كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أن يمنعه وأن يبيعه، وعلى هذا يحمل قوله في المجموعة لا يجوز بيع ذلك، وإن كان احتفرها لنفسه، كان له أن يمنعه وأن يبيعه، وعلى هذا يحمل قوله في المدونة أكره بيع ماء بئر الماشية، وقوله في هذه الرواية: لاتباع مياه المواشي؛ معناه لا يباح لأربابها بيعها، ولا يصدقون في أنهم احتفروها لأنفسهم، فعلى هذا التأويل تتفق الروايات، وهو أولى من حملها على التعارض، والله الموفق.
###: لا يمنع نقع بئر ولا يمنع رهو ماء
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب العرية قال عيسى: وسألته عن رجل له ماء يسقي به، وفي الماء فضل يجري على قوم تحته في أرضهم فغرس الذي تحته على ذلك الماء غروسا، ثم بدا لهذا الذي له أصل الماء أن يحفر له بركا يحبسه فيها عنهم، قال: ليس له ذلك أن يحبسه عنهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ليس له أن يحبسه عنهم لوجوه ثلاثة؛ أحدها: قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يمنع نقع بئر، ولا يمنع رهو ماء»؛ لأن من أهل العلم من حمله على عمومه في جميع المياه كلها كانت متملكة، أو غير متملكة، فلم يجيزوا لأحد أن يبيع فضلة مائه، ولا أن يمنعه بحال، وهو قول يحيى بن يحيى في رسم أول عبد ابتاعه، من سماع يحيى بعد هذا، ومنهم من تأوله في الماء يكون بين الشريكين يسقي هذا يوما وهذا يوما، فيروي أحدهما زرعه أو نخله في بعض يومه، فليس له أن يحبس الماء عن صاحبه بقية يومه، وهو معنى هذه المسألة، فهو في حبسه
عنهم على هذا الوجه داخل تحت النهي على كلا التأويلين.
والثاني قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا ضرر ولا ضرار»؛ لأن من الضرر البين أن يمنعه ما لا حاجة له به فيضر به فيما لا منفعة له فيه، وقد قيل: إن هذا هو الضرر؛ إذ قد اختلف في الضرر والضرار، فقيل: إنهما اسمان لشيء واحد، وهو أن يضر الرجل بأخيه على وجه من الوجوه، وإن كان بعضه أشد من بعض، وقيل: إن الضرر هو أن يضر بأخيه فيما له فيه منفعة، والضرار أن يضر به فيما لا منفعة له فيه، أو فيما عليه فيه مضرة، وقيل: إن الضرار إنما هو أن يضر بأخيه فيما عليه فيه مضرة، فيكون قد أضر بنفسه وبغيره، والضرر ما عدا ذلك بأن يضر به فيما له فيه منفعة، أو فيما لا منفعة له فيه.
والثالث: أنه لما تركه يغرس على فضل مائه، فقد تعين له بذلك حق فيه، فليس له إذا استغنى عنه أن يحبسه عنه، ولا أن يبيعه إلى أن يحفر بئرا أو يستنبط عينا على ما يأتي بعد هذا في رسم البراءة، ويجري هذا على الاختلاف في السكوت هل هو كالإذن أم لا، وأما إن غرس على فضل مائه دون علمه، فله أن يبيعه إن وجد له ثمنا، ويكون هو أولى بالثمن الذي يبيعه به على ما قاله عيسى بن دينار بعد هذا في رسم البراءة، إلا على قول من لم يجز بيع الماء على حال، وليس له أن يحبسه عنه إذا لم يحتج إليه، ولا وجد له ثمنا لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن الضرر والضرار، وعن منع نقع البئر، ورهو الماء، وبالله التوفيق.
مسألة: الماء يكون بين الرجلين يعمل أحدهما ويأبى الآخر
مسألة وسئل عن الماء يكون بين الرجلين يعمل أحدهما، ويأبى
الآخر، فلما عمل نصف العمل أتاه الذي أبى أن يعمل فقال: أنا أعمل الساعة معك، فإن خرج الماء أعطيتك نصف ما أنفقت، وإلا فلا شيء لك، قال: ليس ذلك له، ولا يعمل معه حتى يعطيه نصف ما عمل، ويستقبل العمل معه فيما بقي خرج الماء أو لم يخرج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إنما كان مخيرا من أول بين أن يعمل معه أو يتركه يعمل، فيكون أحق بالماء إن كان انقطع جميعه أو بما زاد بعمله، إن كان لم ينقطع جميعه حتى يأتيه بنصف ما أنفق، فإذا أبى أن يعمل معه حتى عمل بعض العمل، فليس له أن يعود إلى العمل معه حتى يعطيه نصف ما عمل، ألا ترى أنه لو قال له من أول: اعمل نصف العمل وحدك، وأنا أعمل معك النصف الباقي، فإن خرج الماء أعطيتك نصف ما عملت وحدك، وإلا لم يكن لك علي شيء لم يكن ذلك له إلا برضاه، فكذلك إذا أراد أن يعمل معه بعد أن عمل وحده نصف العمل لم يكن ذلك له، إلا أن يعطيه نصف ما عمل، وهذا بين إن شاء الله عز وجل، وبه التوفيق.
###: تفقعت الأرض في جنانه عن عرق من أصل الشجرة في جنان آخر
ومن كتاب الثمرة وسئل ابن القاسم عن الرجل تفقعت الأرض في جنانه عن عرق من أصل الشجرة في جنان آخر، لمن يكون ذلك العرق؟ قال ابن القاسم: إن كان فيه لصاحب الشجرة منفعة إن قلعه،
غرسه في مكان آخر، فذلك له أن يفعله، وإن كان ليس له فيه منفعة، ولا عليه فيه مضرة، فهو لصاحب الأرض، إلا أن يكون قد بلغ، فهو إن قلع كان له ثمن لخشبه أو حطب، فإنه إن كان كذلك كان له على صاحب الأرض ثمنه مقلوعا، قال عيسى: إلا أن يكون إقراره بحاله مضرا بأصل الشجرة التي هو منها، فلا يكون ذلك له إلا برضا من صاحب الشجرة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، وقول عيسى تفسير لقول ابن القاسم وتتميم له، قال ابن القاسم في المجموعة إلا أن يشاء الذي ظهرت في أرضه أن يقطع عروقها المتصلة بشجر الأول حتى لا يضر بها، ويعطيه قيمتها مقلوعة فذلك له، وهو أيضا تفسير لقول عيسى بن دينار وتتميم له، فالمسألة كلها بينة صحيحة ليس فيها اختلاف ولا كلام، ومن حقه أن يقطع عروقها المتصلة بها، وإن أضر ذلك بالشجرة التي هي منها؛ لأن له أن يقطع ما دخل في أرضه من عروق شجر غيره كما له أن يقطع ما دخل في هواه من أغصان شجر غيره.
###: المعاملة في الرحى الخربة أو في موضعها من الأرض بجزء منها
ومن كتاب أوله رجل شهد على شهادة ميت وعن رحى بين ورثة قد خربت، فيقول الورثة لرجل منهم: اعملها مناصفة، فإذا طحنت فلك النصف ولنا النصف، فعملها حتى طحنت، هل يحل له النصف؟ أو يكون له قيمة ما عمل؟ قال ابن القاسم: إن كانوا إنما يريدون نصف الغلة فلا يحل، وهو
حرام، وإن كان إنما يريدون أن للعامل نصف الأرض ونصف الرحى فلا بأس به إذا كان عمل الرحى محدودا معلوما.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أحفظه في أن المعاملة في الرحى الخربة أو في موضعها من الأرض بجزء منها [جائز] إذا كان العمل محدودا معروفا كالمغارسة في الأرض بجزء منها قياسا على ما جوَّزته السنة من المساقاة، وليست بإجارة منفردة ولا بجُعْل منفرد، وإنما هي سنةٌ على حيالها، وأصلٌ في نفسها أخذت بشبهة من الإجارة والجعل فهي تشبه الإجارة في لزومها بالعمد، وتشبه الجعل في أن العامل لا يجب له شيء حتى تطحن الرحى، فإن تلف البنيان قبل ذلك بهدم أو غيره حتى لم يبق منه شيء كانت مصيبته منه، ولم يكن من حقه أن يعيده ثانية، ولا لرب الأصل أن يلزمه ذلك، وإن كان بقي منه شيء كان من حقه أن يعيده ثانية، ولم يكن لرب الأرض أن يلزمه ذلك إن أباه، ولا اختلاف أيضا أحفظه في أن المعاملة على بناء الرحى الخربة بجزء من الغلة دون الأصل لا تجوز ولا تحل؛ لأنه غرر؛ إذ قد «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الغرر» فإن وقع ذلك وأدرك قبل العمل فسخ، وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد العمل كان للعامل أجرة مثله فيما عمل، وكان عليه رد ما اغتل، وبالله التوفيق.
###: يسدوا مصرف الوادي عن مرج الآخرين حتى يرجع إليهم
ومن كتاب النسمة وسئل ابن وهب عن القوم يكون لهم مرج يزرعون فيه، وللمرج وادٍ فإذا كانت السيول سقاء مرجهم وإن ذلك الوادي
انصرف عن مرجهم إلى مرج غيرهم فهل [يحل] لهم أن يسدوا مصرف الوادي عن مرج الآخرين حتى يرجع إليهم؟ قال: إن كان الماء دخل أرضهم قبل أن ينصرف فهم أولى به حتى يسقوا به ما عندهم ثم يسرحوا الفضل إلى إخوانهم حتى يسقوا ما عندهم، وإن كان الماء إنما انصرف عنهم قبل أن يدخل شيئا من أرضهم فلا أرى لهم أن يقطعوه عن إخوانهم إلا أن يكون فيه سعة لهم جميعا؛ لأن الماء غيث يسوقه الله إلى من يشاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: 50] يريد المطر، فإذا صرفه الله إلى قوم فلا ينبغي لأحد أن يقطعه دونهم إلا أن يكون ذلك الماء وقع في أرضهم فهم أولى به حتى يسقوا ما عندهم، فأما أن ينقلوه من مكان بعيد فيصرفوه إليهم دون من هو أقرب إليه منهم فلا، قال ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة، والأصل فيها قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سيل مهزور ومذينب: «يمسك الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل»؛ لأنهما واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر، فقوله في هذه الرواية فهم أولى به حتى يسقوا ما عندهم يريد والحد في ذلك أن يبلغ الماء في مرجهم إلى الكعبين على ما جاء في الحديث، وقد اختلف إذا بلغ الماء إلى الكعبين هل يرسله كله إلى من تحته أو لا يرسل إليه منه إلا ما زاد على الكعبين؟ فقال ابن
القاسم: يرسل جميعه، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يرسل منه إلا ما زاد على الكعبين، وهو الأظهر، وروى [علي بن] زياد عن مالك أن معنى الحديث أن يُجري الأول الذي هو أقرب إلى الماء من الماء في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد الكعبين حتى يروى حائطه، ثم يفعل الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء، قال: وهذه السنة فيهما وفيما يشبههما مما لا حق فيه لأحد بعينه أن الأول أحق بالتبدئة، ثم الذي يليه إلى آخرهما رجلا، ويحتمل عندي أن يكون [معنى] رواية [علي بن] زياد هذه إذا كان ماء الوادي كثيرا فوق قدر ما يتأتى السقي به، فيأخذ منه الأول المقدار الذي وصفه فيسقي به حائطه ما احتاج إلى السقي به، ثم الذي بعده من بقية ماء الوادي كذلك، [ثم الذي بعده من بقية ماء الوادي كذلك]، أيضا إلى أن يتم الماء، وأن يكون معنى رواية من سواه إذا لم يكن في ماء الوادي فضل عما يسقي به واحد بعد واحد فلا تكون رواية [علي بن] زياد عن مالك على هذا التأويل مخالفة لما تقدم، والله أعلم.
والأظهر أنه اختلاف من القول في صفة قسم الماء بين الأعلى ومن تحته إذا كان الماء كثيرا، فعلى المشهور يرسل الأعلى جميع الماء في حائطه حتى ينتهي فيه إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته فيمسكه أيضا في حائطه حتى ينتهي إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من تحته هكذا أبدا ما لم يحتج الأول الأعلى إلى إعادة السقي ثانية فيكون أحق به، ثم الذي تحته، ثم الذي تحته كالسقية الأولى، ما لم يحتج الأول الأعلى أيضا إلى إعادة السقي ثالثة فيكون أحق به، ثم الذي تحته ثم الذي تحته كالسقية
الثانية ما لم يحتج الأول الأعلى إلى إعادة السقي رابعة فلا يكون في الماء حق لمن لم ينته إليه حتى احتاج الأول الأعلى إلى إعادة السقي، وعلى رواية [علي بن] زياد عن مالك لا يأخذ الأعلى الماء كله لحائطه حتى يبلغ إلى الكعبين، وإنما يأخذ من الماء في ساقيته إلى حائطه حتى يبلغ إلى الكعبين، وإنما يأخذ من الماء في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون فيها إلى الكعبين، ثم الذي تحته كذلك، ثم الذي تحته كذلك، حتى يتم الماء، وأما إن لم يكن في الماء كله إلا قدر ما يتأتى به السقي لواحد فلا حق للأسفل إلا فيما يفضل عن الأعلى، وبالله التوفيق.
###: له بئر عليها زرع ونخل فانهار بئره ولجاره فضل ماء
ومن كتاب البراءة وسئل عن رجل كانت له أرض قريبة من ماء قوم فغرس بمائهم ونبتت عليه الشجر وهم يعلمون، ثم إن أصحاب الماء أرادوا أن يحبسوا ماءهم، فقال صاحب الغرس: تركتموني حتى غرست، ثم تريدون أن تحبسوا عني، وقال أصحاب الماء: إنما غرست عليه وهو ماء لا أستطيع حبسه، قال: ليس لأصحاب الماء أن يحبسوا ذلك عنه إلى أجل يُضرب له لاحتفار بئر أو استنباط عين إلا أن لا يكون في الماء فضل عن حاجة أصحابه وإنه إن [كان] أخذ من مائهم شيئا دخل على أصحاب الماء الضرر والهلاك في غللهم فيكونوا أولى بمائهم، ولقد سمعت مالكا قال في رجل كانت له بئر عليها زرع ونخل فانهار بئره
ولجاره فضل ماء، قال: أرى أن يقضى له على جاره بفضل مائه حتى يصلح بئره بلا ثمن ولا شيء، فهذا يشبهه.
قال ابن القاسم: ولو لم يعلموا بذلك فأرادوا صرف مائهم، وفي مائهم فضل أنه إن كان ليس لهم في الفضل منفعة رأيته أولى به، قال: وإن كان لهم فيه منفعة فهم أحق بمائهم، قال: وليس له في ذلك قول وإن باعوه إلا أن يرضوا أن يبيعوه منه، قال عيسى: أرى أهل الغرس أولى بالماء بالثمن الذي يبيعه به أهله.
قال الإمام القاضي: قوله فغرس بمائهم يريد فغرس بفضل مائهم، وقوله: ثم إن أصحاب الماء أرادوا أن يحبسوا معناه أرادوا أن يحبسوا فضل مائهم، إذ لا اختلاف في أن الرجل أحق بجميع مائه إذا لم يكن له فيه فضل عما يحتاج إليه، وإنما القول فيما فضل عن حاجته، فإن لم يكن لغيره إليه حاجة إلا ما يريده من ابتداء الانتفاع به بزرع أو خضر يزرعها عليه أو نخل يغرسها عليه فلصاحبه أن يمنعه منه إلا بثمن يواجبه عليه وجد فيه ثمنا عند سواه أو لم يجد، وأما إن كانت لغيره إليه حاجة لسقي نخل قد كان غرسها عليه فنبتت به فإن كان ذلك بعلم صاحب الماء كان أحق به بغير ثمن إلى أن يحفر بئرا أو يستنبط عينا وجد صاحبه به ثمنا عند سواه أو لم يجد، وإن كان ذلك من غرسه النخل على فضلة ذلك الماء بغير علم صاحب الماء كان أحق به بغير ثمن إلى أن يحفر بئرا أو يستنبط عينا إن لم يجد صاحبه فيه ثمنا عند سواه، وإن وجد فيه ثمنا عند سواه كان أحق بفضلة مائه يبيعها ممن شاء، وما لم ينفذ البيع فيه فهو أحق به بالثمن الذي يعطي غيره به على ما قاله عيسى بن دينار، فهذا معنى قوله عندي لا أنه يكون له أن يأخذه بعد نفوذ البيع بالثمن كالشفعة، وسيأتي في
سماع محمد بن خالد إذا غرس على فضل مائه بعطية منه، وأما إن كانت لغيره حاجة إلى أن يسقي به نخلا أو زرعا قد كان زرعه أو غرسها على أصل ما كان له من بئر فانهار أو عين فجفت فإنه يقضي له به إلى أن يصلح بئره، قيل بثمن وقيل بغير ثمن، والقولان في المدونة، ومعنى ذلك عندي إذا كان يجد له ثمنا عند سواه، وأما إن لم يجد له ثمنا عند سواه فيقضي له بغير ثمن قولا واحدا، وقد قيل: إن ذلك ليس باختلاف من القول، وإنما معناه أنه يقضى له به بغير ثمن إذا لم يوجد له ثمن عند سواه وبثمن إذا وجد له ثمن عند سواه، والأظهر أن ذلك اختلاف من القول إذا وجد له ثمن عند سواه، ووجه هذا الاختلاف اختلافهم في تأويل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يمنع نقع بئر ولا رهو ماء» فمن حمله على هذا الموضع قال: إنه يقضى له به بغير ثمن، ومن حمله على البئر يكون بين الشريكين يسقي به هذا يوما وهذا يوما فيروي أحدهما حائطه في بعض يومه ويستغني عن الماء بقية يومه أنه ليس له أن يمنعه من شريكه في بقية ذلك اليوم، قال: إنه يقضي له به بالثمن، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، والله أعلم.
###: الرحى تكون بين النفر فتنهدم وتخرب فيدعو أحدهم إلى عملها ويأبى ذلك بعضهم
من مسائل سئل عنها عيسى بن دينار وسئل [عيسى] عن الرحى تكون بين النفر فتنهدم وتخرب فيدعو أحدهم إلى عملها ويأبى ذلك بعضهم، قال: يقال لمن
أبى منهم العمل إما أن تعمل معه وإما أن تبيع ممن يعمل معه، يجبر على ذلك، وكذلك قال مالك.
قلت: فلو عمل بعضهم فأنفق فلما تمت وطحنت قال الذي لم يعمل: هذا نصف ما أنفقت وأكون على حظي منها، قال: ذلك له ويكون على حظه منها مبنيا.
قلت: فلو كان العامل اغتل منها غلة كثيرة قبل رده إليه ما أنفق لمن تكون تلك الغلة؟ قال: قد اختلف في ذلك، فقال محمد بن إبراهيم بن دينار المدني: يكون للعامل منها بقدر ما أنفق وما كان له فيها قبل أن ينفق ويكون للذي لم يعمل بقدر ما كان بقي له من قاعتها وبقية سدها وحجارتها وما كان فيها من صلاح، وأما ابن القاسم فقال لي مرة: الغلة كلها للعامل دون من أبى أن يعمل معه حتى يعطي قيمة ما عمل، وهي بمنزلة البئر يغور ماؤها أو ينهدم منها ناحية فيريد أحد الشريكين العمل ويأبى صاحبه، فيقال لمن أبى أن يعمل: اعمل معه أو بع ممن يعمل، فإن أبى وخلى بينه وبين العمل وحده كان الماء كله للعامل حتى يدفع [إليه] نصيبه من النفقة، فكذلك الرحى، قال عيسى: وبهذا القول رأيت ابن بشير يحكم، ثم قال لي ابن القاسم في الرحى: يحاصه بما اغتل فيما أنفق، ولو كان لم يرد عليه نصف ما أنفق حتى اغتل منها جميع نفقته لرجع هذا في حظه ولم يكن عليه شيء.
قال عيسى: والذي آخذ به في ذلك أن تكون الغلة كلها للعامل ويكون عليه للذي لم يبن كراء نصيبه من قاعة الرحى وما كان فيها باقيا من العمل فإن أراد الدخول معه فيما بنى دفع إليه
ما ينوبه من قيمة العمل الذي في الرحى قيمته يوم يدخل معه وليس يوم عمله ولا قدر ما ينوبه من النفقة التي أنفق فيها إلا أن يكون ذلك بحدثانه.
قال: وبلغني عن ابن وهب أنه قال في الغلة مثل قول ابن دينار أن يكون للعامل من الغلة بقدر ما أنفق فيها وما كان له منها وللذي لم يعمل بقدر ما كان له من قاعتها وباقي غلتها، وتفسير ذلك أن تقام الرحى غير معمولة وتقام معمولة فإن كانت قيمتها قبل أن تعمل عشرة وقيمتها بعد العمل خمسة عشر كانت ثلث الغلة للعامل وثلثاها بينه وبين شريكه، ويكون على الذي لم يعمل ما ينوبه من أجر العامل في قيامه بعملها، ثم إن أراد الذي لم يعمل أن يدخل مع الذي عمل في الرحى دفع إليه ما ينوبه من قيمة الرحى على قدر حظه منها قيمته يوم يدفع ذلك إليه وليس ما ينوبه من النفقة الأولى ولكن قيمته يوم يدخل معه، وقال يحيى بن يحيى مثله كله في اقتسام الغلة ورد القيمة، وقال: به آخذ، قال: وقد سمعت ابن القاسم يقول غير ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في أول هذه المسألة إنه يقال لمن أبى أن يعمل إما أن تعمل معه وإما أن تبيع ممن يعمل معه يجبر على ذلك قد مضى القول عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وقول محمد بن إبراهيم بن دينار المدني: إن العامل يكون له من الغلة بقدر ما أنفق وما كان له منها قبل أن ينفق ظاهره أن الغلة تفض على منتهى نفقته وقيمة ما كان له من أصل الرحى وعلى قيمة ما كان للذي
لم يعمل من أصل الرحى بأن ينظر كم نفقته التي أنفق في الرحى وكم قيمة قاعة الرحى على ما كانت عليه قبل النفقة فإن كانت النفقة عشرين وقيمة قاعة الرحى قبل النفقة عشرين كان للعامل ثلاثة أرباع الغلة خلاف التفسير الذي فسر الراوي بقوله بأن تقام الرحى غير معمولة وتقام معمولة فإن كانت قيمتها قبل أن تعمل عشرة وقيمتها بعد العمل خمسة عشر كان للعامل ثلثا الغلة وللذي لم يعمل الثلث إذ لو أراد ذلك لقال: إن العامل يكون له من النفقة بقدر ما زادت نفقته في الرحى وبقدر ما كان له فيها قبل النفقة.
وقول عيسى بن دينار إن الذي لم يعمل إن أراد الدخول مع الذي عمل فيما عمل يدفع إليه ما ينوبه من قيمة العمل الذي في الرحى قيمته يوم يدخل معه وليس يوم عمله ولا قدر ما ينوبه من النفقة التي أنفق إلا أن يكون ذلك بحدثانه مفسر لقول ابن القاسم الأول الذي قال فيه: إن الغلة كلها للعامل دون من أبى أن يعمل معه حتى يعطي قيمة ما عمل، ولم يبين إن قام عليه بحدثان ما عمل هل يكون عليه أن يعطيه ما ينوبه من النفقة التي أنفق أو من قيمتها، وفي ذلك قولان قائمان من المدونة: أحدهما أنه ليس له أن يدخل معه إلا أن يعطيه ما ينوبه من مبلغ النفقة التي أنفق، والثاني أنه لا يلزمه أن يدفع إليه إلا ما ينوبه من قيمة النفقة، إذ قد يغبن في استئجار الأجراء وفيما ابتاع من متاع الرحى، وأما إن أراد الدخول معه بعد أن بلي البنيان فلا يلزمه أن يدفع إليه إلا ما ينوبه من قيمته على حالته التي هو عليها من البلى قولا واحدا، ووجه العمل في ذلك أن يقال: كم قيمة الرحى اليوم على ما هي عليه من البنيان القديم، وكم كانت تكون قيمتها اليوم لو كان هذا البنيان الذي فيها جديدا فينقص ما بين القيمتين من النفقة التي أنفق أو من قيمتها على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك فما بقي كان عليه ما ينوبه منه، وقد قيل: إن ذلك يرجع إلى أن يكون عليه ما ينوبه مما زادت قيمة الرحى بالبنيان على ما هو عليه بأن تقام خربة وعلى ما هي عليه فيكون عليه ما ينوبه مما بين القيمتين إلا أن يكون ذلك أكثر من قيمة ما أنفق فلا يكون عليه أكثر من قيمة ما أنفق، وكذلك حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف أنه يكون عليه الأقل من قيمة البنيان أو من قيمة ما
أنفق، ولا خلاف في أنه لا يلزمه أن يعطيه أكثر مما أنفق، فليس قول عيسى بن دينار بخلاف لقول ابن القاسم الأول إلا فيما ذكر من أنه يقوم عليه للذي لم يبن كراء نصيبه من قاعة الرحى لأن ابن القاسم لا يرى عليه في ذلك كراء.
ووجه قوله أن الرحى مهدومة لا كراء لها، وإنما صار لها كراء ببنيانه فوجب ألا يكون عليه في حظ شريكه كراء، ووجه قول عيسى بن دينار أن الكراء فيها موجود إذا أكريت على أن يبني وقد بناها العامل وانتفع بها، فوجب عليه أن يكون في حصة شريكه الكراء، وهو أظهر، والله أعلم.
وقوله في آخر المسألة: وقال يحيى بن يحيى مثله في اقتسام الغلة يريد مثل قول ابن دينار، وقوله: وقد سمعت ابن القاسم يقول غير ذلك يريد أحد قوليه المتقدمين، إما أن تكون الغلة كلها له حتى يأتيه شريكه بما ينوبه من قيمة ما عمل من التفسير الذي ذكرناه، وإما أن يحاصه بما اغتل فيما أنفق، وقد روي عن ابن القاسم في المسألة قول ثالث وقع له في المبسوطة، وهو الفرق بين أن تكون الرحى مهدومة فيبنيها أحد الأشراك أو تكون قائمة فينخرق سدها وتتعطل الرحى بسبب ذلك فيأبى أحد الشريكين أن يصلحه ويصلحه الآخر فقال: إنه يحاص بما أنفق في إصلاح السد بما اغتل بخلاف إذا كانت الرحى مهدمة، فتحصيل الخلاف في هذه المسألة أن فيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه يحاص بالنفقة في الغلة كانت الرحى مهدومة أو انخرق سدها، والثاني أنه لا يحاص بالنفقة في الغلة في الوجهين، والثالث الفرق بينهما فإذا قلت: إنه لا يحاص بالنفقة في الغلة ففي حكم الغلة ثلاثة أقوال: أحدها أنها تكون كلها للعامل إلى أن يريد الشريك الدخول معه فيأتيه بما يجب عليه في ذلك على التفسير الذي ذكرناه ولا كراء عليه في حظ شريكه من الرحى، وهو قول ابن القاسم، والثاني أن الغلة تكون للعامل أيضا ويكون عليه كراء حصة شريكه من الرحى وهو قول عيسى بن دينار، والثالث أن الغلة تكون بينهما فيكون للذي لم يعمل منهما بقدر قيمة حظه من الرحى على ما كانت عليه، وللذي
عمل بقدر حظه منها أيضا وبقدر عمله على الاختلاف الذي ذكرناه في تأويل ذلك إلى أن يريد الشريك الدخول معه فيأتيه بالواجب عليه فيما عمل على ما ذكرناه من التفسير في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يكون له رحى قد خربت فيريد أن يعامل رجلا على عملها ومرمتها
مسألة وسئل عيسى عن الرجل يكون له رحى قد خربت أو منصب رحى فيريد أن يعامل رجلا على عملها ومرمتها ما يجوز في ذلك؟ فقال: يجوز في ذلك أن يقول له: ابن لي رحائي هذه على صفة كذا وكذا، بصخر كذا وكذا [وخشب كذا وكذا] فيصف له جميع بنيانها فإذا تمت فنصفها لي ونصفها لك من أصلها أو ثلثاها لي وثلثها لك من أصلها أو كائن ما كان من الأجزاء، فهذا الجائز، أو يقول: ابن لي رحائي هذه على صفة كذا وكذا أو أنفق فيها كذا وكذا وهي لك [بذلك] كذا وكذا.
سنة فيجوز ذلك أيضا، وقال حسين بن عاصم مثل ذلك إلا أنه قال: لا يجوز ذلك إلا في النهر المأمون.
قلت: فلو قال له: ابن لي رحائي هذه على صفة كذا وكذا فإذا تمت فغلتها بيني وبينك، أو لك من غلتها يوم وليلة في كل جمعة، فعمل العامل على ذلك واغتلاها زمانا جميعا، ثم تبين لهما أن ذلك لا يصلح، كيف يصحح مثل هذا؟ فقال: يكون للعامل فيه قيمة ما أدخل في الرحى من صخرها وحجارتها وخشبها قيمته يوم أدخله في الرحى، وتكون له أجرته فيما
اشتغل في ذلك وقيمة عمل من عمل في الرحى من الأجراء وغيرهم، وتكون الغلة كلها لرب الرحى، يرد العامل إليه ما وصل إليه منها، إن كان الذي أخذ منها طعاما فمكيلته، وإن كان دنانير أو دراهم فعدتها.
وإن كان لا يعرف مكيلة ما أخذ من الطعام غرم قيمة خرص ذلك ولا يغرم مكيلة الخرص، قال: وذلك لأن رب الرحى استأجر العامل على عمل الرحى واشترى منه أداتها بأمر غرر لا يجوز فصار للعامل قيمة ما أدخل في الرحى وأجرة عمله، وصارت الغلة كلها لرب الرحى يرد العامل ما أخذ مما لم يجز له ويعطى ما يجوز له من قيمة عمله بمنزلة ما لو قال له: اعمل لي رحى في هذه فإذا تمت فلك نصف غلة رحائي هذه الأخرى، أو لك يوم من غلتها كل جمعة، أو لك ثمر جناني هذه قبل أن يحل بيعها، فهذا إذا وقع وفات كان له قيمة ما أدخل في الرحى وأجرة عمله لأنه اشترى منه الصخر والحجارة وما أدخل في الرحى من الخشب والأداة واستؤجر على عمله بأمر لا يجوز فهو يعطى ما يجوز ويرد الذي أخذ مما لا يجوز له.
قال يحيى: سألت ابن القاسم عن ذلك فقال لي: تكون الغلة كلها للعامل [ويكون عليه كراء قاعة الرحى]، ويكون له قيمة عمله منقوضا، قال يحيى: والذي آخذ به أن يعطى قيمة عمله قائما تاما.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أحفظه في المذهب في أن المعاملة في منصب الرحى على إقامتها وعملها بجزء منها جائز إذا كان العمل موصوفا محدودا، كان النهر مأمونا أو غير مأمون حسبما مضى القول فيه في رسم شهد من سماع عيسى، ولا في أن المعاملة على عملها بغلتها
بعد تمام عملها مدة معلومة جائزة أيضا إذا كان النهر مأمونا على ما قاله حسين بن عاصم ولا في أن المعاملة فيها بجزء من غلتها دون شيء من أصلها لا يجوز كان النهر مأمونا أو غير مأمون، واختلف إذا وقع ذلك فلم يعثر عليه حتى فات بالعمل هل يحكم له بحكم الإجارة الفاسدة أو بحكم الكراء الفاسد إذ لم ينصا في معاملتهما كراء ولا إجارة، ولو نصا فيها كراء أو إجارة لكان الحكم فيها على ما نصاه دون خلاف، فقال عيسى بن دينار: إن الغلة كلها تكون لرب الرحى يرد إليه العامل ما أخذ منها، ويكون له إجارة مثلها فيما عمل وقيمة ما أدخل فيها من الخشب والحجارة والأداة على حكم الإجارة الفاسدة، لأنه رأى البناء على ملك رب الرحى، وروى يحيى عن ابن القاسم أن الغلة كلها تكون للعامل يرد عليه رب الرحى ما أخذ منها، ويكون له على العامل كراء قاعة الرحى على حكم الكراء الفاسد، لأنه رأى البناء على ملك بانيه، واختلاف ابن القاسم ويحيى بن يحيى في قيمة البنيان هل يكون له قائما أو منقوضا وجهه أن ابن القاسم لم يعذر الباني بالجهل بفساد المعاملة فجعله كالباني في ملك غيره بغير شبهة، إذ بنى وهو يعلم أنه متى قيم عليه فسخت المعاملة بينهما وأخرج عن الرحى فلم يوجب له إلا قيمة بنيانه منقوضا، وسواء على هذا عثر عليه بالقرب أو بعد أن طالت المدة، وعذره يحيى بن يحيى بالجهل فأوجب له قيمة بنيانه قائما كمن بنى فيما يظن أنه ملكه فاستحق من يده بقرب ذلك أو بعد أن طالت المدة، وهذا عندي فيمن يشبه أن يجهل ذلك وإلا [يضر] بجهله، وأما العالم الذي لا يشبه أن يجهل ذلك فلا يجب له إلا قيمة بنيانه منقوضا عندهما جميعا، والجاهل الذي لا يشبه أن يعلم ذلك له قيمة بنيانه قائما عندهما جميعا، وقد قيل: إن هذا الاختلاف إنما يصح إذا طالت المدة إلى القدر الذي يرى أن الرجل قد يكتري الرحى على أن يبنيها إلى هذه المدة ثم يخرج عند انقضائها فيأتي قول ابن القاسم على أصله فيمن بنى فيما اكترى بإذن صاحب الدار أنه ليس له إذا خرج إلا قيمة
بنيانه منقوضا، ويأتي قول يحيى بن يحيى على رواية المدنيين عن مالك أنه من بنى بوجه شبهة على غير وجه التعدي فله قيمة بنيانه قائما، وأما لو عثر على ذلك بحدثان البنيان لوجب أن يكون له قيمة بنيانه قائما قولا واحدا، والتأويل الأول هو الصحيح في المسألة إن شاء الله، وبالله التوفيق.
مسألة: يكون له المنصب يصيد فيه الحيتان فيشكو جيرانه أن ذلك يضرهم
مسألة وسئل عيسى عن الرجل يكون له المنصب يصيد فيه الحيتان الأعوام ثم يشكو [جميع] جيرانه أن ذلك يضر بهم، أترى أن يمنع [ذلك] من ضررهم وهو يحتج باستحقاقه ذلك عليهم هذه الأعوام؟ قال: نعم لهم أن يمنعوه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ ليس لمن يلي النهر من جانبه أن يختص بالصيد فيما يوازي أرضه دون جماعة الناس ولا أن يعمل مصايد فيها يمنع الحيتان أن تجوزها فقال: إنه إن فعل ذلك فشكا جيرانه بعد مدة أن ذلك يضر بهم يريد في أن الحيتان لا تخلص إليهم كان لهم أن يمنعوه، وذلك كما قال، إذ ليس هذا مما يستحق بالقدم لأنه أمر يتكرر ولا يختص جيرانه بالضرر بذلك دون جماعة الناس، وقال: إن لهم أن يمنعوه من الضرر بهم ولم يبين وجه المنع كيف يكون، ووجه الأمر في ذلك أن ينظر إلى ذلك المنصب فإن كان إذا قلع لم يكن له قيمة كانوا بالخيار بين أن يأمروه بقلعه وبين أن يتركوه فيشتركوا في الصيد معه فيه بالسواء، وإن كانت له قيمة إذا قلع كانوا بالخيار بين أن يعطوه قيمته مقلوعا ويشتركون في الصيد فيه معه وبين أن يأمروه بقلعه، هذا الذي يأتي في هذه المسألة على أصولهم.
وقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أن أهل هذه المصايد الذين عملوها يبدأون بالاصطياد
فيها، فإذا نالوا حاجتهم خلوا بين الناس وبينها يصطادون فيها وبها، وذلك عندي إذا اتفقوا على أن يقروها ولا يقلعوها وتشاحوا في الصيد فيها فأراد أربابها أن ينفردوا بالصيد فيها دون جماعة الناس، وأراد جماعة الناس أن يكونوا معهم شرعا واحدا.
وأما إن أراد جماعة الناس أن يجبروهم على القلع فذلك لهم، وإن أرادوا هم أن يقلعوا مصايدهم فذلك لهم إلا أن يعطوهم قيمتها مقلوعة، وهذا بين إذا كانوا عملوا المصايد في موضع لا شبهة لهم في عمله فيه، وأما إن كانوا عملوها من النهر في موضع يليه أرضهم من الناحيتين فيتخرج ذلك على قولين: أحدهما أنهم لا يعذرون بالجهل [في ذلك]، ويكون الحكم فيه على ما تقدم، والثاني أنهم يعذرون بالجهل في ذلك ولا يكون للناس أن يأخذوها منهم بقيمتها مقلوعة إلا بعد أن يستغلوا منها قيمة نفقتهم فيها، وبالله التوفيق.
مسألة: بنى رحى جزء منها في أرض جاره على أن يطحن له طعامه
مسألة وسئل عن رجل ابتنى رحى فأخرج طرف سده في أرض جاره على أن يطحن طعامه فيها في كل شهر مديا فقال: هذا جائز.
قلت له: أرأيت إن لم يوقت الطعام؟ قال: لا يجوز، قيل له: فإذا وقع؟ قال: يعطى صاحب الأرض قيمة ما ترك له من نصف الماء وإخراج السد في أرضه ويكون عليه لصاحب الرحى أجرة ما طحن له على هذا الشرط إذا كان إنما تركه يبني ويخرج سده في
أرضه على أن يطحن له ولولا ذلك لمنعه من ذلك ولسأل أن يقاسمه الماء لأن له نصفه وللعامل نصفه.
قيل له: أرأيت لو باع صاحب الرحى رحاه قبل أن يفسخ هذا الشرط واشترط على المشتري أن يحمل شرط صاحب الأرض أو علم المشتري بذلك فاشترى ولم يشترط عليه لعلمه بذلك؟ قال: إذن فسخ شراؤه ويكون العمل بين مبتني الرحى وصاحب الأرض على ما فسرت لك إلا أن تفوت الرحى فتلزمه القيمة.
قلت: فلو لم يعلم المشتري بذلك ولم يشترطه؟ قال: إذن يكون البيع جائزا ويكون العمل بين المبتني وصاحب الأرض في ذلك كله كما فسرت لك.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أخرج طرف سد رحاه في أرض جاره على أن يطحن له فيها طعامه كل شهر مديا إن ذلك جائز معناه إذا ضرب لذلك أجلا لأنه إذا لم يضرب لذلك أجلا لم يجز لأنه مجهول، ويدخل في ذلك اختلاف بالمعنى على ما سنذكره، وأما إذا لم يوقت ما يطحن له من الطعام في كل شهر ففي ذلك اختلاف بالمعنى يجوز على ما حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه من أنه يجوز أن يواجب الرجل صاحب الحمام على ما احتاج إليه هو وعياله من النورة ودخول الحمام سنة، وأن يواجب الخياط على خياطة ما احتاج إليه هو وأهله من الثياب سنة، وأن يواجب الفران على طبخ ما احتاج إليه هو وأهله من الخبز سنة، أو على طحين ما يحتاج إليه هو وأهله سنة إذا عرف الفران والخياط والطحان وصاحب الحمام ناحية عياله وما يحتاجون إليه مما عولوا عليه، ولا يجوز على مذهب ابن القاسم في المدونة في أنه لا يجوز شيء من ذلك
إلا أن يشترط منه أمرا معروفا، فقول عيسى بن دينار في هذه المسألة على قياس قول ابن القاسم في المدونة؛ لأن معنى قوله فيها على أن يطحن له فيها طعامه أو ما يحتاج إليه لنفقته ونفقة عياله، فإذا وقع ذلك على الجهل في أحد الطرفين أو في كليهما على مذهبه وقياس ما في المدونة فهو عقد فاسد يجب فسخه إلا أن يفوت فيصحح بالقيمة، وفواته يكون بإنفاذ السد إلى أرضه فلذلك قال: إنه يعطى صاحب الأرض قيمة ما ترك له من نصف الماء وإخراج السد في أرضه ويكون له على صاحب الرحى أجرة ما طحن له على هذا الشرط؛ لأن هذا هو وجه تصحيح عقدهما بالقيمة لفواته، فإذا باع صاحب الرحى رحاه قبل أن يفسخ الشرط واشترط على المشتري ما كان اشترط عليه صاحب الأرض أو علم بذلك المشتري ودخل عليه كان بيعا فاسدا، فإن فات بما يفوت به البيع الفاسد صحح بالقيمة وصحح ما كان انعقد بين البائع وصاحب الأرض بالقيمة أيضا على ما تقدم، وإن لم يفت رد وكان العمل بين البائع وصاحب الأرض على ما تقدم، وإن لم يعلم المشتري بذلك ولا شرط عليه حمل الشرط كان البيع جائزا وكان العمل بين صاحب الرحى وصاحب الأرض على ما تقدم، فالمسألة كلها صحيحة بينة لا إشكال فيها.
وقد اختلف في المعاملة على هذا فقيل: إنها بمعنى الارتفاق ولا يكون الثمن في ذلك إلا معلوما، فإن انهدم السد كان صاحب الرحى بالخيار بين أن يعيده أو يترك إعادته فيرجع موضعه من الأرض إلى ربه وقد وجب له الثمن المسمى على كل حال يستوفي بقيته منه إن كان لم يستوفه، وهو قول ابن الماجشون، والقياس على هذا القول أن يجوز إخراج طرف سد رحاه في أرض جاره على أن يطحن له فيها كل شهر مديا أو ما يحتاج إليه على القول بأنه لا يحتاج إلى توقيت الطعام إذا عرف ناحية عياله ما كانت الرحى قائمة طاحنة من غير أن يضرب لذلك أجلا، وقيل: إنها بمعنى البيع في جميع وجوهه فيكون موضع السد من الأرض لصاحب الرحى بما سمى له من الثمن على كل حال لا يرجع إلى صاحبه على حال، وهو قول مطرف وأصبغ، فعلى هذا القول لا بد من تسمية الأجل على كل حال لا يدخل في ذلك اختلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: ليس لمن له إحدى ضفتي النهر أن يبني فيها رحى إلا بإذن الآخر
مسألة وسئل عيسى عن رجل ابتنى رحى فأخرج طرف سده في أرض قوم فجعل لهم أياما معلومة من الشهر في الرحى على أن أسلموا له إخراج طرف سده في أرضهم، فقال: إن كان جعلهم شركاء في الرحى بعد أن تتم بقدر تلك الأيام من الشهر وشرطوا للرجل عملا موصوفا ثم يكونون فيه شركاء [من الغلة] ثم يكون عليهم من إصلاحها إذا خربت والقيام بها مثل ما لهم منها من تلك الأيام فذلك جائز، وإن كان إنما لهم غلتها تلك الأيام فقط ولا شيء لهم من أصل الرحى فلا خير فيه، فإذا فات ذلك بإخراج السد فيه فلهم قيمة أرضهم وعليهم أن يردوا ما أخذوا من الغلة.
قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قال، إذ ليس لمن له إحدى ضفتي النهر أن يبني فيها رحى وينفذ سده إلى برية غيره الذي له الضفة الأخرى إلا بإذنه ورضاه، فإذا أذن له في ذلك على أن يكون له شرك في أصل الرحى بجزء من الأجزاء يتفقان عليه من نصف، أو ثلث أو ربع أو أقل أو أكثر فذلك جائز إذا تواصفا بنيان الرحى لأنه قد باع منه نصف الماء وموضع إخراج السد في أرضه بالجزء من أصل الرحى مبنية فلا بد أن يكون البناء موصوفا معلوما، ولا يجوز أن يأذن له في ذلك على أن يكون له أيام من الشهر من غلتها دون أن يكون له مقدار ذلك من أصلها لأنه غرر، وقد «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الغرر»، وقد مضى القول في المسألة التي قبلها إذا أذن له في ذلك على أن يطحن له فيها كل شهر كذا وكذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: أراد الأعلون إنشاء رحى عندهم وذلك يضر برحى الأسفلين
مسألة وسئل عيسى عن ساقية بين قوم أعلين وأسفلين، فللأعلين نصفها يسقون بها يومين ثم يسرحون ذلك الماء إلى الأسفلين فيسقون بها يومين، فهذا فعلهم ما احتاجوا إلى السقي، فإن استغنوا سرحوا الماء إلى الأسفلين حتى يقع في النهر الأعظم فأنشأ الأسفلون على الساقية رحى فطحنت زمانا في غير أيام السقي، ثم أراد الأعلون إنشاء رحى عندهم وذلك يضر برحى الأسفلين فأرادوا دفعهم وادعوا بأنهم سبقوهم إلى العمل، فقال: إن كان أراد الأعلون إنشاء رحى عندهم أنشأوها إن أحبوا ثم اقتسموا الماء كله كما كانوا يقتسمون يومين يومين، فإذا كان يوم الأعلين طحنوا فيها وسقوا وصنعوا بمائهم ما شاءوا ثم أرسلوا على الأسفلين فطحنوا في يوميهم أيضا وسقوا وصنعوا ما شاؤوا، قال: وإن أراد الأعلون أو الأسفلون قسمة الساقية بنصفين وكره ذلك الآخرون لم يكن لهم أن يقتسموها إلا باجتماعهم لأن في ذلك ضررا عليهم لأنه يصير عليهم ما كانوا يسقون به في يومين لا يسقون به إلا في أربعة فيكثر عناؤهم ويضر ذلك بهم.
قال الإمام القاضي: المعنى في هذه المسألة أن الأعلين أرادوا أن يعملوا على ذلك الماء رحى في حقهم وأرضهم على غير الساقية التي يمر عليها الماء إلى الأسفلين أو عليها بعينها على صفة لا يمكن الأسفلين السقي ولا الطحن بما يصل إليهم من الماء حتى يغلقوا رحاهم ويردوا الماء على ساقيته القديمة أو على حالته الأولى أو يمكنهم ذلك بنقص يدخل عليهم فيه، ولهذا قال: إن الأسفلين إذا سبقوا إلى العمل كان للأعلين أن يعملوا فيقتسموا الماء على ما كانوا يقتسمونه عليه، فإذا كان يوم سقيهم صنعوا بمائهم ما شاؤوا من سقي أو طحن، إذا كان يوم الأسفلين عقلوا رحاهم وصرفوا الماء على ساقيته أو حالته إلى الأسفلين فصنعوا به ما شاؤوا
[أيضا] من سقي أو طحن لأن الضرر يرتفع عن الأسفلين بهذا في حقوقهم، ولو لم يرتفع الضرر به عنهم في حقهم لمنعوا من إنشاء الرحى جملة، ولو أراد الأعلون أن ينشئوا في حقهم رحى على هذه الصفة فيطحنوا فيها أيام سقيهم وأيام استغناء الأسفلين عن السقي ابتداء قبل أن ينشئ الأسفلون رحى في أرضهم لكان ذلك لهم على قياس هذه الرواية، ولم يكن ذلك لهم على ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ قالوا: إن الأشياء تتقادم والعلم يدرس فيصير ذلك استحقاقا لهم على الأسفلين وحقا لهم دونهم ولا حجة للأعلين على الأسفلين في إنشاء رحى على ذلك الماء في حقهم بحال؛ لأنهم لا يملكون من الماء ومن استحقاقه إلا ما يأتيهم من الأعلين من شرب يومهم، وهذه المسألة لا تخلو من سبعة أوجه: أحدها أن يكون كل واحد منهما من الأعلى والأسفل إن أنشأ رحى [على الساقية] في حقه طحنا جميعا معا في غير أيام السقي ولم يضر أحدهما بصاحبه في نقص طحن ولا غير ذلك، فهذا لمن شاء منهما أن ينشئ رحى في حقه فيطحن فيها في غير أيام السقي ولا كلام لصاحبه كان الأعلى أو الأسفل لأنه يقدر أن ينشئ رحى في حقه متى شاء فيطحنا جميعا من غير أن يضر أحدهما بصاحبه، والثاني أن يكون كل واحد منهما من الأعلى والأسفل إن أنشأ رحى في حقه لم يمكن صاحبه أن ينشئ رحى في حقه فيمكنه الطحن فيها إلا بهدم الرحى الأولى، فهذا ليس لأحدهما أن ينشئ رحى في حقه إلا بإذن صاحبه ورضاه، فإن بدر وبنى كان لصاحبه أن يهدمها عليه إلا أن يتراضيا على شيء يجوز بينهما، والثالث أن يكون كل واحد منهما من الأعلى والأسفل إن أنشأ رحى في حقه لم يمكن صاحبه أن ينشئ رحى في حقه فيمكنه الطحن فيها إلا بقطع الماء عن الرحى الأولى وتبطيل الطحن فيها فهذا لمن شاء منهما أن
ينشئ رحى في حقه فيطحن فيها في غير أيام السقي ما لم ينشئ صاحبه رحى في حقه، فإن أنشأ رحى في حقه اقتسما الماء على حقهما يومين يومين أو أقل أو أكثر فيطحن كل واحد منهما في حقه ثم يقطع الماء عن رحاه ويعطلها حتى يطحن صاحبه في حقه هكذا أبدا، والرابع أن يكون إن أنشأ الأعلى رحى في حقه أضر ذلك برحى الأسفل إلا أن يقطع الماء عن رحاه ويعطلها، وإن أنشأ الأسفل رحى في حقه لم يضر ذلك بالأعلى، فهذا هو الوجه الذي تكلم عليه عيسى بن دينار في هذه الرواية، وقد مضى القول عليه، والخامس عكس هذا الوجه الرابع، وهو إن أنشأ الأعلى رحى في حقه لم يضر ذلك بالأسفل، وإن أنشأ الأسفل رحى في حقه أضر ذلك بالأعلى إلا أن يقطع الماء عن رحاه ويعطلها، والجواب فيه عكس الجواب في الوجه الرابع إلا أنه لا يدخل فيه قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، والسادس أن يكون إن أحدث الأعلى في حقه رحى لم يمكن الأسفل أن يحدث في حقه رحى فيمكنه الطحن فيها إلا بعد هدم رحى الأعلى، وإن أحدث الأسفل في حقه رحى لم يضر ذلك بالأعلى، فهذا ليس للأعلى أن يحدث في حقه رحى ابتداء، ولا بعد أن أحدث الأسفل إلا بإذنه ورضاه، وللأسفل أن يحدث في حقه رحى يطحن فيها في غير أيام السقي ولا كلام للأعلى في ذلك، والسابع عكس هذا الوجه السادس، وهو إن أحدث الأعلى رحى في حقه لم يضر ذلك بالأسفل، وإن أحدث الأسفل في حقه رحى لم يمكن الأعلى أن يحدث في حقه رحى فينتفع بالطحن فيها، والجواب فيه عكس الجواب في الوجه السادس ليس للأسفل أن يحدث في حقه رحى ابتداء ولا بعد إحداث الأعلى، وللأعلى أن يحدث في حقه رحى فيطحن فيها في غير أيام السقي ولا كلام للأسفل في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: نهر إلى جانب قرية يبس من ناحية من نواحيه شيء حتى صار أريضا يعتمل
مسألة وسئل عن نهر إلى جانب قرية يبس من ناحية من نواحيه
شيء حتى صار أريضا يعتمل لمن يكون ذلك؟ قال لصاحب الأرض الذي يلي النهر من الناحية التي يبست إن كانت تلك الأرض لرجل، وإن كانت بور القوم فهي بسبيل البور، قال: ولو كان النهر مال إلى ناحية عن مجراه فصار مجراه في أرض لرجل كان يليه بأرضه فإن الأرض التي انكشف عنها الماء بين الرجلين اللذين كانا يليان النهر بأرضيهما من جانبيه قال سحنون: أرى مجرى النهر مواتا لا يكون لمن يليه بأرضه إلا بقطيعة من الإمام القاضي.
قال محمد بن رشد: المعنى في قول عيسى بن دينار أنه حكم بموضع النهر لمن كان يليه من جانبيه لما كان الماء من حقهما أن ينشئا عليه رحى دون غيرهما، فإذا يبس شيء من ناحية من نواحيه حتى صار أرضا يعتمل فهو لمن كان يليه بأرضه من تلك الناحية ما بينه وبين النصف، فإن يبس منه أكثر من النصف كان ما زاد على النصف لمن يلي النهر من الجهة الأخرى كما أنه إذا مال عن مجراه يكون الموضع الذي مال عنه بين الرجلين اللذين كانا يليانه بأرضيهما ويكون للذي صار النهر في أرضه أن ينشئ عليه رحى دون غيره، وهو مذهب ابن الماجشون، حكى ذلك ابن حبيب عنه، وحكي عن مطرف وأصبغ مثل قول سحنون أن مجرى النهر موات لا يكون لأحد إلا بقطيعة من الإمام القاضي يبست ناحية منه أو يبس النهر كله أو تحول عن مجراه إلى مجرى آخر، قال: لأن الأنهار التي لم ينشئها الناس ليست ملكا لأحد، وإنما هي طريق للمسلمين فمواضعها فيء لجميع
المسلمين لا يستحقها من كان يلي النهر من جهته بمالهما من الحق في إنشاء الأرحاء عليها، وبالله التوفيق.
مسألة: يبيع الرجل خصب أرضه
مسألة وسئل عيسى عن قول مالك: إذا كانت لرجل أرض فلا بأس أن يمنع كلأها إذا احتاج إليه، وإلا فليخل بين الناس وبينه، وعن قوله: لا بأس أن يبيع الرجل خصب أرضه عامه ذلك ولا يبيعه عامين ولا ثلاثة، وذلك أن يبلغ مرعاه.
قلت: أي خصب هذا الذي أجاز له بيعه؟ وأي خصب الذي أمره إذا لم يحتج إليه أن يخلي بين الناس وبينه؟ فقال: أما الخصب الذي يجوز له بيعه ومنع الناس منه احتاج إليه أو لم يحتج فمروجه وحماه، وأما الذي لا يجوز له منعه الناس إلا إذا احتاج إليه فما سوى المروج والحمى من خصب فدادينه وفحوص أرضه وما أشبهها، فإنه لا يجوز له منعها إذا لم يحتج إليه، ويجبر على أن يخلي بين الناس وبينه إلا أن يكون عليه في تخلص الناس إليه بمواشيهم ودوابهم مضرة مثل أن يكون له الفدان فيه الخصب وحواليه زرع فإن أرادوا التخلص إليه بالمواشي أضر ذلك بزرعه الذي حواليه، فهذا وما أشبهه يكون له منعه، وإن لم يحتج إلى ذلك الخصب ولا يجبر على أن يخلي بين الناس وبينه لما عليه في ذلك من المضرة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في
رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.
مسألة: أصول المياه لا تستحق بالانتفاع بها
مسألة وكتب إلى عيسى في رجل يقال له مغيرة ابتاع من رجل ماء ملاصقا لأرض رجل يقال له حارث، وكان الماء في داخل بور ابتاعه مغيرة، فقطع عنه الشجر وغرس عليه الثمار حتى أطعمت منذ عشرين سنة أو نحوها وأغلق عليها بحائط، ثم إن حارثا قام عليه يدعي أنه كان منتفعا بذلك الماء قبل إغلاق مغيرة عليه، وشهدت له بذلك بينة، قال فكتب إليه: نرى أن لا حق لحارث فيما قام به على مغيرة، وأن الحق لمغيرة، ولو كان أيضا أصل الماء لحارث خالصا دون مغيرة فأغلق عليه مغيرة بحائط وغرس عليه الثمار واحتازه وما حوله بالعمل والعمران وحارث شاهد ذلك حتى أتى عليه نحو الذي ذكرت من السنين لكان مغيرة أحق به إذا ادعاه ملكا لنفسه وأبطلت دعوى حارث فيه، فكيف والماء في داخل البور الذي ابتاعه مغيرة؟ وإنما ثبت لحارث أنه كان منتفعا به قبلما أغلق عليه مغيرة، وليس تستحق مياه الفلوات بالانتفاع بها دون استحقاق أهلها، وقد ترد الماشية مياه غير أهلها وترعى مرعى غير أهلها فيريد أهل الماشية أن يستحقوا ذلك بورود ماشيتهم عليه ورعيها فيه، أفيكون ذلك لهم؟ لا يكون ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، قوله فيها إنه لا يستحق حارث أصل الماء الذي في الحائط الذي ابتاعه مغيرة بما شهد له به
بأنه كان منتفعا به قبل أن يغلق عليه مغيرة بحائط صحيح، لأن أصول المياه لا تستحق بالانتفاع بها، إذ من حق من قرب منها أن ينتفع بما فضل منها بلا ثمن إن لم يجد [له] صاحبه ثمنا باتفاق، وإن وجد فعلى اختلاف.
وقوله: ولو كان أصل الماء لحارث فأغلق عليه مغيرة وغرس عليه واحتازه حتى أتى عليه من السنن ما ذكرت لكان مغيرة أحق به إذا ادعاه ملكا لنفسه، معناه إذا ادعاه ملكا لنفسه بأن يقول: اشترته منه أو وهبه لي أو تصدق به علي، أو يقول: ورثته عن أبي أو عن فلان لا أدري بأي وجه تصير إلى الذي ورثته عنه، وأما مجرد دعوى الملك دون أن يدعي شيئا من هذا فلا ينتفع به مع الحيازة إذا ثبت أصل الملك لغيره، وبالله التوفيق.
###: أعطاه موضعا يعمل له فيه رحى على جزء من غلتها
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل كان له موضع رحى فأعطاه رجلا يعمل فيه رحى على أن يكون للعامل من غلتها غلة يوم وليلة كل جمعة، فعمل الرجل على ذلك وأقام على تلك الحال نحوا من ثلاثين سنة، ثم تبين لهم أن ذلك لا يصلح، كيف يصحح مثل هذا؟ قال ابن القاسم: تكون الغلة كلها للعامل، ويغرم له صاحب الأرض كل ما أخذ من غلتها إن كان أخذ طعاما فمكيلة ما أخذ، وإن كان أخذ دنانير أو دراهم غرم ذلك كله، وإن كان لا يعرف مكيلة ما أخذ من الطعام غرم قيمة خرص
ذلك كله، ولا يغرم مكيلة الخرص، قال: ويغرم العامل لصاحب الأرض كراء ذلك الموضع لجميع السنين التي انتفع بها فيها.
قلت: وكيف يكون كراؤها؟ وإنما يؤخذ الكراء منه اليوم، أترى أن يقوم كراؤه على أن مستكريه أنظر بالكراء ثلاثين سنة؟ فقال: إنما الذي وقع اليوم حكم من الأحكام، ولم يكن فيما مضى كراء مؤخرا فيكون على ما ذكرت، ولكن يقوم الكراء عاما بعام على قدر رغبة الناس فيه أو زهادتهم على حال النقد وبما كان يكري به مثله عاما بعام.
قلت: ويصنع بالنقض ماذا؟ قال: يقال لصاحب الأصل إن شئت فاقلع نقضه يرفعه عنك، وإن شئت فأعطه.
قيمته مقلوعا وتكون الرحى لك، قال يحيى: لا آخذ بهذا، ولكن يعطى قيمته قائما.
قلت: فإن قال: لم أقلع نقضي وإنما وضعته على أمر كنت أراه جائزا بيني وبينك، ولم أغصب ولم أظلم، بل تكون لي قيمته صحيحا، قال: ليس ذلك كذلك، وليس له إلا أن يقلعه أو بأخذ قيمته مقلوعا إن رضي بذلك صاحب الأصل، ولا يجبر على غرم قيمته مقلوعا إلا أن يشاء.
قلت: فإن كان للعامل في الموضع شرك فأحب أن يقر عمله ويأخذ الغلة كلها حتى يرد عليه قيمة العمل أيكون له أن يقر ذلك ويغتل الرحى؟ أم يجبر على القلع؟ قال: إن كان الموضع ينقسم قيل له: قاسم صاحبك وأقر عملك في حظك واقلع ما صار في حظ شريكك، وإن لم ينقسم قيل لهما: إن اتفقتما على العمل وإلا أجبر صاحبك على البيع ممن يعمل معك إن كره العمل إذا
لم ينقسم، فإذا باع ممن يعمل معك وأراد هو العمل غرم لك قيمة ما يصير عليه في حظه من نقضك مقلوعا، ولا يغرم قيمته صحيحا، ويكونان شريكين في الموضع والعمل على قدر حقوقهما في الأصل، بهذا يؤمر الشريك إذا أراد العمل، أو المشتري إذا باع الشريك فكره العمل، قال يحيى: لا نأخذ بهذا القول، ولا أرى أن يباع عليه، قال سحنون: إنما جوز هذا البيع لحال الضرر إذا كان البائع لا مال له، ولو كان له مال لما جاز بيعه ممن يبنيه باشتراط ولكان بيعا مكروها لا يجوز، ولكن يجبر على العمل على ما أحب أو كره، وكذلك الجارية يأذن لها سيدها بالإحرام فتحرم ثم يطؤها إن عليه أن يحجها، فإن قام عليه الغرماء وفلسوه باعوها وجاز ذلك بحال الضرر ممن يحجها وحط بذلك عن المشتري، فكل ما ضارع هذا الأصل مما يشبهه فإنما جاز بيعه بحال الضرورة، وكذلك البئر تكون بين الرجلين وعليها لقوم حياة فانهارت فإن من أبى يجبر على البيع أو العمل، وكذلك مسألة الأمة لها الولد الصغير يعتق السيد أحدهما أنه لا يجوز له بيع الرقيق منهما إلا من فلس أو ضرر فحينئذ يكون ما قال ابن القاسم تباع ويشترط على المبتاع ألا يفرق بينه وبين أمه، وهذه مثالها في كتبك كثير مما لا يجوز بيعه إلا على الفلس والضرر وبيع السلطان.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت رواية يحيى هذه في نوازل عيسى بن دينار مختصرة، وتكلمنا هناك على بعض وجوهها، ووقعت ههنا بكمالها، فنتكلم على ما بقي من وجوهها إن شاء الله.
قوله في أول المسألة: وإن كان لا يعرف مكيلة ما أخذ من الطعام غرم قيمة خرص ذلك كله، ولا يغرم مكيلة الخرص معناه إذا لم يدع واحد منهما معرفة ذلك، وأما إن
ادعيا جميعا معرفته واختلفا فيه فالقول قول الغارم العامل، فإن نكل عن اليمين حلف صاحب الأصل وأخذ ما ادعى، وإن ادعى أحدهما معرفة مبلغ ذلك وقال الآخر: لا أدري فالقول قول من ادعى المعرفة منهما، قيل: مع يمينه، وقيل: بغير يمين على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإنما قال: إذا جهلا ذلك أنه لا يغرم مكيلة الخرص وإنما يغرم قيمته؛ لأنه إن أخذ مكيلة الخرص من الطعام دخلت المزابنة، إذ لا يدري هل أخذ أقل من حقه من الطعام أو أكثر، فيدخله التفاضل في الصنف الواحد من الطعام مع الغرر والمزابنة، ولو أخذ منه على غير خرص دق الطعام ما لا يشك أنه أقل مما اغتل أو أكثر لجاز ذلك لأنه هبة من أحدهما لصاحبه، وكذلك إذا كان الذي اغتلا دراهم لا يعرفان مبلغها أو دنانير لا يعرفان مبلغها الواجب فيه أن يتحرى مبلغ الدنانير فيأخذ منه دراهم فيها نقدا قبل افتراقهما، وأن يتحرى أيضا مبلغ الدراهم إن كان الذي اغتل دراهم، فيأخذ منه فيها دنانير نقدا قبل افتراقهما بصرف يومهما أو بما يتفقان عليه من الصرف، ولا يجوز أن يأخذ من الدنانير ما تحريت به الدنانير ولا من الدراهم ما تحريت به الدراهم للعلة التي ذكرناها في الطعام إلا أن يأخذ عددا لا يشك أنه أقل من حقه أو أكثر على قياس ما ذكرناه في الطعام، وقال: إن العامل يغرم لصاحب الأصل كراء ذلك الموضع لجميع السنين التي انتفع بها فيها، ولم يبين من أي يوم، ويتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن الكراء يكون عليه من يوم وقعت المعاملة بينهما، والثاني أن الكراء يكون عليه من يوم شرع في البنيان، والثالث أن الكراء إنما يكون عليه من يوم اغتل على الاختلاف في هذا النوع من الفساد في المغارسة.
وقوله: إن الكراء إنما يقدر بالنقد عاما بعام صحيح لا إشكال فيه، لأن ما فات من البيع الفاسد إنما يصحح بالقيمة نقدا يوم الفوات وإن تأخر الحكم عن ذلك، وقد مضى في نوازل عيسى بن دينار توجيه اختلاف ابن القاسم ويحيى بن يحيى في النقض هل يكون للعامل قيمته قائما أو منقوضا، فلا معنى لإعادته، وإنما يكون له قيمته قائما عند يحيى على ما هو عليه من البلى، يوم الحكم لا يوم عمله، وقد مضى بيان ذلك والقول فيه في أول النوازل المذكورة، وقد
ذكرنا هناك في ذلك تأويلين: أحدهما أن يحط من نفقته قدر ما بين قيمة البناء جديدا أو باليا، والثاني أن ذلك يرجع إلى أن يكون له في ذلك ما زاد بنيانه في قيمة الرحى على ما هو عليه من البلى، وهذا التأويل أظهر في هذه المسألة، والتأويل الأول أظهر في مسألة النوازل المذكورة، ولم يأت ابن القاسم بحجة فيما اعترض به عليه يحيى بن يحيى بقوله: فإن قال لم أقلع نقضي، وإنما وضعته على أمر كنت أراه جائزا بيني وبينك ولم أغصب ولم أظلم، بل تكون قيمته لي صحيحا إلى قوله: ليس ذلك كذلك، وقد مضى القول على ذلك مستوفى في النوازل المذكورة فلا معنى لإعادته، وسأله إن كان للعامل في الموضع شرك هل يكون من حقه أن يقر عمله وتكون له الغلة حتى يأتيه شريكه بما يجب عليه من قيمة العمل أم لا؟ فلم يعطه في ذلك جوابا بينا، والجواب أن ذلك ليس له عنده، وإنما الواجب في ذلك على مذهبه في أنه ليس للعامل إلا قيمة عمله منقوضا أن يقسم إن كان ينقسم فيقر ما صار من عمله في حظه، ويقلع ما صار منه في حظ شريكه إلا أن يشاء شريكه أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وإن كان لا ينقسم أجبر الشريك أن يعطيه قيمة حظه من العمل منقوضا ولم يكن له أن يأمره بقلعه، إذ لا ينقسم، فإن لم يكن له مال بيع عليه في ذلك حظه من الرحى قائما، ولا يجوز أن يبيع حظه من أصل الرحى على أن يؤدي المشتري إلى الشريك العامل قيمة حظ البائع منه من النقض منقوضا لأنه غرر إلا أن يكون ذلك بعد معرفتهما بالقيمة، ويختلف إذا أدى الشريك إلى العامل قيمة حظه من العمل منقوضا وأبى أن يعمل معه فيما يستقبل على ثلاثة أقوال: أحدها أن يقال له: إما أن تعمل معه وإما أن تبيع ممن يعمل معه بشرط، فإن أبى من الوجهين جميعا فقيل: إنه يجبر على أن يعمل معه إن كان له مال إلا أن يبيع حظه بغير شرط فيقال للمبتاع ما قيل للبائع، وقيل: إنه يجبر على أن يبيع ممن يعمل معه، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وإن لم يكن له مال أجبر على بيع حظه ممن يعمل معه بشرط ألا يبذر فيبيعه بغير شرط قبل أن يباع عليه بالشرط فيقال للمبتاع ما قيل للبائع، وهذا على القول بأن البيع على هذا الشرط جائز، وهو مذهب ما في المدونة وقول ابن القاسم
في هذه الرواية، والقول الثاني أن البيع على هذا الشرط لا يجوز، ويجبر على العمل معه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع عليه من حظه بقدر ما يلزمه من العمل فيما بقي من حظه بعد ما بيع عليه منه، وهو قول مالك في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب الأقضية، والقول الثالث: الفرق بين أن يكون له مال أو لا يكون، فإن كان له مال لم يمكن من بيع حظه على هذا الشرط وأجبر على العمل معه، وإن لم يكن له مال مكن من ذلك، وهو قول سحنون إن البيع على هذا الشرط لا يجوز إلا على حال الضرورة، وهو قول يحيى: لا آخذ بهذا القول ولا أرى أن يباع عليه معناه لا آخذ بأن القيمة تكون في ذلك منقوضة على ما تقدم من مذهبه ولا بأن يكون الحكم في ذلك حكم من استحق من يده ما بناه بشبهة فيكون من حقه إذا أبى أن يعطيه قيمة بنيانه قائما أن يعطيه قيمة الأصل، فإن أبى كانا شريكين فيه لأن ذلك يؤول إلى أن يباع على صاحب الأصل أصله وأن يباع عليه هو بنيانه، وإنما الذي يكون من حقه للشريك الذي له في الموضع أن يقر عمله فيه وتكون له الغلة حتى يأتيه شريكه بما يجب عليه من قيمة العمل، ويحتمل أن يريد بقوله: ولا أرى أن يباع عليه إلا أن يكون من حقه إذا أبى شريكه أن يعطيه قيمة بنيانه قائما أن يعطيه هو قيمة الأصل ويكونا فيه شريكين، إذ قد قيل ذلك في حكم الاستحقاق، وهذا التأويل أصح من جهة المعنى، لأن الفسخ من جهة الفساد شبيه بالاستحقاق، والتأويل الأول أظهر من جهة اللفظ، وبالله التوفيق.
مسألة: قرية بها غامر فأراد أهلها أن ينتفعوا بحرثه كيف يقسم بينهم
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن قوم سكنوا قرية لبعضهم فيها أكثر من بعض، وللقرية غامر، فأرادوا أن
يخترقوه وينتفعوا بحرثه كيف يقسم بينهم؟ أعلى قدر مالهم من أصل سهام القرية؟ أم على قدر ما في أيديهم اليوم منها؟ أم على عددهم؟ وعسى أن يكون في القرية من ليس بيده منها إلا مسكنه أو الشيء القليل منها، فقال: إن ادعوا الغامر لأصل القرية وبذلك يجاورون جيرانهم من أهل القرى قسم الغامر على أصل سهام القرية على قدر ما لهم في أصل ذلك، ومن لم يكن له من أصل سهام القرية شيء بميراث ولا باشتراء سهم ولا عطية سهم وإنما اشترى أو أعطي حقولا بأعيانها أو حوزا من الأرض بعينه أو دارا أو مقصلة أو ما أشبه هذا مما يشترى بعينه ليس ما اشترى سهما من السهام يجاري به في القسمة أهل الميراث فلا حق لهؤلاء في الغامر وهو يقسم على كل ذي سهم من أهل الميراث، ومن اشترى أو أعطي شيئا مشاعا فهو يكون به قسيما على قدر سهامهم، قال: وإن ادعوا الغامر أجمعون لأنفسهم وفيهم وارث وغير وارث ومشتري سهم ومعطاه ومشتري غير سهم فتداعوا فيه كلهم فقال كل واحد الغامر لي دونكم فإنه يقسم على أهل القرية كلهم إذا تداعوا فيه أجمعون على عددهم كالشيء الذي يتداعى فيه رجلان فلا يستحقه واحد منهما دون صاحبه، فيقسم بينهما بعد أن يحلفا جميعا على ما ادعياه فيه.
قلت له: فالغامر يكون بين عمران قريتين مثل أن تكون
قرية في ناحية الشرق وأخرى في ناحية الغرب وبينهما الميل أو الأميال وفيما بين عمران القريتين ومنتهى ما حرث من مزارعها أرض غامرة فيريد أهل إحدى القريتين حرث ذلك الغامر ويدعونه من حوز أرض قريتهم، ويريد أهل القرية الأخرى مثل ذلك ويدعون مثل دعواهم ولا بينة لهؤلاء ولا لهؤلاء على منتهى حوزهم من الغامر، ولا هل لهم دون أهل القرية الأخرى، فكيف ترى أن يقسم بينهم؟ قال: إن ادعاه هؤلاء لأصل القرية وهؤلاء مثل ذلك قسم بينهم بنصفين، ولا ينظر إلى قلة عمران إحدى القريتين، وإن قل جدا ولا إلى كثرة عمران الأخرى وإن كثر جدا، ثم يقسم أهل كل قرية نصفهم على سهامهم في قريتهم، وإن ادعوه أجمعون لأنفسهم يدعيه كل واحد منهم له دون صاحبه قسم بينهم أجمعين.
قلت: فإن كانت القريتان كلتاهما من شق واحد متجاورتين والغامر أمامهما أتقسمه بينهما نصفين أيضا؟ قال: لا ولكن لأهل كل قرية ما كان حذاء غامرها من الغامر قل ذلك أو كثر، وهو عندي بمنزلة الفناء يكون حذاء الدارين [فإنما] يعطى صاحب كل دار من الفناء إذا تداعيا فيه ما كان حذاء بنيان داره قل ذلك أو كثر.
قال محمد بن رشد: هذه ثلاث مسائل، قال في الأولى منها: إن لأهل القرية أن يقتسموا غامر قريتهم على قدر سهامهم فيها إن ادعوه لأصل القرية، أو على عددهم إن ادعاه كل واحد منهم لنفسه بعد أيمانهم، ولم
يبين إن كان هذا الغامر داخل القرية أو خارجا عنها، وذلك يختلف، أما إذا كان داخل القرية فلا اختلاف في أنه يقسم بينهم على ما قال بالسهمة على وجه قسمة الأرض بين الأشراك لأنه كالساحة للدار ذات البيوت، ألا ترى أنه لا يجوز للإمام إقطاعه، قيل: إذا اجتمعوا كلهم على قسمته أو جلهم ورؤساؤهم ومن إليه عماد أمرهم كساحة الدار لا تقسم إلا باجتماعهم على قسمتها، وهو قول أصبغ، وقيل: إنه يقسم بينهم وإن دعا إلى ذلك بعضهم كالأرض بين النفر، وهو الصحيح في النظر المشهور في المذهب المعلوم من مذهب مالك وعامة أصحابه ابن القاسم وغيره.
وأما إذا كان الغامر خارج القرية فاختلف أصحاب مالك في قسمته، ذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن نافع في أحد قوليه ومالك في رواية محمد بن يحيى السبائي عنه إلى أنه يقسم بينهم على ما يدعونه من أنه من أصل قريتهم، أو على عددهم بعد أيمانهم إن ادعاه كل واحد منهم ملكا لنفسه بالسهمة على وجه القسمة، وذهب ابن وهب وابن كنانة وأصبغ وابن نافع في أحد قوليه إلى أنه لا يقسم وإن اتفقوا على قسمته لما لعامة المسلمين فيه من المرافق باحتطابهم منه ومراعي دوابهم فيه من المارة وغيرهم إلا أن يثبت أنه لهم ومن حيز قريتهم فيقسم بينهم على ما يثبت حقهم فيه بالسهمة أيضا على وجه القسمة، وعلى قياس هذا القول يأتي ما وقع في كتاب الشهادات من المدونة في قوم ادعوا عفوا من الأرض وأقام هؤلاء بينة وهؤلاء بينة وتكافأت البينتان أنه يكون كسائر عفو بلاد المسلمين إذ لم ير أن يقسموه بينهم بعد أيمانهم إذ تكافأت البينتان؟ والمسألة الثانية في الغامر يكون بين قريتين إحداهما في الشرق والثانية في الغرب أو إحداهما في القبلة والثانية في الجوف يأتي على هذا الاختلاف في جواز قسمته، وكذلك إن كان متوسطا بين قرى كثيرة إلا أنه لا يقسم على مذهب من رأى أن قسمته بالسهمة، وإنما يقسم بالتعديل بالقيمة ويجعل نصيب كل قرية مما يليها ليرتفع الضرر بذلك عنهم بدخول بعضهم على بعض، وهذا القول اختار
ابن حبيب وقال: إنه لا تحمل الشعراء المجاورة للقرى أو المتوسطة بينها محمل العفا من الأرض الذي هو لعامة المسلمين، ألا ترى أنه ليس للإمام أن يقطع منها أحدا شيئا لأنه حق من حقوقهم كالساحة للدار أو للدور إنما العفا فيما بعد من العمران مما لا تناله ماشيتهم في غدوها ورواحها، فهذا لا حق فيه لأحد من [أهل]، القرى التي تجاوره ولا لغيرهم إلا بقطيعة من الإمام القاضي إن رأى إقطاعه بالناس أرفق من إقراره كما هو على حاله، واعترض الفضل قال ابن حبيب: إنه ليس للإمام أن يقطع شيئا من الشعراء التي تكون بين القرى، قال: وأين يقطع الإمام القاضي إلا فيما قرب من العمران، وهذا لا يلزم؛ لأنه إنما أراد أنه ليس للإمام أن يقطع من الشعراء القريبة من القرى جدا لأن إقطاعها ضرر بهم في قطع مرافقهم منها التي كانوا يختصون بها لقربهم منها على ما سنذكره فيما تكلمنا على أول مسألة من رسم الدور والمزارع إن شاء الله عز وجل؛ والمسألة الثانية في الغامر يكون حذاء قريتين متجاورتين تجري أيضا على الاختلاف المذكور في جواز القسمة إلا أنها لا تقسم على مذهب من رأى قسمة الغامر بالسهمة ولا بالتعديل بالقيمة، وإنما يكون لكل قرية من الغامر ما كان حذاء غامرها كما قال، وبالله التوفيق.
###: ليس له أن يحدث ما يضر بالمخاضة التي هي ممر المسلمين
ومن كتاب الصبرة قال: وسألته عن الرجل تكون [له] في أرضه مخاضة نهر فيريد أن ينصب في موضعها رحى، وتلك الرحى تغور المخاضة، أو ينصب الرحى تحتها فيغرق بالمخاضة ويقطعها أيجوز ذلك له؟ فقال: ليس ذلك له أن يحدث رحى ولا غيرها بموضع يجر بذلك العمل ضررا على الناس في المخاضة بقطعها ولا تغويرها ولا أمر
يغيرها عن حالها مما يرى أنه ضرر وجر إلى فساد المخاضة التي هي طريق للعامة.
قلت: فإن كانت المخائض منها على قرب مثل الميل أو الميلين أو الغلوة أو الغلوتين أيجوز له أن يرد الناس إلى بعض تلك المخائض فينتفع هو بما أحب أن يضع في أرضه وموضع رحاه؟ فقال: لا يجوز له تحويل الناس عن طريقهم إلى غيرها، ولا يجوز للناس منعه مما لا يضر بهم، فإن كان يقدر على عمل الرحى ولا يضر ذلك المخاضة ولا يغيرها عن حالها لم يمنع من العمل، قيل له: إن الضرر لا يتبين إلا بعد فراغه من العمل، قال: يقال له إن الذي يريد من العمل يخاف عاقبته، فإن زعمت أنه غير مضر فاعمل، فإن تبين ضرر عملك أبطلناه عليك ورددنا المخاضة على حالها، فإن شاء أن يعمل عمل على ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه ليس له أن يحدث ما يضر بالمخاضة التي هي ممر المسلمين من تغديرها أو تغويرها أو توعيرها وإن كانت المخائض منها على قرب مثل الميل أو الميلين أو الغلوة أو الغلوتين لما على الناس من المشقة في خروجهم عن طريقهم الغلوة الواحدة وهي منتهى السهم مائتا ذراع فما زاد على ذلك لقول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» ولو كانت المخائض على القرب جدا لم يمنع من إحداث الرحى على ما قاله في نوازل أصبغ بعد هذا ليسارة المؤونة على الناس في خروجهم عن طريقهم الشيء اليسير، فلا يمنع من منفعته بما يريد أن يحدثه في أرضه لما ليس فيه كبير مشقة على الناس، والأصل في هذا قول رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اجتمع ضرران ينفي الأصغر الأكبر» لأن منع الرجل
من أن يحدث رحى في أرضه ضرر به، ورد الناس عن طريقهم إلى غيرها ضرر بهم، فأي الضررين رأى أنه أصغر أي أقل ضررا بقي لصاحبه أي لم يلتفت إليه معه، ولا حد في ذلك إلا ما يؤدي إليه الاجتهاد الذي هو أصل في تقييد الأحكام عند عدم النص، «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن واليا: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله».
وأما قوله إن لم يتبين الضرر بالمخاضة إلا بعد العمل فإنه يقال له اعمل على أنه إن أضر عملك بالمخاضة أبطلناه عليك فهو صحيح، ومعناه إذا رجعت المخاضة إلى حالها بإبطال عمله، ولو كانت المخاضة لا ترجع إلى حالها بإبطال عمله لوجب أن يمنع من العمل بما يخاف أن يضر كما يمنع بما يوقن أن يضر على قياس قوله هذا، وليس بخلاف لما في سماع حسين بن عاصم بعد هذا في نحو هذا أنه لا يمنع من منافعه الحاضرة لشيء لا يدري أيكون أم لا، وسنتكلم على الفرق بين المسألتين هناك إذا وصلنا إليها إن شاء الله، وبه التوفيق.
###: الموات الذي يستحقه الناس بالإحياء
ومن كتاب يشتري الدير والمزارع قال يحيى: قلت لابن القاسم: أرأيت ما قرب للأمصار والمدن من الموات الذي لا يجوز للناس أن يستحيوه إلا بأمر الإمام القاضي إذا أقطعه الإمام القاضي رجلا أيورث عنه أو يبيعه إن شاء؟ فقال: نعم.