كتاب طلاق السنة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أشهر، قيل له: فإن طلقها زوجها، قال: بحيضتين قبل الرضاع، قيل له: فإن توفي عنها زوجها، قال: شهرين وخمس ليال، وإن لم تحض إلا أن تستريب، قال: وإذا بيعت الأمة وهي ترضع، فمنعها ذلك من الحيضة، فثلاثة أشهر.
قال محمد بن رشد: الفرق بين أن تباع الأمة وهي ترضع، أو تطلق وهي ترضع، أن الحيضتين للأمة في الطلاق عبادة، فلا تنتقل عنها إلا إلى الأشهر، إلا أن تكون من الآيسات، لقول الله عز وجل: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، والمرضع ليست من الآيسات، ولا من المرتابات، إذا علم السبب الذي من أجله تأخر الحيض عنها، وأن الحيضة في الأمة المبيعة ليست بعبادة، وإنما هي استبراء، ليعلم بها براءة رحمها، وبراءة رحمها يعلم بالثلاثة أشهر؛ إذ قد علم أن الحيض لم يتأخر عنها لريبة، وإنما تأخر بسبب الرضاع، وأما قوله في التي توفي عنها زوجها وهي ترضع، إنها تعتد بشهرين وخمس ليال وإن لم تحض، إلا أن تستريب، فالريبة إنما تكون هاهنا بحس تجده في بطنها، فإن وجدت ذلك فلا تحل حتى تذهب تلك الريبة عنها، وتبلغ إلى أقصى أمد الحمل، وأما إن لم تسترب، فتنقضي عدتها التي فرض الله عليها بالشهرين وخمس ليال، كما قال: فيسقط عنها الإحداد، ويسقط حقها في السكنى، إلا أنها لا تتزوج إن كانت مدخولا بها حتى يمر بها ثلاثة أشهر، فيعلم أنها لا حمل بها؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وبالله التوفيق.
مسألة: له زوجتان سلامة وميمونة فقال لسلامة أنت طالق يوم أطلق ميمونة
مسألة وقال: في رجل كانت له زوجتان: سلامة، وميمونة، فقال لسلامة: أنت طالق يوم أطلق ميمونة، ثم قال لميمونة: أنت طالق
يوم أطلق سلامة، فقال: أيتهما طلق أولا فإنه يقع عليها تطليقتان، وعلى صاحبتها تطليقة.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأنه إذا قال لسلامة: أنت طالق يوم أطلق ميمونة، فطلق ميمونة، وكان بطلاقه إياها قد طلق سلامة، ولما كان طلاق سلامة بطلاقه ميمونة، وقع الطلاق على ميمونة، لقوله لها: أنت طالق يوم أطلق سلامة، وكذلك إن بدأ بسلامة فطلقها، كان بطلاقه إياها قد طلق ميمونة، ولما طلق ميمونة بطلاقه سلامة، وقع الطلاق على سلامة لقوله لها: أنت طالق يوم أطلق ميمونة، فهذا ما لا إشكال فيه، والمسألة متكررة في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق إن استكملت في هذا البيت سنة
مسألة وقال في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن استكملت في هذا البيت سنة أو سكنته سنة، فسكنته أحد عشر شهرا، ثم انتقلت منه، فأقامت أشهرا، ثم رجعت إليه فسكنه سنة، أو أكثر، قال: لا حنث عليه، إلا أن تكون أقامت سنة مستقبلة من يوم حلف.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه حلف على امرأته بهذه اليمين، والمرأة ساكنة في البيت، فحمل يمينه على أنه أراد ألا يتمادى في سكناه سنة، فجعل السنة التي حلف عليها تتعين من يوم اليمين، لكونها ساكنة في البيت يوم اليمين، ولذلك قال: إنها إن سكنته أحد عشر شهرا ثم انتقلت عنه ثم عادت إليه فسكنته سنة، إنه لا حنث عليه.
وعلى هذا التأويل، ساوى بين أن يقول: إن استكملت أو إن سكنت، ولو لم تكن ساكنة في البيت يوم اليمين، فقال لها: أنت طالق إن سكنت بيت كذا سنة، أو إن استكملت السكنى في بيت كذا سنة، لوجب أن يحنث متى ما سكنت فيه سنة متصلة أو مفترقة؛ لأنه نكر السنة التي حلف عليها بقوله: سنة فلم يعينها، ولا عرفها
بتسميته ولا بإشارة إليها.
فكان كمن حلف ليصومن سنة كاملة.
أو أن لا يصوم سنة كاملة، فحنث، إنه يبر إن حلف ليصومن سنة كاملة، بصيام سنة مفترقة، ولا يحنث إن حلف ألا يصوم سنة كاملة، إلا بتمام صيام سنة كاملة متصلة أو مفترقة، إلا أن ينوي صلاة متصلة على مذهبه في المدونة أن من نذر أن يصوم، أنه لا يلزمه صيامها متتابعة، إلا أن ينوي ذلك، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب في ذلك، وإنما تعين السنة بلفظ النكرة في الكراء خاصة، من أجل أن الكراء لا يجوز على سنة غير معينة، فإذا قال الرجل للرجل: أكريك الدار سنة، تعينت السنة من يومئذ لهذه العلة، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق أنه لا يأتي أهله نهارا
مسألة وقال: في رجل حلف بالطلاق، أنه لا يأتي أهله نهارا، قال: لا شيء عليه، قيل له: فإن حلف ألا يبيت عند امرأته أبدا، وقال: أنا آتي بالنهار، قال: ذلك له، ولا أبلغ به إن أطلق، وقال: قبل ذلك يتلوم له، فإن أبى طلق عليه.
قلت: أرأيت إن كانت عنده امرأتان، فكان يبيت عند إحداهما ولا يبيت عند الأخرى قال: لا تطلق عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الله عز وجل جعل الليل سكنا ليسكن الرجل فيه إلى أهله، والنهار مبصرا ليبتغي فيه الرجل من فضل ربه، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 72]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 73]، يريد تعالى لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضل الله بالنهار، فوجب ألا يكون على من حلف ألا يأتي أهله نهارا شيء؛ لأنه حلف
أن يفرغ نهاره لما جعله الله له، وأن يكون الرجل في حلفه ألا يبيت عند امرأته مضرا بها؛ لأنها لم تتزوجه إلا لتسكن إليه ويسكن إليها في الحين الذي جعله الله وقتا للسكون، وهو الليل، فمرة استحق ذلك ولم يره من الضرر الذي يجب به الطلاق عليه، ومرة رآه من الضرر البين الذي يجب به أن يطلق عليه بعد التلوم وهو الأظهر، لما قدمناه من دليل كتاب الله عز وجل.
ولا إيلاء عليه بحال؛ لأن الإيلاء إنما هو على من حلف على ترك الوطء جملة، وهو إنما حلف على ترك الوطء بالليل دون النهار، وكذلك الذي يبيت عند إحدى امرأتيه، ولا يبيت عند الأخرى، لا تطلق عليه على القول الواحد، وتطلق عليه على القول الثاني بعد التلوم وهو الأظهر؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لرافع: «يا رافع اعدل بينهما وإلا ففارقهما».
مسألة: دعا امرأته لحقه فلم تجبه فقال إن قمت ولم تفعلي فما أنت بامرأة
مسألة وقال: في رجل دعا امرأته إلى ما يدعو إليه الرجال نساءهم، فلم تجبه إلى ذلك، فقال: إن قمت ولم تفعلي ما دعوتك إليه، فما أنت بامرأة، يريد بقوله ذلك الطلاق، فنقر رجل الباب، فقامت ولم يكن نوى طلقة ولا اثنتين ولا ثلاثا، قال: هو عندي لي ثقيل، فرأيت في معنى قوله: إن الطلاق قد لزمه ألبتة.
قال محمد بن رشد: قوله: يريد بذلك الطلاق، يدل على أنه لو لم يرد بذلك الطلاق، لم يكن عليه شيء، مثل ما في التخيير والتمليك من المدونة وقال: إنه إن أراد بذلك الطلاق فهو ثقيل، ولم يبين ما يلزمه، والذي ظهر إلى الراوي من معنى قوله: إنه البتات كذلك، روى أصبغ عنه نصا أنه ثقيل، والاحتياط فيه البتة، وقال أصبغ: هو جميع الطلاق، ظاهر قوله في وجه الحكم، واللزوم ليس من باب الاحتياط كما قال ابن القاسم.
وقال عيسى بن دينار: هي واحدة، وقول ابن القاسم: هو الصحيح، لاقتضاء اللفظ له؛ إذ لا تخرج على أن تكون له امرأة إلا الطلاق، البتات؛ لأن المطلقة واحدة أو اثنتين باقية في العصمة، ما لم تنقض العدة ترثه ويرثها، وتجب عليه
نفقتها، ويملك رجعتها، وقد كان بعض الشيوخ يفتي من هذه المسألة في نازلة تنزل عندنا كثيرا، وهي الرجل يحلف على امرأته، فيقول: بالله إن فعلت كذا وكذا إن كنت لي بامرأة، أو الطلاق علي ثلاثا أو الأيمان لي لازمة، أو علي المشي إلى مكة، إن فعلت كذا وكذا، إن كنت لي بامرأة إن الطلاق يلزمه بقوله: إن كنت لي بامرأة، ولا يراعى عقد يمينه ويقول: إنما معنى ذلك أنه حلف أنه قد طلقها، وذلك لا يصح؛ لأنها يمين منعقدة، يصح فيها البر والحنث، والمعنى فيها: والله أو الطلاق ثلاثا علي إن فعلت كذا وكذا لأطلقنك طلاقا لا تكون لي بامرأة فيبر في يمينه بأن يباريها بطلقة واحدة يملكها بها أمر نفسها حتى لا تكون له بامرأة، وبالله التوفيق.
مسألة: الولد إذا أنفق على والده أينفق على امرأته معه
مسألة قال أشهب وابن نافع: سألنا مالكا عن الولد إذا أنفق على والده، أينفق على امرأته معه؟ قال: إن كان الولد موسرا أو كان ذلك يسيرا فما أشبه ذلك أن تكون عليه النفقة، وإن كان رجلا ناكحا بامرأة لها شأن، فما أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: في المدونة: إنه يجبر على نفقة امرأة واحدة من زوجات أبيه، كانت أمه أو ربيبة، وقال المغيرة في غير المدونة، ومحمد بن عبد الحكم: لا يلزم الإنفاق على ربيبته، وإنما ينفق على أبيه وأمه، ورواية أشهب هذه قولة ثالثة بين القولين، فقف على ذلك، وبالله التوفيق لا شريك له.
تم الجزء الثاني من كتاب طلاق السنة بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
والله المعين بفضله.
يتلوه كتاب الأيمان والطلاق.
انتهى الجزء الخامس من البيان والتحصيل للإمام ابن رشد
من عمل ثمانية عشر جزءا
يتلوه أول السادس كتاب الأيمان بالطلاق