البيان والتحصيلصفحات 220-260
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 220-260
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

رجل حق فيلزمه، فقال الملزوم لرجل معه: اذهب ائتني بدنانير، فذهب الرجل فأتاه بدنانير، فدفعها إليه، فقبضها منه، وأوصلها إلى الذي يسأله الحق، ثم لبثوا أياما، فأتى الرجل المرسل إلى صاحب الحق الطالب يسأله شهادته بدفعه الدنانير إلى الذي عليه الحق، وزعم أنها له، وأراد أخذها من الذي عليه الحق، أترى للذي له الحق الطالب أن يشهد؟ وهل ترى شهادته جائزة؟ قال: نعم، أرى شهادته جائزة؛ لأنه قد انقطع ما بينهما، ولا يجر بها إلى نفسه شيئا، وليس للذي كان الحق عليه هاهنا حجة تطرح بها شهادته، ولا يدفعها بشيء، وليس هاهنا تهمة، فأرى شهادته جائزة، وقاله أصبغ، ولو كان إنما هو دفعها إليه عنه لم تجز، ولكنه دفعها إلى صاحبه، فكان هو الدافع عن نفسه إلى الغريم، فشهادته جائزة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، لا إشكال فيها، فلا معنى للقول فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: قوله إحدى امرأتيه أو امرأته وله امرأتان طالق

مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول فيمن شهد عليه شاهد واحد أنه حلف على شيء أنه إن فعله فامرأته طالق، وشهد آخر أنه قال: إن فعله فإحدى امرأتيه طالق، ففعله وجحد شهادتهما، قال: لا تجوز شهادتهما؛ لأنها قد اختلفت.
قال أصبغ: لا يعجبني ما قال ابن القاسم، ولا أدري كيف أجاب فيها بفهم أو بغير فهم، أو علم أو غيره، وأرى قوله: إحدى امرأتيه أو امرأته، وله امرأتان سواء، لا يفترق ذلك؛ لأن الحكم فيه يرجع إلى أمر واحد، وإلى النية والتدين، فإن كانت واحدة وإلا طلقتا جميعا، فهي شهادة مجتمعة غير مفترقة، فإن أقربها وادعى النية فله ذلك، وإن أنكرها كان

كمن أقر، ولا نية له، فتطلقان جميعا بالشهادة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم العرية، من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهدون على شهادة الرجل عند القاضي وهم لا يعرفونه والقاضي يعرفه بالعدالة

مسألة قال أصبغ: سألت أشهب عن القوم يشهدون على شهادة الرجل عند القاضي، وهم لا يعرفونه، والقاضي يعرفه بالعدالة أو يعدله عند القاضي غيرهم، أتجوز شهادته بعينه؟ قال: نعم؛ إذا عرفه القاضي بالعدالة جازت شهادته، قال أصبغ: ذلك بعد معرفة أخرى بأنه الرجل الذي شهد على شهادته بعينه لا يحتمل اسمه لغيره، فيكون غير الذي عرف القاضي بالعدالة والمعدلون.
قال الإمام القاضي: قوله: وهم لا يعرفونه؛ معناه لا يعرفونه بالعدالة، ويعرفونه بالعين والاسم، مع أن يكون مشهورا لا يختلط بغيره، وأما إن كانوا لا يعرفونه بالعين والاسم، أو كانوا يعرفونه بالعين والاسم ولكن ليس بمشهور، فلا تجوز الشهادة؛ لاحتمال أن يكون الذي شهدوا على شهادته غير الذي عرفه القاضي بالعدالة والمعدلون، وهذا معنى قول أصبغ، فهو تفسير لقول ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة: تحليف الرجل أباه في حق يدعيه فيه

مسألة وسئل عن الذي يقع له القضاء على أبيه باستحلافه، أو الحد يقع له عليه، فيريد أخذه فيقال له: إنه عقوق أن تستحلفه أو تحده فيستحلفه أو يحده، فقال: لا تجوز شهادته، قيل له: فإن كان جاهلا بأنه عقوق، فرأى ألا تجوز أيضا شهادته وقال: إن عذر بالجهالة في هذا عذر أيضا في أشياء كثيرة من ارتكاب الحرام، وما

أشبه ذلك، فلا أرى أن تجوز شهادته، قال أصبغ: ثم سألته أيضا عمن استحلف أباه في حقه، وحقه حق، قال: أراه عقوقا، وإن كان حقه حقا، فلا أرى أن تجوز شهادته.
قال محمد بن رشد: اختلف في تحليف الرجل أباه في حق يدعيه فيه، أو حده على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك مكروه، وليس بعقوق فيقضى له بذلك، ولا تسقط به شهادته.
والثاني: أن ذلك عقوق، فلا يقضى له بذلك، وهو مذهب مالك في المدونة في اليمين، في كتاب المديان، وفي الحد في كتاب القذف، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب؛ لما أوجبه الله من بر الأبوين بنص القرآن، وبما تظاهرت به الآثار، وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يمين للولد على والده، ولا للعبد على سيده».
والثالث: أن ذلك عقوق، إلا أنه يقضى له به، وتكون جرحة فيه تسقط به شهادته، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وهو بعيد؛ لأن العقوق إن كان من الكبائر، فلا ينبغي أن يمكن من فعله أحد، وبالله التوفيق.

###: تفتدي من زوجها ويقوم لها بينة يشهدون لها على السماع أن زوجها كان يضربها

ومن كتاب النكاح قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن التي تفتدي من زوجها ويقوم لها بينة يشهدون لها على السماع أن زوجها كان يضربها؛ أتجوز في مثل هذا شهادة السماع؟ قال: نعم، ومن يشهد في هذا إلا بالسماع؟ يسمع في ذلك الرجل من أهله، ومن الجيران، وما أشبه ذلك، ويكون ذلك أمرا فاشيا، قلت: أفيجوز في مثل هذا شاهدان على السماع؟ فقال: السماع البين في مثل هذا، والأمر المعروف أحب إلي، وعسى بهذا أن يجوز، فأرى أن تجوز.
قلت: أيحلف مع ذلك؟ قال: لا.

قلت: فإن شهد لها شاهد واحد على البتات، فقطع الشهادة أن زوجها كان يضربها ويضيق عليها، أتحلف معه؟ قال: وكيف يعرف ذلك؟ قلت: يقول سمعته واستبان عندي، قال: إن كان هذا يكون فعسى، وانظر فيه، قال أصبغ: وهو عندي جائز إن لم يكن معه غيره، فكان معه سماعا قاطعا، وإلا حلفت معه، وإن كان معه سماع منتشر، وإن كان غير قاطع رد عليها العطية والوضيعة؛ لأنه مال تحلف عليه مع شاهدها ويمضي الفراق، قال أصبغ: ثم سألته بعد ذلك، فقال: نعم تحلف مع شاهدها، ويرد عليها، وهو مثل الحقوق، وأنا أرى ذلك؛ لأنها إنما تحلف على مال، والطلاق قد مضى بغير ذلك.
قال الإمام القاضي: إجازة ابن القاسم في هذه الرواية شهادة السماع في ضرر الزوج بزوجته دون يمين خلاف أصله في المدونة في أن شهادة السماع، لا يثبت بها النسب ولا الولاء، وإنما يستحق بها المال مع اليمين، واختياره ألا يكتفى في ذلك بشهادة الشاهدين، إنما هو مراعاة لما ذهب إليه ابن الماجشون من أنه لا تجوز في شهادة السماع أقل من أربعة شهداء، وقد مضى تحصيل الخلاف فيما تجوز فيه شهادة السماع مما لا تجوز في صدر نوازل سحنون.
وأما الشهادة في ذلك على البت من جهة السماع، فلا اختلاف في إجازتها، فإن لم يشهد بذلك إلا شاهد واحد حلفت معه، واستردت مالها على ما قاله في آخر المسألة، ولا وجه لتمريضه ذلك في أول المسألة بقوله: فعسى، وانظر فيه، وقول أصبغ: إنه إن لم يكن مع الشاهد على البت غيره حلفت معه، وإن كان معه سماع قاطع أو منتشر غير قاطع ردت عليها العطية والوضيعة، يدل على أنه أنزل السماع منزلة شاهد آخر على البت، فلو انفردت على مذهبه شهادة السماع لم يستحق بها المال دون يمين، فقوله على قياس قول ابن القاسم، وروايته عن مالك

في المدونة خلاف روايته عنه في هذه الرواية، فتدبر ذلك وأنعم النظر فيه.

###: شاهد الزورهل تقبل شهادته

من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم في شاهد الزور: هل تقبل شهادته؟ قال: إن عرفت منه توبة وإقبال وتزايد في الخير فأرجو، قيل له: إنها سر، قال: إن عرفت بالتزيد، فأرجو أن تقبل شهادته، ولا أظنه إلا قول مالك.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات أنها سر، وفي بعضها أنها أشد، وفي بعضها أنها أشر، وفي بعضها أنها أبين، والصحيح في المعنى من ذلك رواية من روى أنها سر يريد أن ما يستسر به لا تقبل توبته منه كالزنديق، وظاهر هذه الرواية خلاف ما في المدونة من أنها لا تجوز أبدا وإن تاب وحسنت حاله، وقد قيل: إن معنى رواية أبي زيد هذه إذا أتى تائبا مستهلا مقرا على نفسه بشهادة الزور، قبل أن تظهر عليه، ومعنى ما في المدونة، إذا عثر عليه أنه شهد بزور، ولم يستهل هو بذلك على نفسه، وهو الأولى، والله أعلم.

مسألة: شهد أحدهما على رجل أنه صالح امرأته وشهد الآخرأنه طلقها طلقة أو البتة

مسألة وقال في رجلين شهد أحدهما على رجل أنه صالح امرأته، وشهد الآخر أنه طلقها طلقة أو البتة، قال: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: لا شيء عليه، لا طلاق عليه؛ لأن شهادتهما توجب اليمين عليه، وهذه مسألة قد تقدمت في مواضع، ومضى القول فيها مستوفى في رسم العرية، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يقضى بشاهدي المطلوب

مسألة وسئل عن رجل أتى بشاهدين يشهدان أن له على فلان عشرين دينارا، وجاء المشهود عليه بشاهدين يشهدان أن هذا المدعى عليه أقر عندنا منذ أشهر أن ليس له قبل فلان شيء، ولا يدري الشاهدان اللذان شهدا على الحق أقبل هؤلاء الشهود أم بعد؟ قال: أرى أن يقضي بشاهدي المطلوب، قيل له: فإن لم يعلم شاهدا المطلوب، ولا شاهدا الطالب متى شهدوا هؤلاء قبل هؤلاء، أم هؤلاء قبل هؤلاء؟ قال: يقضى بشهداء المطلوب.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن المطلوب لم ينكر العشرين، لكنه أقر بها، وادعى البراءة منها، واستظهر على ما ادعاه بإقرار الطالب أنه لا شيء له عنده، فالطالب يقول: إنما أقررت له بأنه لا شيء له عندي قبل أن يجب لي عليه العشرون، والمطلوب يقول: إنما أقر بذلك لبراءتي منها إليه بعد وجوبها له علي، فقيل: القول قول المطلوب، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية؛ لأن قوله يقضى بشاهدي المطلوب، معناه يقضى بأن يكون القول قول المطلوب من أجل شهادة شاهدين، وقيل: القول قول الطالب، وهو الذي يأتي على قول ابن نافع في سماع يحيى من كتاب الدعوى والصلح، وهذا إذا كانت بينهما مخالطة، ولو لم تكن بينهما مخالطة؛ لكان القول قول المطلوب قولا واحدا، ولو كان له قبله حق قديم غير هذا؛ لكان القول قول الطالب قولا واحدا، بدليل ما في سماع أشهب من كتاب الوديعة، ووجه القول الأول هو أن إقرار الطالب أنه لا حق له قبله دليل على أنه قد استوفى حقه منه؛ إذ لا يشهد أحد بأنه لا حق له عند من لم يكن قط عنده حق، ووجه القول الثاني: أن الدين قد وجب على المطلوب بإقراره على نفسه، فلا يسقط عنه إلا بيقين، وهو الأظهر، وكذلك إذا أقر المطلوب بعشرين، وأتى ببراءة بعشرين فقال: هي العشرون التي أقررت لك بها، وقال الطالب: بل هي غيرها، يكون القول قول الطالب إن كان له قبله غيرها، والقول فيها قول المطلوب إن لم يكن كان له قبله

غيرها، ولا كانت بينهما مخالطة، ويختلف إن لم يكن له قبله حق، وكانت بينهما مخالطة على القولين المذكورين، ولسحنون في نوازله من كتاب المديان والتفليس قول ثالث في هذه المسألة، وهو تفرقته بين أن يأتي المطلوب ببراءة واحدة تستغرق العدد أو ببراءات مفترقات، وهو قول ضعيف، وأما إن كان المطلوب منكرا للعشرين التي قامت عليه البينة بها، فلا إشكال ولا اختلاف في أن القول قول الطالب؛ إذ لا تسقط بينة بأمر محتمل، وإنما يختلف إذا أتى بالبينة أنه قضاه العشرين بعد الإنكار، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الذي عليه الحق

مسألة وسئل عن رجل يكون له على رجل عشرة دنانير، فيشهد الذي عليه الحق أن طالب العشرة دنانير أقر أنها ليست له، وأنها لفلان، وشهد بذلك عليه رجل آخر مع الذي عليه الحق؟ قال: لا تجوز شهادة الذي عليه الحق، ويحلف ذلك الرجل مع شاهده، ويستحق العشرة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله من أن شهادة الذي عليه العشرة، لا تجوز للطالب؛ لأنه شاهد لنفسه على المشهود عليه أنه لا حق له قبله، وسواء كان الطالب المشهود عليه حاضرا أو غائبا، بخلاف ما كان حاضرا ليس في الذمة مثل أن يقر الرجل أن المال الذي دفعه إليه فلان هو لفلان، أو أن الشيء الذي وضعه على يديه فلان قد تصدق به على فلان، فهذا يفرق فيه بين أن يكون المشهود له حاضرا أو غائبا على ما في كتاب الشهادات وغيره من المدونة، وبالله التوفيق.

مسألة: قيد الرجل ما أشهد عليه بخط يده ثم نسي بعد ذلك

مسألة قلت له: كنت قاعدا عند ضمام، فجاء رجل فأشهدني على شهادة ضمام، فكتبت شهادتي، ثم جاء الرجل بعد حين بكتاب فيه شهادتي، وعرفت خطي، وأثبت أن ضماما أشهدني على شهادته في أمر دار، أذكر ذلك غير أني لا أحفظ أن هذا الكتاب الذي فيه شهادتي قرئ علي، ولا أحفظ أنه أشهدني على هذه الدار التي في هذا الكتاب، قال: إن لم تثبت شهادتك في الكتاب حرفا بحرف، فلا تشهد.
قال محمد بن رشد: إنما هذا إذا قيد الرجل ما أشهد عليه بخط يده ثم نسي بعد ذلك، ولم يذكر جميع ما قيده غير أنه يعرف أنه خطه، وفي هذا اختلاف، وقد مضى بيانه في نوازل سحنون قبل هذا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهدوا على رجل فقال بعضهم قال امرأتي طالق وقال آخرون قال غلامي حر

مسألة قال ابن القاسم في نفر جماعة شهدوا على رجل أنه تكلم بكلمة واحدة، فقال بعضهم: إنما قال: امرأتي طالق، وقال آخرون: إنما قال: غلامي حر؛ لا طلاق عليه ولا حرية عليه، وكذلك لو شهد بعضهم أنه أقر لفلان بمائة دينار، وقال الآخرون: إنه أقر له بمائة درهم أنه لا يلزمه الدنانير ولا الدراهم، ولو شهد بعضهم أنه أقر لرجل بمائة دينارا، وشهد الآخرون أنه أقر له بخمسين دينارا قال: يغرم المائة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الصبرة، من سماع يحيى، وفي نوازل سحنون وأصبغ، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: ما تكافؤ البينة

مسألة وسئل ابن القاسم: ما تكافؤ البينة؟ قال: أن يكونوا في العدالة سواء، ولا ينظر إلى الكثرة من القلة، قيل: أريت إن كان لي شاهد عدل، وجاء صاحبي بشاهدين عدلين إلا أن شاهدي أعدل من الشاهدين؟ قال: يقضى بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق، ولا يلتفت إلى شهادة الشاهدين وإن كانا عدلين.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها أن الترجيح بين البيتين إنما يكون بكثرة العدالة لا بكثرة العدد، وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك: أن البينتين إذا استوتا في العدالة، وإحداهما أكثر من الأخرى، قضى بالأكثر عددا، إلا أن يكون الأقل عددا كثيرا يكتفي بهم الحاكم فيما يلتمس من الاستظهار، فهنالك لا تغني كثرتهم شيئا، ويكون استواؤهم في العدالة كما لو لم يشهد فيه أحد، فإن كان الشيء المشهود فيه بيد أحد المدعيين أقر بيده، وإن لم يكن بيد واحد منهما استحلفا جميعا، وقسم بينهما بعد الاستيناء إن كان مما يرى الحاكم الاستيناء فيه، ومن أهل العلم من لا يرى الترجيح أصلا، لا في العدالة ولا في العدد، ويقول: إذا شهد شاهدان عدلان ممن تنقطع بهما الشهادة لو لم يكن غيرهما، فهما ومن هو أعدل منهما، وأكثر عددا من البينة بمنزلة سواء؛ لأنهما قد أحقا لمن شهدا له ما أحقه أولئك الذين هم أعدل وأكثر، وهو قول المخزومي، قال ابن حبيب: ولو أخذ أحد بهذا ما أخطأ.
وأما قول ابن القاسم: إنه يقضى بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق إذا كان أعدل من الشاهدين، فهو خلاف قوله في سماع أصبغ عنه من كتاب الدعوى والصلح، وخلاف ما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون، من أن الشاهدين إذا كانا عدلين أحق من اليمين مع الشاهد الذي هو أعدل أهل زمانه، وهو الأظهر؛ إذ من أهل العلم من لا يرى الحكم باليمين مع الشاهد أصلا، ومن لا يرى الترجيح بين البينتين أصلا، فالقول بأنه يقضى بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق إذا كان أعدل من

الشاهدين، إغراق في القياس، وقد مضى في آخر سماع عيسى القول في الترجيح بين المعدلين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يشهد لابن امرأته

مسألة ولا تجوز شهادة رجل يشهد لابن امرأته، وكذلك شهادة المرأة لابن زوجها، أنها لا تجوز.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم جاع، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: شهادة رجل على قضاء قاض أنه قضى لفلان على فلان بهذا الحق

مسألة قال: ولا تجوز شهادة رجل على قضاء قاض أنه قضى لفلان على فلان بهذا الحق حتى يشهد على أنه قضى به شاهدان.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: ذكرا أن رجلا استودعهما شهادة والذي استودعهما الشهادة غائب

مسألة وسئل عن رجلين ذكرا أن رجلا استودعهما شهادة، والذي استودعهما الشهادة غائب، فقاما بتلك الشهادة، فشهدا بها وقضى بشهادتهما مع رجل غيرهما، ثم جاء الشاهد الغائب الذي شهد الرجلان على شهادته، فأنكر أن يكون أشهدهما على شيء من هذا الأمر؟ قال: لا ينظر إلى قوله، ويمضي على ما شهدا أولا.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادتهم لمن شهدوا له في مجلسين

مسألة قيل: أرأيت لو شهدت لرجل أن له على رجل عشرة دنانير، وشهد لي الرجل الذي شهدت له أن لي على رجل عشرة دنانير في مجلس واحد؟ قال: إذا كنتما عدلين لا تتهمان في شهادتكما، جازت شهادتك له، وشهادته لك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الاختلاف في هذه المسألة في نوازل سحنون، وتحصيله أن في شهادة الشهود لمن شهدوا له في مجلس واحد ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها لا تجوز.
والثاني: أنها جائزة، والثالث: أنها جائزة إن كانت على رجلين، وغير جائزة إن كانت على رجل واحد، وأما شهادتهم لمن شهدوا له في مجلسين فهي جائزة إن كانت على رجلين، وإن كانت على رجل واحد فعلى قولين، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد قطع بشهادة حق فظن أنه حر ولم يعلم بذلك حتى عتق

مسألة وعن عبد قطع بشهادة حق، فظن أنه حر، ولم يعلم بذلك حتى عتق؟ قال: يرد الحق ولا يقطع.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما مضى قرب آخر نوازل سحنون، وقد مضى من القول على ذلك هنالك، ما لا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة ابن الملاعنة في الزنا

مسألة قال ابن القاسم: تجوز شهادة ابن الملاعنة في الزنا، ولا يشبه ولد الزنا.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في آخر نوازل سحنون، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهدا عليه وأختلفا

مسألة وقال فيمن شهد عليه شاهد واحد في شيء إن فعله فامرأته طالق، وشهد آخر أنه قال: إن فعله فإحدى امرأتيه طالق، ففعله وأنكر شهادتهما، قال: لا تجوز شهادتهما؛ لأنها قد اختلفت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تكررت في مواضع، ومضى القول عليها مستوفى في رسم العرية، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة السماع

مسألة قال: وإنما تجوز شهادة السماع أن يقول: لم أزل أسمع أن فلانا مولى فلان فيرثه، ولا يجر ولاءه، ولا يرث مواليه، ولا بني عمه يريد الميت، ولا عصبته، إنما يرث ما له قط، ولا يجر ولاءه ولا يثبت له نسب، إلا أن يكون أمرا مشتهرا مثل أن يقول: أشهد أن نافعا مولى ابن عمر، وأن عمر هو ابن الخطاب؛ لأن هذا أمر معروف، ولا يختلف فيه أحد، فإذا كان مثل هذا أجزت له الولاء، وأثبت له النسب، قيل له: أنشهد الساعة أنك ابن القاسم، ولا أعرف أباك، ولا أعرف أنك ابنه إلا بالسماع؟ قال: نعم، تقطع بهذه الشهادة، ويثبت بها النسب، ويرث ويورث، ويجر الولاء إذا كان في مثل هذا الأمر المعروف.
قال الإمام القاضي: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن السماع إذا كان مشتهرا في الولاء والنسب مثل ما اشتهر من أن نافعا مولى

ابن عمر، ومن أن عمر هو ابن الخطاب، يثبت به النسب والولاء، ويشهد الشاهد فيه على القطع، فيقول: نشهد أن فلانا هو ابن فلان، وأن فلانا هو مولى فلان، وأما إذا لم يكن السماع بذلك، مشتهرا اشتهارا يصح للشاهد به الشهادة على القطع، فقال في شهادته: لم أزل أسمع من أهل العدل وغيرهم أن فلانا هو ابن فلان، وأن مولى فلان ففي ذلك اختلاف، قيل: إنه يثبت بذلك النسب والولاء، وهو قول أشهب، والذي يأتي على قياس قول ابن القاسم في سماع أصبغ، في إجازة شهادة السماع، في ضرر الزوجين، وقيل: إنه لا يثبت بها النسب ولا الولاء، ويستحق بها الميراث، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وفي المدونة، ويتخرج في المسألة قول ثالث: أنه لا يثبت بها النسب ولا يستحق بها المال؛ لأن المال لا يستحق إلا بعد ثبات النسب أو الولاء، وقد مضى في صدر نوازل سحنون تحصيل الاختلاف فيما تجوز فيه الشهادة على السماع مما لا تجوز، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق.

مسألة: الشهادة على الشهادة في الزنا

مسألة قال ابن القاسم تجوز شهادة ثلاثة على ثلاثة في الزنا واثنين على واحد.
قال محمد بن رشد: هذا نص قول ابن القاسم في المدونة: أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تتم بأقل من أربعة شهداء إذا شهدوا على كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على الرؤية، وكذلك لو شهد منهم اثنان على اثنين، أو اثنان على ثلاثة، أو اثنان على واحد، فإن لم يفرقوا لم يكن بد من اثنين على كل واحد، فيصيروا ثمانية، ويجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم اثنان على كل واحد منهم، أو أربعة على جميعهم، وهو مذهب ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ؛ فقول ابن القاسم في

الرواية: يجوز ثلاثة على ثلاثة في الزنا، واثنين على واحد؛ كلام خرج على سؤال سائل، فلا دليل فيه على أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان على الثلاثة، واثنان على الواحد حسبما ذكرناه، وذهب مالك في رواية مطرف عنه إلى أنه لا يجوز في الشهادة على الشهادة في الزنا إلا ستة عشر شاهدا أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا أو افترقوا، وكذلك لا يجوز عنده في تعديل الشهود على الزنا إلا ستة عشر شاهدا أربعة على كل واحد من الأربعة، اجتمعوا أو افترقوا، وفي تعديل الشهود على الشهود إلا أربعة وستون أربعة على كل واحد من الستة عشر، اجتمعوا أو افترقوا، ويتخرج في المسألة قول ثالث، وهو أنه واحد من الستة عشر اجتمعوا أو افترقوا، ويتخرج على كل واحد منهم إن افترقوا، وقد مضى طرف من هذا المعنى في آخر نوازل سحنون، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة الرجل على الرجل بما سمع منه دون أن يشهده

مسألة قال ابن القاسم في قاض شهد عنده رجل لرجل أن له على فلان مائة دينار، فذهب فأتى بشاهد آخر، فمات الشاهد الذي شهد وعزل القاضي، فأراد القاضي أن يشهد أنه قد شهد عنده فلان أن له على فلان مائة دينار أتثبت شهادته؟ قال: نعم، إن شهد معه غيره، وإلا فلا.
قال الإمام القاضي: شهادة الرجل على الرجل بما سمع منه دون أن يشهده، تنقسم على ثلاثة أقسام؛ أحدها: شهادته عليه بما سمع منه من قذفه لرجل بما يجب له به عليه حد أو أدب.
والثاني: شهادته عليه بما سمع منه من إقراره على نفسه لرجل بحق.
والثالث: شهادته عليه بما سمع منه من شهادته على غيره، فأما شهادته عليه بما سمعه منه من قذفه لرجل بما يجب له به عليه حد أو أدب، فلا اختلاف في أن شهادته عليه جائزة، وأما شهادته عليه بما سمع منه من إقراره على نفسه لرجل بحق، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يشهد ولا تجوز شهادته إن شهد، وهو أحد قولي مالك في

المدونة، وقول ابن أبي حازم، وابن الماجشون وروايته عن مالك في المدنية، ومثله لمالك في كتاب ابن المواز، قال: لا يشهد الرجل على الرجل بما سمع من إقراره على نفسه دون أن يشهده على ذلك، إلا أن يكون قاذفا.
والثاني: أن شهادته جائزة، وهو أحد قولي مالك في المدونة، واختيار ابن القاسم فيها، وأما شهادته عليه بما سمع منه من شهادته على غيره بحق أو قذف أو زنا، فلا اختلاف في أنه لا يجوز له أن يشهد على شهادته بما سمع منه دون أن يشهده، فإن شهد لم تجز شهادته، وحد إن كان شهد على شهادته في زنا على اختلاف في ذلك، وقد ذكرناه في غير هذا الكتاب، واختلف إن سمعه يؤديها عند الحاكم، أو كان هو الحاكم فشهد بها عنده أو سمعه، يشهد غيره على شهادته، ولم يشهده هو، فالمشهور أن شهادته على شهادته جائزة، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية ورواية حسين بن عاصم عنه في بعض روايات العتبية من هذا الكتاب، والذي يأتي على قياس قوله في المدونة في إجازة شهادة الرجل على الرجل، بما سمع منه إذا استوعب كلامه، وإن لم يشهده، وقد قيل: إنها لا تجوز، وهو الذي يأتي على قياس أحد قولي مالك في المدونة، ورواية ابن الماجشون عنه في المدنية، وما حكاه ابن المواز عنه، وبالله التوفيق.

مسألة: شهدوا على امرأة أنها أوصت بكذا فشهد آخرون أنها كانت موسوسة

مسألة وسئل عن قوم شهدوا على امرأة أنها أوصت بكذا وكذا في مرضها، وهي صحيحة العقل، فشهد آخرون أنها كانت موسوسة؟ فقال: أرى أن تثبت شهادة الذين شهدوا في الوصية، وتطرح شهادة الذين شهدوا أنها موسوسة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى التكلم عليها في آخر نوازل سحنون، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يكون عدوا لرجل فشهد له وعليه بشهادة

مسألة قال: وسئل عن الرجل يكون عدوا لرجل، فشهد له وعليه بشهادة، أتجوز له وعليه، أم لا تجوز له، ولا تجوز عليه، كان ذلك في شهادة واحدة أو في شهادات مفترقة؟ قال: يجوز له، ولا يجوز عليه إن كان هذا في شهادات مفترقة، وإن كان في شهادة واحدة، لم يجز له ولا عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إنه يجوز له، ولا يجوز عليه إن كانت الشهادتان مفترقتين؛ لأن شهادة الرجل تجوز لعدوه، ولا تجوز عليه، ولا تجوز له ولا عليه إن كانت الشهادة واحدة؛ لأن شهادة الرجل على عدوه لا تجوز لأنه متهم فيها، وإذا سقط بعض الشهادة للتهمة بطل جميعها على المشهور في المذهب، وقد قيل: إنها يجوز منها ما لا تهمة فيه، وهو قول أصبغ في نوازله حسبما بيناه فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: شهادة ابن خمس عشرة سنة

مسألة قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة ابن خمس عشرة سنة، إلا أن يحتلم حتى يبلغ ثمان عشرة سنة، فإذا بلغها جازت شهادته، وإن لم يحتلم، وقال ابن وهب: تجوز شهادة الغلام إذا أتى عليه خمس عشرة سنة، وإن لم يحتلم إذا كان عدلا؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أجازهم في القتال يوم الخندق، ولم يجز ابن أربع عشرة سنة يوم أحد، وكان أحد قبل الخندق بسنة.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن القاسم أنه لا تجوز شهادته إذا لم يحتلم حتى يبلغ سبع عشرة سنة، ففي الحد الذي يحكم به لمن لم

يحتلم بحكم من احتلم ثلاثة أقوال ترجع إلى قولين؛ أحدهما: أنه لا يحكم له بالبلوغ إذا لم يحتلم حتى يبلغ من السن ما لا يجاوزه أحد في الغالب، إلا احتلم وهو السبعة عشر عاما، أو الثمانية عشر عاما.
والثاني: أنه يحكم له بالبلوغ إذا بلغ من السن سن من قد يحتلم من الناس، وإن لم يكن ذلك غالبا، فأول سن الاحتلام خمسة عشر عاما، وآخره سبعة عشر عاما، أو ثمانية عشر عاما، فيحكم له بالبلوغ عند ابن وهب ببلوغ أول سن الاحتلام، ولا يحكم له به عند ابن القاسم إلا ببلوغ آخره في جميع العبادات قياسا على الشهادات؛ لأنها من العبادات التي خاطب الله عباده بها حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]، وقوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]، وقوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283]، وهو مصدق فيها إذا ادعى أنه لم يحتلم، كما يصدق في العبادات التي بينه وبين خالقه من الصلاة والصيام وما أشبه ذلك.
واختلف هل يصدق أنه لم يحتلم فيما يتعين عليه من الحقوق والحدود في بدنه، فقيل: إنه لا يصدق في ذلك، وقيل: إنه يصدق فيه، وإلى هذا يرجع عندي اختلاف قول مالك في المدونة في وجوب إقامة الحد على من أنبت وإن لم يحتلم؛ لأن الإنبات يكون عند أول سن الاحتلام، فله حكمه، وقد قيل: إن اختلاف قول مالك في المدونة في وجوب الحد على من أنبت، ولم يحتلم لا يرجع إلى التصديق في الاحتلام، وأنه على ظاهره في وجوب الحد بالإنبات، ولزوم جميع العبادات له، وإن أحد قولي مالك في وجوب الحد على من أنبت، وإن لم يحتلم يأتي على قياس قول ابن وهب في إجازة شهادة من بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم، وهو بعيد؛ لأن قول ابن وهب شذوذ، وحجته بالحديث ضعيفة، فقد قال ابن عبد الحكم وغيره في غير العتبية: إنه إنما أجازه؛ لأنه

رآه مطيقا للقتال، ولم يسأله عن سنه، فلا دليل فيه على أنه حد للبلوغ.
وإن ادعى الشاهد قبل أن يبلغ أقصى سن الاحتلام في الغالب أنه قد احتلم لم يصدق؛ لأنه يتهم في إجازة شهادته بخلاف الحدود والعبادات إذا ادعى أنه لم يحتلم، فيصدق في العبادات قولا واحدا؛ لأنه فيما بينه وبين خالقه، وفي الحدود على اختلاف، فوجه القول بتصديقه ما جاء من أن الحدود تدرأ بالشبهات، ووجه القول بأنه لا يصدق اتهامه في إسقاط الحد عن نفسه، وحد جواز الشهادة حد بتوجه الخطاب، ولزوم التكليف؛ لأن من لم يتوجه إليه الخطاب ولا لزمه التكليف، فليس بمتحرز في شهادته؛ إذ ليس يأثم ولا يجرح في الكذب فيها لارتفاع العلم عنه، ولا تجوز شهادة من لا يتحرج في عبادته.

مسألة: الشهادتان في مجلس واحد ولفظ واحد اختلفا فيه

مسألة قال: ولو أن رجلا شهد له أن عند عبد الله عشرة دنانير، وشهد شاهد آخر أن له على عبد الله عشرين دينارا قال: يحلف مع كل شاهد يمينا، وتكون له العشرون والعشرة، ويأخذ منه ثلاثين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن قول.
أحد الشاهدين له عنده خلاف قول آخر له عليه؛ لأن لفظة عنده، تقتضي الأمانة، ولفظة عليه تقتضي الذمة، فكل واحد منهما شهد له على عبد الله بغير ما شهد له به عليه الآخر، فله أن يحلف مع كل واحد منهما، ويستحق الثلاثين، وإن شاء أن يحلف مع أحدهما، ويرد اليمين على المطلوب فيما شهد به الشاهد الآخر، وإن شاء أن يرد اليمين على المطلوب في الجميع، وليس له أن يأخذ العشرة دون يمين؛ إذ لم يجتمع له عليها الشاهدان بخلاف إذا شهد أحدهما أن له عليه عشرة، وشهد الآخر أن له عليه عشرين، هذا له أن يأخذ العشرة دون يمين؛ لاجتماع الشاهدين عليهما، وإن شاء أن يحلف مع

الشاهد الذي شهد له بالعشرين ويأخذها، وهذا إذا كانت الشهادتان في مجلس واحد ولفظ واحد، اختلفا فيه فقال أحدهما: إنه أقر له بعشرة، وقال الآخر: بل أقر له بعشرين، وإن كانت الشهادة في مجلسين، فهما حقان، وله أن يحلف مع كل واحد منهما، ويستحق ما شهد له به، ولو قال الشاهدان اللذان شهد أحدهما: أن له عنده عشرة دنانير، وقال الآخر: إن له عليه عشرين دينارا: إنها شهادة واحدة لبطلت شهادتهما، إن زعم رب الحق أنهما حقان مختلفان، وإن زعم أن أحدهما محق حلف مع الذي ادعى أنه محق، وأخذ ما حلف عليه، وقد مضى في نوازل سحنون بيان هذا في الشاهدين، يشهد أحدهما لرجل ببغل، والآخر بحنطة، ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.
كمل كتاب الشهادات بحمد الله وحسن عونه.

###: كتاب السداد والأنهار

مسألة: الماء يكون بين الرجلين فتهور البئر فيقال لأحدهما اعمل ولك الماء كله

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على من لا نبي بعده، ولا شفيع نرجوه سواه، سيدنا محمد من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن تفسير قول مالك في الماء يكون بين الرجلين، فتهور البئر، فيقال لأحدهما: اعمل ولك الماء كله، أو اعمل مع صاحبك إن كل أرض كانت مشتركة لم يقتسمها أهلها من نخل أو أصول أو أرض فيها زرع زرعوه جميعا، فانهدمت أو تهورت البئر، فإنه يقال لصاحبه إذا كان بينهما الأصل: اعمل مع صاحبك، أو بع حصتك من الأصل والماء، أو قاسمه الأصل، فخذ حصتك ويأخذ حصته، فيؤمر من أحب أن يعمل عمل، ومن أحب أن يترك ترك، ومن عمل منهما كان له الماء كله حتى يأتيه شريكه بما يصيبه من النفقة، فيرجع على حقه من الماء، وإن كان بينهما زرع أو شجر مثمر في أرض لهما، فإن من أبى أن يعمل يجبر على ما أحب أو كره، أو يبيع ذلك ممن يعمل معه، وأما كل أرض مقسومة أو شجر مقسومة، أو زرع لرجلين في أرض مقسومة بينهما، إلا أن ماءهما واحد، فتهور البئر، وتنقطع العين، فيأبى أحدهما أن يعمل، ويرضى بهلاك زرعه أو شجره أو أصوله، فإن ذلك له، ولا يكلف النفقة معه، ويقال للآخر: اعمل ولك الماء

كله إلا أن يأتي شريكه بالذي يصيبه من النفقة في حصته، فيرجع على حقه من الماء، وإنما الشريكان في الأصول والزرع إذا انهارت البئر بمنزلة الشريكين في الدار تنهدم، فيأبى أحدهما أن يبني، ويريد الآخر البنيان فيقال له ابن مع صاحبك، أو قاسمه العرصة، فما صار له بنى فيه، وما صار لك صنعت فيه ما شئت، وكذلك الأصول والزرع إذا كان بين الرجلين، قال سحنون: كان ابن نافع يقول والمخزومي: إنما هذا في كل بئر ليس عليها حياة لا زرع ولا نخل ولا غيره، فأما كل بئر عليها حياة أو عين، فتهور فيأبى أحدهما أن يعمل، فإنه يجبر على أن يعمل معه أو يبيع نصيبه ممن يعمل معه بمنزلة السفل، يكون لرجل والعلو لآخر فينهدم، فإن صاحب السفل يجبر على أن يعمل، فإن أبى بيع عليه.
قال محمد بن رشد: إذا كان للشريكين في الأرض زرع بينهما قد زرعاه جميعا، فلا تجوز قسمته مع الأرض، والواجب في ذلك إذا أرادا قسمة الأرض أن يقتسماها دون الزرع، ويبقى الزرع مشتركا بينهما إلى أن يحصداه ويدرساه، ويقتسماه بالكيل، فقوله في أول هذه المسألة إن كل أرض كانت مشتركة لم يقتسمها أهلها من نخل أو أصول أو أرض فيها زرع زرعوه جميعا، فانهدمت البئر أو تهورت، فإنه يقال لصاحبه إذا كان بينهما الأصل: اعمل مع صاحبك، أو بع حصتك من الأصل والماء، أو قاسمه الأصل، فخذ حصتك، ويأخذ حصته، فيؤمر من أحب أن يعمل عمل، ومن أحب أن يترك ترك، ومن عمل منهما كان له الماء كله حتى يأتيه شريكه بما يصيبه من النفقة، فيرجع على حقه من الماء، معناه إذا كان الزرع قد استغنى عن الماء، وإنما يحتاج إلى سقي الأرض بعد حصاد الزرع، فأراد أحدهما إصلاح البئر ليسقيا بمائها الأرض بعد حصاد الزرع منها، وأبى الآخر من

ذلك، فحينئذ يكون ما قال من أنه يقال للآبي منهما: اعمل مع صاحبك، أو بع حصتك من الأصل والماء، أو قاسمه الأصل بمنزلة إذا لم يكن في الأرض زرع سواء، وقال: إنه يقال للآبي منهما: إما أن تعمل مع صاحبك، أو تبيع حصتك من الأصل، أو تقاسمه إياه، ولم يقل إذا أبى من الثلاثة الأوجه كلها ماذا يحكم به عليه منها، والذي يحكم به عليه منها القسمة، فكان صواب الكلام أن يقال يقال للآبي منهما: لا بد لك من أن تقاسم شريكك، إلا أن تعمل معه، أو يبيع حصته، فإن باع حصته، وأبى المشتري أن يعمل قيل له ما قيل للبائع: لا بد لك من أن تقاسم شريكك، أو تعمل معه أو تبيع حصتك.
وقوله في الرواية بعد ذلك وإن كان بينهما زرع أو شجر مثمر في أرض لهما، فإن من أبى أن يعمل يجبر على ما أحب أو كره، على أن يعمل أو يبيع ذلك ممن يعمل معه، معناه إذا احتاج الزرع أو الثمر إلى السقي، وهو صحيح؛ إذ لا يمكنهما قسمة ذلك مع الأرض، وقال: إن من أبى أن يعمل يجبر على ما أحب أو كره على أن يعمل أو يبيع ذلك ممن يعمل، ولم يقل إذا أبى منهما جميعا على أيهما يجبر منهما، وفي ذلك اختلاف، قيل: إنه يجبر على أن يعمل معه، وقيل: إنه يجبر على أن يبيع ممن يعمل معه، وهو قول ابن القاسم في رسم الكبش، من سماع يحيى، وسيأتي القول على ذلك هنالك إن شاء الله.
وقد قيل: إن البيع على هذا الشرط لا يجوز ويباع عليه من حظه بقدر ما يلزمه من العمل فيما بقي من حقه بعدما بيع عليه منه، وهو قول مالك في رسم الصلاة، من سماع يحيى، من كتاب الأقضية، وأصح القولين في النظر، وقد قال سحنون: إن البيع على الشرط إنما جاز على وجه الضرورة إذا لم يكن للبائع مال، وليس قوله ببين؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأنه يقدر على أن يباع عليه من حظه دون شرط بقدر ما يلزمه من الإنفاق في عمل ما بقي من نصيبه، وقد ذكرنا ذلك في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب الأقضية.
وأما الأرض المقسومة، فإن لم يكن عليها حياة فلا اختلاف في أن الآبي لا يلزمه العمل مع صاحبه،

ويقال لصاحبه: اعمل ولك الماء كله، أو ما زاد تعمله إلى أن يأتيه صاحبه الآبي بما يصيبه من النفقة، ويدخل في كون الماء له إلى أن يأتيه شريكه بحظه من النفقة اختلاف بالمعنى من مسألة نوازل عيسى بن دينار بعد هذا من هذا الكتاب.
وأما إذا كان عليها حياة فقال ابن القاسم ذلك بمنزلة إذا لم يكن عليها حياة سواء، وقال ابن نافع والمخزومي: إن الشريك في العين أو في البئر يجبر على أن يعمل معه، أو يبيع نصيبه ممن يعمل معه بمنزلة العلو يكون لرجل والسفل لآخر فينهدم، وهو تنظير غير صحيح؛ إذ لا يقدر صاحب العلو أن يبني علوه حتى يبني صاحب السفل سفله، ويقدر الذي يريد السقي بماء البئر المشتركة بينهما إذا انهدمت أن يصل إلى ما يريده من السقي بأن يصلح البئر، ويكون أحق بجميع الماء إلى أن يأتيه صاحبه بما ينوبه من النفقة، فقول ابن القاسم أصح من قول ابن نافع والمخزومي، والله أعلم، وبه التوفيق.

###: الكلأ يختلف باختلاف مواضعه

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال: وسئل عن الرجل تكون له الأرض فيها العشب، فيريد أن يحميها، أترى ذلك له؟ قال: نعم؛ إذا كان له بها حاجة، وإن لم تكن له بها حاجة، فلا أرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: الحكم في الكلأ يختلف باختلاف مواضعه، ومواضعه تنقسم على قسمين؛ أحدهما: أن يكون في أرض غير متملكة.
والثاني: أن يكون في أرض متملكة، فأما إذا كان في أرض غير متملكة مثل الصحاري والبراري والفيافي، فلا اختلاف في أن الناس كلهم فيه سواء، ليس لأحد منهم أن يمنعه، ولا أن يبيعه، وهو قائم في موضعه؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يمنع الكلأ»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»، فنهى عن منعه، وعما هو ذريعة إلى منعه؛ لأن صاحب الماشية إذا

منع من الماء لم يقدر على الإقامة على الرعي، فإن جاء رجلان لرعي كلأ هذا الموضع معا كانا فيه أسوة، واختلف إن سبق أحدهما إليه، فنزله وجعل يرعى ما حوله أو حفر فيه بئرا، هل يكون أحق بقدر حاجته من كلأ ذلك الموضع دون الفضل أم لا على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يكون أحق بشيء من كلئه، والناس معه فيه أسوة، وهو نص قول ابن القاسم وروايته عن مالك في كتاب حريم البئر من المدونة.
والثاني: أنه يكون أحق من الناس بقدر حاجته من كلأ، ذلك الموضع الذي نزله، وجعل يرعى ما حوله، وإن لم يحتفر فيه بئرا، وهو قول أشهب، فرآه أحق بالسبق إلى ذلك الموضع والنزول فيه، ومعناه إذا انتجع إليه، وقصده من بعد، وأما إذا مر به فنزله، فلا يكون لمجرد سبقه إليه أحق بمقدار حاجته من كلئه، والله أعلم، وقد تئول أن قول أشهب ليس معناه أنه جعله بمجرد السبق إلى النزول في ذلك الموضع أحق من الناس بقدر حاجته من كلئه، وإنما معناه أنه جعل رعيه لكلأ ذلك الموضع إحياء له؛ لأنه لما رعاه صار له عليه يد، فيكون أحق بما يحدث فيه من الكلأ مرة أخرى، إلا أن يفضل عن حاجته منه فضل، فيكون الناس في الفضل أسوة، ولا اختلاف في الفضل على حال.
والقول الثالث: أنه لا يكون أحق بقدر حاجته من كلأ ذلك الموضع الذي سبق إليه بالنزول، وإن رعاه إلا أن يحفر فيه بئرا، فيكون أحق بقدر حاجته من الكلأ، كما يكون أحق بقدر حاجته من الماء، وهو ظاهر قول المغيرة وأعدل الأقوال وأولاها بالصواب؛ لأنه لا يقدر على المقام على الماء إذا لم يكن له في ذلك الموضع مرعى، فتذهب نفقته في البئر باطلا، وكذلك لو سبق بالنزول في ذلك الموضع، فبنى فيه بنيانا، أو أنفق فيه نفقة؛ لوجب على قياس هذا أن يكون أحق بقدر حاجته من كلأ ذلك الموضع، من غيره؛ لئلا تذهب نفقته باطلا، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» فمن الضرر

البين أن يدخل عليه غيره في قدر حاجته من كلأ الموضع الذي أنفق فيه نفقته، وأما إذا كان الكلأ في أرض متملكة، فإن الأرض المتملكة تنقسم في ذلك على أربعة أقسام؛ أحدها: أن تكون محظرة، قد حظر عليها بحيطان كالجنات والحوائط.
والثاني: أن تكون غير محظرة إلا أنها حماه ومروجه التي قد بورها للمرعى، وترك زراعتها من أجل ذلك.
والثالث: فدادينه وفحوص أرضه التي لم يبورها للمرعى، وإنما ترك زراعتها لاستغنائه عن زراعتها، وليجمها للحرث، فنبت فيها الكلأ.
والرابع: العفا والمسرح من أرض قريبة، فأما الأرض المحظرة التي قد حظر عليها كالحوائط والجنات، فلا اختلاف فيما كان فيها من الكلأ أن صاحبه أحق به، له أن يبيعه ويمنعه احتاج إليه أو لم يحتج إليه، وليس لأحد الدخول عليه، في حائطه لرعي، ولا احتشاش إلا بإذنه، وأما العفا والمسرح من أرض قريبة، فلا اختلاف في أنه لا يبيعه، ولا يمنع الناس عما فضل من حاجته منه، إلا أن يكون عليه في تخلص الناس إليه بدوابهم ومواشيهم ضرر من زرع يكون له حق إليه، فيفسد عليه بالإقبال عليه والإدبار، وأما الأرض التي بورها للمرعى، وترك الانتفاع بزراعتها من أجل ذلك، فقيل له أن يمنع إن احتاج إليه ليرعاه، ويبيع إن لم يحتج إليه ممن يرعاه أو يحتشه، وهو مذهب ابن القاسم وابن الماجشون، فإن لم يحتج إليه ولا وجد من يبيعه منه جبر

على أن يخلي بين الناس وبينه، ولا يباح له أن يمنع الناس منه، ويترك حتى ييبس ويفسد، وقيل: إن له أن يمنع إن احتاج إليه، وليس له أن يبيع، وهو قول أشهب، وأما فحوص أرضه وفدادينه التي لم يبورها للمرعى، فقال ابن القاسم وأشهب: له أن يمنع إن احتاج، وليس له أن يبيع إن لم يحتج إليه، وقال ابن الماجشون: له أن يمنع إن احتاج، وأن يبيع إن لم يحتج إليه، فأشهب يرى أنه ليس له أن يبيع مراعي أرضه، كان قد بورها للكلأ، أو لم يبورها لذلك، وابن الماجشون يرى أن له أن يبيع مراعي أرضه، كان قد بورها للكلأ، أو لم يبورها لذلك، وابن القاسم يفرق في إجازة البيع له إذا استغنى عنه بين الأرض التي بورها للمرعى، وبين التي لم يبورها للمرعى، فتحصل في مجموع الطرفين ثلاثة أقوال، وفي كل طرف منها على انفراده قولان.
وقد اختلف فيما وقع في كتاب حريم البئر من المدونة من قول مالك، إذا كانت لرجل أرض، فلا بأس أن يمنع كلأها إذا احتاج إليها، وإلا فليخل بين الناس وبينه، ومن قوله فيه: لا بأس أن يبيع الرجل خصب أرضه ممن يرعاه عامه ذلك، بعد أن ينبت، ولا يبيعه عامين ولا ثلاثة، فقيل: إن ذلك اختلاف من قوله، مرة رأى أن للرجل أن يبيع خصب أرضه، كان قد وقفها للمرعى، أو لم يوقفها له، مثل قول ابن الماجشون، ومرة رأى أنه ليس له أن يبيعه كان قد وقف الأرض للمرعى، أو لم يوقفها له، مثل قول أشهب، وقيل: ليس ذلك اختلافا من قوله، ومعناه أنه فرق في ذلك بين الأرض التي وقفها للمرعى، والتي لم يوقفها له، مثل قول ابن القاسم، وهو تأويل عيسى بن دينار في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

###: القيمة في العروض المستهلكة

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وقال مالك في خليج لرجل يجري تحت جدار لرجل آخر، فجرى السيل فيه فهدمه، فقال صاحب الحائط لصاحب الخليج:

ابن لي حائطي، وقال الآخر: لا أبنيه، فقال مالك: أريتك لو أراد صاحب الحائط أن يسقي به أكان يدعه؟ قال: لا، قال: فإني أرى أن يقضى ببنيانه على صاحب الخليج الذي أفسد حائط الرجل.
قال محمد بن رشد: إنما وجب على رب الخليج بناء الحائط؛ لأنه هو الذي ساق الماء فيه، فأشبه سائق الدابة في وجوب ضمان ما وطئت عليه، فإذا كان لرب الحائط أن يسقي به سقط الضمان عن صاحب الخليج؛ لأن رب الحائط قد ساق الماء فيه معه، فلم ينفد على صاحب الحائط فيما صنعه، وإنما قال: إنه يقضى ببنيانه على صاحب الخليج، ولم يقل: إنه يلزمه قيمته على أصل المذهب في وجوب القيمة في العروض المستهلكة؛ إذ لا قيمة له على انفراده، فإنما يقوم بأن يقول: كم قيمة جميع الحائط قبل أن ينهدم هذا الجدار منه؟ وكم قيمته والجدار مهدوم؟ فتكون قيمة الجدار على الصفة التي كان عليها من البلاء ما بين القيمتين، وقد لا يكون فيما بين القيمتين، ما يقام به الحائط جديدا، فوجب أن يكون على المستهلك للحائط بإجراء الماء في الخليج ما يبنى به الحائط جديدا؛ إذ لا يتحصن لصاحب الحائط حائطه إلا بذلك، وهو معنى

قوله: إنه يقضى ببنيانه على صاحب الخليج؛ لأن المراد بذلك أن يكون عليه إجارة الأجراء في بنيانه، وإجارة من يقوم بولاية بنيانه، فيستأجر الأجراء وما يحتاج إليه في ذلك من المواعن والآلات، أو يلي هو ذلك بنفسه، فلا يكون عليه سوى الأجر.
وإلزام المستهلك في هذه المسألة أكثر من قيمة ما استهلك شبيه بما قالوا فيمن استهلك، فرد خف لرجل أنه لا يلزمه قيمته على انفراد، وإنما يلزمه ما نقص من قيمتهما جميعا، وكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن هذه المسألة من المسائل التي قضى فيها بالمثل في العروض، كشروى الجلود في مسألة الذي باع البعير الذي قام عليه واستثنى جلده، فاستحياه المبتاع، وكرفو الثوب في مسألة الذي خرق ثوبا لرجل خرقا يسيرا، وليس ذلك بصحيح؛ إذ لم يقض على مستهلك الحائط بمثله في صفته من البلاء؛ إذ لا يمكن ذلك، ولا يصح فيكون كمسألة شروى الجلد، فأما مسألة الرفو فليس بقضاء بالمثل؛ لأنه لم يستهلك له رفوا، وإنما خرق له ثوبا صحيحا لا رفو فيه، فلا معنى للمسألة إلا ما ذكرناه فيها، وبالله التوفيق.

[: إقطاع الرجل الرجلَ العين من واديه هبة من الهبات]

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية الثاني قال سحنون: قال أشهب وعبد الله بن نافع: سئل مالك عن واد كان لرجل، فأقطع رجلا عينا في الوادي، فمات القاطع

والمقطع، فقام ولد المقطع، فأرادوا الرفع في العين، فأبى ابن القاطع، وليس يعرف كيف أقطعهم العين، إلا أنها في أيديهم منذ ستين سنة، فقال مالك: أقطعهم عينا لا هم أحدثوا فيها شيئا بحضرتهم ثم جاءوا يخاصمونهم، فيقولون: قد أحدثنا وأنتم تنظرون، فهم يريدون أن يأخذوا الوادي كله، فليس هكذا يكون، وكذلك لو أعطى رجل رجلا بيتا، فأي بيت هو وما ذرعه؟ قال محمد بن رشد: إقطاع الرجل الرجلَ العين من واديه هبة من الهبات، تفتقر إلى ما تفتقر إليه الهبات من حيازة الشيء الموهوب في صحة الواهب، فالمعنى في هذه المسألة أنه أقطعه من واديه عينا لم يسم له موضعا، ولا حد له مقدارا، فحاز منه قدرا ما في موضع ما، وبقي في يديه ستين سنة بعد موت القاطع، ثم أراد أن يرفع العين إلى أرفع من موضعه ليستكثر فيه من ماء الوادي، فلم ير ذلك لهم؛ إذ لم يفعلوه في حياة القاطع، ولا بعد موته بحضرة الورثة منذ مدة تكون حيازة عليهم، وضعف وجوب ذلك لهم بما ذكره من أن القاطع لم يحد لما أقطعه قدرا معلوما، يقول: فهو لو حد له قدرا معلوما فلم يستوفه في حياته لم يكن له أن يأخذه بعد وفاته، فأحرى إذ لم يحد له حدا ألا يكون له أن يستزيد فيه بعد وفاته شيئا، هذا معنى هذه المسألة عندي، وقوله: لا هم أحدثوا فيها شيئا بحضرتهم، ثم جاءوا يخاصمونهم فيقولون: قد أحدثنا وأنتم تنظرون، معناه لا هم أحدثوا فيها شيئا بحضرتهم، فتكون لهم بذلك حجة عليهم في مخاصمتهم إياهم، وبالله التوفيق.

مسألة: حريم الآبار والعيون

مسألة وسئل عن حريم الآبار والعيون قال: إنما الحريم في الفلوات التي ليست لأحد، فأما الرجل يحتفر في حقه البئر والعين، فذلك له إلا أن يضر ذلك بجاره ضررا بينا، فإن الرجل يعمد إلى

بئر جاره أو عينه، فيحتفر إليها في حده ليستفرغ ماءها، ويصيره إلى بئره، فإذا كان ذلك ضررا بينا، فلا أرى ذلك له، وأما الحريم في الفلوات فليس له أمد معلوم، وذلك يختلف، وربما يصير ذلك إلى الإضرار، فما كان لا يضر فلا بأس به، وله أن يحتفر، وذلك يختلف، أما الأرض الخشخاش الصخور الشديدة، فإن الحفر في ذلك لا يكاد يضر صاحبه، وإن تقاربت الآبار في ذلك، وأما الأرض البطاح اللينة، فإنها إذا تقاربت انتشف بعضها مياه بعض، فأرى أن يبعد عنه بقدر ما لا يضر بمائه، وليس لذلك حد معلوم من الأذرع، إنما ينظر في ذلك إلى الإضرار بأهل تلك الآبار، قال ابن نافع: وقد بلغني في حريم البئر العادية خمسين ذراعا، والبئر البادية خمسة وعشرون ذراعا، أخبرنا به ابن أبي ذؤيب، عن ابن شهاب.
قال محمد بن رشد: الأرض الخشخاش هي الأرض الرملة التي تسمع لها جلبة عند المشي عليها، قال الخليل: الخشخشة صوت السلاح والينبوت والصخور الأرض المصخرة، فيريد أن الأرض الرملة المصخرة

الشديدة بخلاف الأرض البطحاء اللينة في انجلاب الماء إليها من قرب، وهذا مثل قوله في المدونة سواء، ومن الآبار آبار تكون في أرض رخوة، وأخرى تكون في أرض صلبة أو في صفا، فإنما ذلك على قدر المضرة بالبئر، فحريم الآبار عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما هو ما يضر بها قرب أو بعد، ولا حد في ذلك، والحد المروي فيه عن ابن شهاب لا وجه له في النظر والقياس، إلا أن يكون ذلك عن توقيف عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجب الوقوف عنده.
وقوله في هذه الرواية: إلا أن يضر ذلك بجاره ضررا بينا، هو أن يستفرغ ماء بئر جاره، وذلك خلاف لظاهر ما في المدونة إذ أطلق الضرر فيها من غير تقييد بصفة، وابن كنانة يقول: إن له أن يحفر في داره بئرا، وإن أضر ذلك ببئر جاره، وأشهب يقول: إنه إن كان يجد بدا من احتفار ذلك، وليس بمضطر إليه منع من ذلك، وإن كان مضطرا كان له أن يحفر وإن أضر بجاره، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال: له أن يحفر وإن أضر حفره ببئر جاره، وليس له أن يحفر إذا أضر حفره ببئر جاره، والفرق بين أن يستفرغ ماء بئر جاره أو لا يستفرغه، والفرق بين أن يجد مندوحة عن الحفر أو لا يجد، وبالله التوفيق.

###: فيما قرب من العمران من الموات الذي يتشاح الناس فيه

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك فقيل له: إن عاملنا أقطعنا أرضا أربعمائة ذراع من حد كذا إلى حد كذا، فغبت عنها، فوثب عليها رجل فعمرها وبنى فيها، ثم قدمت فأردت أخذها فقال: لا أراك

حزت ما قطع لك بعمارة ولا بناء حتى جاء غيرك فعمر وبنى، يقطع أحدهم فيذهب ويدعها، ولا يعمرها حتى يريد منعها بذلك شأن قطيعة هذا ضعيفة لم يحزها بعمارة ولا بناء حتى عمرها غيرك، فقال: إنما عمرها وأنا غائب، فقال له: كم غبت؟ فقال: ثلاثة أشهر، فقال له: فما كان هنالك أحد يعلمه أنك أقطعتها؟ فقال: لا أدري، فقال: وما عمارة هذا لها مؤنة؟ فقال: إي؛ لعمري إن لها لمؤنة، بنى فيها حوانيت، فقال له: ما أرى قطيعتك إلا ضعيفة، لم تحزها حتى عمرها غيرك، وأريت من أقطعك إياها؟ فقال: والينا، فقال: وأريت واليكم أمر أن يقطع أحدا؟ ما أرى أمرك إلا ضعيفا، وارفع أمرك إلى السلطان.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن العامل أقطعه الأربعمائة ذراع من الأرض الموات فيما قرب من العمران، بدليل قوله بنى فيها حوانيت؛ إذ لا تبنى الحوانيت في الفيافي والقفار، وقد اختلف فيما قرب من العمران من الموات الذي يتشاح الناس فيه، فقيل: ليس لأحد أن يحييه إلا بقطيعة من الإمام، فإن فعل نظر الإمام في ذلك، فإن رأى أن يقره له أقره، وإن رأى أن يقره للمسلمين ويعطيه قيمة بنيانه منقوضا أو يأمره بنقضه فعل، وإن رأى أن يقطعه غيره أقطعه، ويكون للأول قيمة بنيانه منقوضا، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وهو معنى ما في المدونة إذا قال فيها: إن ما قرب من العمران وما يتشاح الناس فيه، ليس لأحد أن يحييه إلا بقطيعة من الإمام، وقيل: إنه إن فعل أمضى ذلك الإمام مراعاة للخلاف، وهو قول أشهب، فعلى هذا القول تأتي روايته هذه عن مالك في

هذه المسألة؛ لأن معنى ما ذهب إليه فيها أن المقطع لما غاب عنها وتركها هذه المدة؛ دل ذلك من فعله على أنه قد سلمها وترك حقه فيها، فوجب أن تكون للذي عمرها وأحياها ببناء الحوانيت فيها، وإن لم يستأذن الإمام في ذلك على قياس قول أشهب، مراعاة للاختلاف في ذلك؛ إذ قد قيل: إنه ليس على أحد أن يستأذن الإمام في إحياء موات قريب من العمران، ولا ما بعد منه مع ضعف هذا الإقطاع؛ إذ ليس للعامل أن يقطع شيئا من الموات إلا بإذن الإمام، وهذا إذا لم يعلم الثاني بإقطاعها للأول، ولو علم بذلك؛ لكان متعديا، ولم يكن له إلا قيمة بنيانه منقوضا، وإن كانت عمارته إياها قبل أن يحوزها الأول بعمارة، أو بنيان بعض؛ لأن للإقطاع حكما من الأحكام لا يفتقر إلى حيازة على ما يأتي في رسم شراء الدور والمزارع من سماع يحيى من هذا الكتاب، فليس قوله في هذه المسألة، لا أراك حزت ما قطع لك بعمارة ولا بناء حتى جاء غيرك، فعمر وبنى بخلاف لما في سماع يحيى على ما ظنه أهل النظر، فالعلة في سقوط حق الأول فيما أقطع عمارة الثاني له بعد تركه إياها، ومغيبه عنه لما يظهر في ذلك من الرضا بتسليم حقه فيه لا ترك حيازته إياه بالعمارة كما ظن بعض أهل النظر، ولو كان الإقطاع يفتقر إلى حيازة، لوجب أن يراعى في ذلك موت المقطع، وذلك ما لا يصح بوجه من الوجوه؛ إذ لم يقطع ماله فيحتاج إلى أن يحاز عنه في حياته وصحته، وفي قوله: وارفع ذلك إلى السلطان، مع أنه قد رأى أمره ضعيفا دليل على القول بتصويب المجتهدين؛ لأن المعنى في قوله: وارفع ذلك إلى السلطان، فعساه سيرى أمرك قريبا فيقضي لك به بخلاف ما أراه، فلولا أنه يراه إن فعل ذلك باجتهاده مصيبا، وإن كان خلاف ما يراه هو باجتهاده، لما ساغ له أن يأمره بالرفع إليه؛ لئلا يخطئ فيقضي له بخلاف الحق عنده، وهذا نحو قوله في الأقضية من المدونة في الذي يرى خطه في ذكر حق، ولا يذكر الشهادة أنه يؤديها، وإن كانت لا تنفع عنده، وبالله التوفيق.

مسألة: الماء الذي ينزل من السماء في كل زمان يستقر بالأرض

مسألة وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18] أهو الخريف فيما بلغك؟ فقال: لا والله، بل هذا في الخريف والشتاء في كل شيء ينزل الله من السماء ماء إذا شاء، ثم هو على ذهاب به لقادر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن ذلك في كل زمن من الأزمان، لا يخص ذلك بالخريف دون غيره؛ لأنه ظاهر من عموم اللفظ، وموجود بالمعنى؛ لأن الماء الذي ينزل من السماء في كل زمان يستقر بالأرض، فمنه ماء العيون والأنهار والآبار، ولو شاء الله لأذهبه فهلك الناس جهدا وعطشا وجوعا؛ إذ لا نبات ولا حياة إلا بالماء، قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] ولا وجه لمن خصص ذلك بالخريف دون غيره من الأزمان، ولعل الذي قال ذلك تأول أن الماء الذي ينزل بالخريف جل المنفعة به إسكانه في الأرض للشرب والسقي عند الحاجة إليه؛ إذ لا يحتاج أكثر الأرض في ذلك الوقت إلى سقي؛ إذ ليس بوقت سقي زرع، وليس ذلك بصحيح، بل ما ينزل من السماء في كل زمان يستقر بالأرض لمنافع الناس، فجميع مياه الأرض من السماء، ويروى أن في الأرض أربعة أنهار من الجنة، وهي: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان، والجنة في السماء، وقد قيل: إن الماء الذي أخبر الله أنه أنزله من السماء فأسكنه في الأرض، هو ماء الأربعة الأنهار التي ورد الخبر فيها أنها من الجنة، وأن المطر النازل في الأرض إنما هو من البحر؛ بدليل قول

النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» وبدليل قول أبي ذؤيب الهذلي: شربن بماء البحر ثم ترفعت... متى لجج خضر لهن نئيج وقد قال بعض أهل التأويل في قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] إن طعامه كل ما نبت من الحبوب والثمار؛ لأنه إنما ينبت بما سقاه من ماء البحر، وهو من التأويل البعيد، والصحيح أنه ما حسر عنه ماء البحر من صيده فمات على الأرض؛ لأن ذلك مروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية ابن عباس، وقيل: طعامه ما ملح من صيده، وقال ابن عبد البر: القول بأن ما ينزل من المطر هو ماء السماء من غير البحر، هو قول أهل العلم والدين، والذي أقول به: إن تصحيح شيء من هذا، والقطع عليه من التخرص في علم الغيوب؛ إذ ليس في ذلك في

القرآن، ولا في شيء من السنن والآثار نص جلي يوقف عنده، والذي نشاهده ونعلمه بالمعاينة نزول الماء من السحاب، ولا ندري هل تسوقه من بحور الأرض أو من بحور السماء، أو هل يخلقه الله عز وجل في السحاب عند نزوله، وكيفما كان فالقدرة فيه عظيمة، والاعتبار به واجب، والشكر لله تعالى على إنعامه به على خلقه لازم، واختلف في قوله في هذه الآية: ﴿بِقَدَرٍ﴾ [الحجر: 21]، فروي عن ابن عباس أنه قال: ما عام بأكثر مطرا من عام، ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء وقرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: 50]، وقيل: معناه مفترقا نثرا، وليس بمجتمع صبا، وهو أظهر، والله أعلم.

مسألة: بينهم بئر يسقون عليها فاقتسموها على مناضح خمسة

مسألة وسئل عن قوم كانت بينهم بئر يسقون عليها، فاقتسموها على مناضح خمسة هكذا، وكل واحد منهم يسقي من منضحته، ثم إن بعضهم انقطع من ناحية منضحته الماء، وارتفع تلقاءه التراب، فلا يقدر على أن يسقي شيئا، يرسل الدلو فيخرج ولا ماء فيه، ومنهم من يسقي على حاله، أفيسقي معهم من مناضحهم، أم يكفوا حتى يسقوا جميعا؟ فإنه قد دعا هو إلى ذلك فأبوا عليه، وقالوا له: اضرب لنفسك، فقال مالك: إني لا أرى لمثل هذا فيه سنة بينهم جارية، فقيل له: قد اختلف في ذلك، فقال: أرى أصوب ذلك أن يقضى عليهم أن يضربوا في البئر حتى يسقوا جميعا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إن لم يكن لهم سنة جارية بينهم من عرف قد عرفوه، واستمر العمل عليه عندهم؛ وجب عليهم

جميعا أن ينقوا معه موضع منضحته، حتى يسقي كما يسقون؛ لأن التراب إنما ارتفع تلقاء منضحته من نضحهم جميعا، فعليهم كنس ما أثره نضحهم من ارتفاع التراب تلفا منضحة أحدهم، وبالله التوفيق.

###: معدن كان بين رجلين فعطلاه ثم جاء أحدهم إلى والي المعدن فسأله أن يقطعه

ومن كتاب الأقضية الأول وسئل عن معدن كان بين رجلين فعطلاه وتركاه أربعة أشهر، ثم جاء أحدهم إلى والي المعدن، فسأله أن يقطعه فأقطعه إياه، وأن لأهل المعادن قبلنا سنة، فقال مالك: كتبت تسأل عن كذا وكذا، ولست أدري ما سنة أهل المعادن التي ذكرت، فإن جاء أحدهما الإمام بعد تركهما إياه، فسأله أن يقطعه إياه فأقطعه، فإني أرى إن كان شريكه الذي كان معه فيه أولا مقيما بالبلد فأقطعه شريكه، فتركه يعمل، وينظر إن أجابه المعدن، وأدرك فيه نيلا جاءه، وقال: أنا معك فيه كنت لك شريكا، وإن لم يجب وأكدى، فلست منه في شيء، فلا أرى ذلك له، وإن كان جاءه حين أقطعه بحداثة ذلك قبل أن يعمل فيه، أو بعد ما عمل بيسير، فأرى أن يدخل معه، وإن كان غائبا حين أقطع صاحبه، فأرى المعدن للذي أقطعه، ولا أرى للغائب فيه شيئا، كيف يكون له فيه شيء إذا أقطعه شريكه، وهو لو أقطعه غير شريكه لم يكن له فيه شيء، كتب به إلى صاحب المعدن.
قال محمد بن رشد: قوله: وسئل عن معدن كان بين رجلين معناه أنه كان بينهما بقطيعة من الإمام لهما، وإقطاع الإمام المعادن ليس على

تمليك الأصل: وإنما هو على وجه الانتفاع بالنيل، فللإمام إذا ترك المقطع المعدن الذي أقطع إياه أو غاب عنه أن يقطعه غيره، وله إذا طال عمله به، وانتفاعه به، أن يقطعه سواه، وإن لم يتركه إلا أن يقطعه إياه حياته، أو إلى أجل، فليس له أن يقطعه لغيره حتى يموت، أو حتى يحل الأجل، ولم يبين في هذه الرواية إن كان قد طال عملهما في المعدن، وانتفاعهما به قبل أن يعطلاه، ويتركا طولا لو شاء الإمام أن يخرجهما منه جميعا ويقطعه سواهما، كان ذلك له أم لا، فقوله: إذا أقطعه أحدهما وشريكه حاضر، فجاء بحدثان ذلك أن له الدخول معه؛ معناه عندي بعد يمينه أنه ما ترك حقه فيه إن كان لم يطل عملهما فيه، وانتفاعهما به؛ لأنه إذا لم يطل عملهما فيه، وانتفاعهما به، فليس للإمام أن يخرجهما منه، ولا أحدهما إلا برضاه، ولو كان قد طال عملهما فيه، وانتفاعهما به؛ لما كان له الدخول معه، وإن جاء بحدثان ذلك؛ إذ للإمام أن يخرجه منه، ويقطعه لغيره شاء أو أبى، وإنما يكون للإمام إذا غاب الذي أقطعه المعدن أن يقطعه لغيره في الغيبة البعيدة، وأما إذا سافر كما يسافر الناس فلا، هذا الذي ينبغي أن تتأول الروايات عليه، واختلف إذا مات على ما مضى تحصيل القول فيه في سماع يحيى من كتاب الزكاة.

مسألة: لا تباع مياه المواشي

مسألة قال: ولا تباع مياه المواشي، وقال: وإنما يشرب بها، ويشرب بها أبناء السبيل، ولا يمنع من أحد، قيل: فهل يصلح فيها عطاء؟ قال: لا.
قال الإمام القاضي: مياه المواشي هي الآبار أو المواجل، أو الجباب التي يحفرها الرجل ويصنعها في البراري، أو في المهامه لماشيته؛ فيكون أحق بما يحتاج إليه لماشيته، ويخلى بين الناس وبين الفضل؛ لقول النبي

  • عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» فقوله في هذه الرواية: إنما يشرب بها أهلها؛ يريد أهلها، وليشرب أبناء السبيل، ولا يمنع أحد؛ ليس على ظاهره في تساوي حق أهل الماء وغيرهم فيه، وإنما يريد أنه يشرب بها أهلها، ثم يشرب بها أبناء السبيل، فالواو هاهنا على الترتيب لا على التشريك.
    وقوله: ولا يمنع من أحد؛ يريد لا يمنع الفضل من أحد، فإن تشاح أهل البئر في التبدئة بدئ الأقرب فالأقرب إلى حافرها، قلت ماشيته أو كثرت، وإن استووا في القرب منه استهموا، فإن اجتمعوا والمارة والماء يقوم بهم كلهم بدئ أنفس أهل الماء، ثم أنفس المارة، ثم دواب أهل الماء، ثم دواب المارة، ثم مواشي أهل الماء، ثم مواشي الناس، وبدأ أشهب دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء، وإن لم يقم بهم كلهم وتبدئة أحدهم تجهد الآخرين بدئ من كان الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا في الجهد فقيل: إنهم يتواسون في ذلك، وقيل: يبدأ أهل الماء لأنفسهم ودوابهم، وأما إن لم يقم بهم كلهم، وخيف على البعض بتبدئة البعض، فيأخذ أهل الماء لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، فإن فضل فضلٌ أخذ المسافرون لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، فإن فضل فضلٌ أخذ أهل الماء لدوابهم قدر ما يذهب الخوف عنهم، فإن فضل فضلٌ أخذ المسافرون لدوابهم قدر ما يذهب الخوف عنهم، ولا اختلاف في هذا الوجه، والبئر والجب والماجل سواء عند مالك.
    وذهب المغيرة إلى أن لصاحب الماشية أن يمنع فضلة مائه، ووجه قوله أنه صدقه في أنه احتفر لنفسه لا للصدقة من أجل أنه ليس بمعين بخلاف البئر، ولم يصدقه مالك فيه كما لم يصدقه في البئر، ولو أشهد عند حفره للبئر أنه إنما يحفرها لنفسه لا على وجه الصدقة؛ لكان له أن يمنع فضلة مائها، فالرجل فيما بينه وبين الله في فضلة ماء البئر التي احتفرها في المهامه لماشيته على ما نواه في حفرها، إن كان أراد به الصدقة، لم يجز له
فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
مسألة: قوله إحدى امرأتيه أو امرأته وله امرأتان طالقمسألة: يشهدون على شهادة الرجل عند القاضي وهم لا يعرفونه والقاضي يعرفه بالعدالةمسألة: تحليف الرجل أباه في حق يدعيه فيهمسألة: شهد أحدهما على رجل أنه صالح امرأته وشهد الآخرأنه طلقها طلقة أو البتةمسألة: يقضى بشاهدي المطلوبمسألة: شهادة الذي عليه الحقمسألة: قيد الرجل ما أشهد عليه بخط يده ثم نسي بعد ذلكمسألة: شهدوا على رجل فقال بعضهم قال امرأتي طالق وقال آخرون قال غلامي حرمسألة: ما تكافؤ البينةمسألة: يشهد لابن امرأتهمسألة: شهادة رجل على قضاء قاض أنه قضى لفلان على فلان بهذا الحقمسألة: ذكرا أن رجلا استودعهما شهادة والذي استودعهما الشهادة غائبمسألة: شهادتهم لمن شهدوا له في مجلسينمسألة: عبد قطع بشهادة حق فظن أنه حر ولم يعلم بذلك حتى عتقمسألة: شهادة ابن الملاعنة في الزنامسألة: شهدا عليه وأختلفامسألة: شهادة السماعمسألة: الشهادة على الشهادة في الزنامسألة: شهادة الرجل على الرجل بما سمع منه دون أن يشهدهمسألة: شهدوا على امرأة أنها أوصت بكذا فشهد آخرون أنها كانت موسوسةمسألة: يكون عدوا لرجل فشهد له وعليه بشهادةمسألة: شهادة ابن خمس عشرة سنةمسألة: الشهادتان في مجلس واحد ولفظ واحد اختلفا فيهمسألة: الماء يكون بين الرجلين فتهور البئر فيقال لأحدهما اعمل ولك الماء كلهمسألة: حريم الآبار والعيونمسألة: الماء الذي ينزل من السماء في كل زمان يستقر بالأرضمسألة: بينهم بئر يسقون عليها فاقتسموها على مناضح خمسةمسألة: لا تباع مياه المواشي
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل