البيان والتحصيلصفحات 288-328
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 288-328
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقد روى لابن الماجشون ومطرف وأصبغ في الأقضية من الواضحة ما يعارض رواية أصبغ هذه، وقد ذكرنا ذلك في أول سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: المخالطة التي يستوجب بها المدعي على المدعى عليه اليمين ما هي

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن المخالطة التي يستوجب بها المدعي على المدعى عليه اليمين ما هي؟ قال: يسالفه فيبيعه ويشتري منه، فقيل: أرأيت إن ادعى عليه وجاء شهود يشهدون أنه باع منه أمس، واشترى منه سلعة بمائة دينار، فقبض هذا المائة وهذا السلعة وتفاصلا؟ قال: لا أرى هذا مخالطة، إلا أن يكون قد باعه مرة ومرة ومرارا، فأرى هذا مخالطة، وإن كانا يتقابضان في ذلك كله الثمن والسلعة، ويتفاصلان قبل أن يتفرقا، فإن شهد عليه بذلك فأراها مخالطة، وقاله أصبغ، قال: وكل ما خالطه فثبت بتاريخ قديم يمكن المعاملات بينهما، ليس بعدهما، وإن لم تتصل وانقطعت فهي عندي مخالطة، ويستحلف بها بالله إن شاء الله، وسئل عنها سحنون فقال مثله، قال سحنون: ولا تكون المخالطة إلا في البيع والاشتراء بين الرجلين، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بعض لم تكن مخالطة حتى يقع البيع بينهم، قيل: فمثل أهل منزلك ومسجدك يجتمعون فيه للصلوات والأنس والحديث، فادعى بعضهم على بعض؟ قال: لا تكون هذه مخالطة إلا بمثل ما وصفت لك.

قال القاضي: مذهب مالك وكافة أصحابه: أن اليمين لا يحكم بها للمدعي على المدعى عليه بمجرد الدعوى دون خلطة، على ما جاء عن عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من أنه لم يكن يحلف من ادعى على رجل دعوى، إلا أن تكون بينهما مخالطة وملابسة، وهو قول جماعة من علماء المدينة.
روي عن القاسم بن محمد منهم أنه قال: إذا ادعى الرجل الفاجر على الرجل الصالح شيئا يعلم الناس فيه أنه كاذب، ولا يعلم أنه كان بينهما أخذ ولا عطاء لم يستحلف، فلم يحملوا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» على عمومه، في أن كل من ادعى على أحد دعوى وجبت له عليه اليمين، وخصصوا من ذلك من لم تكن له خلطة، فلم يشبه قوله وغلب على الظن كذبه، كما خصصوا من ذلك يمين الزوج والسيد في دعوى الطلاق والعتق.
وقد قال إسماعيل القاضي: إن معنى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى، واليمين على المدعى عليه» أنه لا يقبل قول المدعي فيما يدعيه مع يمينه، وأن المدعى عليه يقبل قوله مع يمينه، وإن لم تقم عليه بينة، لا أنه أراد بذلك العموم في كل من ادعى عليه دعوى أنه يجب عليه اليمين، فلا يجب اليمين على مذهب مالك وكافة أصحابه بمجرد الدعوى دون خلطة إلا في خمسة؛ الغريب في البلد يدعي أنه أودع الرجل الفاضل من أهل البلد وديعة؛ لأن الغريب يعمد إلى من بلغه عنه خير، فيودعه

وإن لم يعرفه قبل، والمسافر يدعي أنه قد أودع أحدا من أهل رفقته؛ إذ قد يفزع في سفره إلى من لم يخالطه، فيستودعه لأمر يخافه من آفات السفر، والرجل يدعي على الصانع الذي قد نصب نفسه للعمل أنه دفع إليه متاعا يصنعه، والرجل الغريب، أو من أهل البلد يدعي على أحد من أهل الأسواق الذين قد نصبوا أنفسهم للبيع والشراء أنه عامله باع منه أو اشترى.
روي ذلك عن سحنون، وهو دليل قوله في هذه الرواية، ولو ادعى أهل الأسواق بعضهم على بعض، لم تكن مخالطة حتى يقع البيع بينهم؛ لأن في ذلك ما يدل على أن دعوى غير أهل الأسواق على أهل الأسواق، خلاف دعوى أهل الأسواق بعضهم على بعض؛ لأن أهل الحوانيت والأسواق إنما نصبوا أنفسهم للبيع والشراء من غير أهل الأسواق، لا من أهل الأسواق، والرجل يذكر في مرضه الذي مات منه أن له دينا على رجل، ويوصي أن يتقاضى منه، فإن لورثته أن يحلفوه إن أنكر دون خلطة؛ إذ لا يعرفون من يشهد لهم بها.
روي ذلك عن مالك، ومثله في سماع عيسى، من كتاب المديان والتفليس، وقال في هذه الرواية: إن المبايعة الواحدة ليست بخلطة توجب اليمين حتى يبايعه مرة ومرة ومرارا، وفي بعض الكتب مرة ومرة ومرَّة، وهو صواب الكلام، وفي رسم الصبرة من سماع يحيى، من كتاب الشهادات ما ظاهره أن المعاملة الواحدة خلطة توجب اليمين، خلاف هذه الرواية.
وقيل: إن رواية يحيى تفسير لهذه، فيكون المعنى فيها أنها قد تضاف إلى معاملة قبلها، فيصير بذلك خلطة.
قال محمد بن رشد: ولا أقول: إنها مخالفة لها، ولا مفسرة لها، وإنما أقول: إنها مسألة أخرى؛ لأنه تكلم في هذه الرواية على أنهما تقابضا وتناجزا، وتكلم في سماع يحيى على المبايعة بالدين، والمبايعة الواحدة لا توجب الخلطة إذا كانت بالنقد والتناجز على ما هاهنا، وتوجبها إذا كانت

المبايعة بالدين على ما في سماع يحيى، وإنما الخلاف عندي إذا كانت المبايعة الواحدة بالنقد، فلم يقع النقد ولا حصل التناجز، ففي الشهادات من المدونة: أنها ليست بخلطة، وفي كتاب ابن المواز: أنها خلطة، إلا أنه لم يوجب اليمين إذا لم يثبت ما قاله الغائب.
وقوله: وجاء بشهود يشهدون، الظاهر منه أن الخلطة لا توجب اليمين حتى يثبت بما يثبت به الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين، ومثله في نوازل سحنون من كتاب الشهادات، وفي المبسوطة لابن كنانة، وابن القاسم أن شهادة الشاهد الواحد بها توجب اليمين.
وقال في سماع حسين بن عاصم، من كتاب الشهادات في بعض الروايات: إن شهادة شاهد واحد وامرأة واحدة بالخلطة توجب اليمين، وقد قيل: إنها توجب باليمين مع الشاهد.
وقد روي ذلك عن ابن نافع، وابن كنانة، وإذا ثبتت الخلطة، فلا يرتفع حكمها بانقطاعها على قول سحنون في هذه الرواية، وفي أحكام ابن زياد عن أصبغ وسحنون: أن اليمين لا تجب إلا بخلطة متصلة، وفي المبسوطة لابن نافع أنه قال: لا أدري ما الخلطة، ولا أراها، ولا أقول بها، وأرى الأيمان واجبة للمسلمين عامة بعضهم على بعض؛ لحديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكره».
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ إلى أن اليمين واجبة بمجرد الدعوى في جميع الدعاوي من الأموال وغيرها، وحجتهم حديث ابن عباس: «لو يعطى ناس بدعواهم؛ لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»؛ لأنهم تعلقوا بظاهره، فحملوه على عمومه، ولا حجة لهم

على مالك في تعلقهم بعموم الحديث؛ إذ لا بد لهم من أن يخصصوه في بعض المواضع بالمعنى الذي خصصه به مالك حيث خصصه، وذلك في مثل أن تريد المرأة أن تحلف زوجها في يوم واحد مرارا أنه ما طلقها، وإذا كان ذلك على عمومه كذلك، فلم تبق لهم حجة إلا مجرد قولهم بأن نظرهم أصح من نظره، وهذا ينعكس عليهم، فلا يجدون عن الخروج عنه محيصا، وبالله التوفيق.

مسألة: الملد من الخصوم يعاقب

مسألة وقال أصبغ في الملد من الخصوم، وأخبر بمحضرنا عن أبي الطاهر بن حزم القاضي أنه علقه على رجل واحد، فقيل لأشهب: أترى ذلك؟ فقال: أما الملد الظالم فنعم.
قال القاضي: هذا كما قال؛ لأن إلداد أحد الخصمين بصاحبه إضرار به، وواجب على الإمام أن يمنع من ذلك، ويعاقب عليه بما يؤديه اجتهاده إليه، وقد تقدم مثل هذا في رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يحضر ببينة أيوقعها له القاضي بغير محضر الخصم

مسألة وسئل عن الرجل يحضر ببينة أيوقعها له القاضي بغير محضر الخصم؟ فقال: ما أرى بذلك بأسا، قيل له: فإن أتى بعد ذلك الخصم، فقال للقاضي: اعرض علي شهادتهم، فإن كان فيها ما يضرني دفعته.
فقال: أرى ذلك له.
فقيل له: بغير محضر صاحبه؟ فقال: ما أبالي حضر أو لم يحضر، قال أصبغ: مثله، وهذا محض القضاء.

قال القاضي: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن من حق المشهود عليه أن يعرض عليه ما شهد به عليه، ويعذر إليه فيه، ولا حق للمشهود له في أن يكون ذلك بحضرته، كما أنه لا حق للمشهود عليه في أن يشهد الشهود عليه بحضرته، والله الموفق لا شريك له، اللهم عونك.

###: تخاصم النصرانيان إلى الأسقف فأبى الحكم وردهما لحكم المسلمين

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون: إذا تخاصم النصرانيان إلى الأسقف، فأبى الأسقف أن يحكم بينهما، وردهما إلى حكم المسلمين؛ فإنه من الجور عليهما، إذا كان النصرانيان لا يريدان أن يحكم بينهما حكم المسلمين، فلا يكون ذلك للأسقف، ولا ينبغي لحاكم المسلمين أن يحكم بينهما، وإن رضي النصرانيان جميعا أن يحكم بينهما حكم المسلمين، وأبى الأسقف أن يردهما إلى حكم المسلمين لم يكن ذلك له، وكان للنصرانيين أن يحكم بينهما حكم المسلمين، ولا يحكم بينهما الأسقف.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه لا يجوز لحكم المسلمين أن يحكم بينهما برضا الأسقف إذا أبياهما من ذلك أو أحدهما، وأما إذا رضي النصرانيان أن يحكم بينهما حكم المسلمين، وأبى الأسقف، فقول سحنون: أنه لا يلتفت إلى إباية الأسقف، ولحكم المسلمين أن يحكم بينهما إذا رضيا وإن كره أسقفهما، وروى عيسى، عن ابن القاسم في رسم العارية من كتاب السلطان أنه لا يحكم بينهما إلا برضا منهما ومن أساقفتهما، وذلك يحمل على التفسير لما في المدونة؛ لأن تفسير قوله بقوله أولى

من تفسيره بقول سحنون، وهذا في البيوع والطلاق والعتق والحدود.
وأما فيما يتظالمون به، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيه، وإن لم يتحاكموا إليه، ولا رضوا بحكمه، وقد ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يجب عليه أن يحكم بينهم إذا جاءوه ورضوا بحكمه، ومنهم من قال: إنه يجب عليه أن يحكم عليهم في الحدود شاءوا أو أبوا، وإن لم يحكموه ولا رضوا بحكمه.
ففي الحدود التي يجب على الإمام أن يحكم فيها على المسلمين وإن لم يترافعوا إليه فثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يجب عليه أن يحكم عليهم فيها، وإن لم يحكموه.
والثاني: أن ذلك لا يجب عليه إلا أن يحكموه.
والثالث وهو مذهب مالك: أن ذلك لا يجب عليه وإن حكموه.
وفي البيوع والنكاح والمعاملات وما أشبه ذلك، مما لا يجب على الإمام أن يحكم فيه على المسلمين إلا أن يترافعوا إليه قولان؛ أحدهما: أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيما إذا ترافعوا إليه ورضوا بحكمه.
والثاني وهو مذهب مالك: أن ذلك ليس عليه بواجب، وله أن يحكم؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: 42] الآية وأما ما يتظالمون به، فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه يجب عليه أن يحكم عليهم فيه، ويمنع من التظالم بينهم، شاءوا أو أبوا.
وقد مضى في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب في هذه المسألة زيادة بيان، وبالله التوفيق، وهذه المسألة وقعت في بعض الروايات في أول نوازل سحنون هذه.

مسألة: قامت المرأة طالبة النفقة على مال زوجها فيحكم لها بالنفقة وهو غائب

مسألة قال سحنون: من الحجة على أهل العراق في القضاء على الغائب أن يقال لهم: أرأيت إذا قامت المرأة طالبة النفقة على مال زوجها، فمن قولهم: إنه يحكم لها بالنفقة وهو غائب، ومن الحجة عليهم أن الغائب لو وكل وكيلا على بيع ماله، فأقام الوكيل على وكالة الغائب إياه البينة، أيكون له البيع؟ فمن قولهم: أن نعم، فإذا أمكن الوكيل من البيع والتقاضي، فقد أجازوا الحكم على الغائب.
قال محمد بن رشد: أهل العراق لا يرون أن يحكم على الغائب، لا في الأصول، ولا في العروض، وسحنون يذهب إلى أنه يحكم عليه في جميع ذلك، وحجته على أهل العراق ما ذكره، ومالك يرى أن يحكم عليه في العروض، ولا يحكم عليه في الأصول، إلا أن تكون الغيبة بعيدة منقطعة، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في رسم سن، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، ومضى أيضا في رسم الكراء والأقضية، من سماع أصبغ، طرف من التكلم عليها، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل إذا أوجب نفقة أبوية أواجب عليه أن يضحي عنهما

مسألة قلت: فالرجل إذا أوجب نفقة أبوية، أواجب عليه أن يضحي عنهما؟ قال: لا، وليس عليه أن يضحي عن امرأته، وذلك قول مالك.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الضحية ليست من النفقة التي تجب عليه لأبويه إذا ألزم نفقتهما ولا لزوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخل زوجته في ضحيته أجزأها، وإلا كان عليها أن تضحي عن نفسها من مالها، وفي سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أن السلطان لا يكره أحدا على أن يحجم أباه، ولا على أن ينكحه، وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: القاضي يشهد عند ابنه أو ولد ولده على رجل

مسألة قال سحنون في القاضي يشهد عند ابنه أو ولد ولده على رجل: لا أرى أن تجوز شهادته، إلا أن يكون الولد أو ولد الولد مبرز العدالة، بين الفضل، لا يشك فيه، فحينئذ أرى أن تجوز شهادته.
قال محمد بن رشد: شهادة الأب عند ابنه، أو الابن عند أبيه، وشهادة كل واحد منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل واحد منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، هذه الأربعة مسائل الحكم فيها كلها سواء، والاختلاف فيها كلها واحد.
قيل: إن ذلك جائز، وهو قول سحنون؛ لأنه أجاز في نوازله من كتاب الشهادات شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وأجاز هنا شهادته عنده، إلا أنه شرط أن يكون مبرزا في العدالة، وذلك ينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقوله في سائر المسائل المذكورة، فكذلك يجوز على مذهبه شهادته على شهادته،

وشهادته مع شهادته إذا كان مبرزا في العدالة، وهو قول مطرف؛ لأنه أجاز في الواضحة شهادة كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، وشهادته على قضائه بعد عزله، وشهادته على شهادته، فكذلك شهادته عنده، لا فرق بين ذلك.
وقيل: إن ذلك لا يجوز، وهو قول أصبغ؛ لأنه لم يجز في نوازله من كتاب الشهادات شهادة واحد منهما على شهادة صاحبه، وذلك الذي يأتي على مذهبه في سائر المسائل المذكورة، وفرق ابن الماجشون بين شهادة كل واحد منهما مع صاحبه، وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله، فأجاز شهادته مع شهادته، ولم يتهم الآخر منهما على أنه إنما أراد إتمام شهادة ابنه وأبيه وتحقيقهما، وشهادته على شهادته، ولم يتهمه على أنه إنما أراد إحياء شهادته، ولم يجز شهادته على حكمه بعد عزله، وذلك تناقض من قوله.
وأما تعديل واحد منهما لصاحبه، فلا يجوز عند واحد من أصحاب مالك فيما علمت، إلا ابن الماجشون فإنه قال: إذا لم يكن التعديل نزعه، وليس له قام، وإنما الذي نزعه وقام به أحيا شهادته، فلا بأس أن يصفه بالذي تتم به شهادته من عدالته، وفيه بعد، والله أعلم.

مسألة: القوم يكونون في المنزل فيحجر الرجل على حق له وأرض يغرسها

مسألة وسألته عن القوم يكونون في المنزل، فيحجر الرجل على حق له، وأرض يغرسها، وقد كان أهل المنزل يسلكون طريقا فينهاهم وغيرهم، فقاموا عليه فقالوا: قطعت طريقنا فأنكر أن يكون طريقا لهم لازمة، فتنازعوا إلى الحكم، فأتى الذين زعموا أنها طريق لهم ببينة، فشهدوا أنهم يعرفونها طريقا يسلكها الناس منذ عشرين سنة، ويأتي الذي في أرضه الطريق ببينة، فشهدوا أنها طريق محدثة بلا حق، فأي البينتين أحق أن يقبل؟ قال

سحنون: هذا كثير ما يكون بين المنازل، ويختصر الناس في الأراضي، وربما قطعها الحرث حتى ربما كانت القرية تؤتى من غير طريق، وربما تساهل الناس في أرضهم لاستبعادهم عن ذلك، فإذا ثبت أن هذه الطريق من تلك الأرض، فليست بلازمة لصاحب الأرض، إلا أن تكون الطريق الحاملة التي تركت من غير وجه، ويطول ذلك ويقطع مدة كونه الزرع في اتساعها، وطول زمانها الخمسين والستين سنة.
فأما الطريق المختصرة فليست بحجة على صاحبها، إذا ثبت ذلك كما ذكرت لك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، لا أعرف ما يخالفها، ولا ما يعارضها، وبالله التوفيق.

مسألة: يكون له الداران على فيريد رفع غرفة على جداري داريه

مسألة قال سحنون في الذي يكون له الداران عن يمين الطريق ويساره، فيريد أن يرفع على السكة غرفة، أو يتخذ عليها مجلسا على جداري داريه، فقال: ذلك له، وهذا ما لا يمنع منه أحد أن يتخذه، إنما يمنع من الإضرار في التضييق في السكة إذا أدخل عليها ما أضر بها أو يضيقها، فأما ما لا ضرر فيه على السكة، ولا على أحد من المسلمين فلا يمنع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك له، ولا يمنع منه؛ إذ لا ضرر في ذلك على الطريق، ولا على المارين فيه إذا رفع البناء رفعا يتجاوز رءوس المارة فيه من الركبان، ونحو هذا في الزاهي لابن شعبان،

قال: والأجنحة الشارعة ترفع عن رءوس الركبان رفعا بينا، وإذا اختلف البانيان المتقابلان في الفحص فيما يجعل للطريق أو تشاحا، فأراد كل واحد منهما أن يقرب جداره من جدار صاحبه جعلا الطريق سبع أذرع بالذراع المعروفة بذراع البنيان، فإن شاكل واحد منهما فيما يبني ميزابا على الطريق للمطر لم يمنع، وبالله التوفيق.

مسألة: الذين يعتقون على الرجل إذا ملكهم هم أهل الفرائض في كتاب الله

مسألة قال سحنون: الذين يعتقون على الرجل إذا ملكهم هم أهل الفرائض في كتاب الله هم: ولده، وولد ولده من قبل الرجال والنساء، والدراية يلزمه في ولده، وولد ولده، والتغليظ يلزمه في ولده وولد ولده من الرجال والنساء، ولا ينعقد نكاحه في كل ملك هو لهم، وينعقد نكاحهم في ملك هو له، ولا يكون لهم دراية في ماله، ولا يلزمهم تغليظ فيما فعلوا، وحالهم في هذا حال الأجنبي، ولا تجوز شهادته لمن ذكرت من ولده وولد ولده من قبل الرجال والنساء ولا شهادتهم له، وكذلك إذا كان قاضيا، ووقف موقف الشهادة.
قال محمد بن رشد: قوله الذين يعتقون على الرجل إذا ملكهم هم أهل الفرائض في كتاب الله: ولده وولد ولده من قبل الرجال والنساء، كلام غير محصل ولا صحيح؛ لأن قوله الذين: يعتقون عليه إذا ملكهم ولده وولد ولده من قبل الرجال والنساء يقتضي أنه لا يعتق عليه سواهم، ولا اختلاف عند الجميع في أنه يعتق عليه أبواه، ولا في مذهب مالك في أنه يعتق عليه جميع إخوته، فهو كلام خرج على غير تحصيل.
وقوله في ولده

وولد ولده من قبل الرجال والنساء: إنهم أهل الفرائض في كتاب الله تعالى غير صحيح؛ لأن أولاد البنات لا يرثون عند الجميع؛ فليسوا من أهل الفرائض في كتاب الله، وقد وقع هذا اللفظ في المدونة؛ أعني قوله: وهم أهل الفرائض في كتاب الله، إلا أنه ذكره فيها بعد أن ذكر الإخوة فيصح قوله فيها، وهم أهل الفرائض في كتاب الله تعالى بإعادته إلى الآخر أقرب المذكرين إليه دون من سواهم ممن ذكر معهم ممن لا يرث، فكلام سحنون هذا، إنما يصح بإسقاط الذين، وإسقاط هم أهل الفرائض في كتاب الله، ويكون الوجه فيه على ما وقع أنه قاله بعد أن ذكر الآباء والأجداد والإخوة وهم أهل الفرائض، فأراد أن الذين يعتقون على الرجل سوى هؤلاء المذكورين ولده وولد ولده من الرجال والنساء.
وقوله: إنه يعتق عليه ولده وولد ولده من قبل الرجال والنساء، هو ظاهر ما في المدونة، ونص ما في سماع أشهب، من كتاب العتق، وكذلك يعتق عليه أجداده وجداته كلهم من قبل الأم، ومن قبل الأب على ما في المدونة والواضحة وغيرهما، وما في سماع أبي زيد من كتاب الولاء أنه يعتق عليه الجدات الأربع، وقوله: والدراية يلزمه في ولده وولد ولده، معناه أنه يدرأ عنه الحد إن وطئ أمة واحد منهم بالشبهة؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت ومالك لأبيك»، وقوله: والتغليظ يلزمه في ولده وولد ولده من الرجال والنساء؛ يريد أنه يغلظ عليه الدية في جنايته عليهم عمدا، قيل في ماله، وقيل على العاقلة، ويدرأ عنه القصاص إلا أن يعمد إلى ذلك، مثل أن يضجعه فيذبحه، أو يأخذ منه سكينا فيقطع يده، وما أشبه ذلك، وهو مذهب ابن الماجشون.
ووقف ابن القاسم في الجد للأم، ورآه أشهب كالأجنبي في وجوب القصاص منه، فعلى قياس قوله: لا يعتق عليه، وينعقد نكاحه في ملكه، والله أعلم.

مسألة: القاضي يثبت عنده الحق للرجل فيريد أن يسجل له كتابا بما ثبت عنده

مسألة قال سحنون في القاضي يثبت عنده الحق للرجل، فيريد أن يسجل له كتابا بما ثبت عنده بمحضر خروج الإمام غازيا، فيأمر القاضي بأن لا ينظر لأحد إلى انصرافه، فيكون من رأى القاضي الإشهاد والتسجيل لصاحب الحق، فيفعل بعد تقدم الإمام إليه، أذلك له جائز؟ أم لا ترى حكمه ماضيا؟ قال: نعم، أراه لازما ماضيا.
قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هذا بين على ما قال؛ لأنه لم يعزله، وإنما نهاه عن الحكم، والتسجيل ليس بحكم، فله أن يسجل بما قد تقدم حكمه قبل أن يأمره بالتوقف عن الحكم، وفي الواضحة أن الإمام إذا أمر القاضي أن يدع الحكم في أمر قد شرع فيه عنده، فله أن يدع ذلك إن لم يتبين له حق أحدهما، وإن تبين له حق أحدهما، فلا يدع ذلك إلا أن يعزل، وهو قول سحنون، هذا وبالله التوفيق.

مسألة: القاضي يأتيه رجلان بكتاب مكتوب مختوم فيه شهادتهما

مسألة وسألته عن القاضي يأتيه رجلان بكتاب مكتوب مختوم فيه شهادتهما، فيجد في داخله أن فلان ابن فلان أوصى إلى هذين الرجلين الذين أتياه بالكتاب بما كان له من مال أو غير ذلك، أترى للقاضي أن يجيز شهادتهما، ويقرهما على الوصية أم كيف الأمر فيه؟ قال سحنون: أرى أن يقول لهما القاضي أتقبلان الوصية؟ فإن قالا: نعم، لم تقبل شهادتهما، وإن قالا: لا، نقبلها، أمضى شهادتهما في الوصية، ووكل القاضي عليهما من رآه أهلا.

قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا صحيح بين على قياس القول بأنه لا تجوز شهادة الرجل أن الميت أوصى إليه بالنظر في تنفيذ وصيته، وهو المنصوص عليه في المدونة.
قال فيها: لا تجوز شهادة الموصى إليه، وإن كان طالب المال غيره.
وقال فيها أيضا: إن شهادة الشاهدين لا تجوز بأن الميت أوصى لابنه، وإذا لم تجز شهادتهما بأنه أوصى لابنه فشهادتهما بأنه أوصى إليه أحرى ألا تجوز، وقد قيل: إن شهادتهما بذلك جائزة، وهو دليل قوله في المدونة في الذي شهد أن الميت أوصى لقوم بوصايا، وأوصى للشاهد.
قال ابن القاسم: فسمعت مالكا يقول: إن كان الذي شهد به لنفسه تافها يسيرا لا يتهم عليه، فشهادته جائزة، فأجاز شهادته إن كان الذي شهد به لنفسه يسيرا مع أنه أوصى إليه، فعلى هذا تجوز شهادتهما في الوصية قبلاها أو لم يقبلاها، فإن قبلاها نظرا فيها، وإن لم يقبلاها وكل القاضي عليها من رآه أهلا لها، والله الموفق لا رب غيره، تم الكتاب الثاني من الأقضية، بحمد الله.

###: كتاب السلطان

###: ليس للرجل أن يبيع في السوق الذي يجلب إليه الطعام بدون بيع الناس

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا، قال: لا أرى للرجل أن يبيع في السوق الذي يجلب إليه الطعام أن يبيع بدون بيع الناس، قال سحنون: يريد ما يباع من صنف سلعته في جودتها مما قد جرى سعره، وقام على شيء، وليس الرديء من هذا في شيء أن يبيع الجيد بسعر الرديء، ليس ذلك عليه، ولكن ذلك بمثله.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يجوز للرجل أن يبيع الطعام في السوق بدون بيع الناس، معناه بدون بيع الناس في المثمون لا في الثمن، وذلك مثل أن يكون الناس يبيعون مثل ذلك الطعام أربعة بدرهم، فلا يجوز له هو أن يبيع ثلاثة بدرهم، وقد بين ذلك في رسم باع شاة، من سماع ابن القاسم، وهو بين أيضا من تفسير سحنون.
قوله يريد ما يباع من صنف سلعته في جودتها، وليس عليه أن يبيع الجيد بسعر الرديء، يقول: إنه إذا كان الناس يبيعون أربعة بدرهم، وكان طعامه هو أجود من طعامهم، فليس عليه أن يبيع طعامه الجيد بما يبيعون به طعامهم الرديء، وكذلك قال ابن

حبيب: إنما ذلك إذا استوى الطعام أو تقارب، وأما إن اختلف فزاد صاحب الجيد على صاحب الرديء الدرهم والدرهمين في المدي، فلا يمنع من ذلك، وتحديده الدرهم والدرهمين في المدي فيما بين الجيد والرديء إنما هو على ما يعرف بالأندلس من أنه ليس بين قمحها من الاختلاف مثل ما بإفريقية، ولا مثل ما بمكة حيث يجتمع والمحمولة قاله الفضل وهو صحيح، وإذا كان الرديء كان الاختلاف بزيادة اليسير الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك، أقر الأكثر على ما يبيعون، فيضم الأقل إليهم حتى يكونوا كثيرا، فإن كانوا كثيرا قيل للباقين وإن كانوا أكثر منهم: إما أن تبيعوا كما يبيع هؤلاء، وإما أن ترفعوا من السوق، فلا يرد الكثير إلى القليل، ويرد إلى الكثير القليل، والكثير إذا كان الكل قليلا، فالأقل منهم تبع للأكثر إذا كان الأكثر يبيعون أرخص، وإن كان الأكثر هم الذين يبيعون أغلى، ترك كل واحد منهم على ما يبيع، وقد ذهب بعض الناس تأويلا على رواية ابن القاسم هذه، وما كان مثلها أن الواحد والاثنين من أهل السوق ليس لهم أن يبيعوا بأرخص مما يبيع أهل السوق؛ لأنه ضرر بهم.
وممن ذهب إلى ذلك أبو محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادي، وهو غلط ظاهر؛ إذ لا يلام أحد على المسامحة في البيع، والحطيطة فيه، بل يشكر على ذلك إن فعله لوجوه الناس، ويؤجر فيه إذا فعله لوجه الله، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف ليجلدن امرأته خمسين سوطا

مسألة وسئل مالك عمن حلف ليجلدن امرأته خمسين سوطا، قال: لو استشارني السلطان لأمرته أن يمنعه من ضربها، ولأمرته أن يطلقها، ولا آمره أن يجلدها أجعلها به.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن يمينه كانت بطلاق امرأته ليجلدنها خمسين سوطا، فألزمه الطلاق الذي حلف به، ولم يمكنه من البر بضربها خمسين سوطا، وكذلك حكى ابن حبيب في الواضحة أن من حلف بطلاق امرأته ليضربنها أكثر من عشرة أسواط مثل الثلاثين أو نحوها أن السلطان يطلقها عليه إذا كان ذلك لغير شيء تستوجبه، وإن لم يرفع ذلك إليه حتى فعل بر، وعوقب بالزجر والسجن، ولم تطلق عليه إلا أن يكون بها من الضرر آثار كثيرة مشتهر بمثلها من الحرائر، فتطلق عليه للضرر إذا تبين ذلك وتفاحش، ولو حلف بطلاقها ليضربنها العشرة الأسواط ونحوها يريد ويصدق في أنها قد صنعت ما تستوجب به ذلك الأدب، لا أنه يكون له ذلك دون سبب، وكذلك من حلف بحرية عبد ليضربنه ضربا يسيرا دون شيء أذنبه، لم يمكن من ذلك، وقد قال ابن أبي زيد: إنه يمكن من ذلك، وهو بعيد، فلا يصح أن يقال ذلك في الحرة، والله أعلم.
وقول: أجعلها به معناه، أجعل به الطلاق الذي حلف به وألزمه إياه، وكذلك لو كانت يمينه بطلاق امرأة له أخرى، أو بعتق عبده أو ما أشبه ذلك، مما يقضى به عليه، لجعل السلطان ذلك به وحنثه، ولم يمكنه من البر بضرب خمسين سوطا، إلا أن يثبت عليها أنها فعلت ما تستوجب به ذلك، ولو كانت يمينه على ذلك بالله، أو بصيام، أو بمشي، أو صدقة، أو ما أشبه ذلك، مما لا يقضى به عليه إذا حنث فأبت المرأة من المقام معه، مخافة أن يضربها ليسقط عن نفسه بضربها ما حلف به من الصيام أو المشي أو الصدقة أو الكفارة؛ لوجب أن يكون ذلك لها من أجل أنه لا يؤمن على غيبها، وأن يطلقها عليه السلطان طلقة بائنة كالخلع، وقد وقع في بعض الكتب ولأمرته أن يطلقها، ولا آمره أن يجلدها أخلعها به، وهو يتأول على هذا؛ إذ لم يذكر في المسألة يمينه ما هي، وبالله التوفيق.

مسألة: ليس للرجل أن يعطي الحجام شعر رأسه

مسألة قال: وسمعته قال: أكره أن يعطي الرجل الحجام شعر رأسه؛ لأنهم يجعلون منه القصص.
قال محمد بن رشد: يريد أنهم يصنعون منها القصص المنهي عنها في حديث معاوية؛ «إذ خطب الناس بالمدينة، فتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "ينهى عن مثل هذه، وقال: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم»، وهي تشبه الجمة تضعها المرأة التي لا شعر لها على رأسها، ترى أنه شعرها، وقد لعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الواصلة والمستوصلة»، وهذا من ذلك المعنى، فإذا كان الحجام يأخذ منه الشعر ليصنع ذلك منه، فلا ينبغي أن يترك ذلك له، كما قال مالك؛ لأنه فعل ما نهى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن فعله، وذلك ما لا يحل ولا يجوز، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

###: البدوي يقدم فيسأل الحاضر عن السعر هل يخبره

ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل عن البدوي يقدم فيسأل الحاضر عن السعر أترى أن يخبره؟ قال: يكره ذلك، قيل: أفترى أن يشري له؟ قال: لا بأس بذلك، إنما يكره أن يبيع له، فأما الاشتراء له فلا بأس.
قال محمد بن رشد: لم يختلف أهل العلم جميعهم في أن المعنى

عن نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن أن يبيع حاضر لباد، إنما هو إرادة نفع أهل الحاضرة ليصيبوا من أهل البادية بجهلهم بالأسعار، وقد جاء هذا مفسرا في بعض الآثار أنه قال: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض».
فإذا كان المعنى في أنه لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي، إنما هو ليصيب أهل الحاضرة غرة أهل البادية لجهلهم بالأسواق، وجب أن لا يجوز أن يخبروا بالأسعار لما في ذلك من الضرر بأهل الحاضرة في قطع المرفق الذي جعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم في الإصابة منهم؛ لأنهم إذا لم يعلموا السعر لعلهم أن يرضوا بالبيع بأقل من القيمة، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في مذهب مالك، وذهب الأوزاعي إلى أنه لا بأس أن يخبره بالسعر، وإن لم يجز أن يبيع له، وأما أبو حنيفة وأصحابه فذهبوا إلى إجازة بيع الحاضر للبادي، وقالوا: قد عارض النهي عن ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدين النصيحة لكل مسلم» وهذا لا يلزم؛ لأن الخاص يقضي على العام، فقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يبع حاضر لباد» يخصص عموم قوله: «الدين النصيحة»، ويبينه ولا يعارضه، وأجاز مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يشتري له؛ لأن النهي إنما ورد في البيع له، فلم يقس عليه الشراء، ومنع من ذلك ابن الماجشون قياسا على البيع، وإياه اختار ابن حبيب قال: لأن العرب تقول بعت في معنى اشتريت.
قال طرفة: ويأتيك بالأنباء من لم تبع له لتاتا يعني من لم تشتر له زادا.
وقال الحطيئة: وبعت لذبيان العلاء بمالك يقول اشتريت الشرف لقومك بمالك، قال مع أنه قد روي أيضا: «لا يشتر حاضر لباد»، وقول مالك أولى؛ لأن الصحيح في الحديث «لا يبع حاضر لباد»، والسنة إذا عارضها أصل وجب أن تستعمل في موضعها، ولا يقاس عليها.
واختلف قول مالك في أهل البادية الذين لا يجوز للحضري أن يبيع لهم على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهم أهل العمود خاصة دون أهل القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها، وهي رواية أبي قرة موسى بن طارق عنه.
والثاني: أنهم أهل العمود، وأهل القرى دون أهل المدن.
والثالث: أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للجالب، وإن كان من أهل المدن والحواضر، فرأى على هذا القول أن المعنى في النهي إنما هو على أن يبيع الحاضر للباد؛ ولأن قوله: «لا يبع حاضر لباد»، إنما خرج على الأعم في أن أهل البادية هم الذين يجلبون إلى الحاضرة، وهذان القولان في رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا، واختلف أيضا في حكم بيع الحاضر للبادي إذا وقع، وسيأتي القول فيه في رسم يوصي، من سماع عيسى إن شاء الله، وبالله التوفيق.

مسألة: رجل فجر في السوق بغش الميزان

مسألة قال مالك: سألني صاحب السوق عن رجل فجر في السوق، يريد جعل في مكياله زفتا، فأمر به أن يخرجه منه ولا يتركه فيه، وذلك أشد عليه من الضرب.
قال محمد بن رشد: قوله: وذلك أشد عليه من الضرب، يريد أن ذلك أردع لهم؛ لأن أهل الفجور والغش قلما ينكلهم الضرب، وظاهر قوله: أنه يخرج من السوق أدبا له، وإن لم يكن معتادا للغش، خلاف ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن من غش في أسواق المسلمين يعاقب بالسجن والضرب وبالإخراج من السوق إن كان معتادا للغش، ولا يرجع إلى السوق حتى تظهر توبته وتعرف.
وقول ابن حبيب: إن المعتاد للغش، يريد الذي قد أدب عليه، فلم يردعه الأدب عنه، وعاد إليه

يخرج من السوق، ولا يرجع إليه حتى تظهر توبته وتعرف، صحيح إذ لم يخرج من السوق أدبا له، وإنما أخرج لقطع ضرره عن الناس؛ إذ قد أدب فلم ينفع فيه الأدب، وأما إذا أخرج عنه أدبا له من غير أن يكون معتادا للغش على ظاهر قول مالك هذا، فلا يمتنع أن يرد إليه بعد مدة يرجى أن يكون قد تأدب بها، وإن لم تظهر منه توبة.
قال بعض أهل النظر: وإنما يؤدب الغاش بالإخراج من السوق إذا كان لا يمكن أن يرجع إليه دون أن يعرف، وأما إذا كان يمكن أن يرجع إليه، ولا يعرف ذلك لاتساع السوق؛ فإنه يؤدب بالضرب، والأصل في إخراج المعتاد بالغش عن السوق ما جاء من أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إلى أمير الأجناد ألا يتركوا النصارى بأعمالهم في أسواق المسلمين جزارين ولا صرافيين؛ لأنه يخشى من المعتاد للغش أن يغش المسلمين بما ظهر من استباحته له، كما يخشى من النصراني أن يربي مع المسلمين بما يعلم من استحلاله له، وقد قال سحنون قياسا على قول عمر بن الخطاب: إنه يمنع من السوق من لا يبصر البيع من المسلمين حياطة له وللمسلمين، فالذي يغش المسلمين، وقد اعتاد ذلك، وأدب عليه، فلم يردعه الأدب أحق بذلك وأولى، وبالله التوفيق.

مسألة: نهي الناس عن التزوج على الشروط والاكتفاء بالدين والأمانة

مسألة قال مالك: أشرت على قاض منذ دهر أن ينهى الناس أن يتزوجوا على الشروط، وألا يتزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كان كتب بذلك كتابا، وصيح به في الأسواق وعابها عيبا شديدا.
قال محمد بن رشد: يريد الشروط اللازمة بيمين كطلاق الداخلة،

وعتق السرية، وما أشبه ذلك، فهذه الشروط هي التي يكرهها مالك، فإذا وقع النكاح عليها مضى، ولم يفسخ قبل الدخول ولا بعده، ولزم الشرط.
ووجه الكراهة في ذلك أن المرأة قد حطت من صداقها بسبب الشروط، ولا يدرى هل يفعل ذلك الزوج أم لا؟ فأشبه ذلك الصداق الفاسد، وقد روي عن سحنون لهذه العلة أنه نكاح فاسد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويكون فيه الصداق المسمى، وللخروج من هذا الاختلاف يعقد الناس هذه الشروط في صدقاتهم على الطوع، وذلك إذا وقع الشرط في أصل النكاح على تسمية الصداق، وأما إذا أنكحها نكاح تفويض على الشرط، فلا اختلاف في أن النكاح لا يفسخ.
وأما الشروط التي ليست مقيدة بيمين، فهي كلها غير لازمة، ومنها ما لا يفسد به النكاح، ومنها ما يفسد به فيفسخ قبل وبعد، ومنها ما يفسد به فيفسخ قبل ولا يفسخ بعد، ومنها ما يختلف في فساد النكاح بها، ومنها ما يختلف في الفسخ فيه، هل يكون قبل وبعد، أو إنما يفسخ قبل ويقر بعد، وليس هذا موضع ذكرها؛ إذ قد مضت في مواضعها من كتاب النكاح، ومن الشروط المقيدة بتمليك ما يختلف في فساد النكاح بها اختلافا كثيرا، وهي التي تتزوج على أنه إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فأمرها بيدها، أو على إن رأت منه ما تكره فأمرها بيدها، وقد مضى القول على ذلك في سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح في أول رسم منه، وفي رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه، فلا معنى لذكر شيء من ذلك هنا، وبالله التوفيق.

مسألة: التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن

مسألة وسئل عن التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن، فقال: لا

بأس بذلك، وليس هذا مثل الذي يغشون به، وقد أخبرت أن أصحاب السفن يعملون ذلك عندما يحملون، ولم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا بأس به؛ لأنه إنما يفعل للإصلاح، لا للغش والفساد، ومثله ما في سماع أشهب بعد هذا من طرح الماء في اللبن لاستخراج زبده، ومن طرح الماء في العصير ليتعجل به تحليله، ومضى مثله أيضا من قول مالك في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.

مسألة: صاحب السوق يريد أن يسعر على الناس السوق

مسألة وسئل مالك عن صاحب السوق يريد أن يسعر على الناس السوق، فيقول لهم: إما بعتم بكذا وكذا، بسعر يسميه لهم، وإما قمتم، قال: لا خير في هذا.
قيل له: إنه يأتي الرجل يكون طعامه ليس بالجيد، وقد بدل سعرا فيقول لغيره: إما بعتم مثله، وإما رفعتم، قال: لا خير في ذلك، ولكن لو أن رجلا أراد بذلك فساد السوق، فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس وإلا رفعت، فأما أن يقول للناس كلهم، فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل أيلة حين حط سعرهم لمنع البحر، أن كتب في ذلك أن خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا بأس به، أما الجلاب فلا اختلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع، وإنما يقال لمن

شذ منهم، فحط من السعر، أو باع بأغلى مما يبيع به عامتهم: إما أن تبيع بما يبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق، كما فعل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق، فقال له: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا؛ لأنه كان يبيع بالدرهم أقل مما كان يبيع به أهل السوق، وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلاب وغيرهم جملا، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلاب لا يسعر عليهم شيء من بياعتهم، وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبع الناس، وإما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية، في رسم باع شاة، من سماع عيسى.
وممن روي ذلك عنه من السلف عبد الله بن عمر، وقيل: إنهم في هذا بخلاف الجلاب، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا غلوا على الناس ولم يقنعوا من الربح بما يشبه، كان على صاحب السوق الموكل على مصلحته أن يعرف بما يشترون، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم كيف ما تقلب السعر من زيادة أو نقصان، فمن خالف أمره عاقبه بما يراه من الأدب، وبالإخراج من السوق إن كان معتادا لذلك مستسرا به، وهو قول مالك في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقاله من السلف جماعة منهم: سعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب الليث، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل، وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون به،

مثل أن يقول لهم: تربحون في المدي كذا وكذا، فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح؛ إذ قد يفعلون ذلك، ويتساهلون فيه؛ إذ لا ينتقصهم بذلك من ربحهم شيئا، وإذا علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على ما يعلم من مبلغ السعر، وقال لهم: لا سبيل لكم أن تبيعوا إلا بكذا وكذا، فلا تشتروا إلا على هذا، وهو قول مالك في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب: ليس بأيديكم شيء تعتلون به، اشتروا على ثلث رطل يسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل يسعره عليكم من الإبل؛ لأن ذلك إنما يجوز له أن يفعله إذا علم أنهم يتساهلون في الشراء، ويزيدون على القيمة، ويقولون له: لا حجة لك علينا؛ إذ لا نربح أكثر مما سميت لنا، فهذا تأويل الرواية، والله أعلم.

مسألة: خمر تعمل من القز ثم يبل لها الخبز فيرش عليها لتشتد وتصفق

مسألة وسئل عن خمر تعمل من القز، ثم يبل لها الخبز، فيرش عليها لتشتد وتصفق.
قال: لا خير في هذا، هذا غش ولا يعجبني.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إن ذلك من الغش؛ لأن المشتري يظن أن شدتها إنما هو من ذاتها وصفاقة نسجها، فإن علم المشتري أنها مرشوشة بماء الخبز، وأن ذلك يشدها ويصفقها لم يكن له كلام، وإن لم يعلم أنها مرشوشة بذلك كان بالخيار بين أن يمسك أو يرد، فإن فاتت ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن، وكذلك إن علم أنها مرشوشة بذلك، ولم يعلم أن ذلك يشدها ويصفقها.
وسيأتي في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب نحو هذا، وهذا على ما قاله ابن حبيب من أن ما يصنعه حاكة الديباج من تصميغها غش؛ لأنه وإن كان التصميغ لا يخفى على المشتري، فقد يخفى عليه قدر ما أحدث فيه من الشدة

والتصفيق، وقد قال في الفراء يترب وجوه الفراء ليحسنها، ويغيب ما فيها من العيوب أن المشتري إن علم بتتريبها، فليس له ردها إلا أن يجد بها عيبا.
وقاله ابن القاسم في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب العيوب؛ لأنه رأى تأثير التتريب غير خاف على من علم التتريب، بخلاف التصميغ، والله أعلم، ومما يشبه هذا ما قاله ابن حبيب أن من الغش ما يفعل النعال من تغليظهم حواشيها قبل أن تحذا ليواروا بذلك رقتها، ويزيدوا في تحسينها.
قال: وعلى الإمام العادل تأديب من فعله، وللمشتري أن يرد ما اشترى منها قبل حذوها وبعد حذوها، والله الموفق.

مسألة: الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة ويشترط عليه نفقتها سنة

مسألة وسئل عن الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة من الرجل، ويشترط عليه نفقتها سنة، وأن له عليه إن ماتت الدابة أخذ ذلك منه، أو باعهما أو ماتتا، فذلك له عليه ثابت، وإن بقيت إلى ذلك، فهو حقه استوفاه منه، قال: لا بأس بذلك.
أنكرها سحنون.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب جامع البيوع، ومضى القول عليها هناك مستوفى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

###: تلقي الركبان

ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن النفر من التجار يخرجون إلى الريف، فيشترون أغناما فيأتون بها قريبا من الفسطاط على قدر الميل ونحوه، فيجعلونها في مراعٍ ترعى فيه، ويشتد عليهم دخولها

الفسطاط، ويكون ذلك أرفق بهم، فيدخل الرجل المدينة، فيدعو رجلا منهم يأمنه فيبيعه إياها، ثم يدخل المشتري لها قليلا قليلًا فيبيعها هو، قال: إني أخاف أن يكون من التلقي، وعندنا رجال يفعلونه ببلدنا؛ قلت له: أفتكرهه؟ قال: نعم، أكره أن يعمل به، وأراه من تلقي السلع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك من تلقي السلع؛ لأن المعنى في النهي عن تلقي السلع عند مالك، إنما أريد به نفع أهل الحاضرة، كما أريد بالنهي عن أن يبيع حاضر لباد نفع أهل الحاضرة بأن يكون البادي والجالب هو المتولي البيع في السوق على ما هو عليه من الجهل بالسوق، فيشتري أهل الحاضرة منه في السوق بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، فإذا باع الغنم الجالب لها من رجل من أهل الحاضرة قبل أن يصل إلى السوق، فكان هو الذي يقوم بها ويبيعها على معرفة، فقد قطع عن أهل الحاضرة الحق الذي جعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم في ذلك، والله الموفق.

مسألة: العبد يشكو العزبة فيسأل سيده أن يبيعه لذلك

مسألة وسئل عن العبد يشكو العزبة، فيسأل سيده أن يبيعه لذلك، ويقول: قد وجدت موضعا، قال: ليس ذلك على سيده، ولو جاز ذلك لقال ذلك الخدم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه ليس على الرجل واجبا أن يبيع عبده ممن يزوجه إذا سأله ذلك وشكا العزبة، وإنما يرغب في ذلك، ويندب إليه، وليس امتناعه منه من الضرر الذي يجب به بيعه عليه، كما ليس عليه أن يزوجه واجبا إذا سأله ذلك؛ لأن قول الله تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ليس على الوجوب، إنما هو أمر بالإنكاح على سبيل الحض والترغيب، وإنما يباع عليه إذا تبين ضرره به في تجويعه وتعريته وتكليفه من العمل ما لا يطيق، وضربه في غير حق، إذا تكرر ذلك منه، أو كان شديدا منهكا.
وسيأتي هذا المعنى في رسم حلف ليرفعن أمرا، ورسم صلى نهارا، وفي سماع أصبغ، عن أشهب، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، والله أعلم.

مسألة: الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد

مسألة وسئل مالك عن الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد، قال: أما ما كان خفيفا، فلا بأس به، وأما الشيء يطول فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن المساجد إنما وضعت لذكر الله والصلاة، قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: 36] ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] فواجب أن ترفع وتنزه عن أن تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رحبة بناحية المسجد، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، وكان عطاء إذا مر به بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه، وما يريد، فإذا أخبره أنه يريد أن يبيعه، قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا هل يرده

مسألة وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا؛

أترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق، إنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش، فنهيته عن ذلك.
وسئل مالك عما يغش من اللبن، أترى أن يراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين من غير ثمن إذا كان هو الذي غشه.
قيل له: فالزعفران أو المسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه، فأراه مثل اللبن.
وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسا، وأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك أن يحرق الزعفران المغشوش، ولا أن يراق اللبن المغشوش بالماء على الذي غشه، قال في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: وأرى أن يضرب من أنهب أو انتهب، وأرى أن يتصدق بذلك على المساكين أدبا له، وسواء على مذهبه كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك، والمسك قليله كثير، وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا اختلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا بذلك، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران على الذي غشه، يباع ممن يؤمن أن يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش الذي غشه.
وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك على الغاش إلا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك؛ لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال،

والعقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في مانع الزكاة: «إنما آخذها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا»، وما روي عنه فيه: «حريسة الجبل أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال»، وما روي عنه من «أن من أخذ بصيد في حرم المدينة شيئا، فلمن أخذه سلبه»، ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا، والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير، وبالله التوفيق.

مسألة: أصحاب القلانس يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به

مسألة وسئل عن أصحاب القلانس، يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به، أو يجعلونه من تحته، قال: لا خير في هذا، وأراه من الغش، فقيل له: فالقطن الخلق مع الجديد، قال: لا خير فيه.
قيل له: فإن أهل الحار يقدمون علينا بالقمح مغلوثا، يريد الكثير التبن، فيؤمرون بغربلته قبل أن يبيعوه، قال: هو من الحق، قال: وأرى أن يؤخذ الناس به.
قال محمد بن رشد: أما خلط الصوف مع القطن، أو القطن الخلق مع الجديد، أو جعله من تحته في القلانس أو غيرها، فلا إشكال في أن ذلك من الغش الذي لا يحل ولا يجوز، ولو اشترى رجل قلنسوة فوجد

حشوها صوفا؛ لكان له أن يردها، وكذلك لو وجد حشوها قطنا باليا إلا أن تكون من القلانس التي العرف فيها أنها لا تحشى إلا بالقطن البالي، فلا يكون له أن يردها على قياس ما قال في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب، في الذي يشتري القلنسوة السوداء فيجدها من ثوب ملبوس، وقد مضى القول على ذلك هناك، وأما غربلة القمح من التبن والغلث عند البيع، فذلك واجب إن كان التبن والغلث فيه كثير، يقع في أكثر من الثلث؛ لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر، ويستحب إن كان التبن والغلث فيه يسيرا، وبالله التوفيق.

مسألة: البساتين تكون حوالي الفسطاط يشتريها التجار ويبيعونها في الفسطاط

مسألة وسئل مالك عن أجنة النخيل والأعناب التي تكون حوالي الفسطاط، فيخرج التجار إليها فيشترونها، ويحملونها في السفن فيبيعونها في الفسطاط، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا خلاف قوله في رواية أشهب عنه في أول سماعه بعد هذا، مثل قول أشهب فيه من رأيه، ولكلا القولين وجه: فوجه قول مالك هذا اتباع ظواهر الآثار في أنها إنما وردت في تلقي الجلب قبل وصوله، ووجه قول أشهب مراعاة معنى الآثار في أن المعنى فيها نفع أهل الحاضرة، بأن يتولى الجالب إليها بيع ما يجلب، فيبيع بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، علم سعر الحاضرة أو جهله، وبالله التوفيق.

مسألة: الطحانون يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس هل يمنعون

مسألة وسئل مالك عن الطحانين يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس، قال: أرى أن كل ما أضر بالناس في أسعارهم أن يمنعه الناس، فإن أضر ذلك بالناس منعوا منه.
قال محمد بن رشد: في شراء الطحانين الطعام جملة من الجلاب، وبيعه على أيديهم دقيقا، رفقا بعامة الناس؛ لمشقة الطحين عليهم إذا اشتروا القمح، فإن كان ذلك يغلي عليهم الأسعار، فالواجب أن ينظر السلطان في ذلك، فإن كان لا يفي المرفق الذي للعامة في ذلك بما يغليه من أسعارهم منع من ذلك، وإن كان يفي به أو يزيد عليه فيما يراه باجتهاده لم يمنع من ذلك، وأما شراء أهل الحوانيت الدقيق من الجلاب وبيعه على أيديهم من الناس، وشراء الطعام وبيعه على أيديهم غير مطحون، فلا وجه من الرفق في ذلك لعامة الناس، فينبغي أن يمنع من ذلك إذا كان فيه تغلية للأسعار، ويباح إذا لم يضر ذلك بالأسعار على مذهب من يجيز فيه الاحتكار، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وعليه يأتي إباحة ذلك في رسم يسلف بعد هذا، وقد قال ابن حبيب: إنه يمنع من ذلك في كل ما لا يجوز احتكاره من الطعام، وقد مضى تحصيل الاختلاف فيما يجوز احتكاره من الطعام مما لا يجوز في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.

###: لبس الحزام للأنباط

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك عن الحزم للأنباط؛ أترى أن يلزموا ذلك؟ قال: إني أحب لهم الذلة والصغار، فقال: قد كانوا يلزمون ذلك فيما مضى.
قيل له: أفيكنون؟ قال: إني لأكره أن نرفع بهم، وقد كان قبل ذلك يرخص فيه.
قال ابن القاسم: وأنا أرجو أن

يكون خفيفا.
وحدثني مالك، عن هشام بن حكيم بن حزام مثل ما حدثني به أول، قال كان عمر بن الخطاب إذا سئل الأمر الذي لا ينبغي يقول: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك، وقال هشام لبعض أمراء الشام وقد رأى نبطيا قد أقيموا في الشمس لخراجهم، فقال لهم: أشهد لسمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا»، وكان هشام قد تبتل وترك نكاح النساء، وكان في حاله شبيها بالسياحة، لا أهل له ولا مال.
قال محمد بن رشد: ما رأى مالك من أن يلزم الأنباط الحزم صحيح لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من استحباب الذلة والصغار لهم؛ لقوله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
والثاني: أن يعرفوا بذلك من المسلمين حتى لا يبدءوا بالسلام؛ لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن ذلك، على ما جاء من أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنا راكبون غدا إن شاء الله إلى يهود، فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم»، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها»، وقال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا كانت لك حاجة إلى النصراني الكحال، فأتيته أن تبدأه بالسلام، قال عبد

الملك: هي رخصة عند الاضطرار، وكذلك ينبغي في سائر أهل الذمة من اليهود والنصارى أن يلزم النصارى منهم الحزم، واليهود علامة يعرفون بها، إذلالا لهم وصغارا، وحذرا للمسلمين من أن يظنوهم من المسلمين فيبدءوهم بالسلام.
روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يختموا في رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الآكاف عرضا، ولا يدعونهم يشبهون المسلمين في لباسهم، وكراهيته لتكنيتهم صحيح أيضا؛ لأن تكنيتهم إكرام لهم، وترفيع بهم، وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وإصغارهم لمحادتهم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].
وترخيصه قبل ذلك في ذلك قريب من كراهيته لذلك؛ لأن الترخيص إنما يكون في المكروه لا في المباح، وكذلك قول ابن القاسم: وأنا أرجو أن يكون خفيفا هذا نحو قول مالك من أجل أن المكروه لا إثم في فعله، ويؤجر تاركه على تركه، ولا حجة لأحد في إباحة ذلك دون كراهة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصفوان بن أمية: «انزل أبا وهب»؛ لأنه إنما قال له ذلك استئلافا له رجاء إسلامه، وكذلك قوله للذي كان يقبل عليه بحديثه من عظماء المشركين؛ إذ دخل عبد الله بن أم مكتوم: «يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسا؟» لأنه إنما أقبل عليه بحديثه وكناه رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه، وإنما تكون تكنية الكافر مباحة إذا لم يقصد بذلك ترفيعه، وكانت الكنية كالاسم الذي يعرف به، وقد قال الله في كتابه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1]، فذكره بكنيته، ولم يكن ذلك ثناء من الله عليه بذلك، ولا ترفيعا له، بل مقته بذلك، وأوعده بما أوعده به، وبالله التوفيق.

مسألة: الأدب للناس في حلفهم بالطلاق

مسألة وسئل عن الأدب للناس في حلفهم بالطلاق، فقال: لقد سألني زياد عن الذي سألتني عنه، فقلت له: إنه الناس عن ذلك، فقال لي: إنهم لن ينتهوا إلا أن أضربهم، فقلت له: فافعل، اضربهم.
قال محمد بن رشد: الأدب في ذلك واجب لوجهين؛ أحدهما: ما ثبت من قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وما روي عنه أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق والعتاق، فإنهما من أيمان الفساق»، ذكر ذلك ابن حبيب في الواضحة.
والثاني: أنه من اعتاد الحلف به لم يكد يخلص من الحنث به، فتكون زوجته تحته مطلقة من حيث لا يشعر، وقد قال مطرف وابن الماجشون: إن من لزم ذلك واعتاده فهو جرحة فيه، وإن لم يعرف حنثه، وقيل لمالك: إن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب في ذلك عشرة أسواط، فقال: أحسن إذ أمر فيه بالضرب، وروي أن عمر كتب أن يضرب في ذلك أربعين سوطا، وبالله التوفيق.

مسألة: إتلاف الخمر لأهل الذمة

مسألة قال سحنون: وحدثنا ابن القاسم قال: حدثنا مالك أن أبا أيوب الأنصاري نزل منزلا من قرى الشام وكان فيها مواليه، وكان ينهى عن الخمر فمرت به قطار تحمل الخمر، فقام إليها برمحه فبعج تلك الزقاق التي فيها الخمر فذهب ما فيها، فقال صاحب

تلك الأرض: يا أبا أيوب، إن هذا يكسر خراجها، فقال أبو أيوب: لن أسكنها وخرج عنها.
قال محمد بن رشد: كان القطار التي مرت بأبي أيوب لأهل ذمة تلك القرية، والله أعلم، وإنما بعجها لإظهارهم الخمر في قرية يسكنها المسلمون معهم، وهذا هو الواجب ألا يباح لأهل الذمة إظهار الخمر والخنازير في موضع يسكنها المسلمون معهم، إلا أن يكونوا هم الغالبين عليهم، وإنما معهم من المسلمين الواحد والاثنان والقليل.
وذلك فيما بعد من الحاضرة على ما يأتي بعد هذا، في رسم البيوع الثاني، من سماع أصبغ، وكذلك لا يباح لهم أن يحملوها من قرية من قراهم إلى قرية من قراهم، إلا بعد أن لا يسلكوا بها على شيء من حواضر الإسلام وقراهم.
وما ظهر إلى الإمام من خمرهم، فعليه أن يهرقها ويضرب حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم رجل سكران في جماعة المسلمين كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك يمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم واستسقائهم في جماعة المسلمين، فإن فعلوا كسرها وضربهم، قاله ابن حبيب وغيره.
وقول صاحب الأرض لأبي أيوب: إن هذا يكسر خراجها، يقول: إذا فعل هذا بأهل القرية ضعفوا عن أداء ما لزمهم من الخراج، فأحفظه قوله غضبا لله، وحلف ألا يسكنها تنزها عن سكنى موضع تظهر فيه الخمر وتورعا عن ذلك رحمة الله عليه ورضوانه.

مسألة: البيع على الوصف

مسألة وسئل عن الرجل يبيع البز والطعام والغنم، وغير ذلك من

السلع، فإذا كان ذلك على مسيرة اليوم واليومين جاءه خبر ذلك وصفته، فيخبر الناس بذلك فيقول له رجل بعينه: أفترى ذلك جائزا؟ قال: لا أراه جائزا، وأراه من التلقي، قيل له: فالبز من هذا.
قال: نعم، البز مثل الطعام، ولا ينبغي أن يعمل في أمر واحد بأمرين مختلفين، وأكره ذلك، وأراه من تلقي السلع، ولا أرى أن يباع حتى يقدم به.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة كالمعنى في أول مسألة من رسم شك في طوافه، وقد مضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: حكم نفخ اللحم كما يصنع الجزارون

ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل مالك عن نفخ اللحم كما يصنع الجزارون، فقال: إني لأكرهه، وأرى أن يمنعوا، وهو يغير طعمه، وقال أشهب في كتاب العتق: سمعت مالكا يقول: أرى أن يؤدب الجزارون الذين ينفخون اللحم، وأرى أن يمنعوا من ذلك.
قال محمد بن رشد: يعني بهذا النفخ، النفخ بعد السلخ الذي إنما يفعلونه ليظهر اللحم به سمينا، فيكره لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من أنه يغير طعم اللحم.
والثاني: أنه من الغش المنهي عنه في البيوع؛ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من غشنا فليس منا»، أي ليس على هدينا وطريقتنا، ولو اشترى

المشتري اللحم المنفوخ، ولم يعلم أنه منفوخ؛ لكان له أن يرده من ناحية الغش، ومن ناحية تغيير رائحته أيضا، ورده من جهة الغش أبين.
وأما نفخ الذبيحة قبل السلخ، فلا كراهة فيه؛ لأنه يحتاج إليه، وفيه صلاح ومنفعة، وبالله التوفيق.

مسألة: الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم هل تغير

مسألة وسئل مالك عن الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم، أترى أن تغير؟ فقال: بل أرى أن تترك، وأرى في ذلك رفقا للناس، حتى إن الرجل ليأتي بالدرهم الوازن، فما يعطى به إلا شبه ما يعطى بالناقص، والمرأة تأتي بغزلها وما أشبهه، فأرى أن يتركوا ولا يمنعوا، وهو مرفق بالناس.
قال محمد بن رشد: رأى تغيير الدراهم الناقصة ومنع الناس من التجارة بها تضييقا على الناس؛ لأنهم يتسامحون فيها، فإن قطعت بارت على الناس، فلم ينتفعوا بها، ولا سومحوا فيها، والمسامحة في البيع والشراء محمودة، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رحم الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، سمحا إن قضى سمحا، إن اقتضى...»، وقوله: والمرأة تأتي بغزلها يريد أن المرأة قد تأتي بغزلها تبيعه، وتأخذ الدينار الناقص لجوازه بجواز الوازن، أو قرب ما بينهما، فإن غيرت النواقص وقطع التجر بها بار عليها دينارها الناقص الذي أخذته في مغزلها، فأضر ذلك بها، فليس للإمام أن يمنع الناس من أن يتجروا بالناقص، ويأخذوه باختيارهم، ولا له

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: المخالطة التي يستوجب بها المدعي على المدعى عليه اليمين ما هيمسألة: الملد من الخصوم يعاقبمسألة: الرجل يحضر ببينة أيوقعها له القاضي بغير محضر الخصممسألة: قامت المرأة طالبة النفقة على مال زوجها فيحكم لها بالنفقة وهو غائبمسألة: الرجل إذا أوجب نفقة أبوية أواجب عليه أن يضحي عنهمامسألة: القاضي يشهد عند ابنه أو ولد ولده على رجلمسألة: القوم يكونون في المنزل فيحجر الرجل على حق له وأرض يغرسهامسألة: يكون له الداران على فيريد رفع غرفة على جداري داريهمسألة: الذين يعتقون على الرجل إذا ملكهم هم أهل الفرائض في كتاب اللهمسألة: القاضي يثبت عنده الحق للرجل فيريد أن يسجل له كتابا بما ثبت عندهمسألة: القاضي يأتيه رجلان بكتاب مكتوب مختوم فيه شهادتهمامسألة: حلف ليجلدن امرأته خمسين سوطامسألة: ليس للرجل أن يعطي الحجام شعر رأسهمسألة: رجل فجر في السوق بغش الميزانمسألة: نهي الناس عن التزوج على الشروط والاكتفاء بالدين والأمانةمسألة: التبن يجعل تحت القمح عندما يخزنمسألة: صاحب السوق يريد أن يسعر على الناس السوقمسألة: خمر تعمل من القز ثم يبل لها الخبز فيرش عليها لتشتد وتصفقمسألة: الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة ويشترط عليه نفقتها سنةمسألة: العبد يشكو العزبة فيسأل سيده أن يبيعه لذلكمسألة: الرجل يكتب ذكر الحق في المسجدمسألة: الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا هل يردهمسألة: أصحاب القلانس يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه بهمسألة: البساتين تكون حوالي الفسطاط يشتريها التجار ويبيعونها في الفسطاطمسألة: الطحانون يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس هل يمنعونمسألة: الأدب للناس في حلفهم بالطلاقمسألة: إتلاف الخمر لأهل الذمةمسألة: البيع على الوصفمسألة: الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم هل تغير
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل