كتاب كراء الدور والأرضين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يكن مأمونا لم يكن له أن يسافر به، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه استحسان على غير حقيقة قياس والله الموفق.
: معاقبة القاضي للخصم الألد
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل مالك عن الرجلين إذا اختصما وألد أحدهما بصاحبه فعرف ذلك القاضي منه أترى أن يعاقبه؟ قال: نعم إذا تبين ذلك منه ونهاه فأرى أن يعاقبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن إلداد أحد الخصمين بصاحبه إذاية له وإضرار به، وواجب على الإمام أن يكف أذى بعض الناس بعضا ويعاقب عليه بما يؤديه إليه اجتهاده، ومثله في آخر أول رسم من سماع أشهب وفي سماع أصبغ وبالله التوفيق.
مسألة: للقاضي الفاضل العدل الحكم لنفسه بالعقوبة على من يتناوله بالقول وأذاه
مسألة فقيل له: أرأيت الذي يتناول القاضي بالكلام فيقول: لقد ظلمني، فقال: إن ذلك يختلف ولم يجد فيه تفسيرا إلا أن وجه ما قال إذا أراد بذلك أذاه وكان القاضي من أهل الفضل أن يعاقبه، وما ترك ذلك حتى خاصم أهل الشرف في العقوبة في الإلداد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن للقاضي الفاضل العدل أن يحكم لنفسه بالعقوبة على من يتناوله بالقول وأذاه بأن نسبه إلى الجور والظلم مواجهة بحضرة أهل مجلسه، بخلاف ما شهد به عليه أنه أذاه به وهو غائب عنه؛ لأن ما واجهه به من ذلك هو من قبيل الإقرار، وله
أن يحكم بالإقرار على من انتهك ماله فيعاقبه به ويتحول المال بإقراره، ولا يحكم بشيء من ذلك بالبينة.
والأصل في ذلك قطع أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يد الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته، وإن كان في حديث الموطأ فاعترف به الأقطع أو شهد عليه على الشك فالصواب ما في غير الموطأ أنه اعترف من غير شك، إذ لو لم يعترف ويقر على نفسه لما قطعه بالبينة، كما لو كان المسروق له، إذ لا فرق بين كونه له أو لزوجته في هذا؛ لأن متاعها كمتاعه، والدليل على ذلك قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لعبد الله بن عمرو الحضرمي لما جاء بغلامه، فقال: إن هذا سرق مرآة لامرأتي.
فقال له: لا قطع عليه، خادمكم سرق متاعكم.
ألا ترى أن الرجل لا يجوز له أن يشهد لزوجته كما لا يجوز أن يشهد لنفسه، فإذا كان يحكم بالإقرار في ماله كما يحكم به في مال غيره كان أحرى أن يحكم بالإقرار في عرضه كما يحكم به في عرض غيره، لما يتعلق في ذلك من الحق لله؛ لأن الاجتراء على القضاة والحكام بمثل هذا توهين لأمرهم، وداعية إلى الضعف عن استيفاء الحقائق في الأحكام، فالمعاقبة في مثل هذا أولى من التجافي عنه والعفو فيه، وهو دليل قوله: وما ترك ذلك حتى خاصم أهل الشرف في العقوبة في الإلداد، وكذلك قال ابن حبيب في الواضحة: إن العقوبة في هذا أولى من العفو فيه وبالله التوفيق.
مسألة: للقاضي أن يقف على الحقوق بنفسه وبمن معه من أهل العلم فيما التبس
مسألة وكان بين رجلين خصومة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قريبا من المدينة في أرض لهما حتى ارتفع الشأن بينهما فركب عثمان
في ذلك وكانت خصومتهما في زمن عثمان وركب معه رجال فلما ساروا قال رجل: إن عمر قد قضى فيها.
فقال عثمان: لا أنظر في أمر قد قضى فيه عمر ورجع.
قال القاضي: وقعت هذه الحكاية في آخر الزكاة الأول من المدونة وفائدتها والذي فيها من الفقه أن القاضي يستحسن له أن يركب ويقف على الحقوق بنفسه وبمن معه من أهل العلم فيما التبس وأشكل، وقد يكون هذا كثيرا في الضرر وشبهه، ولو أمكنه أن يقف على جميع الأمور بنفسه لكان أحسن، ولكن هذا لا يمكنه فيستنيب من يوجهه مكانه لذلك في الحيازات وشبهها، والواحد في ذلك يجزئ كما قال في المدونة في الذي يرسله لتحليف المرأة، والاثنان أحسن.
وإنما رجع عثمان وترك ذلك لأن المحكوم عليه كان يريد فسخ قضاء عمر فيه، وذلك ما لا يجوز.
ففي الحديث من الفقه أن القاضي إذا بلغه أن قاضيا قضى في أمر لم يكن له أن ينظر فيه، وهذا ما لا اختلاف فيه إذا كان القاضي الذي قضى في ذلك الأمر عدلا، والذي قال ذلك لعثمان هو معاوية، وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله في ضفير بين ضيعتيهما كان علي يحب أن يثبت، وطلحة يحب أن يزال، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة في ذلك بين يدي عثمان وهو خليفة، فقال لهما: إذا كان غدا ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معاينة، فركب في المهاجرين والأنصار، وجاء معهم معاوية، فقال وهما يتنازعان الخصومة في الطريق: لو كان منكرا لأزاله عمر، فكان قوله سبب توجه الحكم لعبد الله على طلحة، فوقف عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والناس معه على الضفير فقال: يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ فقالوا: نعم، قال: فدعوه كما كان أيام عمر وانصرف.
قال
عبد الله: فجئت من فوري إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية فضحك ثم قال: أتدري لما أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا.
قال: أعانك بالمنافسة، قم الآن إلى طلحة، فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فرحب به، وقال: الضفير لك أصنع به ما شئت، فقال: قد قبلت، وإنما جئت شاكرا ولي حاجة ولا بد من قضائها، فقال له علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سل حتى أقضيها لك، فقال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مع من فيها من الغلمان والآلة والدواب، فقال علي: قد قبلت، ففرح طلحة وتعانقا وتفرقا.
قال عبد الله: فوالله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس، أعلي إذ جاد بالضفيرة؟ أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسقاة؟ روى الشعبي أنه قال: أول من جرى جريا أي وكل وكيلا من الصحابة علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له: لم وكلت عبد الله بن جعفر وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحما.
قال عبد الله: فنازعني طلحة في ضفير كان بين ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، ثم ساق بقية الحكاية وإن كان فيها بعض الخلاف لحكاية مالك، فالمعنى المقصود منها وهو استحسان ركوب القاضي فيما أشكل، ووجوب إمضاء أحكام من قبله لا خلاف فيه وبالله التوفيق.
مسألة: تنازع الورثة على أرض مع الاختلاف في الحدود
مسألة وسئل مالك عن رجل هلك وله ورثة وولد وترك أرضا فخاصم ولده قوم فيها فأقاموا البينة أنها أرضهم، ولم يشهدوا على الحدود، وشهد قوم على حدود تلك الأرض ولم يشهدوا على
أنها لهم، وقالوا: لا علم لنا لمن هي.
قال مالك: إذا شهدوا على الحدود ثبتت شهادة الذين شهدوا أنها لهم ورأيتها لهم.
قال القاضي: هذا كما قال من أن الشهادة في الأرض على الملك تلفق إلى الشهادة فيها على الحد؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو في الأرض المشهورة المعلومة المسماة المنسوبة التي تتميز بالنسبة والتسمية عن سواها عند من عرف حدودها، فإذا قال الشهود: نعلم الأرض الفلانية لفلان ولا نحدها.
وقال غيرهم: نحن نعلم حدودها ولا ندري لمن هي وجب أن تلفق الشهادة في ذلك، إذ لا يقدح في علم من شهد أنها لفلان جهله بحدودها، ولا يقدح في علم من شهد بمعرفة حدودها جهله بمالكها، وهذا في التمثيل كالحرم الذي يعلم الفقهاء تحريمه والحكم بما يلزم فيه مما لا يلزم، ويجهلون حدوده، ويعلم غير الفقهاء من أهل الحرم حدوده، ويجهلون أحكامه، فيصح امتثال أمر الله تعالى فيه بتلفيق شهادتهم، إذ لا يقدح في معرفة من علم أحكامه الجهل بحدوده، ولا في معرفة من علم حدوده الجهل بأحكامه، فكذلك مسألتنا في الأرض يصح الحكم بها لمن شهد بملكها بتلفيق الشهادة على الملك إلى الشهادة على الحدود، وهذا بين لا خفاء به وبالله التوفيق.
: حرق كتب الخصومات التي طال عهدها
ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها قال مالك: وقد كان قاض في زمن أبان بن عثمان بن عفان رفع إليه كتب قد تقادم أمرها والتبس الشأن فيها، فأخذها فأحرقها بالنار، فقيل لمالك: أيحسن ذلك؟ قال: نعم، إني لأراه حسنا، هذه أمور لا أدري ما هي.
قال محمد بن رشد: معنى هذه الكتب أنها كتب في الخصومة طالت المحاضر فيها والدعاوي، وطالت الخصومة حتى التبس أمرها على الحاكم، فإذا أحرقت قيل لهم: بينوا الآن ما تدعون، ودعوا ما تلبسون به من طول خصوماتكم واستأنفوا العمل، وهو حسن من الحكم على ما استحسنه مالك وبالله التوفيق.
: التنازع على ملكية حائط موروث
ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان
وسئل عن رجلين ورثا دارا أو حائطا، ثم إن أحد الرجلين تزوج امرأة وهلك عنها، فقال أخوه الباقي: إنما له من الدار كذا وكذا، فقالت له امرأته: لأي شيء كان لك سائرها؟ أنحلك إياها أبوك؟ فقال: هي لي وليس لزوجك منها إلا كذا وكذا، قال: لا يقبل قوله في ذلك.
قال القاضي: هذا بين على ما قال؛ لأن ذلك محمول على أنه بينهما على حسب ما ورثاه، فلا يقبل قول الذي ادعى أن له من ذلك أكثر من أخيه الهالك، إلا ببينة تقوم له على تحقيق ما يدعي، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «البينة على من ادعى» " وبالله التوفيق.
مسألة: النظر في قضاء أنفذه قاض قبله
مسألة قال: ورأيته كتب إلى عامل في قضاء كان قد أمضاه عاملان قبله، فنظر فيه العامل الثالث، فجاءه رجل يستعين بالكتاب إليه فيه، فكتب إليه إن كان من قبلك أمضاه بحق فأنفذه لصاحبه.
قال محمد بن رشد: هذا يدل على أن للفقيه المقبول القول أن
يكتب إلى الحاكم بالفتوى ويعلمه ما يصنع وإن لم يسأله الحاكم، وهذا في غير القضاة، وأما القضاة فلا ينبغي أن يكتب إليهم بما يفعلون إلا أن يسألوه؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى أنفة تؤذي، وفي كتابه إليه أن ينفذ ما أمضاه من قبله إن كان ما أمضاه بحق دليل على أنه أمران ينظر فيما أمضاه من قبله، فإن كان أمضاه بحق أنفذه، فحمل على هذا أحكام العمال على الرد حتى يتبين أنها كانت أمضيت بحق فتجاز.
وهذا خلاف ما وقع من قوله في المدونة فيما قضت به ولاة المياه أن ذلك جائز، إلا أن يكون جورا بينا لأن ذلك من قوله يقتضي أن تكون أحكامهم على الإجازة فلا ينظر فيها ولا تتعقب وتجاز ما لم يتبين فيها الجور البين.
وهذا الاختلاف إنما يصح في غير العدل من الولاة، فمرة رأى أحكامهم جائزة ما لم يتبين فيها الجور وهو مذهب أصبغ، وتارة رآها مردودة ما لم يتبين فيها الحق وهو اختيار ابن حبيب قياسا على الشهادة، وأما العدل منهم فلا اختلاف في أن أحكامهم محمولة على الجواز، وأنه لا يرد منها إلا ما يتبين فيه الجور، ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على العدل، وما في هذه الرواية على غير العدل، فلا يكون في هذا اختلاف من قول مالك، وإن جهل حاله.
فالذي أقول به أن ينظر إلى الأمير الذي ولاه، فإن كان عدلا فهو محمول على العدالة، وإن كان جائرا يولي غير العدول فهو محمول على غير العدالة، وإن كان غير عدل إلا أنه لا يعرف بالجور في أحكامه ولا بتوليته غير العدل جرى ذلك على الاختلاف في جواز أحكامه، واختلف الشيوخ عندنا في أحكام ولاة الكور مثل القواد، وتنازعوا في ذلك، فأمضاها أبو إبراهيم ولم يجزها اللؤلؤي حتى يجعل إليه مع القيادة والنظر في أمور الكورة النظر في الأحكام، واستحسن ابن أبي زمنين إذا كان للكورة قاض قد أفرد للنظر في الأحكام ألا يجوز حكم الولاة، وإن لم يكن لها قاض أن يجوز حكمهم لما في ذلك للناس من الرفق والانتصاف، وهو أحسن الأقوال وأولاها
بالصواب؛ لأنه إذا ولى مع القائد حكم في الكورة فقد بان بذلك أنه قد حجر عليه الحكم في الأحكام، وإذا لم يول معه فيها حكم وجب أن يجوز حكمه كما قال مالك في ولاة المياه، وسيأتي من معنى هذه المسألة في رسم أسلم من سماع عيسى وفي رسم الصبرة ورسم المكاتب من سماع يحيى، وفي رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ وبالله التوفيق.
مسألة: رمي الغير بالكفر
مسألة وقال عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا قال أحدكم لأخيه كافرا فقد باء بها أحدهما» .
قال محمد بن رشد: هذا حديث يحتاج وجوها من التأويل: أحدها أن يكون معناه أن من قال لصاحبه يا كافر معتقدا أن الذي هو عليه هو الكفر، فأحدهما على كل حال كافر، إما المقول له إن كان كافرا، وإما القائل إن كان المقول له مؤمنا؛ لأنه إذا قال للمؤمن يا كافر معتقدا أن الإيمان الذي هو عليه كفر فقد حصل هو كافر باعتقاده إيمان صاحبه كفرا، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5] وأما إن قال لمؤمن يا كافر وهو يظنه كافرا ولا يعلم أنه مؤمن فليس بكافر، وإنما هو غلط.
والثاني أن يكون معناه النهي عن أن يكفر الرجل صاحبه باعتقاد ما لا يتحقق أنه باعتقاده كافر؛ لأنه إن لم يكن باعتقاده ذلك كافرا كان القائل له قد باء بإثم ما رماه به من الكفر.
والثالث أن يكون معناه النهي عن أن يظن المسلم بأخيه المسلم أنه يعتقد الكفر ويظهر
الإسلام فيقول له يا كافر؛ لأنه إن لم يكن كذلك باء بإثم تكفيره، وهذا التأويل أشبه بمراد مالك؛ لأن الظاهر أنه احتج بالحديث على كتابه إلى العامل أن ينظر فيما أمضاه من قبله، إذ لم ير أن يكتب إليه برد ذلك من فعله مخافة أن يبوء بإثم حمله حكمه على الجور دون بغي وبالله التوفيق.
: رجل كانت بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات
وسئل مالك عن رجل كانت بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه فكره ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك يدل على أن له أن يحلفه، ولا يكون عاقا له بتحليفه إياه، إذ لا إثم في فعل المكروه، وإنما يستحب تركه، وهو قول ابن الماجشون في الثمانية أن تحليفه إياه في حقه ليس بعقوق له، وهو ظاهر قول ابن القاسم وأصبغ في المبسوطة أنه يقضى له بتحليفه إياه، ولا يكون عاقا بذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وسحنون: إنه لا يقضى له بتحليفه إياه، ولا يمكن من ذلك إن دعا إليه، ولا من أن يحده في حد يقع له عليه؛ لأنه من العقوق وهو مذهب مالك في المدونة في اليمين في كتاب المديان، وفي الحد في كتاب القذف وهو أظهر الأقوال، لقوله عز وجل: ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24] . ولما جاء من أنه ما بر والديه من شد النظر إليهما أو إلى أحدهما.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يمين للولد على والده، ولا للمملوك على سيده» ويشهد لصحته قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت ومالك لأبيك» . قد روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الشهادات أنه
يقضى له أن يحلفه في حق يدعيه عليه، وأن يحده في حد يقع له عليه، ويكون عاقا بذلك ولا يعذر فيه بجهل وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر، فلا ينبغي أن يمكن أحد من ذلك، وهذا فيما يدعيه الولد عليه، وأما إن ادعى الوالد عليه دعوى فنكل عن اليمين وردها عليه، أو كان له شاهد على حقه عليه، فلا اختلاف في أنه لا يقضي له عليه في الوجهين إلا بعد يمينه، وكذلك إن تعلق بيمينه حق لغير ابنه فإنه يلزمه اليمين باتفاق، كالأب يدعي تلف صداق ابنته والزوج يطلبه بالجهاز أو كالرجل يدعي على أب زوجته نحلة انعقد عليها نكاحه وهو منكر، وانظر إذا قام الأب طالبا لابنه بالنفقة عليه وأثبت العدم هل يقضي له بالنفقة عليه دون يمين من أجل أنه لا يمين للولد على والده؟ أو لا يقضي له عليه بها إلا بعد يمينه؛ لأنها يمين الحكم، وهي يمين يأخذ بها؟ والأمر في ذلك محتمل، وأحسب أني قد رأيت الخلاف في ذلك، والأظهر في ذلك عندي وجوب الحكم عليه باليمين وبالله التوفيق.
مسألة: طلب الجار من جارهنزع الخشب من جداره
مسألة وسئل عن رجل كانت له خشب في حائط رجل أدخلها بإذن منه، ثم إن الذي له الحائط وقع بينه وبين الذي له الخشب شحناء، فقال: أخرج خشبك من حائطي.
قال مالك: ليس ذلك له، على مثل هذا يخرجها على وجه الضرر، ولكن ينظر في ذلك، فإن كان احتاج إلى حائطه ليهدمه أو لينتفع به فهو أولى به.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك في هذه الرواية لمن أذن لجاره أن يضع خشبة على جداره أن يرجع فيما أذن له من ذلك ويأمره برفع خشبته عن جداره إلا أن يحتاج إلى حائطه ليهدمه أو لينتفع به، ومثله في سماع
أشهب من كتاب العارية، وقال في المدونة وغيرها إن من أذن لرجل أن يبني في أرضه أو يغرس فيها فلما بنى وغرس فيها أراد أن يخرجه إن ذلك له ويعطيه قيمة ما أنفق في بنيانه وغرسه.
فذهب ابن لبابة وابن أيمن وغيرهما من الشيوخ إلى أن ذلك اختلاف من القول، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى.
وحكى العتبي عن سحنون أنه قال: إنما فرق بين المسألتين لحديث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يمنعن أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره» . يريد أن من أهل العلم من يرى القضاء بالحديث، ويحمله على ظاهره في الوجوب، وهو قول ابن كنانة من أصحاب مالك، وإن لم يأذن صاحب الجدار، فكيف إذا أذن؟ وحكى ابن حبيب عن مالك وغيره من رواية مطرف وابن الماجشون أنه إذا أرفق جاره بوضع خشبة على جداره فليس له إلى رفعها ولا إلى هدم الحائط سبيل، طال الزمان أو قصر، احتاج إليه أو استغنى عنه، لا هو ولا ورثته بعده، ولا أحد ممن اشترى منهم إلا أن يهدم الجدار ثم يعيده صاحبه لهيئته فليس لصاحبه أن يعيد خشبة عليه إلا بإذن مستأنف، قالوا: وكذلك كل ما أذن فيه مما يقع فيه العمل والإنفاق من البنيان في حق الإذن والغرس والإرفاق بالماء من العيون أو البيار لمن ينشئ عليه غرسا ويبتدئ عليه عملا فلا رجوع فيه، عاش أو مات، باع أو ورث احتاج أو استغنى، وهو كالعطية.
ولو اشترط أن يرجع في ذلك متى شاء لبطل الإذن على هذا الشرط قبل العمل، ولبطل الشرط بعد العمل، لما فيه من الضرر بالعامل.
قالوا: وما كان لا يتكلف فيه عمل ولا كبير إنفاق، مثل فتح باب أو فتح طريق إلى مختلف في فناء الأذن، أو أرضه، أو إرفاق بماء لشفه أو لسقي شجر قد أنشئت وغرست قبل ذلك فنضب ماؤها، أو غارت آبارها، فهذا مما للآذن فيه الرجوع إذا شاء، إلا أن يكون يوم أذن له بهذه الأشياء قد حد له حدا، ووقت له وقتا من
الأجل فيلزمه إلى مدته، أو يكون المأذون له قد باع واشترط للمشتري فيما أذن له فيه بعلم الآذن فيكون ذلك لازما له، إلا أنهم قالوا فيمن أذن لرجل أن يسوق على أرضه ماءه أو ماء من النهر، أو من ماء الآذن إلى أرض المأذون له، فليس له أن يرجع في ذلك وإن كان المأذون له لم يتكلف في ذلك كبير نفقة، مراعاة لإلزام ذلك عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة لعبد الرحمن بن عوف بغير إذنه وعلى غير طوعه، وإن كان العمل ليس عليه، واختار هذا ابن حبيب، وحكى عن أصبغ أن ذلك كله عنده سواء ما تكلف فيه عمل وإنفاق، وما لم يتكلف فيه ذلك، للآذن أن يرجع فيه إذا أتى عليه من الزمان ما يكون إلى مثله عارية مثل هذا، إلا في الذي أذن لرجل أن يغرس غرسا على مائة، فلما غرسه أراد أن يقطع الماء عنه فلا يكون ذلك له، قال: وهو على مذهب ابن القاسم.
فيتحصل في هذه المسألة ستة أقوال: أحدها أنه ليس للآذن في شيء من ذلك كله أن يرجع فيه إلا أن يحتاج، وهو الذي يأتي على ما حكيناه على ابن لبابة وابن أيمن في تأويل الرواية.
والثاني أنه ليس له أن يرجع في شيء من ذلك وإن احتاج.
والثالث أن له أن يرجع في ذلك وإن لم يحتج ويدفع إلى المأذون له فيما كان له من ذلك عمل قيمة نفقته.
والرابع أن للآذن أن يرجع في ذلك إذا مضى له ما يعار إلى مثله.
والخامس الفرق بين الإذن في وضع الخشب على الجدار وبين سائر ذلك للحديث الوارد بالنهي عن المنع من ذلك.
والسادس الفرق بين ما تكلف المأذون له فيه نفقة، وبين ما لم يتكلف فيه نفقة، وهذا الاختلاف كله إنما هو في الإذن المبهم الذي لم يصرح فيه بذكر هبة ولا عارية، فمنهم من حمله على الهبة فلم ير فيه رجوعا، ومنهم من حمله على العارية فرأى فيه الرجوع إذا مضى من الأمد ما يكون عارية ذلك الشيء إلى مثله، ومنهم من جعله من ناحية العدة التي لا تلزم، فرأى الرجوع فيه متى شاء، ومنهم من حمله فيما فيه نفقة على الهبة، وفيما لا نفقة فيه على العارية، على اختلافهم في العارية إذا لم يسم لها
أجلا، هل تلزم أو لا تلزم؟ ومنهم من فرق بين الإذن في وضع الخشب على الجدار، وبين سائر الأشياء للحديث.
ويختلف إذا غرس على مائه وهو ساكت، ثم أراد أن يقطع عنه الماء.
قيل ذلك له بعد أن يحلف أن سكوته لم يكن رضى، وقيل: إن سكوته كالإذن ويجري الأمر في ذلك على ما ذكرناه من الاختلاف في الإذن المبهم وبالله التوفيق.
مسألة: مؤنة إصلاح السقف المنكسر بين الشريكين
مسألة وسئل مالك عن الرجلين يكون بينهما المنزل، لأحدهما الأسفل وللآخر العلو، فينكسر السقف الأدنى الذي هو سقف البيت الأسفل، على من ترى إصلاحه؟ قال: على الأسفل.
فقلت له: الخشب تريد؟ قال: نعم، قيل له: إن الأسفل يحتج فيقول: هو أرضك للأعلى، وأنت الذي تمشي عليها.
قال: بل هو سقفه، وعليه أن يبنيه وهو مثل جداره الأسفل، وكذلك لو انهدم كان عليه أن يبنيه من أسفله حتى يسقفه يكون ذلك عليه كله.
فقيل له: والحجر عليه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مثل ما في المدونة وغيرها ولا اختلاف أعلمه فيها، والدليل على صحتها قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] . فلما أضاف عز وجل السقف إلى بيوتها وجب أن يحكم بالسقف لصاحب البيت إذا اختلف فيه مع صاحب الأعلى فادعاه كل واحد منهما لنفسه، وأن يحكم عليه أنه له، فيلزم بنيانه إذا نفاه كل واحد منهما عن نفسه وادعى أنه لصاحبه ليوجب عليه بنيانه، فإما أن يبني وإما أن
يبيع ممن يبني على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك.
وقال سحنون: يجبر على أن يبني ولا يجوز أن يبيع ممن يبني إلا أن يعجز عن بنيانه لأن في البيع على هذا الشرط عنده غررا فلا يجوز إلا عند الضرورة وبالله التوفيق.
: تجديد دعوى بعد موت من قضى فيها بحكم
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن الرجلين يختصمان في الدار ويحضرهما رجال، فيقول القاضي لأحدهما: قد نظرت في أمرك فلا أرى لك حقا، فانصرفا وأقاما حتى مات، أترى ذلك قضاء؟ ثم قام بعد ذلك أولادهما يختصمون في ذلك، فأقام ولد الذي خاصمه البينة أنه قال له القاضي: لا أرى لك حقا.
قال مالك: إن مما يبين ذلك عندي أن يكون ذلك في يد الميت حتى مات.
فقلت له: لم يزل ذلك في يده حتى مات.
قال: فأرى ذلك قضاء ولا أرى لهم شيئا.
قال محمد بن رشد: لا يفتقر حكم القاضي إلى حيازة على ما يأتي في رسم أسلم من سماع عيسى، وفي رسم المكاتب من سماع يحيى، إلا أنه لما لم يكن قول القاضي لأحد الخصمين قد نظرت في أمرك فلا أرى لك حقا إفصاحا منه بالقضاء عليه بالتعجيز، استدل على ذلك بكون الدار في يد خصمه إلى أن توفي، فأمضى عليه الحكم بالتعجيز، ولم ير لورثته بعد ذلك قياما.
وقد اختلف فيمن أتى ببينة بعد الحكم عليه بالتعجيز هل تقبل منه أم لا؟ على ثلاثة أقوال -: أحدها أنها لا تقبل منه كان الطالب أو المطلوب، وهو قول ابن القاسم في رسم النكاح من سماع أصبغ كتاب النكاح في تعجيز الطالب، وإذا قاله في الطالب فأحرى أن يقوله في المطلوب، ودليله قول مالك في هذه الرواية.
والقول الثاني أنها تقبل منه كان الطالب أو المطلوب إذا كان لذلك وجه،
وهو ظاهر ما في المدونة إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب والمطلوب، وقال: إن القاضي يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز إذا كان لذلك وجه.
والقول الثالث أن ذلك يقبل من الطالب ولا يقبل من المطلوب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات؛ لأنه إنما قال ذلك في الطالب، والمطلوب بخلافه، إذ المشهور فيه أنه إذ عجز فعجز وقضي عليه مضى الحكم، ولم يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، وإلى هذا ذهب ابن الماجشون في المطلوب، وفرق في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان، وفي تعجيز الطالب ثلاثة أقوال قيل: هذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام.
وقيل: ذلك فيه وفيمن بعده من الحكام، وهذا الاختلاف إنما هو إذ أعجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه السلطان بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسع بعد نفوذه عليه وبالله التوفيق.
: القضاء على الغائب
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وسئل مالك عن الرجل الغائب هل يقضى عليه؟ فقال مالك: أما الدين فإنه يقضي عليه، وأما كل شيء كانت فيه حجج فإنه لا يقضى عليه.
قال سحنون: والدين مثله يكون فيه الحجج.
قال القاضي: الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام:
أحدها غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين والثلاثة، فهذا يكتب إليه وبعذر إليه في كل حق.
فإما وكل وإما قدم، فإن لم يفعل
حكم عليه في الدين، وبيع فيه ماله من أصل وغيره، وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء من الطلاق والعتاق وغير ذلك، ولم يرج له حجة في شيء من ذلك.
والثاني غائب بعيد الغيبة على مسيرة العشرة الأيام وشبهها، فهذا يحكم عليه فيما عدا استحقاق الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض، وترجى له الحجة في ذلك.
والثالث غائب منقطع الغيبة مثل مكة من إفريقية والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والعروض والحيوان والرباع والأصول، وترجى له الحجة في ذلك، فالغائب الذي تكلم عليه في المدونة هو الغائب على مسيرة العشرة الأيام وشبهها؛ لأن هذه الغيبة هي التي يقضى عليه فيها عند مالك في الديون والحيوان والعروض، ولا يقضى عليه فيها في الرباع والأصول التي تكون فيها الحجج، ولم يتكلم في الرواية على الحيوان والعروض، وإرادته أنه يحكم عليه فيها كالديون، وهو نص قول ابن القاسم في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ، وترجى له الحجة عند مالك فيما يقضي به عليه من ذلك، فإن جرح البينة التي حكم عليه بها بإسفاه أو عداوة رجع فيما حكم به عليه من الحيوان والعروض، وفيما قضى عنه من الديون، ولم يرد ما بيع عليه فيها؛ لأنه بيع بوجه شبهة.
وذهب سحنون إلى مذهب ابن الماجشون في أنه يقضى عليه في هذه الغيبة في الرباع وغيرها، وإلى مذهبه هذا نحا بقوله: والدين مثله يكون فيه الحجج.
يقول: إنه يقضى عليه في الرباع وإن كانت فيها الحجج كما يقضى في الدين، إذ قد يكون فيه الحجج ولا يرجع في شيء من ذلك عندهما بتجريح البينة التي حكم عليه بها بعداوة أو إسفاه، إلا أن ينكشف أنهم عبيد، أو على غير
الإسلام، أو مولى عليهم، فإن انكشف أنهم على شيء من هذه الأحوال، رجع فيما قضى به عليه من الأصول والعروض والحيوان، وفيما قضى عنه من الديون، ولم يرد ما بيع عليه فيها من ماله؛ لأنه بيع بوجه شبهة، فعلى قولهما يوكل للغائب وكيل يحتج عنه، ويعذر إليه، فلا يرجى له حجة، وعلى مذهب ابن القاسم لا يوكل له وكيل، وترجى له الحجة.
وأهل العراق لا يرون أن يقضى على الغائب في شيء من الأشياء، وسيأتي في نوازل سحنون الحجة عليهم في ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: ما تغلظ فيه اليمين من الأموال
مسألة قال: مالك: إذا كان على القوم ربع دينار بذكر حق واحد لم أر أن يحلفوا عند المنبر.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها من أنه لا يحلف عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدا، وهذا ما لا إشكال فيه ولا اختلاف؛ لأن يمين كل واحد منهم إنما هي على ما يصير عليه من ربع الدينار، وهذا إذا لم يكونوا شركاء، ولا كان بعضهم حميلا ببعض، وأما لو كان ربع الدينار لقوم على رجل واحد من ذكر حق واحد لوجب إن قاموا عليه جميعا أن يحلفوه يمينا واحدة عند المنبر، وإن افترقوا حلف لكل من قام عليه منهم فيما ينوبه من ربع الدينار حيث ما قضى عليه لا عند المنبر، هذا معنى قول ابن المواز عندي في مساواته بين أن يكون ربع الدينار لرجلين أو لرجل على رجلين في أن اليمين في ذلك لا يكون في المسجد الجامع ولا عند المنبر، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا
يحلف عند المنبر وإن قاموا عليه جميعا فحلفوه يمينا واحدة، وهو ظاهر قول ابن المواز، والذي يوجبه النظر أن يحلف يمينا واحدة عند المنبر، قاموا عليه معا أو مفترقين على قياس ما قالوا في الرجل يدعي عليه ورثة الرجل أنه غاب لهم من تركة الميت على شيء أنه يحلف لجميعهم يمينا واحدة، وأنه إن قام أحدهم عليه فحلفه كانت اليمين لجميعهم، ولم يكن لمن بقي منهم أن يحلفه ثانية؛ لأن اليمين إذا كانت بأمر حكم فهو حكم ماض وفصل، وممن نص على ذلك ابن الهندي في وثائقه.
وقوله: عند المنبر يريد منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لأنه لا يرى الاستحلاف عند المنبر إلا في منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لقوله: «من حلف على منبري إثما تبوأ مقعده من النار» وأما في غير المدينة فإنما يحلف في المسجد الجامع عند المنبر، لحرمة موضعه من المسجد لا لحرمته في نفسه، إذ لو نقل عن موضعه إلى موضع سواه من المسجد أو غيره لم تنقل اليمين عن موضعها إلى حيث المنبر، بخلاف منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك، فاليمين في المدينة عند منبره - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حيث ما كان من المسجد، وليس هو عند محرابه؛ لأنه زيد في قبلته فبقي المنبر في موضعه، وفي غير المدينة من جوامع الأمصار عند المحراب، وفي مكة ما بين الركن والمقام.
والشافعي لا يرى اليمين عند المنبر بالمدينة ولا بين الركن والمقام بمكة إلا في عشرين دينارا فصاعدا، وحجته ما روي أن عبد الرحمن بن عوف أبصر قوما يحلفون بين الركن والمقام، فقال: أعلى دم؟ قيل: لا، قال: أفعلى أمر عظيم؟ قيل: لا، قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام.
وفي بعض الروايات أن يهات الناس بهذا المقام أي يأنس الناس به، يقال يهات به إذا أنست به.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا يجب
الاستحلاف عند منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولا فيما بين الركن والمقام على أحد في قليل الأشياء ولا كثيرها، ولا في الدماء ولا في غيرها.
قالوا: وإنما يحلف الحكام من وجبت عليه اليمين في مجالسهم.
قالوا: وقد أبى زيد بن ثابت أن يحلف على المنبر، فالأخذ بمذهبه أولى من اتباع مروان على رأيه.
وليس قولهم بصحيح؛ لأن زيدا علم أن ما حكم به مروان عليه هو الحق، وكره أنه يصير يمينه عند المنبر، ولو كانت اليمين عنده لا تجب عند المنبر لأنكر على مروان قضاءه عليه بذلك، كما أنكر عليه غير ذلك من الأشياء والله أعلم وبه التوفيق.
: التغليظ بالحلف في المسجد الجامع على الأموال
ومن كتاب القبلة
قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: يحلف في المسجد الجامع في الأيمان إذا كان ذلك يبلغ ربع دينار فصاعدا.
وأما الشيء التافه فإنه يحلف في مقامه، وحيث ما قضي عليه باليمين.
قال مالك: ويحلفون قياما.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة وقعت في بعض الروايات، وقوله فيها: إنه يحلف في المسجد الجامع إذا كان ربع دينار فصاعدا خلاف ظاهر ما في المدونة.
لأنه إنما ذكر فيها ربع الدينار في الحلف عند منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وقال: إنه يحلف في المسجد الجامع فيما له بال، معناه وإن كان أقل من ربع دينار على تأويل الشيوخ فيه.
وقوله: ويحلفون قياما يحتمل أن يحمل على مما في التفسير لما في المدونة؛ لأنه إنما قال فيها: إن الحالف لا يستقبل به القبلة.
وفي المبسوطة لمالك أنه يحلف قائما دبر الصلاة.
وقد قيل: إنه يحلف قائما مستقبل القبلة، وهو مذهب ابن الماجشون، وقيل: ليس عليه أن يحلف قائما.
وهو قول ابن كنانة، وفي صفة اليمين أيضا اختلاف كثير، والمشهور ما في المدونة أنه يحلف
بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على ذلك.
وقد قيل: إنه يزيد في يمينه عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
وهو قول ابن كنانة في المدونة.
وفي مختصر ابن شعبان أن من حلف عند المنبر فليقل: ورب هذا المنبر، وقد روي عن مالك وابن القاسم أن الحالف في القسامة يقول: أقسم بالله الذي أحيا وأمات.
وقع ذلك في النوادر، وقاله ابن حبيب، ولو حلف والذي لا إله إلا هو وحده لم يجز، قاله أشهب في كتاب ابن المواز.
: خلط القمح الجيد بالرديء
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب البيوع
قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن الرجل تكون معه السفينة فيشتري القمح الأسمر المتغير ويشتري القمح الأبيض فيصب بعضه على بعض.
قال: ما أحب ذلك، قال: كل واحد منهما على حدته أحب إلي.
قال القاضي: هذا ما لا اختلاف فيه أنه لا يجوز خلط الجيد بالرديء من الطعام كله، ولا مما يكال أو يوزن من غير الطعام، وإن سن ذلك عند البيع؛ لأنه من الغش، وقد قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من غشنا فليس منا» . قال مالك في كتاب ابن المواز: ويعاقب فاعله، وكذلك البر والشعير، والسمن والعسل، فإن خلط ذلك لقوته كره له بيع ما فضل منه وإن قل.
وقال ابن القاسم: إذا لم يتعمد خلطه للبيع فأرجو أن يكون خفيفا.
وقاله مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
فقوله في هذه الرواية: ما أحب ذلك، كل واحد منهما على حدته أحب إلي
هو على عادته في أن يقول في الحرام الذي لا يحل ولا يجوز: أكره ذلك ولا أحبه؛ لأنه كان يكره أن يقول حرام إلا على ما نص على تحريمه في الكتاب والسنة.
وستأتي المسألة في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب السلطان ونتكلم عليها بأوعب من هذا الكلام إن شاء الله عز وجل وبه التوفيق.
مسألة: الشهادة على السماع بالقضاء
مسألة وسئل عن فريقين اختصموا فقضي على أحد الفريقين فخرج المقضى عليهم يحدثون الناس علانية أنه قد قضي عليهم، ثم احتيج إلى قضاء ذلك القاضي فلم يوجد عند أحد منهم علم إلا الذين كان المقضي عليهم يقولون عندهم قد قضي علينا فيسألوا الشهادة بذلك، فقالوا: أما أنه لا يشهد بها.
قال: أرى أن يشهدوا بذلك على وجه يقولون سمعناهم يذكرون ذلك، فلا ندري أكان ذلك أم لا؟ قال: ولربما قال المرء قد قضي علي وما قضي عليه، وإني لأرى هذه الشهادة ضعيفة.
قال محمد بن رشد: وقع في هذه المسألة في بعض الروايات أمانة لا يشهد بها، وفي بعضها أم أنه لا يشهد بها وهو أظهر في المعنى.
وقوله فيها: إنهم يشهدون بما سمعوا منهم على وجه ما سمعوه منهم صحيح، لا يجوز لهم سوى ذلك وهي ضعيفة على ما قال، لا يصح الحكم بها، إذ ليس بإقرار صريح منهم على تنفيذ الحكم عليهم، إذ قد يقول المرء قضي علي لما يرى من أسباب وجوه تنفيذ القضاء عليه وقرب ذلك عنده وإن لم يكن بعد، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم ما قرب منه ألا
ترى أنه قد سمي المأمور بذبحه من ابني إبراهيم ذبيحا ولما يذبح لقربه من الذبح، وهو في اللسان أشهر من أن يخفى.
ووجه قوله: إنهم يشهدون بها وإن كانت ضعيفة لا يحكم بها عنده، هو أنه قد يكون الحاكم ممن يرى إجازتها.
وهذا مثل قوله في المدونة في الذي يرى خطه ولا يذكر الشهادة أنه يؤديها كما علم ولا ينتفع، وهو يدل من مذهبه على تصويب المجتهدين، وللقول على هذا موضع غير هذا وبالله التوفيق.
مسألة: الهروب من تولي منصب القضاء
مسألة قال: وقال عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينة إلا كآبة القضاء وكراهيته في وجهه إلا قاضيين سماهما.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه الحكاية بين؛ لأن القضاء محنة ومن دخل فيه فقد ابتلي بعظيم؛ لأنه قد عرض نفسه للهلاك إذ التخلص منه على من ابتلي به عسير، روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي، ولا علي " وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» . وقال أبو قلابة: مثل القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق، وأحق ما اغتم به المسلم وبدت الكراهة والكآبة فيه عليه ما علم أنه مرتهن به، ومسؤول عنه، ومشدد عليه المسألة فيه.
روي أنه «ما من قاض يأتي يوم القيامة إلا ويداه مغلولتان إلى عنقه فلا يحلهما إلا عدله» . وقال رسول الله: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» الحديث وبالله التوفيق.
مسألة: حظير الحائط المشتمل على مال للغير
مسألة وسئل عمن له ممر في حائط رجل إلى مال له وراء ذلك الحائط، ولم يكن الحائط محظرا، فأراد صاحب الحائط أن يحظر حائطه ويجعل عليه بابا.
فقال: ما أرى ذلك له إلا أن يرضى بذلك الذي له الممر في الحائط؛ لأنه إذا كان محظرا مبوبا لم يكن يدخل الذي له الممر في الحائط متى شاء، ويوشك أن يأتي ليلا فلا يفتح له، ويقال له: مثل هذه الساعة لا نفتح لأحد، وإذا كان المطر لم يقعد صاحبه الثاني حتى يأتي، فما رأى ذلك إلا أن يرضى صاحب الممر.
قيل له: أرأيت إن حظر ولم يجعل على الحائط بابا يغلق؟ قال: إذا حظر ولم يجعل له بابا يغلق، كيف يدخل منه ويخرج ولا يغلق، فيوشك أن يأتي من يريد الممر إلى حائط هذا الذي له الممر ممن كان يمر فيه ويأتيه منه، فإذا رأى الحائط قد حظر لم يمر، ويوشك أن يطول هذا فينسى حق هذا، ويجعل على ذلك الباب بابا (ويقال)
للذي له الممر هل تعلم أحدا يشهد على أن ذلك علينا ممرا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، قد أوضح مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجه قوله فيها إيضاحا ارتفع به منها الإشكال، واستغنى به فيها عن الشرح والكلام.
وفي قوله في آخر المسألة: فيوشك أن يأتي من يريد الممر إلى حائط هذا الذي له الممر إلى آخر قوله دليل على أن من أحدث بابا أو ممرا أو أضلاعا فوجب قطع ذلك أنه لا يترك لشيء من ذلك أثر دليل على شيء منه، ولا يجزئ في ذلك قطع الضرر إذا بقيت آثاره، وفي هذا اختلاف؛ لأن ما اعتل به من الطول يقدر على رفعه بالإشهاد على ما قاله في رسم الأقضية الرابع من سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات وبالله التوفيق.
مسألة: جلد الخصم الألد
مسألة قال ابن نافع: قال مالك: أخبرني رجل صالح قديم، قال: أدركت الناس وإذا خاصم الرجل الظالم الرجل الملد جلده.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تقدمت والقول فيها في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
: قضاء القاضي بفهمه
ومن كتاب الأقضية الثالث قال: وسئل مالك عن القاضي إذا اختصم إليه الخصمان، أترى أن يقضي بينهما بما حضر ساعتئذ من الفهم؟ فقال: ذلك يختلف، أما الأمر الذي عرفه ومر عليه وقضى به فذلك يقضي فيه
بما رأى، وأما الأمر الذي لا يدري ما هو ولم يقبله بفهمه فلا أرى ذلك حتى يثبت فيه وينظر.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا ينبغي للقاضي أن يقضي إلا أن يكون عالما بما مضى من أقضية الناس مستشيرا لأولي الأمر.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن الأمر الذي قد مر عليه، وقضى به وعرف وجه الحكم فيه يقضي بما قد تقرر عنده من نص كتاب أو سنة أو إجماع أو اجتهاد، وليس عليه فيما علم الحكم فيه من طريق النظر والاجتهاد إعادة النظر، والاجتهاد كلما تكررت عليه النازلة بعينها، وأما ما نزل به مما لم يمر عليه فالواجب عليه أن يطلب وجه الحكم فيه في محكم كتاب الله، فإن لم يجده ففي ما جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صحبته الأعمال، فإذا كان خيرا صحبت غيره الأعمال قضى بما صحبته الأعمال، وهذا معلوم من أصول مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن العمل مقدم على أخبار الآحاد العدول، وكذلك القياس مقدم عنده على أخبار الآحاد العدول على ما ذهب إليه أبو بكر الأبهري، فإن لم يجد في السنة في ذلك شيئا نظر في أقوال الصحابة فقضى بما اتفقوا عليه، فإن اختلفوا قضى بما صحبته الأعمال من ذلك، فإن لم يصح عنده أيضا اتصال العمل بقول بعضهم تخير من أقوالهم ولم يخالفهم جميعا.
وقد قيل: إن له أن يجتهد وإن خالفهم جميعا، وكذلك الحكم في إجماع التابعين بعد الصحابة، وفي كل إجماع ينعقد في كل عصر من الأعصار إلى يوم القيامة، فإن لم يجد في النازلة إجماعا قضى فيها بما يؤديه إليه النظر والاجتهاد في القياس على الأصول بعد مشورة أهل العلم، فإن اجتمعوا على شيء أخذ به، وإن
اختلفوا نظر إلى أصح أقوالهم عنده، وإن رأى خلاف رأيهم قضى بما رأى إذا كان نظيرا لهم، وإن لم يكن من نظرائهم فليس ذلك له.
قاله ابن حبيب، والصواب له أن يقضي بما رأى وإن كانوا أعلم منه إذا كان من أهل الاجتهاد؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بإجماع، وإنما يصح له التقليد عند من يرى التقليد ما لم يتبين له في النازلة حكم، ولا خلاف في هذا، وإنما الخلاف هل للمجتهد أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من قد نظر واجتهد أم ليس ذلك له؟ فقيل: إن ذلك له، وقيل: إن ذلك ليس له إلا أن يخاف فوات النازلة.
وأما إن لم يكن من أهل الاجتهاد ففرضه المشورة والتقليد، فإن اختلف عليه العلماء قضى بقول أعلمهم.
وقيل: بقول أكثرهم على ما وقع في المدونة من اختلاف الرواية في الحكاية عن الفقهاء السبعة، والأول أصح.
وقيل: إن له أن يحكم بقول من شاء منهم إذا تحرى الصواب بذلك ولم يقصد الهوى، أو له أن يكتفي بمشورة واحد من العلماء، فإن فعل ذلك فالاختيار أن يشاور أعلمهم، فإن شاور من دونه في العلم وأخذ بقوله فذلك جائز إذا كان المشاور من أهل النظر والاجتهاد وبالله التوفيق.
مسألة: القضاء على الغائب في الأرض المتنازع عليها
مسألة قال سحنون: أخبرنا أشهب قال: كتب ابن غانم إلى مالك بن أنس سأله عن الخصمين يختصمان إليه في الأرض فيقيم أحدهما على الآخر بينة بأنها له، فإذا علم بذلك الذي قامت عليه البينة هرب وتغيب فطلب فلم يوجد، أيقضي عليه وهو غائب؟ فقال مالك: اكتب إليه إذا ثبتت عندك الحجة وسألته عن كل
ما تريد أن تسأله عنه واستقر علم كل ما تريد أن تسأله عنه عندك فلم ينض له حجة فتغيب فاقض عليه وهو غائب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه إذا تغيب بعد أن استوفى جميع حججه وهرب فرارا من القضاء عليه أنه يقضي عليه ويعجزه، ولا يكون له إذا قدم أن يقوم بحجته، بمنزلة أن لو قضى عليه وهو حاضر، إلا على القول بأن المحكوم عليه إذا أتى بحجة لها وجه بعد الحكم عليه يسمع منه.
وقد مضى تحصيل القول في هذا في رسم نذر سنة يصومها من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وأما إن هرب وتغيب قبل أن يستوفي جميع حججه، فالواجب في ذلك أن يتلوم له، فإن لم يخرج وتمادى على مغيبه واختفائه قضى عليه من غير أن يقطع حجته وبالله التوفيق.
مسألة: النزاع في دعوى المال للغائب
مسألة قال: وسألته عن الرجل يموت ويترك زوجته فيكون بيديها ماله ورباعه ودوابه وكل قليل له وكثير، وللهالك أخ غائب فيقوم ابن الأخ الغائب فيقول: أنا أثبت أن هذا المال الذي بيدها كله لعمي ليس لها منه شيء، وإني وارثه فأنا أريد خصومتها، فيقول له: أقم وكالة، فيقول: أنا أثبت ذلك لعمي، فإذا قضي له به وثبت، فضعوه على يدي عدل ولا تدفعوه إلي، أو يقوم في ذلك الرجل بمنزلة ابنه، فيقول مثل مقالته، فقال: أما الابن فإنني أرى أن يمكن من ذلك، فإذا ثبت ما قال لم يدفع إليه، ووضع على يدي عدل إن كان أبوه حيا يوم مات عمه، فأما الرجل غير ذلك
فلا أدري ما هذا، ولكني أرى ذلك للابن إن كان أبوه حيا يوم مات عمه، فما ثبت لم يدفع إليه ووضع على يدي عدل.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية للابن أن يخاصم عن أبيه الغائب في رباعه وحيوانه وجميع ما له دون توكيل، وكذلك الأب فيما ادعي لابنه وقع ذلك في الجدار.
وقال في الواضحة: إن ذلك في الأب أبين منه في الابن، ولم يجز ذلك لمن سوى الأب والابن من القرابة والعشيرة على ما يأتي له في الرسم الذي بعد هذا، وفي رسم الكبش من سماع يحيى، غير أنه زاد فيه أنه يمكن من إيقاع البينة وإثبات الحق لا أكثر، فليس ما في رسم الكبش مخالفا لهذه الرواية، وقد حملها بعض أهل النظر على الخلاف، وليس ذلك بصحيح، فإذا أثبت ذلك لأبيه أو لابنه ووضع له على يدي عدل، فجاء فادعاه أخذه بلا يمين، ولا فرق في هذا بين الربع والحيوان وغيره، كما لو كان حاضرا فنازعته زوجته فيه وأقام البينة عليه أنه له، بخلاف ما يدعيه وهو بيد غيره، ذلك لا يتم له استحقاقه إلا بعد يمينه أنه ما باع ولا وهب حاشى الأصول على اختلاف في ذلك، وإن جاء فأقر أنه لا حق له في شيء من ذلك رد إلى المرأة، إلا أن يكون عليه دين يغترق ماله، فلا يجوز إقراره أنه لا حق له فيه، وإن مات قبل قدومه ورث ذلك عنه ورثته، وإن قام عليه غرماؤه قبل قدومه قضي لهم به وأعدوا فيه، وكذا يجب في أحد الورثة يدعي دارا لموروثه وسائر الورثة غيب، فيثبتها على القول بأنه يقضى له بحصته ويوقف حصص الغيب، وهو قول مالك في الرسم الذي بعد هذا، ورواية ابن غانم عنه في الشهادات من المدونة وكتاب الولاء والمواريث منها، خلاف قول ابن القاسم فيهما أنه لا يقضي له إلا بحصته خاصة، ولا يوقف للغيب شيء، وقد اختلف في هذا على أربعة أقوال: أحدها ما حملنا عليه هذه الرواية،
وما في رسم الكبش من سماع يحيى من التفرقة بين الأب والابن، وبين سائر القرابة والأجنبيين.
والثاني أنه يمكن من قام عن غائب يطلب حقا له من المخاصمة عنه في ذلك دون توكيل وإن كان أجنبيا، ذهب إلى هذا سحنون، وإلى أن القاضي يوكل من يقوم للغائب بحقه، وتأول ما روي عن مالك من أنه لا يمكن من ذلك أحد إلا بوكالة، فقال: معناه فيما طال من الزمن ودرس فيه العلم، وهو أحد قولي ابن الماجشون، وروي ذلك عن أصبغ.
والثالث أنه لا يمكن من إقامة البينة، ولا يمكن من الخصومة.
والرابع أنه لا يمكن من إقامة البينة ولا من الخصومة، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة ومطرف، وقد قيل: إن القريب والأجنبي يمكن من المخاصمة في العبد والدابة والثوب دون توكيل؛ لأن هذه الأشياء تفوت وتحول وتغيب، ولا يمكن من المخاصمة فيما سوى ذلك من الدين وغيره إلا الأب والابن.
حكى هذا ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وهو قول خامس في المسألة.
واختلف إذا أمكن القائم عن الغائب من المخاصمة عنه فيما يدعيه له دون توكيل على القول بأنه يمكن من ذلك.
هل ذلك في القريب الغيبة دون البعيد؟ أو في القريب والبعيد؟ فقيل: إن ذلك في القريب والبعيد سواء، وهو الظاهر من رواية أشهب هذه، إذ لم يفرق فيها بين قرب الغيبة من بعدها، وكذلك حكى أبو زيد عن ابن الماجشون في الحيوان يدعيه للغائب ابنه أو أجنبي، ويقيم عليه البينة أن السلطان يوقفه له على يدي عدل ويكتب إليه، قال: لا لأن السلطان ينظر للناس حاضرهم وباديهم ولم يميز قريبا من بعيد.
وقيل: إن ذلك في القريب الغيبة دون البعيد، وإلى هذا ذهب سحنون وابن حبيب فيما حكى عن مطرف، وذلك أنه روي عن مالك أن الابن يمكن من طلب دين أبيه دون توكيل.
فقال: وذلك إذا كان المدعي له قريبا، فإذا أتى بالبينة أعدى
السلطان عليه بالمال فأتى به ووقفه للغائب، وضرب له أجلا.
فإن جاء وطلبه أخذه، وإن قال: قد كنت تقاضيه، أو لم يأت إلى الأجل رد إلى الغريم، وإن كان بعيدا لم يوقف له شيء ولم يعوض للغريم إلا بتوكيل.
قال: ولو كان حين جحده الغريم فأمكن من إقامة البينة عليه أقام شاهدا واحدا وعجز عن آخر حلف الغريم وبرئ إلى قدوم الغائب، فإن قدم حلف مع شاهده وأخذ حقه، وإن نكل لم يكن له شيء، وإن نكل الغريم أولا أخذ منه الحق معجلا ووقف للغائب فإذا قدم أخذه بلا يمين، كالصغير والسفيه يقوم له على حقه شاهد واحد، وكذلك قال في الحيوان والعروض إنه لا يمكن أحد من طلب ذلك للغائب دون توكيل إلا فيما قربت غيبته.
قال: ولو كان المطلوب بالدين مقرا به ترك، ولم يعرض له كانت غيبة الأب قريبة أو بعيدة إلا بتوكيل.
وقول مطرف هذا في الدين هو نحو ما حكى ابن عبدوس عن سحنون أن من غاب في سفره وترك ماله أو عقاره بيد أحد أن السلطان لا يعرض له، قال: ولو كان لم يتركه بيد أحد فقام عليه رجل فأخذه، فإن القاضي ينتزعه منه ويوكل عليه، ولا يمكن أهل العداء من عدائهم، وقال ابن كنانة: ذلك إلى اجتهاد السلطان.
قال محمد بن رشد: وإنما لا يعرض السلطان لمن غاب وترك مالا له بيد رجل أو دينا له قبله إذا سافر كما يسافر الناس، وأما إذا طالت غيبته وانقطع خبره فالسلطان ينظر له ويحرز عليه ماله، على ما وقع في كتاب طلاق السنة من المدونة.
وأما قول سحنون: إذا لم يكن المال في يديه بخلافه أن السلطان ينتزعه منه ويوكل عليه فهو على أصله في أن الأجنبي يمكن من الخصومة عن الغائب دون توكيل.
وقد مضى القول في تحصيل الاختلاف في ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: القضاء بقول وكيل القاضي
مسألة وسألته عن القاضي يأتيه القوم بينهم الخصومة في قسم شيء بينهم فيولي رجلا حساب ذلك بينهم وهو عنده عدل رضى ثقة فيأتيه فيخبره بما صار لكل واحد منهم، أفيجوز له أن يقسم بينهم بقوله؟ أو لا يجوز ذلك حتى يعلم مثل ما علم الحاسب؟ فإن ذلك قد كان عندنا ولم أقبل إلى أن كتبت إليك بأن أكون دفعت شيئا من ذلك بقول أحد من القسام حتى أعلم منه مثل الذي علموا، فإن كان ذلك شيئا لا بد منه صبرت عليه، وإن كان شيئا لي منه سعة فإن ذلك أرفق بي، فقال: اكتب إليه، إنه ليس على القضاة تفتيش مثل هذا ولا علمه، فأرجو أن يكون من مثل هذا في سعة إذا كان الرجل عدلا، وليكن من شأنك أن تدعو الورثة فتأمرهم يرتضون رجلا، فإذا ارتضوه وليته أمرهم يحسب بينهم، فإني قد رأيت بعض من عندنا يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن القاضي يقبل قول القاسم الذي قدمه للحساب والقسمة بين القوم فيما أخبره أنه صار لكل واحد منهم، فيمضي ذلك ويقضي به ويشهد عليه، وإن لم يعلم صحته إلا بما أخبره به ولا حضر ذلك ولا شاهده، إذ ليس ذلك عليه ولعله ليس من أهل الحساب، فلو حضر وشاهد لم ينتفع بحضوره، وكذلك كل ما لا يباشره القاضي من الأمور بنفسه، فقول مأموره في ذلك مقبول عنده؛ لأن يده في ذلك كيده، وفعله كفعله، ولو اختلف الورثة في القسمة وتنازعوا في حدودها بعد أن قضى القاضي بها ونفذها بينهم على ما أخبره به القاسم الذي قدمه للقسمة فدعاهم القاضي بأصل القسمة التي أشهد عليها وقضى بها فلم توجد، أو وجدت وشهودها قد بادوا أو لم يتبين منها ما
تنازعوا فيه، والقاسم حي لقبل قوله، وأمضى شهادته وحده؛ لأنه بمنزلته في ذلك لو كان هو الذي ولي القسمة [التي أشهد عليها وقضى بها] ، بينهم بنفسه، ولو كان القاضي الذي أمره بالقسمة بالقسمة قد مات أو عزل فشهد عند غيره على ما قسم لم تجز شهادته في ذلك وحده ولا مع غيره، كما لا تجوز شهادة القاضي بعد عزله على ما مضى من حكمه.
وهذا معنى ما وقع في الأقضية من المدونة، من أنه لا تجوز شهادة القسام فيما قسموا.
وقوله: وليكن من شأنك أن تدعو الورثة فتأمرهم يرتضون رجلا، فإذا ارتضوه وليته أمرهم، هو أمر يستحب له أن يفعله، وليس ذلك بواجب عليه وجوبا يكون شرطا في صحة قضائه بالقسمة، إذ قد لا يجتمعون على الرضى بأحد، فإذا قدم القاضي من يرضاه جاز، وإن لم يرتضوا به كلهم أو بعضهم، وإنما يقدم القاضي قاسما يقسم بين القوم إذا تنازعوا في القسمة فدعى إليها بعضهم وأباها بعضهم، أو كان فيهم صغير أو غائب.
وأما إن كانوا كبارا حضورا راضين بالقسمة فليس على القاضي أن يقدم لهم قاسما إن دعوا إلى ذلك، وليقدموا لأنفسهم من يقسم بينهم محتسبا أو بإجارة، وإذا قدم القاضي قاسما يقسم بين القوم لإباية بعضهم، أو لصغره أو لمغيبه فقسم فلا ينبغي للقاضي أن يشهد على إمضاء فعله حتى يعرضه على الكبار منهم، وعلى من قدمه للصغير، أو للغائب إن كان فيهم صغير أو غائب فيسلموه ولا يعترضوا فيه، ويراه هو صوابا في ظاهره وإن لم يقف على صحة باطنه، فإن اعترضوا فيه جميعا، أو أحدهم نظر في ذلك،
وكذلك إنما يقدم من يحسب لهم إذا كانوا لا يقومون بالحساب، أو كان بعضهم لا يقوم به، أو كان فيهم الصغير أو الغائب.
وأما إن كانوا كبارا يقومون به فإنهم يؤمرون أن يجتمعوا على الحساب ولا يقدم لهم حاسبا إلا أن يختلفوا في الحساب ويتنازعوا فيه مع اتفاقهم على أصول المواريث وبالله التوفيق.
: تعديل بعض الشهود وترك الآخرين
ومن كتاب الأقضية لابن غانم قال ابن القاسم: وسأل ابن كنانة مالكا عن الرجلين يختصمان إلى القاضي في الأرض فيقيم هذا بينة من أهل قراه معروفين فيعدلوا على أنها له، ويقيم هذا بينة من أهل قرى وجبال حولها منتحية عنها ولا يأتي لهم بتعديل فيقول هم معروفون في مواضعهم بالعدالة، وهم عندنا غرباء ليس أحد يعرفهم.
فقال: إن كانت مواضعهم من عمله فليكتب إليهم فيهم.
قال له ابن كنانة: ألا يقضي لهذا الذي جاء بالبينة العادلة؟ فقال: وهذا أيضا قد جاء ببينة.
فقال له ابن كنانة: ولكنهم لم يعدلوا.
فقال مالك: يقول الخصم هم عدول حيث يعرفون، أكتب إليه إن كان هؤلاء في عمله عليهم وال، فليكتب إليه في أمرهم، وإن كان غير ذلك فليدعهم ولا يقضي بينهم بشيء.
فقال له ابن كنانة: إن هؤلاء قد عدلوا ولم يعدل هؤلاء.
فقال: إن الأحب إلى أن يدعهم ولا يقضي بشيء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الأرض ليست
في يد واحد منهما، ولو كانت في يد أحدهما لكان هو المدعى عليه، ولوجب أن تبقى الأرض في يده مع تكافؤ البينتين، أو إلى أجل يضرب له في تعديل بينته إذا عدلت بينة صاحبه.
وقيل: إنها توقف إذا عدلت بينة صاحبه حتى يعدل هو بينته.
وقوله: فليدعهم ولا يقضي بينهم بشيء، يريد ما لم يطل على ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ أنه قال: وهذا أحسن؛ لأن خصومتهم في ربع، ولا أرى أن يدعهم هملا أبدا، وليكشف وليستأن، فإذا طال ذلك ولم يأت صاحب البينة المجهولين بشيء قضى لصاحب البينة المعروفين المعدلين.
ولو كان الاختصام في غير ربع لم أر أن يبلغ به هذا الاستيناء، ورأيت أن يقضي لصاحب البينة المعروفين بعد تلوم ليس بطويل، وفي قوله: إن كانت مواضعهم من عمله فليكتب إليه فيهم، دليل على أنه إن لم تكن مواضعهم من عمله لم يلزمه أن يكتب إلى قاضي موضعهم في تعديلهم، ومثله في رسم الأقضية من سماع يحيى من كتاب الشهادات نصا، وهو عندي ظاهر ما وقع في رسم الكبش منه، وفي سماع زونان من كتاب الشهادات المذكور، وقد حمل بعض أهل النظر ما في رسم الكبش وما في سماع زونان على أنه يلزمه أن يكتب في تعديلهم إلى قاضي موضعهم، وإن لم يكن من عمله كما لو كان من عمله، وهو من التأويل البعيد؛ لأنه إنما يلزمه أن يكتب إلى قاضي موضعهم في تعديلهم إذا كان المطلب في حق هو لله، من طلاق أو
عتاق وشبهه؛ لأنه يلزمه أن يحتاط في الفروج بما يجد إليه السبيل من الكتاب إلى من يعلم عدالته من القضاة.
وأما ما لم يكن فيه حق لله فلا يلزمه السؤال عن الشاهد إلا في موضعه، ويستحب له أن يكتب فيه إلى أهل عمله على ما جاء في هذه الرواية وبالله التوفيق.
مسألة: رجل ورثه أربعة فخاصم رجل منهم في دار حتى استحقها وإخوته غيب
مسألة وسئل مالك عن رجل ورثه أربعة ولد له فخاصم رجل منهم في دار حتى استحقها هو، وإخوته غيب، أتخرج من يد المقضي عليه، وتدفع إلى الذي قضي له بها؟ فقال: لا تدفع إلى الذي قضى له بها، إلا بوكالة، فقيل له: إنهم إخوته، فقال: لا تدفع لأحد إلا بالوكالة، ولكن تنتزع من يد الذي قضي عليه فتوضع على يدي عدل اكتب إليه بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إنه ينزع من يد الذي قضي عليه حظ إخوته الغيب فيوقف لهم على يدي عدل هو مثل رواية ابن غانم عنه في الشهادات والولاء والمواريث من المدونة وهو على قياس القول بأن الحكم يتم في استحقاق الأصول دون يمين، وقول ابن القاسم في المدونة: إنه لا يوقف للغيب شيء، يأتي على قياس القول بأن الاستحقاق لا يتم في ذلك للمستحق إلا بعد يمينه ما باع ولا وهب كالعروض والحيوان، فإذا وقفت لهم حظوظهم على هذه الرواية أعدي فيها غرماؤهم، وكانت لهم إن جاءوا فادعوها وورثت عنهم إن ماتوا، وإن جاءوا فأقروا أنه لا حق لهم فيها ردت إلى الذي كانت بيديه إلا أن يكون عليهم من الديون
ما يغرقها فلا يجوز إقرارهم؛ لأن ذلك من ناحية الهبة.
وأما على القول بأنه لا يقضي للقائم إلا بحقه ويترك حظ الغيب بيد المدعى عليه يبيع ويغتل ويفعل فيه ما شاء، وهو مذهب ابن القاسم، فلا يعدى فيه غرماؤهم، ولا يورث عنهم إن ماتوا قبل أن يعلم ادعاؤهم له، واختلف على قياس هذا القول إن جاءوا فادعوه أو ماتوا فادعاه ورثتهم على ثلاثة أقوال: أحدها أن يكون ذلك لهم ولورثتهم بالحكم المتقدم دون بينة ولا استيناف خصومة، وهو قول ابن الماجشون، والثاني أنه يكون ذلك لهم بالحكم المتقدم دون بينة ولا استيناف خصومة، ولا يكون ذلك لورثتهم إلا باستيناف الحكم بعد الخصومة، وهو ظاهر ما في كتاب الولاء والمواريث من المدونة.
وقول أصبغ فيما حكى عنه ابن حبيب.
والثالث أنه لا يكون ذلك لهم، ولا لورثتهم بعدهم بالحكم المتقدم دون استيناف الخصام وإعادة البينة وهو القياس، إلا في إعادة البينة، فإنه لا وجه له.
وقد أنكر ذلك سحنون في كتاب ابنه.
وإن جاءوا فقالوا: لا حق لنا في ذلك، فقد قال ابن الماجشون: إن ذلك يترك بيد المطلوب، إلا أن يكون أحدهم مفلسا قام عليه غرماؤه، فلا ينظر إلى قوله، بخلاف ما يوجب للمفلس، والذي يوجبه القياس والنظر أن يترك حظ الغائب بيد المطلوب، إذا أقر أنه لا حق له فيه وإن كان إقراره بذلك بعد التفليس، إلا أن يدعي الغرماء ذلك له فيستأنف به الحكم لهم وبالله التوفيق.
مسألة: بيع بعض الورثة أرضهم دون الآخرين
مسألة وسئل مالك عن رجل توفي عن أرض كانت عفاء براحا: لا ماء فيها ولا غراس فاقتسمها الورثة فباعوا من غير واحد وخرجت من أيديهم على ذلك، فاغترس المشترون، ومنهم من اشترى ماء
فساقه، ومنهم من اكترى، فأقاموا بذلك نحوا من أربعين سنة أو أكثر حتى حيي ذلك وبلغت النخيل، ثم إن بعضهم باع حظه، فقال المشتري حيث اشترى لمن يمر منهم عليه بمائه: لا أدعك تمر به علي، وقال الذي يمر به عليه: هذا الماء لم يزل هكذا منذ أربعين سنة، لا نعرف إلا ذلك.
فهل للمالك يمر بمائه في أرضه؟ فقال: نعم، فقال مالك: أرى أن يدعوهم القاضي بأصل قسم ما قاسموا عليه، فإن أتوا به حملهم عليه، وإن لم يكن إلا ما هم عليه أقروا على ذلك، ولم يكن له أن يمنعه.
أرأيت الذي باعه لو جاء الآن يمنعهم؟ ما أرى شيئا الآن أمثل أن يقروا على حالهم إذا لم يكن قسم معروف.
قال محمد بن رشد: قوله أرى أن يدعوهم القاضي بأصل قسم ما قاسموا عليه، فإن أتوا به حملهم عليه، يريد أنه إن كان في أصل ما اقتسموا عليه مرور الماء على البائع لزمه، ولم يكن للمشتري في ذلك كلام، إلا أن يكون لم يعلم بذلك فيكون عيبا فيما اشتري، إن شاء أن يمسك وإن شاء أن يرد به؛ وإن لم يكن في أصل ما اقتسموا أن يمر الماء عليه لم يلزمه ذلك، وكان للمشتري أن يمنع منه، فلم ير على هذا في هذه الرواية مرور الماء على البائع في أرضه أربعين سنة حيازة عليه، وهذا على القول بأن الضرر لا يحاز، وقد مضى الاختلاف في ذلك في نوازل أصبغ من جامع البيوع في مسألة المجرى في العرصة، ولا جعل بيعه للأرض رضى منه بترك القيام على المار بمائه فيها، وذلك خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ في أن من أحدث عليه ضرر فلم يتكلم فيه حتى باع لزم المشتري، ولم يكن له فيه قيام، فأحل المشتري محل البائع في القيام عليه بما كان للبائع أن يقوم
به عليه، إذ قال: إن القاضي ينظر له بما كان ينظر به للبائع من أن يدعو بأصل القسم فيحملهم عليه.
ويدخل في هذا اختلاف بالمعنى؛ لأنه إذا لم يجعل بيعه رضي بترك القيام فهو بمنزلة ما إذا باع ولم يعلم بما أحدث عليه، أو باع بعد أن علم في حال الخصام قبل أن يقضى له، وقد قال في كتاب النكاح الأول من المدونة في الذي يتزوج عبده بغير إذنه فيبيعه قبل أن يعلم، إن المشتري بالخيار بين أن يمسك أو يرد، ولا يكون له من الخيار في التفرقة ما كان للبائع، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه إذا باع في حال الطلب والخصام قبل أن يتم له القضاء أن المشتري ينزل منزلة البائع، ويكون له من الطلب ما كان له.
فما في كتاب النكاح الأول معارض لهذه الرواية ولما في الواضحة.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن بيعه بعد العلم رضى بترك القيام.
والثاني أنه ليس برضى، ويقوم المشتري بما كان للبائع أن يقوم به.
والثالث أنه ليس برضى من البائع، ولا قيام للمشتري، وإنما له الرد على البائع بالعيب، إن لم يعلم به، فإن رد عليه كان للبائع القيام، وكذلك إن باع السيد العبد الذي تزوج بغير إذنه بعد أن علم بتزويجه يدخل في ذلك الثلاثة الأقوال وبالله التوفيق.
مسألة: ادعى دارا ومنزلا له في يده لطول غيبة المالك أتأذن لعشيرته في مخاصمته
مسألة وسألته عن عشيرة رجل أتوك فذكروا لك أن رجلا منهم بالأندلس، وأن في يد رجل منهم لصاحبهم منزلا ودارا.
وأنه قد ادعى ذلك لنفسه لطول غيبة صاحبهم، وينكر الذي في يده الدار والمنزل الذي ادعوا من ذلك أن يكون لصاحبهم في يده حق، ويسألك عشيرة الرجل الغائب أن تأذن لهم لمخاصمته وإثبات البينة
عليه بحق الغائب قبل هلاك من يعلم ذلك ويشهد عليه، وليست في أيديهم منه خلافة.
قال: هل ترى أن يأذن لهم في ذلك؟ فقال: أرى ألا يأذن لهم في ذلك، وألا يخليهم إلا بوكالة أو أمر يعرفه.
قال القاضي: هذا مثل ما حكى ابن حبيب في الواضحة من رواية ابن غانم عن مالك، ومن رواية أصبغ عن ابن القاسم عن مالك.
وزاد عن ابن القاسم أنه قال: فإن جهل القاضي فأمره بالمخاصمة فحكم عليه أو له لم يجز ذلك عليه ولا له.
قال: وقال ابن نافع مثله.
وقد مضى القول على هذه المسألة محصلا مستوفى في الرسم الذي قبل هذا، فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.
مسألة: ضرب الأجل للمحكوم عليه فيما يدعي من إقامة البينة على حجته
مسألة وسألته عن الرجل يدعي المنزل في يد الرجل ويأتيه ببينة على ما يستحقه به فيما يحضرنا، فسأل الذي المنزل في يديه عن حجته فذكر حجة لو جاء عليها بالبينة كان أولى بالمنزل من المدعي، وسألنا أن نضرب له أجلا يجلب بينته على ما احتج به فأؤجله الأجل الواسع الشهر والشهرين والثلاثة، فيمضي الأجل ولا يحضرنا شيئا، ويذكر غيبة شهوده وتفرقهم، هل ترى أن يضرب له أجل آخر أم يقضى عليه؟ قال: أما الرجل المصدق المؤمن الذي لا يتهم على أن يدعي باطلا ولا يقوله فإني أرى أن تزيده في الأجل، ويستأنى له.
وأما الرجل الملد الذي يرى أنه إنما يريد الإضرار بخصمه وتأخير حقه عنه، فلا
أرى له أن يمكنه من ذلك إلا أن يذكر أمدا تقارب شأنه، ثم يختبر كذبه في مثله فيستبرئ ذلك الأمر، القريب، ثم يقضي عليه بما يرى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن ضرب الأجل للمحكوم عليه فيما يدعي من إقامة البينة على حجته مصروف إلى اجتهاد القضاة بحسب ما يظهر إليه من حال المضروب له الأجل وصدقه فيما يدعي، والأصل في ذلك ما في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري من قوله: واجعل لمن ادعى حقا غائبا، أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يوما، يضرب له عشرة أيام، ثم عشرة، ثم يتلوم له بعشرة؟ أو ثمانية، ثم ثمانية، ثم ثمانية، ثم يتلوم له بستة؟ أو خمسة عشر يوما، ثم ثمانية ثم أربعة، ثم يتلوم له بثلاثة تتمم ثلاثين يوما، أو يضرب له أجلا قاطعا من ثلاثين يوما يدخل فيه التلوم، والآجال.
كل ذلك قد مضى من فعل القضاة والحكام، وهذا مع حضور بينة في البلد.
وأما إذا كانت غائبة عن البلد فأكثر من ذلك على ما تضمنته هذه الرواية من اجتهاد الحكام وبالله التوفيق.
مسألة: احتكم إلى القاضي خصوم أعاجم فلا بد أن يترجم عنهم رجل ثقة مسلم
مسألة (وقال) : إذا احتكم إلى القاضي خصوم يتكلمون بغير