الثانية برحائي فيبعث معهم رجالا من أهل البصر بالعمل فيقولون: لا فساد على رحاه من الرحى التي تحتها، فيأمر بالعمل ويأذن له بالبنيان، فإذا فرغ أضرت بالرحى العليا وجمعت عليها الماء فلم تتركها تدور، قال ابن القاسم: إذا اجتهد السلطان أولا كما ذكرت ثم أمره بالبنيان بعد أن رأى أهل البصر أنها لا تضر ثم أضرت فلا أرى أن تقلع، ولتقر على حالها، لأنها حكومة قد وقعت، فأنفق بها صاحب الرحى نفقته فلا سبيل إلى ردها، وليصبر صاحب الرحى العليا، قال ابن القاسم: ولو تركه صاحب الرحى العليا فعمل حتى طحنت رحاه وفرغ منها، ثم قام إلى السلطان وذكر ضرها فلم أر للسلطان أن يهدم الرحى عنه لأنه قد تركه حتى أنفق عليها النفقة العظيمة ثم يريد قلع عمله فليس ذلك له إذا كان حاضرا يرى عمله: قال ابن نافع أرى أن لا يمضي الضرر فيها على أحد كان أمر السلطان بالنظر فيه أو لم يأمر، وأرى أن يقلع إذا تبين لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ضرر ولا ضرار».

قال ابن وهب: إذا رآه يبني حتى طحنت ثم أراد منعه من ذلك لم يكن ذلك له كانت رحاه قائمة أو قد خربت لأنه تركه ينفق ويحوز ما كان هو قد حازه من النهر حتى صار لغيره ثم أراد القيام عليه فيه فليس ذلك له لأن النهر موات، وقد قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا تحجروا على الناس.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب في هذه المسألة زيادة متصلة بقول ابن وهب، وهي: وقال ابن وهب فيمن أحيا مواتا ثم تركه فأحيا غيره فهو لغيره، وفي قول عمر هذا بيان من هذا، قال ابن وهب: فإذا ادعى صاحب الرحى القديمة أنه إنما كان تركه إياه على غير علم بضرورته وكان ذلك لا يخفى على أحد من الناس أنه يضر لم يكن له قول، وأقرت الرحى المحدثة على حالها، وإن كان ذلك يخفى حلف صاحب الرحى القديمة وكان له أن يقلع إن شاء، وفي هذه الرواية بيان لما يتأول عليه قوله بعد هذا إن شاء الله.
ومساواة ابن القاسم في هذه المسألة بين الذي يبني بأمر السلطان وحكمه، وبين الذي يبني بحضرة صاحب الرحى العليا وعلمه في أن بنيانه لا ينقض، والمعنى الموجب لذلك مختلف، أما الذي يبني بأمر السلطان وحكمه فإنما قال ابن القاسم إن بنيانه لا يقلع وتقر رحاه على حالها من أجل أن الخطأ في ذلك ليس هو منه وإنما هو من الشهود إذ شبه عليهم فظنوا أن بنيانه لا يضر بالرحى التي فوقها، فكان ذلك بمنزلة الشاهد يرجع عن شهادته بعد نفوذ الحكم فيقول: شبه علي ويدعي الوهم والغلط فمن قولهم إن الحكم لا يرد، وإنما اختلفوا في الشاهد هل يغرم التالف بشهادته أم لا حسبما مضى القول

فيه في أول سماع عيسى من كتاب الشهادات؟ فعلى القول بأن الشاهد يغرم ما أتلف بشهادته وإن ادعى أنه شبه عليه فيها يلزم أهل البصر في هذه المسألة غرم قيمة الرحى العليا إن كانت بطلت، أو غرم ما نقص من قيمتها إن كان نقص بذلك طحينها ولم يبطل جملة، وأما على القول بأن الشاهد لا يغرم ما أتلف بشهادته إذا كان قد شبه عليه فيها ولم يتعمد الزور فلا يلزمهم شيء إلا اليمين إن ادعى عليهم صاحب الرحى العليا أن ذلك كان مما لا يخفى عليهم، وأنهم تعمدوا الزور في شهادتهم على الاختلاف في يمين التهمة، وذلك إذا كان ذلك مما يمكن أن يخفى، وأما إن كان مما لا يمكن أن يخفى على أحد من الناس فيلزمهم الغرم، ولا يمكنوا من اليمين.
وأما الذي بنى بحضرة صاحب الرحى العليا وعلمه فإنما قال: إن بنيانه لا يقلع ويقر على حاله من أجل أنه جعل سكوته على البنيان مع العلم به كالإذن له فيه، وهو أصل قد اختلف فيه، قوله حسبما ذكرناه في غير ما موضع من هذا الديوان، وكذلك ساوى ابن نافع أيضا بين المسألتين في أن البنيان يقلع ولا يمضي الضرر على من حصل عليه، ووجه ما ذهب إليه أنه رأى حكم السلطان بذلك خطأ منه إذ قد تبين الضرر فبان له أنه قد أخطأ في حكمه ولم ير السكوت بمنزلة الإذن، وقول ابن القاسم أصح لأنه لم يخطئ في وجه الاجتهاد وإنما أخطأ عليه الشهود، ولو أخطأ في وجه الاجتهاد مثل أن يظن أن من حقه أن يبني رحاه في حقه وإن أبطل ذلك رحى غيره لوجب عليه أن ينقض حكمه بذلك قولا واحدا، إذ لم يختلف في أنه ليس له أن يبني رحى في موضع يبطل به رحى غيره، وإنما اختلف هل له ذلك إذا كان لا يبطلها وينقص من طحينها حسبما مضى القول فيه في رسم المكاتب من سماع يحيى، وفي سماع محمد بن خالد وقول ابن وهب في الذي ترك الرجل يبني رحى في موضع يضر برحاه ثم أراد أن يقوم عليه في ذلك أنه ليس له ذلك موافق لقول ابن

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: ما يحجر الرجل من الموات البعيد عن المدائنمسألة: التحجير للمواتمسألة: استحق مواتا بعمله ثم تركه حتى صار إلى خرابمسألة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكرمسألة: الرحى تكون للرجل متقادمة فيريد رجل أن يحدث فوقها رحى أو تحتهامسألة: إن تشاحا فليس لكل رجل إلا نصف النهرمسألة: أخذ نصيبه وأراد أن يقره مسرحا لماشيته أن يحميه من الناس ويبيع كلأهمسألة: المسرح لأهل القرية التي هو في حوزها إن تداعى فيه أهل قريتينمسألة: يسكن القرية وليس له فيها إلا مسكنه فيعمر من غامرها أرضا ثم يريدون إخراجهمسألة: من له ماء يسقي به وفيه فضل عنه هل له أن يقطعه عن جيرانهمسألة: المسرح يكون بين القوم فيريدون اقتسامهمسألة: العلو يكون لرجل والأسفل لآخر فيخاف على حيطان الأسفل الضعفمسألة: الفحص العظيم البورليس لأهل المنازل المحيطة به أن يقتسموهمسألة: لهم مجرى ماء وهم فيه أشراك فاندفنت الساقية فأرادوا حفرها وتنقيتهامسألة: هل يلزم استئذان الإمام في إنشاء الأرحى على الأنهارمسألة: لا تحجروا على الناس
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل