البيان والتحصيلصفحات 125-165
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 125-165
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

محامل وزوامل، ولم تكن عكوما وأعدالا لأنه رأى بذلك قول أشبه، وقول الكري لا يشبه، واختلف هل ينفسخ الكراء بينهما بتمام التحالف أم لا ينفسخ حتى يفسخه الحاكم بينهما اختلافا كثيرا قد ذكرناه مستوفى في رسم الصبرة من سماع يحيى، من كتاب جامع البيوع، وأما إن كانا قد خرجا وسارا من الطريق ما يكون عليهما في الرجوع منه ضرر، فقال في الرواية: إن الحمال إن كان قبض الكراء فالقول قوله، يمضي به إلى المدينة، وليس للمتكاري غير ذلك، ومعنى ذلك إذا كانا جميعا قد أتيا بما يشبه، أو كان الكري منهما قد أتى بما يشبه، فإن نكل حلف المكتري، وكان القول قوله في الركوب بما نقد إلى الغاية التي ادعى، وأما إن أتيا جميعا بما لا يشبه فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في الغاية التي اختلفا فيها وهي ما بين المدينة إلى مكة أو إلى المغرب، ويكون للمكري على المكتري في ركوبه إلى المدينة كراء المثل، فإن كان ذلك أكثر مما نقده وفاه البقية، وإن كان أقل مما نقده رد عليه المكري الزيادة، وكذلك إن نكلا جميعا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف منهما.
وأما إن أتى المكتري بما يشبه والمكري بما لا يشبه، فإنهما يتحالفان ويفض الكراء المنقود على المسافتين، فما ناب المسافة التي اتفقا عليها كان للمكري، وما ناب المسافة التي اختلفا فيها صرفه الكري على المكتري، وكذلك إن نكلا جميعا.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما.
وقال في الرواية: إن الحمال إذا كان لم يقبض الكراء فالقول قول المتكاري، وعلى الحمال أن يحمله إلى

المدينة، ويتحالفان ويتفاسخان من ذلك المكان، ثم يقسم الكراء، فينظر كم بين المدينة إلى مكة، كم هو من البلدة التي اكتري فيها إلى البلد الذي قال الحمال ويتحالفان فيها، فإن كان الذي ركب ثلاثة أرباع الطريق دفع إلى الجمال ثلاثة أرباع الكراء وحبس الربع، فعلى هذا يحسب.
وكذلك الحكم إذا نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، فإن كان المكتري هو الذي نكل كان الكراء كله للكري فيما أقر به من المسافة، وإن كان المكري هو الذي نكل كان للمكتري الركوب إلى حيث ادعى، ومعنى ذلك إذا كانا جميعا قد أتيا بما يشبه، أو كان المكتري منهما قد أتى بما يشبه، وأما إذا لم يشبه قول واحد منهما فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة التي اختلف فيها، ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، وكذلك الحكم أيضا إن نكلا جميعا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف منهما وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله عن اليمين.
وأما إن أشبه قول الكري دون المكتري فالقول قوله مع يمينه على دعوى المكتري، فإن نكل المكري عن اليمين كان القول قول المكتري، ويركب إلى حيث ادعى وإن لم يشبه؛ لأن الكري قد أمكنه من ذلك بنكوله.
وقال بعد ذلك: إذا اختلفا في الكراء واتفقا على المسافة إنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم يسيرا إلا يسيرا، وإن كانا قد سارا كثيرا فالقول قول المتكاري، وصاحب الظهر مدع لأن المتكاري قد انتقد حمولته وذلك صحيح، مثل قوله في المدونة وعلى أصل قوله فيها، وروايته عن مالك في اختلاف المتبايعين؛ لأن المتكاريين إذا اختلفا في الكراء ولم يسر المكتري أو سار يسيرا بمنزلة المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة ولم يقبض المشتري السلعة فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا، وإذا اختلفا بعد أن

سار المكتري كثيرا وإن لم يبلغ المسافة فهو بمنزلة إذا اختلف المتبايعان في ثمن السلعة بعد أن قبضها وفاتت، وإنما كان الركوب الكثير فوتا بمنزلة بلوغ المسافة من أجل أن التفاسخ لا يمكن في بعض الطريق إلا بضرر يدخل عليهما.
وهو معنى ما أراد بقوله؛ لأن المتكاري قد انتقد حمولته، يقول: لأنه قد وجب له الركوب إلى تمام غايته، وسواء كان الكراء مضمونا أو معينا، قاله في المدونة، ولغيره فيها ليس الراحلة بعينها كالمضمون.
يريد، والله أعلم: أن القول قول المكتري في الكراء في الراحلة بعينها إذا قبضها وإن لم يسر إلا يسيرا، كما يكون القول قول المشتري في الثمن إذا قبض السلعة وإن لم تفت على قياس رواية ابن وهب عن مالك، وأنه لا يكون القول قوله في الكراء في الراحلة بغير عينها إلا فيما مضى من الطريق، ويكون القول قول الكري فيما بقى منه.
وإن كان دفع إليه جملا يركبه فلا يكون أحق به من الغرماء إن فلس، خلافا لابن القاسم في الموضعين.
وقوله: وإن قال: أكريتك إلى المدينة، وقال المتكاري: أكريت منك إلى مكة وذلك في أيام الحج، فالقول قول المتكاري، ويحلف إذا كان في أيام الحج وكانت حمولته محامل وزوامل يقوم منه أن المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة قبل القبض، وأتى أحدهما بما يشبه دون الآخر، وأن المتكاريين إذا اختلفا في الكراء أو في المسافة قبل الركوب، وأتى أحدهما بما يشبه دون الآخر أن القول قول الذي أتى منهما بما يشبه، ولا يتحالفان ويتفاسخان، وهو خلاف المشهور في المذهب.
وقد روي ذلك عن مالك، وهو قول ابن وهب في الدمياطية،

قال في الذي يقول: اكتريت إلى الإسكندرية، ويقول المكري: أكريتك إلى الكريون، قال: ينظر، فإن كان الكراء يشبه كراء الإسكندرية حلف المتكاري، وكان القول قوله، وإن كان يشبه الكريون حلف المكري وكان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات، وإليه ذهب ابن حبيب في بعض مسائله، منها إذا اختلفا في صفة النقد، وإذا ادعى أحدهما حلالا والآخر حراما.
وأما قوله: فأما إن كان عكوما أو أعدالا فالقول قول الكري إذا كان قد انتقد، فهو من قوله خلاف قوله في المدونة مثل قول غيره فيها: إن النقد المقبوض فوت، ومثل ما في رسم الصبرة من سماع يحيى من جامع البيوع، والمعنى في ذلك: إذا كانت حمولته عكوما وأعدالا، أشبه قول كل واحد منهما؛ لأن كونهما في إبان الحج يشهد للمكتري، وصفة الأحمال تشهد للكري، فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا إلا أن يكون قد انتقد الكراء فيكون القول قوله، وذلك نص قول غير ابن القاسم في المدونة: إن النقد المقبوض فوت.
وقوله: إذا تكارى منه كراء مضمونا ثم اختلفا في عدة الرواحل إنهما يتحالفان ويتفاسخان إن كان ذلك بحضرة إيجاب الكراء أو قربه، وأنه يكون القول قول الكري إن كان اختلافهما بعد حلول الأجل، وأن ذلك بمنزلة من سلف دنانير في قمح فاختلفا في عدد المسلم فيه من القمح - هو نص ما في المدونة، وفي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أن النقد المقبوض فوت.
والثاني: أنه لا يكون فوتا إلا بعد الغيبة عليه.
والثالث: أنه لا يكون فوتا إلا بعد الطول في السلع المعينات وحلول الآجال في السلم والكراء المؤجل.
والرابع: أنه لا يكود فوتا وإن طال وحل الأجل؛ لأن رد مثله كرد عينه.
وقد

مضى القول على هذا وبيانه في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب جامع البيوع، وفي نوازل سحنون الثانية منه.
وأما قوله فإن لم يشبه نظر إلى سلف الناس يوم تبايعا فحملا عليه، فمثله في أصل الأسدية، وفي كتاب ابن المواز، دليل ما في المدونة أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا أتيا جميعا بما لا يشبه، ويرد مثل الدنانير التي قبض وهو القياس والنظر؛ لأنه لا يقال إذا اختلفا في ثمن السلعة وقد فاتت، فقال البائع: بعتها بعشرة إلى شهر، وقال المشتري: اشتريتها بخمسة إلى شهر، وأتيا جميعا بما لا يشبه أنه يكون على المبتاع ما يباع به مثل تلك السلعة إلى شهر، وإنما تكون عليه قيمتها يوم قبضها، فكما يكون عليه قيمة السلعة، ولا يراعى الأجل الذي اتفقا عليه، فكذلك يكون عليه في السلم أن يرد الدنانير التي قبض ولا يراعي الأجل، والله أعلم وبه التوفيق.

###: اشتراط المقاصة عند موت أحد المتكاريين

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وقال ابن القاسم: لا خير في أن يكتري الرجل الدابة أو البعير أو غيره ويشترط على صاحب الدابة أو البعير أنه إن مات ببعض الطريق قاصه بما ركب وأخذ دابته أو بعيره.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا خير في ذلك من أجل أنه شرط فاسد مخالف للسنة في أن الكراء لا ينفسخ بموت أحد المتكاريين وإن كان ابن دينار يرى أن الكراء ينفسخ بموت المكتري فهو شذوذ، فالحكم فيه إذا وقع أن يفسخ الشرط ويجوز الكراء؛ إذ لا يؤول الكراء على الشرط إلا إلى الجهل بمبلغ مدة الكراء، لا إلى الجهل بقدر الكراء؛ لأنه يأخذ بحساب ما سار، وذلك في القياس كالصبرة تُشترى جزافا كل

قفيز بدرهم؛ لأن الثمن معلوم، وعدد المبيع من الأقفزة مجهول، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يجيز ذلك، فعلى قياس قوله الكراء على هذا الشرط فاسد يفسخ، وتكون فيه القيمة إن لم يعثر عليه حتى فات والله أعلم.
وهذه المسألة تشبه في المعنى مسألة الرجل يكون له البز في البلد فيكري الدابة إليه، على أنه إن وجد بزه في الطريق رجع وكان له بحسابه، إلا أنها عند ابن القاسم أشد منها من أجل أنه شرط في الكراء خلاف سنته، ولذلك قال: لا خير فيه في هذه وأجاز تلك، وسحنون لا يجيز تلك فأحرى ألا يجيز هذه، ويأتي على مذهبه فيها أن يفسخ الكراء، فإن فات كانت فيه القيمة، ويشبه أن يكون الحكم فيها على مذهب ابن القاسم أن يفسخ ما لم يفت بالركوب؛ لقوله فلا خير في ذلك، فإن فات بالركوب مضى بالثمن وفسخ الشرط، وبالله التوفيق.

###: دعوى المكتري صيال الدابة عليه

ومن كتاب حمل صبيا على دابة قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة فقال: قامت علي بالطريق فتركتها فهو مصدق ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله ولا شيء عليه، أي لا غرم عليه؛ لأنه إنما يصدق مع يمينه إلا أن يتبين كذبه، مثل أن يكون في رفقة وجماعة من الناس فلا يعلم أحد ما يقول على ما مضى في رسم "سن" من سماع ابن القاسم، وقد مضى في رسم "باع شاة" من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع القول في هذا المعنى مستوفى فلا وجه لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله تعالى التوفيق.

###: طلب المكتري الإقالة من المؤجر

ومن كتاب جاع فباع امرأته وسألته عن الرجل يكتري الظهر وينقد الكراء، ثم يبدو له

فيستقيل صاحب الظهر، فيقول صاحب الظهر: أنا أقيلك على أن تؤخرني.
قال: لا خير فيه إلا أن ينقده ركب أو لم يركب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه وجب عليه ركوب، فإذا أقاله على أن يؤخره بما نقده كان قد فسخ الركوب الذي وجب له عليه في دنانير إلى أجل، وسواء ركب أو لم يركب كما قال؛ لأن الفساد في نفس الإقالة، وإنما يفترق ذلك فيما لا يوجد الفساد فيه إلا بمجموع الكراء والإقالة، فيتهمان على العمل على ذلك والقصد إليه إذا كان ذلك قبل الركوب، وإن كان بعد الركوب ارتفعت التهمة بينهما عند ابن القاسم، خلافا لأشهب، وما يجوز فيه الإقالة من الكراء مما لا يجوز يتفرع إلى اثنى عشر وجها في الكراء المضمون، وأربعة وعشرين وجها في المعين.
وقد فرغنا من تفسير ذلك في المقدمات فأغنى ذلك عن ذكره هنا، وبالله التوفيق.

###: سقوط شيء من الحمل أدى لتلف الدابة المؤجرة

ومن كتاب النسمة وسئل ابن وهب عن رجل استأجر دابة يحمل عليها خشبة فحمل عليها الخشبة فانفلتت من يد المتكاري فسقطت وهي على الدابة فكسرت رجل الدابة، هل يضمن؟ قال: أرى عليه ضمان تلك الدابة إن كانت بطلت، وإن كان الذي أصابها شيئا خفيفا ينقص من ثمنها، فأرى عليه ما نقص من ثمنها؛ لأن ذلك من الخطأ الذي جاء على يديه.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنها جناية منه، وخطأ جاء على يديه، وأموال الناس تضمن بالعمد والخطأ، وإنما يفترق العمد من الخطأ في العقوبة يؤدب من تعمد، ولا يؤدب من أخطأ، ولو ضرب الدابة ضربا يجوز له فجاء من ذلك ما جر إلى عطبها لم يكن عليه ضمان، ولو أخطأ في ضربها فضرب عينها ففقأها، ونحو هذا عليه الضمان؛ لأنها جناية منه، وبالله التوفيق.

###: تعذر الوصول إلى محل الكراء

ومن كتاب أوله إن أمكنتني وقال في الرجل يكري السفينة إلى الإسكندرية فيركب ويحمل عليها ويأتي الخليج فيجده ليس فيه ماء، قال: يكون له من الكراء على قدر ما سار.
قيل لسحنون: وكذلك الذي يتكارى الدابة إلى موضع فإذا سار نصف الطريق بلغه عن الموضع الذي يريده فتنة وأنه لا يستطيع دخولها؟ قال لي: نعم هي مثلها، ينفسخ الكراء بينهما ويكون له من الكراء بقدر ما سار من الطريق.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه إذا حال بينه وبين الوصول إلى البلد الذي اكترى إليه، خوف لا يختص به من فتنة وما أشبه ذلك، أو قلة ماء منع المركب من المسير أن له بحساب ما مضى وينفسخ الكراء فيما بقي.
وقد مضى هذا في آخر سماع أشهب، وفي سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين، وبالله التوفيق.

###: الكراء على شرط طرح ما ينتقص منه

ومن كتاب القطعان قال ابن القاسم في الذي يستحمل الحمال مائة إردب

على أن يوفيه بالقلزم سبعة وتسعين، ويطرح عنه ثلاثة أرادب لما ينقص في المركب، على ذلك يعقدون الكراء: إن ذلك مكروه لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال، وقد تقدم مثله في رسم البيوع الأول من سماع أشهب، ومضى القول فيه فلا معنى لإعادته.

###: طلب تعجيل الحمولة بزيادة قبل بلوغ الأجل

ومن كتاب العتق وقال فيمن سلف في حمولة إلى شهر، ثم سأل المتكاري الكري قبل محل الشهر أن يعجل له الحمولة ويزيده: إن ذلك لا يحل من قبل ضع وتعجل.
قال محمد بن رشد: قوله إن ذلك لا يحل من قبل ضع وتعجل، يريد أن ذلك يدخله من المكروه ما يدخل ضع وتعجل بالمعنى؛ لأن ضع وتعجل إنما لم يجز؛ لأن الذي عليه الدين عجل للذي له الدين بعض دينه قبل أن يحل أجله، فكأنه أسلفه إياه على أن يقتضيه من نفسه لنفسه في دينه إذا حل أجله على أن يحط عنه بقيته، وحطيطته إياه عنه عطية منه له، فكان ذلك الزيادة في السلف محضا، فكما لا يجوز أن يعجل له بعضه على أن يعطيه بقيته، فكذا لا يجوز له أن يعجل له جميعه على أن يزيده زيادة؛ إذ لا فرق في المعنى بين أن يعجل له بعض دينه على أن يضع عنه بقيته، وبين أن يعجله له على أن يعطيه شيئا آخر، فإذا لم يجز أن يعجل له بعض دينه على أن يعطيه شيئا آخر، كان أحرى ألا يجوز أن يعجل له جميعه على أن يعطيه شيئا من الأشياء يزيده إياه، وبالله التوفيق.

مسألة: طلب تعجيل الحمولة بزيادة قبل بلوغ الأجل

مسألة وقال فيمن كانت له حمولة حالة فسأله الكري أن يحمل وأقلقه، فقال له: أخر عني ذلك شهرا أو أياما ولك عشرة دنانير: إن ذلك لا خير فيه لمكان الضمان، زاده على أن يضمن له بمنزلة رجل سلف في ثوب إلى شهر، فلما حل قال له: أزيدك دينارا أو درهما وأخره عني إلى شهر تضمنه لي إلى ذلك الأجل لأسواق يرجوها عنده، أو نفاق وما أشبه ذلك.
ولكن لو كان صاحب الحمولة (قد حمل وسار) بعض الطريق، فسأله أن يقيم عليه بالموضع أياما وما أشبه ذلك ويزيده لم يكن بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: لأن من حق من كان عليه دين حال أن يقضيه فتبرأ ذمته منه، فلا يجوز للذي له الدين أن يعطيه شيئا على أن يبقيه في ذمته، ويحرزه في ضمانه كائنا ذلك الدين ما كان.
كما أنه لا يجوز لمن عليه عرض مؤجل أن يعطي صاحب الدين شيئا على أن يقبض دينه منه قبل محل الأجل فيبرئ ذمته منه ويحط ضمانه عنه.
وأما إعطاء الذي عليه الدين صاحب الدين شيئا على أن يؤخره بدينه فذلك الربا المحرم بالقرآن، وعكس ذلك إعطاء صاحب الدين الذي عليه الدين شيئا على أن يعجل له دينه قبل حلول أجله على ما مضى في المسألة التي قبل هذه وبالله التوفيق.

###: رجوع المكتري من بعض الطريق

ومن كتاب المدينين قال: وسئل ابن القاسم عن الرجل يكري الدابة من المدينة

إلى مكة فيركبها، ثم يرجع قبل أن يبلغ إلى مكة، هل عليه جميع الكراء؟ وهل له أن يركبها في مثل ما قصر عن مكة؟ فقال ابن نافع: قد لزمه جميع الكراء، وليس له أن يركبها في مثل ما قصر عن مكة.
وقال ابن القاسم: إن كان إنما سار البريد والبريدين وما أشبههما فله أن يركبها ويكريها إلى مثل ما قصر عنه من سفره، إلا أن يتراضيا على شيء معلوم، وإن كان سار جل الطريق ثم ردها، رأيت جميع الكراء لصاحبها.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات، وقد مضى القول عليها مستوفى في رسم البيوع الأول من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته والله الموفق.

###: تعدي الحمال ببيع الطعام الذي يحمله

من سماع يحيى من ابن القاسم من كتاب الصبرة قال يحيى: سئل ابن القاسم عن الرجل يستكري السفينة أو الإبل على حمل طعام فدفعه إلى الجمال أو إلى صاحب السفينة ويكيله عليه فتعدى الحمال، أو صاحب السفينة في بعض الطريق فباع الطعام، ماذا يجب لصاحب الطعام؟ فقال: يخير، فإن شاء أخذ الثمن الذي باعه به، أو مكيلة طعامه، هو في ذلك بالخيار.
قلت: فإن اختار مكيلة طعامه فأين يجب له أخذه؟ أحيث تعدى عليه المتعدي؟ أم في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه؟ فقال: بل في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه.
قيل: فإن اختار أخذ الثمن أيأخذ الثمن الذي باعه بعينه أو يأخذ قيمة طعامه حيث تعدى عليه المتعدي؟ قال: بل الثمن بعينه، وليست له القيمة؛ لأنه إذا كره أخذ الثمن لم يكن له إلا المكيلة، وإذا رجع إلى أخذ المكيلة وجب له أخذها في البلد الذي استكراه أن يحمل له

إليه.
قيل: أرأيت إن اختار أخذ الثمن أيغرم الكراء كله أم بقدر ما حمله المتعدي؟ قال: بل الكراء (كله) وله أن يستحمل مثله من الموضع الذي تعدى فيه على بيع الطعام إلى الموضع الذي كان له استحمله الطعام أولا.
قال محمد بن رشد: قوله في الكري يتعدى على الطعام فيبيعه في بعض الطريق إن رب الطعام مخير بين أن يأخذ الثمن الذي باع به طعامه أو مثل مكيلة طعامه، وأنه يجب له أخذ مكيلة طعامه إن اختار أخذ المكيلة في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه، معناه عندي على القول بأن الكراء لا ينفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله إذا دعا إلى ذلك الجمال؛ لأن الواجب أن يغرم له مثل الطعام في الموضع الذي تعدى عليه فيه، ويحمله له إلى غايته، فإذا قال له الكري: خذ مني مثل طعامك في البلد الذي علي أن أحمله إليه لم يكن لامتناع رب الطعام من ذلك وجه؛ لأن في ذلك ضررا عليه وعلى الجمال.
أما هو فوجه الضرر الداخل عليه في ذلك أنه قد يتلف في الطريق ببينة على تلفه فيخسره.
وأما الجمال فوجه الضرر الداخل عليه في ذلك أنه قد يتلف في الطريق فلا تقوم له بينة على تلفه فيغرمه، وقد يشتريه أيضا في الموضع الذي تعدى عليه فيه بأكثر مما يشتريه في الموضع الذي كان عليه أن يحمله إليه، وهو إن قام عليه في البلد الذي استكري إليه أمن في الضرر على كل واحد منهما.
فإذا كان ما دعا إليه الجمال جائزا وما دعا إليه رب الطعام جائزا أيضا، إلا أن فيه ضررا على كل واحد منهما وجب أن يجاب الجمال لما دعا إليه؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لا ضرر ولا ضرار» ". وأما إذا أراد الجمال أن يغرم لرب الطعام مثل طعامه في الموضع الذي تعدى عليه فيه ويحمله له إلى غايته

فذلك له؛ لأنه هو الذي يوجبه الحكم، وليس لرب الطعام أن يضمنه إياه في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه.
وأما على القول بأن الكراء يفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله فلا يجوز أن يأخذ منه مثل الطعام في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه وإن رضيا بذلك جميعا؛ لأنه يكون قد اشترى منه الطعام بذلك البلد بالطعام الذي وجب له حيث تعدى عليه، وبالكراء الذي يجب له به الرجوع عليه.
وقد قيل: إن قول ابن القاسم في هذه المسألة على القول بأن الثوب إذا تلف عند القصار قبل أن يقصره أو بعد أن قصره يغرم قيمته مقصورا، ويكون له أجر قصارته خلاف مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: إنه ليس لرب الثوب أن يضمنه قيمته مقصورا ويغرم له أجر قصارته، فأنزل الجمال على حمل الطعام منزلة الصانع لكونه ضامنا له، فقال: إنه يضمن مثل الطعام في البلد الذي كان عليه أن يحمله إليه، ويكون له الكراء كما يكون على الصانع قيمة الثوب مصنوعا ويكون له أجره.
ومثله قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب تضمين الصناع أن الطحان يضمن ما نقص من الدقيق دقيقا، ويكون له أجرته، ويأتي القول على هذا مستوفى في موضعه من السماع المذكور إن شاء الله، والتأويل الأول في مسألتنا أصح وأظهر من جهة المعنى، والتأويل الثاني أسعد بظاهر اللفظ إلا أنه بعيد من جهة المعنى.

###: بيع الدابة المكتراه

ومن كتاب الصلاة وسئل عن رجل باع دابة له من رجل وقد كان البائع أكراها من مصر إلى الرقة واشترط البائع على المبتاع أن عليك

حمل ما وجب على الذي استكرى مني الدابة ضامنا عليك لحمله على أي دوابك شئت، قال: أرى هذا بيعا جائزا، إنما باعه الدابة بالثمن الذي أخذ منه وبحمولة مضمونة، وليس هذا عندي بمنزلة الذي يبيع الدابة ويستثني ظهرها مكانا بعيدا.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه كان أكراها إلى مصر ولم يعينها بالإشارة إليها فكان الكراء مضمونا، وإن كان قال له: أكري منك دابتي على ما مضى في رسم القبلة وهو المشهور في المذهب حسبما مضى به القول هناك.

###: تعذر الوصول لموضع الكراء بسبب اللصوص

من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن القاسم قال عبد المالك بن الحسن سئل ابن القاسم عن الرجل يتكارى الدابة إلى موضع يسميه فيقطع به اللصوص أو يسرق له متاع، أو يقطع به شيء لا يقدر من أجله على المسير، قال: الكراء لصاحب الدابة، فإن شاء المتكاري أن يسير وإن شاء فليقم، وله أن يستكريها في مثل ذلك، وسئل عنها سحنون، فقال: إنما هذا في الذي يقطع به اللصوص أو يسرق له المتاع فالكراء له لازم كما قال، وأما الذي يتكارى الدابة إلى موضع فيبلغه عنه شيء لا يقدر على دخوله ولا التخلص إليه فالكراء ينفسخ بينهما.
قال محمد بن رشد: قول سحنون صحيح، مفسر لقول ابن القاسم، وقد مضى مثله في آخر سماع أشهب، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين.

مسألة: هلاك الدابة المكتراه في الطريق

مسألة قال عبد الملك: وسألت ابن وهب عن الذي يتكارى دابة بعينها فتهلك ببعض الطريق، فقال ابن وهب: قال مالك: إذا هلكت بموضع يجد فيه كراء حاسبه ورد عليه ما بقي من كرائه، وإن ماتت بموضع لا يجد فيه كراء ويخاف على نفسه أن يضيع وتدخل عليه ضرورة، فأرى أن يحمله على بعض ما معه من الدواب فذلك جائز.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم مرض من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته والله الموفق.

###: الزيادة على الأجرة من أجل التحول من شق لشق

من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يكتري زاملة يركبها بخمسة دنانير فيزيد شيئا على أن يتحول إلى شق محمل أنه لا بأس به، وأنه إن تكارى على حمل الأعكام ثم أراد أن يحول ذلك إلى محمل ويزيده، قال: لا خير فيه.
وقاله أصبغ لأن الذي يتحول من الأعدال إلى المحامل أمر يبعد بعضه من بعض، ولا يتقارب خفته، فهو كالذي يسلف في شقة بصفة ثم يتحول إلى رابطة ينسجها ويزيده، وقد كرهه مالك وابن القاسم، والذي يتحول من الزاملة إلى المحمل كالذي يتحول من رابطة ست في ثلاث، إلى سبع في أربع، فهو الأصل كما هو، فهو خفيف، وقد أجازه مالك.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم العارية من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

مسألة: دعوى المكتري رد الشيء الذي اكتراه

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يكتري الشيء مما يغيب عليه، أو مما لا يغيب عليه، ثم يدعى أنه قد رده إليه أنه مصدق، دفع ذلك إليه ببينة أو بغير بينة، وليس بمنزلة العارية ولا الصناع يدعون الرد؛ لأن أولئك عليهم الضمان لو ادعوا تلفا، فكل من كان يكون عليه الضمان إذا ادعى التلف فلا يصدق إذا قال رددت، وكل من لا ضمان عليه إذا ادعى تلفا وكان يصدق فهو مصدق إذا ادعى الرد.
قال أصبغ: بئس ما قال ولا (يعجبني) هذا، وأراه خطأ من الحجة، والرأي الوديعة والقراض لا يكون عليه فيهما ضمان إذا ادعى تلفا، وإذا أنذر فيهما بالبينة فدفعا إليه بالبينة لم يخرجه من الرد إلا البينة وهو قول مالك فيهما، فكذلك الاكتراء إذا أنذر بالبينات ودفع بالإشهاد رد كذلك، وإلا ضمن ولم يصدق، وهذا أصل خطأ يبنى عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه مصدق في رد الشيء المكترى قبضه ببينة أو بغير بينة خلاف ما مضى في أول سماع عيسى أنه إذا قبضه ببينة فعليه أن يرده ببينة، وخلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها أنه يلزمه أن يرد الوديعة ببينة إذا قبضها ببينة؛ لأن الذي يأتي على قول ابن القاسم في هذه الرواية أن يكون مصدقا في رد الوديعة والقراض إن كان قبضهما ببينة، إذ لا فرق بين القراض وبين

الشيء المستأجر؛ لأنهما قبض كل واحد منهما لمنفعة الدافع والقابض، ولأنه إذا كان يصدق في رد الشيء المستأجر وإن كان قبضه ببينة فأحرى أن يصدق في رد الوديعة وإن كان قبضها ببينة؛ لأن الشيء المستأجر قبض لمنفعة القابض والدافع، والوديعة لم تقبض إلا لمنفعة الدافع وحده، وقد كان يشبه أن يفرق بين الوديعة والشيء المستأجر، بأن الإشهاد على الشيء المستأجر يحتمل أن يكون القصد به إنما هو الإشهاد على الأجرة لا على الشيء المستأجر، بخلاف الوديعة التي لا تحتمل أن يكون الإشهاد فيها على ما سوى الشيء المودع، لولا أن هذا ينتقض بالقراض، لاحتمال أن يكون الإشهاد فيه إنما قصد به الإشهاد على جزء القراض، فلا يلزم ابن القاسم اعتراض أصبغ عليه بالقراض والوديعة، إذ لا يفرق بين شيء من ذلك، وإن كان قد وقع لابن القاسم في النوادر ما ظاهره أنه فرق بين الشيء المستأجر وبين الوديعة والقراض، مثل ما تأول عليه أصبغ في هذه الرواية وهو بعيد، وقد مضى تمام القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع عيسى.

###: يقول أكتري منك المواد إلى مكة بخمسة دنانير فإن بدت لي الرجعة فبذلك الكراء

ومن كتاب البيع والصرف قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الذي يقول: أكتري منك المواد إلى مكة بخمسة دنانير فإن بدت لي الرجعة فبذلك الكراء، قال: لا بأس بذلك إذا كان الوزن والحمولة والكراء واحدا، وليس في شيء من ذلك زيادة، وقاله أصبغ ما لم يقدم شيئا من كراء الرجعة على أنه إن رجع فيه وإن لم يرجع استرده، فإذا كان هكذا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم أوصى من

سماع عيسى، ومضت أيضا والقول عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم.
وبالله التوفيق.

مسألة: موت الدابة المكتراه ببعض الطريق

مسألة قال أصبغ فيمن تكارى دابة إلى موضع بنصف ثوب أو ثوب، فركب الدابة فماتت ببعض الطريق، أو بلغ عليها إلى الموضع الذي أكراها إليه، فماتت واستحق نصف الثوب.
قال: إذا استحق نصف الثوب وركب الدابة نصف الطريق فإن الكري يأخذ ربع النصف الباقي الذي بيده، ويرجع على المكتري بربع كراء دابته إلى الموضع الذي ركب إليه كراء مثله، وكذلك النصف على هذا القياس.
قال محمد بن رشد: قوله فإن الكري يأخذ ربع النصف الباقي بيده ويرجع على المكتري بربع كراء دابته إلى الموضع الذي ركب إليه كراء مثله غلط بين لا يصح، وإنما يأخذ نصف النصف الباقي بيده ويرجع على المكتري بنصف قيمة ما سار من الطريق، وذلك أنه لما ماتت الدابة بنصف الطريق استوجب نصف الثوب الذي وقع الكراء به ورجع نصفه إلى المكتري فصارا فيه شريكين، فلما استحق نصفه على الإشاعة دخل الاستحقاق على الكري في نصفه، فوجب أن يرجع على المكتري بما يقابله من الركوب الفائت، وهو نصف قيمة كراء دابته إلى الموضع الذي ماتت فيه، إلا أن يشاء أن يرد ما بقي بيده من الثوب ويرجع بجميع قيمة ما سار من الطريق فيكون ذلك له، للضرر الداخل عليه باستحقاق نصف الثوب من يده.
وقوله: وكذلك النصف على هذا القياس، يريد

وكذلك إذا أكرى منه دابته بنصف ثوب فماتت الدابة بنصف الطريق، واستحق نصف الثوب، والواجب في ذلك على قياس ما قلناه وصححنا عليه المسألة أن يكون للمكتري من الثوب نصف ما بقي بيده منه بعد الاستحقاق، وهو الثمن بركوب المكتري دابته بنصف الطريق، ويرجع عليه بنصف قيمة ما سار من الطريق إلا أن يشاء أن يرد ويرجع بجميع الركوب؛ ولو استحق نصف ما وقع الكراء به من جميع الثوب أو من نصفه قبل الركوب؛ لانتقض نصفه، وكان للمكتري أن يركب نصف الطريق، إلا أن يشاء أن يرد النصف ويفسخ الكراء عن نفسه للضرر الداخل عليه بالاستحقاق فيكون ذلك له؛ ولو استحق جميعه قبل الركوب لانتقض جميع الكراء وبالله التوفيق.

###: تكارى دابة مشاهرة فسافر عليها فاعتلت في السفر ولم يستطع ركوبها

ومن كتاب القضاء العاشر قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عمن تكارى دابة مشاهرة فسافر عليها فاعتلت في السفر ولم يستطع ركوبها، قال: إن كانت له بينة بذلك فما أقامت في ذلك سقط عنه وحوسب بما قبل ذلك من قدر الكراء.
قال محمد بن رشد: قوله اكتراها مشاهرة فسافر عليها معناه أنه سافر عليها بإذن ربها بعد وجوب الكراء وانعقاده على الصحة بينهما، إذ لا يجوز للرجل أن يكري الدابة مشاهرة للتصرف والركوب على أن يسافر بها سفرا يسميه، وإنما يجوز أن يكريها للركوب والتصرف ويشترط أن يسافر عليها سفرا يسميه إذا أكراها لسنة أو لمدة معروفة مؤقتة فيعرف مقدار ما يقع منها السفر الذي اشترطه، ولو اشترط أن يسافر عليها إن احتاج إلى

السفر ولم يؤقت مقدار السفر لم يجز، وقد مضى بيان هذا في رسم البيع والصرف من كتاب الجعل والإجارة، ولو اكتراها لمدة معلومة أو مشاهرة للاختلاف بها في الأسفار إلى بلاد يسميها لجاز.
وقوله: إنه إن كانت له بينة على اعتلالها سقط عنه من كرائها قدر ما اعتلت فيه من مدة الكراء صحيح لا إشكال فيه؛ لأن المصيبة في مرض الأجير واعتلال الدابة المكتراة على الأجير والمكري، لا على المستأجر والمكتري.

مسألة: كراء دابة برقيق ثم ظهر استحقاقه للغير

مسألة قال أصبغ فيمن تكارى دابة إلى موضع بعبد أو بجارية فلما سار بعض الطريق استحق العبد أو الجارية، قال أصبغ: فإن له من الكراء بقدر ما حمله وسار به من الطريق بكراء مثله؛ لأنها سلعته، والثمن الذي أعطاه في العبد والجارية وجده فائتا فليرجع بقيمته هو، والدليل على ذلك أن لو بلغ الموضع كله ثم استحق العبد أو الجارية أكان يرجع بقيمتها؟ لا، ولكن بقيمة الكراء، كما لو لم يسر شيئا حتى استحقها بطل الكراء؛ لأنها سلعته اشتراها بسلعة بعينها فلم يتم له البيع فرجع إلى سلعته، ولم يكن له أن يقول: آخذك بقيمة العبد أو الجارية التي استحقت من يدي على ما أحببت وكرهت، وليس في هذا كلام.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة ليس فيها كلام ولا إشكال ولا اختلاف، والمسألة التي مضت في الرسم الذي قبل هذا تزيدها بيانا وبالله التوفيق.

###: مال حمل شيئا فصدم أو رمي فانكسر ما عليه

ومن كتاب الكراء والأقضية وسمعته يقول في حمال حمل شيئا فصدم أو رمي فانكسر ما

عليه، فالذي رماه أو صدمه ضامن لما عليه، وللأجير أجرته بقدر ما بلغ من الطريق.
وقاله أصبغ وليس على صاحبه أن يأتيه بمثله ويكمل له الأجرة؛ لأنه شيء محمول بعينه.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف المشهور في المذهب من أن الإجارة لا تنفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله، وقد مضت هذه المسألة وتحصيل القول فيها في رسم القبلة من سماع ابن القاسم، وفي المواضع المذكورة فيه، فلا وجه لإعادة ذلك.

###: طلب المتكاري العدل بالحمل من مكان لآخر

ومن كتاب محض القضاء وسئل عن كري حمل أحمالا من الشام إلى مصر إلى الفسطاط، فلما بلغ الفرماء قال له المتكاري: اعدل بأحمالي إلى الأشتوم أحملها في البحر ففعل، ثم أراد أن يرجع على الكري بما بين الفرماء إلى الفسطاط.
قال: ليس ذلك له إلا أن يكون المتكاري استثنى ذلك عليه، فقال له: اطرح أحمالي هاهنا وحاسبني وأعطني ما بقي، فإن لم يكن كذلك فلا شيء له على الكري والكراء كله للمكري، أرأيت لو قال له في بعض الطريق: ضع لي بعض متاعي هاهنا، فوضعه ألم يكن له كراؤه كله؟.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا أخذ أحماله في بعض الطريق فليس له أن يرجع على الكري بما يجب لما بقي من الطريق صحيح لا اختلاف فيه، وإنما الخلاف هل له أن يحمل على الإبل مثل تلك الأحمال

في مثل ما بقي من الطريق أو يكريها في مثله؟ أم ليس ذلك له؟ على حسب ما مضى في رسم المدنيين من سماع عيسى وتقدم القول عليه في رسم البيوع الأول من سماع أشهب.
وأما قوله إلا أن يكون استثنى ذلك عليه، يريد المحاسبة، فإنما يجوز ذلك إن كان المكري لم ينتقد الكراء، وأما إن كان قد انتقد فلا يجوز ذلك في الكراء المضمون باتفاق.
ولكن الكري يرد عليه مما قبض منه ما يجب لما بقي من الطريق، فيكون ذلك سلفا ومعه كراء.
فمعنى قوله: وأعطني ما بقي أي أسقطه عني ولا تأخذني به، ويجوز ذلك في الكراء المعين على اختلاف حسبما مضى القول فيه، في أول سماع أشهب وفي غيره من المواضيع.

###: اكترى شق محمل إلى مكة فمات بالطريق

ومن كتاب الجامع وسئل عن رجل اكترى شق محمل إلى مكة فمات بالطريق فلم يجد وليه كراء فأراد أن يطرح في شقه حجارة.
قال: ليس ذلك له، وهذا مضار به، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار، ومن ضار أضر الله به»، فهذا مضار، إلا أن يكون له في تلك الحجارة منفعة، فإن لم تكن له فيها منفعة فليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه إذا لم يجد وليه كراء شق محمل وليه فهي مصيبة دخلت عليه، فليس له أن يضار الكري بحمل ما لا منفعة له فيه للحديث الذي ذكره، فهو أصل جليل في هذا المعنى وشبهه.
ومحمد بن دينار يرى المحاسبة واجبة بموت المكتري.
وقع قوله في المدنية.
قال سئل محمد بن دينار عن الرجل يتكارى الدابة إلى بلد فيموت الذي اكتراها في بعض الطريق.
قال: يحاسب بما

ركبها على ما كان اكتراها فيعطيه بقدر ذلك وهو شذوذ من القول، ويحتمل أن يكون معناه إذ رضي بالمفاسخة، فلا يكون ذلك مخالفا لقولهم وبالله التوفيق.

###: القوم يكترون السفن ويريدون الرجوع فتردهم الريح بعد مدة للموضع الذي خرجوا منه

نوازل أصبغ وسئل أصبغ عن القوم يكترون السفن تجارا ويريدون الرجوع إلى بلدهم فتردهم الريح بعد شهر أو أقل أو أكثر إلى الموضع الذي خرجوا منه، فيطلب أصحاب المركب كراء ما ساروا ويحتج الركاب بأن الريح ردتهم إلى الموضع الذي ركبوا منه، وقالوا: نحن بمنزلة من لم يسر شيئا، وهل يختلف عندك إن كانوا لم يزالوا ملججين في البحر منذ ضجوا لم يرسوا إلى قرية ولم يحاذوها؟ أو كيف إن أرسوا بقرية ثم قلدوا منها فردتهم الريح؟ أو كيف لو حاذوا قرية وعرفوا الموضع الذي حاذوه، وكانوا قادرين على الإرساء بالقرية أو لا يقدرون لشدة الريح، فعصفت الريح فردتهم إلى موضعهم الذي خرجوا منه؟ قال أصبغ: أما الذين ذكرت أنهم لم يزالوا ملججين في البحر منذ خرجوا حتى ردتهم الريح إلى موضعهم فليس يلزم هؤلاء كراء؛ لأنهم لم ينتفعوا بشيء، ولا بلغوا مكانا انتفعوا بركوبهم إليه فيلزمهم لذلك الكراء إلى ذلك الموضع، وأما الذين أرسوا بقرية ثم قلدوا بعد، فأرى على هؤلاء أن يحاسبوا بقدر الموضع الذي أرسوا به؛ لأنهم قد كان لهم سعة على المركب ومندوحة وقادرون على

النزول والذهاب حيث شاءوا فلما رفعوا من ذلك الموضع فكأنهم ابتدأوا الركوب الساعة من ذلك الموضع، فيجب عليهم الكراء بقدر الموضع الذي بلغوه، وهم عندي بمنزلة ما لو انكسر المركب في هذا الموضع الذي ذكرت فسلم متاعهم أو بعضه فيجب عليهم من الكراء بقدر ذلك وبقدر ما انتفعوا به، فهذا هو ما فهمه.
وأما الذين حاذوا قرية ولم ينزلوا وكانوا قادرين على النزول أو لا يقدرون، فإن كانوا بقرب البر جدا وصاروا إلى موضع الأمن لا يخافون فيه من الريح شيئا قد أمنوا لقربهم من البر، وتعلقهم بالمرسى، ولو شاءوا أن يرسوا لأرسوا، ثم قلدوا فردتهم الريح فهؤلاء عندي بمنزلة من أرسى يحاسبون أيضا.
وأما إن كانوا حاذوا ولم يكونوا بهذه المنزلة من القرب والأمن، غير أنهم يخافون ويرجون فلا أرى عليهم كراء؛ لأن البحر سلطانه عظيم، ولا يؤمن تقلبه.
قيل: أرأيت إن كانت الريح غير غالبة لهم ولكن ردهم فزع اللصوص أو الروم، وكانوا ملججين أو غير ملججين قد عرفوا موضعهم أو لا يعرفون موضعهم؟ أو كيف إن كان الركاب بدالهم في الرجوع فغلبوا أصحاب المركب وقهروهم على الرد إلى موضعهم على ما وصفت لك من المسألة؟ قال أصبغ: أما إذا رجع أصحاب المركب فإن كان ذلك بسؤال من الركاب وطلب ردهم فالكراء عليهم، وإن كان على إكراه من أصحاب المركب فلا شيء لهم من الكراء، وإذا كان الركاب هم الطالبون الرجوع فالكراء كله عليهم وافر، وإن كان الركاب هم الطالبون لذلك

لعذر غلب من عدو أو بحر أو فزع اللصوص أو الروم فإن الكراء كله يبطل، ويصير بذلك كمن لم ينتفع ولم يرح، وذلك إذا كان ليس دون مرجعهم إلى حيث ركبوا مستعتب ينزلون فيه من مأمن ومنتفع به فيما خرجوا له، فإن كان كذلك فليس لهم في البدء أن يرجعوهم إلى مخرجهم إذا لم يكن يقدر على التقدم بهم وأنزلوا هناك وأعطوا أصحاب المركب قدر ما انتفعوا به في حمولته وتجارته، وإذا كان الركاب هم الذين مضوا بالمركب حين خافوا على أنفسهم إلى موضعهم الأول وأكرهوهم ألا يطرحوهم دونه، فأرى عليهم عند ذلك الكراء واجبا، وأحب إلي أن يكون كراء الذهاب إلى حيث انتهوا بقدره من الكراء الأول، وكراء الرجعة بالقيمة، وإن كان الأكرياء هم الذين أكرهوا الركاب ولم ينزلوهم إلا إلى مخرجهم الأول فلا كراء لهم أيضا.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أن كراء السفن على البلاغ كالجعل الذي لا يجب للمجعول له إلا بتمام العمل، وسواء على مذهبه كان الكراء على قطع الموسطة أو الريف وذلك معلوم من مذهبه فيما روي عنه أن من أكرى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في بعض الطريق فأخرج نصف القمح فحمل في غيرها أن لصاحب السفينة من كراء ما أخرج من القمح بقدر ما انتفع به ربه في بلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه؛ لأن الكراء من الإسكندرية إلى الفسطاط إنما هو في النيل الشط، فلم ير لصاحب السفينة كراء فيما ذهب من الطعام ورأى له فيما سلم منه بقدر ما انتفع صاحبه ببلوغه إلى حيث بلغ، وذلك على قياس ما قالوا في الجعل على

حمل خشبة إلى بلد يوصل إلى بعض الطريق ثم يحملها صاحبها فينتفع بما حملها المجعول له، فعلى مذهب ابن القاسم إذا غرقت السفينة أوردها الريح إلى الموضع الذي خرجت منه أو خوف اللصوص أو العدو وإن كان ذلك بطلب الركاب من أجل الخوف فلا كراء لصاحب السفينة كانوا ملججين أو غير ملججين، محاذين لقرية أو غير محاذين، قادرين على النزول فيها أو غير قادرين.
وقال ابن نافع في المدونة: لها بحسب ما بلغت، ورواه ابن أبي جعفر عن ابن القاسم، فعلى هذا إن غرقت السفينة في لجة البحر، أوردتها الريح أو خوف العدو أو اللصوص إلى حيث أقلعت منه يكون لها من الكراء بحساب ما بلغت كان الكراء على قطع البحر أو الريف الريف.
وذهب يحيى بن عمر إلى أنها إذا أكريت على قطع البحر فهي على البلاغ، وإن أكريت الريف الريف على الساحل فلها بحساب ما بلغت.
وتفرقة أصبغ في نوازله هذه بين أن يكونوا ملججين في البحر أو غير ملججين، محاذين لقرية قادرين على النزول فيها أو غير قادرين قول رابع في المسألة، وسواء على الظاهر من قوله كان كراؤهم على قطع البحر أو الريف الريف، وهو استحسان على غير قياس، وكذلك تفرقة يحيى بن عمر.
وقول ابن نافع ورواية ابن أبي جعفر عن ابن القاسم أظهر في القياس من قول ابن القاسم في المدونة لأن رد الكراء إلى حكم الإجارة أولى من رده إلى حكم الجعل، وقد اختلف في جواز النقد في كراء السفن على القول بأنها على البلاغ، فقيل: إن ذلك لا يجوز، كما لا يجوز نقد الجعل في المجاعلة بشرط.
وقيل: إن ذلك جائز.
والوجه في ذلك أن الغالب فيه السلامة فلم يتهموا في ذلك على القصد إلى الكراء والسلف إن غرقت السفينة، كما لا يتهمون على ذلك في موت الدابة والأجير وبالله التوفيق.

مسألة: اكترى على طعام فقال الكري بعني هذا الطعام وافسخ الكراء

مسألة قيل لأصبغ: أرأيت رجلا اكترى على طعام ليحمله إلى بلد فلما كال صاحب الطعام على الكري الطعام قال الكري: بعني هذا الطعام وافسخ الكراء فيما بيني وبينك، ففعل ذلك وباعه الطعام بكيله بنقد أو مؤخر.
قال: إن كان الكراء كان بنقد ولم ينقد حتى باعه وفاسخه على نقد فلا بأس به، وإن كان الكراء بتأخير فلا يجوز لأنه بمنزلة من باع عوضا معجلا ودينا له مؤخرا بذهب معجلة أو مؤخرة، فللعرضين من الدنانير حصة، وللدنانير من العرضين حصة، فصار ما أصاب العرض المؤخر وهي الحمولة إلى دنانير مؤخرة إلى أن يقبضها، فصار كالئا بكالئ، وإن كان الكراء كان نقدا وانتقد فهو زيادة في السلف فلا خير فيه، كان البيع بنقد أو بتأخير؛ لأن ما يزيده من ثمن الطعام زيادة في نقد الكراء الذي قبضه وانتفع به ورده مع ثمن الطعام، وإن كان الثمن بتأثير فهو أشد، ويدخله ما فسرت لك.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان الكراء بنقد ولم ينقد حتى باعه وفاسخه على نقد فلا إشكال في أن ذلك جائز على ما قال؛ لأن المكتري باع من الكري الحمولة التي له عليه وهي مؤجلة، والطعام الذي أعطاه بالدنانير التي أخذ منه في الطعام أو بالدنانير التي وجبت له قبله من الكراء حالة، فصار إلى أن باع طعاما مؤجلا وحمولة مؤجلة بدنانير معجلة، قبض بعضها من نفسه، وبعضها من الكري فجاز ذلك.
وأما إذا كان الكراء بنقد وانتقد فلا إشكال في أن ذلك لا يجوز، كان الثمن نقدا أو مؤخرا؛ لأنه الزيادة في السلف؛ لأن المكتري إذا كان قد نقد الكري الكراء فباع

منه الطعام على أن يقيله صار المكتري قد دفع إلى الكري دنانير وطعاما وأخذ منه دنانير أكثر من التي دفع إليه، بعضها قضاء للدنانير التي دفع إليه، وبعضها ثمن للطعام، فدخله البيع والسلف، كان ثمن الطعام نقدا أو مؤجلا ويدخله في المؤجل مع البيع والسلف الدين في الدين على مذهبه، ولذلك قال: فهو أشد.
وأما إذا كان الكراء بتأخير يعرف أو شرط، فقوله إن ذلك لا يجوز يأتي على القول بأن انحلال الذمم بمنزلة انعقادها في مراعاة آجالها، وذلك أن المكتري باع الحمولة التي له وهي مؤجلة، والطعام المؤجل بالكراء الذي عليه وهو مؤجل، وبالثمن الذي قبضه بالطعام فيدخله الدين بالدين.
وأما على القول بأن انحلال الذمم بخلاف انعقادها لا يراعى فيها الآجال لأن الذمم تبرأ ولا يكون لواحد منهما قبل صاحبه شيء، فيجوز ذلك؛ لأنه بفسخ هذه الإقالة تسقط الحمولة عن المكري، والكراء عن المكتري وتبرأ ذمتهما، ولا يكون لواحد منهما على صاحبه شيء يطلبه به إلى أجل فتكون دينا بدين، وهذا أظهر القولين.
وقد اختلف في ذلك قول ابن القاسم وابن حبيب، وقد بينا هذا المعنى في غير ما موضع، ومن ذلك ما ذكرناه في رسم القبلة من سماع ابن القاسم كتاب السلم والآجال فقف على ذلك وبالله التوفيق.

مسألة: التنازع بين المتكاريين في تعيين الحمل

مسألة قال إسماعيل الغافقي: نزلت بقوم من أهل طرابلس مسألة تشاجروا فيها، وذلك في رجل اكترى من رجل على حمل بعينه يحمله له من طرابلس إلى مصر فأخطأ الجمال فأخذ غير الحمل الذي اكتري عليه فحمله إلى مصر فلما أتوا مصر عثر على

ذلك من أمره وتنازعوا في ذلك، وكان فتيان القائم بأمورهم، والسائل عن مسألتهم، فسئل عن ذلك أشهب، فقال: أما الحمل الأول الذي اكتري الجمال على حمله فأرى على الجمال حملانه إلى مصر يرجع إليه صاغرا فيحمله كما اشترط عليه وليس خطؤه بالذي يضع عنه حملانه، وأما هذا الحمل الذي أخطأه الجمال فأرى صاحبه مخيرا إن أحب أن يأخذه بمصر بلا غرم عليه من كرائه كان ذلك له، وإن أحب أن يضمنه بمصر قيمته بطرابلس فعل وأخذه بالقيمة، وليس للجمال في ذلك قول إن قال: أنا أرد الحمل إلى طرابلس، وليس لصاحب الحمل أن يلزم الحمال حملان الحمل ورده إلى اطرابلس، وإنما له الخيار فيما وصفنا (قال): وسئل ابن وهب وابن القاسم عن ذلك فاجتمعا جميعا على أن صاحبه مخير إن أحب أن يغرمه بمصر قيمة الحمل باطرابلس كان ذلك له ولم يكن للجمال في ذلك قول، وإن أحب أن يأخذ الحمل بمصر لم يكن له بد من أن يغرم كراءه للجمال؛ لأن قيمته وجبت عليه ساعة أخطأ.
قال: واجتمعوا كلهم: ابن القاسم وابن وهب وأشهب على أنه ضامن لقيمته قد وجبت عليه لصاحب الحمل، قالوا: والقيمة اللازمة عليه قيمة الحمل بالموضع الذي أخطأ به، وليس بالموضع الذي حمله إليه.
وسئل عنها مطرف فقال: صاحب الحمل مخير إن شاء ضمنه قيمة الحمل يوم أخطأ به، وإن شاء أخذ الحمل وغرم كراءه للحمال، وليس للحمال أن يقول: أنا أرده للموضع الذي حملته منه؛ لأن القيمة قد لزمته، وليس

لصاحب الحمل بد من غرم الكراء إن رضي بأخذ الحمل، وأخذ قيمته بالموضع الذي حمله منه.
مثل قول ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: إنما خالف أشهب ابن القاسم وابن وهب ومطرفا في هذه المسألة في موضع واحد، وهو إذا أراد صاحب الحمل أن يأخذ حمله بمصر، فقال أشهب: يأخذه ولا كراء عليه فيه إذ لم يكره عليه، وقال ابن القاسم وابن وهب ومطرف: ليس له أن يأخذه إلا أن يغرم كراءه؛ لأنه لما ترك أن يضمنه قيمته باطرابلس، واختار أخذه بمصر، فكأنه قد أذن له في حمله إليها، وحكى ابن حبيب عن أصبغ في ذلك قولا ثالثا قد ذكرته في سماع أبي زيد من كتاب كراء والأرضين، واتفقوا كلهم أن على الجمال أن يرجع فيحمل الذي تكوري على حمله، ولا اختلاف أيضا بينهم أنه ليس للحمال أن يقول أنا أرد الحمل الذي أخطأت فيه إلى اطرابلس، وإنما لم يكن ذلك له؛ لأن الحكم قد تعين عليه بالقيمة، فلا يلزم أن يؤخر ما يوجبه الحكم من ذلك بما يدعو إليه، ولو بادر فرد الحمل إلى اطرابلس قبل أن يقدم عليه صاحبه لم يكن له إلا أن يأخذ حمله؛ لأن المعنى الذي من أجله كان يلزم القيمة فيه قد ذهب، كما لو غصب الحمل فحمله إلى بلد آخر ثم رده إلى موضعه، لم يجب للمغصوب منه إلا أخذ حمله؛ لأنه بحاله، وكما لو غصب رجل عبدا فحدث به عيب ثم ذهب العيب لسقطت القيمة عن الغاصب، ولم يجب للمغصوب منه إلا أخذ عبده، وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين في هذه المسألة ما فيه زيادة بيان وبالله التوفيق.

مسألة: هلاك الدابة بعد بلوغها موضع الكراء

مسألة وقال مطرف: من تكارى دابة من مصر إلى مكة فلما بلغ المدينة هلكت الدابة، وقال المكتري: اكتريت منك هذه الدابة بعينها وقد انقضى الكراء بيني وبينك لموتها فاردد علي من الكراء بقدر ما قصرت الدابة عنه، وقال صاحب الدابة: لا أرد عليك

شيئا، وإنما لك علي أن أبلغك إلى مكة؛ لأني لم أكرك دابة بعينها، وإنما أكريتك كراء مضمونا علي وهذه دابة أخرى فاركبها، إن القول قول الراكب المكتري، وعلى صاحب الدابة أن يرد عليه بقدر ما قصرت عنه الدابة.
ووجه الحجة في ذلك أن الكراء ينقطع بينهما بموت الدابة إذا اكتريت بعينها، فهذه الدابة لما هلكت فقد انقطع الكراء بينهما، ووجب للراكب من الكراء بقدر ما قصرت عنه الدابة، فإن قال صاحب الدابة: لم أكركها بعينها وإنما أكريتك كراء مضمونا علي، قلنا له: أنت مدع فيما تقول، فهات البينة على أن الأمر كما ذكرت، فأما الأمر عندنا فقد تبين لنا أن الكراء بينهما قد بطل.
ألا ترى أن الراكب لو قال لصاحب الدابة: لم أكتر منك هذه الدابة بعينها ولكني أكتريت منك كراء مضمونا عليك أن تبلغني مكة، وقال صاحب الدابة: إنما أكريتك هذه الدابة بعينها وقد انقضى الكراء بيني وبينك، إن الراكب مدع فيما يقول إن ادعى هذا؛ لأن الكراء قد انفسخ بينهما لموت الدابة، فلما ادعى ركوبا مضمونا قلنا له: أنت مدع فيما تقول فهات البينة، والحجة أيضا في ذلك أن رجلا لو اكتري دابة ثم اختلفا فقال صاحبها: أكريتك هذه الدابة بعينها وهذه الدابة الأخرى، وقال المتكاري: بل إنما أكريت منك هذه الدابة وحدها لإحدى تينك الدابتين أنهما يتحالفان ويتفاسخان، فكذلك الذي أكرى دابته فلما هلكت قال: أكريتك كراء مضمونا إنما هو رجل قال: أكريتك تلك الدابة ودابة أخرى، وقال الآخر: بل أكريت منك تلك الدابة بعينها.
فلا بد من أن يتحالفا ويتفاسخا

ويدل على هذه ويبين صوابها قول مالك في الذي اكترى من مصر إلى مكة، فلما بلغا المدينة اختلفا، فقال الجمال: لم أكرك إلا إلى المدينة.
وقال الراكب: بل إلى مكة، فانظر في قول مالك فيها فإنك تستدل به على هذا القول ويتبين لك صوابه إن شاء الله وبه التوفيق.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن الدابة إذا ماتت فقال المكتري إنه اكترى كراء مضمونا صار مدعيا، على الكري ركوبا في ذمته والكري ينكره في ذلك، والأصل براءة الذمة، فوجب أن يكون القول قوله، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
فإن قال المكري لما هلكت الدابة: أكريتك كراء مضمونا وهذه دابة أخرى فاركبها صار مدعيا على المكتري في أن يلزمه ركوب دابة ينكر أن يكون اكتراها، فوجب أن يكون القول قوله في ذلك مع يمينه.
ألا ترى أنهما إذا اختلفا قبل الركوب فادعى أحدهما كراء مضمونا، وادعي الثاني كراء دابة بعينها، وجب أن يتحالفا ويتفاسخا؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه، كان المكري هو الذي ادعى المضمون والمكتري هو الذي ادعى المعين، أو الكري هو الذي ادعى المعين والمكتري هو الذي ادعى المضمون، فيحلف كل واحد منهما على تكذيب صاحبه.
فإذا ماتت الدابة التي ادعى أحدهما أن الكراء وقع عليها بعينها حلف الذي ادعى منهما أن الكراء كان مضمونا؛ لأنه هو المدعي عليه وحده، كان الكري أو المكتري، ولم يجب على الذي ادعى منهما أن الكراء وقع على الدابة المعينة يمين إذ قد ماتت الدابة فانفسخ الكراء فيها بموتها، وهذا بين لا إشكال فيه وبالله التوفيق، لا رب غيره ولا خير إلا خيره.

###: كتاب الأقضية الأول

###: موت القاضي قبل بلوغ الكتاب إلى من أرسله له

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب أوله حلف يرفعن أمرا إلى السلطان أخبرني محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن أحمد العتبي عن سحنون عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن رجل يأتي بكتاب من والي مكة إلى والي المدينة مثل القاضي والأمير وما أشبهه فلا يصل إلى المدينة حتى يموت الذي كتب له الكتاب وقضى له بالحق، قال مالك: فأرى لصاحب المدينة أن ينفذ ذلك الكتاب، ويقضي له بما فيه، أرأيت لو أن قاضيا قضى لرجل ثم هلك لجاء آخر بعده أكان ينقض مم قضى ذلك؟.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة جارية على الأصول مثل ما في المدونة والواضحة وغيرهما لا اختلاف فيها ولا إشكال في معناها؛ لأنه لما كان الأصل أن القاضي ينفذ ما يثبت عنده من قضاء حكام البلاد وإن كانوا قد ماتوا أو عزلوا كما ينفذ ما ثبت عنده من

قضاء الحاكم قبله ببلدة الميت أو المعزول، وجب أن تنفذ كتبهم وإن كانوا قد ماتوا أو عزلوا قبل وصول كتبهم إليه وقبل انفصالها عن ذلك البلاد، فيصل حكمه بحكمهم ويبنيه عليه، كما ينفذ ما ثبت عنده أنه مضى من عمل الحاكم قبله الميت أو المعزول فيصل حكمه بحكمه ويبنيه عليه، ولا يأمر الخصمين باستيناف الخصام عنده إن كان الشهود قد شهدوا عند الميت أو المعزول فأشهد على ذلك أو كتب به إلى حاكم بلد آخر ثم مات أو عزل، نظر الذي ولي بعده أو المكتوب إليه فيما شهدوا به، كما كان ينظر في ذلك الميت أو المعزول، ولم يأمر بإعادة الشهادة عنده، وإن كانوا قد شهدوا عنده قبلهم أعذر إلى المشهود عليه فيما شهدوا به دون أن ينظر في عدالتهم، وإن كانوا قد شهدوا عنده فأعذر في شهادتهم إلى المشهود عليه فعجز عن الدفع فيما أمضى الحكم عليه بها دون أن يستأنف الإعذار إليه مرة أخرى وهذا بين، إذ لا فرق إذا ثبت عند القاضي حق لرجل على رجل بين أن يشهد شهودا أنه قد ثبت عندي لفلان على فلان كذا وكذا، بشهادة فلان وفلان فشهد أولئك الشهود بما أشهدهم به من ثبوت ذلك الحق عنده عند قاضي بلد آخر بعد موته أو عزله، وبين أن يكتب بذلك إلى قاضي بلد آخر، فلا يصل إليه الكتاب إلا بعد موته أو عزله، فيما يجب من إعمال الأمرين إذا كان الكتاب قد ثبت عنده بشهادة شاهدين أنه كتابه.
قاله ابن القاسم وابن الماجشون، وقال أشهب: لا تجوز شهادتهما أنه كتابه حتى يشهدا أنه قد أشهدهما عليه، ولا يكتفي في ذلك بالشاهد الواحد، ولا بالشهادة على أن الكتاب بخط القاضي، ولا أن الختم ختمه.
وهذا في الكتب التي تأتي من كورة إلى كورة، ومن مثل المدينة إلى مكة، ومثل مكة إلى المدينة.
وأما إذا جاء من أعراض المدينة إلى قاضي المدينة كتاب بغير بينة فإنه يقبله بمعرفة الخط وبمعرفة الختم، وبالشاهد الواحد إذا لم يكن هو صاحب القضية، لقرب المسافة واستدراك ما يخشى من التعدي.
قاله ابن حبيب في الواضحة، وقال ذلك أيضا ابن

كنانة وابن نافع في الحقوق اليسيرة خلاف ظاهر قول ابن حبيب، وقد كان يعمل فيما مضى كتاب القاضي بمعرفة الخط والختم دون بينة حتى حدث ما حدث من اتهام الناس فأحدثت الشهادة على كتاب القاضي، قال في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الوصايا أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته.
وفي البخاري أن أول من سأل البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله العنبري.
والأصل في هذا أن قول القاضي مقبول فيما أخبر أنه ثبت عنده أو قضى به، ينفذ ما أشهد به من ذلك على نفسه ما دام قاضيا لم يعزل، فإذا كتب بذلك إلى قاض غيره وجب على المكتوب إليه أن ينفذه ويصل نظره به إذا كتب إليه بذلك؛ لأنه في كتابه إليه به في معنى المخبر لا في معنى الشاهد، ولو خاصم الرجل عند القاضي فكلفه إثبات الشيء من الأشياء فأتاه بكتاب قاض أنه قد ثبت عنده ذلك الشيء، أو أنه قد قضى له به لم يجز ذلك؛ لأنه هاهنا شاهد، وشهادته لا تجوز فيما حكم به إلا أن يشهد على حكمه به عنده شاهدان سواه وذلك بين من قول ابن القاسم وأصبغ في رسم محض القضاء من سماع أصبغ بعد هذا، وهو معنى ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن وهب وأصبغ من أن القاضي لا يمكن المشهود له من أن يعدل شهوده عند قاضي بلد من البلدان، فيكتب إليه بعدالتهم، إلا أن يكتب هو إلى ذلك القاضي يسأله عنهم.
وقد ذكر أيضا في أول ذلك الباب أن القاضي إذا كتب بعدالة شاهد من أهل عمله إلى القاضي الذي شهد عنده شاهد جاز، وإن كان المشهود له سأله ذلك فكتب له به ابتداء دون أن يكتب إليه القاضي الذي شهد عنده الشاهد يسأله عنه، وحكى ذلك أيضا عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ وهو بعيد.
وإذا كتب إليه يسأله عن الشاهد الذي شهد عنده اكتفى في جوابه إليه بمعرفة الخط دون الشهادة على الكتاب، قاله ابن حبيب في الواضحة، ما لم يكن فيما سأله عنه فكتبه إليه فيه قضية قاطعة، والقياس لا يكتفي في شيء من ذلك

بمعرفة الخط إلا فيما قرب من أعراض المدينة على ما تقدم، وسيأتي من معنى هذه المسألة في آخر سماع عيسى وبالله التوفيق.

مسألة: الانتفاع بالمقابر التي اندرست

مسألة وسئل عن فناء قوم كانوا يرمون فيه، وفيه عرض لهم، ثم إنهم غابوا عن ذلك فاتخذ مقبرة ثم جاءوا فقالوا: نريد أن نسوي هذه المقابر ونرمي على حال ما كنا نرمي فيه، قال مالك: أما ما قدم منها فأرى ذلك لهم، وأما كل شيء جديد فلا أحب لهم درس ذلك.
قال محمد بن رشد: أفنية الدور المتصلة بطريق المسلمين ليست بملك لأرباب الدور كالأملاك المحوزة التي لأربابها تحجيرها عن الناس لما للمسلمين من الارتفاق بها في مرورهم إذ ضاق الطريق عنهم بالأحمال وشبهها، إلا أنهم أحق بالانتفاع بها فيما يحتاجون إليه من الرمي وغيره، فمن حقهم إذا اتخذت مقبرة في مغيبهم أن يعودوا إلى الانتفاع بها بالرمي فيها إذا قدموا، إلا أنه يكره لهم درسها إذا كانت جددا مسنمة لم تدرس ولا عفت، لما جاء في درس القبور، روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لأن يمشي أحدكم على الرضف خير له من أن يمشي على قبر أخيه».
وقال: «إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته».
وقال ابن أبي زيد: إنما كره درسها لأنها من الأفنية، ولو كانت من الأملاك المحوزة لم يكره ذلك، وكان لهم الانتفاع بظاهرها.
وروي عن

علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: واروا في بطنها وانتفعوا بظاهرها.
قال الإمام: ولو كانت من الأملاك المحوزة فدفن فيها بغير إذنهم لكان من حقهم نبشهم منها وتحويلهم إلى مقابر المسلمين، وقد فعل ذلك بقتلى أحد لما أراد معاوية إجراء العين التي إلى جانب أحد.
روي عن جابر بن عبد الله قال: لما أراد معاوية إجراء العين التي إلى جانب أحد أمر مناديا فنادى في المدينة، من كان له قتيل فليخرج إليه ولينبشه وليحوله، قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم من قبورهم رطابا يبتسمون، يعني شهداء أحد وبالله التوفيق اللهم عونك يا معين.

###: من كانت له شجرة في أرض رجل فله موضعها من الأرض

ومن كتاب أوله حديث طلق بن حبيب وسئل مالك عن رجل كانت له شجرة في أرض رجل فسقطت فنبتت لها خلوف أتراها لصاحبها؟ قال: نعم، قيل له: أفترى لصاحبها أن يغرس مكانها شجرة أخرى؟ قال: نعم، أرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الخلوف التي نبتت من الشجرة التي سقطت لصاحب الشجرة صحيح، ومعناه إذا نبتت في موضع الشجرة؛ لأن من كانت له شجرة في أرض رجل فله موضعها من الأرض، وليس لقدر ذلك حد معروف مؤقت عند مالك، وهو بقدر ما يحتاج إليه الشجرة في شربها، وما «روي أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حريم نخلة فقطع منها جريدة ثم ذرعها فإذا هي خمسة أذرع.
قال أبو طوالة أحد رواه الحديث أو سبعة أذرع فجعلها حريمها»، معناه عند من أخذ بالحديث

(من) أهل العلم في النخلة التي يغرسها الرجل في الموات الذي يجوز له استحياؤه، فيستحق بذلك منه القدر المذكور في الحديث، وهو ما تحتاج إليه النخلة من الأرض، وحمل الحديث على عمومه في الموات وغير الموات أولى والله أعلم.
وأما إن نبت الخلوف خارجة عن قدر حق صاحب الشجرة من الأرض، فإن كان لصاحب الشجرة فيها منفعة ليغرسها في حقه كان له أن يقلعها، وإن لم تكن له فيها منفعة لغرسها لم يكن له أن يقلعها، وكانت لرب الأرض بقيمتها حطبا إن كانت لها قيمة، أو باطلا بغير شيء إن لم تكن لها قيمة، إلا أن يكون إقرارها مضرا بأهل الشجرة فيكون له أن يقلعها على كل حال، إلا أن يشاء الذي ظهرت في أرضه أن يقطع العروق المتصلة بالشجرة حتى لا يضربها فيفعل ذلك ويعطيه قيمتها حطبا إن كانت لها قيمة، وهذا معنى قول ابن القاسم في رسم الثمرة من سماع عيسى من كتاب السداد والأنهار، وفي المجموعة.
وقوله: إن له أن يغرس مكانها شجرة أخرى صحيح، ومعناه شجرة لا تكون أكثر انتشارا وأضر بالأرض من التي سقطت على ما قال في القسمة من المدونة وبالله التوفيق.

مسألة: رفض العبد المبعض السفر مع مالك نصفه

مسألة وسئل مالك عن العبد يكون نصفه حرا ونصفه مملوكا فيريد الذي له فيه الرق أن يسافر به ويأبى الغلام ذلك، ويقول: تقطعني على عملي، قال: إن كان سفرا قريبا رأيت ذلك له، وإن كان سفرا بعيدا رأيت أن يكتب له بذلك القاضي كتابا يكون معه إن خاف في ذلك أن يباع أو يركب بظلم يكون معه وثيقة له، وقد أشرت بذلك على قاض كان عندنا استشارني فيه فأمرته أن يكتب

لهم بذلك كتابا وهو عثمان بن طلحة.
قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن قول مالك في العبد يكون نصفه حرا ونصفه مملوكا، قال: إذا أراد به سيده سفرا سافر به، فإن كان بعيدا كتب له كتابا لئلا يسترق.
قلت: ولأي شيء ألزمه ذلك؟ قال: لأن مالكا يقول ويرى الحرية تبعا للرق وهذا عنده من الأصول.
قال محمد بن رشد: قوله: رأيت أن يكتب له بذلك القاضي كتابا يكون معه وثيقة له، كلام ليس على ظاهره؛ لأن العبد لا ينتفع في المكان الذي يذهب إليه بكتاب يكون بيده لا بينة عليه، إذ لا يحكم له بكتاب القاضي دون بينة تنقله إليه وتشهد عليه، فالمعنى في ذلك أن يكتب له الكتاب إلى قاضي البلد الذي يسافران إليه مع شاهدين ممن يسافر مع العبد، فيشهدهما على الكتاب وعلى عين العبد.
وفي سماع أشهب عن مالك من كتاب الشركة، أن السيد إذا لم يكن مأمونا لم يكن له أن يخرج به، وإذا قضي له بالخروج به كانت عليه النفقة والكراء في سفره حتى يقر قراره في موضع يكون له فيه عمل ومكتسب، فتكون له أيام وللسيد أيام، وروى البرقي عن أشهب أنه ليس له أن يخرج به وإن كان مأمونا وكان العبد متعديا؛ لأنه ملك من نفسه ما يملك الشريك، فصار شريكا في نفسه، ولا ينكحه إلا برضاه كالشريك، وحكى ذلك أيضا عنه ابن المواز وابن حبيب، قال ابن حبيب: وأما لو أراد الانتقال به إلى قرية يسكنها فإن كانت من الحواضر فذلك له وإن كره العبد ففي سفره به إلى غير الانتقال ثلاثة أقوال: أحدها أنه ليس له أن يسافر به وإن كان مأمونا، وهو قول أشهب ومحض القياس.
والثاني أن له أن يسافر به ويكتب له كتابا إن لم يكن مأمونا، وهو قول مالك في هذه الرواية.
ووجه ما استدل به من أن الحرية تبع للرق، بدليل إجماعهم أن أحكامه أحكام الرق ما كانت فيه شعبة من الرق.
والثالث أنه إذا كان مأمونا كان له أن يسافر به، وإن لم

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل