البيان والتحصيلصفحات 206-247
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 206-247
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

العربية ولا يفقه كلامهم فإنه ينبغي له أن يترجم عنهم رجل ثقة مأمون مسلم، واثنان أحب إلي في ذلك من الواحد، والواحد يجزئ، ولا تقبل ترجمة أحد عنهم من أهل الكفر ولا العبيد ولا المسخوطين، ولا بأس أن تقبل ترجمة المرأة إذا كانت من أهل العدل، وكان الحق مما يقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحب إلي؛ لأن هذا موضع شهادة؛ لأن القاضي إذا لم يفهم كلام الخصوم كان بمنزلة من لم يسمعه.
قال محمد بن رشد: هو كما قال؛ لأن كل ما يبتدئ به القاضي فيه بالبحث والسؤال كقياس الجراحات والنظر إلى العيوب والاستحلاف والقسم بين الورثة واستنكاه من أنكر سكره وما أشبه ذلك من الأمور يجزئ فيه الواحد كذا قال في المدونة في الذي يحلف المرأة أنه يجزئ فيه رسول واحد، وكذلك قال في سماع أصبغ من كتاب الحدود في الاستنكاه وهو مما لا اختلاف فيه، والاختيار في ذلك كله اثنان عدلان ويجزئ فيه الواحد العدل.
وقوله: إنه لا يقبل ترجمة أحد من أهل الكفر ولا العبيد ولا المسخوطين معناه مع وجود العدول المرضيين.
ولو اضطر إلى ترجمة الكافر أو المسخوط أو العبد لأعمل قوله وحكم به، كما يحكم بقول الطبيب النصراني وغير العدل فيما يضطر فيه إلى قوله من جهة معرفته بالطب، وقد حكى فضل عن سحنون أنه قال: لا تقبل ترجمة الرجل الواحد، واحتج بقول مالك: القاضي إذا لم يفقه لسانه كان

بمنزلة من لم يسمع، ومعناه أنه لا ينبغي له أن يكتفي بترجمة الرجل الواحد ابتداء، لا أنه إن فعل ذلك لم يجز، وكان حكمه بترجمة الواحد مردودا هذا ما لا يصلح أن يكون أراده والله أعلم به.

مسألة: لا يكلف العبد من العمل إلا ما يطيق

مسألة قال مالك: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف العبد من العمل إلا ما يطيق».
قيل لمالك: أفترى أن يقضى على سيده ألا يكلفه من العمل إلا ما يطيق؟ قال: أرى أن يقضي بذلك عليهم ألا يكلفوا من العمل إلا ما يطيقون.
قال محمد بن رشد: قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» الحديث، هو حديث الموطأ من رواية أبي هريرة، ومعنى قوله فيه بالمعروف أي غير إسراف ولا إقتار، وعلى قدر سعة مال السيد وما يشبه حال العبد أيضا.
فليس الوغد الأسود الذي هو للخدمة والحرث كالنبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما على سيدهما من الكسوة سواء، وفي هذا دليل ظاهر على أنه لا يلزم الرجل أن يساوي بين عبده ونفسه في المطعم والملبس على ما ذهب إليه بعض أهل العلم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون».
وقد روي

عن أبي اليسر الأنصاري، وأبي ذر من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهما كانا يفعلان ذلك، وهو محمول منهما على الرغبة في فعل الخير، لا على أن ذلك واجب عليهما، إذ لم يقل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطعموهم مثل ما تأكلون، واكسوهم مثل ما تلبسون، وإنما قال: مما تأكلون ومما تلبسون، فإن أطعمه وكساه بالمعروف من بعض ما يأكل من الخبز والإدام ويلبس من الصوف والقطن والكتان، فقد شاركه في مطعمه وملبسه، وامتثل بذلك قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وإن تفضل عليه في ذلك فلم يكن ملبسه مثل ملبسه، ومطعمه مثل مطعمه سواء.
فعلى هذا تحمل الآثار ولا يكون بينها تعارض.
وقد سئل مالك في سماع أشهب من كتاب الجامع أيصلح أن يأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها؟ قال: إي والله، إني لأراه من ذلك في سعة.
فقيل له: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدرداء؟ قال: كان الناس يومئذ ليس لهم ذلك القوت.
ويقضى للعبد على سيده إن قصر عما يجب له عليه بالمعروف في مطعمه وملبسه، بخلاف ما يملكه من البهائم، فإنه يؤمر بتقوى الله في ترك إجاعتها، ولا يقضى عليه بعلفها.
وقد روي عن أبي يوسف أنه يقضى على الرجل بعلف دابته، كما يقضى عليه بنفقة عبده، لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل حائط رجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رق له وذرفت عيناه فمسح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدره وذفراه حتى سكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله.
فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أفلا تتقي الله في البهيمة التي ملكك إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه ".» والفرق بين العبد والدابة، أن العبد مكلف تجب عليه الحقوق من الجنايات وغيرها، فكما يقضى عليه يقضى له، والدابة ليست بمكلفة، لا يجب عليها حق ولا يلزمها جناية؛ فكما لا يقضى عليها لا يقضى لها.
وكذلك يقضى للعبد على سيده ألا يكلفه من العمل إلا ما يطيق، على ما جاء في الحديث.
والأصل في ذلك ما ثبت (من) أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد العبد في عمل ثقيل لا يطيقه وضع منه عنه " على ما وقع في الجامع من الموطأ وبالله التوفيق.

مسألة: للمرأة المتزوجة التصرف في ثلث مالها

مسألة وسئل مالك فقيل له: أليس أمر المرأة المتزوجة جائزا في ثلث مالها؟ قال: بلى لذلك وجوه إلا أن تكون ضارة.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك هذا أنها إذا قصدت بما فعلت الضرر لم يجز، وإن كان أقل من الثلث، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك واختاره، وقد قيل: إن الثلث فما دونه جائز وإن قصدت الضرر، وهو قول سحنون ورواية يحيى عن ابن القاسم، ورواية يحيى عن غير ابن القاسم، وسحنون عن ابن القاسم أنها إذا قصدت بالثلث الضرر لم يجز، بخلاف ما دون الثلث، فلا اختلاف في المذهب أن فعلها في أكثر من ثلث مالها لا يجوز دون إذن زوجها، وإن لم تقصد بذلك ضررا.
واختلف إن قصدت بالثلث فما دونه ضررا على ثلاثة أقوال: أحدها

أن ذلك لا يجوز.
والثاني أن ذلك جائز.
والثالث أنه يجوز فيما دون الثلث، ولا يجوز في الثلث.
فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة.
واختلف هل فعلها محمول على الجواز حتى يرده الزوج؟ أو على الرد حتى يجيزه؟ فحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه محمول على الرد حتى يجيزه الزوج، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يجوز للمرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها».
وهو ظاهر قول مالك في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق، فعلى قياس هذا إذا تصدقت أو أعتقت أكثر من الثلث فلم يعلم بذلك زوجها حتى مات عنها أو طلقها لم يلزمها ذلك، وقد روى ذلك عن بعض أصحاب مالك، وإن ادعت أنه الثلث أو أقل من الثلث كان عليها إقامة البينة، وحكي عن ابن القاسم أنه محمول على الإجازة حتى يرده الزوج، وهو قول سحنون في سماع ابن القاسم، فعلى قياس هذا إذا لم يرده الزوج حتى مات عنها أو طلقها لزمها، وإن ادعى الزوج أنه أكثر من الثلث كان عليه إقامة البينة.
ومن أهل العلم من لا يجيز للمرأة قضاء في شيء من مالها قل أو كثر بغير إذن زوجها، لما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجوز للمرأة أمر في مالها إلا بإذن زوجها».
ومنهم من يجيز لها القضاء في جميع مالها بغير إذن زوجها استدلالا بظواهر آثار مروية في هذا المعنى، تركت ذكرها اختصارا، فما ذهب إليه مالك في مراعاة الثلث عدل بين القولين وبالله التوفيق.

مسألة: ضمان ما أفسدت المواشي من حوائط الغير

مسألة وسئل عما أفسدت المواشي بالليل والنهار من الحوائط التي يحرسها أهلها بالليل أو قد عطلوها لا تحرس أذلك عندك سواء؟

فقال: نعم، هو سواء، ما أفسدت المواشي من الحوائط ومن الزرع محظورا عليه أو غير محظور، تحرس أو لا تحرس، فعلى أهل المواشي ما أفسدت بالليل، وما أفسدت بالنهار فليس عليهم فيه شيء، وما أفسدت المواشي أو الدواب بالليل فهو ضمان على أهلها وإن كان ذلك أكثر من قيمة المواشي يغرم له قيمة ما أفسدت بالغا ما بلغ.
قيل: أرأيت إن كانت لم يبد صلاحها؟ قال: يغرم قيمتها يوم أصيبت وأفسدت لا يوم تصلح.
قيل له: أرأيت الدابة لو أفلتت فوطئت على رجل نائم بليل أيغرم صاحبها؟ قال: لا، إنما أريد بهذا الحديث الحوائط الزرع والحرث.
قال محمد بن رشد: هذا كله كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب، والأصل فيه ما جاء من أن «ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أهل الحوائط حفظها بالنهار»، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها، وإنما يسقط على رب الماشية ضمان ما أفسدت ماشيته بالنهار من الزرع والحوائط إذا أخرج ماشيته عن جملة الزرع والحوائط بذائد يذودها إلى مراعيها فشذ منها شيء ورجع إلى الزرع أو الحائط فأفسد فيها أو رعى بها فيما بين الزرع والحائط بذائد يذودها عنها فوقع منها شيء في الزرع أو الحوائط دون تفريط ولا تضييع من ذائدها.
وأما إن أهملها بين الزروع والحوائط دون راع أو براع فضيع أو فرط حتى أفسدت فهو ضامن لما أفسدت، والضمان في ذلك على الراعي المضيع المفرط لا على رب

الماشية، إذ ليس على رب الماشية أكثر مما صنع.
وقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها ليس على عمومه في جميع ما أفسدت أو قتلت بالليل، وإنما المراد به الحوائط والزرع والحرث، كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -. إما لأنه رأى الحديث مقصورا على سببه، وإما بدليل الإجماع أنها لو هدمت حائطا أو قتلت رجلا لم يضمن صاحبها شيئا؛ لأن الإجماع يخصص العموم، وما بقي من عموم هذا الحديث بعد التخصيص وهو ما أفسدت المتفلتة بالليل بالرعي من الحوائط والزرع والحرث مخصص من عموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جرح العجماء جبار».
فهذا تحصيل القول على مذهب مالك في ترتيب هذين الأثرين.
وأهل العراق لا يرون على أهل المواشي ضمان ما أصابت ماشيتهم المنفلتة بالليل والنهار في شيء من الأشياء، ويجعلون قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جرح العجماء جبار» ناسخا لقضائه أن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها.
والصحيح ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن النسخ إنما يكون بما يتعارض، ولا يمكن الجمع بينه بتخصيص بعضه ببعض وبيانه له.
وقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن ما أفسدت المواشي ضامن على أهلها على ما قصه الله علينا في محكم كتابه من شرع داود وسليمان في قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: 78] لأن النفش بالليل والهمل بالنهار لأنهما حكما جميعا بالتضمين، فإنما خالف شرعنا شرعهما في صفة التضمين، كما اختلف اجتهادهما - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - في ذلك، فقضى داود بالغنم لصاحب الحرث، وقضى سليمان لصاحب الحرث بأن يأخذ الغنم فيستغلها حتى يستوفي من غلتها ما كان يخرج له ما أفسد من حرثه، فقضاء سليمان الذي أثنى الله تعالى عليه بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79] مخالف لشرعنا بعيد منه، لا يحتمل أن يصرف بالتأويل إليه.
وأما قضاء داود فيحتمل أن يكون ذلك موافقا لشرعنا، بأن

يكون ما أفسدت مستغرقا لقيمة الغنم ولا يكون له مال سواها.
وقوله: إن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها وإن كان ذلك أكثر من قيمتها، يريد وليس له أن يسلم المواشي بقيمة ما أفسدت، بخلاف العبيد فيما جنوا؛ والفرق بين المسألتين أن العبد هو الجاني؛ لأنه مخاطب مكلف مأمور منهي، فلا يلزم السيد من جنايته أكثر من أن يسلمه، والماشية ليست هي الجانية، إذ ليست بمخاطبة، وإنما الجاني هو، إذ لم يتوثق منها حتى لا يمكنها الانفلات، وإن أفسدت الزرع وهو صغير أخضر فيكون على ربها قيمته لو كان يحل بيعه على الرجاء والخوف، قاله في رسم نقدها بعد هذا من سماع عيسى، وهذا مما لا اختلاف فيه، إذ كان لا يرجى أن يعود إلى هيئته.
وأما إن كان رعيه صغيرا يرجى أن يعود إلى هيئته، فحكى ابن حبيب عن مطرف أن القيمة تكون في ذلك، ولا يستأنى به إن نبت كما يصنع بسن الصغير، ويأتي على مذهب سحنون أنه لا يستأنى به؛ لأنه قال في كتاب ابنه في الذي يقطع شجرة الرجل من فوق أصلها أنه لا يقضى عليه الساعة، ولكن ينتظر الشجرة فإن عادت لهيئتها كما كانت أولا فلا شيء على القاطع، وإن هي عادت ولم تتم على حالها الأول غرم ما نقص.. قال: ولا يرجع عليه بأجر السقي والعلاج كالجرح الخطأ إذا عاد على غير عثم فلا شيء على الجارح، ولا يغرم أجر المداوي، خلاف قول الفقهاء السبعة أن عليه أجر المداوي (قال مطرف): فإن عاد الزرع لهيئته بعد الحكم مضت القيمة لصاحب الزرع ولم يرد، وهو الذي يأتي على قول أشهب في سماع أصبغ من كتاب الديات في الذي يضرب فيذهب عقله فيقضى له بالدية بعد الاستيناء ثم يعود عليه عقله أنه حكم قد مضى، وقد قيل: إن القيمة ترد، وهو الذي يأتي على

ما في الجراحات من المدونة في الذي يعود إليه بصره بعد أن قضي له بالدية إنه يردها.
قال مطرف: فإن تأخر الحكم حتى عاد الزرع إلى هيئته سقطت القيمة، ولم يكن على المفسد إلا الأدب، إلا أن يكون ما أفسد من ذلك يرعى وينتفع به فيكون عليه قيمته ناجزا علي ما ينتفع به، وليس على الرجاء والخوف، وقال أصبغ: يقوم على الرجاء والخوف نبت أو لم ينبت، كان ذلك قبل الحكم أو بعده وبالله التوفيق.

###: للقاضي يسمع من البينة قبل وقت وجوب الحكم بها

من سماع عيسى بن دينار من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسئل عيسى ابن القاسم عن رجل ادعى وكالة ولم يثبتها بعد، وشهود الحق الذي وكل فيه حضور، أيقبل القاضي شهادتهم؟ قال: إن خاف أن يخرجوا إلى موضع وكان لذلك وجه قبل القاضي شهادتهم ثم ثبتت الوكالة بعد، وإلا فلا حتى تثبت الوكالة.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن القاضي يسمع من البينة قبل وقت وجوب الحكم بها.
من ذلك قوله في كتاب طلاق السنة منها: إن القاضي يسمع البينة على المفقود بأنه أوصى بوصية أو أوصى إلى رجل قبل الحكم بتمويته.
ويأتي على قول مطرف وابن الماجشون أن القاضي لا يقبل من أحد بينة ولا يسمعها إلا في حال يحكم بها للطالب أو يدفع بها عن المطلوب أنه لا يسمع من بينته حتى تثبت وكالته، وإن خشي مغيب بينته أشهد على شهادتهم وبالله التوفيق.

مسألة: إخراج المدعى به من اليد عند انعدام البينة

مسألة وعن رجل أتى إلى القاضي فقال: إن الحاكم قبلك حكم بدار كذا لي على فلان، وأثبت ذلك بشهيدين، والدار في أيدي قوم غير المسمى الذي حكم عليه، فقالوا: لا علم عندنا بما يقول، وهذه الدار في أيدينا منذ كذا وكذا قبل الحكم وهي لنا.
قال: أرى أن يخرجها القاضي من أيديهم ويدفعها إلى الذي قامت له البينة إذا كان الشهيدان عدلين، وأرى أن ينفذ قضاء الحاكم الذي قبله إذا كان قد شهد على ذلك شهيدان عدلان.
قال محمد بن رشد: إنما يدفعها إلى من أثبت الحكم فيها بعد الإعذار إلى من هي في يديه، وهذا إذا كان الحكم الأول بغير إقرار من الذي حكم عليه، وأما إن كان بإقرار من المحكوم عليه أولا فلا تخرج من يدي من هي الآن في يديه إلا بحكم موثق، وهذا بين قائم من المسألة التي تحتها وبالله التوفيق.

مسألة: إقرار الرجل بمال لغيره

مسألة وعن الحاكم يأتيه الرجلان فيدعي كل واحد منهما أرضا بالصحراء، ثم يقر أحدهما أنها لصاحبه من غير بينة، كيف ينبغي للحاكم أن يشهد؟ أيشهد أنه حكم بهذه الأرض لفلان وهو لا يدري أهي في يديه أم لا؟ قال: بل يشهد له أن فلانا أقر لفلان بهذه الأرض، ولا يشهد أنه قضى له بها، وإنما يشهد على إقراره بما أقر له به، ولا يحكم فيها بشيء إلا أن يقيم البينة له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة المعنى، إذ قد يقر الرجل للرجل بمال غيره، فإن قضى له عليه بإقراره وأشهد أنه قضى له ولم يذكر أنه إنما قضى له عليه بإقراره اقتضى إشهاده أنه قضى له ببينة تثبت عنده أن

ذلك الشيء له، فأدى ذلك إلى أن يؤخذ من الرجل ماله باطلا بغير حق وبالله التوفيق.

مسألة: كيفية ضمان ما اأتلفته البهائم

مسألة وسئل عن الزرع الصغير الأخضر تفسده البهائم كيف غرمه؟ قال: يغرم قيمته لو كان يحل بيعه على الرجاء فيه والخوف.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في آخر رسم من سماع أشهب قبل هذا، فلا معنى لإعادة شيء منه ولله التوفيق.

###: رجل وجد جبا في أرضه وباب الجب في أرض غيره

ومن كتاب أوله استأذن سيده في تدبير جاريته وسئل عن رجل وجد جبا في أرضه، وباب الجب في أرض غيره، قال: الجب لمن الباب في أرضه؛ لأن منفعته له كانت وهي خطته، وكذلك العلي يكون للرجل، والسفل لآخر، وباب ذلك إلى ناحية [وباب ذا إلى ناحية] أخرى، فليس بالعلى يستحق السفل، فالجب لصاحب الباب، وما عليه لصاحب الأرض، وهذا بين إن شاء الله.
وقال في غير هذا الكتاب من سماع عيسى بن دينار وهو في كتاب العتق: إن لكل واحد أن يأخذه من أرضه وينتفع به ويسده فيما بينه وبين صاحبه ولا يستحقه بالباب.
قال محمد بن رشد: اختلاف قول ابن القاسم في هذه المسألة جار على اختلافهم فيمن اشترى أرضا أو دارا فوجد فيها شيئا لم يعلم

به هو ولا البائع من صخر أو رخام أو عمد وما أشبه ذلك، هل يكون له أم لا؟ فالمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه لا حق في ذلك للمبتاع، وهو للبائع إن ادعاه وأشبه أن يكون له بميراث، وإلا كان سبيله سبيل اللقطة، وذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار إلى أنه للمبتاع، فقول ابن القاسم في هذه المسألة: إن الجب لصاحب الباب ولا حق فيه لصاحب الأرض وهو على مذهبه المعلوم في أن المبتاع لا حق له فيما وجد في الأرض الذي ابتاع، وأنه للبائع إذا أشبه أن يكون له، وإذا حكم بالجب لصاحب الباب بدليل كون الباب في أرضه وجب أن يكون الذي الجب في أرضه مخيرا في رد الدار على من اشتراها منه إن كانت في يديه بشراء؛ لأنه عيب فيها، وإن شاء حبسها ورجع بقيمة ما استحق من أرضه، وهو موضع الجب منها، وإن كان الذي حكم له بالجب بدليل كون الباب في أرضه ابتاع الأرض ولم يعلم بالجب الذي وجد بابه فيها كان للبائع أن يرجع في البيع؛ لأنه يقول: لو علمت بالجب لم أبعها بهذا الثمن.
وقوله الثاني إن له أن يأخذ الجب من أرضه وينتفع به ويسده فيما بينه وبين صاحبه هو على مذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار، وإذا حكم له بما قابل أرضه من الجب على هذا القول لم يكن له على البائع منه رجوع إن كان الجب يعيب أرضه ولا للبائع عليه رجوع إن كان الجب يزيد في ثمن الدار، ولو تقاسم رجلان أرضا فوجد تحت حظ أحدهما جب بابه في حظ صاحبه انتقضت القسمة على القول بأن الجب لصاحب الباب، كما لو وجد الجب ببابه في أرض أحدهما، وعلى القول الآخر تنبت القسمة بينهما ويكون الجب للذي وجد في حظه، وإن كان بابه في حظ صاحبه.
هذا الذي أقول به في معنى هذه المسألة، وقد مضى في آخر مسألة من جامع البيوع بيانه.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال: إذا اقتسم رجلان أرضا فوجد تحت حظ أحدهما جب بابه في حظ صاحبه، فقيل: إن القسمة

تنتقض على القول بأن الجب لمن الباب في أرضه، وعلى القول بأن لكل واحد منهما ما تحت أرضه، وقيل: إنها لا تنتقض على القولين جميعا.
والصحيح ما ذهبنا إليه من أنها تنتقض على القول بأن الجب لصاحب الباب، ولا تنتقض على القول بأن لكل واحد منهما ما تحت أرضه منه؛ لأنه لا يكون لكل واحد منهما ما تحت أرضه منه إلا على القول بأنه لو وجد أحدهما في حظه جبا أو بيرا أو صخرا أو عمدا أو ما أشبه ذلك كان له، ولم يكن لصاحبه نقض القسمة وبالله التوفيق.

مسألة: درء الحد عمن وطىء جارية بشبهة ملك

مسألة وسئل عن الرجل يدعي جارية في يد رجل فيقول: اشتريتها من سوق المسلمين ويقيم البينة المدعى أنها له، ويقر الذي هي في يديه بوطئها ويزعم أنه اشتراها في سوق المسلمين ولا بينة له، هل يحد؟ قال: يدرأ عنه الحد، قيل له: فلو قال: اشتريتها منك ولا بينة له، قال: أرى أن يدرأ عنه الحد إذا كان ممن لا يتهم.
قال محمد بن رشد: أما الذي يدعي الجارية في يد رجل ويقيم البينة أنها له ويقر الذي هي في يديه بوطئها، أو تقوم عليه بينة بوطئها ويزعم أنه اشتراها في سوق المسلمين فلا اختلاف في أن الحد يدرأ عنه في الوجهين، وإن عجز عن إقامة البينة على ما ادعى من شرائها في سوق المسلمين، وقضى لمدعيها بها بالبينة التي أقامها أنها له.
وأما الذي يقر بوطء أمة الرجل ويدعي أنه اشتراها من سيدها ولا بينة له على ذلك،

والسيد منكر فإنه يحلف ما باعها منه، ويحد عند ابن القاسم، هذا قوله في المدونة وغيرها - وقال أشهب: يدرأ عنه الحد؛ لأنه لم يقر بزنى وإنما أقر بوطء حلال، وهو على أصله في أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما أقربه على نفسه، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وحديث عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يرد ذلك في الذي أقر بوطء جارية امرأته، وادعى أنها وهبتها له فقال: لتأتيني بالبينة أو لأرمينك بأحجارك، فاعترفت المرأة بذلك فخلى سبيله، إذ لا يحتاج على هذه الرواية وعلى قول أشهب إلى اعتراف المرأة.
وأما إن أقر له سيدها بما ادعاه من اشترائها أو نكل عن اليمين فحلف هو أو استحقها فلا اختلاف في أنه يدرأ عنه الحد فيها.
وأما إن شهد عليه بوطئها فادعى أنه اشتراها من سيدها، وسيدها منكر، فلا اختلاف في أنه يحد إذا حلف سيدها أنه ما باعها منه، واختلف إن صدقه فيما ادعى من شرائه إياها منه، أو نكل عن اليمين، يحلف هو واستحقها.
فقال ابن القاسم: إنه يدرأ عنه الحد؛ لأن الوطء مما يستخفى به، بخلاف الذي تقوم عليه البينة بالسرقة فيدعي أن المتاع متاعه فيصدقه رب المتاع، أو ينكل عن اليمين فيحلف هو ويستحق المتاع، إذ لا يأخذ أحد متاعه سرا على وجه السرقة، وفي ذلك اختلاف، وقال أشهب: يحد إن لم تقم بينة على ما ادعى من الشراء ولا يسقط عنه الحد بتصديق السيد على الشراء ولا بنكوله على اليمين وحلفه هو، ولا بشاهد على الشراء مع يمينه، ولا يلحق به الولد، وتكون الأمة أم ولد إن استوجبها بشيء من ذلك لإقراره لها بذلك: واستحسن أشهب إن أقام رجلا وامرأتين أن يلحق به الولد ويدرأ عنه الحد وليس بالقياس وبالله التوفيق.

###: أجر المعازف واللهو إذا اختصم فيه أيقضى به

ومن كتاب أوله أوصى وسئل عن أجر المعازف واللهو إذا اختصم فيه أيقضى به؟

قال: أما للهو الذي يجوز ورخص فيه مثل الدف، فأرى أن يقضى به، وأما مثل المزمار والعود فلا أرى الإجارة به يقضى به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إن ما يجوز من اللهو ورخص فيه يقضى فيه بالإجارة، وإن ما لا يجوز منه لا يقضى فيه بإجارة، وقوله: إنه لا يقضى فيه بإجارة، كلام فيه إجمال يفتقر إلى تفصيل وشرح وبيان.
أما إذا عثر على ذلك قبل استيفاء الإجارة بالعمل، فلا اختلاف في أن الإجارة تفسخ وتبطل الأجرة عن المستأجر، ولا يكون عليه منها شيء إن كان لم يدفع، ويتخرج الأمر إن كان قد دفع على وجهين: أحدهما أنها ترد عليه، والثاني أنها تؤخذ من الأجير فيتصدق بها على المساكين أدبا له، وأما إن لم يعثر على ذلك حتى فاتت الإجارة بالعمل فيؤدبان جميعا ويتصدق بالإجارة على المساكين على كل حال، قبضت أو لم تقبض، إذ لا يحل للأجير ولا ينبغي أن يترك للمستأجر إن كان لم يدفعها، ولا أن ترد إليه إن كان دفعها، إذ قد قبض عوضها.
هذا وجه القول في هذه المسألة على أصولهم في المسلم يشتري الخمر والخنزير من المسلم، وقد مضى القول على ذلك في رسم نقدها نقدها من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع وغيره وبالله التوفيق.

###: هدم الحائط الساتر للغير للضرورة

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال ابن القاسم: وإذ كان حائط لرجل سترة لرجل آخر فليس له أن يهدمه إلا لوجه يرى أن لهدمه وجها لم يلتمس به ضرره، فإن انهدم من أمر من السماء فقال له صاحب الدار: ابن

حائطك واستر علي فإنه إن شاء بنى وإن شاء ترك، ولا يجبر على ذلك، وقيل للذي يطلب السترة: إن شئت فاستر على نفسك، وإن شئت فدع، قال عيسى: وإن هدمه للضرورة وترك أن يبنيه رأيت للسلطان أن يجبره على إعادته كما كان، لا يسوغه الضرر، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» فإن هدمه لوجه منفعة أو لتجديده، ثم عجز عن ذلك فاستغنى عنه فليس بجبر على إعادته، ويقال لجاره: إن شئت فاستر على نفسك في أرضك، وإن شئت فدع، قال سحنون: يجبر على كل حال.
قال محمد بن رشد: قول عيسى بن دينار: وإن هدمه للضرورة رأيت للسلطان أن يجبره على إعادته، يريد كان له مال أو لم يكن له مال، كالحائط بين الشريكين.
إما أن يبني، وإما أن يبيع ممن يبني، وهو مفسر لقول ابن القاسم.
فتحصيل قوله في هذه الرواية، أنه إن انهدم من أمر من السماء أو هدمه خوف سقوطه، لم تلزمه إعادته وإن كان له مال، وقيل لجاره: استر على نفسك في حظك أو دع، وإن هدمه ليجدده أو لوجه منفعة أجبر على إعادته إن كان له مال، ولم يلزمه شيء إن لم يكن له مال، وإن هدمه للمضرة بجاره أجبر على إعادته كان له مال أو لم يكن له مال كالحائط بين الشريكين.
إما أن يبني أو يبيع ممن يبني، وهذا أمثل ما في سماع يحيى من كتاب السلطان، وسوى في رسم الصلاة من سماع يحيى من هذا الكتاب بين أن ينهدم أو يهدمه لوجه منفعة في أنه إنما يجبر على إعادته إن كان له مال.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أنه كالحائط بين الشريكين، سواء هدمه أو انهدم يجبر على أن يبنيه أو يبيعه ممن يبنيه إن لم يكن له مال، وهو ظاهر قول

سحنون: يجبر على كل حال.
قال ابن الماجشون في الثمانية: فإن لم يكن له مال بيع عليه من داره ما يقيمه به، وإن لم تكن الدار ملكا له، وكانت صدقة.
أو عمرى كان لصاحبه أن يبنيه من ماله، ويتبعه به دينا في ذمته.
قال ابن رشد: ومعنى ذلك عندي إذا أبى أن يسلم إليه ماله في الدار من سكناها حياته.
وأما إن رضي بذلك فلا يلزمه أكثر من ذلك، فإذا استوفى من كرائها نفقته رجعت الدار إليه على ما كانت.
وقال أصبغ: لا يجبر صاحب الجدار أن يبنيه على حال، وله أن يهدمه إن شاء ويجعلها عرصة، وإن شاء صاحبه ستر، وإن شاء ترك.
قال: وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: والقياس قول أصبغ، وتفرقة ابن القاسم استحسان، وقول ابن الماجشون إغراق وبالله التوفيق.

مسألة: هدم العوج الضار بجدار الجار

مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يبني بنيانا مستعليا فيعوجه في العلو ويميله على هواء غيره، فيبني الذي له الهواء في أرضه، فإذا انتهى إلى العوج منه ولم يستطيع أن يقوم حائطه إلا بهدم العوج هل ترى أن يهدم ذلك؟ قال: نعم يهدم وليس له أن يدخل في هواء غيره.
قيل له: إن الهدم يكون فيه تلف نفقة

عظيمة قد أنفق على ذلك البنيان.
قال: نعم يهدم كانت النفقة ما شاءت أن تكون.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، لا اختلاف فيها ولا إشكال في شيء من معانيها؛ لأن من ملك بقعة من الأرض فهو يملك ما فوقها من الهواء وما تحتها من الثرى، فليس لأحد أن يدخل عليه في شيء من ذلك بغير رضاه، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» وبالله التوفيق.

###: استئناف الخصومة بعد موت من قضى فيها

ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار وسئل عن القاضي يقضي لرجل فلا يحوز المقضي له ما قضي له به حتى يموت القاضي أو يعزل، هل يستأنف الخصومة في ذلك الأمر أم لا ينفعه ما كان قضي له به؟ وإن لم يكن حازه أو إن قضى له به، ثم أقام سنة أو أكثر من ذلك حتى يموت القاضي أيضا أو يعزل؟ قال ابن القاسم: يمضي القضاء الذي قضى به القاضي الأول، ولا ينظر فيه القاضي الثاني، إلا أن يكون جورا بينا فينقضه، وهذا أمر قد بلغنا أنه كانت منكم فيه زلة عظيمة، فالقضاء ماض ولا يستأنف فيه قضاء، وهذا أمر لا اختلاف فيه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال من أن حكم القاضي لا يفتقر إلى حيازة، وهو مما لا اختلاف فيه، وقد مضى نحوه والقول فيه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، ويأتي أيضا في رسم المكاتب من سماع

يحيى، وفي رسم الصبرة منه القول على ما يفسخ القاضي من أقضية من قبله من القضاة مما لا يفسخ مستوفى إن شاء الله تعالى.

###: طلب تعديل من يعلم القاضي بجرحه

ومن كتاب أوله يدير ماله قال ابن القاسم في قاض شهد عنده رجل وهو يعلم منه الجرحة وغير العدالة أيأمره أن يأتي بمن يعدله؟ قال: لا ينبغي له أن يقبل ذلك ولا يلتفت إلى شيء من ذلك إذا كان يعلم منه غير العدالة.
قال: وتفسير ذلك عندي أن ذلك إذا شهد عنده بحدثان ما علم منه فلا يسأله تعديلا، ولا يقبل له شهادة.
فأما إذا كان زمان ذلك قد طال أو تقادم ولا يدري حالته في اليوم الذي شهد عنده عنه، فلا أرى أن تطرح شهادته بما علم منه إذا كان على ما وصفت، وأنا أرى أن يسأل عنه، فلعله قد تاب وظهرت توبته، وعرف منه التزيد في البر واجتهاد في الخير والتزيد فيه.
قال محمد بن رشد: هو كما قال؛ لأن أمر الشهود في عدالتهم وجرحتهم إلى القاضي هو يعمل في أمرهم بعلمه فيهم، لقول الله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] فالرضى في هذا إنما هو إلى الحاكم، فإذا كان الحاكم عالما بعدالة الشاهد حتى لو لم يكن حاكما لزمه أن يعدله وجب عليه قبول شهادته، ولا يستعدله سرا ولا علانية، وإن سأله ذلك المشهود عليه، وإن جرح عنده لم يقبل التجريح فيه إلا بعداوة، قاله محمد.
وإنما يقبل التجريح فيمن لم يعرفه بعدالة حتى عدل عنده، وإذا كان عالما بجرحة الشاهد لم يقبل فيه التعديل، إلا أن يكون الأمر الذي علمه من الجرحة به قد طال، فيسأل عنه، ويقبل فيه التعديل كما قال في التفسير، ومعنى ذلك إذا ثبت عنده توبته من الجرحة التي علمه بها بشهادة

شاهدين عدلين، وإخبار ممن يوثق بقوله، وقال ابن كنانة: إذا عرفه القاضي بجرحة ووجد من يعدله فليرفع ذلك إلى الإمام يكون هو الناظر فيه؛ لأنه يستشنع من القاضي أن يرد شهادته وهو يجد من يعدله.
وقال عيسى بن دينار: لا يرفع شهادته ويردها كما قال ابن القاسم، ولا يحكم بشهادة الشاهدين، وإن علم أنهما شهدا بحق، إذا علم بجرحتهما؛ لأنه إذا فعل ذلك كان قد حكم بعلمه لا بشهادة الشهيدين وبالله التوفيق.

###: تصرف الحامل في مالها في حدود الثلث

ومن كتاب الجواب وسئل عن الحمل بأي شيء يعلم أن لحملها ستة أشهر حتى تحجب عن القضاء في مالها بمنزلة المريض، وفي غير ذلك، أبقولها أم بماذا؟ قال ابن القاسم: نعم بقولها، ولا يرى ذلك النساء، ولا يسألن عنه، ولا يلتفت إلى قولهن فيه، القول قولها، وهي بنفسها أعلم، قال أصبغ: وبإثقالها إذا أثقلت، قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: 189]. فهو مرض.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قول مالك في موطأه إن الحامل إذا مضى لحملها ستة أشهر لم يجز لها قضاء إلا في ثلث مالها، وإنما تصدق في الإثقال إذا أقرت به على نفسها قبل الصدقة وما أشبهها مما لا يجوز للمريض فعله.
وأما إذا ادعت ذلك بعد، فلا تصدق إلا أن يعلم صدق قولها، وقد مضى في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك زيادة في معنى هذه المسألة وبالله التوفيق.

مسألة: أقر لجارية بمهر وصدقة

مسألة قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل ابتاع جارية فولدت منه أولادا.
وقد كان الرجل يخبر الناس أنها امرأته تزوجها، وقد كان يحلف بطلاقها ثم مرض الرجل فأشهد لها أن لها قبله خمسين دينارا بقية من مهرها، وتصدق عليها بأشياء في مرضه، ثم صح الرجل فعاش بعد ذلك نحوا من سنة، ولا يذكر من ذلك شيئا، ثم مرض فمات.
قال ابن القاسم: لها ثمنها في ماله، وهي امرأته، يرثها وترثه، ولها ما كان أقر لها به في مرضه الأول من بقية مهرها، تأخذه من ماله إذا كان قد صح من مرضه الأول كما ذكرت، وأما ما كان تصدق به عليها في مرضه الأول فليس لها منه قليل ولا كثير، إلا أن تكون قد قبضته منه في صحته وحازته فهو لها.
قال: وإن مات في مرضه الأول الذي أقر لها فيه بما أقر، وتصدق عليها به بما تصدق، فلا مهر لها ولا صدقة.
إلا أن يجيزهما الورثة، ولها الميراث بما كان شهد لها عليه من إقراره قبل ذلك في صحته أنها امرأته، وأنه قد كان يحلف بطلاقها.
قال محمد بن رشد: في قول ابن القاسم في هذه المسألة لها ثمنها في ماله، وهي امرأته يرثها وترثه، نص جلي على أنه رآهما زوجين يتوارثان بإقراره في صحته بنكاحها إلى ما كان يحلف به من طلاقها مع كونها في ملكه وتحت حجابه، وأنها قد ولدت له أولادا بعد إقراره بنكاحها وإن لم يعلم منها في حياته إقرار له بالنكاح.
وقد قيل: إن

الميراث إنما وجب لظهور الولد بينهما بعد إقراره بنكاحها، لا لكونها في ملكه وتحت حجابه لكونها على ذلك في الأصل لحق الملك وهو صحيح من التأويل، ولو كانت بائنة عنه في مسكنها لم يرث واحد منهما صاحبه إذا لم تقم بينة على أصل النكاح إلا أن يكونا متقاررين جميعا على النكاح في صحتهما مع طول الأمر واشتهاره.
قاله ابن القاسم في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب النكاح، وفي ذلك اختلاف قد ذكرناه هناك وسيأتي تحصله في رسم الأقضية من سماع يحيى من كتاب الشهادات إذا مررنا به إن شاء الله.
وقوله: إن لها الخمسين دينارا التي أقر لها بها في مرضه من بقية مهرها إذا لم يمت من ذلك المرض صحيح، إذ لا فرق بين أن يقر لها به وهو صحيح، وبين أن يقر لها به وهو مريض ثم يصح بعد ذلك وقوله: إنها لا شيء لها مما تصدق به عليها وهو مريض، وإن صح بعد ذلك إلا أن تقبض ذلك في صحته صحيح؛ لأن الصدقة تفتقر إلى الحيازة في صحة المتصدق، كانت على وارث أو أجنبي، بخلاف الإقرار بالدين، ذلك ينفذ في الصحة للوارث وغير الوارث، وفي المرض إلا لمن يتهم عليه من الورثة، ففي قوله وإن مات من مرضه الأول الذي أقر لها فيه بما أقر وتصدق عليها به بما تصدق فلا مهر لها نظر، لما في المسألة من أنه قد ولد له منها أولاد، وإن لها الثمن، والولد يرفع التهمة عنه في إقراره لها ببقية الصداق إذا لم يتهم فيها بصبابة وميل إليها، إلا أن يكون بعضهم صغيرا منها وبعضهم كبيرا، أو جميعهم صغار منها وهن إناث، ويبعد أن يكون أراد ذلك، فمعنى ما تكلم عليه والله أعلم، إذا كان الولد الذي ولد له منها قد مات فورث بغير ولد وبالله التوفيق.

مسألة: إنكار المقر بعد إقراره المكتوب

مسألة وسألته عن القاضي يقر عنده الرجل فيكتب إقراراه، ثم ينكر الرجل أن يكون أقر عنده بشيء، وهل يقضي عليه بإقراره عنده؟ أو هل يختلف إن قال القاضي: أقر عندي من قبل أن استقضى؟ قال ابن القاسم: رأيي والذي آخذ به في ذلك وهو الذي سمعت، أنه لا يقضي عليه حتى يشهد على إقراره عنده شاهدان عدلان سوى القاضي، وإلا لم يقض عليه بشيء، وإنما هو بمنزلة ما اطلع فيه عليه من الحدود يعلمها، فهو لا يقيمها عليه إلا أن يكون معه شاهدان عدلان سواه، فإن لم يكن كذلك رفعه إلى من هو فوقه، وكان هو شاهدا، وسواء في هذا أقر عنده فيما زعم القاضي وهو قاض، أو قبل أن يستقضي، وإن عزل القاضي فشهد عليه بإقراره عنده، فهي شهادة يعمل بها، كما يعمل بها لو شهد بها عليه عنده غيره قبل أن يعزل، إن كان معه أحد سواه ثمت، وإن لم يكن غيره سقطت، إلا أن يكون من الأشياء التي تكون فيها اليمين مع الشاهد، فيحلف المشهود له مع شهادته أن حقه حق، ثم يستحق حقه، وهو بمنزلة شاهد من المشهود، وإن جهل القاضي فقضى عليه بإقراره عنده، فإني أرى له أن يرد ذلك ما كان على القضاء بحاله ويرجع فيه، فإن عزل لم أر أن يرد ذلك من يكون بعده ولا يفسخ قضيته، كان جهل ذلك أو تعمده؛ لأن مما يختلف إلا أن يكون إقراره عنده إنما هو من قبل أن يستقضي، فلما استقضى حكم عليه بذلك الإقرار،

فإن هذا يرد ويفسخ على كل حال، وهو في غير هذا يختلف؛ لأن إقراره عنده وهو قاض قد اختلف الناس فيه، والآخر لم يختلف الناس فيه، إنه ليس بشيء ولا يقطع به.
قال محمد بن رشد: حكم القاضي على الرجل بما أقر به عنده دون بينة تشهد عليه بإقراره عنده، ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها أن يقر عنده قبل أن يستقضي.
والثاني أن يقر عنده في غير مجلس الحكم بعد أن استقضى.
والثالث أن يقر بين يديه لخصمه في مجلس حكمه، فأما إذا أقر عنده قبل أن يستقضي فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار، فإن فعل رد ذلك الحكم وفسخه هو ومن بعده من القضاة والحكام، وأما ما أقر به عنده بعد أن يستقضي في غير مجلس القضاء فلا اختلاف في المذهب في أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون بينة تشهد به عليه.
وأهل العراق يقولون إنه يقضي عليه بذلك الإقرار دون بينة، بخلاف الحدود على ما قال في المدونة من أن أهل العراق فرقوا بين الإقرار والحدود، فقالوا: ينفذ الإقرار في ولايته، ولا ينفذ الحدود، وقد حكى عنهم أنه يقضي بعلمه في الحدود وهو بعيد، فإن قضى عليه بذلك الإقرار نقض حكمه بذلك ما لم يعزل على المشهور في المذهب، ولم يرده من بعده من القضاة والحكام مراعاة لقول أهل العراق.
وأما ما أقر به عنه أحد الخصمين في مجلس قضائه ثم جحده ولا بينة عليه فالاختلاف فيه موجود في المذهب، وإن كان ابن المواز قد ذكر أنه لا اختلاف في ذلك بين أصحاب مالك.
قال ابن الماجشون: الذي عليه قضاتنا بالمدينة، وقاله علماؤنا، ولا أعلم مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال غيره، أنه يقضي عليه بما سمع منه وأقر به عنده، وإليه ذهب مطرف وأصبغ وسحنون.

قال محمد بن رشد: وهو بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث الصحيح «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون.
الحديث إلى قوله: فأقضي له على نحو ما أسمع منه» لأنه قال: على نحو ما أسمع منه، ولم يقل على ما يثبت عندي من قوله.
والمشهور في المذهب أنه لا يقضي عليه إذا جحد، وهو قوله في هذه الرواية، إلا أن يشهد عليه عنده من حضر مجلسه فيحكم عليه بالشهادة دون إعذار، قاله ابن العطار (وفي ذلك اختلاف).
وقوله: فإن جهل القاضي فقضى عليه بإقراره عنده فإني أرى له أن يرد ذلك ما كان على القضاء بحاله، معناه إن ظن ذلك هو الصواب لجهله بالنظر، فقضى بذلك دون اجتهاد إذ ليس من أهل الاجتهاد، ودون تقليد أيضا، إذ لا يقال فيمن قضى باجتهاده وهو من أهل الاجتهاد فيما سبيله الاجتهاد إنه جهل وإن خالفه في ذلك مخالف، وإنما يقال لمن خالفه إنه أخطأ لتقصيره في الاجتهاد، كما لا يقال أيضا فيمن لم يكن من الاجتهاد فقضى بتقليد إنه أخطأ إذ لم يكن منه الخطأ، وإنما كان من الذي قلده، واختلف إذ رأى ذلك باجتهاده فقضى به ثم رأى خلافه، فالمشهور في المذهب أن القاضي إذا قضى بقضاء، ثم رأى ما هو أحسن منه فإنه ينقضه ويرجع إلى ما رأى ما دام على ولايته وإن كان الذي قضى به أولا مما اختلف الناس فيه.
وقال ابن عبد الحكم: لم أسمع أحدا من أصحابنا اختلف في ذلك، وأنا لا أراه، وأرى قضاءه وقضاء غيره سواء، لا يرجع عما اختلف فيه إلى ما هو أحسن منه حتى يكون الأول خطأ بينا صراحا.
واستحسن ابن حبيب ما أجمع عليه أصحاب مالك، ولم يعجبه ما انفرد به ابن عبد الحكم، وقد اختلف في تأويل ما وقع (في)

المدونة من قول ابن القاسم، وإنما لا يرجع فيما قضت فيه القضاة مما اختلف الناس فيه، هل هو مثل الذي قال ابن عبد الحكم؟ أو مثل ما أجمع عليه أصحاب مالك سواه؟ فذهب الفضل إلى أنه ملائم لقول ابن عبد الحكم، وقال غيره: إنه مخالف له مثل ما أجمع عليه أصحاب مالك سواه، والأمر محتمل على رواية من روى وإنما لا يرجع - بفتح الياء - وأما على رواية من روى يرجع بضم الياء على ما لم يسم فاعله، فلا يحتمل أن يكون مثل قول ابن عبد الحكم.
قال سحنون: إنما يرجع في قضائه بما اختلف فيه إذا قضى به وهما أو نسيانا وهو يرى خلافه.
وأما إن كان ذلك رأيه يوم قضائه فلا يرجع فيه ويقضي في المستقبل بما رأى.
قال القاضي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والذي أقول به إن الخلاف في رجوعه عنه ما دام على القضاء بحاله إنما هو إذا قضى به وهو يراه باجتهاده يوم قضى به، وإن الخلاف في هذا جار على اختلافهم في تصويب المجتهدين، وأما إذا قضى بذلك وهلا أو جهلا أو نسيانا فلا يقع الخلاف في أنه يجب عليه أن يرجع عنه إلى ما رأى إذ قد تبين له خطؤه أولا، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد وقضى بذلك بتقليد فلا يسع الخلاف في أنه لا يصح له الرجوع عنه إلى تقليد آخر، فقف على أنها ثلاثة أوجه: وجه يرجع فيه، ووجه لا يرجع فيه، ووجه يختلف رجوعه فيه.
ولا اختلاف في أنه يرجع ما دام على قضائه فيما قضى به مما لم يختلف فيه على أي وجه، كان من اجتهاد أو جهل، أو وهل أو نسيان، وكذلك لا اختلاف في أنه يرجع فيما قضى به من قبله من القضاة إذا كان الذي قضى به خطأ لم يختلف فيه، فإن كان الذي قضي به مما قد اختلف فيه لم يرده من بعده.

وقيل: إنه يرده إن كان الخلاف فيه شاذا.
وذهب ابن الماجشون إلى أنه يرده وإن كان الخلاف فيه قويا مشهورا إذا كان ذلك خلاف سنة قائمة، واختلف في الحكم بترك الأمر وتجويزه، هل هو كالحكم في أنه لا يكون لمن بعده من الحكام أن يعرض فيه إلا أن يكون خطأ صراحا لم يختلف فيه أم لا؟ فذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أنه كالحكم، لا يكون لمن بعده من القضاة أن يرده إلا أن يكون خطأ بينا لم يختلف فيه.
وقع ذلك في النكاح الأول منها، وذهب ابن حبيب إلى أنه ليس كالحكم، ولمن بعده أن يرده، وإن كان قد اختلف فيه.
وقد روي عن أشهب أن القاضي إذا قضى على الرجل بإقراره عنده بعد أن يستقضي فهو بمنزلة قضائه عليه بإقراره عنده قبل أن يستقضي في أنه حكم مفسوخ يرده هو ومن بعده من القضاة وهو بعيد، لا سيما ولم يفرق بين أن يكون إقراره عنده بعد أن استقضى في مجلس القضاء، أو في غير مجلس القضاء.
وقال في هذه الرواية: إن القاضي يكون شاهدا عليه عند غيره بما أقر (به).
عنده على نفسه لخصمه، وفي ذلك اختلاف.
ذكر محمد بن المواز في كتابه أن قول ابن القاسم اختلف في ذلك، فقال: لا يجوز، وقال: يجوز، والأول أحب إلينا لأنه كأنه يثبت حكم نفسه.
وأما شهادته عليه بإقراره عنده في غير المخاصمة فلم يختلف في إجازتها.
قال القاضي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يريد أن قول ابن القاسم لم يختلف في إجازتها.
وقد اختلف قول مالك في ذلك، روى عنه ابن الماجشون أن الرجل لا يشهد على الرجل بما سمح من إقراره على نفسه وإن استوعبه إلا أن يشهده على نفسه، وإلى هذا الاختلاف أشار في المدونة بقوله: وأما قول مالك الأول.
فيتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لا يشهد بما أقر به عنده في المخاصمة ولا في غير المخاصمة.

والثاني أنه يشهد عليه في الوجهين.
والثالث أنه يشهد (عليه) بما أقر عنده في غير المخاصمة، ولا يشهد عليه فيما أقر به عنده في المخاصمة، وهو اختيار محمد بن المواز، وبالله التوفيق.

###: ما يرفع للقضاة من أموال اليتامى هل يستودعها لهم أم يضمنها لهم

ومن كتاب العتق قال عيسى: وسألت ابن القاسم عما رفع إلى القضاة من أموال اليتامى، هل يستودعها لهم أم يضمنها لهم؟ فقال: إن الضمان الذي يصنع بعض الناس وأهل العراق أن يضمنوه أقواما يكون لهم ربحها وعليهم ضمانها حرام لا يحل، والسنة فيها أن يستودعها من يثق به إذا لم يكن لهم أوصياء، فإن كان (لهم) وصي لم تخرج من يده إن كان ثقة، وإن كان غير ثقة أخذها القاضي واستودعها من يثق به، وأرى أن يدفعها إلى من يتجر لهم بها، ويكون ذلك نظرا لهم، إذا لم يكن لهم وصي والقاضي وصي من لا وصي له.
قال القاضي: هذا بين على ما قال إن الوجه في أموال اليتامى أن ينظر لهم فيها بأن تدفع إلى من يتجر لهم فيها تطوعا ابتغاء الأجر والثواب، أو على سبيل القراض إن لم يوجد من يتطوع بذلك لهم، لقول عمر بن الخطاب: " اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة " فإن لم يكن ذلك أودعت عند من يوثق به، فإن تعدى عليها المودع فتسلفها ضمنها، وسقطت عن اليتامى زكاتها، ولم يحل أن يضمن أحدا على أن يكون للذي يضمنها ربحها؛ لأن ذلك سلف لغير الله، لم يبتغ به المقرض إلا منفعة لنفسه لا

منفعة المقرض، فحرم ذلك «لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن سلف جر منفعة».... " إذ هو في معنى الربا المحرم بنص التنزيل، وهو أن يكون للرجل على الرجل الدين فإذا حل قال له: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإذا لم يحل أن يؤخره بدينه على أن يزيده فيه؛ لأنه سلف قصد به منفعة نفسه، فكذلك لا يحل أن يسلف الرجل الرجل الذهب ليحرزه في ضمانه، ومن فعل ذلك فهو مُرْب آثم.

مسألة: الرجل يجحد نسب رجل أنه أخوه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يجحد نسب رجل أنه أخوه، فقال: ينبغي للقاضي أن يسأله، فإن أنكر وجحد ثم ثبت له ذلك قبله ببينة أخذ له بحقه، ولا عقوبة على هذا في إنكاره.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: إنما سقط الحد عن الأخ المنكر له؛ لأنه لم يقصد قصد القذف، وإنما دفعه عن مال، فكان معنى جحوده إياه أي ليس لك معي في هذا المال حق، وليس ذلك بصحيح، وإنما معنى المسألة أنه قال ذلك في أخ طرأ عليه، لم يكن مقرا به قبل، ولذلك قال: إنه لا عقوبة على هذا في إنكاره، ولو جحد نسب أخ كان مقرا به قبل لوجب عليه الحد، ولم يكن له عذر في أنه لم يقصد القذف، وإنما دفعه عن مال، وكذلك قد قال محمد وهو بين، فقد قال في المدونة: إن من قال لرجل: لست أعرف أباك وهو يعرفه فعليه الحد، وهذا بين منه، وقد أوجبوا في التعريض الحد، فكيف بهذا وهو تصريح وبالله التوفيق.

مسألة: الوكالة في الخصومة عن الغائب

مسألة وسئل عن الشريكين يدعيان قبل رجل شيئا فأمرهما القاضي أن يستخلفا أو يخاصمه أحدهما يوصيان بذلك فيقولان من حضر منا فهو خليفة الغائب أينما حضر، فهو يخاصم عن صاحبه، قال: لا يمكنهما من ذلك؛ لأني سمعت مالكا، وسئل عن رجل خاصم رجلا في حق له، وقاعده عند السلطان ثم أراد أن يوكل، قال: ليس ذلك له إلا من علة؛ وسئل عن ورثة رجل ادعوا منزلا بيد رجل وهم جماعة، أيخاصمه كل واحد منهم لنفسه؟ قال: بل يرتضون جميعا بمن يخاصمه، ويدلوا إليه بحججهم يخاصم عنهم، وليس يخاصمه هذا وهذا؛ لأنه أمر واحد، أو يحضرون إليه جميعا فيدلون بحججهم، فأرى ذلك لهم، فأما أن يتعاوروه، هذا يوم وهذا يوم، فليس ذلك لهم.
قال القاضي: هذا بين على ما قال؛ لأن الورثة فيما يطلبون عن موروثهم، والشركاء فيما يطلبون عن أنفسهم بمنزلة الرجل الواحد، فكما لا يجوز للرجل الواحد أن يوكل وكيلين على الخصام يتعاوران خصمه إذا غاب أحدهما حضر الآخر، ولا أن يوكل وكيلا يخاصم معه إذا غاب حضر وكيله، وإذا غاب وكيله حضر هو، فكذلك لا يجوز للشركاء (ولا للورثة) أن يتعاوروا خصمهم بالخصام؛ لما في ذلك من الإضرار به؛ لأنه يخاصم أحدهم حتى إذا انتفى عليه ويوجه له القضاء غاب عنه، وأتى صاحبه بحجة يستحدثها.
ولهذا المعنى لم يكن لمن ناشب خصمه الخصام وقاعده عند السلطان أن يوكل من يخاصم عنه، ولا أن يعزل وكيلا قد وكله فيوكل غيره، أو يتولى هو الخصام بنفسه، إلا أن يكون له عذر من

سفر حضر، أو مرض حدث، أو يكون خصمه قد أسرع إليه واستطال عليه، فيحلف ألا يخاصمه فيكون له أن يوكل، أو يكون قد ظهر إليه من وكيله ميل مع خصمه ومسامحة في حقه، فيكون له أن يعزله ويولي غيره، أو يخاصم لنفسه.
وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه، ومعنى قوله: وقاعده عند السلطان، يريد المرات الثلاث ونحوها أو يكون قد انتفى عليه فيما دونها.
هذا معنى قوله الذي حمله عليه كل من ألف في الأحكام من المتأخرين، وبالله التوفيق.

مسألة: تسمية القاضي للشهود العدول

مسألة وسئل عن القاضي يكتب إلى القاضي في الحقوق والأنساب والمواريث وما أشبه ذلك، فيكتب أتاني فلان بشهود عدلوا عندي، وقبلت شهادتهم، ولا يسميهم في كتابه، أيجوز؟ قال: نعم يجوز، وهذا قضاء القضاة.
أرأيت إن سماهم له ليعرفهم؟ أم يبتغي عدالة أخرى ويسأل عنهم؟ أم يستأنف فيهم حكما غير ما قد حكم فيه وفرغ منه؟ ليس ذلك كذلك.
قال العتبي: قد قيل: إنه ينبغي له أن يسمي البينة في الحكم على الغائب ليجد سبيلا إلى دفع شهادتهم عنه، وهو عندي بيّن إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قوله، إنه ليس على القاضي إذا كتب إلى القاضي بما ثبت عنده من الحقوق والأنساب والمواريث أن يسمي له في كتابه الشهود الذين ثبت بهم ذلك عنده صحيح؛ إذ لا ينظر القاضي المكتوب إليه في عدالتهم، وإنما يمضي ما أخبره به في كتابه من ثبوت ذلك عنده فيقضي به على المحكوم عليه عنده، إلا أنه يجب عليه إذا خاطب بذلك أن ينفذه عند نفسه بتسمية الشهود، ويضع ذلك في ديوانه؛ لأن من حق المحكوم عليه إذا قضى عليه القاضي المكتوب إليه أن يذهب

إلى القاضي الكاتب فيعذر إليه في الشهود الذين ثبت عنده بهم ذلك الحق الذي خاطب به، فإن جرحهم وأبطل شهادتهم رجع فيما حكم به عليه، هذا الذي ينبغي له أن يعمل إن كان لم يثبت عنده ما خاطب به في عقد.
وأما إن ثبت ذلك عنده في عقد، فوجه الحكم أن يدرج إليه ذلك العقد أي كتابه، وبذلك جرى العمل، فيأخذ المحكوم عليه ذلك العقد، أو نسخته، فيذهب به إلى القاضي الكاتب ليبطل عنده البينة عن نفسه فيرجع بما حكم به عليه إذا أراد ذلك وقدر عليه.
وقول العتبي قد قيل إنه ينبغي أن يسمي البينة في الحكم على الغائب إلى آخر قوله، وقع في بعض الروايات، ويسمى فيه في هذا الموضع على المسألة المتقدمة غلط، إذ ليس فيها أن البينة لا تسمى في الحكم على الغائب؛ لأن كتاب القاضي إلى القاضي بما يثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب، فهي مسألة أخرى، والحكم فيها ما قد ذكرته بلا خلاف.
وأما الحكم على الغائب فلا بد من تسمية البينة فيه على القول بأن الحجة ترجى له، ليجد سبيلا على رد القضية على نفسه بتجريح البينة وهو المشهور في المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، فإن لم يسم البينة في الحكم عليه فالقضية مردودة تفسخ ويستأنف الخصام فيها، قال ذلك أصبغ في الواضحة وغيرها، وهو صحيح على قولهم أن الحجة ترجى له.
وأما الحكم على الحاضر فلا يحتاج إلى تسمية الشهود فيه، إذ قد أعذر فيهم إلى المحكوم عليه إلا أن تسميتهم أحسن.
قاله أصبغ، وبذلك مضى العمل.
قال ابن أبي زمنين: الذي عليه الحكام تسمية الشهود، وهذا في الحاضر، وأما الغائب والصغير فلا بد من تسميتهم.
وقد روي عن سحنون في المجموعة أن تسميتهم أيضا في الحكم على الغائب لا يلزم، وإن كان ذلك أحسن، وهذا من قوله إنما يأتي على مذهب ابن الماجشون في أن الغائب إذا حكم عليه لا

ترجى له حجة، ولا مخرج له مما حكم به عليه بجرحة الشهود، إلا أن يكونوا نصارى أو عبيدا أو مولى عليهم.
وقد مضى ذلك في رسم سن من سماع ابن القاسم، وقد روى عن سحنون أن ترك تسميه الشهود في الحكم على الغائب أفضل، قال: لأنه قد يحكم القاضي بشهادتهم وهم عدول، ثم يحدث منهم أحوال قبيحة يعودون معها إلى الجرحة، فإذا عزل ذلك القاضي أو مات ادعى المحكوم عليه أن القاضي جار عليه وقبل غير عدول، وهذا على الأصل في أن الغائب المحكوم عليه لا ترجى له حجته، واستحسان أصبغ الذي جرى به العمل من تسمية الشهود في الحكم على الحاضر، معناه على القول بأنه يعجز، ولا تسمع له بينة بعد الحكم إن أتى بها مراعاة لقول من يقول لا يعجز ويسمع له ببينة لم يعلم بها، وهذا من نحو قول مالك في الذي يرى خطه في الكتاب ولا يذكر الشهادة أنه يؤديها ولا تنفع، وأما على القول بأن بينته يسمع منه بعد الحكم عليه فلا بد من تسمية البينة وبالله التوفيق.

مسألة: تسمية القاضي الشهود المجروحين لغيره

مسألة قال عيسى: وسئل ابن القاسم فقيل: لأي شيء وضعوا تسمية من يجرح من الشهود في كتابه، قال: لا أعرف من قضاء أحد أن قاضيا كتب إلى قاض بتسمية من يجرح عنده ولا سمعت به.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن القاضي ليس عليه أن يكتب في حكمه على الغائب إذا خاطب بذلك إلى قاضي موضع وكان قد شهدت له بينة فجرحت، وذلك مثل أن يثبت رجل

دينا على ميت وأحد ورثته غائب فيدعي الحاضر أن الميت قد قضاه ويقيم على ذلك بينة فيجرحها المدعي فيقضي له القاضي بحقه بعد اليمين أنه ما قضاه ويكتب له إلى موضع الوارث الغائب بتسمية من يجرح عنده من الشهود إن كانوا قد جرحوا عنده لأن الشهود إذا جرحوا لا يعمل فيهم التعديل؛ لأن شهادة المجرحين أعمل من شهادة المعدلين، فلم يكن للمحكوم عليه في تسميتهم وجه منفعة، وإذا عدل الشهود عمل فيهم التجريح، فلذلك يجب أن يكتب أسماء الذين عدلوا ولا تكتب أسماء الذين جرحوا، وجب عليه أن يكتب أسماء المجرحين لهم؛ لأنه إذا سماهم في الحكم عليه وجد سبيلا إلى تجريحهم فسقطت الجرحة بذلك على شهوده وبقوا على أصل العدالة، وهذا في الحكم على الغائب، وفي كتابه إلى القاضي بذلك.
وأما في الحكم على الحاضر فقد مضى في المسألة التي قبل هذه أن تسمية الشهود الذين عدلوا لا تجب في ذلك، إذ لم يحكم عليه إلا بعد الإعذار إليه، فكيف في تسمية الذين جرحوا، وبالله التوفيق.

مسألة: وجود أكثر من شاهد بنفس الإسم والصفة

مسألة وسئل عن القاضي يكتب إلى القاضي في رجل بصفته واسمه ونسبه في حق عليه، فيجد القاضي رجلين أو ثلاثة في ذلك البلد أسماؤهم وصفاتهم متفقة، أيختار صاحب الكتاب ويأخذ من ذكر أنه منهم أم ماذا يصنع فيه؟ فقال: لا يختار صاحب الكتاب أحدا منهم، ولا يكون له شيء حتى يثبت أنه أحدهم، أو لا يكون في ذلك البلد أحد غيره كذلك، فحينئذ يستوجبه عليه حقه، إلا أن تكون له حجة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أنه إذا وجد بالبلد رجلين أو ثلاثة على تلك الصفة أنه لا يصدق في الذي يدعي منهم إلا أن يثبت ذلك؛ واختلف إن سأل من الذي يدعى عليه منهم أنه هو حميلا حتى يأتي بالبينة.
فقيل: إنه لا يعدي عليه بحميل.
وهو قول ابن

القاسم في المدونة.
وقيل: إنه يعدي عليه إن لم يؤمن غيبته، ولم يكن من أهل الوفر والملإ، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وإذا وجد بالبلد رجل واحد على تلك الصفة كشف القاضي على الأمر، فإن لم يوجد بالبلد على تلك الصفة غيره أعداه عليه، وإن وجد به سواه لم يكن له على واحد منهما سبيل إلا أن يثبت على أحدهما أنه هو، وإن ترك القاضي ما يؤمر به من الكشف عن ذلك، فقيل: إنه لا يؤخذ بالحق حتى يثبت الطالب أنه ليس بالبلد من هو على تلك الصفة سواه، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان، والشهادة في هذا لا تكون إلا على العلم، وقيل: إنه يؤخذ به إلا أن يثبت هو أن بالبلد من هو على تلك الصفة، وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان بعد هذا، ورواية عيسى عن ابن القاسم في المدونة وسيأتي هناك بقية الكلام على المسألة إن شاء الله.

مسألة: استحلاف صاحب الحق حين خروجه أو توكيله

مسألة وسئل عن الرجل يثبت حقا له عند القاضي على رجل غائب ويريد الخروج في ذلك أو يوكل، أيستحلفه؟ قال: يستحلفه في الوجهين جميعا خرج أو وكل أنه ما اقتضى ولا أحال ولا قبضه بوجه من الوجوه، ثم يكتب له بوكالته إن وكل ويثبت عنده.
وقاله أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم.

قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قد قيل: إنه ليس على الإمام أن يستحلفه في الوجهين جميعا خرج أو وكل، ويكتب له دون يمين؛ لأنه يقول للإمام لا تحلفني فلعله لا يدعي علي أنه قضى لي منه شيئا، وهو ظاهر ما في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب البضائع والوكالات، وما في نوازل أصبغ منه، فإن كتب لوكيله على هذا القول دون أن يستخلفه فقدم عليه، فادعى أنه قد دفع إليه جميع الدين أو بعضه، فإن كانت غيبته قريبة على مسيرة اليومين ونحوهما أخر حتى يكتب إليه فيحلف، وإن كانت غيبته بعيدة لم يؤخر، وقضى عليه بالدين، ولم يؤخر إلى لقاء صاحبه، وهو نص قول محمد بن عبد الحكم، ومعنى قول ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب البضائع والوكالات، وقول أصبغ في نوازله منه، وعلى ما في نوازل عيسى من كتاب البضائع والوكالات في الذي يوكل الرجل على طلب عبد له في بلدة أخرى فيقيم عليه البينة أنه للذي وكله أن الإمام لا يقضي له به حتى يحلف الموكل أنه ما باع، ولا وهب، فإن كان قريبا أمر أن يأتي به حتى يحلف، وإن كان بعيدا كتب إلى إمام بلده الذي ثبت عنده توكيله، وأمره أن يحلفه، فإذا أتاه جواب كتابه بأنه قد حلفه قضى به لوكيله، لا يقضي للوكيل بالدين حتى يكتب إليه فيحلف في موضعه الذي هو فيه.
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى التفرقة بين المسألتين بأن قال: إن اليمين في مسألة العبد من تمام الشهادة فهي يمين يوجبها الحكم فلا يقضى له بالعبد إلا بعد اليمين، وفي مسألة الدين ليس اليمين من تمام الشهادة ولا مما يوجبها الحكم، وإنما تجب بدعوى الغريم القضاء، فيقال له: أد الدين إلى الوكيل واستحلف صاحبك، إذ الغيبة بدعواك.
وذهب ابن أبي زيد إلى حمل المسألتين بعضهما على بعض، وهو بين من مذهب أصبغ؛ لأن ابن حبيب حكى عنه في الواضحة في مسألة العبد أنه يقضى به للوكيل في غيبة الموكل إذا كانت بعيدة، ولا

يحبس عنه من أجل اليمين.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقضى للوكيل في المسألتين جميعا ولا يؤخر القضاء له بسبب اليمين.
والثاني أنه لا يقضي له في المسألتين جميعا حتى يكتب إليه فيحلف.
والثالث الفرق بين مسألة العبد، ومسألة الدين؛ وفي المسألة قول رابع أن الوكيل يحلف على العلم وحينئذ يقضي له، قاله ابن كنانة في المجموعة، وابن القاسم في المدونة وهذا كله في الغيبة البعيدة، وأما الغيبة القريبة فلا اختلاف في أنه لا يقضى له إلا بعد يمينه في المسألتين جميعا هذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة وبالله التوفيق.

مسألة: كتاب القاضي كتابا لصاحب الحق

مسألة وسئل عن الرجل يثبت حقه عند القاضي، أيعطيه كتابا إلى أي قضاة الآفاق كان ولا يسمى فيه أحدا، لا قاضيا بعينيه ولا بلدا بعينه؟ قال: نعم، وأرى ذلك يجوز إذا أثبت البينة عند القاضي الذي دفع إليه الكتاب أنه كتاب القاضي الذي بعث به وكتبه، مثل الرجل يطالب غريمه ولا يدري بأي الآفاق هو أو أين يلقاه، أو العبد الآبق وما أشبه ذلك، وقاله أصبغ عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه إذا لم يدر حيث هو غريمه الذي أثبت دينه قبله، أو حيث يجد عبده الآبق فإن الإمام يكتب له دون تسمية، يقول في كتابه: كتابي إلى من ورد عليه كتابي هذا من القضاة والحكام بأي بلد كان من البلدان، فيكون حقا على كل من ورد عليه ذلك الكتاب من القضاة أن يقضي به وحمله دون خلاف، كما لا

اختلاف أيضا (أنه) إذا كتب له إلى قاضي موضع فوجد ذلك القاضي قد مات أو عزل وولى غيره مكانه أنه يجب له إنفاذ ذلك الكتاب والعمل به.
واختلف إذا كتب له إلى قاضي بلد بعينه وهو يظن غريمه بذلك البلد فألفاه بغير ذلك البلد، ورفع ذلك الكتاب إلى قاضي ذلك البلد، وهو غير القاضي المكتوب إليه.
فروى أصبغ عن ابن القاسم أنه لا ينظر له فيه، وقال أصبغ: إنما معنى ذلك أنه لا يعرف بذلك البلد، ولو أثبت المدعي بينة في ذلك البلد أنه الرجل الذي حكم عليه القاضي الكاتب أنفذه هذا.
قال محمد بن رشد: والمعنى الذي ذهب إليه أصبغ أن من تمام الصفة أن يقول فيه الساكن ببلد كذا، أو الملتزم في صناعته كذا، فلا يوجد بذلك البلد، وفي تلك الصناعة بتلك الصفة والنسبة والتسمية سواه فيلزمه، فإذا رفع الكتاب إلى قاض بغير ذلك البلد لم يدر لعل صاحبه في بلد المكتوب إليه، فوجب ألا يحكم له على من وافقت صفته من أهل بلده الصفة المذكورة في الكتاب حتى يثبت عنده أنه هو بعينه، وهو معنى صحيح، والظاهر من مذهب ابن القاسم أنه لا ينظر (له) بحال؛ لأن الذي كتب إليه الكتاب حتى يثبته عنده ويخاطبه به وبالله التوفيق.

###: كتاب الأقضية الثاني

###: كرم بين أشراك تساقطت حيطانه فدعا بعضهم إلى إصلاحه وكره بعضهم

من سماع يحيى بن يحيى من كتاب الكبش قال يحيى: سألت ابن القاسم عن كرم بين أشراك تساقطت حيطانه فخافوا عليه الفساد فدعا بعضهم بعضا إلى العمل وإصلاح ما تساقط من حدوده وكره بعضهم.
فقال: إن كان لكل رجل منهم حصة معروفة إلا أن الغلق كان واحدا فانهدم، فإن العمل لا يلزم من كرهه، ويقال لمن خاف الفساد وأحب العمل: إن شئت فحصن كرمك ودع ما ليس لك، وإن شئت فدع.
ولا يجبر الكاره للعمل على شيء بحصته، قال: وإن كان مشاعا غير مقسوم فإنه يقال لهم إذا اختلفوا في إصلاحه ومرمة حيطانه اقتسموا ويجبروا على الاقتسام إذا دعا إلى ذلك بعضهم، ثم شأن كل واحد منهم وحصته ليحصنها أو ليدع، قلت له: فإن كان انهدم الحائط وهو مشاع، وفي الكرم ثمرة تمنعهم من الاقتسام وترك إصلاح الحيطان ذهاب للثمرة وفساد للكرم، ما الأمر فيه؟ قال: إن كانت الثمرة قد طابت قيل له: حصن معهم أو

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل